قال: وليس الأمر كما ذكر؛ لأن هذا الكلام يتضمن أن السامع قد يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره لينشط المستمع للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل١:
أقول: لكم قلت إنه إذا كان حسنا لا يمل، وهل الملال إلا من الملذ؟ ألا تراهم كيف يقولون مل فلان التنزه في البستان، ويقولون قد مللت من أكل الحلواء. ومللت من سماع الأغاني؟ ولأن الأشياء الكريهة المملولة لا يقال لها مللتها، ألا تراهم يستقبحون قول من يقول قد مل المحبوس من الحبس، والمضروب من الضرب؟ فالذي ذكره المصنف عكس الصحيح.
٨٦- قال المصنف: وأيضا فلو صح ما قاله لكان الالتفات إنما يوجد في الكلام المطول الذي من شأنه أن يمله السامع لطوله، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنا قد وجدنا الالتفات في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ومجموع الجانبين معا لا يبلغ عشرة ألفاظ٢.
أقول: لما كان مراد الواضع الإفهام للسامع، وكان الإفهام لا يحصل إلا بالإصغاء، احتال الواضع لتحصيل الإصغاء بكل طريق، فكان من تلك الطرق نقل الخطاب من الحضور إلى الغيبة وبالعكس، ليجد السامع ما يوقظه
стр. 212
وينبه على الاستماع؛ لأنه باستمرار الخطاب على نمط واحد ربما قد يمل، فنقل من أسلوب الخطاب إلى أسلوب آخر مستأنف، ليطرأ على ذلك السهو الذي عساه حصل فيزيله، ثم لفرط العناية بالإفهام وقع ذلك في قصير الكلام حسب وقوعه في طويله، لا في كل قصير منه، كما أنه لم يقع في كل طويل منه، ولكن بحسب ما تقتضيه المصلحة.
ولهذه العلة أنزل في القرآن الكريم ألفاظ وحروف غير مفهومة، مثل طسم والمص وغيرها، ليعارض المشركون فيها عند سماعها، فيكون ذلك كالاستجرار لهم إلى سماع غيرها من الآيات المنزلة، فإنها إذا قرعت أسماعهم قرعها أمر غريب تنزع النفس عند سماعه، وتتشوق إلى معرفته، فينبعث الداعي إلى سماع ما بعدها ليفسر ما به، كما يفسر بعض الكلام ببعض، فتحصل الفائدة من وقوفهم على فصاحة القرآن وسر إعجازه.
ونظير اعتراض المصنف وهو قوله: لو كان هذا خوفا للملال لكان في طويل الكلام دون قصيره، أن يعترض هنا المثال الذي قد مثلنا به فيقال: لو كن هذا هو المراد من هذه الحروف لكانت في ميع السور بل في السورة الواحدة مرات كثيرة، لتكون أدعى للمشركين إلى تأمله. والجواب عن الموضعين واحد، وهو أن ذلك إنما يكون بحسب ما تقضي به المصلحة، ولهذا كرر سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ١ مرارا كثيرة في سورة واحدة، لما كانت
стр. 213
المصلحة تكراره فالمخاطب أعرف بما يخطاب به، وأدرى بما يتوصل به إلى اجتناء ثمرة المخاطبة، سواء كان الباري سبحانه أو واحدا منا.
٨٧- قال المصنف: وعلى هذا فيجب إذا وجدنا كاملا قد استعمل فيه الإيجاز أو الإطناب -ولكنه لم يقع فيه الالتفات لكن كل واحد من لطرفين واقع موقعه- أن نقول هذا ليس بحسن إذا لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا قول ما فيه، وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة١.
أقول: إن هذا الاعتراض من أظرف ما يحكى وذلك أن الزمخشري ما جعل حسن الكلام مقصورا على الالتفات كالشروط التي تقدم عند عدم شروطها، ولكنه قال إن الالتفات مما تستعمله العرب، ووجه استعمالها أنه يحصل منه نوع تنبيه ما للسامع وتجديد لنشاطه إلى سماع الخطاب، فلا يلزم من ذلك أن كل خطاب لا التفات فيه فإنه لا يكون حسنا، كما إذا قلنا إنما حسن استعمال المطابقة والتجنيس في الشعر لكذا وكذا، لا يلزم منه أن يكون كل شعر لا تجنيس فيه ولا مطابقة غير حسن.
وغير هذا الكلام أن محسنات العشر والخطابة أمور كثيرة، فإذا فقد بعضها قام غيره مقامه، فحصل الحسن المطلوب.
стр. 214
لكن لو فقدت كل الحسنات لزم لا محالة ألا يكون الكلام حسنا.
فقد بان أن هذا الموضع ما ذهب على الزمخشري، وإنما ذهب على من اعترضه.
ثم يقال: ألست القائل: قد يعدل عن لفظة الغيبة إلى لفظة الحضور تعظيما، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإنه عدل عن لفظ الغيبة وهو قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن العبادة أعظم من الحمد، فجعل العبادة بكاف الخطاب لعظم شأنها، وكاف الخطاب أصرح وأدل من هاء الغيبة، فجعل الأعظم للأعظم، فيقال لك: فقد قال سبحانه في موضع آخر ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ فيجب أن تكون هذه الآية غير حسنة لفقد المعنى الذي ذكرته، كما قلت إنه لو كان الألتفات حسنا كما قاله
الزمخشري لوجب أن يكون كل خطاب واقع موقعه، والألتفات فيه غير حسن، فكل ما يجيب به فهو جواب الزمخشري.
٨٨- قال المصنف: وقد يؤكد الضمير المتصل، كقوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ وقد يؤكد الضمير المنفصل بالمنفصل: وذلك مثل قول أبي تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار
ومثل قول المتنبي:
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك جدك الملك الهمام٢
стр. 215
أقول: إن هذين البيتين لا يصلح أن يمثل بهما على توكيد الضمائر، وذلك أن التوكيد ما لو حذف وبقي المؤكد يبقى اللفظ دالا على المعنى، إلا أنه غير مؤكد له كالآية التي استشهد بها، فإنه لو حذف أنت لبقي أنك الأعلى، وهو كلام مفيد للمعنى، إلا أنه غير مؤكد.
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ١ وكقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ٢ ولو حذف أنت الثانية من بيت أبي تمام أو من بيت المتنبي لخرج الكلام عن الإفادة أصلا. وكيف يفيد هو مبتدأ وخبر، وقد حذف الخبر؟ ومراد أبي تمام لست أيتها المرأة كما كنت أعهد ولا الديار كما كنت أعهد، ولو قوله لا أنت أنت من باب التوكيد لكان قوله ولا الديار ديار من باب التوكيد.
وكذلك قول القائل:
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف
وفي ذلك امتزاج أبواب البيان بعضها ببعض، وهو غير جائز.
ومراد المتنبي بقوله أنت أي أنت المشهور الذي يستغنى عن شرح صفاته وممادحه، كما يقول: قد قتل زيد بينه أسدا والأسد الأسد. وكقول الراجز:
"أنا أبو النجم وشعري شعري"
وهذا معنى آخر غير التوكيد، ولكنه قد اشتبه على هذا المصنف لا محالة.
стр. 216
٨٩- قال المصنف: ومثال تأكيد الضمير المتصل بالمتصل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ثم شرع يبين لماذا قال لك ها هنا، وقال من قبل ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ ولم يقل لك في خرق السفينة١.
أقول: أما قوله لك فوجهه مشهور قد قاله الناس من قبل، وذكره من يتعاطى استخراج الدقائق والمعاني الغامضة من القرآن، وليس غرضنا الآن عن البحث في صحة ذلك وفساده، ولكن تمثيله بهذه الآية على تأكيد الضمير المتصل فليس من هذا الباب أصلا، وإنما عدى الفعل منها إلى المفعول بحرف الجر لا غير، ولو كان هذا توكيدا للضمير لكان قولنا مررت بزيد تأكيدا للضمير، وهذا مالا يقوله أحد.
وكيف يتوهم أن قوله لك تأكيد للضمير في قوله إنك، وأين أحدهما من الآخر؟ نعم لو قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ كان قوله أنا تأكيد للضمير في قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ فيكون تأكيدا للمتصل بالمنفصل لا بالمتصل.
فإن قيل لعله لم يتكلم في التأكيد على الاصطلاح النحوي، بل على اصطلاح آخر يرجع إلى علم البيان والبلاغة، فلا يلزمه ما ذكرت.
قيل: لعمري إن غرضه البحث في علم البيان، ولكنه لم يخرج هذا الفصل
стр. 217
والكلام فيه إلا على الاصطلاح النحوي، فلما أراد أن يطبق الآيات والأشعار عليها وقع في الغلط كما رأيت.
٩٠- قال المصنف في باب العام والخاص إنه تعالى قال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل بضوئهم؛ لأن الضوء نور وزيادة.
فلو قال بضوئهم لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة، وبقاء ما يسمى نورا، لأن الإضاءة هي فرط الإنارة، ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءا، فقال سبحانه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأنه إذا أزال النور فقد أزال الضوء أصلا١.
أقول: إن هذا الرجل قد شحن كتابه بأمثال هذه الترهات، وأطال فيها وأسهب وأعجب بها، وظن أنه أتى بغريب.
وهذه المعاني قد صنفت فيها الكتب الكثيرة، وتكلف الناس من قبله في استنباط أمثال هذه الوجوه الغامضة والمعاني الخفية من القرآن العزيز، وإنه لم أتى بهذه اللفظة دون تلك، ولم قدم هذا وأخر هذا؟ وقد قيل في هذا الفن أقوال طويلة عريضة أكثرها باردغث، ومنها ما يشهد العقل وقرائن الأحوال أنه مراد.
стр. 218
وقد ورد إلينا في مدينة السلام في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة رجل من وراء النهر كان يتعاطى هذا، ويحاول إظهار وجوه نظرية في هذه الأمور في جميع آيات الكتاب العزيز، نحو أن يقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ١.
ثم قال: لم قال "ما" ولم يقل "لا" ولم قال "يأتيهم" ولم يقل "يجيئهم"، ولم قال "من ذكر" ولم يقل "من كتاب" ولم قال "من ربهم" ولم يقل "من إلههم". ولأي حال قال في وضع آخر "من الرحمن" وما وجه المناسبة في تلك الآية في لفظها وسياقه كلامها وبين لفظة الرحمن؟ وما وجه المناسبة بين هذه الآية وسياقها؟ وبين لفظة ربهم.
وعلى هذا القياس.
وكذلك كان يتكلف تعليل كل ما في القرآن من الحروف التي تسقط في موضع وتثبت في موضع، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ ٣ لم أثبت الواو هناك، وأسقطها ها هنا، ونحو قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ ٤ وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ لم فك الإدغام في موضع ولم يفكه في موضع آخر؟.
стр. 219
كنا نعجب منه ونستظرفه، حتى وصل إلينا هذا هذا الكتاب، فقلنا إنه فوق كل ذي علم عليم.
ولو أخذنا تناقضه في هذا لأطلنا كما أطال، وسمجنا كما سمج.
ومتى يتسع الوقت لمناقضة هذه التكلفات القبيحة؟ ولكنا قد نكلمه. في بعض المواضع منها لكيلا يخلو كتابنا هذا عن مجادلته في هذا الفن بالكلية، فنقول له: لم قلت إن الضوء نور وزيادة؟ أمن كتب اللغة أخذت هذا؟ أم من غيرها؟ فقد تصفحنا كتب اللغة فلم نجد ما نشاهده بما ذكرت، ولا الاصطلاح مساعدا لك في عرف الناس ومواضعاتهم.
وإذا لم يكن موجودا في أصل اللغة ولا الاصطلاح العرفي لم يجز لك أن تحمل كلام الله تعالى عليه وتفسره به.
وقد قال ابن السكيت في كتاب إصلاح المنطق -وهو عين الكتب اللغوية، ومصنفه إمام الناس كلهم في اللغة، ومن لا يختلف اثنان في كتبه- في باب فعل وفعل باختلاف المعنى: النير علم الثوب والنور الضياء شيئا واحدا.
وليس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ١ ما يدل على اختلاف المعنيين، ولا قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٢ ما يدل على اختلاف المعنيين.
стр. 220
٩١- قال المصنف: وإنما قال سبحانه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل أذهب الله نورهم؛ لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به، لأن قولنا ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى حالته الأولى، وليس كذلك أذهبه١.
أقول: إن قوله إن الله تعالى ذهب بنورهم معناه أنه استصحبه ومضى، كما يقول القائل مررت بزيد وعنده سيف فذهبت به، أي أخذته ومضيت، وكما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ ٢ معناه أخذوا يوسف صحبتهم ومضوا، فإن قال نعم هكذا تفسير الآية فهذا كفر وتهجم. فأما قوله: كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، بمعنى أنه أعدمه عن الوجود أصلا، لكنه قد أذهبه عن موضعه الأول الذي أخذ منه.
واعلم أن الغلط دخل عليه من اشتراك لفظة ذهب، فإنها تستعمل في معنيين أحدهما قولهم ذهب فلان في الطريق الفلاني، أي مضى فيه ونفذ فيه
ومنه سمي السبيل مذهبا؛ لأنه يذهب فيه أي يمضي فيه. وسمي قول الشاعر ويره مذهبا، كأنه صار طريقا فسلكه الفقهاء وغيرهم.
стр. 221
والمعنى الثاني ذهب بمعنى عدم وفقد، وقولهم ذهب الشباب وذهب العمر، أي فنى وعدم.
ولعل هذا الاعتبار الثاني هو الحقيقة الأصلية، والمحمل الأول هو المجاز، لأنه لما مضى زيد في تلك الطريق، فقد تقدم بالنسبة إلى غيرها، فسمى مضيه فيها ذهابا.
وإذا بان لك اشتراك اللفظ ظهر غلطه، لأنه توهم أن قوله تعالى ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ مثل قولنا: ذهب زيد بثياب عمرو واحتملها ومضى، وقد صرح بتفسير الآية على هذا الوجه، وهذا معنى لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى، لأنه لا تصح عليه الحركة، ولا استصحاب الأشياء واحتمالها من مكان إلى مكان، وعلى أنه لو صح عليه سبحنه ذلك لكان قوله أذهب الله نورهم أبلغ في المعنى من قوله ذهب الله بنورهم على هذا التفسير؛ لأن إعدام النور بالكلية أبلغ من قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُون﴾ من أين يذهب بالنور بالتفسير الذي زعمه فيكون للنور وجود في الجملة، وإنما نقل من موضع إلى موضع؟
وإذ ظهر لك غلطه فاعلم أن معنى قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ هو معنى قوله: "أذهب الله نورهم".
كلا اللفظتين تدل على معنى واحد، كما أن قولك فقدت بزيد مثل قولك فقدت زيدا، لا فرق بين الكلامين؛ لأن الأفعال اللازمة إذا أردت تعديتها عديتها تارة بحرف الجر وتارة بالهمزة، وتقول ذهب الشباب وذهب
стр. 222
الدهر بالشباب وأذهب الدهر الشباب، كما تقول خرجت بريد من البلد، وأخرجت زيدا من البلد، ولست تعني بقولك خرجت بزيد من البلد أنك استصحبت زيدا معك.
كلا ليس هذا هو المراد من تعدية اللازم، بل محض قولك أخرجت زيدا لا زيادة على ذلك.
٩٢- قال المصنف. فأما الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها وبين أحدهاتاء التأنيث فإنه متى أريد النفي كان استعمال أحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ، نحو قوله تعالى في قصة نوح: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ .
كان أبلغ في نفي كونه ضالا من أن يقول ليس بي ضلال، كما لو قيل: ألك تمر؟ فقلت في الجواب: ما لي تمرة. فإنه أنفى للتمر، ولو قلت: ما لي تمر لم يؤد المعنى الذي أداه القول الأول.
قال: ولا يظن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين من قولك ضل يضل كان القولان سواء؛ لأن الضلالة في هذه الآية ليست عبارة عن المصدر، بل عن المرة الواحدة، كما يقال ضربت ضربة وأكلت أكلة، بمعنى مرة واحدة، فإذا نفي نوح عن نفسه المرة الواحدة من الضلال فقد نفي ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة١.
стр. 223
أقول إن الذي غير صحيح، لا إن كانت لفظة ضلالة في الآية مصدرا ولا إن كانت المرة الواحدة.
أما الأول فلأنه إذا كانت هذه اللفظة مصدرا وقد وافق على أن ضلال مصدرا أيضا وجيب أن تكون دلالتهما سواء في نفي كونه ضالا على الإطلاق، فلايكون أحد اللفظين أبلغ في الدلالة من الآخر، لأنهما معا يدلان على نفي ماهية الضلال نفسه، فإن المصدر يدل على الماهية فقط من غير دلالة على شيء آخر، فإذا نفي فقد نفيت الماهية نفسها، فلا فرق على هذا التقدير بين الضلال والضلالة.
وأما الثاني وهو أنه لا يصح ما قاله بتقدير أن يكون المراد بالضلالة المرة الواحدة؛ لأنه لو قال قائل ما عندي تمرة بمعنى تمرة واحدة وعنده تمر كثير يصح ذلك، ولم يكن كاذبا.
ألا يرى أنه لو ظهر ما أضمر فقال ليس عندي تمرة واحدة فقط، بل عندي تمر كثير، لم يكن فيما قاله متناقضا؟ فالمثال الذي ذكره يدل على عكس ما أراده.
وقول نوح "ليس بي ضلالة"، لو كان يريد به العدد بمعنى ليس بي ضلالة واحدة كما زعم هذا الرجل، ثم تركناه وظاهر اللفظ، لم يكن نافيا لكونه ضالا؛ لأنه إذا كانت الضلالة مختلفة الأنواع، وقال: ليس بي ضلالة واحدة فقط، لم يكن هذا اللفظ مفيدا لانتفاء كونه ضالا، لجواز ألا تكون ضلالة واحدة بل ضلالاته مختلفة متنوعة، فاللفظ لو تركناه وظاهره لم يدل على
стр. 224
انتفاء كونه ضالا، بتقدير أن يراد بالضلالة المرة على الواحدة على ما قد توهمه هذا الرجل.
وأما قوله إذا نفي عن نفسه المرة الواحدة من الضلالة فقد نفي ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة، فكلام من لم يمعن النظر في قوله المرة الواحدة، لأنه إذا أخذ في تفسير الضلالة أن تكون واحدة، وجعلت الضلالات أشياء متعددة مختلفة كالضربات المختلفة والأكلات المتنوعة، ثم نفى عن نفسه ضلالة واحدة مشروطا فيها أن تكون واحدة، لم يلزم من انتفائها بهذا القيد أن تنتفي عنه ضلالات كثيرة، لأن وجود الضلالات الكثيرة ملحوظا فيها كونها كثيرة لا ينافي اقتضاء الضلالة الواحدة عنده، لأن معنى الواحدة ليس معها غيرها، ومن وجدت عنده ضلالات كثيرة، فقد صدق عليه أنه وجدت عنده ضلالة واحدة، بمعنى أنه ليس معها غيرها.
واعلم أن مراده تعالى بقوله حاكيا عن نوح "ليس بي ضلالة" نفي الضلالة الذي هو المصدر؛ لأنه هو الذي بانتفائه ينتفي كون نوح ضالا انتفاء مطلقا، لا كما توهمه هذا الرجل من أنه عبارة عن المرة الواحدة واللفظ واضح، والمعنى ظاهر، وعند التعمق الزلل.
٩٣- قال المصنف: واعلم أن القياس يقتضي أن يقال: "ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها" لأنه إذا قدم الصغيرة لم يحتج إلى
стр. 225
أن يقول ولا كبيرة؛ لأن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود المؤاخذة على الكبيرة، وإذا لم يعف عن الصغيرة لم يعف عن الكبيرة.
وإذ قدم في اللفظ الكبيرة احتاج إلى أن يقول ولا صغيرة؛ لأنه لم يعف عن الكبيرة فيجوز أن يعفو عن الصغيرة، فاحتاج إلى أن يذكر ما قال.
غير أن الكتاب العزيز أحق أن يتبع فيقاس عليه، فوجب ترك القياس لأجل هذه الآية١.
أقول: أما أولا فإن هذه الآية لم تذكر لبيان المؤاخذة والعفو، ولا أن معنى قوله "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة" العقاب والغفران، بل معناه الإحصاء والعد.
ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ ٢ "ليس المراد فيه" العقاب والغفران، بل معناه الإحصاء والعد؟ ألا ترى قوله: ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ فهو أمر راجع إلى إحاطة علم الباري سبحانه بأفعال العباد خفيها وظاهرها وجليلها وحقيرها، فالذي توهمه هذا الرجل من كون هذه الآية لتفصيل أحوال المؤاخذة توهم باطل.
وأما ثانيا فلأن هذه الآية وردت لبيان أنه تعالى يعلم الكبائر من الذنوب والصغائر، وللناس خلاف مشهور في الكبائر والصغائر من الذنوب ما هي؟ فمعنى الآية أنه تعالى يعلم كبائر الذنوب وصغائرها.
стр. 226
وعلى هذا التفسير إذا قدم الصغيرة لا يلزم منه أن يستغني عن ذكر الكبيرة؛ لأنه ليس إذا علم الصغائر كان بأن يعلم الكبائر أولى، كما يقول القائل إذا أبصرت من عشرة فراسخ كنت بأن أبصر من فرسخ واحد أولى؛ لأنه ليس أحد نوعي الكبائر والصغائر بالنسبة إلى عالميته تعالى أجلى من الآخر على جميع مذاهب العقلاء، والأبصار على حد فرسخ واحد أولى لمن يبصر على حد عشرة فراسخ.
وأما ثالثا فلو سلمنا أنه لم يعن كبائر الذنوب وصغائرها، بل عنى الخفي من أفعال العباد وهي أفعال القلوب، والجلي الظاهر منها وهي أفعال الجوارح، فإنه لا يمكن حمل الآية إلى على أحد هذين المحملين ولا ثالث لهما، فلم يقتض القياس أن يقول لا يغادر صغيرة ولا كبيرة؛ لأنه قد قال التفسير عوض، وذلك بأن يقول ما لهذا الكتاب لا يغادر خفيا ولا جليا إلا أحصاه؛ لأن كل من أثبت أن البارئ تعالى عالم بأفعال الجوارح أثبته عالما بأفعال القلوب، كالدلالة على أنه تعالى بعلم الجزئيات عامة في القسمين، وليس أحدهما أولى بالتقدم من الآخر.
فإن قلت أليس قد ثبت في الإنس أن الجلي أولى بالمعلومية من الخفي، والقرآن العزيز يدل على ما يتعارفه الناس وخوطبوا به على قدر أذهانهم؟ قلت: إنه لو قال تعالى ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة إلا أحصاها، فربما يتوهم أن الكتاب موضوع لإحصاء فعل القلوب فقط، لا بمعنى أنه تعالى يعلم أفعال القلوب فقط، بل بمعنى أنه قد يتوهم أن الكتاب الذي فيه ذنوب
стр. 227
بين آدم وحسناتهم موضوع لإحصاء أفعال قلوبهم خاصة، ولا يكون فيه شيء هي معدودة مضبوطة فيه، والمراد من هذه الآية وأمثالها إرهاب العصاة، وهم إذا سمعوا أن أعمالهم كلها مضبوطة مكتوبة في كتاب يشتمل عليها كما يشتمل على سائر الحساب لا على ما فيها، كاننا أخوف وأشد تباعدا من المعاصي.
فعلى هذه الطريقة قال "ولا كبيرة" لتكون الآية بعيدة عن التوهم الذي يخل نظام الزجر.
٩٤- قال المصنف: وكذلك قد كان القياس أن يقول "فلا تنهرهما ولا تقل لهما أف" لأنه إذا لم يقل لهما أف فقد امتنع أن ينهرهما.
قال: نظير ذلك في الترتيب الواقع على وفق القياس قول البحتري يصف نحول الركائب.
كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار١
فشبهها أولا بالقسي، ثم قال بل كالأسهم؛ لأنها أبلغ في النحول من القسي ثم قال بل كالأوتار؛ لأنها أبلغ في النحول من الأسهم.
стр. 228
قال: لكني قد رفضت القياس، وقدمت ما استعمل في الكتاب العزيز عليه١.
أقول إن الله تعالى لو قال: "فلا تقل لهما أف بل لا تنهرهما" لكان على خلاف القياس؛ لأن لفظة بل للاستدراك، فيعطي في الثاني معنى لم يكن في الأول، فيصح أن يقال لا تنهر السائل بل لا تضربه، ويقتضي القياس أن يقال لا تضرب السائل بل لا تنهره.
وبيت البحتري إنما وقع موافقا للقياس لاستعماله لفظه بل، فأما الآية فوردت بالواو العاطفة، وهي غير مقتضية للترتيب، فلا فرق بين أن يقول فلا تنهرهما ولا تقل لهما أف، وأن يقول فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ...
٩٥- قال المصنف: وقد أغفل كثير من الشعراء الترقي من الأدنى فالأدنى إلى الأعلى كالمتنبي في قوله:
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل
فإن الواجب أن يقول يا بدر؛ لأنه اسم الممدوح، ثم يقول بعده يا رجل، يا ليث الشري، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن البدر أعظم من الليث، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، فيرتفع من شيء إلى ما هو أعلى منه؛ لأنه مقام مدح، ولو كان مقام ذم لعكس القضية٢.
стр. 229
أقول: إن أبا الطيب لم يقصد إلا مقصدا صالحا، ولكن هذا الرجل لم يتفطن له؛ لأنه مدحه بالسخاء والشجاعة، وهما المعنيان الشريفان الجليلان، فقال في القسم الأول وهو قسم السخاء يا بحر يا غمامة، وابتدأ بالبحر لأنه دون الغمامة مكانا؛ لأنه تحتها وهي ربته؛ لأنه منها يتكون، ولولا الغمامة لم تكن مياه الغدران والأمطار، وما يتكون منها كالأنهار، فإن هذه الأشياء هي التي يعنيها بالبحر لا البحر الذي هو الماء الملح، ولا الأسطقس الكلي١.
ثم قال في قسم الشجاعة: يا ليث الشري يا حمام، فابتدأ بالليث وانتقل إلى الحمام بعده، لأن الليث لولا الحمام لم يرهب، فالحمام أشد رهبة في الصدور من الليث، ثم ختم البيت بقوله يا رجل، أي أنت هذه الأشياء كلها، وأنت مع ذلك إنسان من البشر، وذلك أعجب وأطرف.
وإنما قدم السخاء على الشجاعة؛ لأن حاجة جمهور الناس إلى السخاء أكثر من حاجتهم إلى الشجاعة، والناس إلى رئيس عظيم السخاء أميل منهم إلى رئيس عظم الشجاعة؛ لأن انتفاعهم به أكثر، فأبو الطيب قصد هذا المقصد، أو يصح أنه يقصد هذا المقصد، ولو أتى بالبيت على الترتيب الذي ذكره المصنف لم يحصل له هذا المعنى.
стр. 230
٩٦- قال المصنف: ونظير هذا قول أبي تمام في الافتخار بقوله:
نجوم طوالع جبال فوارع ... غيوث هوامع سيول دوامع
فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدم ما أخر لما اختل النظم، بأن يقول:
سيول دوافع غيوث هوامع ... جبال فوارع نجوم طوالع١
أقول إن في بيت أبي تمام لسرا خفيا إما أن يكون قد قصده، أو يمكن أن يقصده، وذلك أن قبله:
سما بي أوس في السماء وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع٢
فأوس هو أوس بن حارثة الطائي، وكان وضيئا جميلا، وحليما ذكيا، فضرب به المثل في وضاءته، ورصانته، فهو المراد بقوله "نجوم طوالع جبال فوراع".
وحاتم بن عبد الله الجواد هو المراد بقوله "غيوث هوامع" وأما زيد القنا والأثرمان، ورافع وهو رافع بن عميرة بن جابر فهم بالشجاعة أشهر، وهم المراد بالسيول التي تهلك وتخترق ما تأتي عليه، فهذا هو وجه ترتيب البيت.
стр. 231
٩٧- قال المصنف: فأما تقديم المفعول على الفعل، فهو كقولك زيدا ضربت، وضربت زيدا، لأن اللفظ الأول يفيد أنك لم تضرب إلا زيدا خاصة، والثاني لا يقتضي ذلك.
قال: وذلك لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت، بأن تقول بكرا أو عمرا أو خالدا، وإذا أخرت الفع لزم الاختصاص بزيد وحده١.
أقول: إننا لا ننكر أن قوما من أهل العربية قد ذهبوا إلى هذا المذهب، ولكن أرباب النظر في هذه المباحث وهم الأصوليون لا يعرفون هذا، وقولهم فيه هو الصحيح المفسر، ولا فرق عندهم بين قولك ضربت زيدا وزيدا ضربت، في أن كلا اللفظين لا يدل واحد منهما على اختصاص الضرب بزيد وحده.
وكذلك لو قلت زيدا ضربت وعمرا ألم يكن الكلام متناقضا؟ ولو كان قولك زيدا ضربت يدل على أن الضرب مقصور عل زيد وحده لكان قولك وعمرا نقضا لذلك.
فأما قوله: لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في تعيين المفعول، وإذا أخرته لزم الاختصاص، فيقال له أيكون بالخيار إذا قدم الفعل وإن كان قد
стр. 232
تلفظ بالمفعول أو قبل أن يتلفظ بالمفعول؟ الأول ممنوع، لأنه بعد تعيين المفعول لا يبقى خيار، والثاني مسلم، لكن مثل هذا موجود في تأخير الفعل؛ لأنك إذا قدمت المفعول فأنت بالخيار قبل أن تتلفظ بالفعل، فيمكن أن تقول أكرمت وضربت أو رأيت، فلست مضطرا عند ذكر المفعول وقبل ذكر الفعل إلى أن تقول زيدا ضربت لا غير ذلك من الألفاظ.
فالحاصل أن الصورتين سواء في التخيير وعدم التخيير، لكن تقدير المفعول بتخير فيه في الفعل لا في المفعول؛ لأنك قد ذكرته وسبق منك تعيينه، فإن قولك زيدا ضربت يفيد في اللغة أنك لم تضرب إلا زيدا، كأن قولك ضربت زيدا يفيدا أنه لم يقع منك في حق زيد إلا الضرب فقط، وهذا محال؛ لأنك لا تعني بقولك ضربت زيدا ألا تكون قد شتمته ولا رأيته ولا أصبته ولا اعترضته، كما لا يدل تعيين الفعل أولا والابتداء به على انتفاء غيره من المفعولين.
ويدل على فساد هذا الكلام قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ ١ فإن ذلك لا يدل على الاختصاص إسحاق ويعقوب بالهداية؛ لأنه قد هدى غيره ممن كان في زمانه.
٩٨- قال المصنف: وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِين﴾ فإنه يفيد الأمر باختصاص العبادة به دون غيره، ولو قال اعبد الله وكن من الشاكرين لم يفد الاختصاص٢.
стр. 233
أقول إن الاختصاص ما استفيد في هذه الآية من مجرد تقديم المفعول، بل من القرينة؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وهذا تصريح بالاختصاص، لأنه قال لا تشرك بالله في العبادة فتخسر، بل وحد الله في العبادة.
فالاختصاص مفهوم من سياق الكلام، لا من تقديم المفعول.
ولو قال في هذا السياق بل اعبد الله لأفاد الاختصاص لا محاله، فلا تأثير ها هنا في الاختصاص المعلوم، لا لتقديم المفعول ولا لتأخيره.
٩٩- قال المصنف: وقد قال الزمخشري إن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ لاختصاص العبادة والاستعانة به سبحانه دون غيره.
قال: وليس الأمر كذلك، بل ها هنا مراعاة السجع الذي جاء في الآيات السابقة على حرف النون، فلو قال نعبدك ونستعينك زالت طلاوة السجع١.
أقول: إن كان تقديم المفعول يقتضي الاختصاص كما يراه الزمخشري وجماعة من أهل العربية، فلا مانع من أن يكون المراد من قوله إياك نعبد
стр. 234
وإياك نستعين كلا الأمرين: الاختصاص والسجع، ولا منافاة بين هذين المطلوبين.
١٠٠- قال المصنف وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه﴾ ليس تقديم المفعول ههنا للاختصاص، بل للفضيلة السجعية فقط، فإنه لو قال خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم لم يكن في الحسن كالأول.
قال: فإن قلت بل تقديم المفعول ههنا للاختصاص؛ لأنها نار عظيمة، ولو أخرت لجاز وقوع الفعل على غيرها، فالجواب عن ذلك أن الدرك الأسفل أعظم من الجحيم، فكان ينبغي أن يخص بالذكر دون الجحيم، على ما ذهب إليه؛ لأنه أعظم، لكن استعمال هذه اللفظة هنا أحسن من استعمال غيرها من الألفاظ نحو لظي وجهنم ونحوهما، والطلاوة عليها دون غيرها أكثر١.
أقول: إن كان تقديم المفعول يقتضي الاختصاص كما قد قال قوم فلا مانع أن يكون الاختصاص مرادا في قوله: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه﴾ لأن الجحيم والجاحم في اللغة هو أشد النار، قال أبو تمام.
إن يعد من حرها عدو الظليم فقد ... أوسعت جاحمها من كثرة الحطب٢
стр. 235
ولا منافاة بين أن يراد الاختصاص وتراد الفضيلة السجعية معا.
وأما قوله: فهلا ذكر الدرك الأسفل من النار؟ فيقال له لم لا يكون الدرك الأسفل هو الجحيم بعينه أيضا؟ ولم يكون الجحيم أشد إحراقا وتعذيبا من الدرك الأسفل؟ وليس في قوله إن المنافقين في الدرك الأسفل ما يقتضي أن يكون هذا الموضع أشد المواضع النارية إحراقا، فالجواز أن يكون غير المنافقين أشد عذابا منهم، وأيضا فلو كان الدرك الأسفل أهول وأصعب لم يلزم ما ذكره؛ لأن الترغيبات والترهيبات تذكر على حسب ما يراه المتكلم من المصلحة، وقد رهب ورغب بأشياء غيرها أبلغ في الترهيب والترغيب منها.
ألا ترى أنه لو قال عوض قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَد﴾ ١ في جيدها ثعبان من نار لكان أرهب وأزعج، ولم يقل ذلك.
وأما قوله إن الطلاوة في لفظة فقط دون غيرها من الألفاظ فإنه يقال: له قد قلت ذلك، ومعلوم أنه لو بدل عوض الجحيم السعير لكان على عدد حروفها أو وزنها، ولا يتغير انتظام الكلام وأسلوبه باستعمالها حسب استعمال لفظ الجحيم حذو القذة بالقذة٢.
стр. 236
١٠١- قال المصنف: ومن مقتضيات الاختصاص أيضا تقديم خبر المبتدأ عليه، فإنك إذا قلت قائم زيد فقد أثبت له القيام دون غيره، وإذا قلت: زيد قائم لم تكن قد خصصته بالقيام دون غيره من الناس، والعلة فيه ما ذكرناه في تقديم المفعول، فإنك إذا قلت زيد قائم كنت بالخيار، حيث ابتدأت بذكر زيد، إن شئت قلت جالس أو ضاحك أو غيرها. وإذا قدمت قولك قائم حصل الاختصاص لزيد بالقيام دون غيره من الناس١.
أقول: إنا لا نعرف ذاهبا ذهب إلى أن قولنا قائم زيد يقتضي اختصاص زيد بالقيام دون غيره من الناس.
لكن جماعة من النحاة الذاهبين إلى أن تقديم المفعول يقتضي الاختصاص، يقولون إن قولنا "القائم زيد" بالألف واللام يقتضي اختصاص زيد بالقيام كما نقول "الشجاع علي والجواد حاتم" أي لا شجاع إلا ذاك، ولا جواد إلا هذا.
فأما تقديم خبر المبتدأ عليه مع بقائه على النكير فإنه لا يعرف ذاهب ذهب إلى أنه يقتضي الاختصاص.
والعلة في اختصاص زيد بالقيام إذا قلت "القائم زيد" علة تعود إلى
стр. 237
دخول الألف واللام على الخبر، وهي أن قولك "القائم" معناه الذي له القيام، فكأنك قلت الذي له القيام هو زيد، وقولك الذي له القيام هو زيد من طريق الاصطلاح العرفي في قوة ذلك الذي يختص بالقيام أو الذي ينفرد بالقيام ونحو ذلك.
والقائلون بهذا القول يلزمهم عليه أن يفيد قولنا "زيد القائم" الاختصاص الذي يذكرونه أيضا؛ لأنك إذا أزلت عن نفسك الوهم في كون القائم صفة زيد، وأطبقت ذلك المبتدأ أو الخبر، صار تقديره زيد الذي له القيام، وذلك في قوة قولك زيد هو الذي يختص بالقيام، فلو كان غيره قائما لما صدق قولك زيد هو الذي له القيام.
فقد ظهر أنه لا فرق بين تقديم قائم وتأخيره، وأن هذا لو صح لكان في الأخبار المعرفة باللام لا في الأخبار المنكرة، كما توهمه هذا الرجل.
وأما احتجاجه بأنك تكون مخبرا إذا أخرت الخبر، ولا تكون مخبرا إذا قدمته، فاحتجاج ضعيف قد تكلمنا عليه في تقديم المفعول.
١٠٢- قال المصنف: ومن باب تقديم خبر المبتدأ الذي يفيد الاختصاص قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ قال سبحانه ذلك، ولم يقل وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم؛ لأن في تقديم الخبر الذي هو مانعتهم على المبتدأ الذي هو حصونهم دليلا على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم، وفي جعل ضميرهم اسما لأن، وفي إسناد الجملة إليه دليل
стр. 238
على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع لا يبالي معها بقصد قاصد ولا تعرض معترض١.
أقول: إن حصونهم لا ترفع بأنه مبتدأ كما ظنه إلا على وجه ضعيف، والصحيح أنه فاعل، تقديره وظنوا أنهم تمنعهم حصونهم، فما نعتهم اسم فاعل معتمد على ما قبله؛ لأنه في الحقيقة خبر مبتدأ، من حيث كان خبرا لأن، وأن من شأنها أن تدخل على المبتدأ والخبر، ومتى كان اسم الفاعل خبرا لمبتدأ كل معتمدا عليه، فعمل فيما بعده عمل الفعل، كقولك "زيد قائم أبوه" فأبوه رفع بالفاعلية، وليس بمبتدأ على القول الصحيح في صناعة العربية.
وكذلك إذا اعتمد اسم الفاعل على همزة الاستفهام أو حرف النفي، أو وقع حالا لذي حال، أو صفة لموصوف، أو صلة لموصول.
وحكم الظرف حكم اسم الفاعل إذا وقع معتمدا أيضا في كونه يرفع ما بعده الفاعلية لا غير، كقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْف﴾ ٢ وقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَك﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَاب﴾ ٤ فجزاء، وشك، وعلم، كلها مرفوعة بالفاعلية، لاعتماد الظرف تارة على المبتدأ، وتارة على همزة الاستفهام، وتارة لوقوعه صلة.
стр. 239
ومما جاء من ذلك شعر قول حسان:
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ... وفيكم نبي عنده الوحي واضعه١
فالوحي فاعل. وقول الشاعر:
أحقا بني أبناء سلمى ابن جندل ... تهددكم إياي وسط المجالس؟
فتهددكم فاعل وليس بمبتدأ.
فأما قوله إن في تقديم ما نعتهم زيادة معنى فقد تكلمنا عليه فيما سبق.
١٠٣- قال المصنف: ومن باب هذا الباب قوله تعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ فقدم خبر المبتدأ عليه.
ومثل قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، قال: فهذا يدل على تخصيص الشخوص بالأبصار دون غيرها، وعلى تخصيص الكفار بالشخوص دون غيرهم.
أما الأول فلأنه لو قال فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة جاز أن يضع موضع شاخصة حائرة أو مطموسة أو غير ذلك، فلما قدم الضمير اختصت الأبصار بالشخوص دون غيرها.
وأما الثاني فلأنه لما أراد أن الشخوص خاص بالكفار دون غيرهم دل
стр. 240
عليه بتقديم الضمير أولا، ثم بصاحبه ثانيا، كأنه قال فإذا هم شاخصون دون غيرهم، ولولا أنه أراد هذين الأمرين المشار إليهما لقال فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة، لأنه أخص بحذف الضمير من الكلام.
قال ومن هذا النوع قول النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" وتقدير الكلام هو الذي ماؤه طهور، وميتته حل؛ لأن الألف واللام ها هنا بمعنى الذي١.
أقول: لا يخلو إما أن يكون الضمير وهو هي في قوله تعالى "فإذا هي" ضمير الشأن والقصة أو ضمير الأبصار، وقد قدم بشرط التفسير، فإن كان ضمير الأبصار لم يكن قوله: ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مرفوعا بالابتداء، بل كان فاعلا؛ لأن "شاخصة" اسم فاعل معتمد على ما قبله، وهو "هي" الذي موضعه رفع بالابتداء، وقد تقدم أن اسم الفاعل إذا وقع خبرا لمبتدأ يرفع ما بعده على القول الصحيح، كما يرفعه الفعل الصريح، نحو قولهم زيد قائم أبوه، وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ ٢ فعلى هذا التقدير بطل قولهم إن شاخصة خبر مقدم.
وإن كان هي في قوله تعالى: "فإذا هي" ضمير الشأن والقصة كان شاخصة خبرا مقدما كما ذكره، ويصير تقديره فإذا الشأن والأمر أبصار الذين كفروا
стр. 241
شاخصة، ولا يكون على هذا التقدير شاخصة اسم فاعل معتمدا على ما قبله، لأن ضمير الشأن والقصة لا تعتمد عليه اللفظة الواقعة بعده، لأنه موضوع لأن يقع بعده جمله مركبة من المبتدأ والخبر، أو لأن تقع بعد لفظة مفردة، تعتمد عليه، وتصير هذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم﴾ ١ فإن الضمير في إنه اللشأن، وبعد جملة مركبة من مبتدأ وخبر، والمبتدأ مؤخر والخبر مقدم، وكل موضع جاء فيه ضمير الشأن والقصة وبعده مثل هذه الجملة فهي ليست فاعلا لعدم الاعتماد الذي هو شرط الفاعلية، لكن على هذا التقدير يبطل قوله إنه لما أراد تعالى أن الشخوص خاص بالكفار دون غيرهم دل عليه بتقديم الضمير أولا، ثم بصابحه ثانيا، كأنه قال: فإذا هم شاخصون دون غيرهم؛ لأن هذا الكلام يقتضي أن الضمير وهو هي في قوله تعالى "فإذا هي" ضمير الأبصار لا ضمير الشأن، ألا تراه كيف قال دل عليه بتقديم الضمير أولا ثم بصاحبه ثانيا؟
فالحاصل أن كلام هذا الرجل لا يستقيم، سواء جعلنا الضمير الشأن أو للأبصار.
فأما قوله إن قوله تعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ قد قدم فيه خبر المبتدأ عليه فغير صحيح أيضا لأن قوله: ﴿أَرَاغِبٌ﴾ اسم فاعل معتمد على همزة الاستفهام، فيكون قوله: ﴿أَنْتَ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية، إلا على القول الضعيف المتروك، والمسألة مشهورة.
стр. 242
ففي نحو أذهب وأقائم الزيدان، يرتفع قائم وذاهب بالابتداء، ويسد كل واحد من الفاعلين مسد الخبر.
قال النحاة إن همزة الاستفهام تستدعي الفعل بذاتها؛ لأن الاستفهام إنما يكون من فعل، ألا ترى أنك إذا فرضت شيئا مجردا، عن فعل لم يستفهم عنه، فأجروا قوله: "مجرى" أترغب.
لذلك قلنا إن قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّت﴾ ١ السماء مرفوع بالفاعلية بتقدير فعل دل عليه انشقت، لأن "إذا" تستدعي الفعل، وكذلك ما جرى مجرى "إذا" في هذا المعنى، نحو قولهم: لو ذات سوار لطمتني٢، وإن الله أمكنني من فلان.
فأما قوله في البحر: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" وتوهمه أن ذلك من باب تقديم الخبر على المبتدأ فمثل الوهم الأول في الغلط، بل هما مرفوعان بالفاعلية، كأنه قال هو الشيء الذي ظهر ماؤه، وحلت ميتته، فحذف الموصوف وأقام الصفة المركبة من الموصول والصلة مقامه، والصفة تعمل كالفعل في هذا الموضع، فيكون ماؤه وميتته فاعلين.
стр. 243
ومثله في التنزيل: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُس﴾ ١ في قول من جعل عاليهم صفة لقوله تعالى: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُون﴾ فأما استنباطه زيادة المعنى في التقديم والتأخير فشيء قد تكلمنا عليه.
١٠٤- قال المصنف: ومن المواضع التي تفيد الاختصاص تقديم الظرف إذا كان الكلام إثباتا، كقولك إن إلى مصير هذا الأمر، فإنه يدل على أنه ليس مصير هذا الأمر إلا إليك، بخلاف ما إذا أخرت الظرف، فقلت إن مصير هذا الأمر إلي، فإنه لا يفيد الاختصاص؛ لأنه يحتمل أن توقع الكلام "بعد الظرف" على غيرك فتقول عوض ضميرك إلى زيد أو عمرو.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ٢.
أقول: إنه إنم فهم أن الإياب والحساب إلى الله تعالى من دليل آخر لا من مجرد هذا اللفظ، ولو خيلنا ومجرد هذا اللفظ لم يدل على أن الإياب والحساس ليس إلا إليه وعليه سبحانه، فإنك لو قلت إن في الدار زيدا، لم يدل ذلك على أن غيره ليس في الدار، وكذلك لو قلت وعمرا لم يتناقض الكلام.
وقد قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِي﴾ ٣ ولا يدل ذلك على أن غير الرواسي لم يجعله تعالى في الأرض.
стр. 244
وقال لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾ ١ ولم يكن ذلك مختصا به، فقد كانت أمثلة.
وقال تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْم﴾ ٢، ولا يدل ذلك على ما نفشت إلا فيه؛ لأن النفش هو انتشار الغنم من غير راع، سواء كانت في حرث أو في غير حرث.
وقال تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين﴾ ٣ فقدم الظرف، ولا يدل ذلك على أنه لم يشهد إلا حكمهم.
وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ ٤ ولا يدل ذلك على أنه ما أصلح زوج أحد قط إلا زوج زكريا.
وفي الكتاب العزيز ألف آية مثل هذا تبطل دعوى الحصير والاختصاص.
فأما قول القائل إلى مصير هذا الأمر، فإما ألا يدل ذلك على الاختصاص وهو الصحيح، أو يدل لكن كما يدل مع تقديم الظرف يدل مع تأخيره إذا قلت إن مصير هذا الأمر إلي، ولا فرق بين الموضعين.
والصحيح أن القرينة تلد على الاختصاص، وهو الصحيح في هذا
стр. 245
الموضع، لا مجرد الصيغة؛ لأنه ما جرت العادة أن الولاية وما يجري مجراها لا تنتقل إلا إلى واحد فقط.
وأما قوله إنك إذا أخرت احتمل توقيع الكلام على غيرك فضعيف، وقد تكلمنا عليه في تقديم المفعول.
١٠٥- قال المصنف: فأما إذا كان الكلام نفيا فقد يتقدم الرف ويكون القصد به تفضيل المنفي على غيره، كقوله تعال: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ والمراد تفضيلها على خمور أهل الدنيا.
وقد يتأخر الظرف ويكون القصد به النفي فقط لا التفضيل كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ .
فإن القصد في إيلاء حرف النفي الريب نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق ليس كما يزعم المشركون، ولو أولاه، الظرف وقال لا فيه ريب لكان قد قصد أن كتابا آخر فيه الريب لا في هذا الكتاب، كما قلنا في قوله: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال ومثل ذلك أن يقال لا عيب في الدار، ويقال لا فيها عيب، في أن الأول يقتضي نفي العيب عن الدار فقط، والثاني يقتضي تفضيلها على غيرها، أي ليس فيها ما في غيرها من العيب١.
стр. 246
أقول: إن هذا الذي ذكره شيء لا يعرفه أهل العربية، ولا أهل الفقه، ولا فرق عندهم في النفي المطلق بين قولهم لا ريب فيه ولا فيه ريب، إلا من جهة أخرى، وهي أنه يقبح الاختصار على قوله لا فيه ريب في القواعد النحوية، حتى يضم إليه شيء آخر، فيقول ولا شك مثلا أو نحو ذلك.
فأما ما يعود إلى نفي الريب فاللفظان يدلان عليه دلالة واحدة، ولعله ظن أن حرف النفي إذا شافه المنفي بغير واسطة كان أبلغ في النفي من أن يتخلل بينهما واسطة، ويجريه مجرى المؤثرات الحسية، فإن السيف إذا شافه الجسم بلا واسطة كان أبلغ في القطع من أن يتخلل بينهما ثوب أو درع، فيظن أن هذا مثل ذاك، وهذا وهم عامي لا يلتفت إليه محصل.
وما نعلم كيف وقع له أنه قال: لو أنه قال ليس فيه ريب لدل على أنه ليس كغيره من الكتب التي فيها ريب، وأنه لو قال: ليس في الدار عيب لدل على أنهاليست كغيرها من الدور المعيبة، وأنه إذا قال: ليس في خمر الجنة غول يدل على أنه ليس كخمور الدنيا التي فيها غول، فإنهليس في اللفظ تعرض لذلك لا بصريحه ولا فحواه، ولو جاز أن ينسب إلى الألفاظ دلالة لا تقتضيها لا بصريحها ولا فحواها لجاز أن ينسب إليها أمور، لا تتناهى، وذلك محال.
وقال سبحانه: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ١ وليس
стр. 247
تفسير هذا الرجل لقوله تعالى "لا فيها غول" يأن المراد تفضيلها على لخمور التي فيها غول بأولى من أن تعكس القضية عليه ويفسر نحو قوله تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا﴾ بأنه يدل على تفضيلها على خمور الدنيا التي فيها اللغو والتأثيم، فيجعل حرف النفي إذا باشر المنفي وتأخر الظرف دالا على الأفضلية، وإذا تقدم الظرف دالا على النفي المطلق على مناقضة ما ذكره، فإنه لا فضل بين القولين إلا مجرد التسمي والتحيم.
١٠٦- قال المصنف: وتقديم الحال على ذي الحال يفيد الاختصاص، نحو قولك جاء راكبا زيد، بخلاف ما إذا قلت جاء زيد راكبا، فإنه لا يدل على ذلك، لجواز أن يكون ضاحا أو ماشيا أو غير ذلك١.
أقول: أتزعم أنك إذا قلت جاء راكبا زيد فإنك قد قصرت زيدا من دون سائر الأحوال والهيائت على الركوب فقط، وأن ذلك ينفي كونه لابسا وضاحكا وجائعا وغير ذلك من الأمور التي يحتمل أن يكون عليها؟ فإن قيل نعم قيل له: كيف زعمت ذلك، ولامعافاة بين كونه راكبا وكونه على هذه الأوصاف، وأي دلالة في تقديم الحال على انتفاء غيرها؟ وهذا لغو من القول.
стр. 248
١٠٧- قال المصنف: والاستثناء المتقدم جار هذا المجرى، نحو قولك: ما قام إلا زيد أحد، وإنه يدل عل الاختصاص بخلاف قولك ما قام أحد إلا زيدا١.
أقول: لعمري إن قولك ما قام إلا زيدا أحد يدل على اختصاص زيد بالقيام، لا لأجل تقديمه على الفاعل، بل لأجل الاستثناء الذي يدل على إخراجه مما حكم به على غيره، فلولا اختصاصه بذلك لبطلت فائدة الاستثناء، ولكن هذا المعن مطرد في حالتي تقديم زيد وتأخيره؛ لأن الاستثناء يدل في كلا الموضعين دلالة واحدة على اختصاص زيد بالقيام دون غيره؛ لأنه لو قام غيره لكذب في قوله إلا زيدا.
ألا ترى أن من تحاول تكذيبه تقول له كذبت؛ لأن خالدا قد قام أيضا، فلا فرق في هذا الاختصاص بين تقديم المستثنى وتأخيره.
فإن كان هذا الرجل وحسه قد تفطن لاختصاص زائد على هذا المعنى عند تقديم المستثنى لا يؤخذ عند تأخيره، فهذا الرجل قد أدرك ما غفل عنه الأولون والآخرون، ورزق حسا وذوقا وقف بهما على ما لم يقف عليه غيره، ولا كلام لنا مع من هو بهذه الصفة، وإنما نتحدث مع أمثالنا وأشكالنا، وأما من تر في إلى طبقة أخرى فإن أمره يجل عن ذلك..
стр. 249
١٠٨- قال المصنف: وقد اختلف الناس في حمل مريم ﵍ كم مدته، فقال قوم كحمل غيرها من النساء، وقيل ثلاثة أيام، وقيل أقل، وقيل أكثر. قال: والصحيح أن حملها ووضعها كانا متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل، لقوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لأنه عطف بالفاء وهي للفور، ولو كان هناك تراخ ومهلة لعطف بثم التي هي تفيد المهلة١.
أقول: إن الفاء ليست للفور، بل هي للتعقيب على حسب ما يصح إما عقلا أو عادة، ولهذا صح أن يقال دخلت البصرة فبغداد، وكان بينهما زمان كثير، لكن تعقيب دخول هذه عن دخول تلك على ما يمكن، بمعنى أنه لم يمكث بواسط مثلا سنة أو مدة طويلة، بل طوى المنازل بعد البصرة ولم يقم بواحد منها إقامة يخرج بها عن حد السفر إلى أن دخل بغداد، وهذا هو الذي يقوله أهل اللغة وأهل الأصول، وليست الفاء للفور الحقيقي.
أقول: معناه حصول هذا بعد هذا٢ بغير فصل ولا زمان كما توهماه هذا الرجل، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ٣ والعذاب متراخ عن الافتراء.
стр. 250
وقال: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ ١ والردى متراخ عن الصد عنها. وقال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ ٢ وليس خروج النبات عقب إنزال المطر، بل هو متراخ عنه. وقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ ٣ ولم يكن النسيان عقب العهد، فإنه قد دام مكثه متجنبا للشجرة التي نهى عن أكلها مائة عام، ثم أكلها.
وفي القرآن من هذاالجنس الكثير الواسع، فإذن لا يدل على قوله تعالى: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ ، أن ذلك كله كان في يوم واحد أو أقل كما اعتقده هذا الرجل.
١٠٩- قال المصنف: ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال فذكر الخلق الأول من الطين وهو آدم، ثم عطف عليه الخلق الثاني بثم لما بينهما من التراخي، ولما صار إلى القدر الذي يتبع بعضه بعضا من غير تارخ عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى وهو آخر الخلق عطه بثم.