أقول: إن هذا الذي ذكره شيء لا يعرفه أهل العربية، ولا أهل الفقه، ولا فرق عندهم في النفي المطلق بين قولهم لا ريب فيه ولا فيه ريب، إلا من جهة أخرى، وهي أنه يقبح الاختصار على قوله لا فيه ريب في القواعد النحوية، حتى يضم إليه شيء آخر، فيقول ولا شك مثلا أو نحو ذلك.
فأما ما يعود إلى نفي الريب فاللفظان يدلان عليه دلالة واحدة، ولعله ظن أن حرف النفي إذا شافه المنفي بغير واسطة كان أبلغ في النفي من أن يتخلل بينهما واسطة، ويجريه مجرى المؤثرات الحسية، فإن السيف إذا شافه الجسم بلا واسطة كان أبلغ في القطع من أن يتخلل بينهما ثوب أو درع، فيظن أن هذا مثل ذاك، وهذا وهم عامي لا يلتفت إليه محصل.
وما نعلم كيف وقع له أنه قال: لو أنه قال ليس فيه ريب لدل على أنه ليس كغيره من الكتب التي فيها ريب، وأنه لو قال: ليس في الدار عيب لدل على أنهاليست كغيرها من الدور المعيبة، وأنه إذا قال: ليس في خمر الجنة غول يدل على أنه ليس كخمور الدنيا التي فيها غول، فإنهليس في اللفظ تعرض لذلك لا بصريحه ولا فحواه، ولو جاز أن ينسب إلى الألفاظ دلالة لا تقتضيها لا بصريحها ولا فحواها لجاز أن ينسب إليها أمور، لا تتناهى، وذلك محال.
وقال سبحانه: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ ١ وليس
стр. 247
تفسير هذا الرجل لقوله تعالى "لا فيها غول" يأن المراد تفضيلها على لخمور التي فيها غول بأولى من أن تعكس القضية عليه ويفسر نحو قوله تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا﴾ بأنه يدل على تفضيلها على خمور الدنيا التي فيها اللغو والتأثيم، فيجعل حرف النفي إذا باشر المنفي وتأخر الظرف دالا على الأفضلية، وإذا تقدم الظرف دالا على النفي المطلق على مناقضة ما ذكره، فإنه لا فضل بين القولين إلا مجرد التسمي والتحيم.
١٠٦- قال المصنف: وتقديم الحال على ذي الحال يفيد الاختصاص، نحو قولك جاء راكبا زيد، بخلاف ما إذا قلت جاء زيد راكبا، فإنه لا يدل على ذلك، لجواز أن يكون ضاحا أو ماشيا أو غير ذلك١.
أقول: أتزعم أنك إذا قلت جاء راكبا زيد فإنك قد قصرت زيدا من دون سائر الأحوال والهيائت على الركوب فقط، وأن ذلك ينفي كونه لابسا وضاحكا وجائعا وغير ذلك من الأمور التي يحتمل أن يكون عليها؟ فإن قيل نعم قيل له: كيف زعمت ذلك، ولامعافاة بين كونه راكبا وكونه على هذه الأوصاف، وأي دلالة في تقديم الحال على انتفاء غيرها؟ وهذا لغو من القول.
стр. 248
١٠٧- قال المصنف: والاستثناء المتقدم جار هذا المجرى، نحو قولك: ما قام إلا زيد أحد، وإنه يدل عل الاختصاص بخلاف قولك ما قام أحد إلا زيدا١.
أقول: لعمري إن قولك ما قام إلا زيدا أحد يدل على اختصاص زيد بالقيام، لا لأجل تقديمه على الفاعل، بل لأجل الاستثناء الذي يدل على إخراجه مما حكم به على غيره، فلولا اختصاصه بذلك لبطلت فائدة الاستثناء، ولكن هذا المعن مطرد في حالتي تقديم زيد وتأخيره؛ لأن الاستثناء يدل في كلا الموضعين دلالة واحدة على اختصاص زيد بالقيام دون غيره؛ لأنه لو قام غيره لكذب في قوله إلا زيدا.
ألا ترى أن من تحاول تكذيبه تقول له كذبت؛ لأن خالدا قد قام أيضا، فلا فرق في هذا الاختصاص بين تقديم المستثنى وتأخيره.
فإن كان هذا الرجل وحسه قد تفطن لاختصاص زائد على هذا المعنى عند تقديم المستثنى لا يؤخذ عند تأخيره، فهذا الرجل قد أدرك ما غفل عنه الأولون والآخرون، ورزق حسا وذوقا وقف بهما على ما لم يقف عليه غيره، ولا كلام لنا مع من هو بهذه الصفة، وإنما نتحدث مع أمثالنا وأشكالنا، وأما من تر في إلى طبقة أخرى فإن أمره يجل عن ذلك..
стр. 249
١٠٨- قال المصنف: وقد اختلف الناس في حمل مريم ﵍ كم مدته، فقال قوم كحمل غيرها من النساء، وقيل ثلاثة أيام، وقيل أقل، وقيل أكثر. قال: والصحيح أن حملها ووضعها كانا متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل، لقوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لأنه عطف بالفاء وهي للفور، ولو كان هناك تراخ ومهلة لعطف بثم التي هي تفيد المهلة١.
أقول: إن الفاء ليست للفور، بل هي للتعقيب على حسب ما يصح إما عقلا أو عادة، ولهذا صح أن يقال دخلت البصرة فبغداد، وكان بينهما زمان كثير، لكن تعقيب دخول هذه عن دخول تلك على ما يمكن، بمعنى أنه لم يمكث بواسط مثلا سنة أو مدة طويلة، بل طوى المنازل بعد البصرة ولم يقم بواحد منها إقامة يخرج بها عن حد السفر إلى أن دخل بغداد، وهذا هو الذي يقوله أهل اللغة وأهل الأصول، وليست الفاء للفور الحقيقي.
أقول: معناه حصول هذا بعد هذا٢ بغير فصل ولا زمان كما توهماه هذا الرجل، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ٣ والعذاب متراخ عن الافتراء.
стр. 250
وقال: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ ١ والردى متراخ عن الصد عنها. وقال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ ٢ وليس خروج النبات عقب إنزال المطر، بل هو متراخ عنه. وقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ ٣ ولم يكن النسيان عقب العهد، فإنه قد دام مكثه متجنبا للشجرة التي نهى عن أكلها مائة عام، ثم أكلها.
وفي القرآن من هذاالجنس الكثير الواسع، فإذن لا يدل على قوله تعالى: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ ، أن ذلك كله كان في يوم واحد أو أقل كما اعتقده هذا الرجل.
١٠٩- قال المصنف: ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال فذكر الخلق الأول من الطين وهو آدم، ثم عطف عليه الخلق الثاني بثم لما بينهما من التراخي، ولما صار إلى القدر الذي يتبع بعضه بعضا من غير تارخ عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى وهو آخر الخلق عطه بثم.
стр. 251
ثم اعترض على نفسه فقال قد وردت آية أخرى بلفظة ثم لهذه التقلبات بعينها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ ثم أمسك عن الجواب١، فلم يقل شيئا، هكذا وجدته في نسخة هذا الكتاب التي وصلت إلينا من الموصل فطلبت نسخة أخرى، ثم تأملتها فوجدته أيضا قد أخلى بياضا للجواب.
أقول: قد كان الواجب عليه أن يتفطن من ههنا لحقيقة الفاء، وأنها ليست كما يظن أنها تقتضي الفور الحقيقي، وإن وجد أحدهما في الزمان الأول، والآخر في الزمان الثاني بلا فصل، بل تقتضي التعقيب على ما يصح ويمكن كما قدمنا فأما ثم فتقتضي تراخيا ومهلة أكثر مما في الفاء.
ومن العجيب ظنه أن الفاء في قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ للتعقيب الذي يتوهمه، وهو عدم الزمان المحسوس بين الحالتين، وكيف يمكن أن نعتقد هذا، وبين صيرورة العلقة مضغة زمان طويل، وبين صيرورة المضغة عظاما مثل ذلك، ولو كان الأمر كما تصوره هذا الرجل لوجب القول بأن الزمان الذي تتكون فيه النطقة علقة، تتكون في الزمان الثاني منه بلا فضل مضغة، وتتكون في الذي يليه بلا فصل عظاما، وتتكون في الزمان الذي يليه على تلك العظام لحم، وتتكون هذه المراتب كلها، وتقع جميعها في أقل من عاشرة من عواشر الدقائق، وهذا أمر ما قاله مخلوق قط:
стр. 252
وهو مع ذلك مخالف للحس والوجدان، فالآية الثانية الواردة بلفظة ثم غنية عن التأويل محكمة واضحة؛ لأن لفظة ثم واقعة موقعها.
فإنا إذا استقبحنا على سياق كلامه أن يقول قام زيد يوم السبت، فقام عمرو يوم الأحد، لأجل أن بينهما يوما واحدا، وأوجبنا أن يقول ثم قام عمرو يوم الأحد، وجعلنا مدة اليوم فقط مهلة وتراخيا يليق أن يؤتى بثم لأجلها، فالأولى أن يؤتى بثم في أطوار الخلقة التي لا ينتقل طور منها إلى طور آخر إلا في الأيام الطويلة التي تتجاوز الشهر.
فأما قوله: ولما صار إلى جعله ذكرا أو أنثى وهو آخر الخلق عطفه بثم، فنقول له: أين في الآية ذكر جعله ذكرا وأنثى؟ فإن كنت تعني قوله "ثم أنشأناه خلقا آخر" فإن تقسيم الحيوان المخصوص إلى ذكر أو أنثى ما كان في آخر المراتب كما يتوهم، بل إما في أول التكوين وابتداء الأطوار على ما يعتقده قوم، أو عند جعله عظاما ولحما؛ لأنه لا يغيره أن يجعله لحما وعظاما فيكون إنسانا كاملا ومع ذلك فليس بذكر أو أنثى.
فالذي سبق إلى ذهن هذا الرجل من أن المراد بقوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر﴾ الذكورة والأنوثة قد سبق قبله إلى أذهان قوم من صنعة المفسرين، وهو غلط، بل المراد بذلك أنا أخرجناه من ذلك الوعاء إلى خارجه، وجعلناه مستقلا بنفسه بعد أن كان جزءا من أمه؛ لأنه كان يغتذي باغتذائها، كما يغتذي عضو من أعضائها، فلما استقل بنفسه في الغذاء وغيره وجميع صورته، وظهر شخصه صار خلقا آخر.
стр. 253
١١٠- قال المصنف: ومن الألفاظ ألفاظ يراد بها المبالغة والتكثير، كالألفاظ التي تجئ على وزن فعال كتواب وغفار فإنهما يفيدان كثرة التوبة والمغفرة وتكررهما من الفاعل، وليسا كتائب وغافر، فإنهما يدلان على وقوع المغفرة والتوبة من الفاعل ولو مرة واحدة.
قال وقد وهم بعض شعراء الحماسة في هذا الموضع فقال:
لله تيم أي رمح طراد ... لاقى الحمام وأي نصل جلاد
ومحش حرب مقدم متعرض ... للموت غير مكذب حياد
قال فانعكس عليه القصد؛ لأنه إذا نفى كونه حيادا فقد نفى عنه كونه كثير الهزيمة والانحراف عن قرينه، وذلك أن يكون قليلهما، ولا شبهه أن يكون غير حياد ولكنه حائد، أي وجدت منه الحيدودة مرة واحدة. وإذا وجدت منه مرة كان ذلك جبنا، ولم يكن شجاعة، والأولى أن كان قال: غير مكذب حائد١:
أقول: فعلى هذا القياس يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ ٢ يقتضي أن يكون دالا على نفي تكرر الظلم، ويكون مفهوم ذلك وفحواه أنه
стр. 254
بظلم العباد ظلما قليلا، كما كان فحوى بيت الشاعر أن هذا المرثي يجبن نادرا، وأن يكون قوله ﷺ لعلي ﵇: "لأعطين الراية غدا لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار" أي لا يكثر الفر بل يفر أحيانا في النادر، مع أن عليا لم يفر قط على ما نقل عنه المخالف والمؤالف، وأن يكون قول سطيح١ في كهانته على رسول الله ﷺ : "ليس بفظ ولا صخاب" يقتضي ألا يصخب كثيرا، بل يصخب في وقت بعيد.
واعلم أن العرب إذا استعملت هذه اللفظة في النفي فإنهم لا يعنون بها إلا ما يعنون بلفظة فاعل فقط، ولو شئت أن أذكر من ذلك الأمثلة الكثيرة لذكرتها، فأما في الإثبات فإنهم قل أن يستعملوها إلا في الكثرة والتكرير كما ذكره هذا الرجل، وكان الواجب أن يتصفح كلامهم، ويفرق بين استعمالهم لها نفيا واستعمالهم لها إثباتا.
١١١- قال المصنف: وينبغي أن يعلم أنه إذا وردت لفظة من الألفاظ، ويجوز حملها على التضعيف الذي هو طريق المبالغة، وحملها على غيره، أن ينظر فيها.
стр. 255
فإن اقتضى حملها على المبالغة. فهو الوجه.
وذلك أن قوة اللفظ لقوة المعنى لا تستقيم إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها، كنقل الثلاثي إلى الرباعي.
وإذا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلا موضوعة لمعنى، فإنه لا يراد بها ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة.
ألا ترى أنه إذا قيل في الثلاثي "قتل" ثم نقل إلى الرباعي فقيل "قتل" بالتشديد، فإن الفائدة من هذا النقل هي التكثير، أي أن القتل وجد منه كثيرا؟.
وهذه الصيغة الرباعية بعينها لو وردت من غير نقل لم تكن دالة على التكثير، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ، إذ أنه لا ثلاثي لهذه اللفظة١.
أقول: إنه لا يصح أن يقال على الإطلاق متى كان لهذه الصيغة وهي فعل بالتشديد ثلاثي، فإنها تُعطي معنى التكثير والقوة، وذلك أنا قد وجدناها في مواضع بخلاف هذه الصفة، نحو قولك قلصت شفته إذا انزوت بالتخفيف، ومثله قلصت بالتشديد، ولا فرق بينهما عند أهل اللغة في كثرة ولا قلة، وقد نصوا عليه، وذكر ذلك صاحب ديوان الأدب فقال: قصر من الصلة وقصر منها٢.
стр. 256
فأما قوله إن فعل مشددا إذا لم يكن له ثلاثي قد نقل عنه فإنه لا يدل على الكثرة فصحيح، لكن تمثيله بقولهم رتل القراءة غير صحيح؛ لأن هذه اللفظة لها فعل ثلاثي وهو رتلت قراءته بالكسر رتلا أيضا، ويقال منهما ثغر مرتل، وكلام مرتل.
فأما تمثيله بكلم فتمثيل صحيح لا نزاع فيه.
١١٢- قال المصنف: وقد ذهب جمهور علماء العربية إلى أن عليما أبلغ في معنى العلم من عالم.
قال: ولا أرى ذلك صوابا؛ لأنك تجد الحروف في الموضعين على عدة واحدة لم ينتقل فيها الأدنى عددا إلى الأعلى، بل الذي يوجبه القياس يقتضي عكس ما قالوا؛ لأن فعيل في وزن طريق وكريم وأمثالهما من أمثال الأخلاق والطبائع التي لا تقع إلا قاصرة١، وفاعلها على هذا الوزن هو فعيل٢ لا غير، وليس بناء فاعل كذلك؛ لأنه يجيء من المتعدي كضارب ومن اللازم كقائم، وما يشبه مالا يكون إلا للقاصر أضعف مما يكون بناؤه للمتعدي والقاصر معا٣.
стр. 257
أقول إن فعيلا وإن لم ينص العرب على أنه للمبالغة فقد نبهوا على ذلك باستعمالهم إياه خبرا عن الجماعة، وإجراء صفته المذكر والمؤنث، أما كونه خبرا عن الجماعة فنحول قول جرير:
جلون العيون النجل ثم رميننا ... بأعين أعداء وهن صديق١
ومثله في الخبر قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين﴾ ٢، ولم يقل قريبة.
وإذا وصف به المذكر والمؤنث ووقع خبرا عن الجماعة صار كالمصادر الواقعة للأجناس المشترك في الوصف بها المفرد والمع والمذكر والمؤنث، نحو قولهم رجل فطر وامرأة فطر ورجال فطر ونساء فطر، ومثل هذا لم يجئ في وزن فاعل، وعلة ذلك أن فعيلا أشبه فعولا، لأنه صفة مثله وثالثه حرف مد، وفعول قد وقع للجمع والمفرد والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِين﴾ ٣ فعدو فعول، وقد أخبر به عن الجماعة، أي أنهم لي أعداء.
стр. 258
وقالوا امرأة شكور كما قالوا رجل سكور، وإنما استعملوا فعولا للمبالغة والكثرة؛ لأنه على لفظ فعول الذي يقع مصدرا، نحو الدخول وليس بينه وبينه إلا ضم هذا وفتح هذا.
وقال أبو الفتح ﵀ سرى التذكير من فعول المصدري إلى فعول الوصفي، يعني أن المصدر للجنس، والغالب على الجنس التذكير، فلذلك لم يؤنث فعول إذا وقع للمؤنث بمعنى فاعل، نحو امرأة صبور، وامرأة شكور، وشذ قولهم امرأة عدوة، حملوه على قولهم امرأة صديقة بالهاء الفارقة في الواحد بين المذكر والمؤنث.
فأما قوله إن فعيلا يجيء من أفعال الغرائز فذلك لا ينافي وقوعه للمبالغة؛ لأن قولنا قدم فهو قديم فيه مبالغة، وكذلك عتق فهو عتيق بمعنى قدم في الزمان على جهة المبالغة، وقال سبحانه: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم﴾ ١.
١١٣- قال المصنف: ومن التطويل الذي لا حاجة إليه قول العجير السلولي من شعراء الحماسة:
طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدم
قال: فالزيادة قوله المطايا؛ لأنه أراد ما أراده الحجاج بقوله: "أنا ابن جلا
стр. 259
وطلاع الثنايا" أي سامي الهمة إلى معالي الأمور، فالمطايا فضلة؛ لأن معالي الأمور لا يُرقى إليها بالمطايا، وإن أراد به أنه كثير الأسفار فتخصيصه الثنايا بالذكر دون سائر الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه.
وعلى كلا الوجهين فذكر المطايا فضلة لا حاجة إليها، وهو تطويل بارد غث١.
أقول: إن هذا الكلام مدخول من ثلاثة أوجه: الأول أنه لو أراد ما أراده الحجاج من سمو همته إلى معالي الأمور، وإحاطة علمه بالخفايا كما يحيط علم الربيئة الذي يطلع الثنايا بأحوال الأرض ومن يصير فيها، لم يكن قوله بالمطايا زيادة لا معى تحتها؛ لأنه كنى بالمطايا عن مساعيه وآثاره ومقامامته التي تقدم بها في معال الأمور، واكتسبها، وسماها مطايا لأنها هي التي أوصلته إلى المعالي، كما يصل الإنسان بالمطية إلى مقصده.
ولهذه العلة استعاروا هذه اللفظة، فقالوا الليل والنهار مطيتان تقربان البعيد، وسمي أبو الطيب نعله ناقة، فقال:
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها٢
стр. 260
فمراد الشاعر إذن أنني نلت معالي الأمور بالسعي والآثار والتوصل، لا بالميراث ولا الاقتصار على شرف الأنساب.
والوجه الثاني لو أراد الإبانة عن كثرة الأسفار لكان لقوله الثنايا مزية ظاهرة على غيرها من الأرض؛ لأن الثنايا والعقاب والروابي أشق الأرض سيرا، قال الشاعر:
وثنية قذف يحاربها القطا ... ويضل فيها حين يغدو الأحقب١
وقال:
ومزناة لا تستطاع قطعتها ... بهيق كتابوت النصارى شمرول٢
وأشعارهم في هذا الباب كثيرة جدا.
الوجه الثالث أنه أدعى أن لفظة المطايا هي الفضلة الزائدة، ثم برهن على ذلك بأن قسم المعنى إلى قسمين، ثم بين أن أحد القسمين إن كان هو المراد فالمطايا فضلة زائدة، وهو المطلوب، ثم قال: وإن كان القسم الثاني هو المراد
стр. 261
فالثنايا فضلة زائدة، فإذن استدلاله لا ينتح المطلوب؛ لأنه إنما كان ينتج المطلوب لو ثبتت زيادة قوله بالمطايا على كلا القسمين، فأما إذا كان أحد القسمين لا يقتضي زيادتها، بل زيادة غيرها، فقد بطل قوله ودعواه أن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليها، على كلا الوجهين.
١١٤- قال المصنف: فأما بيت أبي تمام وهو:
يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام
فإنه قد جاء في بعض النسخ:
يتجنب الآثام خيفة غيها ... فكأما حسناته آثام
وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصح به، والوجه الرواية الأولى.
وقد خطر لي في معناه أنه نظير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة﴾ وتقديره أنه يتجنب الآثام، فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء١.
أقول: إن هذا التفسير يكاد يكون التفسير، ولكنه لم يوضحه؛ لأنه قال ثم يخاف تلك الحسنة، ولا ريب أن الحسنة التي صدرت منه هي تجنب الآثام، وهي طاعة لا يخافها أحد، فما باله خاف التجنب حتى صار كأنه من الآثام؟
стр. 262
فقد بان أنه قد أعوزته كلمة لم يذكرها، وهو أنه لا يخاف الآثام، بل يخاف ألا يُقبل منه وألا يُثاب عليه، فيكون خوفه من ذلك خوفه من الآثام نفسها، ويكون هذا من باب حذف المضاف، كأنه قال يتجنب الآثام ثم يخاف ردها أو يخاف إحباطها، والضمير إلى مصدر قوله يتجنب، لأن يتجنب قد دل على التجنب.
فإن قلت ضمير المؤنث ههنا كيف جاء والتجنب مذكر؟ قلت: هو محمول على المعنى؛ لأن التجنب كالجفوة والهجرة والمفارقة، وإعادة الضمير على المعنى في باب التذكير والتأنيث كثيرة مشهورة.
وعلى هذا التحقيق ظهرت مطابقته بالآية على أحد تفسيريها.
فأما قوله إن رواية "خيفة غيها" لا يصح المعنى بها، فإن بعض المفسرين قال إن هذا البيت محمول على القلب، وتقديره: فكأنما آثامه حسنات، قال ومعناه كأن آثامه حسنات وغيره؛ لأنه من الأبرار الأولياء الذين حسنات الناس سيئات بالنسبة إلى عباداتهم، ومن كلامهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين، يعنون علو طبقة المقربين على طبقة الأبرار.
والقلب قد جاء في الكلام كثيرا نحو قولهم: أدخلت الخاتم في إصبعي، والتحقيق أدخلت إصبعي في الخاتم؛ لأن الإصبع هي التي أدخلت في الخاتم، وقولهم كأن الزنا فريضة الرجم، وقال الآخر:
стр. 263
وبلد عامية أعماؤه ... كأن لون أرضه سماؤه١
وقد جاء في التنزيل شيء من ذلك قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ ٢ أي فإني عدو لهم وعداوته تعالى لهم يراءته منهم ولعنته لهم، وإذا ثبت هذا فالرواية التي أفسدها وزعم أنها لا تصح صحيحة غير منكرة ...
١١٥- قال المصنف: فأما بيت أبي نواس، وهو قوله:
سنه العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن
ومن الناس من يرويه فاستنم بالنون، وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يبين سنه العشاق ما هي، فبأي شيء يستن المستن منها؟ ٣.
أقول: إن البيت الذي قبله يوضح العشاق التي أمره أن يستن بها، ألا ترى أن من قال لغيره إذا دخلت على الملك فاسجد، ثم قال عقيب ذلك عادة عبيد الملك وخوله مشهورة، فإذا أحببت أن تكون منهم فاعمل بها، فإنه يفهم من هذا الكلام أنه إشارة بالعادة إلى ما قدمه أولا من السجود للملك.
стр. 264
١١٦- قال المصنف: بعد أن ذكر آيات كثيرة من الكتاب العزيز تتضمن حذف جمل مفيدة وغير مفيدة: ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ، قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ لأن الأمر بتفكيره لا يكون إلا بعد أن جيء به إليه١.
أقول: تقدير هذا الحذف غير محتاج إليه في هذه الآية؛ لأنا إن جعلنا الضمير في "رآه وفي عنده" راجعا إلى الذي عنده علم من الكتاب جعلنا الضمير في "قال نكروا لها" راجعا إلى سليمان، فيكون تقدير الكلام: فلما رأى الرجل الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس مستقرا عنده، قال: هذا من فضل ربي إلى آخر الآية، ثم هذا يحكي قول سليمان "نكروا لها عرشها" فلا تحتاج الآية إلى حذف ولا إضمار.
وإن جعلنا الضمائر كلها راجعة إلى سليمان لم يحتج أيضا إلى الحذف الذي ذكره، بل يكون قوله نكروا لها عرشها إما معطوفا حذف منه حرف العطف، تقديره وقال نكروا لها عرشها، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ٢
стр. 265
أو جوابا ثانيا للم، أو كلاما مستأنفا، كأنه فرغ من تلك القصة، ثم شرع في جملة أخرى، وهي أنه لا حاجة إلى حذف المذكور؛ لأنه لما قال فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي، وهذا يغني عن أن يقدر مرة ثانية "فلما جيء به" لأن معناهما واحد.
١١٧- قال المصنف: وقد نص أبو الفتح ابن جني على أن حذف الفاعل لا يجوزه قال: وبيت حاتم يشهد بخلاف قوله وهو:
أماوى ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ولم يذكرها١.
أقول: إن البصريين كلهم قد منعوا حذف الفاعل لقاعدة مقررة عندهم، وهي أن الفاعل ينزل منزلة جزء من الكلمة؛ لأنهم سكنوا لام الفعل إذا اتصل به ضمير الفاعل، نحو ضربت، كي لا تتوالى أربع متحركات لوازم في كلمة واحدة، فإن ذلك لا يوجد إلا أن يكون قد حذف حرف من الكلمة للتخفيف، نحو علبط٢، فإسكانهم لام الكلمة تنزيل لضمير المتكلم وهو الفاعل منزلة حرف من نفس الكلمة، ولذلك لم يسكنوا
стр. 266
لام الفعل إذا اتصل به ضمير المفعول كقوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُه﴾ ١ لأنه في نية الانفصال، بخلاف قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ ٢ قالوا وكذلك جعلوا النون في يفعلان وبابه علامة الرفع، فلولا أن الألف بمنزلة حرف من نفس الكلمة لما جعلوا الإعراب بعده، ولأنهم ألحقوا علامة التأنيث بالفعل في قولهم: قامت هند، والفعل لا يؤنث، فلو لم يكن الفاعل بمنزلة جزء من الفعل لما جاز إلحاق علامة التأنيث به.
وقد نسبوا إلى "كنت" فقالوا كنتي قال الشاعر:
فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن٣
فأثبتوا الياء، ولولا تنزيلها منزلة جزء من الكلمة لم يثبتوها في النسب، ولهم على هذه القاعدة أدلة، كثيرة مذكورة في مواضعها.
وإذا كان الفاعل بمنزلة جزء من الكلمة لم يجز حذفه، كما لا يجوز حذف الدال من زيد، ولكنه يضمر، فتارة يرجع إلى شيء متقدم في اللفظ، كقولنا زيد قام، وتارة إلى ما يدل عليه لفظ مصرح به، وإن لم يكن المضمر راجعا إلى ذلك اللفظ، كقولهم: من كذب كان شرا له،
стр. 267
فاسم كان مضمر دل عليه لفظ كذب، والمعنى كان الكذب شرل له، قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ ١ أي بدالهم بداء، فأضمر الفاعل لدلالة بدا عليه.
وقد أضمره الشاعر فقال:
لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بدء٢
وقد تقدم أن قوة العلم بالفاعل في بعض المواضع تقوم مقام ذكره أو ذكر ما يدل عليه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ ٣ وقول حاتم: "إذا حشرجت".
والضابط في ذلك ألا يزيد ذكر الفاعل في قوة العلم به على ما يحصل من قوة العلم وهو غير مذكور كما في الآية والبيت، فإنه لو ذكر الشمس والنفس لم تزد قوة العلم على ما نجده الآن، وإن لم يذكرهما، وهذا هو الفرق بين حذف الفاعل وحذف غيره، فإن هذا الضابط، غير معتبر في شيء من المواضع إلا في الفاعل إذا لم يذكر.
стр. 268
١١٨- قال المصنف: وقد يحذف الفعل لدلالة المفعول عليه، كقولهم: "أهلَكَ والليلَ" بنصبهما معا أي الحق أهلك وبادر الليل١.
أقول: ظاهر هذا الكلام أنه انتصب اللفظان بإضمار فعلين، وهو خلاف ما تقوله النحاة؛ لأنهما عندهم منصوبان بفعل واحد، تقديره بادر أهلك والليل، ومعناه بادر أهلك قبل الليل، وتحقيق ذلك أن معنى المبادرة مسابقتك الشيء إلى الشيء، كقولك بادرت زيد للمنزل، كأنك سابقته إليه، فلما عطف الليل على الأهل وجعلهما مبادرين أمره بمبادرتهما قبل أن يسقه أحدهما إلى الآخر.
١١٩- قال المصنف: حذف الفعل ينقسم إلى قسمين: أحدهما يظهر بدلالة المحذوف عليه، كما ذكرناه من قولهم أهلك والليل، وكقول المتنبي:
وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا٢
ولا إلا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيمه هواكا
فقوله ولا إلا بأن تصغي فيه محذوف، تقديره ولا أرضى إلا بأن تصغي وأحكي.
стр. 269
قال: والقسم الثاني لا يظهر فيه الحذف، لأن هناك منصوبا يدل عليه، بل بالنظر إلى ملاءمة الكلام، كقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ وكقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ فتقدير ذلك كله: وقلنا لقد جئتمونا، وقلنا أذهبتم طيباتكم، وقلنا وإن جاهداك١.
أقول: لا فرق بين هذا القسم وبين قوله إلا بأن تصغي وأحكي؛ لأنه لو أظهر "وقلنا" لكان ما بعده منصوبا لأنه مفعول به، كما لو أظهر المفعول فقال ولا أرضى شيئا إلا بأن تصغي، فالقول ينصب ما بعده إذا كان كلا مقولا كما ينصب الفعل مفعوله، وكما أن موضع "لقد جئتمونا" هو المنصوب لا لفظه، ولا فصل بين الموضعين، فدعواه أن هذه الآيات علم الحذف منها بالنظر إلى ملاءمة الكلام لا بأن في الكلام مفعولا يدل على حذف الفاعل، وأن قوله "ولا إلا أن تصغي وأحكي" خلاف ذلك دعوى غير مقبولة.
١٢٠-
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشن ... عن الحفيظة إن ذو لوثة لانا
стр. 270
فجواب الشرط قد استوفاه في البيت الأول، فلا بد في البيت الثاني من تقدير لو دفعة ثانية، أي لو كنت منهم إذن لقام بنصري معشر خشن١.
أقول: إن هذه المسألة تنبني على أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه أم لا، فإن لم يثبت ذلك لم يصح هذا الكلام؛ لأنه جاز أن يكون قوله "إذن لقام بنصري" بدلا من قوله "لم تستبح إبلي" لأنه في معناه، والفعل يبدل من الفعل إذا كان في معناه، نحو ادن يا فتى أحسن إليك أعطك سالا، وإذا لم يحتج في البدل إلى تكرير العامل لم يحتج هنا إلى تكرير لو، وإن لم تثبت هذه القاعدة فإن ما ذكره صحيح لا ريب فيه.
١٢١- قال المصنف في باب التكرير: التكرير على قسمين تكرير في اللفظ والمعنى جميعا، وتكرير في المعنى فقط دون اللفظ، فالأول نحو قولك لمن تستدعيه أسرع أسرع، ونحو قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ومثل قول أبي الطيب المتنبي:
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام٢
أقول التمثيل باللفظة المذكورة وبالآية تمثيل جيد.
وأما التمثيل بالبيت فغير جيد؛ لأنه لم يتكرر فيه اللفظ والمعنى حسب
стр. 271
تكرره في الآية وفي اللفظة المذكورة؛ لأنه لم يذكر في صدر البيت إلا في نفي رؤية مثله ومثل جيرانه، ولم يبين في ماذا، ولا هذه المثلية والمشابهة في أي شيء، فمن الممكن أنه كان يعني أر مثلي ومثلهم في حب بعضنا لبعض، أو في بغض بعضنا لبعض، أو في جودنا لم أر مثلي، ومثلهم في حب بعضنا لبعض، أو في بغض بعضنا لبعض، أو في جودنا أو في شجاعتنا، أو في ديانتنا، فلما قال في عجز البيت "لمثلي عند مثلهم مقام" كشف ذلك الإجمال، وأزال ذلك الإبهام، وأبان عن أن مراده لم أر مثلي مقيما بين ظهراني مثلهم، يعني أنهم على غاية الإساءة لعشرته، وأنه على غاية الصبر عليهم، والاحتمال لهم، وأن مقامه عظيم لا يصلح أن يكون مثله مقيما بين هؤلاء الرعاع.
فالشاعر لم يكرر كما تكررت ألفاظ الآية، ولا وجد اللفظ والمعنى معا مرددين مكررين في هذا البيت، ولكن أول ألفاظه يعطي معنى مجملا، والثاني يعطي معنى مفصلا، وهو شرح ذلك المجمل، فلم يكن ذلك تكريرا مشتملا على إعادة اللفظ والمعنى معا، فلم يجز إدخاله في هذا القسم، وذكره في جملة أمثلته.
١٢٢- قال المصنف: فأما قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فليس كما يتوهم من أنه تكرير فقط، بل المراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفورلا عند الوصول إلى البلد، كما ذهب إليه بعض الفقهاء، وقال: لأن الأمر إذا صدر بلفظ التكرير مجردا عن قرينة تخرجه عن وصفه، ولم يكن مؤقتا بوقت معين،
стр. 272
كل ذلك حثا للمأمور على المبادرة على الفور، كما تقول لصاحبك قم قم، فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في الحال الحاضر١.
أقول: إن المذهب الذي قد اختاره هو مذهب مجاهد، والاحتجاج الذي قد احتج به لنصرته ضعيف؛ لأن فحوى كلامه أنه يذهب إلى أن الأمر إذا ورد مجردا عن التكرير لم يدل على الفور، ألا تراه كيف قد قيد كلامه فقال إذا صدر بلفظ التكرير غير مؤقت، فلو كان ممن يذهب إلى أن الأمر يقتضي على الفور مجردا لم يحتج إلى هذه القيود.
وإذا كان كذلك فأدلة القائلين بأن الأمر لا يقتضي الفور جميعها موجودة في أن الأمر المكرر قرينة يفهم منها الفورية، مثل أن يقول له قمْ قمْ قول غضب أو إرهاق، أو يشاهد وجهه أو يسمع كلامه، فيدرك منها ما يدل على ذلك، أو يظهر من حركاته وقرائن أحواله أمارات تقتضي ذلك.
فأما مجرد فقط فلا يدل تكريره على الفورية؛ لأن الزمان من ضروريات وقوع الامتثال، كما أن المكان من ضرورياته أيضا، وكما لا يدل تكرار الأمر على وجوب إيقاع المأمور به في مكان معين، فكذلك لا يدل تكرار على وجوب إيقاعه في زمان معين.
ولا حيلة في دفع هذا لمن ذهب إلى أن الأمر يقتضي الفور سواء كرر
стр. 273
أو لم يكرر، فإنه يتكلم على هذا الدليل كلام من أثبت الفورية للأمر، حيث كان أمرا لا باعتبار التكرير.
ثم يقال له لو سلمنا أن الأمر المكرر اللفظ يدل على الفور، لكن ليس قوله "فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة" مثل قول الإنسان لغيره قم قم، ولا تكون السبعة والثلاثة والحكم بأنها عشرة كاملة كذلك التكرير اللفظي في مبادرة الأفهام إلى أن المراد منه تعجيل امثتال المأمور به، فإنما نظيره أن يقول من تمتع بالعمرة إلى الحج فقد أوجبت عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
فأما قوله سبحانه ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فلا يعطي هذا المعنى؛ لأنه ليس إعادة لفظ الأمر كقولك قم قم، ولا معناه كقولك قم لا تقعد، وإنما هو نعت المأمور به فقط.
وقد اختلف الناس في فائدة هذا النعت، فقال قوم معناه عشرة كاملة ثواب الهدى، أي إذا وقعت بدلا منه استكملت ثوابه، وقال قوم غير ذلك، والمقصود أنه ليس قوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ تكرير الأمر بلفظه لإفادة الفورية منه؛ إذ ثبت أنه لا يفيد الفورية.
١٢٣- قال المصنف: فإن قلت بل الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه، وليس الغرض الحث على المبادرة إلى امثتال الأمر قلت
стр. 274
في الجواب: المرة الواحدة كافية في تعريف المأمور أن المأمور به مراد منه، فالزيدة على المرة الواحدة إن دلت على ما دلت عليه المرة الواحدة لا غير كان ذلك تطويلا لا فائدة فيه، وهو ينافي إعجاز القرآن وفصاحته، وإن دلت على أمر زائد فتلك الزيادة ليست إلا لحث على المبادرة إلى الامتثال، وإلا فليبين الخصم معنى هذه الزيادة، ولا سبيل إلى ذلك١.
أقول: إنه قد قال قبل هذا الموضع بأسطر إن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أن هذه الألفاظ كلها بمعنى واحد، وإنما كررها للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه﴾ وزعم أن ذلك من باب البلاغة.
فإذا كان هذا قوله فما المانع من أن يكون المراد بالمرة الثانية والثالثة في الأمر زيادة التكرير في نفس المأمور، وأن المأمور به مراد منه؟ فإن هذا غرض صحيح، لأنه لو قال له اعلم أن هذا الشيء مما أريده منك، وكرر هذا مرتين أو مرارا لم يكن قبيحا، إذا قصد تأكيد تلك الحال وتقريرها في نفس المخاطب فلم يذهب إلى أن المرة الثانية أفادت عين ما أفادته المرة الأولى من غير زيادة، بل أفادت زيادة بينة، وهي قوة اعتقاد المخاطب أن ذلك الشيء المأمور به مراد لا محال، ما أفاد قوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾
стр. 275
زيادة تحسين العفو كما ذكره، فقد بطل قوله: فليبين الخصم معنى هذه الزيادة، ولا سبيل إلى ذلك، وقد بينت أن سبيل الخصم إليها أوضح سبيل.
١٢٤- قال المصنف: وقد قال قوم إن الواو ها هنا أكدت قوله تلك عشرة كاملة، لئلا يتوهم أنها بمعنى "أو" قال: وهذا باطل؛ لأن الواو تجعل بمعنى "أو" مخالفة لأصلها، لمرجح يرجح على كونها عاطفة الذي هو الأصل، ولا مرجح ههنا١.
أقول: صاحب هذا القول إنما يقوله بعد ثبوت مقدمات، منها أنه لا بد في كلام الله من فائدة، ومنها لا فائدة إذا جعلناها عاطفة، فإذا ثبت ذلك له قال صحت حينئذ، وجعلها بمعنى أو، ولا نزاع أنه إذا ثبت له ذلك كانت بمعنى أو.
١٢٥- قال المصنف: وأيضا فإن القرآن منتهى البلاغة الفصاحة، فهلا قال: "وبدأ بيننا وبينكم العداوة"، ولم يقل والبغضاء، وهلا قال إنما "أشكو بثي"، ولم يقل وحزني٢.
стр. 276
١٢٦- قال المصنف: وأيضا فإن الصوم عبادة يجب فيها الاحتياط والإتيان بها على أكمل صورة، فكيف يظن أن الواو ههنا بمعنى "أو"١.
أقول: أليس قد وردت الواو بمعنى أو في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاع﴾ ٢ وهو في النكاح، والخطأ فيه أصعب من الخطأ في هذا الصوم، فيجوز أن يكون سبحانه قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة﴾ لإزالة توعم من يتوهم أن هذه الواو كتلك الواو.
١٢٧- قال المصنف: وأيضا فالسبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل مقابلته، لأن معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى "أو": إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم٣.
أقول: ولا إطعام المساكين يماثل في الصورة لكسوتهم، ولا لعتق الرقبة، فكيف قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٤ فليس من شرط "أو" أن تتوسط بين المتماثلين في الصورة، وهذا الكلام ناقص جدا.
стр. 277
١٢٨- قال المصنف: فأما عطف لفظة على لفظة ومعناهما واحد فكثير، كقول المنخل اليشكري:
الكاعب الحسناء تر ... فل فل الدمقس وفي الحرير
فإن الدمقس هو الحرير، وكقول آخر من شعراء الحماسة:
إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمقاذف من خلفه وورائه
فإن الخلف هو الوراء١.
أقول: المثال الأول لا بأس به، والثاني غير جيد؛ لأن الوراء قد وردت والمراد القدام في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ٢ لأنه لو لم يكن قدامهم ما خافوا منه، ولا احتاج إلى خرق السفينة.
وقال لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحني عليها الأصابع٣
ومنه أيضا قوله : ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّم﴾ ٤.
стр. 278
وقال آخر:
أثر جو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تيم والفلاة ورائيا١
١٢٩- قال المصنف: فأما حد الكناية فهي ما إذا وردت تجاذ بها جانبا حقيقة ومجاز، ومجاز حملها على الجانبين معا لوصف جامع، كقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإنه يصح المعنى ولا يختل بالحمل على كل واحد من المعنيين وهما الجماع وإلصاق الجسد بالجسد، ولذلك ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى كل واحد من القولين٢.
ولهذا الحد تنفصل الكناية عن التشبيه والاستعارة وسائر المجازات؛ لأنه لا يجوز حمل ذلك أجمع إلا على الجهة المجازية فقط، كقولنا زيد أسد، فإنه لا يجوز حمله إلا على المجاز خاصة؛ لأنه يستحيل أن يكون زيد سبعا حقيقة.
قال: والدليل على صحة ما قلناه أن الكناية أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فإما أن يكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة.
ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك هو
стр. 279
اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وذلك مخالفا للفظ المشترك إذا أضيف القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد لا يتعداه.
وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز؛ لأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها.
وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أولا يكون لها شركة في الدلالة، فيكون اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء: أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل لوضع، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره.
وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال.
فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز١.
أقول: إنا ما عرفنا أن الحدود يبرهن عليها، ولا هي من باب الدعاوي التي تحتاج إلى الأدلة لأن من وضع لفظ الكناية لأمر من الأمور لا يحتاج إلى دليله،
стр. 280
ثم يقال له: ألم تعد في أمثلة الكناية قول النبي للحادي بالحث: "رفقا بالقوارير" يعني النساء؟ وقول عبد الله بن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا "لو أن ثوبك في تنور أهلك أو تحت قدورهم لكان خيرا" وقول الشاعر:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال١.
يعني امرأة هلكت، فهل هذه المواضع مما يتجاذبها الجانبان، ويجوز حملها على كل واحد منهما؟ وهل يتوهم عاقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أنجشة أن يرفق بالزجاج؟ وأن عبد الله بن سلام أمر صاحب الثوب المعصفر أن يحرق ثوبه؟ والبيت الشعري أبعد؛ لأن المرأة إنسان، والإنسان لا يكون غمدا للسيف؛ لأن الحيوان لا يكون جمادا، فإن جاز أن تكون هذه المواضع كنايات مع أن الأذهان لا تحملها إلا على محمل واحد، ولا يسوغ حملها على غيرها جاز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ٢ وقول الشاعر:
"ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب"
كناية، وإن كان لا يجوز حمله على كلا المحملين، وإلا فما الفرق؟
ثم يقال: أهذا الاستدلال هو استدلال على أن الكناية هي ما جاز حمله على واحد من محملي الحقيقة والمجاز، أم على الكناية لا بد أن يتجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، مع قطع النظر عن جواز الحمل عليهما وعدم جوازه؟ فإن أردت الأول فالاستدلال لا يماثل ذلك بحال، ولا تعلق له به، وإن أردت
стр. 281
الثاني فإن أصحاب علم البيان قبلك لم يخالفوك في ذلك لتحاجهم وتعيب عليهم، وأنت لما حكيت أقوال أصحاب هذه الصناعة لم تحك عنهم أنهم لم يشترطوا ذلك في الكناية، أعني أن تكون مترددة بين محمل حقيقي ومحمل مجازي، وإنما حكيت عنهم أنهم لم يشترطوا أن يجوز حمل الكلام على كلا المحملين، فهذا هو الذي حكيت عنهم، وخالفتهم، وزعمت أنك استنبطت وتكلفت الدلالة عليه، فكيف تتركه جانبا، وتستدل على ما لا تعلق له به أصلا؟
ثم يقال له: قد نزلنا على ما تريد، ونحن نكلمك فيما يتعلق دليلك به، لم قلت إنه لا بد أن يتردد لفظ الكناية بين محملي حقيقة ومجاز، ولم يتردد بين مجازين؟ والذي تكلمت به على ذلك ليس بشيء، أما أولا فإنك أردت أن تقول: إما أن يكون اللفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل لهما، فأما قولك هذا فإنه يقتضي أن يكون الإنسان متكلما بشيء، وهو يريد تبيين غيره، وأصل الوضع أن يتكلم بشيء وهو يريد شيئا غيره، فيقال لك: أليس معنى قولك الكناية أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره أن قولك "شيئا" تريد واحدا غيره؟
كلا، ليس هذا هو المقصود أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فإن أردت شيئا واحدا فقط أردت غيره، وإن أردت شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد فقد أردت غيره؛ لأن كل ذلك غير ما دل عليه ظاهر لفظك، فليس في لفظة "غير" ما يقتضي التوحيد والإفراد.
стр. 282
وأما ثالثا فلم لا يجوز ألا يكون اللفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أصلا، بل لا يدل إلا على المجازين فقط؟
فأما قولك إذا خرجت الحقيقة من أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذي تكلمت به دالا ما تكلمت به، وهو محال، فيقال لك: لم قلت ذلك؟ ولم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة، فإذا تكلم الإنسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد دينك المجازين، ولا يون له تعرض ما لتلك الحقيقة، فلا يكون الذي تكلم به حقيقة، لأن حقيقة ذلك اللفظ قد صارت منسية، فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذي قد تكلم به المتكلم غير دال على ما تكلم به؛ لأنها قد خرجت بترك الاستعمال عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم.
١٣٠- قال المصنف: فأما حد الألغاز والأحاجي فهو معنى يستخرج بالحزر والحدس لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا ولا تعريضا، كقول القائل في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا آخر الأبد١
стр. 283
قال: فهذا كلام لا يفهم منه أن الضرس حقيقة ولا مجازا ولا من طريق المفهوم، بل هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند عثورها عليه١.
أقول: هذا يلزم عليه أن يكون كلام الزنجي إذا تعاطى العربي حزر معناه من باب الأحاجي والألغاز، والصحيح أن يقال عوض هذا: هو كل معنى يستخرج لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا ولا تعريضا، بل بالحدس من صفة أو من صفات تنبه عليه.
وعلى هذا فالضرس إنما عرف من هذا الشعر حدسا من مجموع هذه الصفات، وهي كونه صاحبا لا تمثل صحبته، وأنه يسعى لينتفع به الإنسان، وأن الإنسان لا يراه، فإذا رأه فقط افترقا فراق الأبد، ومجموع هذه الصفات ليست إلا للضرس، فتنبه الذهن من هذه الصفات والخصائص على مراد الملغز.
١٣١- قال المصنف: ومن الحذاقة في هذه الصناعة أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية مناسبة لمعاني تلك الكتب، قال: ووجدت أبا إسحاق الصابي على تقدمه في فن الكتابة في فتح بغداد وهزيمة الأتراك عنها الذي أوله "الحمد لله رب العالمين الملك الحق" ثم ذكر منه نحو عشرة أسطر سنذكرها في الجواب عن كلامه، ثم قال: وهذه التحميدة لا تناسب هذا الكتاب، ولكنها
стр. 284
تصلح أن توضع في صدر كتاب مصنفات أصول الدين كالشامل للجويني أو الاقتصار للغزالي أو ما جرى مجراهما، فأما في كتاب فتح فلا١.
أقول: إن إبا إسحاق ﵀ لم يخل هذه التحميدة من الإشارة إلى معنى الكتاب الذي هو مغزاه ومقصده، وذلك أن هذا الكتاب كتب في انتصار عضد الدولة أبي شجاع وعز الدولة أبي منصور على الأتراك الذين ترأس عليهم سبكتكين الحاجب الذي كان أمير جيوش معز الدولة أبي الحسين وعز الدولة أبي منصور بعده، وهما سلطانا الحضرة ببغداد، وكان مع هؤلاء الأتراك الطائع لله الخليفة العباسي والمطيع لله والفتكين القائد الجليل المشهور بالشجاعة بين الأتراك٢ وبأيديهم بغداد وأعمالها، فإن عضد الدولة وعز الدولة تضافرا على المسير إلى هؤلاء من فارس والأهواز، وصدها الأتراك صدمة عظيمة فطحنوهم، وانحاز الطائع لله إلى تكريت متحصنا بالقلعة، وطار الأتراك وهم زيادة على عشرة آلاف فارس إلى الشام ومصر، ودخل عضد الدولة ومعز الدولة إلى مدينة الشام، واستقر على سرير المملكة، بعد أن وقع اليأس من ذلك.
فقول أبي إسحاق الصابي: "الأبدي بلا انتهاء" وقوله: "الدائم لا إلى أجل معدود" وقوله: "لا تخلقه العصور، ولا تغيره الدهور" وقوله: "لا تزاحمه مناكب القرناء، ولا تحاذيه أقدام النظراء" وقوله: "الصمد الذي لا كفء له،
стр. 285
والفذ الذي لا توءم له" وقوله: "الحي الذي لا تختزمه منون، والقيوم الذي لا تشغله الشئون" وقوله: "القدير الذي لا تئوده المعضلات، والخبير الذي لا تعيبه المشكلات" كل ذلك إشارة إلى أن الملك ليس إلا لله تعالى، وأن ملك البشر لا حقيقة له، لسرعة زواله وانقضائه، وأن كل أحد من ملوك الأرض وإن عظم شأنه وقهر الملوك سلطانه يزول سريعا، وينقضي وشيكا، فهؤلاء الملوك الذين طحنهم الدهر بكلكله في هذه الواقعة فإن منهم من مات كالمطيع لله، وسبكتكين وهما خليفة وملك ماتا في الطريق قبل الواقعة، ومنهم من فر ولاذ بالمعاقل، ونحصن خوفا على نفسه كالطائع، ومنهم من حمله الرعب على أن صار برعيه، وسوقة تحت أيدي ملوك أخر كالفتكين، فإنه لم يبن وجهه إلا بمصر، وصار من جملة رعية العزيز نزارين معد صاحبها، ومنهم من تشرد في البلاد، وفارق الأموال والأولاد، كالأتراك، فجميع ما أوما إليه الصابئ ملائم للواقعة التي كتب هذا الكتاب فيها، وغير خارج عن مقصدها ومغزاها.
والعجب قوله ينبغي أن تكون هذه التحميده في صدر كتاب من أصول الدين كالشامل للجويني والاقتصار للغزالي، وأين الاقتصار من الشامل حتى يجمع بينهما في التمثيل، والاقصتار مقدمة في نحو خمسة كراريس، والشامل كتاب كبير في أكثر من خمسة مجلدات؟.
وهذا مثل أن يقال: هذا ينبغي أن يكون في كتاب فقهي كالبغية لأبي إسحاق الشيرازي أو الحاوي للماوردي، ومثل أن يقال: هذا ينبغي أن يكون في كتاب نحوي كاللمع لابن جني أو شرح سيبويه للسيرافي، ومثل أن يقال: