الثياب من الأحمر والأخضر, وجاء ذلك واقعًا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فكَّ نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك.
وبيت أبي الطيب جارٍ هذا المجرى؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع، وذاك أن حصنًا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه, فنهد سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدَّدَ بناءه, وهزم الروم، ونصب من جثث القتلى على السور، فنظم المتنبي في هذا قصيدًا أوله:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم١
فلمَّا انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات، فشرح صورة الحال في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه، وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه؛ لأنه يتصدَّى لنثره بألفاظه، فإن كان عنده قوة تصرُّف وبسطة عبارة, فإنه يأتي به حسنًا رائعًا.
وقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: "لم تكسه المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها، فبدَّل أحمر ثوبه بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره". وهذا من الحسن على غاية يكون كَمد حسودها من جملة شهودها.
وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: "سرى إلى حصن كذا مستعيدًا منه سبيةً نزعها العدو اختلاسًا, وأخذها مخادعة لا افتراسًا، فما نزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها, وكأنما كان بها جنون, فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلَّق عليها من رءوس القتلى تمائم". وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به، فمن شاء أن ينثر شعرًا فلينثر هكذا وإلّا فليترك.
стр. 107
وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى, وذاك أني أضفت إلى هذا البيت البيت الذي قبله وهو:
بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم
ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره وهو: "بناها والأسنَّة في بنائها متخاصمة, وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، وما أحلّت الحرب عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون, فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شكَّ أن الحرب تعرد عمَّن عزَّ جانبه، وتقول: ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه". وهذا أحسن من الأول وأتمَّ معنى.
وقد تصرَّفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا الأسلوب فقلت: "بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلّا بعد أن هدمت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم, أو شينت بعطلٍ فعلقت مكان الأطواق". وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله.
وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره, وذكر ما يسهل منه وما يعسر، فلنُتْبِعُ ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول:
من أحبَّ أن يكون كاتبًا، أو كان عنده طبع مجيب، فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه أن يبتدئ فيأخذ قصيدًا من القصائد، فينثره بيتًا بيتًا على التوالي، ولا يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه, أو بأكثرها، فإنه لا يستطيع إلّا ذلك، وإذا مرنت نفسه وتدرَّب خاطره، ارتفع عن هذه الدرجة, وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبًا من العبارات المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاحٌ, فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلًا ونهارًا، ولا يزال على ذلك مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابًا, أو خطب خطبة, تدفَّقت المعاني في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا
стр. 108
مغسولة، وكان عليها حدة حتى تكاد ترقص رقصًا، وهذا شيءٌ خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير.
فإن قيل: الكلام قسمان: منظوم ومنثور، فلم خصصت على حفظ المنظوم, وجعلته مادة للمنثور, وهلَّا كان الأمر بالعكس?
قلت في الجواب: إن الأشعار أكثر, والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب الذين هم أصل الفصاحة جُلُّ كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلّا يسيرًا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا أشعارهم كل المعاني, كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ١, ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين, فلم يكن لهم إلّا الشعر، ثم استمرَّت الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، وحيث كانت بهذه الصورة، فكان حَثِّي على حفظها, واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب.
وقد نثرت في هذا الموضع أبياتًا تكون قدوة للمتعلم, فمن ذلك قولي في فصول الكلام يتضمَّن ذكر السيادة:
"وهو الشريف من شرف نفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه، فإنَّ تلك مكارم أتت فتجمَّل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولًا". وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر:
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
ير أن الفصل الذي ذكرته يتضمَّن من المعنى زيادةً على ما تضمَّنه هذا البيت.
ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخٍ لإخوته, وتنصله إليهم، فقلت:
стр. 109
"جرحوا قلبي، وحبُّهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرًا، وأصبحت وهي منسيةً إذا تجددت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلّا من سيط دمي بدمه, ولحمي بلحمه، ولو أنَّ الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردًا على اسمه، وكيف أخشن عليهم وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانًا كهذه الأغصان، وقد أصيبت جرثومتها بالجداد١، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذَّر الاعتياض عنهم, ولا يتعذر الاعتياض عن الأولاد". آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله٣:
تعزَّيت عمَّن أثمرتك حياته ... ووشك التعزِّي عن ثمارك أجدر
تعذَّر أن نعتاض عن أمهاتنا ... وأبنائنا٣ والنسل لا يتعذّر
غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرَّفت أنا في هذا المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبة أخٍ لإخوته.
ومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتابٍ يتضمَّن ذم المشيب، فقلت:
"والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلّا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيفٍ للذَّة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على حرصها٤، وصارت زيادته كزيادة التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، وأصبح بعد ذلك يدعى أبًا بعد أن كان يدعى ابنًا، وتقمَّص ثوبًا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء, ولا يزهى حسنًا، وإن قيل: إن أحسن الثياب شعار البياض, قيل: إلّا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاظة أن ينظر إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود بعده
стр. 110
لما استعير له لفظة الاشتعال، ومن الناس من يدلِّس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلّا حدادًا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب, ولا يخفى أنس الصادق من وحشة الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطَّلة, وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ثوب مرقَّع, وهي تراه بعين الثوب الجديد. وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله:
رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادًا على شرخ الشبيبة يلبس١
غير أنَّ في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر.
ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء, وهذا الفصل يشتمل على معانٍ متعددة، فمنها قولي في العطاء، وهو:
شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، واخضرَّت أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين الناس، وإذا غرسه عند إنسان رَبَّ ذلك الغراس، فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده، ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده". وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس:
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لم يهدموا لبنائهم آساسا٢
ومن هذا المعنى أيضًا قولي:
"وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنفلها في الناس وفرضها، وتحلَّى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدًا لبعضها, فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله, وهذا مأخوذ من قول الفرزدق:
يداك بدٌ ربيع الناس فيها ... وفي الأخرى الشهور من المحرم
وقد قال الشعراء في ذلك كثيرًا، إلّا أني أنا تصرَّفت في هذا المعنى تصرُّفًا لم يتصرَّف فيه أحد غيري.
стр. 111
ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو:
لقد سوَّى بين أعدائه في البغض وبين أمواله, فهذه معنية بوقع نصاله، وهذه معنية بصنائع نواله، ولو أحبَّ المال لكان أحبَّه إليه ما يبذله، كما أن أحبَّ الناس إليه منح يسأله، ومن أحسن ما سنَّه من الكرم أنه جاد حتى بدَّل رغب العافين زهدًا، ورأى الحمد عوضًا من الصنيعة, فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدًا. وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو:
ليت أعدائي كانوا ... لأبي إسحاق مالا١
ومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب, ووصف الشجاعة والأنجاد، وما يتعلق بذلك ويجري معه، وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة, فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر، وهو:
"فَسِرْنَا في غمامةٍ من الكتائب، تظلُّها غمامةٌ من الطيور الأشائب٢، فهذه يضمُّها بحرٌ من حديد، وهذه يضمها برُّ من صعيد, وما مرَّت ببلد إلّا أزالت أرضه من سمائه، وألبست نهاره ثوب ظلمائه، وبدلت أحراره بعبيده, وحرائره بإمائه، وكذلك فعلت بمدينة فلانة, وقد ضرب الأمن عليها سوارًا، وبَعُدَ عهدُها بالنوائب فلم تدخل لها ديارًا، فهي تخبر عن بلهنية الخفض, ولم ترع عنه بالانتقال، ولا رأت السيف, وقد ألقى لونه في ذوائب الأطفال، فما شعر أهلها إلّا وقد رجمها الجيش بكاهله، ورماها بوابله قبل طله, وطل السحاب قبل وابله، وبرزت خيل القوم ولها زي فرسانها، وهي مستبقة إلى طرادها كاستباقها إلى ميدانها، إلّا من تتأوّد القناة من يده بين لهذمين٣، وتستقل السرج منه ومن جواده بين مطهَّمين٤، فجرت المغاوير
стр. 112
إلى المغاوير، وتلاقت الرياح بالأعاصير، وكان الطعن بينهم عناقًا، واللبث وفاقًا، وسبق ألم الموت ألم الجراح، ونفذت غير مخضَّبةٍ لسرعتها أسنَّة الرماح، وحصل القوم في القبضة، وذمَّوا عقبى النهضة، وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد، موقنين أن رءوسهم عواري على تلك الأجساد، ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر عنقه لأنكره، ولا يود -وهو المعظم- أن يقال ما أعظمه, بل يقال ما أحقره، وتصرفت أيدي المسلمين في القتل والنهاب، وكان للسيف رقاب, وللسبي رقاب".
في هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة، ومنها ما أخذ من شعر المتنبي، كقوله:
سحابٌ من العقبان ترجف تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه١
وكقوله:
واستعار الحديد لونًا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال٢
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمَّن البشرى بهزيمة الكفار، وهو:
"فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عارٍ وزيهم زي كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المُحْمَرَّ، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزرّ، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر الباقي على الدهر, وهو شعار نسجه السنان الخارق، لا الصنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلّا ريثما غابت البيض في الطلى والهام٣، وألف بين ألف الخط واللام".
وهذه معان حسنة رائقة، ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري، وهو:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرَّةً فكأنهم لم يلبسوا٤
стр. 113
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن فتحًا، وهو:
"أُصدر هذا الكتاب، والفتح غضٌ طريٌ لم تنصل حمرة يومه، ولا أغمدت سيوف قومه، فسطوره متَرَّبة بمثار عجاجه، ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه١.
وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام٢:
كتبَّت أوجههم مشقًا ونمنمةً ... ضربًا وطعنًا يقات الهام والصلفا٣
كتابةً ما تني مقروءةً أبدًا ... وما خططت بها لامًا ولا ألفا
إلَّا أنَّ أبا تمام مثَّل آثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة، وأنا مثَّلت الكتابة وإعجامه بالضرب والطعن، فكأنَّني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام:
وهذا مقصد في حلِّ الأبيات الشعرية حسن، فإن استخراج المعنى من عكسه أدق من استخراجه من نفسه، وقد نبَّهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل كتاب يتضمَّن فتحًا من فتوح الكفار، وهو:
"وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها، ورفعته على أعواد عالية كهيئة خطيبها، ولم تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة، وأنه ذو شعبٍ أربع, والتربيع نحسٌ في حكم النجامة٤، وكيف ترجو بكفرها ظهورًا ولها منه معنى الاختفاء, وللإسلام معنى السلامة، ولما التقى الجمعان اصطفت يمين وشمال، وزحفت جبال إلى جبال، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال، وأقدمت الخيل إقدام فرسانها، وأظلم النقع فلا تبصر إلّا بآذانها، ونالت النحور ثأرها من كعوب الرماح، واشتكت الأسنَّة فلا طريق بينها لمهبِّ الرياح، واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد، وحال حد السيف دون حديد الأصفاد، ونقلوا إلى
стр. 114
جهنم يصلونها وبئس المهاد، وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرًا، والصحائف أجرًا، والأيدي وقرًا، والقلوب جذلًا, والألسنة شكرًا، وكان ذلك اليوم في الأيام علمًا، وفي الأقسام قسمًا، ولم يره الزمان منسوبًا إليه, ولا راجع شبابًا بعد أن ناهز هرمًا".
في هذا الفصل شيء من معاني الشعر، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي١:
أتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السبَّيب قصار العُسُبْ٢
تغيب الشَّواهق في جيشه ... وتبدو صغارًا إذا لم تغب
ولا تعبر الريح في جوه ... إذا لم تخطَّ القنا أو تثب
ومن قوله أيضًا٣:
في جحفلٍ ستر العيون غباره ... فكأنما يُبْصِرْنَ بالآذان
ومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصريخ، وهو:
إذا استُصْرِخَ أَصْرَخَ بعزمٍ غذته صحبة الجيش عن لذة العيش، فهو يستعذب حر الثغور على برد الثُّغور، ويلهو بالبيض الذكور عن بيض الخدور، ولا طيب عنده إلّا ريح العجاج، ولا عناق إلّا أطراف الزجاج، ولا أرب له في الرقاد إلّا على صهوات الجياد، فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر، ونجدة بأسه تأبَى لقاء الأقران في درع أو مغفر٤. وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة، ومن شعر مسلم بن الوليد.
стр. 115
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر، وهو:
"إذا سموتَ لأمر فكن واحدًا في مكانك، ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال: فلان من أقرانك، ألم تر إلى الحرباء الذي هو دويبة حقيرة الشأن، ضعيفة الأركان، فإنه ارتفع في هواه عن الأرض وأُنْسِهَا, إلى السماء وشمسها، وقال: لا أحب من تفسد الأيام من حسنه، ولا من أحد بسمة خلمه١ ولا خدنه، والهمم ليست منوطة بجهارة المناظر، والتعويل على الخبر المستتر في الأفئدة الباطنة لا على الظواهر، ومن ههنا قيل: إن وضاءة النفوس أنضر من وضاءة الأجساد، ورقم الشيم أحسن من رقم الأبراد", وآخر هذا فصل ينظر إلى قوم سحيم عبد بني الحسحاس٢:
إن كنت عبدًا فنفسي حرةٌ كرمًا ... أو أَسْوَدَ اللون إني أبيض الخلق٣
إلّا أن الفصل يتضمَّن معنًى غريبًا لم يسبقني إليه أحد.
ومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب، وهو:
"حاسد سيدنا ينظر إلى زهرة دنياه, ولا ينظر إلى استحقاقه، وهو كالناظر إلى الأطواق الموضوعة في الجيد, ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه، ولو قاس الدنيا بالاستحقاق لذهب الحسد من صدره، وقال: ما لي أحسد من لم ينته قدر دنياه إلى معشار قدره؟ ".
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن الأعذار عن تواتر المكاتبات، وهو:
"إذا اعتُذَِر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها، ولو كانت واردة على غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها, وقد عُدَّ احتمال تثقيلها من جملة الأيادي
стр. 116
التي أثقلته، وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتَهَنٌ بين قديم وجديد، وأصبح كخراشٍ إذ تكاثرت عليه الظباء فلم يدر لكثرتها ما يصيد، فإن أمسك سيدنا من أياديه وإلّا فليتفضل على الشكر بالإنظار، وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار".
هذا فصلٌ في هذا المعنى قلَّمَا يؤتَى بمثله، وفيه معنى واحد من قول الشاعر:
تكاثرت الظباء على خراشٍ ... فما يدري خراشٌ ما يصيد
ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة، فقلت:
"كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ما أجنيه, فصرت أخاف ما لم أجنه، وكان لا يقبل علي شهادة عينه, فأصبح الآن يقبل على شهادة أذنه، لكن لم يجعل الله القلوب بين إصبعين من أصابعه, إلّا ليذهب بها كل وادٍ، ومن ههنا كانت تنتقل من وداد إلى قلىً, ومن قلىً إلى وداد، ولا شك أن لها بين الحالتين عمرًا تنتهي إليه كما تنتهي أعمار الأجساد، والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بُدَّ أن يعود إلى ذلك المكان".
وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي:
عهدتك لا تعتدّ بالعين شاهدًا ... عليَّ فلم أصبحت تعتد بالأذن١
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الملوك على يد بعض العفاة، وهو:
"الشيم الكريمة للإنسان, بمنزلة المسك في سُرَرِ الغزلان، غير أن طيب هذه يعبق بالأنوف, وطيب هذه يعبق بالآذان، وقد جعل تفاوت المزية بين هذين الطيبين فرقًا، فأحدهما يبقى دائمًا ولا يذهب, والآخر يذهب ولا يبقى، ونصيب مولانا من الطيب الباقي نصيب زكت معادنه، وكثرت خزائنه، وسارت في الأرض محاسنه،
стр. 117
ورفعه الله به إلى محلٍّ يبعد شأوه على الطالب، ولا يرى إلّا في لسان شاعر أو لسان خاطب، وهو مما استُثْنِيَ من خلق الناس الذي هو من طين لازب١، ومن أجل ذلك يرون أشباهًا ما عداه، وما منهم إلّا من يُقِرُّ بفضله ولو كان من حساده أو عداه, وقد أصبحوا وهم يقلُّون لديه حين يكثرون، ويقول كل منهم لصاحبه: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُون﴾ ٢.
هذا الفصل وإن تضمَّن شيئًا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن الكريم، بل منه شيء مأخوذ من الشعر، وهو قول المتنبي٣:
الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظٌ وأنت معناه
ومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر، وهو:
"الخمر لا تفي لذة إسكارها [إلا] بتبغيض خمارها، فهي خرقاء البيان، بذية اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان، وقد عُرِفَ منها سُنَّة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرءوس بجناية أقدامها".
وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال:
ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... وهنًا تداس بأرجل العَصَّار
لانت لهم حتى انتشوا فتحكَّمَت ... فيهم فنادت فيهم بالثَّار
وكذلك قلت في وصفها أيضًا، وهو:
"مدامة تبقي خواطر الهموم، وتسري مسرى الأرواح في الجسوم، وتشهد بأن الكرم مستمَدٌّ من ماء الكروم، ويتمثَّل حَبَبُها نجومًا إلّا أنها مضلة والهداية بالنجوم. وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس:
стр. 118
إذا هي حلَّت في اللهاة من الفتى ... دعا همَّهُ من صدره برحيل١
وما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج، لكنَّ الذي ذكرته بعد هذا المعنى من محاسن المعاني في وصفها.
وكذلك ما ذكرته في وصفها، وهو:
"الخمر كالعذراء في نفورها، وملازمة خدورها، ولهذا تشمئز من نكاح المزاج، وتصخب لمس الماء صخب الأبكار لمس الأزواج، ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف إكليلًا على رأسها، وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها".
وهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري، وإنما وصفت بأنها بكر، كقول أبي نواس٢:
فقلت لشيخٍ منهم متكلمٍ ... له دين قسيسٍ وفي نطقه كفر٣
أعندك بكرٌ مرَّة الطعم قرقفٌ ... صنيعة دهقانٍ تراخى له العمر٤
فقال عروس كان كسرى ربيبها ... معتَّقةٌ من دونها الباب والستر
ووصفت بالنكاح والزواج، كقوله أيضًا٥:
وقهوةٍ كالعقيق صافيةٌ ... يطير من كأسها لها شرر
زوجتها الماء كي تذلَّ له ... فامتعضت حين مسَّها الذَّكَرُ
стр. 119
ومن ذلك ما ذكرته في الحزم، وهو:
"لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن بمضيقه، وإن أفضى الصدر إلى رحيبه، فإن توقي الداء خير من التعرض له مع وجود طبيبه، ولندع قول من يقعد على تل السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب، ويقول: ليس للعزم إلا تمام الصدور وليس عليه تمام العواقب".
بعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام١:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمرٍ عليهم أن تتمَّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمَّ عواقبه
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الرأي والكيد، وهو:
"أخفى على العدو كيده حتَّى لم يدع كائدًا، وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنَّه حائرًا، فسيوفه تسطو على بعدها، ولا تقطع إلّا وهي في غمدها".
وبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تَمَّام وهو٢:
سكن الكيد فيهم إن من أعظـ ... ـظم كيدٍ أن لا تُسَمَّى أريبًا
وكذلك قولي في هذا المعنى وهو:
"أخذ بسمع العدو وبصره، وسدَّ مطلع وِرْدَه وصَدَرِه، فيداه مغلولة مع أنها مطلقة السراح، ومقاتله بادية على أنها شاكية السلاح".
وهذا المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله".
стр. 120
وكذلك قولي أيضًا، وهو:
"يبيت برأيه العدو قبل جيشه، وتلقاه يطيش قلمه, الذي كلُّ الحلمِ في طيشه, فإذا أطلَّت وجوه الآراء كان رأيه لها صباحًا، وإذا جهزت الجحافل لحرب كان قلمه لها سلاحًا".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري:
وهو المرء ما غزا بلدًا بالرَّأْ ... ي إلّا كفاه غزو الجنود١
ومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها, فمنه ما يتعلق بالسير، وهو:
ركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه، ويستقرب بُعْدَ المدى في نيل مطلبه، غير أن تلك تفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السباسب٢".
وهذا مأخوذ من قول المتنبي:
يباري نجوم القذف في كل ليلةٍ ... نجومٌ له منهنَّ وردٌ وَأَدْهَمُ
ومن هذا المعنى أيضًا قولي، وهو:
"اتَّخذ الليل ظهرًا، واستلان خشونة المسرى، فلم يزل يقذف صبغة سواده بصبغة جواده، حتى بدت أديم الليل شيات صباحه، وشابة الأدهم في غرته وأوضاحه، فعند ذلك أخذ أحدهما في رحيله, وأخذ الآخر في نزوله".
وهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله، وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به.
стр. 121
ومن ذلك ما ذكرته أيضًا في فصل من كتاب، وهو:
"سِرْتُ وتحتي بنت قفرةٍ لا يذهب السرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بأثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام, قيل: هذه واحدة من الآكام، ولم تُسَمَّ "جسرةً١" إلّا لأنها تقطع عرض الفلاة كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت "حرفًا٢" إلّا لأنها جاءت لمعنًى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيبٌ من الخيل يقبل بجذعٍ ويدَبِّر بصخره، وينظر من عين جحظة, ويسمع بأذن حشرة، ويجري مع الريح الزعزع, فيذرها وقد ظهر أثر القترة، وما قيد خلفها إلّا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه٣ فلم يبرح، والكواكب قد ركدت فيه فلم تسبح، وأنا أودّ لو زاد طوله، ولم تظهر غرَّة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى للبعد وأكتم للأسرار، ودل عليه القول النبوي بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار، وما زلت أسير بريدها تنوء به حتى كاد ينضو لَوْن السواد، وظهر لون السرحان, فأغار على سرح السماء كما يغير على السرحان على سرح النقاد٤، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة, وإنما كان على الظهر السائر".
في هذا الفصل كل مليحة من المعاني، ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان كافيًا، وبعضه مأخوذ من الشعر، كقول أبي تمام:
طموحٌ بأثناء الزِّمَام كأنَّمَا ... يخال بها من عَدْوِها طيف جنة٥
وكقوله:
بالشذقميات العتاق كأنَّمَا ... أشباحها بين الإكام إكام٦
стр. 122
ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب، وهو:
"لهم نسبٌ لا تدخله لام التعريف، وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف، فإذا ذكر أوله وقفت من عرفانه على طلل، ووجدته مهملًا في جملة الهمل، وإن قيل: إنه من نجوم السماء قلت: لكنه لا يخرج عن الثور أو الحمل، فما أرهف لوصفه لسان إلّا نَبَا، ولا اقتدح له زناد خاطر إلّا كَبَا، وهم منه كآوى الذي يرى الناس له ابنًا, ولا يرون لابنه أبًا".
وهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب، وهو من باب توليد المعاني الذي يسمَّى الكيمياء، وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب١:
وما خبزه إلا كآوى يرى ابنه ... ولم ير آوى في حزونٍ ولا سهل٢
فأبو نواس ذمَّ خبز٤ الخصيب في عدم رؤيته، وأنا نقلت ذلك إلى النسب، فجاء ألطف وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة، وإذا حُقِّقَ النظر فيما ذكره أبو نواس في هذا المعنى لم يوجد مناسبًا، فإن الخبز٣ في عدم رؤيته لا يحمل على ابن آوى، وإنما المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب.
ومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ قوم، وهو فصل من كتاب فقلت:
"تركت قومًا لم ينقعوا صدًى، ولم يجروا إلى مدًى، فأعراضهم نكرة العارف، وأموالهم حنظلة الناقف، لا تمطر سحبهم على كثرة مائها، ولا تزكو الذريعة بأرضهم على نمائها".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي٤:
стр. 123
تركت أناسًا لم يهشُّوا لمنَّةٍ ... ولم ينقعوا غُلَّ الظماء الخوامس
على القرب فيهم إنَّني غير طامعٍ ... ومنك على بعد المدى غير آيس
ومن هذا الباب أيضًا قولي وهو:
"تركت قومًا يسلون الحبيب، ويملون القريب، ولا يرعون من يرعاهم، ولا يدر اللبن على مرعاهم، فنوالهُم تَحَايَا، وأعراضهم ضَحَايَا، ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة، ولا يرتاحون لمنَّة، فالذرائع لديهم مدفونة، والصنائع غير مسنونة".
وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي١:
رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يَدِرُّ على مرعاكم اللبن
جزاء كل قريبٍ منكم مللٌ ... وحظ كل محبٍّ منكم ضغن
ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب، وهو:
"لولا التغرب لما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق".
وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو:
"في الانتقال تنويهٌ لخامل الأقدار، ولولا ذلك لم يكس الهلال حُلَّةَ الأبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سُرَرِ غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج٢ منبته لم يتحلَّ بعز السنان ولا شرف الذؤابة".
وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه، فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال، وهو يشهد لنفسه.
стр. 124
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام، وهو:
"أيام تعدُّ بأعوام لقصر أعمارها، وشهور لا يشعر بأنصافها ولأسرارها١، فالأوقات بها أصائل, والمحاسن فيها شمائل, والمآرب في ساعاتها رياض في خمائل، فما أدري أهي خيالات أحلام غرت، أم أحاديث أمان مرَّت؟ ".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة٢:
شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرار
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الإخوان، وهو:
"ليس الصديق من عَدَّ سقطات قرينه، وجازاه بغَثِّه وسمينه، بل الصديق من ماشى أخاه على عرجه، واستقام له على عوجه، فذلك الذي إن رأى سيئة وطئها بالقدم، وإن رأى حسنة رفعها على علم".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة٣:
إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحًا ... عني، وما سمعوا من صالحٍ دفنوا
إلّا أنَّ الذي ذكرته ضدَّ هذا المعنى، وقد يستخرج المعنى من ضده، وهو أحسن مما يستخرج من نفسه.
ومن هذا قولي أيضًا، وهو:
"ليس الصديق من صرَّى٤ أخلاف وده, وغش في صفقة عهده, بل الصديق من لا ترد سلعة وده بإقالةٍ ولا عيب، ولا تخص محافظة إخائه بشهادةٍ دون غيب, فلذلك أخي من غير نسب، وكنزي من غير نشب٥".
стр. 125
وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع، وذلك يوجب الرد.
ومما ينتظم بهذا السلك قولي، وهو:
"الانتقال عن خلَّة الوداد، كالانتقال عن نسب الميلاد، وكما يحرُم هذا في نص الحكم المشروع، فكذا يحرم هذا في خلق الكرم المطبوع، على أنَّ نسب الخلَّة الذي ينميه القلب إلى القلب، أوصل من نسب الرحم الذي ينميه الابن إلى الأب، ولهذا كانت مودة سلمان١ قربى، ونسب أبي لهبٍ سبًّا وتبًّا".
وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس وهو:
كانت مودَّة سلمان له نسبًا ... ولم يكن بين نوحٍ وابنه رحم
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار، وهو:
"دارٌ كانت مقاصر جنَّة، فأصبحت وهي ملاعب جنة، ولقد عميت أخبار قطانها، وأنشاز أوطانها، حتى شابهت إحداهما في الخفاء، الأخرى في العفاء، وكنت أظنَّ أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم فجرت بها سوافح دموعه، والليل شقَّ عليهم ثوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه".
وهذه معانٍ لطيفة جدًّا، وبعضها مأخوذ من شعر الشريف الرضي -رحمه الله تعالى:
أمرابع الغزلان غيَّرك البلى ... حتى غدوت مراتع الغزلان
ومما يلتئم بهذا المعنى قولي أيضًا، وهو:
"دارٌ أصبحت مراتع أذواد، بعد أن كانت مناجع روَّاد، فلو تصوَّرت الآمال التي مثلت بفنائها، كما تصوَّرت الآثار المماثلة من بنائها، لرأيت رسومها مع رسوم القباب، وعلمت كم غار بها من بحرٍ ونضب من سحاب".
стр. 126
وهذا معنًى حسن, له من نفسه مُثْنٍ وحامد، ومن سامعه يمينٌ وشاهد، وهو من معانيَّ المستخرجة.
ومن ذلك قولي أيضًا، وهو:
"النقص موكَّلٌ بكمال النعماء، ولذلك كان الوخم مقترنًا بالمرعى والماء, وقلما ترى ثمرة إلّا ومعها زنبور، ولا لذَّة إلَّا وإلى جانبها شيء محذور".
وكذلك قولي أيضًا، وهو:
"لا يظفر الرجل بمطالبه شفعًا، ولا تؤتيه من كل جهة نفعًا، بل يرى مرعًى بلا ماء وماءً بلا مرعى، ولذلك كانت النحلة مع الشهدة، والشوكة مع الوردة".
وبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام:
أرضٌ بها عشبٌ زاكٍ وليس بها ... ماءٌ وأخرى بها ماءٌ ولا عشب١
إلّا أنَّ في الكلام المنثور زيادة على ما تضمَّنه الشعر، وكأنَّه ينظر إليه نظرًا بعيدًا.
ومن سبيل المتصدِّي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر, فيجعله مثل الإكسير في صناعة الكيمياء، ثم يخرج منه ألوانًا مختلفة من جوهر وذهب وفضة، كما فعلت في هذا الموضع، فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر, فاستخرجت منه ما ليس منه، وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية. وقد بسطت القول في هذا الموضع، وكشفت عن دفائنه في الكتاب الذي وسمته بـ"الوشي المرقوم، في حل المنظوم"، وهو كتاب مفرد في هذا الفن خاصة.
ومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع فقلت:
"فصل الرَّبيع هو أحد ميزاني عامه، والمستقيد لسامه من حامه، وقد وصف بأنه ميعاد نطق الأطيار، وميلاد أجنة الأزهار، والذي تَسْتَوْفَى به حولها سلافة العقار،
стр. 127
فإذا سلت السحب فيه سيوفها, كان ذلك للرضا لا للغضب، وإذا خلعت على الأرض غلالتها الدكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب".
وهذا المعنى مستَوْلَد من قول أبي تمام في وصف السحاب:
سلبته الجنوب والدين والدنيـ ... ـا وصافي الحياة في سلبه١
إلّا أن في الذي ذكرته معنيين غريبين إذا أمعن الناظر نظره فهمهما.
ومن ذلك ما ذكرته في لين القول وإعادته، وما يجري مجراه، كقولي في فصل من كتاب، وهو:
لم أُعِدْ عليه القول لأنه لا يبلغ مدى ميدانه، إلّا بتحريك سوطه وعنانه، بل أخذًا بأدب الله في أذكار القرآن واتباعًا لسنة نبيه ﷺ في تثويب الأذان٢".
وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام:
لو رأينا التأكيد خطة عجزٍ ... ما شفعنا الأذان بالتثويب٢
وكذلك قولي أيضًا، وهو:
"وقد علم أن لين القول أنجع قبولًا، وهو من أدب كليم الله إذ بعثه إلى فرعون رسولًا، ألا ترى أن الحداء يبلغ من المطايا بلطفه، ما لا يبلغه السوط على عنفه".
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي تمام:
وخذهم بالرُّقَى إن المهارى ... يُهَيِّجُهَا على السير الحُدَاءُ
стр. 128
ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا، وهو:
"أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي جبلت النفوس على حبها، وكل ما يستلذه الأبدان من مأكلها فإنه يضرها من جهة طبها، ولهذا يذَمَّمُ من منفعة الهليلج١، ومضرَّة اللوزينج، وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذاتها إلّا ضره من جهة ثوابه، وهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه، وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل: إن كل ما ينفع الكبد مضرٌ بالطحال".
وهذا مأخوذ من الأمثال العربية والمولدة.
ومن ذلك ما ذكرته في الزهد، وهو:
الناس في الدنيا أبناء الساعة الراهنة، وكما أن النفوس ليست فيها بقاطنة، ولهذا كانت المآتم بها كالأعراس يتفرّق ندي جمعها، فهذه تَنْسَى ما مضى من لذة سرورها, وهذه تَنْسَى ما مضى من ألم فجعها، ولا شبيه لها على ذلك إلّا الأحلام التي يتلاشى خيالها عاجلًا، وتجعل اليقظة حقها باطلًا، وما ينبغي حينئذ أن يفرح بها مقبلة, ولا يُؤْسَى عليها مدبرة، وكل ما تراه العين منها ثمَّ يذهب فكأنها لم تره، وغاية مطلوب الإنسان منها أن يمد له في مدة عمره، ويُمْلَى له في امتداد كثره, أمَّا تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود, وهو أخو الموت في كل شيء إلّا في سكنى اللحود، فالجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول، فلا ليلى بليلى, ولا النوار بالنوار، ولا الأسماع أسماع, ولا الأبصار أبصار، وأمَّا ماله فإنه أمسكه فهو عرضة لوارث يأكله، أو لحادث يستأصله, وإن أنفقه كان عليه في الحلال حسابًا، وفي الحرام عقابًا، فهذه زهرة الدنيا الناضرة، وهذه عقباها الخاسرة".
стр. 129
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدوس:
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ألفيت جمعًا كله يتفرق
ومن قول أبي العتاهية:
أنما أنت طول عمرك ما عُمِّرْ ... تَ في الساعة التي أنت فيها
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن تعزية، وهو:
"كيف يُظْلِمُ ذلك اللحد وبه من أعمال ساكنه أنوار? أم كيف يجدب وبه من فيض يمينه سحاب مدرار? أم كيف توحش أقطاره والملائكة داخلة عليه من تلك الأقطار? أم كيف يخفيه طول العهد على زوراه وطيب ترابه هادٍ للزوّار؟ وما أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل، الذي دق فيه الحزن الجليل، وسمحت له النفوس بالفدية على حب الحياة, وذلك من الفداء القليل، وقد قيل: إنه لم يخلق الدمع إلّا إنذارًا بأنَّ نوائب الزمان ستنوب، وقد جعله الله ذخرًا للقائها, وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب، والذي ذخرته منه لم يغن عني في هذه النائبة، وأيّ جنةٍ تقوم في وجه سهامها الصائبة؟ لا جرم أني أصبحت بين يديها هدفًا للرِّمَاء، ولم يبق مني إلّا ذماء الحشاشة١, ومن العجب بقاء الذماء".
وشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي:
لم يخلق الدمع لامرئٍ عبثًا ... الله أدرى بلوعة الحزن٢
وكذلك ذكرت فصلًا في كتاب آخر يتضمَّن تعزية، وهو:
"فياويح أيدٍ أسلمته إلى الثرى, وما كان يسلمها إلى الإعدام، وألبسته ظلمة اللحد وطالما, جلا عنها غيابة الظلم والإظلام، وغادرته بوحدته مستوحشًا, وقد كان يؤنسها بنوافل الإنعام، ومثله لا يواري القبر منه إلّا صورة يدركها النفاد، وتَبْلَى كما يَبْلَى غيرها
стр. 130
من الأجساد، ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة الحسَّاد، ويتمثَّل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد".
وبعض هذا مأخوذ من قول بعض شعراء الحماسة١:
فإن تدفنوا البكريَّ لا تدفنوا اسمه ... ولا تدفنوا معروفه في القبائل٢
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب، فقلت:
وله البيان الذي يغضُّ من نسق الفريد، ولا يخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فوق كلام المُجِيد ودون القرآن المَجيد، وإذا اختصروا صفته قيل: إنه يستميل سمع الطروب، ويستحق وقار القلوب، ويتمثل آيات بيضاء من غير ضمٍّ إلى الجيوب، ويرى في الأرض غير لاغبٍ إذا مسَّ غيره فترة اللغوب، ولا تزال الناس في عشق معانيه ضربًا واحدًا, والعاشقون ضروب, ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل، وخصَّه بنبوة البيان إلّا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سدَّ بابه لقيل: هذا كتاب منَّزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم يبتلوا فيه بداء الحسد الذي يصليهم بتوقُّد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقيةً بعدهم فلمَّا أتَى صارت كما صاروا إلى الألحاد".
وفي هذا الفصل شيء من المعاني الشعرية كقول البحتري:
مستميلٌ سمع الطروب المعنى ... عن أغاني مَعْبَدٍ وعقيد٣
стр. 131
وقول الشريف الرضي ﵀:
عشقت وما لي يعلم الله حاجةٌ ... سوى نظري والعاشقون ضروب١
وفيه أيضًا من معاني القرآن الكريم، إلّا أنها جاءت ضمنًا وتبعًا، وموضعها يأتي بعد الأبيات الشعرية.
وكذلك ذكرت فصلًا آخر من هذا الأسلوب وهو:
"إن للكلمة طعمًا يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفَّة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام، فلو لم نعرفه بطعمه، عرفناه بوسمه، والصباح لا يتمارى في إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على إشراق أنواره، وقد علم أن العرف يعرف بغصنه, وأن القول يعرف بلحنه، ونفائس هذه العقود لا يبرزها إلّا أنفاسه، فدررها لفظه, وسلوكها قرطاسه".
ومن هذا الباب قولي أيضًا، وهو:
"ألفاظ كخفق البنود، أو زأر الأسود، ومعانٍ تدل بإرهافها أنها هي السيوف, وأن قلوبًا نمتها هي العمود، فيخالها المتأمل حومة طعان، أو حَلْبَة رهان".
وبعض هذا مأخوذ من شعر البحتري:
يقظان ينتخب الكلام كأنه ... جيشٌ لديه يريد أن يُلْقَى به٢
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان اعتدى عليه شخص يدَّعي الكتابة وليس من أهلها، فقلت:
"وقد نيط بسيدنا قلَمَا الخطّ اللذان يُنْسَبُ أحدهما إلى المداد, ويُنْسَب الآخر إلى الصَّعَاد٣، فهو يدير هذا في معركة المقال, وهذا في معركة الطراد، ولربما صهل
стр. 132
أحد قلميه من فوق صفحات الدُّرُوج١، كما تصهل الجياد من تحت أعواد السروج، فله احتفال المواطن والمجالس، وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس، لا كمن لا يجاوز همه طرفي ردائه، وإذا نودي لفضيلة قيل: إنما يسمع الحي بندائه، وكم في الناس من صور لا تجد لمعناها أثرًا، وإذا رأيتها قلت أرى خالًا٢ ولا أرى مطرًا، وأي جمال عند من ليس له إلا جمال ثيابه، وهل ينفع السيف الكهام٣ أن تجعل من الذهب حيلة قرابه، وكل من هؤلاء ذنبٌ يسعى بغير رأس، ولا له همٌّ إلا في عيشة الطاعم الكاسي, وإذا اعتبر حاله وجد من البهائم وإن كان من منسوبًا إلى الناس، والسيادة ليست في وشي الثياب، ولا في طيب الطعام والشراب، وإنما هي في شيئين: إما شهامة قَلَمٍ تفرق لها قلوب الغمود، أو شهامة رمح تفرق لها قلوب الأسود، وكأنِّي بقوم يسمعون هذا وكلهم يمتعض امتعاض المغضب، وتتابع نفسه تتابع المتعب، ويعترض الشجي في حلقه حتى يغص من غير أن يشرب، ولم يزل بالحساد من سيدنا داءٌ يورثهم أرقًا، ويُوسِعُهم شرقًا، وكثيرًا ما تعرق له جباههم, وكذا الميت يندى جبينه عرقًا، وما أرى لهؤلاء دواء إلا أن يطرحوا عن مناكبهم ثقل المساجلة، والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه في مضمار المماثلة، وكنت أحبّ أن يقام على الكتابة محتسب حتى يتفلَّس منها خلق كثير، وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير، وفي مثل هذا السوق يظهر أهل الخلابة والنجش٤، وما منهم إلا من هو في الحضيض الأسفل وقد أجلس نفسه قائمة العرش، ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من زيفها، ولا حيف في هذا المقام على من أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها".
стр. 133
وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان, عرف بديك الجن١:
يُزْهَى به القلمان إلّا أن ذا ... لدن المجسِّ وأنَّ ذا بكعوب
عودان يقضب ذا الطلى٢ بلعابه ... ويجوب ذا المهجات بالتركيب
ويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل، وتتأمّل الموضع الذي أخذت معنى هذين البيتين, ووضعته فيه، فإن فيه غناء ومقنعًا.
стр. 134
حل آيات القرآن الكريم:
أما حلُّ آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية، لأنَّ ألفاظه ينبغي أن يحافظ عليها، لمكان فصاحتها, إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية بجملته، فإن ذلك من باب "التضمين"، وإنما يؤخذ بعضه، فإمَّا أن يجعل أولًا لكلام أو آخرًا، على حسب ما يقتضيه موضعه، وكذلك تفعل الأخبار النبوية. على أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر, فيكسى لفظًا غير لفظه، وليس لذلك من الحسن ما للقسم الأول للفائدة التي أشرنا إليها.
وقد سلكت في ذلك طريقًا اخترعتها، وكنت أنا ابن عذرتها، وعند تأمّل ما أوردته منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمِّل صحة دعاويَّ، ولئن كان من تقدَّمني أتى بشيء من ذلك, فإني ركبت ففيه جوادًا وركب جملًا، ونال من مورده نهلة واحدة, ونلت منه نهلًا وعللًا.
ومن آتاه الله في القرآن بصيرةً فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه في كلامه، ويستغني به عن غيره، إلّا أنه ينبغي أن يكون فيه صوَّاغًا يخرج منه ضروب المصوغات، أو صرَّافًا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف الألوان، ولا أقول من الفضة، فإنه ليس فيه من الفضة شيء، وهو أعلى من ذلك، أو يكون فيه تاجرًا يديره على يده،
стр. 135
ويتصرَّف في أرباحه, ويخرج من الأمتعة المجلوبة من مناسجه كل غريبة عجيبة، وكل هذا يفهمه من عرف فلزم, وحكم بما علم:
وما كل من قال القريض بشاعرٍ ... ولا كل من عانى الهوى بمتيَّم
واعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس، فإنه كلما ديم على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل.
وهذا شيء جرَّبته وخبرته، فإني كنت آخذ سورة من السور وأتلوها، وكلما مرَّ بي معنى أثبته في ورقة مفردة، حتى انتهي إلى آخرها، ثم آخذ في حلِّ تلك المعاني التي أثبتها واحدًا بعد واحد، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، وأفعل ما فعلته أولًا، وكلما صقلتها التلاوة مرة بعد مرة ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر لي في المرة التي قبلها.
وسأورد في هذا الموضع سورة من السور، ثم أردفها بآيات أخرى من سور متفرقة، حتى يتبين لك أيها المتعلِّم ما فعلته فتحذو حذوه، وقد بدأت بالسورة أولًا، وهي سورة يوسف ﵇ لأنها قصة مفردة برأسها، وفيها معانٍ كثيرة.
فالأول: ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو:
"وصل كتاب الحضرة السامية أحسن الله أثرها، وأعلى خطرها، وقضى من العلياء وطرها، وأظهر على يدها آيات المكارم وسورها، وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها".
وهذا أول معنى في السورة، وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء.
ثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى، وهو:
"أكرم النعم ما كان فيها ذكرى للعابدين، وتقدَّمه أنِّي رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين, فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير، وتجلو ظلمة الخطب بالصباح المنير، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير".
стр. 136
ثم تصرفت في هذا المعنى فأخرجته في معرض آخر، وهو فصل من جملة تقليد يكتب من ديوان الخلافة لبعض الوزراء، فقلت:
وقد علمه أمير المؤمنين، فأدنى مجلسه من سمائه، وآنسه على وحدة الانفراد بحفل نعمائه، وذلك مقام لا تستطيع الجدود أن ترقى إلى رتبته، ولا الآمال تطوف حول كعبته، ولا الشفاه أن تتشرف بتقبيل تربته، فليزد إعجابًا بما نالته مواطئ أقدامه، ولينظر إلى سجود الكواكب له في يقظته لا في منامه".
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو:
"لم أرَ كمواهب فلان ملأت أملي بطمع وعودها، وفرغت يدي من نيل وجودها,. فلم أحظ إلا بلامع سرابها، وكانت كدم القميص في كِذَابِها".
ومن ذلك ما ذكرته في تزكية إنسان مما رُمِيَ به، وهو:
"لم تُرْمَ بذنب إلا نابت البراءة له مناب الشهود، وجيء من أهلها بشهادة القميص المقدود".
ومن ذلك ما ذكرته في عذر الهوى، وهو:
"لم يهو حبيبًا إلا كان لأهل التقى فيه أسوة، ولا ليم من أجله إلا اعتذر عذر امرأة العزيز إلى النسوة".
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو:
"إن كان الكلام كما قيل ذكرًا والجواب أنثى, فجوابي هذا عروس تجلَّى في حللها المحبرة، وعقودها المشذرة، وتزهى بما آتاها الله من الحسن الذي ليس بالمجلوب، ولا ترضى بتقطيع الأيدي دون تقطيع القلوب، وها قد أرسلتها إلى سيدنا حتى يعلم أنَّ نتائج خاطري على الفطرة، وأنها معشوقة الصور فكل الناس في هواها بنو عُذرَة".
وفي هذا الفصل معنى الآية والخبر والنبوي والبيت من الشعر.
стр. 137
ومن ذلك ما ذكرت في تقلُّب الأيام، وهو:
"لقينا أيامًا ضاحكات، وليتها أيام عابسات، فكانت كسبع سنبلاتٍ خضرٍ وأخر يابساتٍ".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو:
"ليس ممن يرقب عجف الزمان فيذر الحب في سنبله، ولكنه يستأنف الصبر في آخره, ويستهلك المال في أوله، فلا يبقى من يومه لغده, ولا يُتَّهم ربه فيما بيده".
ومن ذلك ما ذكرته في حب الرشوة، وهو:
"الرشوة تحلُّ عقد القلوب, وتهوّن فراق المحبوب، ألا ترى أن رد البضاعة حكم على أخي يوسف بالإضاعة؟ ".
ومن ذلك ما ذكرته في الاستسلام لحكم الأقدار، وهو:
"لا تحترس من جنود الأقدار بالآراء المتعمقة, وسواء عندها الباب الواحد والأبواب المتفرقة".
ومن ذلك ما ذكرته في تتابع الإساءة، وهو:
"لم يزل يرشقني بقوارصه حتى تكاثر النبل, واستحكم التَّبْل١، ولم يكفه الإلقاء في غيابة الجب حتى قال: إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل".
ومن ذلك ما ذكرته في التوكل، وهو:
"إذا طلب أمرًا أجمل في المطلوب، ووكله إلى الذي بيده مفاتيح الغيوب، وتأسَّى في حاجته منه بالحاجة التي كانت في نفس يعقوب".
стр. 138
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكيد، وهو:
"لم يأت أمرًا إلا أخفى أسباب أواخيه، وبدأ فيه بالأوعية قبل وعاء أخيه".
وهذه ثلاثة عشرة معنى من سورة يوسف ﵇.
وأما الآيات التي هي من سور متفرقة, فأولها ما كتبته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان جوابًا عن كتابه، وهو: "ورد كتابه عشية يوم كذا فعرض علي عرض الجياد على سليمان، وتساوينا في الاشتغال منه ومنها بالاستحسان، غير أن الجياد وإن حسنت فإنها لا تبلغ في الحسن مبلغ الكتاب، لكن قلت كما قال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ولئن قضي الاشتغال هناك بمسح سوقٍ وأعناق، فإنه لم يقض ههنا بمسح سطور ولا أوراق، وإنما اشتغلت عن عبادة بعبادة، ولو شئت لقلت: عن إفادة بإفادة".
وهذا مأخوذ من قصة سليمان ﵇ في سورة "ص"، وهي قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ ١.
فانظر كيف أخذت هذه القصة, وقابلت بينها وبين الكتاب، ثم إني تصرَّفت فيها بالموافقة بينهما تارة والمخالفة بينهما أخرى.
وهكذا ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله.
ومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف:
إلى الديوان العزيز النبويِّ ببغداد في فصل من كتاب، وهو:
"وقد علم أنَّ المال الذي يختزن، كالماء الذي يحتقن، فكما أن هذا يأجن بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه، فكذلك يأجن هذا بتعطيل الأيدي عن امتياح مواهبه،
стр. 139
وأيّ فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب، وتقل به الخطوب، ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب، ومن بسط الله يده فيه, ثم قبضها بخله, فإنه يقف دون الرجال مغمورًا، ويقعد عن نيل المعالي ملومًا محسورًا، وإذا أدركته منية مضى وكأنه لم يكن شيئًا مذكورًا.
ومذ ناط الله بيد الخادم ما ناطه من أمر بلاده, لم يدخر منها إلا مربط أشقره، ومركز أسمره١، وما عداهما فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره, وتكثير جنوده، وإيقاد حرب عدوه بعد خمودها, واستباحة جمرها عند وقوده، وما يفضل عن ذلك فإنه للناس يشتركون في وشله وغمره٢، والمسلم أخو المسلم يساويه في حقه من بيت المال, وإن كان خالفه في مزية قدره، ولا سبيل على الخادم وهو يفعل ما يفعله أن يدلس من هذا المال بتبعة المطلوب، أو يلتحق بالقوم الذين يكنزونه فيجزي عليه بكي الجباه والظهور والجنوب، ولم يأت به الله على فترة من مثله إلا ليمحو به سيئات الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال عهده بمفارقة الوطن، ولا يكون حسنة من حسنات أمير المؤمنين ترقمها الدنيا في ديوانه، وتثقل بها في الآخرة كفة ميزانه".
وفي هذا الفصل معنى آيتين: إحداهما: في سورة "هل أتى"، والأخرى في سورة "براءة".
ومن ذلك ما كتبته عنه:
إلى عمِّه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب يتضمَّن استعطافه والتنصل إليه، وهو:
"من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي الألباب، وتمثل لهم الخطأ في مثال الصواب، ولولا ذلك لما زلَّ الحكيم واعوجَّ المستقيم، والمملوك يُقَبِّل اليد الكريمة المولويَّة الملكية العادلية, لا زال عرفها مأمولًا، وإحسانها عند الله مقبولًا، وفعلها في المكرمات مبتدعًا إذا كان فعل الأيادي مفعولًا، ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة
стр. 140
الاعتذار، ولا ينفد بمواظبة الآصرار، ولو عرف ذنبه باديًا لقرع له سنّ الندامة، وعاد على نفسه بالملامة, ولما كان عجيبًا أن يكون مُليمًا١، وأن يكون مولانا كريمًا، لكنه حمل آصرة الذنب وهو بريء من حملها، وخاف أن تكون هذه كأخواتها التي سلفت من قبلها، والأمور المتشابهة يقاس البعض منها على البعض، والملسوع لا يستطيع أن يرى مجرَّ حبلٍ على الأرض، ولم يجترم الملوك الآن جريمةً سوى أن فَرَّ إلى الاعتصام، وألقى بيده إلى أقوام لم يكونوا له بأقوام، وإذا ضاق على المرء أقربه كان الأبعد له من ذوي الأرحام، وليس بأول من ذهب هذا المذهب، ولا بأوّل من حمل نفسه على ركوب هذا المركب.
ولئن قال بعض الناس: إنه عجَّل في اعتصامه وفراره، وإنه لو صبر لحمد مغبة اصطباره, فهذا قول من لم يعرف حال الملوك فيقيم له عذرًا, ولا ابتلي بما ابتُليِ به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى، ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال المؤنّبة حتى ملأت طرفه كحل السُّهاد، وجنبه شوك القتاد، وأصبح وهو يرى أنه زلق في خطيئته زلقًا، وغصَّ بندمه من أجلها شرقًا، وبدت له سوأته حتى طفق يخصف عليها ورقًا٢، ومع هذا فإنه واثقٌ أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل، وأن حصاة الذنوب لا تَخِفّ بوزن ذلك الجبل، وها هو جاء نازعًا, وللنَّازع العتبى، وعاد مستشفعًا, ولا شفيع أكرم من القربى".
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
وفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة "الأعراف"، وهي قوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ٣.
стр. 141
ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود صاحب الموصل:
إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنةً.
فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي، وهو:
"إذا تُوفِّي وليٌّ من أولياء الدولة فمن السُّنَّة أن يعزَّى بفقده، ويستَخْرَج إذنُها في سليله القائم من بعده، حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال، ولا سماؤها من مطالع الكواكب التي تجلو ظلمة الليال، وقد مضى والد العبد إلى رحمة الله, وهو متزود من الطاعة خير زاد، غير خائف من إحصاء الرقيب والعتيد إذ جعلها له من العتاد، وما عليه وقد ثقلت كفة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى من السجلات الكثيرة الأعداد، ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة على أثره، ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره، وقد جعلها العبد نجيَّ فكره إذا قام وإذا قعد، وسُبْحَة صلاته إذا ركع وإذا سجد، وهو يرى أنه لم يمض والده حتى أبقى للدولة من يثبِّت قدمه موضع قدمه، وعند ذلك يقال: إن غصن الشجرة كالشجرة في نبات أصله, وقوة معجمه، وهذا مقام لا تمتاز فيه الآباء عن الأبناء، وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء، وقد أوتي يحيى الحُكْمَ قبل أن يجري القلم في كتابه، وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصب في محرابه، وكذلك قد أمر رسول الله ﷺ أسامة على فتاء عمره، وشهد أنه خليق بما أسند إليه من أمره، والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه, فإنه الأدب يحكم بانقباضه، ويريه أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع في نجح أغراضه، ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب، ولو جمعت في صعيدٍ واحد, ثم سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب".
وهذا الفصل من أول الكتاب، وفيه معنى آيتين من سورة مريم ﵍, أما
стр. 142
الأولى فقوله تعالى عند ذكر يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ١ وأما الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ ٢.
وفي هذا الفصل أيضًا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية، وليس هذا موضعها، وإنما جاءت ضمنًا وتبعًا.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب، وهو:
"وعقد العجاج شفَقًا فانعقد، وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد، غير أنها سماء بنيت بسنابك٣ الجياد، وزينت بنجوم الصعاد٤، ففيها مما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق، ومنها تُقْذَفُ شياطين الحرب لا شياطين الاستراق".
وهذه المعاني مأخوذة من سورة "الرعد٥" وسورة "الصافات٦" وسورة "الذاريات٧".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام، وهو فصل من كتاب فقلت:
"طعام لا يُمَلُّ إذا شينت الأطعمة بمللها، وكأنما تولَّتْهُ يد الخلقة ولم تباشره الأيدي بعملها، فهو من بقايا المائدة التي نزلت من السماء, وقد طاب حتى لا يحتاج من بعده إلى استعمال الماء، وما رآه ذو شبعٍ إلا تركه غبنًا، وودَّ لو زيد إلى بطنه بطنًا".
وبعض هذا مأخوذ من سورة "المائدة"٨.
стр. 143
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو:
"قد تكاثرت وسائل الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرًا، وما منها إلا ما يقال: إنه أولٌ وليس فيها ما يُجْعَلُ أخيرًا، غير أنه لا يذكر منها إلّا ما هو توأم إيمانه، والذي لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه، وفي ذلك كافٍ عن الوسائل التليدة والطريفة، وقول: "لا إلى إلا الله" لا يعدله شيء من الحسنات المودعة في الصحيفة، وقد تجدد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى مواهب الديوان العزيز يسير، ولو قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلًا منها مرامه ولم يقل ذلك كثير، وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق عنها صدر الأرض باتساعه، وليس الذي يسأله ممنعًا فيحال على النظر إلى الجبل في امتناعه، وكما أن عبيد الديوان العزيز أطوار, فكذلك مطالبهم أطوار، وقد جعل الله الأشياء متفاوتة في مراتبها, وكل شيء عنده بمقدار".
وهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز المطلوب، وفيه معاني ثلاثة: أخبار نبوية، ومعنى آيتين من القرآن الكريم، وليس هذا موضع الأخبار، وإنما جاء ضمنًا وتبعًا، فالآية الأولى في سورة "الأعراف" والآية الثانية في سورة "الرعد١".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب، وهو:
"إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدًا، إلا وجد له شهابًا مُرْصَدًا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف".
وهذا المعنى مأخوذ من سورة "الجن"٢.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضًا، فقلت:
"له بنت فكرٍ ما تمخَّضَت بمعنى إلّا أنتجته من غير ما تهمله، وأتت به قومها
стр. 144
تحمله، ولم يعرض على ملأٍ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره, لا أيهم يكفله".
وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم: الأولى في سورة "مريم"، وقصتها وقصة ولدها ﵉، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ١ والثانية في سورة "آل عمران" في قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٢.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم، فقلت:
"وقد أوحى الله تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر, وهو يأوي إلى البيان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمراتٍ ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شرابٌ مختلفٌ طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تنبته كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى، ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا الثمر, ولا طيب هذا المجنَى وهذا المجنَى، وقد أرخص الله ما يكثر وجوده فيذهب في لهوات الأفواه، وأغلى ما يعزُّ وجوده, فيبقى خالدًا على ألسنة الرواة، وكل هذه الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه المحافل، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل، فله حينئذ أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار، ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار".
هذا الفصل غريب عجيب، وقد جمع بين الأضداد، فمناله بعيد، وفهمه قريب، وهو مأخوذ من سورة "النحل".
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو:
"له شيمةٌ في الجود لا يشام نائلها، وإذا هزَّها سائلها قال: إنها كلمة هو قائلها".
وهذا مأخوذ من سورة "المؤمنين"٣.
стр. 145
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو:
"وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم، والمعنى الذي هو في كل وادٍ يهيم، وقال: يا أيها الملأ إني ألقي إليَّ كتابٌ كريم، ثم أخذ إعلاء قدره، وتنويه ذكره، ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره، ولا أهدى في قبالته سوى هديَّة لسانه وصدره، لا جرم أنها تُقْبَلُ ولا تُرَدّ، ويعتد بها ولا تعدّ، فإنها مال لا ينفده الإنفاق، وجوهر تتحلَّى به الأخلاق لا الأعناق".
وهذا مأخوذ من قصة سليمان ﵇ في كتابه إلى بلقيس, وهي مذكورة في سورة "النمل"١، وفي هذا من شرف الصَّنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما أتى به في القرآن الكريم.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار، وهو:
"إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلًا، وأسهب مترويًا ومرتجلًا، حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر، وأصدق القول ما صدر عن شهادة الضرائر للضرائر، وكتابنا هذا يصف معركةً احمرت ضبابتها، وضاقت بالأسود غابتها، فالطعن بها محتضر، والموت محتقر، والنصر من كلا الفريقين مقتسر، وكان الإسلام هناك زجر السنيح٢، وفوز القدح المنيح٣، وليس الذي يرقب المعونة من الله الذي هو رب المسيح كمن يرقبها من المسيح، ولقد نفذت الرماح في أعداء الله حتى اعتدلت من جانبي الصدور والظهور، وتركت النَّاجي منهم وهو لا ينظر إلى الصليب إلا نظر الخائف المذعور، فليس لهم من بعدها جيش يجمع، ولا