النوع الثامن والعشرون: الإرصاد
وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له أي: أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي في قافيته. وذلك من محمود الصنعة، فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض.
وفي الافتخار بذلك يقول ابن نباتة السعدي:
خذها إذا أنشدت في القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها١
فمن هذا الباب قول النابغة:
فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي
ولو كفي اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين عن الشمال٢
ألا ترى أنه يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ذكرا الشمال؟.
وكذلك جاء قول البحتري:
أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحلل ... ليس الذي حرمته بحرام٣
стр. 877
فليس يذهب على السامع -وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني- أن عجزه هو ما قاله البحتري.
وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
فإذا وقف السامع على قوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ﴾ عرف أن بعده "يختلفون" لما تقدم من الدلالة عليه.
ومن ذلك أيضًا قوله : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٢ وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ٣ فإذا وقع السامع على قوله : ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ يعلم أن بعده بيت العنكبوت.
ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع التوشيح٤، وليس
стр. 878
كذلك بل تسميته بالإرصاد أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه، ولاق به, وأما التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع إن شاء الله تعالى.
واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك، بل هما نوع واحد.
فممن غلط في ذلك الغانمي١ فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه التبليغ وقال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى في الجودة، كقول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب٢
فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية، ولما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة.
ثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر، وسماه الإشباع، فقال: هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق الشعراء، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت -وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه- قافية متممة لأعاريضه ووزنه فجعلها نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة:
стр. 879
قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل١
هذا كلام الغانمي بعينه, والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال.
والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل أن يؤتى بقافيته، وكذلك بيت ذي الرمة، ألا ترى أن امرأ القيس لما قال:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع...................
أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "لم يثقب".
وهكذا ذو الرمة، فإنه لما قال:
قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء.........
أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "المسلسل".
واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغال٢، وقال: هو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع
стр. 880
فيزيد فيه معنى آخر، وأصل الإيغال من أوغل في الأمر، إذا أبعد الذهاب فيه، ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة:
قف العيس في أطلال مية فاسأل
وهذا البيت أقرب أمدا من الغانمي؛ لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد، ولم يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي.
وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا في الآخر فيذهب عنه ويخفى عليه١، وهو أشهر من فلق الصباح.
وههنا ما هو أغرب من ذاك، وذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجة عن موضوع علم البيان، وهي بنجوة عنه؛ لأنها في واد وعلم البيان في واد.
فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة٢ التي هي
стр. 881
كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير معجم، ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه، وكل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة؛ لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها، على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا، وكذلك البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني، من قولنا بلغت المكان إذا انتهيت إليه.
وهذا الكلام المصوغ مما أتى به الحريري في رسالته وأورده ذلك الشاعر في شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة، وسبب ذلك أنها تستكره استكراها، وتوضع في غير مواضعها، وكذلك ألفاظه، فإنها تجيء مكرهة أيضًا غير ملائمة لأخواتها، وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه، ولا داخلا في بابه.
ولو كان ذلك مما يوصف بحسن ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله الذي هو معدن الفصاحة والبلاغة أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم ولا خطبهم.
ولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب، وقد تغلغل في شيء عجيب وذاك أنه شجر شجرة ونظمها شعرا، وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من الأساليب اتباعا لشعب تلك الشجرة وأغصانها، فتارة تقرأ كذا، وتارة تقرأ كذا، وتارة يكون جزء منه ههنا، وتارة ههنا، وتارة يقرأ مقلوبا، وكل ذلك الشعر وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة والمصارعة، لا بدرجة الفصاحة والبلاغة.
стр. 882
ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في كتابه١ فقال: ينبغي ألا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم؛ لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة٢، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام:
مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض٣
وبقوله أيضا:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء٤
وهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة:
إن الذي تكرهون منه ... هو الذي يشتهيه قلبي
وسأبين فساد ما ذهب إليه، فأقول: أما قوله إنه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة,
стр. 883
فهذا مسلم إليه، ولكنه شذ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من المعاني وأداه ذلك إلى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك فليس له أن يتركه ويحيد عنه؛ لأنه من مقتضيات هذا المعنى الذي قصده.
ألا ترى إلى قول أبي تمام في الاعتذار:
فإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطأ مني فعذري على عمد١
فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله، حيث فيه لفظتا "الخطأ" و"العمد" اللتان هما من أخص ألفاظ الفقهاء.
وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا٢
стр. 884
وهذا من المعاني البديعة، وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة "فذلك" التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتم إلا بتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط.
وأما ما أنكره على أبي تمام في قوله:
مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض
فإن هذا البيت ليس منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلمين، بل لأنه في نفسه ركيك، لتضمنه لفظة "الشبه" فإنها لفظة عامية ركيكة، وهي التي أسخفت بالبيت بجملته، ورب قليل أفسد كثيرا، وأما لفظتا الجوهر والعرض فلا عيب فيهما، ولا ركاكة عليهما.
وأما البيت الآخر، وهو:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء
فليس بمنكر، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه? ألا ترى أن الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقل حالاتها، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك?
وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه، وهو قوله:
عوامل رزق أعربت لغة الردى ... فجسم له خفض ورأس له نصب
فإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير جائز، وهو من مستحسنات المعاني، هذا من أعجب الأشياء.
стр. 885
وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم:
وفتى من مازن ... فاق أهل البصره
أمه معرفة ... وأبوه نكره
وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته?
وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال:
قال حمار الطبيب توما ... لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وراكبي جهله مركب
وهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة، وجمع بين خفة السخرية ووقار الفصاحة.
وقد تقدم القول في صدر كتابي هذا أنه يجب على صاحب هذه الصناعة أن يتعلق بكل علم وكل صناعة، ويخوض في كل فن من الفنون؛ لأنه مكلف بأن يخوض في كل معنى من المعاني، فاضمم يدك على ما ذكرته ونصصت عليه، واترك ما سواه، فليس القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده.
وهذا النوع إذا استعمل على الوجه المرضي كان حسنا، وإذا استعمل بخلاف ذلك كان قبيحا، كما جاء كلام أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو قوله في رسالة كتبها إلى بعض إخوانه: "حرس الله سعادته ما أدغمت التاء في الظاء، وتلك سعادة بغير انتهاء"، وهذا من الغث البارد، لكن قد جاء في الشعر ما هو حسن فائق، كقوله:
فدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا في الفلاة على القطع١
стр. 886
والخفض والنصب من الإعراب النحوي، والخفض: رفاهة العيش، والقطع: من منصوبات النحو، والقطع: قطع الشيء، يقال: قطعته إذا بترته.
стр. 887
النوع التاسع والعشرون: في التوشيح
وهو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين، فإذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض، وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى كان أيضًا شعرا مستقيما من بحر آخر على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح، وكذلك يجري الأمر في الفقرتين من الكلام المنثور، فإن كان فقرة منهما تصاغ من سجعتين, وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلا وليس من الحسن في شيء، واستعماله في الشعر أحسن منه في الكلام المنثور،
فمن ذلك قول بعضهم:
اسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء١
ونل المراد ممكنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء
وهذا من الجيد الذي يأتي في هذا النوع، إلا أن أثر التكلف عليه باد ظاهر، وإذا نظر إلى هذين البيتين وجدا وهما يذكران على قافية أخرى وبحر آخر، وذاك أن يقال:
стр. 888
أسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير
ونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور
وقد استعمل ذلك الحرير في مقاماته، نحو قوله:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار
وإذا أظل سحابها لم ينتفع ... منه صدى، لجهامه الغرار١
واعلم أن هذا النوع لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم، وحسنه منوط بما فيه من الصناعة، لا بما فيه من البراعة.
ألا ترى أنه لو نظم عليه قصيد من أوله إلى آخره يتضمن غزلا ومديحا على ما جرت به عادة القصائد أليس أنه كان يجيء باردا غثا لا يسلم منه على محك النظر عشره? والعشر كثير، وما كان على هذه الصورة من الكلام فإنما يستعمل أحيانا على الطبع، لا على التكلف، وهو وأمثاله لا يحسن إلا إذا كان يسيرا، كالرقم في الثوب أو الشية في الجلد.
стр. 889
النوع الثلاثون: في السرقات الشعرية
مدخل
...
النوع الثلاثون: في السرقات الشعرية
ولربما اعترض معترض في هذا الموضوع فقال: قد تقدم نثر الشعر في أول الكتاب، وهو أخذ الناثر من الناظم، ولا فرق بينه وبين أخذ الناظم من الناظم، فلم يكن إلى ذكر السرقات الشعرية إذن حاجة. ولو أنعم هذا المعترض نظره لظهر له الفرق وعلم أن نثر الشعر لم يتعرض فيه إلى وجوه المأخذ وكيفية التوصل إلى مدخل السرقات، وهذا النوع يتضمن ذكر ذلك مفصلا.
واعلم أن الفائدة من هذا النوع أنك تعلم أين تضع يدك في أخذ المعاني إذ لا يستغني الآخر عن الاستعارة من الأول١، لكن لا ينبغي لك أن تعجل في سبك اللفظ على المعنى المسروق فتنادي على نفسك بالسرقة، فكثيرا ما رأينا من عجل في ذلك فعثر، وتعاطى فيه البديهة فعقر.
والأصل المعتمد عليه في هذا الباب التورية والاختفاء٢ بحيث يكون ذلك أخفى من سفاد الغراب، وأظرف من عنقاء مغرب في الإغراب.
стр. 890
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه ليس لقائل أن يقول: إن لأحد من المتأخرين معنى مبتدعا، فإن قول الشعر قديم منذ نطق باللغة العربية، وإنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا.
وهذا القول وإن دخل في حيز الإمكان إلا أنه لا يلتفت إليه؛ لأن الشعر من الأمور المتناقلة، والذي نقلته الأخبار وتواردت عليه أن العرب كانت تنظم المقاطيع من الأبيات فيما يعن لها من الحاجات، ولم يزل الحال على هذه الصورة إلى عهد امرئ القيس، وهو قبل الإسلام بمائة سنة زائدا فناقصا، فقصد القصائد، وهو أول من قصد، ولو لم يكن له معنى اختص به سوى أنه أول من قصد القصائد لكان في ذلك كفاية، وأي فضيلة من هذه الفضيلة? ثم تتابع المقصدون، واختير من القصائد تلك السبع التي علقت على البيت، وانفتح للشعراء هذا الباب في التقصيد، وكثرت المعاني المقولة بسببه، ولم يزل الأمر ينمي ويزيد ويؤتي بالمعاني الغريبة، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العباسية وما بعدها إلى الدولة الحمدانية، فعظم الشعر، وكثرت أساليبه، وتشعبت طرقه، وكان ختامه على الثلاثة المتأخرين، وهم: أبو تمام حبيب بن أوس، وأبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري، وأبو الطيب المتنبي.
فإذا قيل: إن المعاني المبتدعة سبق إليها ولم يبق معنى مبتدع، عورض ذلك بما ذكرته.
والصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له? إلا أن من المعاني ما يتساوى الشعراء فيه، ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر؛ لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر قول الأول، كقولهم في الغزل:
عفت الديار وما عفت ... آثارهن من القلوب
وكقولهم إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار
стр. 891
الطيف لساءه، وكقولهم في المديح: إن عطاءه كالبحر، وكالسحاب، وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد، وإنه يجود ابتداء من غير مسألة، وأشباه ذلك وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، وإن بعد هذا الذاهب لا يعد للمنية ذنب، وأشباه ذلك.
وكذلك يجري الأمر في غير ما أشرت إليه من معان ظاهرة تتوارد الخواطر عليها من غير كلفة، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأول، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمام:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شردوا في الندى والياس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
فإن هذا المعنى مخصوص ابتدعه أبو تمام، وكان لابتداعه سبب، والحكاية فيه مشهورة، وهي أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها: "ما في وقوفك ساعة من باس"١ انتهى إلى قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال الحكيم الكندي: وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب? فأطرق أبو تمام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إياه بعمرو وحاتم وإياس، وهذا معنى يشهد به الحال أنه ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون سارقا له.
стр. 892
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة وولديه:
وأنت الشمس تبهر كل عين ... فكيف وقد بدت معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان
ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من تقتلان
وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان١
وهذا معنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه أي: إن زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنها زيادة نقص.
وما ينبغي أن يقال إن ابن الرومي ابتدع هذا المعنى الذي هو:
تشكى المحب وتلفى الدهر شاكية٢ ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
فإن علماء البيان يزعمون أن هذا المعنى مبتدع لابن الرومي، وليس كذلك، ولكنه مأخوذ من المثل المضروب، وهو قولهم: "يلدغ ويصي"٣، ويضرب ذلك لمن يبتدئ بالأذى ثم يشكو، وإنما ابن الرومي قد ابتدع معاني
стр. 893
آخر غير ما ذكرته، وليس الغرض أن يؤتى على جميع ما جاء به هو ولا غيره من المعاني المبتدعة، بل الغرض أن يبين المعنى المبتدع من غيره. والذي عندي في السرقات أنه متى أورد الآخر شيئا من ألفاظ الأول في معنى من المعاني، ولو لفظة واحدة فإن ذلك من أدل الدليل على سرقته.
واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا،١ وكنت ألفت فيها كتابا، وقسمته ثلاثة أقسام: نسخا، وسلخا، ومسخا.
أما النسخ فهو: أخذ اللفظ والمعنى برمته، من غير زيادة عليه، مأخوذا ذلك من نسخ الكتاب.
وأما السلخ هو: أخذ بعض المعنى, مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ.
وأما المسخ فهو: إحالة المعنى إلى ما دونه، مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين قردة.
وههنا قسمان آخران أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته، فأحدهما أخذ المعنى مع الزيادة عليه، والآخر عكس المعنى إلى ضده، وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا سلخ ولا مسخ.
стр. 894
وكل قسم من هذه الأقسام يتنوع ويتفرع، وتخرج به القسمة إلى مسالك دقيقة، وقد استأنفت ما فاتني من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.
ومن المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار الكثيرة التي لا يحصرها عدد، فمن رام الأخذ بنواصيها، والاشتمال على قواصيها، بأن يتصفح الأشعار تصفحا، ويقتنع بتأملها ناظرا، فإنه لا يظفر منها إلا بالحواشي والأطراف.
وكنت سافرت إلى الشام سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودخلت مدينة دمشق فوجدت جماعة من أدبائها يلهجون ببيت من شعر ابن الخياط في قصيد له أولها:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه١
ويزعمون أنه من المعاني الغريبة وهو:
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه
стр. 895
فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي في قوله:
لو قلت للدنف المشوق فديته ... مما به لأعزته بفدائه١
وقول أبي الطيب أدق معنى، وإن كان قول ابن الخياط أرق لفظا، ثم إني وقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي.
وسافرت إلى الديار المصرية في سنة ست وتسعين فوجدت أهلها يعجبون ببيت من الشعر يعزونه إلى شاعر من أهل اليمن يقال له عمارة٢، وكان حديث عهد بزماننا هذا في آخر الدولة العلوية بمصر، وذلك البيت من جملة قصيدة له يمدح بها بعض خلفائها عند قدومه عليه من اليمن، وهو:
فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم٣
فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي تمام في قوله مادحا لبعض
стр. 896
الخلفاء في حجة حجها، وذلك بيت من جملة أبيات خمسة:
يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم١
ثم قلت في نفسي: يالله العجب! ليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين درست أشعارهم، ولا هما ممن لم يعرف ولا اشتهر أمره، بل هما كما يقال: أشهر من الشمس والقمر، وشعرهما دائر في أيدي الناس، بخلاف غيرهما، فكيف خفي على أهل مصر ودمشق بيتا ابن الخياط وعمارة المأخوذان من شعرهما? وعلمت حينئذ أن سبب ذلك عدم الحفظ للأشعار، والاقتناع بالنظر في دواوينها.
ولما نصبت نفسي للخوض في علم البيان ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب إلى الصدور, والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور:
ليس بعلم ما حوى القمطر ... ما العلم إلا ما حواه الصدر
ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وأنفذت شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهى إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائله؟ فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم، إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف، في اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل.
стр. 897
وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة بن الوليد "البحتري" وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته١، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين.
стр. 898
إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء.
أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب.
ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه, أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام، فخذ مني في ذلك قول حكيم، وتعلم ففوق كل ذي علم عليم.
وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف نجد إذ تشبت بريف العراق.
وسئل أبو الطيب المتنبي عنه، وعن أبي تمام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري، ولعمري إنه أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية١، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم
стр. 899
والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال.
وأنا أقول قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقه في ذلك تضل بسالكه، وتقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه، ما أدى إليه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط في وصفه وإما مفرط.
وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء.
ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم١
ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى، وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما غوى، وجدته أقساما خمسة، خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره، وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره، وخمس من متوسط الشعر، وخمس دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها, وعدمها خير من وجودها،
стр. 900
ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها التي ألبسته لباس الملام وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام. ولسائل ههنا أن يسأل ويقول: لما عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم?
فأقول: إني لم أعدل إليهم اتفاقا، وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا، وذلك أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنقش ديباجة، ولا أبهج سبكا، فاخترت حينئذ دواوينهم، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها.
وقد أوردت في هذا الموضوع من السرقات الشعرية ما لو يورده غيري، ونبهت على غوامض منها,
وكنت قدمت القول أني قسمتها إلى خمسة أقسام، منها الثلاثة الأول وهي: النسخ، والسلخ، والمسخ، ومنهما القسمان الآخران، وها أنا أبين ما تنقسم إليه هذه الأقسام من تشعبها وتفريعها فأقول:
стр. 901
" النسخ ":
فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا، أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنه ضربان:
الأول:
يسمى وقوع الحافر١ على الحافر، كقول امرئ القيس:
وقوفًا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل٢
وكقول طرفة:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد٣
وقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما، فمنه ما وردا فيه مورد امرئ القيس وطرفة في تخالفهما في لفظة واحدة، كقول الفرزدق:
أتعدل أحسابا لئامًا حماتها ... بأحسابنا إني إلى الله راجع٤
وكقول جرير:
أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع٥
стр. 902
ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ كقول الفرزدق:
وغر قد نسقت مشمرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا
بكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا
بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا١
وكذلك قال جرير من غير أن يزيد.
وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها "ليلى" كان يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل إليها، فأقبلت عليه وتركت الفرزدق, فغاظه ذلك، فقال للفتى: أتصارعني? فقال: ذلك إليك، فقام إليه، فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه، وجلس على صدره، فضرط، فوثب الفتى عنه، وقال: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما جرى، فقال: ويحك والله ما بي أنك صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان، يعني جريرا وقد بلغه خبري فقال يهجوني:
جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شد جربان الدلاص قيون
قال: فوالله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين٢، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه.
стр. 903
ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد, وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى, وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه، وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة في صوغها الألفاظ?
ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء١ ...
دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا
وهذا من عالي الشعر, ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد، وهو:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا
وما أعلم كيف هذا٢.
стр. 904
الضرب الثاني من النسخ:
وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء:
أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
ثم قال أبو تمام:
محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
وهذه قصيدة أولها:
غدت تستجير الدمع خوف نوى غد
فقال:
وقائع أصل النصر فيها وفرعه ... إذا عدد الإحسان أو لم يعدد
فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن ... سوى حسن مما فعلت مردد١
محاسن أصناف المغنين جمة البيت
стр. 905
السلخ:
وأما السلخ فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا، وهذا تقسيم أوجبته القسمة، وإذا تأملته علمت أنه لم يبق شيء خارج عنه.
فالأول: أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه، ولا يكون هو إياه، وهذا من أدق السرقات مذهبا، وأحسنها صورة ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة:
لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل١
أخذ المتنبي هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به، فقال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل٢
والمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض، وهو غير متبين إلا لمن أعرق في ممارسة الأشعار، وغاص في استخراج المعاني وبيانه أن الأول يقول: إن بغض الذي هو غير طائل إياي مما زاد نفسي حبا إلي, أي: جملها في عيني وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي. والمتنبي يقول: إن ذم الناقص إياي شاهد بفضلي، فذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك
стр. 906
الرجل، وشهادة ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك الرجل عنده.
ومن هذا الضرب ما هو أظهر مما ذكرته وأبين، كقول أبي تمام:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه١
أخذ البحتري هذا المعنى واستخرج منه ما يشابهه، كقوله في قصيدة يفخر فيها بقومه:
شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر
ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر٢
فأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته أي: أهزلته، فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها، والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم، فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال ثم صار يركب عليه أي: يتوكأ منه على عصا، كما يفعل الشيخ الكبير.
وكذلك ورد قول الرجلين أيضا، فقال أبو تمام:
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا٣
стр. 907
أخذه البحتري فقال:
أعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحى الشيب إذ هو مبعدي١
وهذا أوضح من الذي تقدمه، وأكثر بيانا.
الضرب الثاني من السلخ:
أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلا قليلا.
فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح٢
أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال:
فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر٣
فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح،
стр. 908
وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام الانتصار، وكلا المعنيين واحد, غير أن اللفظ مختلف.
وهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها، وأدقها وأغربها، وأبعدها مذهبا، ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض. وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار إليها، كقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة:
فقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع١
وجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال:
وقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
وهذا من البديع النادر.
وههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض، وذاك لا اعتداد به لمكان وضوحه.
стр. 909
لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف, لا الاسم نفسه، فيكون حسنا كقول جرير:
ولا تمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار١
أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال:
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب٢
الضرب الثالث من السلخ:
وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات وأظهرها شناعة على السارق, فمن ذلك قول البحتري في غلام.
فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر ... إليه ودون كيد الكبار٣
سبقه أبو نواس فقال:
لم يخف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى من الصغر٤
وكذلك قوله "البحتري" أيضا:
كل عيد له انقضاء وكفي ... كل يوم من جوده في عيد٥
стр. 910
أخذه من علي بن جبلة:
للعيد يوم من الأيام منتظر ... والناس في كل يوم منك في عيد١
وكذلك قوله "البحتري":
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء٢
أخذه من علي بن جبلة:
أعطيت حتى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
وقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح، هذا على بسطة باعه في الشعر وغناه عن مثلها.
وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكها، فممن فعل ذلك أبو تمام فإنه قال:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ...
فخيل من شدة التعبيس مبتسما٣
سبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال:
وإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في لبدتي رثبال
فالقه غير أنما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر غال
تلق ليثا قد قلصت شفتاه ... فيرى ضاحكًا لعبس الصيال
стр. 911
وكذلك قال أبو تمام:
فلم أمدحك تفحيمًا بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا١
أخذه من حسان بن ثابت في مدحه النبي ﷺ حيث قال:
ما إن مدحت محمدًا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد٢
ولا شك أن أبا بكر الصديق ﵁ سمع قول حسان بن ثابت حيث استخلف عمر ﵁ فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر ﵁: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك.
وهكذا فعل ابن الرومي، فمما جاء له قوله:
جرحته العيون فاقتص منها ... بجوى في القلوب دامي الندوب٣
سبقه أبو تمام فقال:
أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب٤
стр. 912
وكذلك قول ابن الرومي:
وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا١
سبقه أبو تمام فقال:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي٢
وكذلك قال ابن الرومي:
وما لي عزاء عن شبابي علمته ... سوى أنني من بعده لا أخلد٣
سبقه منصور النمري فقال:
قد كدت أقضي على فوت الشباب أسى ... لولا تعزي أن العيش منقطع٤
وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي فمما جاء منه قوله:
فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل٥
стр. 913
أخذه من قول الفرزدق:
كان الفداء له صدور رماحنا ... والخيل إذ رهج الغبار مثار١
وكذلك قوله "المتنبي" أيضا:
أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام٢
أخذه من بشار حيث قال:
كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار٣
وكذلك قوله "المتنبي":
فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا
لأصبح آمنا فيك الرزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا٤
стр. 914
أخذه ابن الرومي حيث قال:
أسالم قد سلمت من العيوب ... ألا فاسلم كذاك من الخطوب١
والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم، إما بأن يأخذ المعنى فيزيده على معنى آخر، أو يوجز في لفظه، أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته.
ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه، وتكثر البشاعة به، وهو أن يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية، فيودعه قصيدة له على ذلك الوزن وتلك القافية، ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم صاغها في مثل ما سرقها منه، والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد، أو صاغها في سوار أو خلخال ليكون أكتم لأمرها.
وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته التي أولها:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع٢
لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع
وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها:
أي القلوب عليكم ليس ينصدع٣
стр. 915
وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ من بيت منها وهو:
ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه ... في الروع إذ غابت الأنصار والشيع
وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة، فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه.
الضرب الرابع من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة,
فمن ذلك قول أبي نواس:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب١
فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك:
إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا
والحب ليس بنافع أربابه ... حتى يفصل في النظام ويثقبا٢
ومن هذا الباب قول ابن جعفر:
ولما بدا لي أنها لا تريدني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي٣