وكذلك قال أبو تمام:
فلم أمدحك تفحيمًا بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا١
أخذه من حسان بن ثابت في مدحه النبي ﷺ حيث قال:
ما إن مدحت محمدًا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد٢
ولا شك أن أبا بكر الصديق ﵁ سمع قول حسان بن ثابت حيث استخلف عمر ﵁ فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر ﵁: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك.
وهكذا فعل ابن الرومي، فمما جاء له قوله:
جرحته العيون فاقتص منها ... بجوى في القلوب دامي الندوب٣
سبقه أبو تمام فقال:
أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب٤
стр. 912
وكذلك قول ابن الرومي:
وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا١
سبقه أبو تمام فقال:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي٢
وكذلك قال ابن الرومي:
وما لي عزاء عن شبابي علمته ... سوى أنني من بعده لا أخلد٣
سبقه منصور النمري فقال:
قد كدت أقضي على فوت الشباب أسى ... لولا تعزي أن العيش منقطع٤
وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي فمما جاء منه قوله:
فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل٥
стр. 913
أخذه من قول الفرزدق:
كان الفداء له صدور رماحنا ... والخيل إذ رهج الغبار مثار١
وكذلك قوله "المتنبي" أيضا:
أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام٢
أخذه من بشار حيث قال:
كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار٣
وكذلك قوله "المتنبي":
فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا
لأصبح آمنا فيك الرزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا٤
стр. 914
أخذه ابن الرومي حيث قال:
أسالم قد سلمت من العيوب ... ألا فاسلم كذاك من الخطوب١
والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم، إما بأن يأخذ المعنى فيزيده على معنى آخر، أو يوجز في لفظه، أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته.
ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه، وتكثر البشاعة به، وهو أن يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية، فيودعه قصيدة له على ذلك الوزن وتلك القافية، ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم صاغها في مثل ما سرقها منه، والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد، أو صاغها في سوار أو خلخال ليكون أكتم لأمرها.
وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته التي أولها:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع٢
لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع
وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها:
أي القلوب عليكم ليس ينصدع٣
стр. 915
وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ من بيت منها وهو:
ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه ... في الروع إذ غابت الأنصار والشيع
وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة، فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه.
الضرب الرابع من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة,
فمن ذلك قول أبي نواس:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب١
فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك:
إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا
والحب ليس بنافع أربابه ... حتى يفصل في النظام ويثقبا٢
ومن هذا الباب قول ابن جعفر:
ولما بدا لي أنها لا تريدني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي٣
стр. 916
وقال غيره:
ولقد سرني صدودك عني ... في طلابيك وامتناعك مني
حذرًا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التمني١
أما ابن جعفر فإنه تذاءب٢ وألقى عن منكبه رداء الغيرة، وأما الآخر فجاء بالضد من ذلك وتغالى به غاية الغلو.
وكذلك ورد قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة ... شغفا بذكرك فليلمني اللوم٣
أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال:
أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه٤
وهذا من السرقات الخفية جدا، ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة, وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا، فمن ذلك قولي:
стр. 917
لولا الكرام وما سنوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
أخذته من قول أبي تمام:
لولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة العلا من أين تؤتى المكارم١
الضرب الخامس من السلخ:
وهو أن يؤخذ بعض المعنى، فمن ذلك قول أمية بن الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... ببذل وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين٢
أخذه أبو تمام فقال:
تدعى عطاياه وفرًا وهي إن شهرت ... كانت فخارًا لمن يعفوه مؤتنفًا
ما زلت منتظرًا أعجوبة زمنًا ... حتى رأيت سؤالًا يجتني شرفًا٣
فأمية بن الصلت أتى بمعنيين اثنين: أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن
стр. 918
عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير.
ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة:
وآثل ما لم يحوه متقدم ... وإن نال منه آخر فهو تابع
فقال أبو الطيب المتنبي:
ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا١
فعلي بن جبلة اشتمل ما قاله على معنيين: أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدمه، وإن نال منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به، وتابع له، وأما أبو الطيب المتنبي فإنه لم يأت إلا بالمعنى الواحد، وهو أنه يفعل ما لا يفعله غيره، غير أنه أبرزه في صورة حسنة.
ومن ذلك قول أبي تمام:
كلف برب المجد يعلم أنه ... لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم٢
فقال البحتري:
ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما٣
فأبو تمام قال: إن الممدوح يرب صنيعه أي: يستديمه، ويعلم أنه إذا لم
стр. 919
يستدمه فما ابتدأه, والبحتري قال: إنه يستديم صنيعه لا غيره، وذلك بعض ما ذكره أبو تمام.
وكذلك قال البحتري:
ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف١
أخذه ممن تقدمه حيث قال:
انتج الفضل أو تخال عن الدنيا ... فهاتان غاية الهمم
فالبحتري أخذ بعض هذا المعنى ولم يستوفه.
وكذلك ورد قول ابن الرومي:
زلتم على هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيركم بالسلالم٢
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا٣
وهذا بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي؛ لأنه قال: إنكم نزلتم على هام المعالي، وإن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال: إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله: "فوق السماء" فإنه يغني عنه قول ابن الرومي: "نزلتم على هام المعالي" إذ المعالي فوق كل شيء؛ لأنها مختصة بالعلو مطلقا.
стр. 920
الضرب السادس من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر, فمما جاء منه قول الأخنس بن شهاب:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب١
أخذه مسلم بن الوليد فزاد عليه وهو قوله:
إن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا ... أو عرد السيف لم يهمم بتعريد٢
وكذلك ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره:
غرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما٣
أخذه أبو تمام فزاد عليه، إذ قال في وصف قصيد له، وقرن ذلك بالممدوح:
غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب٤
стр. 921
وكذلك ورد قول ولد مسلمة بن عبد الملك:
أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعامًا وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرًا جميلا
أخذه أبو تمام فقال:
مثل الموت بين عينيه والذ ... ل وكلا رآه خطبا عظيما
ثم سارت به الحمية قدما ... فأمات العدا ومات كريما١
فزاد عليه بقوله:
فأمات العدا ومات كريما
ويروى أنه نظر عبد الله بن علي ﵁ عند قتال المروانية إلى فتى عليه أبهة الشرف، وهو يبلي في القتال بلاء حسنا، فناداه: يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد فقال: إلا أكنه فلست بدونه.
قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت، فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين المذكورين.
وكذلك ورد قول أبي تمام:
يصد عن الدنيا إذا عن سودد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد٢
أخذه من قول ابن المعذل بن غيلان:
ولست بنظار إلى جانب العلا ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر٣
стр. 922
إلا أنه زاده زيادة حسنة بقوله:
ولو برزت في زي عذراء ناهد
ومما يجري هذا المجرى قول البحتري:
خل عنا فإنما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد١
أخذه من قول أبي نواس:
قل لمن يدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت ملصق مثل واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو٢
إلا أن البحتري زاد على أبي نواس قوله: أو كالحديث المعاد.
وهكذا ورد قول البحتري أيضا:
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يبدع في السماح ويغرب٣
أخذه من مسلم بن الوليد في قوله:
ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر٤
стр. 923
إلا أن البحتري زاد عليه بقوله:
جذلان يبدع في السماح ويغرب
وكذلك ورد قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد١
وهذا البيت قد لهج به الناس لهجا كثيرا، ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس، ويحكى عن أبي تمام أنه دخل على ابن أبي داود٢، فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام، فقال إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، قال: من أين هذه يا أبا تمام? قال: من قول الحاذق أبي نواس، وأنشده البيت، وهذه الحكاية عندي موضوعة؛ لأن أبا تمام كان عارفا بالشعر، حتى إنه قال: لم أنظم شعرا حتى حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء خاصة دون الرجال، وما كان يخفى عنه أن هذا المعنى ليس لأبي نواس، وإنما هو مأخوذ من قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا٣
إلا أن أبا نواس زاد زيادة حسنة، وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد، وذلك أبلغ.
ومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق:
стр. 924
علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي
متى تأتي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي١
أخذه أبو نواس فصار أملك به، وأحسن فيه غاية الإحسان، فقال:
وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام٢
فالفرزدق قال:
تستريحي من الأنساع والدبر الدوامي
وليست استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى، وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال، أي: إنها تعفى من السفر إعفاء مستمرا، ولا شك أن أبا نواس لم يتنبه لهذه الزيادة إلا من فعل العرب في السائبة والبحيرة٣.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي:
وملومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل٤
стр. 925
أخذه من أبي نواس في قوله:
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد١
فزاد أبو الطيب زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى.
وكذلك قال أبو الطيب المتنبي:
وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنك في الكرم الأول٢
فأخذته أنا وزدت عليه فقلت:
أنت في الجود أول وقضى اللـ ... ـه بألا يرى لك الدهر ثان
وهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره.
الضرب السابع من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى, وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة.
فمن ذلك قول أبي تمام:
جذلان من ظفر حران إن رجعت ... مخضوبة منكم أظفاره بدم٣
стр. 926
أخذه البحتري فقال:
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها١
ومن هذا الأسلوب قولهما أيضا، فقال أبو تمام:
إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا٢
وقال البحتري:
قل الكرام فصار يكثر فذهم ... ولقد يقل الشيء حتى يكثرا٣
وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس:
يدل على ما في الضمير من الفتى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى٤
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل٥
стр. 927
ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي:
إذا ما ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازدياد١
أخذه ابن نباتة السعدي٢ فقال:
إذا كان نقصان الفتى من تمامه ... فكل صحيح في الأنام عليل
وكذلك ورد قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية:
وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللطم٣
أخذه الشاعر المعروف بالقيسراني، فقال:
وأهوى التي أهوى لها البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب
وكذلك قول ابن الرومي:
إذا شنئت عين امرئ شيب نفسه ... فعين سواه بالشاءة أجدر
стр. 928
أخذه من تأخر زمانه عنه، فقال:
إذا كان شيبي بغيضا إلي ... فكيف يكون إليها حبيبا١
ومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم:
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
أخذه أبو تمام، فقال:
كأن عليها كل عقد ملاحة ... وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد٢
ثم أخذه البحتري فقال:
إذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها ... فإن عناء ما توخت عقودها٣
أمثال هذا كثيرة، وفيما أوردناه مقنع.
الضرب الثامن من السلخ:
وهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا،
وذلك من أحسن السرقات، لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول، وسعة باعه في البلاغة.
стр. 929
فمن ذلك قول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج١
أخذه سلم الخاسر -وكان تلميذه- فقال:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور٢
فبين البيتين لفظتان في التأليف.
ومن هذا الأسلوب قول أبي تمام:
برزت في طلب المعالي واحدًا ... فيها تسير مغورًا أو منجدًا
عجبا بأنك سالم في وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردًا٣
стр. 930
أخذه ابن الرومي فقال:
غربته الخلائق الزهر في النا ... س وما أوحشته بالتغريب١
وكذلك ورد قول أبي نواس:
وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا٢
أخذه ابن الرومي فقال:
الدهر يفسد ما استطاع وأحمد ... يتتبع الإفساد بالإصلاح٣
وعلى هذا ورد قول ابن الرومي:
كأني أستدني بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا٤
أخذه بعض شعراء الشام، وهو ابن قسيم الحموي٥، فقال:
فهو كالسهم كلما زدته منك ... دنوا بالنزع زادك بعدا
стр. 931
ولقيت جماعة من الأدباء بالشام، ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ابتدع هذا المعنى، وليس كذلك، وإنما هو لابن الرومي.
ومما يجري هذا المجرى قول أبي العتاهية:
وإني لمعذور على فرط حبها ... لأن لها وجها يدل على عذري١
أخذه أبو تمام فقال:
له وجه إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذري٢
فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز.
ومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام:
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
стр. 932
أخذه أبو الطيب المتنبي فأوجز، حيث قال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر١
وكذلك قولهما في موضع آخر، فقال أبو تمام:
كم صارما عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال
سبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال٢
أخذه أبو الطيب فزاد وأحسن حيث قال:
يسابق القتل فيهم كل حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم٣
ومن هذا الضرب قول بعض الشعراء:
أمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع
فصرت الفقير وأنت الغني ... وما كنت تعدو الذي تصنع
стр. 933
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر١
الضرب التاسع من السلخ:
وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا، أو خاصا فيجعل عاما, وهو من السرقات التي يسامح صاحبها.
فمن ذلك قول الأخطل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم٢
أخذه أبو تمام فقال:
أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا٣
وهذا من العام الذي جعل خاصا، ألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا، وجاء بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابه، وأما أبو تمام فإنه خصص ذلك بالبخل، وهو خلق واحد من جملة الأخلاق.
стр. 934
وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام:
ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعت الدر والضرع حافل١
أخذه أبو الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول:
وما يؤلم الحرمان من كف حارم ... كما يؤلم الحرمان من كف رازق٢
الضرب العاشر من السلخ:
وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى، وذاك أن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه.
فمما جاء منه قول أبي تمام:
هو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللريث في بعض المواطن أنفع٣
стр. 935
أخذه أبو الطيب المتنبي فأوضحه بمثال ضربه له وذلك قوله:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام١
وهذا من المبتدع، لا من المسروق، وما أحسن ما أتى بهذا المعنى في المثال المناسب له.
وكذلك قولهما في موضع آخر فقال أبو تمام:
قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما٢
أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم٣
ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي تمام:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال٤
стр. 936
أخذه أبو عبادة البحتري فقال:
وقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيب
وحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب١
فإنه أتى بالمعنى مضروبا له هذا المثال الذي أوضحه وزاده حسنا.
الضرب الحادي عشر من السلخ:
وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد، ومثاله أن يسلك الشاعران طريقًا واحدة، فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين، وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر.
فمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين:
مجد تأوب طارقا حتى إذا ... قلنا أقام الدهر أصبح راحلا
نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
إن الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجل منها بالرياض ذوابلا
لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
قل للأمير وإن لقيت موقرا ... منه بريب الحادثات حلاحلا
إن ترز في طرفي النهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا
فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا
لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا
стр. 937
إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه انمهل ذرا وأث أسافلا
شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا
هل تكلف الأيدي بهز مهند ... إلا إذا كان الحسام القاصلا١
وقال أبو الطيب في مرثية بطفل صغير:
فإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنه ... ولكن على قدر الفراسة والأصل
ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
стр. 938
بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل
بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل
وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديلي الركاب من النعل
وريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي١
فتأمل أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه، مع اتفاقهما في بعض معانيه؟.
وسأبين لك ما اتفقا فيه، وما اختلفا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال:
لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا
وأما أبو الطيب فإنه قال:
بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل
стр. 939
فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهي المطابقة في قوله صمت اللسان ومنطق الفصل.
وقال أبو تمام:
نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا
وقال أبو الطيب:
بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل
فوافقه في المعنى وزاد عليه بقوله:
وصد فينا غلة البلد المحل
لأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم بحياته.
وأما ما اختلفا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا، وذاك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه.
وربما أكبر هذا القول جماعة من المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان وقدمه، لا مع فضيلة القول وتقدمه، وأبو تمام وإن كان أشعر عندي من أبي الطيب فإن أبا الطيب أشهر منه في هذا الموضع.
وبيان ذلك أنه قد تقدم على ما اتفقا فيه من المعنى.
وأما الذي اخلتفا فيه فإن أبا الطيب قال:
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل
وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما:
إن ترزفي طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا
стр. 940
فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا
فإن قول أبي الطيب "والشدائد للنصل" أكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام:
إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا
وقوله أيضا:
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما:
لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه انمهل ذرا وأث أسافلا
وكذلك قال أبو الطيب:
ألست من القوم الذين من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
وهذان البيتان خير من بيتي أبي تمام اللذين هما:
شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا
واعلم أن التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفضيل بين المعنيين المختلفين.
стр. 941
وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين، واحتجوا على ذلك بأن قالوا: المفاضلة بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى، فإن اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا باعتبار المعاني المندرجة تحتها، فما لم يكن بين الكلامين اشتراك في المعنى فإنه لايعلم مواقع النظم في قوة ذلك المعنى أو ضعفه، أو اتساق ذلك اللفظ أو اضطرابه، وإلا فكل كلام له تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته، وهذا مثل قولنا: العسل أحلى من الخل، فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها.
وهذا القول فاسد، فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا لوجب أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه، وهذا محال.
وإنما خفي عليهم ذلك؛ لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه، سواء اتفقت المعاني أو اختلفت ومن هنا وقع لهم الغلط.
وسأبين ذلك فأقول: من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة، فثبت بهذا أن النظر إنما هو في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على اتفاقهما واختلافهما فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به من الآخر حكم له بالفضل.
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا، وهو مروي عن علماء العربية لكن عذرتهم في ذلك، فإن معرفة الفصاحة والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب.
стр. 942
فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: لو أدرك يوما واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا١.
وهذا تفضيل بالأعصار، لا بالأشعار، وفيه ما فيه ولولا أن أبا عمرو عندي بالمكان العلي لبسطت لساني في هذا الموضع.
وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل، فقال: أما الفرزدق ففي يده نبعا من الشعر وهو قابض عليها، وأما الأخطل فأشدنا اجتراء، وأرمانا للفرائص٢، وأما أنا فمدينة الشعر.
وهذا القول في التفضيل قول إقناعي٣ لا يحصل منه على تحقيق، لكنه أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء.
وسئل الأخطل عن أشعر الناس، فقال: الذي إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع، فقيل: فمن ذاك? قال: الأعشى، قيل: ثم من? قال: طرفة.
وهذا قول فيه بعض التحقيق، إذ ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس؛ لأن المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها.
وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب، فقال: أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر٤, وأما المتنبي فقاتل عسكر.
стр. 943
وهذا كلام حسن واقع في موقعه فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير تفضيل.
ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره، فقيل له: ولم ذاك? فقال: لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد جيد، فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيت.
وقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار لا له؛ لأن باقلا الذي يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت واحد جيد، ومن الذي ينظم قصيدا واحدا من الشعر ولا يسلم منه بيت واحد?
لكن كان الأولى ببشار أن قال: لي اثنا عشر ألف قصيدة ليس واحدة منهن إلا وجيدها أكثر من رديئها، وليس في واحدة منهن ما يسقط، فإنه لو قال ذلك وكان محقا لاستحق التقدم على الشعراء، ومع هذا فقد وصل إلي ما في أيدي الناس من شعره مقصدا ومقطعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها، لكن وجدت جيده قليلا بالنسبة إلى رديئه، وتندر١ له الأبيات اليسيرة.
وبلغني عن الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما أنهم قالوا: هو أشعر الشعراء المحدثين قاطبة، وهم عندي معذورون؛ لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام، ولا على معاني أبي الطيب، ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري.
وهذا الموضع لا يستفتى فيه علماء العربية، وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ، أو شاعر مفلق، فإن أهل كل علم أعلم به، وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة حسابية فكذلك لا يسأل الحاسب عن مسألة فقهية، وكما لا يسأل النحوي عن مسألة طبية
стр. 944
فكذلك لا يسأل الطبيب عن مسألة نحوية، ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي قلب ظهره لبطنه وبطنه لظهره.
على أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة، وما من أحد إلا ويحب أن يتكلم فيه، حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخط بيده، ورأيت أغتام١ الأجناس ممن لا ينطق بالكلمة صحيحة، كلهم يخوض في فن الكتابة والشعر، ويأتون فيه بكل مضحكة، وهم يظنون أنهم عالمون به، ولا لوم عليهم، فإنه بلغني عن ابن الأعرابي٢ -وكان من مشاهير العلماء- أنه عرض عليه أرجوزة أبي تمام اللامية التي مطلعها:
وعاذل عذلته في عذله
وقيل له هذه لفلان من شعراء العرب، فاستحسنها غاية الاستحسان، وقال هذا هو الديباج الخسرواني٣، ثم استكتبها، فلما أنهاها قيل له هذه لأبي تمام، فقال: من أجل ذلك أرى عليها أثر الكلفة. ثم ألقى الورقة من يده، وقال: يا غلام خرق خرق٤.
стр. 945
فإذا كان ابن الأعرابي مع علمه وفضله لا يدري أي طرفيه أطول في هذا الفن، ولا يعلم أين يضع يده فيه, ويبلغ به الجهل إلى أن يقف مع التقليد الشنيع الذي هذا غايته, فما الذي يقول غيره? وما الذي يتكلم فيه سواه?
والمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر العرب أولًا وآخرا، ومن وقف على الأشعار, ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة, علم ما أشرت إليه.
ولا ينبغي أن يوقف مع شعر امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى، فإن كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به، حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب.
وأما الفرزدق وجرير والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا به من المعاني المختلفة وأشعر منهم عندي الثلاثة المتأخرون، وهم أبو تمام، وأبو عبادة البحتري، وأبو الطيب المتنبي١، فإن هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة الشعراء.
أما أبو تمام وأبو الطيب فربا المعاني، وأما أبو عبادة فرب الألفاظ في ديباجتها وسبكها. وبلغني أن أبا عبادة البحتري سأل ولده أبا الغوث عن الفرزدق وجرير أيهما أشعر، فقال: جرير أشعر، قال: وبم ذلك?
стр. 946
قال: لأن حوكه شبيه بحوكك١. قال ثكلتك أمك، أوفى الحكم عصبية؟ قال: يا أبت فمن أشعر؟ قال: الفرزدق. قال: وبم ذاك؟ قال: لأن أهاجي جرير كلها تدور على أربعة أشياء: هي القين، والزنا وضرب الرومي بالسيف، والنفي من المسجد، ولا يهجو الفرزدق بسوى ذلك، وأما الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة، ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخر٢، وأنا أستكذب راوي هذه الحكاية، ولا أصدقه، فإن البحتري عندي ألب من ذلك، وهو عارف بأسرار الكلام، خبير بأوساطه وأطرافه، وجيده ورديئه، وكيف يدعي على جرير أنه لم يهج الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل٣
فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد.
ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا رب تغزل ومديح وهجاء وافتخار، وقد كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله:
وعاد عوى من غير شيء رميته ... بقارعة أنفاذها تقطر الدما
وإني لقوال لكل غريبة ... ورود إذا الساري بليل ترنما
خروج بأفواه الرواة كأنها ... شبا هندواني إذا هز صمما
стр. 947
غرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقًا للقصائد معلمًا١
ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء, وسأذكر من هجائه الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليها فمن ذلك قوله:
وقد زعموا أن الفرزدق حية ... وما قتل الحيات من أحد قبلي
ألم تر أني لا تبل رميتي ... فمن أرم لا تخطئ مقاتله نبلي
رأيتك لا تحمي عقالا ولم ترد ... قتالا فما لاقيت شر من القتل٢
وقوله:
أبلغ هديتي الفرزدق إنها ... عبء يزاد على حسير مثقل
إني انصببت من السماء عليكم ... حتى اختطفتك يا فرزدق من عل٣
стр. 948
وقوله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
ورأيت نبلك يا فرزدق قصرت ... ورأيت قوسك ليس فيها منزع
إن الفرزدق قد تبين لؤمه ... حيث التقت حششاؤه والأخدع١
وقوله:
أحارث خذ من شئت منا ومنهم ... ودعنا نقس مجدا تعد فواضله
لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وجلاجله
فلست بذي عز ولا ذي أرومة ... وما تعط من ضيم فإنك قابله٢
وقوله:
لا يخفين عليك أن مجاشعا ... لو ينفخون من الخؤورة طاروا
стр. 949
قد يؤسرون فلا يفك أسيرهم ... ويقتلون فتسلم الأوتار١
وقوله:
بني مالك إن الفرزدق لم يزل ... يلقى المخازي من لدن أن تيفعا
مددت له الغايات حتى تركته ... قعود القوافي ذا علوب موقعا٢
وقوله:
ألا إنما كان الفرزدق ثعلبا ... ضغا وهو في أشداق ليث ضبارم٣
وقوله:
مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفة الأحلام
الظاعنون على العمى بجميعهم ... والنازلون بشر دار مقام٤
стр. 950
قوله:
إذا سفرت يوما نساء مجاشع ... بدت سوأة مما تجن البراقع
مباشيم عن غب الخرير كأنما ... تصوت في أعفاجهن الضفادع
رأت مالك نبل الفرزدق قصرت ... عن العلو لا يأبى عن العلو بارع
أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع
إذا قيل أي الناس شر قبيلة ... وأعظم عارًا قيل تلك مجاشع١
وقوله:
علق الأخيطل في حبالي بعد ما ... عثر الفرزدق لا لعا للعاثر
لقي الفرزدق ما لقيت وقبله ... طاح البعيث بغير عرض وافر
وإذا رجوا أن ينقضوا لي مرة ... مرست قواي عليهم ومرائري٢
ولجرير مواضع كثيرة في هجاء الفرزدق غير هذه، ولولا خوف الإطالة