← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال لهم: ليأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني ففعلوا. فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، فخرج السهم على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وحد الشفرة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، فذهبوا إلى عرافة خيبر فقالت لهم: كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى بكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم، ففعلوا ذلك حتى بلغت الإبل مائة. فقالت قريش: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب. فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله فخرج القدح في كلتيهما على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع١. يروي ابن كثير بسنده أن أعرابيا قال للنبي ﷺ : يابن الذبيحين، فتبسم رسول الله، ولم ينكر عليه ... فقيل لمعاوية: مَن الذبيحان؟ قال: إسماعيل وعبد الله٢.

стр. 107

تميز عبد الله بالعفة والطهر وحسن الخلق، رووا أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية، مر بها عبد المطلب، ومعه ابنه عبد الله أن يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب، فرأت نور النبوة في وجد عبد الله، فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مائة من الإبل، فعصمه الله تعالى من إجابتها، وقال لها: أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فاستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه فلما تزوجت آمنة عبد الله، وحملت برسول الله ﷺ ، مر عبد الله على الكاهنة مرة أخرى، وقال لها: هل لك فيما طلبت؟! فنظرت إليه، ولم ترَ ذلك النور في وجهه فقالت له: قد كان ذلك أول مرة، أما اليوم لا، ماذا صنعت؟ فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية. فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول: الآن قد ضيعت ما كان ظاهرا ... عليك وفارقت الضياء المباركا غدوت علي خاليا فبذلته ... لغيري هنيئا فالحقن بنسائكا ولا تحسبن اليوم أمس وليتني ... رزقت غلاما منك في مثل حالكا وداخلها الأسف على ما فاتها، والحسرة على ما تولى عنها١. وكان عبد الله بارا بأبيه، مطيعا له، يروي ابن إسحاق أن عبد الله حين انصرافه مع أبيه بعد الذبح مر على امرأة من بني أسد، وهي أخت ورقة بن نوفل، فنظرت إلى وجهه وقالت له: أين تذهب يا عبد الله؟ قال لها: معي أبي. قالت له: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي نكاحا الآن.

стр. 108

قال لها: أنا معي أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه١. فأخذه أبوه عبد المطلب، وذهب به إلى وهب بن عبد مناف وزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل نساء قريش نسبا وموضعا. ورسول الله هو الابن الوحيد لعبد الله وآمنة، وقد مات أبوه قبل مولده، وماتت أمه وهو ابن ست سنوات. وعبد المطلب: والد عبد الله اسمه شيبة الحمد، واشتهر بعبد المطلب؛ لأن عمه المطلب أحضره من المدينة، حيث نشأ عند أخواله، فلما ساله أهل مكة: مَن هذا؟ قال لهم: هذا عبدي، فثبت معه اسمه هذا، وترك شيبة. وكان عبد المطلب شديد الوفاء بوعده، وقد رأينا ما فعل مع نذره بذبح أحد أبنائه إذا بلغوا عشرا. ومن وفائه أنه أجار يهوديا يُدعى "أذينة" فتأمر حرب بن أمية على قتله وقتله، فلم يزل عبد المطلب يسعى في دمه حتى أخذ ديته، وسلمها لأهله٢. وهو شيخ مكة، وزعيمها يوم قدوم أبرهة.. وكان عبد المطلب جسيما أبيض، وسيما، طوالا، فصيحا، ما رآه أحد قط إلا قدره، وقد صارت إليه السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه، وكان يعرف فيه قوة الحق وهيبة الملك. ومكارمه أكثر من أن تُحصى، فإنه كان سيد قريش غير مدافع نفسا، وأبا، وبيتا، وجمالا، وبهاء، وفعالا. وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية، وأول من جعل دية القتيل مائة من الإبل بعد فداء عبد الله..

стр. 109

وقد أقام لأهل مكة ما كان يقيمه آباؤه لهم، فشرف فيها شرفا لم يبلغه أحد قبله، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم. ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان: الأول: حفر بئر زمزم بعدما أمر به في المنام، ووصف له موضعها، وبعدها كانت السقاية معه، ولما حاولت قريش منازعته في زمزم والسقاية، أراهم الله ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بـ"زمزم"١. الثاني: لما قدم أبرهة بجيشه يريد هدم الكعبة خافت قريش، وتفرقت في الشعاب، وتركت إبلها وغنمها، فاستولى عليها أبرهة، فذهب إليه عبد المطلب واستقبله أبرهة وسأله: ماذا جاء بك؟ قال عبد المطلب: جئت أسألك الإبل والغنم. فقال أبرهة له: أكبرتك حين رأيتك، وزهدتني فيك حين كلمتني، تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك؟! فقال عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه. وقد كان حيث هلك أبرهة وجيشه بالطير الأبابيل، واسترد عبد المطلب الإبل والغنم٢. وهو أول من طلى الكعبة بالذهب، وسُمي الفياض لجوده، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ونهى عن قتل الموءودة ونكاح المحارم، وأمر ألا يطوف بالبيت عريان٣. و"هاشم" واسمه عمرو العلاء والد عبد المطلب.

стр. 110

ولقب هاشما لأنه هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمهم، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة، فرحل هاشم إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقا كثيرا وكعكعا، وقدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا وجعلها ثريدا عم به أهل مكة، ولا زال يفعل معهم حتى استكفوا. وهو أول من سن الرحلتين: ورحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام١. ومن قبله كان تجار مكة لا يغادرون بلدهم، فركب هاشم إلى الشام، ونزل بقيصر، فلما علم به ملك الروم سأل عنه، وكلمه، وأعجب به، وجعل يرسل إليه ويدخله عليه. فلما رأى هاشم مكانه منه قال له: أيها الملك، إن لي قوما وهم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتبا تؤمنهم، وتؤمن تجارتهم، فيقدمون عليك بما يستظرف من أدم الحجاز وثيابه؛ ليتمكنوا من بيعه عندكم، فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم، فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافا. والإيلاف أن يأمنوا وهم عندهم، وفي طريقهم، وفي أرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بين مكة والشام، حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب، فكان ذلك أعظم بركة، ثم خرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم، ويوفيهم إيلافهم، الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام٢. واشتهر هاشم بالدقة، والحكمة، ومكارم الأخلاق، ومن وصاياه الحكيمة لقومه وهو يخطب فيهم:

стр. 111

أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم. يا بني، أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أو حش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي. أيها الناس، الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنيئة، فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، ألا وإن نهنهة الجاهل أهون من حزيرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به١. وكان من أجمل الناس، وأحسنهم صورة، يتلألأ النور في وجهه كالهلال يتوقد، لم يره أحد إلا أحبه، وأقبل عليه. و"عبد مناف" والد هاشم اشتهر بأفعال الخير، وأماجد الأعمال، وسمي بالمغيرة لقوته، وإغارته على الأعداء، وسمي بالقمر لحسنه وجماله. وقد ساد في حياة أبيه، وبرز بآرائه في دار الندوة، وسُر به والده "قصي" وهو الذي سماه "عبد مناف" واستبدله بـ"عبد مناة" كما سمته أمه. قام بعد أبيه قصي بالسقاية والرفادة، واشتهر بالحكمة وحسن السياسة،

стр. 112

أحاطت قريش عبد مناف بالتفضيل والتكريم، ومن أشعارهم: كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصة لعبد مناف والمح: صفرة البيض، يشيرون بذلك إلى أن قريشا إذا انقسمت كالبيضة، فعبد مناف صفرتها، وهي أصل البيضة، وأكثرها منفعة. يروي البلاذري أن النبي ﷺ سمع جارية تنشد هذا البيت وتقول: فالمح خالصة لعبد الدار فقال الرسول ﷺ لأبي بكر ﵁: كذا قال الشاعر؟ قال أبو بكر: لا، إنما قال: لعبد مناف. فقال النبي ﷺ : "كذاك" ١. وهذا تأكيد لمنزلة عبد مناف، وقدرته في قومه. و"قصي" والد عبد مناف اسم مصغر من "قصى" أي بعد؛ لأنه بعد عن قومه في بلاد "قضاعة" مع أمه حين تزوجت بعد أبيه في بني عزرة.. وقد عاد قصي إلى مكة بعد أن عير بغربته.. وعمل بعد أن شب على أن يكون أمر مكة لأهلها، فأبت خزاعة وبنو بكر، فقاتلهم قصي ومن معه.. حتى تصالحوا بعد ذلك على أن يكون الأمر لقصي وبنيه؛ لأنهم الأحق والأولى. فلما جمع قصي قريشا قال لهم: هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم "أي أنتم وبيوتكم" في الحرم حول البيت؟ فو الله لا يستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه، وتسكنونه فتسودوا العرب أبدا. فقالوا: أنت سيدنا، ورأينا تبع لرأيك، فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول الكعبة٢، وبنوا بيوتهم مجاورة للكعبة، وكانوا من قبل يبنونها بعيدا عن الشعاب.

стр. 113

وأمرهم قصي أن يجعلوا أبواب بيوتهم جهة الكعبة، على أن يتركوا بين كل بيتين طريقًا يؤدي إلى الكعبة، وفي نهاية هذه الطرق تأسست أبواب الحرم بعد ذلك. وقد جمع "قصي" لنفسه أمر الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، وبذلك حاز الشرف في مكة كلها. وبنى دارًا سماها "دار الندوة"، وجعلها مكانًا للاجتماع، والتشاور في كافة أمورهم الشخصية، والاجتماعية، والسياسة، وغيرها. وقد فرض قصي على قريش مالًا يدفعونه إليه، وهو الذي يعرف بالرفادة، يصرفه على حجاج بيت الله تعالى، قال لهم: "يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل البيت، وأصحاب الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما، وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا". يقول ابن هشام: فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا، فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومنا هذا، فهو الطعام الذي يصنعه الولاة كل عام، ويقدمونه للحجيج بمنى حتى ينقضي الحج١. وقد قسم قصي المهام الرئيسية في أولاده.. فأعطى عبد مناف السقاية والندوة، وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء، وأعطى عبد العزى الرفادة والضيافة أيام منى.. وهكذا. ومن أقوال قصي الحكيمة التي علمها أولاده: "من عظم لئيما شركه في لؤمه". "ومن استحسن مستقبحا كان معه". "ومن لم تصلحه كرامتكم فداووه بهوانه، فذاك دواء يحسم الداء".

стр. 114

"العي عيان: عي إفحام، وعي المنطق بغير سداد". "من سأل فوق قدره استحق الحرمان". و"كلاب" والد قصي جمع كلب، وهو مجمع نسب عبد الله وآمنة -أبوي النبي ﷺ سمي بذلك من المكالبة، وهو المسارعة في التجمع على الكسب، أو جريا على عادة العرب في تسمية أبنائهم بأسماء موحشة كذئب، وأسد، وضبع ... قيل لأعرابي: لِمَ تسمون أبناءكم بأشر الأسماء كـ"كلب" و"ذئب"، وتسمون عبيدكم بأحسن الأسماء كـ"رباح" و"مرزوق"؟ فقال: إنا نسمي أبناءنا لأعدائنا، ونسمي عبيدنا لأنفسنا.. يريد أن الأبناء هم عدة مواجهة الأعداء، والسهام المصوبة إليهم. وقيل: سمي بذلك لدفع السوء والحسد عنه١. ومن أسماء "كلاب" الحكيم، والمهذب، وعروة، ويكنى بـ"أبي زهرة" وزهرة هو جد النبي ﷺ من قبل أمه. و"مرة" والد كلاب اسم منقول من وصف الحنظلة والعلقمة، وقيل: منقول من وصف الرجل بالمرارة. وقيل: مأخوذ من القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: قوة، وكنيته أبو يقظة٢. وهذه المعاني تفيد ما كان له من قوة في الحق، وشدة وقسوة على أهل الباطل. و"كعب" والد مرة ومعناه العلو في الشرف والسؤدد والثبات والمنزلة، وكنيته أبو هصيص.

стр. 115

وهو أول ما جمع الناس، وخطبهم في يوم معين، هو يوم "العروبة"، وهو اليوم المسمى في الإسلام بيوم الجمعة، ومن خطبه في قومه: أما بعد، فاسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عنها صفحا، الآخرون كالأولين، والذكر كالأنثى، والزوج والفرد إلى بلى، فصلوا أرحامكم، وأوفوا بعهودكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروءتكم، فهل رأيتم من هالك رجع، أو ميت نشر، الدار أمامكم، واليقين غير ما تظنون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، بذلك جاء موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم، والله لو كنا ذا سمع وبصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولأرقلت فيها إرقال الفحل١. و"لؤي" يكنى باسم ابنه كعب، اشتهر بالحكمة والحلم منذ صغره، وكان مطاعا محبوبا في قومه. و"غالب" من الغلبة والفوز، وكنيته أو تيم. و"فهر" كان رئيس أهل مكة، وقيل أنه سمي بـ"قريش" يقول ابن شهبة: من جاوز فهرا فليس من قريش٢. و"مالك" يكنى باسم ولده "فهر" ولم ينجب سواه، تميز بالحكمة وحسن الخلق. و"النضر" ابن كنانة، وكنيته "أبو يحلد".

стр. 116

و"كنانة" هي ستر السيف، سمي بذلك لأنه كان سترا على قومه، ويكنى بأبي النضر، يقول عامر العدواني لابنه في وصيته: يا بني، أدركت كنانة بن خزيمة وكان شيخا مسنا عظيم القدر، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله، ومن أقواله لهم: إنه قد آن خروج نبي من مكة يُدعى أحمد، يدعو إلى الله، وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق، فاتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم. قال أبو الربيع رحمه الله تعالى: إن كنانة رُئي وهو نائم في الحجر فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر، فقال: كل يا رب فصار هذا كله في قريش١. و"خزيمة" يكني بأبي أسد، يروي ابن عباس أن خزيمة مات على دين إبراهيم ﵇، وهو أول من أهدى البدن للبيت. و"مدركة" اسمه عمرو على الصحيح، وكنيته أبو هذيل، وأبو خزيمة. و"إلياس" كان عاقلا، أريبا، يقول ابن الزبير: لما أدرك إلياس وبلغ أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم، وجمعهم رأيه، ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة. وهو وصي أبيه، تميز بجمال الخُلُق والخِلْقة، ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا" ٢. ويذكر أنه كان يبشر بنبي من صلبه، يصلح الله به شئون الناس. و"مضر" اسمه عمرو، وكنيته أبو إلياس، كان على دين إبراهيم ﵇، اشتهر بالحكمة، وسداد الرأي، ومن أقواله:

стр. 117

"خير الخير أعجله". "احملوا أنفسكم على مكروهها فيما يصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق"١. و"نزار" سماه أبوه بهذا الاسم لما نظر في وجهه ورأى نور النبوة الذي كان يتنقل في الأصلاب، لما رأى ذلك فرح ونحر وأطعم، وقال: هذا نذر يسير، فسمي بـ"نزار" وكنيته "أبو إياد". و"معد" يضرب به المثل في الخُلُق، يقول عمر بن الخطاب ﵁: "اخشوشنوا وتعددوا" أي: كونوا على خلق معد. و"عدنان" أول من كسا الكعبة، وكان الناس يعرفون أن نبيا سيخرج من صلبه، ويكنى بأبي معد. وقد سبق الإشارة إلى إجماع النسابين على معرفة نسب النبي ﷺ إلى عدنان، وأن عدنان من نسل إسماعيل ﵇، إلا أنهم يختلفون في عدد آباء عدنان إلى إسماعيل ﵇؛ ولذلك أكتفي هنا بذكر نسبه ﷺ إلى عدنان مع تأكيد أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇، فلقد روى ابن سعد أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه عدنان، ثم يمسك، ثم يقول: "كذب النسابون" ٢، ويرى السهيلي أن هذا الحديث من قول ابن مسعود، ويقول عمر بن الخطاب ﵁: إنما ننتسب إلى عدنان، وما فوق ذلك لا ندري ما هو٣. ومن هذا الإيجاز نرى شرف النسب، وعلو المحتد، فجميعهم كرام، ذوو شأن؛ حيث نلمح في سيرتهم كل خير، فهم حماة البيت، والمقربون من الله، والمؤسسون لأهل مكة "دار الندوة"، وقد نظموا للقبائل سائر المهام، وعرفوا الناس

стр. 118

بيوم العروبة، وجمعوهم فيه كل أسبوع لسماع الخطب وتداول الأمور. وفي أسمائهم نلمح صفاتهم، ففي كعب العلو والثبات، وفي لؤي الهدوء والأناة، وفي غالب القوة القاهرة للأعداء١، وفي فهر الطول والعون، سمي قريشا لأنه كان يقرش -أن يفتش- عن حاجة المحتاج ليعينه بماله ونفسه٢، وفي مالك السيادة وملك العرب٣، وفي النضر الحسن والجمال٤، وفي كنانة ستر قومه، ومرجعهم لعمله وفضله٥، وفي خزيمة إصلاح قومه، وأخذهم على الحق٦، وهكذا إلى عدنان الذي عاش زمن موسى عليه السلام٧. هذا نسبه ﷺ من جهة أبيه.. وأما نسبه من جهة أمه فهو إلى كلاب، وعند كلاب يلتقي نسبها مع أبيه فنسبه من جهة أمه عال هو الآخر، يصفه ابن هشام ويقول: "إن آباء آمنة من فضلاء قريش وسادة بني زهرة"٨. ولم يكن للنبي ﷺ أخ ولا أخت من أمه وأبيه، يقول الماوردي: "لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده بها آية، فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل به"٩.

стр. 119

ولقد تميز آباؤه بعديد من المزايا العامة التي اشتركوا فيها جميعا، واستمرت معهم تكريما لرسول الله ﷺ . وسأبين أهم هذه المزايا لما لها من مردود إيجابي على شخصية النبي ﷺ ، وتهيئة النفوس للاستماع له، والإجابة لدعوته، وبخاصة أن الناس جبلوا على الطاعة السريعة لمن علا نسبه، وسمت أخلاقه، وكان لهم به صلة وقربى. وسأوضح -بإذن الله تعالى- أهم هذه المزايا في عدد من المسائل لتتضمن كل مسألة مزية، وهي كما يلي: المسألة الأولى: أصالة النسب. المسألة الثانية: بعدهم عن عبادة الأصنام. المسألة الثالثة: صلتهم بسائر بطون العرب. وسوف أفصل هذه المسائل فيما يأتي ...

стр. 120

المسألة الأولى: أصالة النسب اشتهر آباؤه ﷺ جميعا بعلو الأصل، وشرف النسب، ومكارم الخلق، فكانوا من أحسن الخلق وأماجدهم، وقد رأيناهم سادة الناس، ورواد القبائل، حملوا مهام البيت، وقاموا بواجب ضيوف الله. ولعل أهم ما تميزوا به هو طهارتهم، وعفتهم، وبعدهم عن سفاح الجاهلية، وضلالات الشرك والهوى، والأحاديث الصحيحة تؤكد هذه الحقيقة، فعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي" ١، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام" ٢. ويروي ابن سعد في طبقاته عن محمد الكلبي قال: "كتبت لنبي الله ﷺ خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا، ولا شيئا مما كان عليه أمر الجاهلية"٣. وهكذا وضع الله رسوله ﷺ في موضع يحمل معه شرف سلسلة طويلة، كريمة الخلق والسلوك، طيبة الشأن والذكر، وهو اصطفاء من الله تعالى. فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" ٤.

стр. 121

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه" ١. وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي، فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفسا، وخيركم أبا" ٢. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما" ٣. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي، لم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وأخرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي" ٤. وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" ٥، وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ: "إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتخذه خليلا، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزارا، ثم اصطفى من ولد نزار

стр. 122

مضر، ثم اصطفى من مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشا، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب"١، والاصطفاء أخذ الأحسن من جماعة فيها غيره ليسوا مثله. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "خير العرب مضر، وخير مضر بنو عبد مناف، وخير بني مناف بنو هاشم، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب، والله ما افترقت فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما" ٢. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار إلى خيار" ٣. وعن ابن عباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير فريق، ثم حين خلق القبائل جعلني من خير قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتا، وخيرهم نسبا" ٤. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا" ٥.

стр. 123

وعن ابن عباس قال: دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية، فقالت صفية: منا رسول الله ﷺ ، فقالوا: تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكبا. فذكرت ذلك صفية لرسول الله ﷺ ، فغضب وأمر بلالا فنادى في الناس، فقام على المنبر فقال: "أيها الناس، من أنا؟ ". قالوا: أنت رسول الله. قال: "انسبوني". قالوا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: "أجل، أنا محمد بن عبد الله، وأنا رسول الله، فما بال أقوام يبتذلون أصلي؟! فو الله إني لأفضلهم أصلا وخيرهم موضعا" ١. وعن ربيعة بن الحارق قال: بلغ النبي ﷺ أن قوما نالوا منه، فقالوا: إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت في كناس، فغضب النبي ﷺ وقال: "إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين، فجعلني في خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلا، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا"، ثم قال: "أنا خيركم قبيلا وخيركم بيتا" ٢. وعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "قال لي جبريل ﵇: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أجد أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أجد أفضل من بني هاشم" ٣. بهذه النصوص الكثيرة التي أوردتها تطمئن النفس على صدق ما تضمنته، وهو ما نريد إبرازه في إثبات علو نسبه ﷺ ، وتمتع آبائه وأجداده بكرم الطبع، وشرف

стр. 124

الأصل، والبعد عن الدنايا وصغائر الأمور. كان ﷺ نتاج هذه السلسلة الكريمة التي يفتخر بها، وتذكرها العرب له، وقد أقر خصومه في مكة بهذه الحقيقة، وهي في أشد حالات العداء معه. يروي البخاري أن هرقل أرسل إلى أبي سفيان ومن معه، وكانوا في تجارة بالشام، فدعاهم إلى مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعا ترجمانه. فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا. فقال هرقل: ادنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه. يقول أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. ثم سأله عدة أسئلة وأبو سفيان يجيبه، وأخيرا قال هرقل لترجمانه: قل لأبي سفيان: سألتك عن نسبه فقالت: هو فينا ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها١. والمهم أن أبا سفيان يومئذ كان على الكفر، ولم يدخل في الإيمان بعد، ومع ذلك نطق بالحق، وشهد بعلو نسب رسول الله ﷺ ، وهو أول ما سأل عنه هرقل لمعرفته بضرورة سمو نسبه، وطهارته إن كان رسولا صادقا.. إن معرفة خصائص النسب الشريف لرسول الله ﷺ يؤثر على تقويم صاحبه وتقدير شأنه، وإدراك مستقره في الأمور، فالخلق الغالب على الأصل ينزع عنه الفرع ولا يتغير بالإسلام إلا إلى الأفضل. أخرج الشيخان وأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تجدون

стр. 125

الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه"١. فأصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا أو فقهوا فهم خيار الناس٢. قال ابن حجر في الفتح: وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولا تتغير صفته، فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان شريفا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف بمن أسلم من المشروفين في الجاهلية٣. ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: "أنا ابن العواتك" ٤ والعاتك: هو الكار الشجاع في القتال، والمرأة العاتك: هي الشريفة الكريمة. وعند اشتداد المواجهة بين الرسول ﷺ وأهل مكة لم نسمع مطعنا في نسب رسول الله وأصله، ولا نقدا لخلقه وسلوكه، ولا همزا حول شيء يتصل به ﷺ .. ولو وجد شيء من هذا لتحدثوا عنه وأظهروه..

стр. 126

المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام ... المسألة الثانية: بعد آبائه ﷺ عن الشرك وعبادة الأصنام ثبت بالأدلة والبراهين العديدة أن أصول النبي ﷺ وآباءه من لدن آدم ﵇ إلى والده المباشر عبد الله بن عبد المطلب، كانوا جميعا بعيدين عن الشرك وعبادة الأصنام. والأدلة على ذلك عديدة، يجمعها السيوطي -رحمه الله تعالى١- في مقدمتين ليصل إلى نتيجة عقلية مسلمة: أما المقدمة الأولى: فهي أن آباء النبي ﷺ هم من خير الناس، كل منهم أفضل معاصريه وأخيرهم، فهم خيار من خيار، اصطفاهم الله منذ وجود آدم ﵇، واستمر هذا الاصطفاء معهم حتى جاء رسول الله محمد ﷺ . أما المقدمة الثانية: فإنها تظهر حقيقة دينية تاريخية، وهي أن الأرض لم تخل من عهد آدم ﵇ إلى بعثة النبي ﷺ وإلى أن تقوم الساعة من أناس على الفطرة يوحدون الله، ويعبدونه بما بقي من دين سابق، ويرون أن الأصنام والأوثان وما يماثلها، ما هي إلا افتراءات لا حقيقة لها؛ ولذلك فهم بعيدون عنها، لا يقتنعون بها.. فإذا انضمت المقدمة الأولى إلى المقدمة الثانية لظهر بجلاء أن آباء النبي ﷺ في كل عصر كانوا من هؤلاء الأناس الذين عاشوا بالفطرة النقية الموحدة؛ ذلك أن الخيرية والأفضلية تقوم أساسا على التوحيد والتقوى. ومن الواجب التسليم بهذا؛ لأن الأفضلية إذا لم تقم على التوحيد، وقامت على المال أو الكثرة أو السلطان مثلا، فإن الشرك يعلو التوحيد، ويفضل المشرك

стр. 127

المؤمن، وهذا غير صحيح، فوجب بمجموع هاتين المقدمتين أن يكون آباء النبي -وهم أفضل الخلق في زمانهم على التوحيد- أصل التفضيل وأساسه؛ لأن القول بغير ذلك يؤدي إلى أحد أمرين لا يسلم بهما أو بأحدهما عاقل: الأمر الأول: أفضلية المشرك على المسلم، وهذا أمر غير صحيح، وغير مسلم، ولم يقل به أحد من العقلاء. الأمر الثاني: أن يكون هناك مَن هم أفضل من آباء النبي ﷺ ، وهذا معارض بما ثبت في المقدمة الأولى التي سبق ذكر أدلتها. يقول الإمام السيوطي: "يجب أن يكون آباء النبي موحدين، لا شرك فيهم ليكونوا من خير أهل الأرض، كل في قرنه"١. وفي الدراسة السابقة عن المقدمة الأولى أوضحت أن آباء النبي هم خيار الخلق من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، وبذلك ثبتت المقدمة الأولى. وإثبات المقدمة الثانية بعد ذلك أمر مسلم؛ لأن الناس كانوا على الإسلام منذ آدم إلى نوح ﵇، يقول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢ وفي الآية بيان أن الناس جميعا بعد آدم ﵇ كانوا على دين واحد هو الإسلام. فعن أبي أمامة ﵃ أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبي كان آدم؟ قال ﷺ : "نعم نبي مكلم". فقال الرجل: فكم كان بينه وبين نوح ﵇؟ قال ﷺ : "عشرة قرون" ٣.

стр. 128

وهكذا استمرت البشرية على دين الإسلام عشرة قرون، وبعد هذه المدة بدأ الشرك في الظهور، واختلف الناس، فبعث الله رسله مبشرين ومنذرين، بلاغا وإرشادا؛ ولذلك بعث شيث ﵇، وإدريس ﵇؛ نصرا لأهل الحق، ومحافظة على دين الله القويم. يُروى عن قتادة ﵁ أنه قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الهدى، وعلى شريعة الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحا ﵇"١. وعن ابن عباس: "أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الإسلام"٢. وهذه الآراء بيان لاستمرار الإسلام في الناس منذ آدم إلى نوح ﵇، فلما اختلفوا وانقسموا جاء رسل الله، وعلى رأسهم نوح ﵇. والتعبير بالاختلاف في الآية بيان لتمسك فريق من الناس بالإسلام الذي كانوا جميعا عليه، حين ارتد فريق منهم، وعبدوا الأصنام، وأشركوا في الألوهية، وبذلك وجد الاختلاف والتفرق بدليل أن الله توعد هؤلاء المشركين الذين أشركوا وضيعوا وحدة الأمة وتجمعها على الدين الحق، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٣. ومع الاختلاف على الدين الحق قبيل نوح ﵇ نرى أن والد نوح كان مؤمنا موحدا امتدادا لآبائه من قبله، دليل ذلك أن نوحا ﵇ دعا لأبيه كما

стр. 129

في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، والنبي ﷺ لا يستغفر لكافر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ٢، وبذلك تكون الآية صريحة في إيمان والد "نوح" وهو "سام"؛ لأنه لو لم يكن مؤمنا لما دعا له، وأيضا فإن دعوة نوح لأبيه كانت بعد الطوفان، ولم ينجُ من الطوفان إلا المؤمنون. هذا عن الفترة من آدم إلى نوح ﵉.. أما ما بعد نوح ﵇، فقد روى ابن عباس أن نوحا ﵇ لما أهبط ومن معه من السفينة هبطوا إلى قرية، فبنى كل رجل منهم بيتا، فسميت القرية سوق الثمانين نسبة لعدد الناجين، فلما ضاقت بهم القرية تحولوا إلى بابل فبنوها، ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل، أما من كفر فقد غرق وهلك، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ٣، ومفهوم الآية يوضح أن ذرية من كفروا غرقوا بغرق أبائهم، ولم يبقَ إلا المؤمنون الموحدون، كما يفيده ضمير الفصل الموجود في الآية. وقيل: إن المؤمنين مع نوح كانت لهم ذرية مؤمنة نجت من الناجين إلا أنها ماتت بأجلها، ولم يبقَ إلا أبناء نوح. وقيل: إن المؤمنين من ذرية الآخرين تلحق بذرية نوح في البقاء بسبب إيمانهم٤.

стр. 130

واستمر إيمان آباء النبي ﷺ من نوح إلى إبراهيم ﵈، غير أن ما ورد عن والد نبي الله إبراهيم ﵇ "آزر" يتعارض مع هذا؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٢، وفي هذه الآيات تصريح واضح بكفر أب إبراهيم ﵇، وقد رد العلماء هذا التعارض بأن إبراهيم ﵇ كان يخاطب عمه "آزر"، أما والده فو "تارح"، واللغة العربية تطلق اسم الأب على العم؛ ولهذا يقول الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ٣، فأطلق سبحانه على إسماعيل اسم الأب ليعقوب ﵇ مع أنه كان عمه. وبعد نجاة إبراهيم ﵇ من النار أمره الله تعالى بأن يهاجر إلى بلاد الشام فهاجر حيث أمره الله تعالى، وأخذ معه المؤمنين، وكانوا ثلاثة، هم: زوجته سارة وابن خالته لوط وأبوه تارح٤، ولو كان أبوه مشركا ما اصطحبه معه في رحلة الهجرة من موطنه إلى بلاد الشام.. وأيضا فلقد دعا إبراهيم ﵇ لأبيه بعد هلاك عمه بمدة طويلة، ولو كان مشركا ما دعا له، يقول الله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب﴾ ٥.

стр. 131

أما آباء النبي محمد ﷺ بعد إبراهيم فهم على النحو المذكور لسائر الآباء، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ١. فقد أخبر الله تعالى بأنه بقدرته جعل كلمة الهدى والتوحيد باقية، متنقلة في عقب إبراهيم ﵇ تنتقل من واحد إلى مَن بعده في عقبه، والعقب: أبناء الرجل الذكور دون الإناث. يقول المفسرون: الكلمة هي شهادة التوحيد، جعلها الله مستمرة في ذرية إبراهيم ﵇، يعقب كل جيل ما سبقه، بحيث لا يزال في ذريته من ينطق ويؤمن بها. ويقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ٢ وقد دعا إبراهيم ﵇ في الآية بدعوتين: أحدهما: أن يجعل مكة بلدا آمنا في المقام والمعاش. والثانية: أن يجنبه وبنيه وذريته عبادة الأصنام، وقد استجاب الله له، فأكرم مكة بجعلها حرما آمنا، ورزق أهلها ثمرات كل شيء، كما استجاب الله سبحانه الدعوة الثانية لإبراهيم في أولاده فنجاهم من عبادة الأصنام وجعل النبوة والكتاب فيهم خاصة. وقد جاءت أحاديث مسندة تفصل ما جاء في الآيات: يقول النبي ﷺ : "لا تسبوا مضر؛ فإنه كان قد أسلم" ٣. ويقول النبي ﷺ : "لا تسبوا مضر؛ ولا ربيعة فإنهما كانا مؤمنين" ٤.

стр. 132

ويقول النبي ﷺ : "لا تسبوا قسا؛ فإنه كان مسلما" ١. ويقول النبي ﷺ : "لا تسبوا إلياس؛ فإنه كان مؤمنا" ٢. وقد رأينا من كلمات آباء النبي ﷺ ، ووقفنا على معانيها الدالة على العقل والحكمة وروح الإيمان.. يقول السهيلي: "وكعب بن لؤي أول من جمع يوم العروبة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ، ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به". وعبد المطلب هو الذي قابل أبرهة وقال له: للبيت رب يحميه.. أما آباء النبي ﷺ القريبون إليه فهم: كلاب، وقصي، وعبد مناف، وهاشم، وعبد المطلب، وعبد الله، فإنهم شيوخ مكة، وحماة الكعبة، وإليهم يرجع الفضل في تنظيم أمور البيت الحرام، والإنفاق على الحجيج، وفي حياتهم إشارات إلى عقيدتهم الدينية. يقول عبد الله: أما الحرام فالممات دونه. ويقول عبد المطلب: للبيت رب يحميه. وقد تميز هاشم وعبد مناف بالحكمة وكرم الأخلاق، ودور قصي وكلاب مع الكعبة وأهل مكة لا يخفى؛ ولذلك كان ﷺ يفتخر بآبائه ويقول ﷺ : "أنا ابن الذبيحين" يريد بهما: عبد الله وإسماعيل ﵉، وفي يوم حنين قال: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". ويقول ﷺ : "أنا خيار من خيار من خيار".

стр. 133

وحديث النبي ﷺ عن آبائه لتعريف منازلهم، وبيان مراتبهم، والإشارة إلى نِعَمِ الله تعالى التي أحاطه وأحاطهم بها. يقول أبو الحسن الماوردي: "أنبياء الله صفوة عباده، وخيرة خلقه، لما كلفهم من القيام بحقه، والإرشاد لخلقه، استخلصهم من أكرم العناصر، واجتنابهم بمحكم الأواصر، فلم يكن لنسبهم من قدح، ولمنصبهم من جرح؛ لتكون القلوب لهم أصفى، والنفوس لهم أوطأ، والناس إلى إجابتهم أسرع، ولأوامرهم أطوع، وإن الله استخلص رسوله ﷺ من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة، وقد قال ابن عباس في تأويل قول الله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين﴾ أي: تقلبك من أصلاب طاهرة، من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيًّا، فكان نور النبوة ظاهرًا في آبائه، ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصًّا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده نهاية، فيزول عنه أن يشارك فيه، ويماثل فيه، فلذلك مات عنه أبواه في صغره، فأما أبوه فمات وهو حمل، وأما أمه فماتت وهو ابن ست سنين، وإذا خبرت حال نسبه، وعرفت طهارة مولده، علمت أنه من سلالة آباء كرام، ليس في آبائه مسترذل، ولا مغموز مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة"١. ويقول الشهرستاني: "ظهر نور النبي ﷺ في أسارير عبد المطلب بعض الظهور، وببركة ذلك النور ألهم النذر في ذبح ولده، وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك

стр. 134

ففكر وقال: والله إن وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسيء بإساءته، وببركة ذلك النور قال لأبرهة: إن لهذا البيت ربا يحفظه"١. ومع سلامة النسب النبوي وأصالته أرى توضيح أمرين: الأمر الأول: يتصل بتوحيد آباء النبي ﷺ ؛ لأن منهم من عاصر الأنبياء، ومنهم من كان بعيدا عنهم، أما من كان نبيا أو عاصر نبيا، فإنه كان على التوحيد الخالص الواضح الذي جاء من عند الله تعالى، بكل ما يلزمه من اعتقاد وشريعة وأخلاق، أما من بعد منهم عن زمن الأنبياء فإنه كان على توحيد يبعده عن تأليه الصنم وعبادته، مع غياب تعاليم الرسالة السابقة؛ ولذلك لم يكن لهم دين واضح بتعاليمه وتفصيلاته. إنهم لم ينغمسوا في الشرك، ولم يكونوا سدنة الأصنام، ولا كهنة الآلهة، مع ما لهذه الأعمال من أهمية في الحياة الجاهلية، ومع منزلتهم في قبائل مكة، التي تمكنهم من الحصول على ما يريدون، ولو كانوا من الكهنة ما منعهم أحد، لكن الله أنقذهم منها. إن بعدهم الزمني عن رسالات الله أنساهم كثيرا من الحقائق الدينية، شأنهم في ذلك شأن الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام، ورأوا ضرورة وجود إله واحد قدير، واهتموا في البحث عن دين إبراهيم ﵇؛ ولذلك لم تكن لآباء النبي ﷺ دعوة دينية، ولم يقوموا بنشر عقيدتهم في الناس، إلا أن الله أكرمهم بالتوحيد، وخصهم بالخيرية، وفضلهم على الناس، ليذكر الرسول بهم، وحتى لا تلحقه منقصة بسببهم، يعيره بها المشركون والكافرون. الأمر الثاني: أهل الفترة وآباء النبي: يراد بالفترة المدة الزمنية بين رسولين، وبخاصة إذا طالت المدة، وغابت تعاليم الرسول السابق كليا أو جزئيا.

стр. 135

ودرس العلماء والفقهاء أحكام أهل الفترة؛ لأنهم بعدوا عن الرسالة السابقة، ولم تأتهم رسالة جديدة، وهذا حال يرفع عنهم المسئولية أمام الله تعالى عند جمهور العلماء. والعرب من الأمم التي طالب الفترة بهم، ولم يأتهم رسول منذ إسماعيل ﵇، يبين الله ذلك لمحمد ﷺ : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ ١. وصلة هذا المبحث بآباء النبي ﷺ تلمس الإنصاف لهم؛ لأن آباءه القريبين ابتداء من كلاب لم يكن لهم دور ديني واضح، مع ثبوت عدم تأليههم للأصنام، وسبب ذلك أنهم كانوا من أهل الفترة التي لا وجود فيها لدعوة دينية.. وأقصى ما كانوا فيه أنهم من الحنفاء الموحدين، الباحثين عن الحقيقة، التي تجلت أمامهم بمبعث النبي ﷺ . يذهب جمهور العلماء إلى أن أهل الفترة ناجون؛ لأنه لا تكليف قبل البعثة بدلالة الآيات التالية: يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢ والآية أساس للجمهور الذين يرون أن وصول الرسالة إلى الناس شرط للمسئولية، يقول قتادة: "إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبر، أو تأتيه من الله بينة"٣. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ والآية واضحة في ثبوت العذر لأهل الفترة على عدم إيمانهم، ودلالتها على ضرورة تبليغ الدعوة على وجهها الصحيح عن طريق رسول الله، أو بواسطة من يكلفه من الدعاة.

стр. 136

وعلى هذا فآباء النبي ﷺ القريبون كانوا من الحنفاء، على أقل تقدير، وليس بضروري أن يكونوا على رسالة دينية كاملة "عقيدة وشريعة"، وأما الأبوان الشريفان فهما من أهل الفترة بإجماع؛ لتأخر زمانهما، وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين١، فآخر نبي بعث للعرب هو إسماعيل، وبينه وبين محمد ﷺ ثلاثة آلاف سنة، ولم يعمرا طويلا، وكان العرب في جهل بالنسبة للرسالة لدرجة أنهم تعجبوا حين بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ وقالوا ما حكاه الله تعالى: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢، وقالوا أيضا ما حكاه الله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٣، وقد صور الله تعالى أحوالهم متعجبا فقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُون﴾ ٤. وهذا محمد ﷺ لما حبب إليه الخلاء، كان يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، وكانت عبادته على ما بقي من دين إبراهيم وإسماعيل ﵉؛ إذ لا سبيل له إلى غير ذلك. إن تباعد الزمان بين رسالة إسماعيل ﵇ وآباء النبي القريبين غيب عنهم حقيقة رسالة الله بكمالها وتمامها؛ ولكنهم تمسكوا بما أبقاه الله بينهم، فلم يعبدوا غير الله، ولم يشركوا معه إلها آخر. ومن هنا نرى أن توحيد الحنفاء كافٍ في القول بإيمان آباء رسول الله ﷺ .

стр. 137

المسألة الثالثة: صلة بني هاشم بسائر بطون العرب تعرف أسرة النبي ﷺ بالأسرة الهاشمية نسبة إلى هاشم بن عبد مناف، وهي أسرة عربية يمتد نسبها إلى إبراهيم ﵇. فرسول الله ﷺ واحد من العرب يتصل مع كل عربي بنسب وصلة؛ لأنهم جميعا أبناء إسماعيل، وعروبة النبي ثابتة موطنا وجنسا ولغة. يقول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ ١، وفي هذا بيان لقرية النبي ﷺ التي أخرج منها، وهي مكة، موطنه الذي أجبر على تركه، والهجرة منه إلى يثرب، المدينة التي نورت بهجرته ﷺ إليها، يقول قتادة وابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة إلى المدينة التفت إلى مكة وقال: "اللهم إنك أحب البلاد إلى الله، وأنت أحب البلاد إليَّ، ولولا المشركون أهلك أخرجوني ما خرجت منك" ٢. ويقول تعالى: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ٣، ويقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّي﴾ ٤، وعلى هذا فالنبي أمي، أي عربي؛ لأن الأمية صفة ومسمى للعرب قبل المبعث في مقابل أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل٥. وجاء الإسلام بلغة العرب، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦، ويقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ ٧، فهذه العروبة

стр. 138

الثابتة لرسول الله تؤكد قرابته العامة لكل عربي، وتؤيد التقاءه مع كل منهم في نسب بعيد أو قريب. وقد وضح ابن حزم الأسباب النسبية التي ربطت النبي ﷺ بقبائل العرب جميعا، فقال: "وفي عبد المطلب يجتمع معه ﵇: بنو علي، وجعفر، وعقيل -بني أبي طالب- وبنو العباس، وبنو الحارث، وبنو أبي لهب. وفي عبد مناف يجتمع معه: بنو أمية، وسائر بني عبد شمس، وبنو المطلب، وبنو نوفل، وبنو عبد المطلب. وفي قصي يجتمع معه: بنو عبد العزى، وبنو عبد الدار، الذين منهم حجبة الكعبة. وفي كلاب يجتمع معه: بنو زهرة، وأمه منهم، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. وفي مرة يجتمع معه: بنو تيم بن مرة، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة. وفي كعب يجتمع معه: بنو عدي، وبنو جمح، وبنو سهم. وفي لؤي يجتمع معه: بنو عامر بن لؤي. وفي غالب يجتمع معه: بنو تيم الأدرم. وفي فهر يجتمع معه: بنو الحارث، وبنو محارب، وفهر هذا هو أبو قريش كلها، من لم يكن من ولده فلا نسب له في قريش، ومن كان من ولد فهر فهو قرشي. وفي كنانة يجتمع معه: كل من ينتمي إلى كنانة من بني عبد مناة، وملك، وملكان، وحدال، وعمرو بن كنانة. وفي خزيمة يجتمع معه: بنو أسد، والقارة، وهم بنو الهون بن خزيمة.

стр. 139

وفي مدركة يجتمع معه: بنو هذيل. وفي إلياس يجتمع معه: بنو تميم وإخوتهم، وبنو ضبة، ومزينة، والرباب، وخزاعة، وأسلم، فأما الرباب فهم: تيم، وعدي، وثور، وعكل. وفي مضر يجتمع معه: قبائل قيس كلها: سليم، ومازن، وفزارة، وعبس، وأشجع، ومرة، وسائر بني ذبيان، وغطفان، وعقيل، وقشير، والحريش، وجعدة، والعجلان، وكلاب، والبكاء، وهلال، وسواءة، وبنو جشم، وبنو نصر، وثقيف، وسعد، وسائر هوازن، ومحارب، وعدوان، وفهم، وباهلة، وغني، والطفاوة، وسائر قيس. وفي نزار يجتمع معه: قبائل ربيعة، وهم: بكر، وتغلب، وعنز بني وائل، وعبد القيس وقبائلها، وعنزة، والنمر بن قاسط. وفي معد يجتمع معه: إياد. وفي عدنان يجتمع معه: بنو عك"١. هذه واحدة.. وأخرى وهي أن جميع بطون مكة قبيل البعثة كانت ترتبط ببني هاشم بقرابة ورحم، فعن ابن عباس: "أن النبي ﷺ لم يكن بطن من بطون قريش إلا وله فيه قرابة"٢، وبسبب هذه القرابة نرى القرآن الكريم يكرر في معرض دعوته لأهل مكة أن الرسول "منكم" و"من أنفسكم" و"منهم" يقول تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ ٤.

стр. 140

ويقول: ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُم﴾ ١، فالرسول ﷺ منهم، وهم أقرباؤه، ومع ذلك فدعوته للعالم كله، وعليهم أن يؤمنوا به ليؤكدوا تشرفهم بحمل الرسالة، وتبليغها للعالمين. إن بطون قريش يرتبطون بقرابة مع رسول الله فهم أخواله وأعمامه، وله منهم عمات وخالات، كما يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ٢ ودلالة هذه الآية صريحة في وجود أعمام وأخوال وعمات وخالات له ﷺ في مكة، وأنه ﷺ تزوج من بناتهم المهاجرات بعد الهجرة، وبالبحث في زوجات النبي ﷺ القرشيات نجد أنهن لسن من بني هاشم، ولكنهن من بقية بطون مكة.. فعائشة من بطن "تيم"، وتلتقي برسول الله في جده مرة. وحفصة من بطن "عدي"، وتلتقي برسول الله في جده كعب. وأم حبيبة من بطن "بني أمية"، وتلتقي برسول الله في جده عبد مناف. وأم سلمة من بطن "بني مخزوم"، وتلتقي برسول الله في جده كلاب. وسودة من بطن "بني عامر"، وتلتقي برسول الله في جده لؤي. وزينب من بطن "بني أسد"، وتلتقي برسول الله في جده خزيمة. وهذا يثبت القرابة القريبة لرسول الله مع بطون مكة جميعا، فهم أعمام وعمات وأخوال وخالات أقرباء لمحمد ﷺ . إن قرابة النبي ﷺ لبطون مكة تعود لعدة أجيال قديمة، وهي حقيقة لا شك فيها.

стр. 141

وقد تحدث القرآن عن هذه القرابة في مجال حث أهل مكة على الإيمان؛ حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ١. فهي تشير إلى القرابة المعروفة بين رسول الله ﷺ وأهل مكة، والتي يجب أن تدفعهم إلى الإيمان بالإسلام أداء لحق المودة، والقرابة مع رسول الله ﷺ . ويقول تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢.. والآية تتضمن -كما هو ظاهر- دلالة قاطعة على أن النبي ﷺ كان له في مكة عشيرة، أو بطن خاص يلتحم به التحام القرابة العصبية المباشرة، مع التحام هذا البطن الخاص بوشائج القربى مع سائر بطون قريش، والقرائن القرآنية مضافة إلى أخبار السيرة والروايات، تدل على أن هذا البطن الخاص كان ذا مكانة محترمة، وملك جانبا عزيزا بين الناس. لقد أمر النبي ﷺ كثيرا من المسلمين بالهجرة من مكة إلى الحبشة بسبب ما نالهم من اضطهاد قريش، لمتابعتهم النبي ﷺ وعدم وجود من يحميهم وينصرهم، في حين أن النبي ﷺ ومعه غيره من رجالات المسلمين القرشيين لم يهاجروا، وظل يقوم بدعوته قويا صريحا واضحا في الإنكار والتخويف والإنذار بلسان القرآن، معتمدا على الله تعالى الذي جعل له من أقربائه أنصارا، مع أنهم لم يؤمنوا بالإسلام٣.

стр. 142

وفي نهاية هذا المبحث أجد شبهة تستحق أن نرد عليها، فلقد عرض الدكتور/ محمود علي مراد لأحداث السيرة في المرحلة المكية في رسالته للدكتوراه، ورأى أن أغلب مروياتها وضع تمجيدا لبني هاشم، أجداد العباسيين، الذين دونت السيرة في عهدهم؛ ولذلك جاءت أحداث سيرة ابن إسحاق وبخاصة في الفترة المكية تمجيدا لبني هاشم خدمة للعباسيين على حساب الأمويين أعدائهم. ويرى أن النصوص التي تصور عبد المطلب مؤمنا غير صحيحة، ولا تتناسب مع بعض الشواهد التي ذكرها الدكتور في مؤلفه، فقصة حفر عبد المطلب لزمزم، ومواجهته لأبرهة، وإصراره على الوفاء بنذره، بذبح أحد أبنائه العشرة. هذه الأحداث يردها الدكتور، ويستدل في ردها برضى عبد المطلب على وضع الأصنام حول الكعبة، وعدم قيام عبد المطلب بدعوة دينية في قومه، وتسميته أحد أبنائه بـ"عبد العزى"، وجحود أبنائه الديني؛ حيث لم يؤمن أحدهم بمحمد إلا بعد ثلاث سنوات من البعثة١، مما يدل على عدم توجيههم دينيا. ونحن لا نرتضي ما ذهب إليه الدكتور لما يلي: ١- التشكيك في راوي السيرة "ابن إسحاق" غير صحيح، فهو من رواة السنة، وأحاديثه ورواياته مقبولة، وقد وثقه علماء الجرح والتعديل٢.

стр. 143

٢- لأجداد الأمويين والعباسيين أمجاد ومزايا، فلِمَ نتهم ابن إسحاق بروايته أمجاد العباسيين مع أن إيرادهم هنا مع أحداث السيرة ضرورة علمية لما لهم من صلة مباشرة بصاحب السيرة رسول الله ﷺ ؟!! ولِمَ لَمْ نفهم سبب سكوته عن أمجاد الأمويين، مع أن مجال الدراسة بعيد عنهم، ولم يشر ابن إسحاق إلى الأمويين بأي سوء؟! ٣- رد الأحاديث المروية اعتمادا على العقل وحده لا يكفي؛ لأن إيمان عبد المطلب لم يكن بصورته التامة، فهو يشبه الحنفاء كما قلنا.. لكن الدكتور يتصوره رسولا، وينقد على هذا الأساس. ٤- تشكك ابن هشام في صحة القصائد التي عزاها ابن إسحاق إلى بنات عبد المطلب، وقد أبرز الدكتور هذا التشكيك، واستشهد به، فلم اعتبر ابن هشام صادقا هنا وغير صادق في مروياته الأخرى عن عبد المطلب؟!

стр. 144

المبحث الثاني: إرهاصات الميلاد والرأي فيها الإرهاص أمر خارق للعادة يظهره الله قبيل مبعث نبي ما، وهو يختلف عن خوارق العادات الأخرى؛ لأن المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة تصديقا له، والكرامة تظهر على يد عبد صالح تكريما له، والمعونة تظهر لعبد صالح معونة له. وقد أورد مؤرخو السيرة المحمدية عددا من الإرهاصات ذكروا أنها وقعت عند ولادته ﷺ . من هذه الإرهاصات: ما رواه محمد بن إسحاق عن حسان بن ثابت، قال: "والله إني لغلام يفعة، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت؛ إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بـ"يثرب": يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك؟! ما لك؟! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به"١. وعن أسامة بن زيد قال: "قال زيد بن عمرو بن نفيل، قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه، واتبعه"٢. ما رواه ابن سعد بسنده عن ابن عباس أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به -تعني رسول الله ﷺ فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها، ورفع

стр. 145

رأسه إلى السماء، وقالت أيضا: لما ولدته خرج مني نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفا، ولدته كما يولد السخل ما به قذر، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيده"١. ويروي ابن سعد أيضا أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقوم خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادهم، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك، فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك من مرازبته فجمعهم، ولبس تاجه، وجلس على سريره، ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده. قال: أتدرون فيمَ بعثت إليكم؟! قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك. فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى، وما هاله. فقال الموبذان: وأنا -أصلح الله الملك- قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص علي رؤياه في الإبل، فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب -وكان أعلمهم من أنفسهم- فكتب عند ذلك كتابا: من كسرى ملك الملوك، إلى النعمان بن المنذر، أما بعد، فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة النسائي، فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ فقال: لتخبرني أو ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلم.
следующие страницы →