← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد تحدث القرآن عن هذه القرابة في مجال حث أهل مكة على الإيمان؛ حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ١. فهي تشير إلى القرابة المعروفة بين رسول الله ﷺ وأهل مكة، والتي يجب أن تدفعهم إلى الإيمان بالإسلام أداء لحق المودة، والقرابة مع رسول الله ﷺ . ويقول تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢.. والآية تتضمن -كما هو ظاهر- دلالة قاطعة على أن النبي ﷺ كان له في مكة عشيرة، أو بطن خاص يلتحم به التحام القرابة العصبية المباشرة، مع التحام هذا البطن الخاص بوشائج القربى مع سائر بطون قريش، والقرائن القرآنية مضافة إلى أخبار السيرة والروايات، تدل على أن هذا البطن الخاص كان ذا مكانة محترمة، وملك جانبا عزيزا بين الناس. لقد أمر النبي ﷺ كثيرا من المسلمين بالهجرة من مكة إلى الحبشة بسبب ما نالهم من اضطهاد قريش، لمتابعتهم النبي ﷺ وعدم وجود من يحميهم وينصرهم، في حين أن النبي ﷺ ومعه غيره من رجالات المسلمين القرشيين لم يهاجروا، وظل يقوم بدعوته قويا صريحا واضحا في الإنكار والتخويف والإنذار بلسان القرآن، معتمدا على الله تعالى الذي جعل له من أقربائه أنصارا، مع أنهم لم يؤمنوا بالإسلام٣.

стр. 142

وفي نهاية هذا المبحث أجد شبهة تستحق أن نرد عليها، فلقد عرض الدكتور/ محمود علي مراد لأحداث السيرة في المرحلة المكية في رسالته للدكتوراه، ورأى أن أغلب مروياتها وضع تمجيدا لبني هاشم، أجداد العباسيين، الذين دونت السيرة في عهدهم؛ ولذلك جاءت أحداث سيرة ابن إسحاق وبخاصة في الفترة المكية تمجيدا لبني هاشم خدمة للعباسيين على حساب الأمويين أعدائهم. ويرى أن النصوص التي تصور عبد المطلب مؤمنا غير صحيحة، ولا تتناسب مع بعض الشواهد التي ذكرها الدكتور في مؤلفه، فقصة حفر عبد المطلب لزمزم، ومواجهته لأبرهة، وإصراره على الوفاء بنذره، بذبح أحد أبنائه العشرة. هذه الأحداث يردها الدكتور، ويستدل في ردها برضى عبد المطلب على وضع الأصنام حول الكعبة، وعدم قيام عبد المطلب بدعوة دينية في قومه، وتسميته أحد أبنائه بـ"عبد العزى"، وجحود أبنائه الديني؛ حيث لم يؤمن أحدهم بمحمد إلا بعد ثلاث سنوات من البعثة١، مما يدل على عدم توجيههم دينيا. ونحن لا نرتضي ما ذهب إليه الدكتور لما يلي: ١- التشكيك في راوي السيرة "ابن إسحاق" غير صحيح، فهو من رواة السنة، وأحاديثه ورواياته مقبولة، وقد وثقه علماء الجرح والتعديل٢.

стр. 143

٢- لأجداد الأمويين والعباسيين أمجاد ومزايا، فلِمَ نتهم ابن إسحاق بروايته أمجاد العباسيين مع أن إيرادهم هنا مع أحداث السيرة ضرورة علمية لما لهم من صلة مباشرة بصاحب السيرة رسول الله ﷺ ؟!! ولِمَ لَمْ نفهم سبب سكوته عن أمجاد الأمويين، مع أن مجال الدراسة بعيد عنهم، ولم يشر ابن إسحاق إلى الأمويين بأي سوء؟! ٣- رد الأحاديث المروية اعتمادا على العقل وحده لا يكفي؛ لأن إيمان عبد المطلب لم يكن بصورته التامة، فهو يشبه الحنفاء كما قلنا.. لكن الدكتور يتصوره رسولا، وينقد على هذا الأساس. ٤- تشكك ابن هشام في صحة القصائد التي عزاها ابن إسحاق إلى بنات عبد المطلب، وقد أبرز الدكتور هذا التشكيك، واستشهد به، فلم اعتبر ابن هشام صادقا هنا وغير صادق في مروياته الأخرى عن عبد المطلب؟!

стр. 144

المبحث الثاني: إرهاصات الميلاد والرأي فيها الإرهاص أمر خارق للعادة يظهره الله قبيل مبعث نبي ما، وهو يختلف عن خوارق العادات الأخرى؛ لأن المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة تصديقا له، والكرامة تظهر على يد عبد صالح تكريما له، والمعونة تظهر لعبد صالح معونة له. وقد أورد مؤرخو السيرة المحمدية عددا من الإرهاصات ذكروا أنها وقعت عند ولادته ﷺ . من هذه الإرهاصات: ما رواه محمد بن إسحاق عن حسان بن ثابت، قال: "والله إني لغلام يفعة، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت؛ إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بـ"يثرب": يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك؟! ما لك؟! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به"١. وعن أسامة بن زيد قال: "قال زيد بن عمرو بن نفيل، قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه، واتبعه"٢. ما رواه ابن سعد بسنده عن ابن عباس أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به -تعني رسول الله ﷺ فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها، ورفع

стр. 145

رأسه إلى السماء، وقالت أيضا: لما ولدته خرج مني نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفا، ولدته كما يولد السخل ما به قذر، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيده"١. ويروي ابن سعد أيضا أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقوم خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادهم، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك، فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك من مرازبته فجمعهم، ولبس تاجه، وجلس على سريره، ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده. قال: أتدرون فيمَ بعثت إليكم؟! قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك. فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى، وما هاله. فقال الموبذان: وأنا -أصلح الله الملك- قد رأيت في هذه الليلة رؤيا، ثم قص علي رؤياه في الإبل، فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب -وكان أعلمهم من أنفسهم- فكتب عند ذلك كتابا: من كسرى ملك الملوك، إلى النعمان بن المنذر، أما بعد، فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة النسائي، فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ فقال: لتخبرني أو ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلم.

стр. 146

فأخبره بالذي وجه به إليه فيه. قال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له: سطيح. قال: فائته فأسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، فسلم عليه وكلمه، فلما سمع سطيح قوله، رفع رأسه يقول: عبد المسيح، على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساواة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته١. والإرهاصات التي ذكرها مؤرخو السيرة عديدة، وكلها تشير إلى حدوث أمر جديد يتأثر به العالم كله، ويصل خبره ونفعه إلى كل مكان في أرض الله تعالى. أدرك من شاهد هذه الإرهاصات أو بعضها حدوث هذا التغيير، لكنه لم يرتبط في أذهانهم بالمولود الجديد، اللهم إلا نفر قليل من أهل الكتاب الذين كانوا يقرءون الكتاب، ويرون صفة رسول الله، الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وسار العلماء القدامى على تصديق كل أثر صح سنده، فلم يبحثوا عن علة الأثر أو غايته؛ لأنهم رأوا أن من الأخبار ما هو متصل بأمر خارق للعادة، لا يصل العقل إلى كنهه وحقيقته، مما جعلهم يقفون عند حد ثبوت النص وتصديقه والعمل به، ورأينا العلماء القدامى يروون إرهاصات النبوة في مؤلفاتهم ودروسهم ولم يعلقوا عليها، مما يدل على أنهم راضون عنها، سعداء بذكرها.

стр. 147

إلا أننا في العصر الحديث وجدنا عددا من المستشرقين والمسلمين الذين كتبوا في السيرة، يرفضون الإرهاصات باسم العلم والعقل من غير نظر إلى السند، أو مصدر رواية الحدث. فمنهم مَن رفض هذه الإرهاصات بحجة أن الإسلام لا يحتاج إليها في حركته وانتشاره؛ لأنه يحمل عوامل التصديق به في ذاته، كما أن هذه الإرهاصات لم تؤدِّ إلى إسلام أحد، ولم تكن دليلا على صدق الرسالة يوم بعث محمد ﷺ ، وأيضا فلقد ولد مع النبي ﷺ في يوم مولده غيره، ومن الممكن أن يدعي أهل هؤلاء الأبناء وقومهم أن هذه الإرهاصات بسبب ميلاد أبنائهم. إن هذا الفريق لا يصرح بكذب الإرهاصات، ولا يقول بها؛ لأنها لا تمثل أمامه فائدة تذكر للدعوة الإسلامية. يقول عباس العقاد: علامات الرسالة الصادقة هي عقيدة تحتاج إليها الأمة، وهي أسباب تتمهد لظهورها، وهي رجل يضطلع بأمانتها في أوانها، فإذا تجمعت هذه العلاقات فماذا يلجئنا إلى علامة غيرها؟.. وإذا تعذر عليها أن تتجمع فأي علامة غيرها تنوب عنها أو تعوض ما نقص منها؟ وقد خلق محمد بن عبد الله ليكون رسولا مبشرا بدين، وإلا فلأي شيء خلق؟ ولأي عمل من أعمال الحياة ترشحه كل هاتيك المقدمات والتوفيقات وكل هاتيك المناقب والصفات؟.. إن المؤرخين يجهدون أقلامهم غاية الجهد في استقصاء بشائر الرسالة المحمدية يسردون ما أكده الرواة منها وما لم يؤكدوه، وما قبله الثقات منها وما لم يقبلوه، وما أيدته الحوادث أو ناقضته، وما وافقته العلوم الحديثة أو عارضته، ويتفرقون في الرأي والهوى بين تفسير الإيمان، وتفسير العِيَان، وتفسير المعرفة، وتفسير الجهالة. فهل يستطيعون أن يختلفوا لحظة واحدة في آثار تلك البشائر التي سبقت الميلاد، أو صاحبت الميلاد حين ظهرت الدعوة، واستفاض أمر الإسلام؟..

стр. 148

لا موضع هنا لاختلاف، فما من بشارة قط من تلك البشائر كان لها أثر في إقناع أحد بالرسالة يوم صدع النبي ﷺ بالرسالة. ولم يكن ثبوت الإسلام متوقفا عليها؛ لأن الذين شهدوا العلامة المزعومة يوم الميلاد لم يعرفوا يومئذ مغزاها ومؤداها، ولا عرفوا أنها علامة على شيء، أو على رسالة ستأتي بعد أربعين سنة، ولأن الذين سمعوا بالدعوة، وأصاخوا إلى الرسالة بعد البشائر بأربعين سنة لم يشهدوا بشارة واحدة منها، ولم يحتاجوا إلى شهودها لؤمنوا بصدق ما سمعوه واحتاجوا إليه. وقد ولد مع النبي ﷺ أطفال كثيرون في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا جاز للمصدق أن ينسبها إلى مولده جاز للمكابر أن ينسبها إلى مولد غيره، ولم تفصل الحوادث بالحق بين المصدقين والمكابرين، إلا بعد عشرات السنين، يوم أتت الدعوة بالآيات والبراهين، غنية من شهادة الشاهدين، وإنكار المنكرين، أما العلامة التي لا التباس فيها، ولا سبيل إلى إنكارها، فهي علامة الكون، وعلامة التاريخ، قالت حوادث الكون: إن الدنيا في حاجة إلى رسالة، وقالت حقائق التاريخ: محمد ﷺ هو صاحب تلك الرسالة، ولا كلمة لقائل بعد علامة الكون، وعلامة التاريخ؟ ١. ومنهم مَن رأى ضرورة عرض هذه الإرهاصات على العقل، فهو ميزان القبول والرفض لأي قول، في إطار الأسس العلمية، التي أخذوها من المستشرقين؛ حيث يعتمدون على العقل اعتمادا كاملا في إدراك كل شيء. وحتى تظهر النظرة العقلية في صورة الحياد العلمي عند أصحاب هذه الاتجاه نراهم يعرضون المرويات على القرآن الكريم أحيانا، فما اتفق معه منها قُبل، وما لم يتفق فمصيره الرفض وعدم القبول، مع أن القرآن يتحدث عن الخوارق المعجزة وغيرها.

стр. 149

وعلى أساس فكرهم هذا رفضوا كثيرا من الإرهاصات، كما رفضوا كثيرا من أحداث السيرة لخروجها على عادة العقل، وسكوت القرآن عنها، ولربما جاءوا لموضعها في القرآن الكريم وأولوه، بما يؤيد موقفهم الرافض لمرويات السيرة والتاريخ، وذلك كموقفهم من شق الصدر وغيرها. وحين ننظر إلى هؤلاء ندرك الفرق بينهم، فكلاهما يرفض إلارهاصات المروية، إلا أنهما يختلفان في سبب الرفض؛ حيث يذهب الفريق الأول في سبب رفضه إلى عدم فائدتها للدعوة، بينما الفريق الثاني ينكر وجودها لعدم تسليم العقل بها. وقبل أن نرد عليهم أشير إلى أن أحداث هذه الإرهاصات جاءت على غير ما ألفه الناس، وأقل ما تتركه في عقولهم البحث عن فاعلها، وعن أسباب وقوعها بهذه الصورة الخارقة، وهذا كافٍ في توجيه أنظارهم إلى التفكير والتدبر، وإن لم يصلوا لشيء. إن الفريقين على خطأ فيما ذهبا إليه لأسباب كثيرة أهمها: أولا: ضرورة التفريق بين الجانب العقلي والصورة النبوية؛ لأن النبوة وحي مستمد من الله تعالى، وقدرة الله تعالى مطلقة، تعلو كثيرا عن نطاق العقل البشري وطاقته. وإذا كانت النبوة محاطة بخوارق العادات، فكيف تدرك حقائق هذه الخوارق بالعقل المحدود. لقد حاول كفار مكة مواجهة النبوة بعقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١ وحجتهم فيما طلبوه أن النبوة رئاسة وقيادة، وجدير بها العظماء المشهورون بالغنى والجاه والسطوة؛ ولذلك طلبوها لأحد عظماء مكة أو الطائف.

стр. 150

ولو عرضنا هذا المنطق على العقل وحده لكان منطقا مسلما، فالعظيم بماله يعطي ويسود، وبجاهه يأمر ويطاع، وبقوته وسطوته يوجه ويسيطر ويحكم. أما لو عرضناه على منطق النبوة والوحي فإن الأمر يختلف كما قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١. إن النبوة رحمة الله تعالى يعطيها لمن اصطفاه واختاره، ولا دخل للعقل فيها؛ لأن العقل محدود التصور، محدود الإدراك، فكيف له أن يتدخل في رحمة الله وعطائه بالرأي والتوزيع والنقد؟!!.. إن العقل يعجز في إدراك شأن صاحبه، ولا يستطيع له أمرا، فأمور الدنيا تجري بقدر الله تعالى، ولا يمكن لإنسان أن يخرج عن هذه القدرة الإلهية. إن الغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، والصحة والمرض، والتيسير والتعسير.. كل ذلك وغيره قدر لا دخل للإنسان فيه.. فأين العقل إذن في هذه المجالات؟!.. إن القدر الإلهي قد يرفع إنسانا ويعطيه، وحينئذ يستخدم كثيرا من العقلاء الموهوبين، ومع أن حظه في العبقرية قليل، مما يدل على أن الأمر بيد الله رب العالمين. إن العقل البشري قد يتصور العظمة في الأمور الظاهرة، كالغنى والوظيفة والسلطان، وتثبت الأيام والتجارب أن العظمة الحقيقية في الجوانب المعنوية، المستورة التي يعلمها الله تعالى وحده؛ ولذلك كانت النبوة قدرا إلهيا ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ .

стр. 151

لقد استعمل القرشيون عقلهم أيضا أمام الوحي، والقدرة الإلهية في حادثة الإسراء والمعراج، وأنكروا على رسول الله ﷺ ما قاله لهم، وقالوا له: أنضرب لها الأكباد الإبل شهرا وتزعم أنك تأتيها في ليلة واحدة؟!.. لقد أملى عليهم عقلهم استحالة ما سمعوه من رسول الله؛ لأن العقل لا يسلم أبدا بأن يسافر إنسان ما في زمان النبوة والبعثة، من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ويعود في ليلة واحدة، ونسوا أن الذي أسرى برسول الله هو قدر الله تعالى، والفاعل هو الله، يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، والنبي ﷺ يقول: "أُسري بي الليلة" ٢، ولم ينسب الفعل لنفسه. إن أصل الخلاف بين الرسول وأهل مكة في هذه الحادثة هو مصدر الفعل والتصور، فأهل مكة يعتمدون على عقولهم، بينما الرسول ينطلق من الوحي والنبوة. لقد ذهب الكفار إلى أبي بكر ﵁ ليكون معهم في تصورهم العقلي وينكر معهم الإسراء والمعراج.. لكنه ﵁ بمنطق الإيمان بالنبوة والرسالة يرد عليهم قائلا: إن قال فقد صدق، إنه يخبرني أن الوحي يأتيه من السماء في لحظة وأنا معه فأصدقه، أفلا أصدقه هنا؟! إن البعض قد يتصور أن الإيمان أبي بكر في شأن حادثة الإسراء والمعراج وغيرها قد بني على غير تفكير، أو على أساس الإيمان فقط، وهذا تصور خاطئ، إنه قد علَّم الجميع درسا فائقا، في كيفية استعمال العقل، وحدوده التي لا ينبغي له أن يتجاوزها.

стр. 152

إن العقل له أن يفكر في قول الرسول إنه رسول، فإذا ثبت لديه صدق الرسول فالنتيجة الحتمية الموافقة لأي منهج عقلي، أن يؤمن بكل ما صدر عن ذلك الرسول، بدون تدخل للعقل؛ لأن الرسالة مستمدة من الله ، وقدرة الله صالحة لكل فعل خالف العقل أو توافق معه، وذلك هو جوهر القياس العقلي الذي أجراه أبو بكر أمام المشركين، لقد قال لهم: إنه يقول لي: إن الخبر يأتيه من السماء في لحظة فأصدقه، فأي غرابة في منطق العقل والعلم أن يصدقه بعد ذلك في أنه قد أسري به إلى بيت المقدس ما دامت القدرة التي أنجزت هذا الفعل هي قدرة الله . فليخجل أتباع المدرسة العقلية من أنفسهم، وليتعلموا ذلك الدرس العظيم على يد أبي بكر في كيفية استخدام العقل١. يقول ابن عطاء الله السكندري: زار بعض السلاطين ضريح أبي يزيد ﵁ وقال: هل هنا أحد ممن اجتمع بأبي يزيد؟ فأشير إلى شيخ كبير في السن كان حاضرا هناك. فقال له: هل سمعت شيئا من كلام أبي يزيد؟ فقال: نعم سمعته يقول: "من زارني لا تحرقه النار". فاستغرب السلطان ذلك الكلام، فقال: كيف يقول أبو يزيد ذلك، وأبو جهل رأى النبي ﷺ وتحرقه النار؟ فقال ذلك الشيخ للسلطان: أبو جهل لم يرَ النبي ﷺ ، إنما رأى "يتيم أبي طالب"، ولو رآه ﷺ رسولا لم تحرقه النار. ففهم السلطان كلامه، وأعجبه هذا الجواب منه، أي: إنه لم يره بالتعظيم والإكرام والأسوة واعتقاد أنه رسول الله، ولو رآه بهذا المعنى لتغير حاله، لكنه رآه باحتقار، واعتقاد أنه "يتيم أبي طالب"، فلم تنفعه تلك الرؤية.

стр. 153

وما كان المستشرقون في تركيزهم على بشرية الرسول إلا متابعين في ذلك لهذه النزعة، وكل من يركز على بشرية الرسول من الكُتَّاب المسلمين إنما هو بذلك يتابع المستشرقين والمبشرين في هذه النزعة، أو يتابع أبا جهل، وهم في ذلك ليسوا تقدميين ولا تطوريين، وإنما هم من الرجعيين حيث ترجع فكرتهم إلى ما قبل خمسة عشر قرنا مضت، وينزعهم فيها أبو الجهل كله، وأبو الظلمة القلبية كلها!!! ليس هناك إذن اجتهاد وخطأ وصواب، وإنما هناك تصرفات تصدر عن الكرم والرحمة، فيتحدث الله مبينا طبيعة رسوله الكريمة، فطرته الرحيمة، ورأفته الواضحة، ويبين في الوقت نفسه: أن بعض هؤلاء الذين فاضت عليهم هذه الرحمة ليسوا جديرين بها، وليسوا أهلا لها، لفساد طويتهم وسوء نواياهم. ومن الحقائق المعروفة: أن الإنسان يميل إلى التركيز على "بشر" أو على "يوحى إلي" حسب قوة شعوره الديني وضعفه، فالذي لا إيمان له لا يرى إلا البشرية والعقل والمنهج الوضعي، ومن ضعف إيمانه يركز على البشرية، ويخفف التركيز على البشرية كلما قوي الإيمان، ويزداد التركيز على: "يوحى إلي" كلما ازداد الإيمان حتى يصل الإنسان إلى مستوى ألا يرى، أو يكاد يرى إلا "يوحى إلي".. وهناك إذن طرفان يمثلان فريقين من الناس، طرف "بشرا" أو ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وطرف ﴿يُوحِي إِلَيَّ﴾ أو "رسولا"، وبين الطرفين يتأرجح عدد لا يحصى من المسلمين نزولا وارتفاعا، وانخفاضا وسموا. إن مقياس الإيمان قوة وضعفا، ومقياس درجة الإيمان الذي لا يخطئ، إنما هو ما وقر في القلب، أو غلبه عليه من "البشرية" أو من "يوحى إلي" إنهما يمثلان ما يوضع في كفتي ميزان. إن النبوة اصطفاء إلهي، واختيار رباني، لا يدرك سرها إلا القادر العظيم، ومن الضروري أن توضع في موضعها، ويقف العقل عند حده، وبذلك يتميز جانب

стр. 154

النبوة عن جانب البشرية في التصور الإنساني. ثانيا: التفرقة بين الجانب الإلهي والجانب البشري تكريم للإنسان واحترام للعقل؛ لأن الإنسان إن أدرك حقيقة ذاته وعرف حقوقه وواجباته، وتمكن من القيام بما هو مسئول عنه، ونال ما هو محتاج إليه في كمال ودقة، كان هذا تكريما له. وحينما يكلف العقل بما هو ممكن، وحينما يعيش في إطار قدرته الذاتيه ينال رضى نفسه، ويحسن تفكره وتدبره، ويصير مصدر السعادة والخير لذاته ولصاحبه. وحينما يخرج الإنسان عن طاقته، ويتمادى العقل بعيدا فوق مداركه واستعداداته، فإنه يضل، ويزيغ عن الحق، ويجلب على صاحبه الاضطراب والضياع. من أين للإنسان أن يتصل بقدرة غيبية بعيدا عن ميزان النبوة ومسالكها؟! ومن أين للعقل أن يدرك الغيب الخفي مجردا عن أدواته ومصادره؟؟.. إن العقل ليس هو النبوة؛ ولذلك يجب أن يكون عقلا فقط، ويجب أن يؤمن العقل بالنبوة ليعرف ويعلم، ويؤمن ويهتدي. ثالثا: يتصور القائلون بالعقل أنهم تقدميون، يسلكون منهجا علميا معاصرا، وما دروا أنهم حين أعملوا العقل في مقابل النبوة، والإرادة الإلهية، رجعوا إلى عصور سحيقة، وتشبهوا بمخلوقات قديمة، اعتمدت على عقلها، وبذلك أثبتوا رجعيتهم وتخلفهم. ألم يقف إبليس بعقله إمام الوحي والنبوة، حين أمره الله بالسجود لآدم ﵇؛ حيث أبى وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ؟!.. وتمسك برأيه، وتصور صوابه، مع أنه قائم على الضلال والهوى.. على هؤلاء القائلين بالعقل فقط أن يروا مدى رجعيتهم وتخلفهم، ويعلموا أنهم تشبهوا مع أمثالهم الذين وجدوا مع آدم ﵇ في القول والتوجيه.

стр. 155

رابعا: يرى المنكرون للإرهاصات النبوية غرابة فيها لا يستسيغها العقل؛ ولذلك سارعوا إلى إنكارها، أو السكوت عنها، ومن عجب أن هؤلاء المنكرين أغلبهم من المستشرقين غير المؤمنين بالإسلام والذين يدينون بالمسيحية؛ ولذلك نسألهم: أيها أكثر غرابة في عقولكم: امرأة تحمل بلا زوج، أم انطفاء نار؟ وأيها أقرب للعقل: اهتزاز قصر، أو ولادة طفل بغير أب؟!.. إن المسلم يصدق بكل هذا؛ لأنه يؤمن بالله، وبنبوة عيسى ﵇.. ولكن السؤال نوجهه لهؤلاء الذي يحاولون تفسير الإسلام تفسيرا عقليا، بعيدا عن بيئته وطبيعته. لو وقفنا أمام كل غريبة من الغرائب، ولم نسلم بها، وأخذنا نعرضها على التجربة والقواعد العقلية، فسوف نهدم كثيرا من وقائع الحياة التي نعيشها، فكم فيها من الغرائب والعجائب؟!! إن كون الله معجز كله، وتصور إيجاده فوق مستوى العقل كسائر أسرار الله في الخلق. كيف وجد العقل؟ وكيف يتصور ويفهم ويحكم؟ كيف للقلب أن يعمل؟ ومتى ينشط؟ ومتى يتوقف؟ كيف تقوم الجوارح والأحاسيس والعواطف بوظائفها؟ إن كل ذلك وغيره قدرة إلهية، لا تدرك العقل حقيقتها وكنهها، مما يجعلنا نقول لهؤلاء: متى تقفون بالعقل عند طاقته وحدوده؟.. متى؟!.. خامسا: المنكرون للإرهاصات والأحاديث يحكمون القرآن الكريم حينما يتصورون تعارض الأحاديث ومرويات السيرة معه؛ لأنهم لا يريدون تكذيب القرآن -كما يزعمون- ولكنهم يردون السنة فقط، حتى يظهروا بمظهر الإنصاف والحياد. ألم يعلموا أن السنة الصحيحة لها حجة شرعية كحجية القرآن الكريم؟! يقول النبي ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".

стр. 156

والأمر المهم هنا، هو سؤالهم: لِمَ صدقتكم بالقرآن الكريم وهو وحي صادر عن الغيب؟ وهل دفعكم تصديق القرآن الكريم إلى الإيمان بما جاء فيه؟ وقد جاء فيه ضرورة الإيمان بالنبوة والوحي وتسليم الأمر لله رب العالمين. إن إنكار الوحي الغيبي إنكار للإسلام كله، يقول الدكتور/ سعيد البوطي: إن الهمس الذي يدعو المسلمين إلى ثورة علمية إصلاحية في شئون العقيدة الإسلامية يستهدف في الحقيقة نسف الإسلام كله؛ لأن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية، يعني حشوه بأمور عقلية غريبة عنه؛ لأن الوحي الإلهي -وهو ينبوع الإسلام ومصدره- يعد قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها، ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما جاء في السيرة النبوية من خوارق العادات بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله، بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب والجنة والنار بالحجة الطبيعية ذاتها. كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج إلى مصلح، يتدارك شأنه ولا يحتاج إلى إصلاح يغير من جوهره. غاب عن هؤلاء الناس هذا كله، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم لو كانوا يتمتعون بحقيقته، وينسجمون مع منطقيته، ولكن أعينهم غابت في غمرة انبهارها بالنضهة الأوربية الحديثة، وما قد حف بها من شعارات العلم وألفاظه، فلم تبصر من حقائق العلم والمنطق إلا عناوينها وشعاراتها، وقد كانوا بأمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين، وإلى هضم صحيح لمضمون تلك الشعارات١. سادسا: من الحقائق المسلمة أن عديدا من الأطفال وُلدوا يوم مولد محمد ﷺ ؛ لأن هذه من الضرورات المعلومة.

стр. 157

ومع ذلك فلا تعارض بين كثرة المواليد وهذه الإرهاصات؛ لأن القائلين بها لا يتخذونها دليلا على معرفة الله والتصديق بالرسالة، وإنما يتصورونها رمزا قدريا لإعلان جزء من القدرة المتحكمة في هذا الكون، وتهيئة العقول لاستقبال منقذ البشرية، ومحرر الإنسان من ظلمات الطغاة، وعبث العابثين، المرسل من الله العزيز الحكيم. وحين نقول -والقول حق- إن أيام مولد النبي ﷺ شهدت حدثا فريدا لا يمكن للعقل تصوره، مع أنه حقيقة ثابتة، وهو هلاك جيش أبرهة بحبات الحصى تنزل على الرءوس فتجعلها كعصف مأكول.. نعم، العقل لا يتصور أن حبات الحصى الصغيرة تملك قوة فكرية تمكنها من اختراق الرأس، وتقتل بعدما تتحرك كل حصاة نحو من تريد قتله!! بلا أدنى خطأ، وهل يمكن لحصاة صغيرة أن تدبر وتقتل وتفعل كل هذا؟! إنها حادثة فوق مستوى العقل.. ولكنها حدثت لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ وكان حدوثها بعد ميلاد النبي ﷺ بخمسين يوما على الأرجح. وما الذي يمنع أن تكون هذه الحادثة من إرهاصات المولد النبوي.. إن القضية في النهاية ليست منهجا علميا أو عقليا، بقدر ما هي قضية إيمان وتسليم.. فالمؤمن يصدق بالخبر إذا اشتمل على صدق روايته، ويكذبه إذا لم تأته الرواية صحيحة مقبولة، أما غير المؤمن فإنه ابتداء لا يصدق، وبعدها يبحث عن مبرر يؤيد مقالته وتكذيبه. سابعا: الوجود كله خضع واستسلم لله تعالى، إلا أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي تمرد عن الحق، ولعب به الشيطان، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ

стр. 158

أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ١. والآية توضح هذه الحقيقة التي يجب أن تُعرف معرفة مَن رأى وشاهد؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ .. هذه الحقيقة تبين ما يلي: ١- كل من في السماوات ومن في الأرض وما بينهما، صغيرا أو كبيرا -خاضع ومستسلم لله تعالى. ٢- المخلوقات الكبرى المنتظمة في عملها كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب -خاضعة خاشعة لله رب العالمين. ٣- انقسم الناس إلى قسمين: قسم خشع وخضع لله، وهو القسم الفائز الناجي. أما القسم الثاني فهو قسم متمرد ضال؛ ولذلك حق عليه العذاب، ووجبت له اللعنة، ولحقه الهوان؛ لأنه مطرود من رحمة الله تعالى. إن هذه الحقيقة بعناصرها المذكورة تؤكد حاجة الكون إلى التوازن بعودة الإنسان إليه، وائتلافه معه في حركته ونشاطه. ألا يحق لهذا الكون أن يسعد يوم ميلاد رسول الله ﷺ الذي سيبعث لإعادة التوازن بين سائر عناصره، وليضع الإنسان في إطار الطاعة لله رب العالمين؟ يقول الشيخ/ محمد متولي الشعراوي: "تقرأ في كتب السيرة أنه حدث في يوم مولده ﷺ : أن انشق إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نيران فارس ... إلى آخره"، وهذه هي المعروفة بإرهاصات النبوة. نجد بعض الناس يرددها بأسلوب التأدب مع سيرته ﷺ ؛ ولكنه لا يتعرض لها بالنفي أو التأييد، وإن كان يقترب من الرفض، وربما ذهب بعض الناس الذين

стр. 159

لا يريدون الإقرار بهذه الظواهر، أو المعجزات الكونية إلى أن الرسول ﷺ ليس في حاجة إلى هذه المعجزات الكونية. أما وقد وضح أن الرسول ﷺ جاء ليعيد انسجام الإنسان مع الكون الساجد، وأن كل ما في الوجود يسجد ويسبح لله، غير أن الجنس البشري هو الذي يشذ بعضه عن الإجماع في الخضوع والسجود لله، فإن هذه الظواهر الكونية المخلوقة لله والعابدة له بلغتها كما أثبتها القرآن ليس مستبعدا أن تفرح، وأن تبتهج بمثل هذا المولد، مولد الإنسان الأعظم ﷺ الذي جاء ليعيد إلى الإنسانية رشدها. فإذا عرضت لنا السيرة أن أشياء من الكون فرحت بمولد الرسول ﷺ أو حدثت منها أشياء، فذلك أمر لا نستبعده على كون مسبح لله، عارف بحق الله، وأيضا لسنا نحن المطلوبين بأن نؤمن بهذا، ولكن الذي آمنوا بها هم الذين شاهدوها، وهم الذين سمعوا عنها، فالذين سمعوها حجة على أنفسهم، ونحن نتلقى عنهم الخبر فإن كنا موثقين لهم في الخير صدقناه، وإن لم يتسع ظننا لتوثيقهم في خبرهم فنحن أحرار في أن نصدق أو لا نصدق، ولكن منطق الوجود، لا يمنع حدوث شيء من ذلك أبدا، فإذا ذكر أن إيوان كسرى قد انشق، فماذا في ذلك من الدهشة؟ وماذا في ذلك من العجب؟ أنستبعد أن يوقف شق الإيوان بالميلاد المحمدي؟ ولِمَ يكون هذا الاستبعاد؟ أننكر على الله أن يطفئ نار فارس التي تعبد من دونه، وأن يوقت ذلك بالميلاد المحمدي؟ وما سبب الإنكار؟ أنتصور ألا تغيض بحيرة ساوة مع الميلاد المحمدي؟ ولماذا هذا التصور؟ ١ ألم ينشق القمر نصفين معجزة لرسول الله ﷺ ؟ ألم يفض الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ ؟ ألم يحدثه الحجر والشجر؟

стр. 160

ألم..؟ ألم..؟ ألم..؟ وقد يرد هنا سؤال: وهل تدرك الكائنات؟ نعم الكائنات مدركة عابدة لربها.. لنقرأ قول الله تعالى حكاية عن سليمان ﵇: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ ١، ونقرأ قوله تعالى وهو يحكي حديث النمل والهدهد، يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ٣ ... ألا يدل ذلك على أن الكون يدرك، فللطير منطقه وللنمل فكره وحذره، وللهدهد تخطيط وفهم وعمل. ثامنا: ونحن في إطار الدعوة ندرك ضرورة وجود المنبهات الموقظة قبيل عرض الشيء الهام، لينتبه الغافلون، ويستيقظ النائمون.. وهذه قضية علمية معاصرة.

стр. 161

ألا يدفعنا استيعاب هذه القضية إلى اعتبار أن هذه الإرهاصات جاءت بقدر الله للتنبيه، وليعلم من يعقل أن لا دوام لمخلوق، وما يلحقه النقص، والتغيير ليس بإله، وكل ما يلحقه العجز والهلاك والانتهاء فهو مخلوق لله رب العالمين.

стр. 162

المبحث الثالث: ميلاد اليتيم محمد ﷺ وُلد محمد ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من عام الفيل، بمكة المكرمة، في دار أبيه التي كانت موجودة بشِعْب بني هاشم، وقيل: إنه ولد بدار عند الصفا، كانت لمحمد بن يوسف، أخو الحجاج، اشترتها زبيدة زوجة هارون الرشيد، وبنت مكانها مسجدا١، وهي اليوم بناء صغير موجود بجوار الساحة الجنوبية للحرم الشريف، وبها مكتبة صغيرة عامة تعرف بمكتبة الحرم المكي. ومما يدل على ولادته يوم الاثنين ما رُوي أن أعرابيا قال: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ قال ﷺ : "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو وأنزل عليَّ فيه" ٢. ويشهد لولادته ﷺ عام الفيل حديث قيس بن مخرمة الذي قال فيه: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل" ٣. يقول محمد بن إسحاق: "ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول"٤. كما يروي الترمذي بسنده عن قيس بن مخرمة بن عبد مناف قال: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، كنا لدين"٥.

стр. 163

ورُوي عن أبي الحويرث قال: "سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ قال قباث: رسول الله أكبر مني، وأنا أسن منه، ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل أخضر محيلا أعقله"١. يقول ابن عباس ﵁: "ولد نبيكم يوم الاثنين"٢. وجمهور المؤرخين وعلماء السيرة يجمعون على أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل، حين طلع الفجر٣. وقد مات أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه، وكانت وفاته بالمدينة عند أخواله من بني النجار حيث دفن بدار عدي النابغة، يقول ابن كثير: "خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام، إلى غزة، في عير من عيران قريش، يحملون تجاراتهم، فلما فرغوا من تجارتهم مروا بالمدينة، وعبد الله يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد الله، فقالوا: خلفناه عن أخواله في المدينة وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث، فوجده قد تُوفي، ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه، وأخبره"٤، وكان وقع خبر وفاته على أبيه وإخوته مؤلما. وكان عُمْر عبد الله يوم وفاته خمسا وعشرين سنة على الصحيح٥.

стр. 164

يذهب أغلب علماء التاريخ وكُتَّاب السيرة إلى أن عبد الله والد النبي ﷺ مات والرسول حمل في بطن أمه، يقول ابن إسحاق: "ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أن توفي وأم رسول الله حامل به"١، ولم يترك عبد الله مالا يورثه لزوجه وولده، اللهم إلا جاريته أم أيمن، وخمسة جمال، وقطعة من غنم٢. ولذلك ولد النبي يتيما فقيرا لحكمة أرادها الله تعالى.. إن اليتم في حد ذاته منقصة للوليد، وبخاصة في مجتمع يفتخر بالأنساب والأحساب والقبيلة والجماعة، إن الوليد في نشأته بعيدا عن أبيه يعيش منعزلا، لا يحسن معاملة الناس، وينمو ضعيفا في بدنه وسلوكه، لا يتمكن من مواجهة مصاعب الحياة، وإذا وجد مع اليتم الفقر، فإن الصغير يعيش مهملا، لا يهتم به أحد، وإن اهتم به أحد فلتسخيره واستغلاله. من أين لليتيم بأبوة حانية؟!.. تتعهده غلاما، وتربيه طفلا، وتوجهه شابا يافعا، وتدفعه إلى غمار الحياة رجلا مسئولا. وأين لليتيم من رعاية شاملة، تحافظ عليه في نومه، ويقظته، وسكونه، وحركته، وراحته، وعمله؟.. ومن أين لليتيم من ينصره، ويعينه في مواجهة الخطوب والحوادث؟ فإذا ما انضم إلى اليتم الفقر، فالنتيجة أسوأ وأظلم.. إن اليتيم الفقير لا ينال التعليم الذي يريده، ولا يتمكن من نيل الأعمال التي يرغبها؛ لأن غيره أسبق إليها منه، وله من يساعده، أما اليتيم الفقير فإن الجميع ينصرفون عنه، ولا يهتمون بشأنه!!! ذلك هو منطق الواقع والحياة. فاليتيم ضعيف، مهمل، منعزل، تؤثر معيشته في خُلُقه وسلوكه..

стр. 165

ولذلك كانت وصية الله باليتامى من أجل إيجاد دافع إيماني، يجعل المسلم يراقب الله في معاملتهم، ويطيع الله في حسن رعايتهم، والإحسان إليهم. يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر﴾ ١. ويقول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ٢. ويقول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ ٣. ويقول الله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ٤. ويقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٥. ويقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ٦. ويقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٧.

стр. 166

ويقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ١. ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢. والآيات كثيرة، والأحاديث معها مبينة وشارحة، وكلها تدور حول الاهتمام باليتيم حتى لا يضيع في مجتمع يهمله. إن الآيات تدعو إلى حسن معاملة اليتيم، وعدم القسوة معه، وترك دَعِّه وزجره وظلمه، حتى يجد من المؤمنين من يعوضه فقدان الأب والأم.. كما تدعو الآيات إلى ضرورة المحافظة على مال اليتيم، وتنميته بالحق والعدل، والابتعاد عن أكله بالباطل، أو الاستيلاء عليه بأي وجه من الوجوه. وتدعو الآيات إلى العمل على إصلاح اليتيم، والعناية بتربيته، وتوجيهه نحو الخير والفلاح. وتدعو الآيات إلى أهمية رعاية اليتيم ماليا، إن كان في حاجة للمال؛ حيث الآيات وضحت أن إعطاء اليتيم من المال له أثر كبير على المعطي، إنه بهذا العطاء يتخلص من العقبة، ويدخل الجنة، ويشرب السلسبيل، ويقرب من الله تعالى. إن الإسلام واجه واقع اليتيم بشريعته العادلة؛ لنشر الخير بين الناس أجمعين. وتعامل مع طبيعة البشر ومع ميولهم الفطرية؛ ليترقى بها في رفق ولين. هذا في الإسلام.. وبالإسلام وحده. أما في الجاهلية، حيث لا دين ولا شريعة، فإن الأمر يختلف..

стр. 167

لكن الأمر مع الأنبياء في صغرهم له وضعه الخاص؛ لأن الله يصطفيهم بعلمه وإرادته، ويربيهم بقدرته ومعونته. ومع قدرة الله تعالى تتوقف سنن الكون، وتنعدم التأثيرات المادية، ويقف العقل مستسلما مصدقا، وليس له إلا أن يؤمن ويصدق، بعدما يرى المسيرة مع المصطفين الأخيار. هذا هو موسى ﵇، ولدته أمه وخافت عليه أن يذبحه فرعون، فألهمها الله تعالى أن تضعه في صندوق، وترميه في النهر، وتترك الأمر بعد ذلك لله، وفعلت وهي تتساءل عن مصيره.. وهل سيموت غريقا؟ وهل ستأكله الحيتان والأسماك؟ وكيف يحيا بلا رضاعة؟ وكيف الطريق لإرضاعه؟.. أسئلة لا يجيب عليها العقل.. لكن مسار القدر مدهش عجيب، وقد أجاب بإعجاز إلهي حكيم، لقد وصل الصندوق إلى بيت فرعون، واتخذ فرعون وزوجته موسى ابنا لهما، وأعاداه لأمه فأرضعته، ثم سلمته لفرعون يريبه تربية ملكية خاصة، يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١. من كان يتصور أن الإلقاء في اليم هو سبب النجاة؟ ومن يعقل أن فرعون بحذره هو الذي ربَّى موسى ﵇، وخلصه من الضعف واليتم والحاجة؟ وهكذا الأنبياء جميعا!!! - أين تربَّى يوسف ﵇؟ وهل رباه وأبوه مع أنه كان حيا يرزق؟! - وكيف وُلد عيسى ﵇ وتربَّى، وليس له أب أصلا؟! إن الأنبياء صناعة ربانية؛ ولذلك يوجدهم الله في قوالب معينة، وفق حكمته ومشيئته.

стр. 168

ومن هنا كان في يتم محمد ﷺ حكمة يريدها الله تعالى، ويتفضل بها على رسوله الأمين ﷺ .. يجمل الله تعالى هذا التفضيل على محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ١؛ حيث يشير إلى أن محمدا ﷺ ولد في رعاية الله تعالى، فبرغم يتمه إلا أن الله أحاطه بالإيواء الشامل، فأحبه كل من رآه، بدءا بمراضعه ومرورا بمن شاركهم في طفولته وشبابه ورجولته. فهو إيواء يتضمن الرعاية والاهتمام والمعاملة والتضحية في مودة صادقة، أغنت محمدا ﷺ عن رعاية الوالد الحنون. وفي ولادته ﷺ يتيما فقيرا إشارة إلى بعض الحِكَم الإلهية، التي يمكن استنباطها في العصر الحديث، ومن أهم الحِكَم المستنبطة ما يلي: ١- أراد الله تعالى أن ينشأ محمد ﷺ محاطا بالرعاية الإلهية التامة منذ اللحظة الأولى لوجوده في الدنيا، وحتى لا تفسر خيرات الله له بسبب أبيه أو أمه أو بتأثير ماله وغناه.. ولو فكر عقلاء هذا الزمان في تميز هذا اليتيم عن أقرانه ولداته؛ لأدركوا شيئا عن هذه العناية الإلهية بمحمد ﷺ . ٢- في ولادته ﷺ يتيما فقيرا ردٌّ لأي شبهة يمكن أن يختلقها الأفاكون الضالون كأن يقولوا: إن محمدا أخذ تعاليم النبوة من أبيه أو من أمه؛ حيث يحاول الآباء دائما غرس قيمهم وعاداتهم واهتماماتهم في أبنائهم، بل إن الابن يحاول بصورة تلقائية أن يقلد أباه، ويجتهد في حمل فكره ومذهبه. لقد زعم كفار مكة أن محمدا ﷺ يأخذ ما يقوله لهم من رجل غريب وقالوا ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ

стр. 169

افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ١، وفي وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٢. لقد بحث كفار مكة عن شخص له صلة برسول الله ﷺ ليزعموا أنه مؤلف الوحي، وأن محمدا يأخذ منه، وقد بيَّن الله كذبهم وضلالهم فيما يزعمون. فلو كان عبد الله والد النبي حيا لسهل عليهم ادعاء أنه المعلم لولده، وأن الوحي من كلامه وتأليفه.. لكن الله تعالى قطع عنهم هذا الطريق بوفاة عبد الله، وميلاد محمد بعد وفاته. ٣- وفي ولادته ﷺ يتيما تأكيد لحقيقة غائبة عن الكثير من الناس، وهي أن الأمور كلها بقدرة الله تعالى، وليس للإنسان في عمله إلا الكسب والميل، والله خالق كل شيء. ولو عقل الناس لعاشوا مؤمنين حقا، عن اقتناع ورضى، ولسلموا بالقدر، وعاشوا مؤمنين. إن العقل سوف يتساءل أسئلة توصل إلى اليقين والإيمان، ومن هذه الأسئلة: - من أين وجد الإنسان؟ ومن يقدر على هذا الإيجاد؟ - هل يمكن تصور المستقبل من ناحية الصحة والغنى والسعادة، أم أن ذلك مجهول أمام الإنسان؟ - هل تجري الأحداث وفق تقدير العقل، أم أن أحداث الحياة تجعل العقل عاجزا عن تفسير اتجاهاتها غالبا؟

стр. 170

- هل الإنسان يعلم ظواهر الأشياء وبواطنها، أم ماذا؟ إن النظر في هذه القضايا تدفع الإنسان إلى التسليم بقدرة الله تعالى، وحين نقارن محمدا ﷺ بسائر الناس مع إدراك يتمه وفقره، نتأكد أنه صناعة قدرية ربانية، والعلم بهذه الحقيقة يشير إلى بعض أسرار يتم محمد ﷺ .. إن الحكمة الإلهية التي أحاطت بمحمد ﷺ أحاطت بكافة جوانب مولده ﷺ . فبالنسبة للأشخاص الذين أحاطوا به، وجريا على أن للإنسان من اسمه نصيبا، نرى أنهم مثلوا مع محمد عدة معانٍ نبيلة، فمن أمه آمنة كان الأمن والهدوء، ومن قبيلته الشفاء كانت العافية والصحة، ومن حاضنته أم أيمن كان اليُمْن والبركة، ومن مرضعته حليمة السعدية الحِلْم والسعد، ومن جده العبودية، ومن عمه التوجه إلى القادر والطلب منه، وكأن الله تعالى أوجد في حياة محمد ﷺ هذه المسميات لتتحول في حياته إلى خُلُق وسلوك. وبالنسبة لتسميته فلقد ألهم الله جده عبد المطلب حين أخبرته السيدة آمنة بوضع حملها أن يسميه محمدا. يقول السهيلي: "سئل عبد المطلب: ما سميت ابنك؟ فقال: محمدا. فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك. فقال: إني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. وكان ذلك لرؤيا كان رآها في منامه، كأن سلسلة من فضة، خرجت من ظهره، لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب، كأنهم يتعلقون بها، فقصها، فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض؛ فلذلك سماه: محمدا. وذكروا أن أمه حدثته بأنه قد قيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا

стр. 171

وضعتيه فسميه محمدا"١. وكان النبي ﷺ يذكر فضل تسميته محمدا ويقول: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما، وأنا محمد" ٢. يقول القاضي عياض: "وقد سماه الله تعالى في كتابه محمدا وأحمد، فمن خصائصه تعالى له أن ضمن أسماءه ثناءه، فطوى أثناء ذكره عظيم شكره، فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة من صفة الحمد، ومحمد مفعل مبالغة من كثرة الحمد، وتكرره فهو ﷺ أجل من حمد، وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدا، فهو أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة؛ ليتم له كمال الحمد، ويشتهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده، يحمده فيه الأولون والآخرون، وفي هذين الاسمين من عجائب خصائصه، وبدائع آياته، وهو أن الله حمى اسمه أن يسمى بهما أحد قبل زمانه. أما أحمد الذي أتى في الكتب، وبشرت به الأنبياء، فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك. وكذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب، ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده ﷺ وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم من العرب أبناءهم بذلك، رجاء أن يكون أحدهم، وهم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد بن خزاعة السلمي، لا سابع لهم، ثم حمى الله كل من تسمى به أن يدعي النبوة، أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في أمره، حتى تحققت السمتان "الحمد والثناء" له ﷺ ولم ينازع فيهما"٣.

стр. 172

وبالنسبة لولادته يوم الاثنين، فإنه كان لارتباط هذا اليوم بعدد من الأفعال الخيرة التي قدرها الله لكونه المخلوق في هذا اليوم، فلقد ورد الحديث من أن الله تعالى خلق الشجر يوم الاثنين، يقول ابن عباس ﵄: "ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين"١، وفي ذلك إشارة إلى ارتباط الحوادث العظيمة بيوم الاثنين، ومنها مولده ﷺ .. إن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه، والخيرات التي يمتاز بها بنو آدم، ويحيون ويتداوون، وتنشرح صدورهم لرؤيتها، وتطيب بها نفوسهم، وتسكن خواطرهم، لتحصيل ما يبقي حياتهم، على ما جرت به حكمة الحكيم ، كل ذلك كان في يوم الاثنين، فولادته ﷺ في هذا اليوم إشارة إلى ما وجد من الخير العظيم والبركة الشاملة للناس أجمعين ببعثته صلى الله عليه وسلم٢. وبالنسبة لولادته في شهر ربيع الأول، فلما في هذا الشهر من خيرات تتوافق مع خيرات مجيئه إلى الدنيا؛ حيث الازدهار، والجدة، والحسن، والنفع العام. ففي الربيع تبدو خيرات الله تعالى في الكون؛ حيث ينبت الزرع، ويفيض الضرع، ويأتي الحب والنوى، وتنتشر الخضرة الجميلة في ربوع الأرض كلها، وفي السهول والجبال.. والجو في الربيع معتدل المناخ لا حرارة فيه، كما تقل فيه العلل والأمراض بفضل الله تعالى. وفي مجيء محمد ﷺ ومبعثه تحقيق لهذه المعاني، فلقد أتى ﷺ بما يسعد الناس في الدنيا والآخرة.. ورسالته ﷺ قائمة على الاعتدال، والاستقامة، دائمة العطاء، شاملة لكافة الخلق، سهلة، ميسرة.

стр. 173

وبالنسبة لميلاد المصطفى في عام الفيل؛ لأنه ﷺ ولد قبل وقوع الحادثة بخمسين يوما، فمن أجل أن يدرك الناس أن قدرة الله الغائبة عنهم تتصل بكل موجود، وكل ما في الكون قدر إلهي محض، وإذا أراد الله شيئا قال له: كن فيكون، حتى إذا جاءهم محمد ﷺ علموا أنه المبعوث لهم من الله تعالى. ومن أين للناس أن يدركوا هذه الأسرار في يوم مولده ﷺ ؟ إن هذه الحِكَم وهذه الأسرار لم ترتبط وقتها في أذهان من رأوها بمبعثه محمد ﷺ ورسالته، ولا يراد منها ذلك، ويكفي أنها تحرك الأذهان نحو عدم تأليه من يزول، ويتغير مثل النار المنطفئة، أو البيوت المكسورة، أو الأصنام المهتزة، وليتأكدوا من وجود قوة قاهرة تحقق أعمالا، لا يقدر عليها الناس، ولا يمكنهم تفهم أسرارها. وذلك أثر ممكن الحدوث، وبخاصة أن أهل الكتاب وحكماء العرب كانوا يؤمنون بمبعث نبي بشرت به الكتب المنزلة، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢. يقول ابن كثير: يخبر الله تعالى أن أهل الكتاب يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون أنه صادق، وقد جاء وصفه مكتوبا مدونا في التوارة والإنجيل مع أساسيات دعوته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتحليل الطيبات، وتحريم الخبائث٣.

стр. 174

إن العالم كله قبيل بعثة النبي ﷺ ، وقبيل مولده كان في انتظار رسول جديد يجمع العالم على الحق.. وعلى هذا فإن حدوث الميلاد محاطا بهذه الحكم، يمثل عوامل تصديق رسالة الرسول بعد مبعثه، وتعد دوافع إيمانيه للعقلاء الذين يعرفون أن النبوة صناعة ربانية، ولا مانع من جريان الأحداث معها على نحو خارق لعادة الناس. والله أعلم حيث يجعل رسالته.

стр. 175

المبحث الرابع: محمد في ديار بني سعد ... المبحث الرابع: محمد ﷺ في ديار بني سعد بعدما وضعت السيدة آمنة بنت وهب حملها أرسلت إلى جده عبد المطلب وأخبرته بولادة حفيده، فسُر به كثيرا، وأخذه ودخل به الكعبة، ودعا له بخير، وسماه محمدا، فلما سئل عن سبب هذه التسمية مع أنها لم توجد في آبائه أو في أقربائه، قال: أردت أن يحمد في السماء عند الله، وفي الأرض عند الناس١. يذكر السهيلي أن التسمية كانت لرؤيا رآها عبد المطلب توافقت في دلالتها مع ما حدثته به أمه صلى الله عليه وسلم٢. يروي ابن عساكر أن عبد المطلب سر بولادة محمد كثيرا، وعق عنه بكبش، وقد عاش الوليد في كنف أمه سبعة أيام أرضعته فيها ومعها قبلته "الشفاء"، وقد سر أعمامه بميلاد ابن لأخيهم الذي فقدوه صغيرا، لدرجة أن أبا لهب أعتق جاريته ثويبية عندما أخبرته بميلاد محمد ﷺ ، فذهبت إلى أمه "آمنة"، وأرضعته معها٣. أقبلت آمنة على وليدها بالحنان والرفق، في انتظار مرضعة تستلمه؛ لتقوم بتربيته في البادية؛ حيث الخلاء الواسع، والطبيعة الجميلة، وبساطة الحياة، وفطرة الناس، وكانت عادة أثرياء أهل مكة أن يسلموا أولادهم بعد ولادتهم، لمرضعات من البادية لقاء أجر ورزق. واتفق أن جاءت المراضع من بني سعد يلتمس أبناء الأغنياء؛ طمعا في الرزق واليسار

стр. 176

ومروا جميعا على آمنة، فرأوا ولدها يتيما فقيرا، فتركنه لقلة الأجر، وضآلة العطاء المنتظر من يتيم فقير. ووجد النسوة عند أبناء الأثرياء ما يأملون، ما عدا حليمة السعدية، فإنها كانت فقيرة ضعيفة، رأت الأمهات منها ما صرفهن عن اختيارها مرضعة لأبنائهم، فلبنها قليل، وجسدها نحيل، وأتانها هزيل، والفقر باد عليها، فانصرفوا عنها إلى غيرها. ووجدت حليمة نفسها مضطرة لأخذ محمد ﷺ حتى لا تعود لديارها خاوية الوفاض، فكان في أخذها له الخيرة والبركة، وظهر ذلك في كافة جوانب حياتها وأسرتها، ونعمت بهذا الخير هي وقومها بعد ذلك. وحليمة هي بنت أبي ذؤيب، وهو عبد الله بن الحارث بن سعد من هوازن، وتعرف بحليمة السعدية، وكنيتها أم كبشة.. وزوجها هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة من هوازن كذلك، ويكنى بأبي كبشة. وقد شرَّفها الله تعالى بإرضاع محمد ﷺ ، فصارت له أما، وصار زوجها له أبا، وصار أبناؤها إخوته، وهم: عبد الله بن الحارث، وحفص بن الحارث، وأمية بن الحارث، والشيماء، وهي خذامة بن الحارث، وقد أكرمها الله تعالى، ففاض الخير في كل جوانب حياتها ببركته ﷺ ، رغم أنها لم تكن راغبة فيه، ولولا انصراف الوالدات عنه ما أخذته. تحكي حليمة قصتها مع رضاعة رسول الله ﷺ فتقول: خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء بمكة، على أتان لي قمراء قد أدمت بالركب، وخرجنا في سنة شهباء، لم تبقِ لنا شيئا، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، ومعنا شارف لنا، والله إن يبض علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي ما نام ليلنا أجمع، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يمصه، وما في شارفنا من لبن

стр. 177

نغذوه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فشق ذلك علينا ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء. فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعة، من والد المولود، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن نصنع أمه؟ وما يفعل جده؟ فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري. فلما أجمعنا الانطلاق قلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي، ولم آخذ رضيعا. قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، فلما أخذته رجعت إلى رحلي١. وقد رأت حليمة فضل الله عليها عقب عودتها إلى رحلها بمحمد ﷺ ، تقول: "فلما وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي. ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك. وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا لبنها حافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا ليلتنا تلك بخير ليلة شباعا رواء، وقد نام صبيانا. يقول أبوه -يعني زوجها- والله يا حليمة، ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة، قد نام صبيانا ورويا. فقلت: والله إني لأرجو ذلك. ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يابنة أبي ذؤيب، ويحك، أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟

стр. 178

فأقول لهن: بلى والله، وإنها لهي هي. فيقلن: والله إن لها لشأنا. ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، وتروح أغنامهم جياعا هالكة ما بها من لبن، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذويب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، كان ﷺ يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ ستا وهو غلام جفر"١. إن رعاية الله تعالى مستمرة مع رسول الله ﷺ ، وها هي بركاته تحل بحليمة؛ حيث أخصبت أرضها الجدباء، ودر لبن إبلها الجاف، وصارت ترى النعيم في كل شئونها. وقد أجمع مؤرخو السيرة على رواية ما حكته حليمة عن قصة إرضاعها محمدا ﷺ .. وهي بما روت تضيف فصلا جديدا من تكريم الله لعبده ورسوله محمد ﷺ .. ولما بلغ عمره ﷺ سنتين فصلته حليمة، وعادت به إلى أمه في مكة.. ويرجع السبب في عادة أثرياء مكة إرضاع أولادهم وتنشئتهم في البادية إلى أمور نتملس بعضها فيما يلي: ١- تتميز البادية بالنقاء والصفاء؛ حيث الخلاء الواسع، والفضاء الرحيب، وهذا يساعد في اتساع الأفق، وبعد المدارك، ويؤدي إلى هدوء الطبع، واستقرار النفس، فالناس في البادية يعيشون بين الخضرة اليانعة، والطبيعة الخلابة، مع الطمأنينة والهدوء، فلا اشتغال لهم بقضايا السلطة والإدارة،

стр. 179

ولا عناء معهم في السعي والتجارة، ولا تعب في الترقي والصناعة، إن حياتهم الرتيبة تصنع الهدوء والاستقرار. ٢- تصنع البادية من أبنائها رجالا يعتمدون على أنفسهم، فليس لهم جيش يحميهم، ولا رجال أمن يحرسونهم، وإنما يعتمد كلٌّ على نفسه؛ ولذلك ينشأ البدوي على الجرأة والشجاعة، ويتعود الإقدام وعدم الخوف، ويعتمد البدو على أنفسهم في الدفاع والنصرة والحماية. ٣- يعيش أبناء البادية في مجتمع مغلق، لا يأتيهم غريب ولا يعيش بينهم أجنبي، وهذا الوضع ساعدهم على المحافظة على الفطرة الطبيعية، واللغة الفصيحة، والنسب الصريح، والقوة البدنية، في ترابط الأقارب، ومودة المحبين. إن الآباء قصدوا تربية أبنائهم في البادية؛ لينشئوا أقوياء البنية، فصحاء اللسان، حسني الأخلاق، يتميزون بهدوء الطبع، وشجاعة السلوك، وحب التعاون والتواد، وتلك عوامل أرادها الله لرسوله ﷺ ، فأرضعته حليمة السعدية ونشأ في ديار بني سعد؛ ليستفيد بما أراده الله له. عادت حليمة السعدية بمحمد إلى أمة السيدة آمنة بعد تمام إرضاعه وفصاله، وذلك على عادة سائر المراضع مع أبنائهن، ولم تكن حليمة سعيدة بعودته لأمه؛ لأنها تخاف توقف الخير الذي تدفق عليها، تقول حليمة: "فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته"١. عرضت حليمة على آمنة أن تعود بمحمد ﷺ إلى ديارها مرة ثانية لتستمر بركته، ولتبتعد به عن وباء كان بمكة يومذاك، فوافقتها آمنة، وأعادته معها مرة ثانية إلى ديار بني سعد، وبخاصة أن مكة يومذاك كانت موبوءة، وأملت أن يزداد محمد نضارة وازدهارا ونموا في بدنه وعقله وشخصيته، ليشب رجلا له قدره ومنزلته

стр. 180

ويقوم بدوره مع جده وأعمامه وقومه. وأخذته حليمة وعادت به سعيدة مرة ثانية، وفرحت بذلك، إلا أنها اضطرت إلى إعادته لأمه حين بلغ عمره خمس سنوات وشهرا، ولم تره بعد ذلك إلا مرتين، الأولى: بعد تزويجه ﷺ خديجة، والثانية: يوم حنين، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى. وكانت آمنة قد أوصت حليمة بمحمد، وعرفتها بما حصل معها، في حملها وولادته، وبينت لها ما رأت وما شاهدت من كرامات صاحبت مولده، وقالت لها: احفظي ابني هذا، واحذري عليه الرهبان والكهان. تقول حليمة: مر بي بعض اليهود فقلت لهم: ألا تحدثوني عن ابني هذا؟! فإني حملته كذا، ووضعته كذا، ورأيت كذا! كما قالت أمه. تريد حليمة بذلك أن تعرف شيئا عن الأسرار المتصلة بهذا الغلام المبارك. تقول حليمة: لما رآه اليهود، قال بعضهم لبعض: اقتلوه. وسألوها: أيتيم هو؟ فقلت لهم: لا، هذا أبوه، وأنا أمه. فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه. فذهبت به حليمة وقالت: كدت أخرب أمانتي١. يقول ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن الذي أهاج أمه السعدية على إعادته لأمه أن نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها، حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه، وسألوها عنه، وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره.. يقول ابن إسحاق: إنها لم تكد تنفلت به منهم٢.
следующие страницы →