ومروا جميعا على آمنة، فرأوا ولدها يتيما فقيرا، فتركنه لقلة الأجر، وضآلة العطاء المنتظر من يتيم فقير.
ووجد النسوة عند أبناء الأثرياء ما يأملون، ما عدا حليمة السعدية، فإنها كانت فقيرة ضعيفة، رأت الأمهات منها ما صرفهن عن اختيارها مرضعة لأبنائهم، فلبنها قليل، وجسدها نحيل، وأتانها هزيل، والفقر باد عليها، فانصرفوا عنها إلى غيرها.
ووجدت حليمة نفسها مضطرة لأخذ محمد ﷺ حتى لا تعود لديارها خاوية الوفاض، فكان في أخذها له الخيرة والبركة، وظهر ذلك في كافة جوانب حياتها وأسرتها، ونعمت بهذا الخير هي وقومها بعد ذلك.
وحليمة هي بنت أبي ذؤيب، وهو عبد الله بن الحارث بن سعد من هوازن، وتعرف بحليمة السعدية، وكنيتها أم كبشة.. وزوجها هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة من هوازن كذلك، ويكنى بأبي كبشة.
وقد شرَّفها الله تعالى بإرضاع محمد ﷺ ، فصارت له أما، وصار زوجها له أبا، وصار أبناؤها إخوته، وهم: عبد الله بن الحارث، وحفص بن الحارث، وأمية بن الحارث، والشيماء، وهي خذامة بن الحارث، وقد أكرمها الله تعالى، ففاض الخير في كل جوانب حياتها ببركته ﷺ ، رغم أنها لم تكن راغبة فيه، ولولا انصراف الوالدات عنه ما أخذته.
تحكي حليمة قصتها مع رضاعة رسول الله ﷺ فتقول: خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء بمكة، على أتان لي قمراء قد أدمت بالركب، وخرجنا في سنة شهباء، لم تبقِ لنا شيئا، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، ومعنا شارف لنا، والله إن يبض علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي ما نام ليلنا أجمع، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يمصه، وما في شارفنا من لبن
стр. 177
نغذوه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فشق ذلك علينا ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء.
فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعة، من والد المولود، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن نصنع أمه؟ وما يفعل جده؟ فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري.
فلما أجمعنا الانطلاق قلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي، ولم آخذ رضيعا.
قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، فلما أخذته رجعت إلى رحلي١.
وقد رأت حليمة فضل الله عليها عقب عودتها إلى رحلها بمحمد ﷺ ، تقول: "فلما وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي.
ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.
وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا لبنها حافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا ليلتنا تلك بخير ليلة شباعا رواء، وقد نام صبيانا.
يقول أبوه -يعني زوجها- والله يا حليمة، ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة، قد نام صبيانا ورويا.
فقلت: والله إني لأرجو ذلك.
ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يابنة أبي ذؤيب، ويحك، أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟
стр. 178
فأقول لهن: بلى والله، وإنها لهي هي.
فيقلن: والله إن لها لشأنا.
ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، وتروح أغنامهم جياعا هالكة ما بها من لبن، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذويب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا.
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، كان ﷺ يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ ستا وهو غلام جفر"١.
إن رعاية الله تعالى مستمرة مع رسول الله ﷺ ، وها هي بركاته تحل بحليمة؛ حيث أخصبت أرضها الجدباء، ودر لبن إبلها الجاف، وصارت ترى النعيم في كل شئونها.
وقد أجمع مؤرخو السيرة على رواية ما حكته حليمة عن قصة إرضاعها محمدا ﷺ .. وهي بما روت تضيف فصلا جديدا من تكريم الله لعبده ورسوله محمد ﷺ ..
ولما بلغ عمره ﷺ سنتين فصلته حليمة، وعادت به إلى أمه في مكة..
ويرجع السبب في عادة أثرياء مكة إرضاع أولادهم وتنشئتهم في البادية إلى أمور نتملس بعضها فيما يلي:
١- تتميز البادية بالنقاء والصفاء؛ حيث الخلاء الواسع، والفضاء الرحيب، وهذا يساعد في اتساع الأفق، وبعد المدارك، ويؤدي إلى هدوء الطبع، واستقرار النفس، فالناس في البادية يعيشون بين الخضرة اليانعة، والطبيعة الخلابة، مع الطمأنينة والهدوء، فلا اشتغال لهم بقضايا السلطة والإدارة،
стр. 179
ولا عناء معهم في السعي والتجارة، ولا تعب في الترقي والصناعة، إن حياتهم الرتيبة تصنع الهدوء والاستقرار.
٢- تصنع البادية من أبنائها رجالا يعتمدون على أنفسهم، فليس لهم جيش يحميهم، ولا رجال أمن يحرسونهم، وإنما يعتمد كلٌّ على نفسه؛ ولذلك ينشأ البدوي على الجرأة والشجاعة، ويتعود الإقدام وعدم الخوف، ويعتمد البدو على أنفسهم في الدفاع والنصرة والحماية.
٣- يعيش أبناء البادية في مجتمع مغلق، لا يأتيهم غريب ولا يعيش بينهم أجنبي، وهذا الوضع ساعدهم على المحافظة على الفطرة الطبيعية، واللغة الفصيحة، والنسب الصريح، والقوة البدنية، في ترابط الأقارب، ومودة المحبين.
إن الآباء قصدوا تربية أبنائهم في البادية؛ لينشئوا أقوياء البنية، فصحاء اللسان، حسني الأخلاق، يتميزون بهدوء الطبع، وشجاعة السلوك، وحب التعاون والتواد، وتلك عوامل أرادها الله لرسوله ﷺ ، فأرضعته حليمة السعدية ونشأ في ديار بني سعد؛ ليستفيد بما أراده الله له.
عادت حليمة السعدية بمحمد إلى أمة السيدة آمنة بعد تمام إرضاعه وفصاله، وذلك على عادة سائر المراضع مع أبنائهن، ولم تكن حليمة سعيدة بعودته لأمه؛ لأنها تخاف توقف الخير الذي تدفق عليها، تقول حليمة: "فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته"١.
عرضت حليمة على آمنة أن تعود بمحمد ﷺ إلى ديارها مرة ثانية لتستمر بركته، ولتبتعد به عن وباء كان بمكة يومذاك، فوافقتها آمنة، وأعادته معها مرة ثانية إلى ديار بني سعد، وبخاصة أن مكة يومذاك كانت موبوءة، وأملت أن يزداد محمد نضارة وازدهارا ونموا في بدنه وعقله وشخصيته، ليشب رجلا له قدره ومنزلته
стр. 180
ويقوم بدوره مع جده وأعمامه وقومه.
وأخذته حليمة وعادت به سعيدة مرة ثانية، وفرحت بذلك، إلا أنها اضطرت إلى إعادته لأمه حين بلغ عمره خمس سنوات وشهرا، ولم تره بعد ذلك إلا مرتين، الأولى: بعد تزويجه ﷺ خديجة، والثانية: يوم حنين، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.
وكانت آمنة قد أوصت حليمة بمحمد، وعرفتها بما حصل معها، في حملها وولادته، وبينت لها ما رأت وما شاهدت من كرامات صاحبت مولده، وقالت لها: احفظي ابني هذا، واحذري عليه الرهبان والكهان.
تقول حليمة: مر بي بعض اليهود فقلت لهم: ألا تحدثوني عن ابني هذا؟! فإني حملته كذا، ووضعته كذا، ورأيت كذا! كما قالت أمه.
تريد حليمة بذلك أن تعرف شيئا عن الأسرار المتصلة بهذا الغلام المبارك.
تقول حليمة: لما رآه اليهود، قال بعضهم لبعض: اقتلوه.
وسألوها: أيتيم هو؟
فقلت لهم: لا، هذا أبوه، وأنا أمه.
فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه.
فذهبت به حليمة وقالت: كدت أخرب أمانتي١.
يقول ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن الذي أهاج أمه السعدية على إعادته لأمه أن نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها، حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه، وسألوها عنه، وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره.. يقول ابن إسحاق: إنها لم تكد تنفلت به منهم٢.
стр. 181
وعاد محمد ﷺ إلى أمه ليبدأ مرحلة جديدة من قومه وعشيرته..
وفاء النبي لأيام حليمة:
عاش النبي ﷺ أيامه الأولى عند حليمة السعدية، ونما جسده بلبنها، وصفا لسانه بلغات بني سعد، وصاحب عديدا من الناس.
وعاش محمد -وهو في ديار حليمة- مع قبيلة بني سعد؛ حيث أحبه كل مَن رآه، وأحاطوه بالرعاية الحسنة والتكريم الجميل.
وحفظ ﷺ لحليمة وأسرتها هذا الجميل، وكان يذكره، ويشيد به.. يقول النبي ﷺ : "أنا أعربكم، أنا من قريش، ولساني لسان بني سعد" ١.
يقول محمد بن المنذر: استأذنت امرأة على النبي ﷺ كانت أرضعته، فلما دخلت عليه، سر بها، وقال: أمي، أمي، وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه٢، وعرَّف أصحابه بأنها حليمة.
يروي ابن سعد بسنده أن حليمة قدمت على النبي ﷺ بمكة بعد زواجه خديجة ﵂، وشكت إليه جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلم رسول الله ﷺ خديجة في شأنها، فأعطتها أربعين شاة وبعيرا، وانصرفت لأهلها٣.
وأخرج أبو داود بسنده عن ابن الطفيل ﵁ قال: "رأيت رسول الله يقسم لحما بالجعرانة -وأنا يومئذ غلام أحمل لحم الجزور- إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى رسول الله فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: مَن هذه؟ قالوا: هذه أمه ﷺ التي أرضعته"٤.
стр. 182
وهكذا كان تقدير النبي ﷺ لمرضعته حليمة؛ وفاء لحقها، وبرا بأمومتها، وتكريما لوفادتها.. لم ينسه تغير الحال ما أسدي له من جميل..
ولم يتصور أن ما أخذته من أمه أجرا كافيا في حقها، بل كان ﷺ يقدر زوجها وأبناءها، فهم أبوه وإخوته في الرضاعة، أخرج أبو داود عن عمر بن الحارث أن عمر السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه، فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام له رسول الله فأجلسه بين يديه١.
وبعد فتح مكة كانت غزوة حنين، وأسر النبي ﷺ عددا من هوازن قبيلة حليمة، فجاء وفدهم إلى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة لفك أسراهم، وكان رأس القوم، والمتكلم فيها "أبو صرد زهير بن صرد" فقال: إن في هذه الحظائر "مكان الأسرى" أخواتك، وعماتك، وخالاتك، وبنات عمك، وبنات خالاتك، وأبعدهن قريب منك، بأبي أنت وأمي! إنهن حضنك في حجورهن، وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن، وأنت خير المكفولين.
فقال رسول الله ﷺ : "إن أحسن الحديث أصدقه، وعندي من ترون من المسلمين، أفأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم، أم أموالكم؟ ".
فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، وما كنا لنعدل بالأحساب شيئا، فرد علينا أبناءنا ونساءنا.
فقال النبي ﷺ : "أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، فإذا صليت بالناس الظهر فقولوا: نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب
стр. 183
لكم الناس"، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، قاموا فتكلموا بالذي قال لهم رسول الله ﷺ ، فرد عليهم رسول الله ﷺ ، وقال لهم: "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم"، وهنا تأثر المهاجرون والأنصار، وقالوا مثل ما قال رسول الله ﷺ ، ثم اتفقوا على قول واحد وقاموا بتسليم الوفد جميع ما أخذوا، وهم راضون سعداء، وأطلقوا سراح ما في أيديهم من سبي هوازن إلا قوما تمسكوا بما في أيديهم، فأعطاهم الرسول ﷺ إبلا عوضا عن ذلك، وفك أسرهم جميعا١.
إن الإنسان العظيم لا ينسى جميلا أُسدي إليه، وأو أسدي لأحد من صحابته، ودائما يحفظ الفضل لأهله، وعلى رأس العظماء رسول الله ﷺ الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، لقد تذكر جميل آل حليمة في وقت عسرهم، وضعفهم فما خذلهم وما هانهم.. بل أكرمهم جميعا، وأعادهم إلى ديارهم أحرارا.
وهكذا حافظ رسول الله على الخلق الكريم، فوفَّى لحليمة ﵂ يوم أتت إليه، وأكرم أهلها وقومها ﷺ ، يوم أن وقعوا أسرى عند المسلمين، وقد أسلموا بعد ذلك، وحسن إسلامهم..
стр. 184
المبحث الخامس: شق الصدر:
وتتواصل إرهاصات النبوة مع رسول الله ﷺ وهو عند حليمة بعد عودته معها مرة ثانية، ومن هذه الإرهاصات حادثة شق الصدر، الثابتة بالروايات الصحيحة.
يروي مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵂: "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان، ثم غسله في طست من ذهب بما زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قُتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره"١.
وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا له: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك.
قال: "نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام. واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا؛ إذ أتاني رجلان -عليهما ثياب بيض- بطست من ذهب، مملوء ثلجا، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنة بمائة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فوالله لو وزنته بأمته لوزنها"
стр. 185
وإسناد هذا الأثر جيد قوي١.
ويروي أحمد وأبو نعيم في الدلائل عن عتبة بن عبد: أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟
قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادا، فقلت: يا أخي! اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي وكنت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا من علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه، وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفه، واجعل ألفا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوق، أشفق أن يخر عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انلطقا فتركاني، وفرقت فرقا شديدا، ثم انطلقت إلى أمي "حليمة" فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بي، فقالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرا لها، وحملتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها، وقالت: إني رأيت نورا خرج مني أضاء قصور الشام" ٢.
وقد تناولت كتب السيرة حادثة شق الصدر، فهي في: سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد، ودلائل النبوة لأبي نعيم، والبداية والنهاية، والخصائص
стр. 186
الكبرى للسيوطي، ودلائل النبوة للبيهقي، وسير أعلام النبلاء، وسائر المؤلفات الحديثة، وأشارت إليه بعض كتب التفسير، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ١، وعند تفسير أول الإسراء.
وهذه الحادثة التي وقعت لرسول الله ﷺ منذ الطفولة المبكرة، تكررت معه بعد ذلك أكثر من مرة، فقد روى الإمام أحمد، وابن حبان، وابن عساكر، عن أبي كعب: أن أبا هريرة سأل رسول الله ﷺ : يا رسول الله! ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟
فقال النبي ﷺ : "إني لفي صحراء، ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما هامسا، فقال أحدهما للآخر: أضجعه، فأضجعاني بلا قسر ولا قصر، وقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهَوَى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أدخل يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمني، فقال: اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير"، وهذه هي المرة الثانية.
وتكررت مرة ثالثة قبيل البعثة، يروي أنس بن مالك ويقول: لما حان أن ينبأ رسول الله ﷺ كان ينام حول الكعبة، وكانت قريش تنام حولها فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا بأيهم أمرنا، فقالا أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا وجاءا من القابلة وهم ثلاثة، فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره، وشقوا بطنه، ثم جاءوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه، ثم جاءوا بطست من ذهب قد ملئت إيمانا وحكمة
стр. 187
فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة١.
وتكررت مرة رابعة، لما جاوز النبي ﷺ الخمسين من عمره، فعن مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: "بينما أنا في الحطيم -أو قال: في الحجر- قال: فاستُخرج قلبي، ثم أُتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغُسل قلبي، ثم أحشائي، ثم أعيد ... " ٢.
وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله نبيه ﷺ منذ صغره، وعلى امتداد عمره ﷺ ، وإبعاده عن مزالق الطبع، ووساوس الشيطان، وتلك حصانة حسية للرسول الكريم أضفاها الله عليه؛ ليعيش طاهر الظاهر والباطن بتوفيق الله تعالى.
إن الله -وقد شاءت إرادته منذ الأزل- أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الأعلى للإنسان السوي، الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب وتصفية النفس.
ولما شب رسول الله ﷺ كانت مكة تعج بمختلف أنواع اللهو والفساد والملاذ الشهوانية الدنسة.
كانت حانات الخمر منتشرة، وبيوت الريبة وعليها علامات تعرف بها، ووجود المغنيات، والماجنات، والراقصات، من الأمور العادية الموجودة في ذلك المجتمع تتوجها عبادة الأصنام والأوثان.
وكان المجتمع المكي يومذاك يقر ذلك، ويعتبره جزءا من حياة الناس..
والله برأ رسوله، واختاره من أكرم معادن الإنسانية، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض؛ ولذلك أحاطه بكل أنواع الرعاية والحفظ.
стр. 188
وأحاديث شق الصدر صحيحة بالسند، أجمعت عليها سائر مؤلفات السيرة، فلا مجال للشك في سندها.
وأحاديث شق الصدر مروية عن رسول الله ﷺ بعد مبعثه، فهي بذلك من الوحي المنزل على رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى أبدا.
ولا يصح لمسلم أن يشكك في هذه الروايات الصحيحة، ويدعي أن محمدا قال بها، وهو طفل صغير لا يتحمل الرواية.
إن شق صدر النبي ﷺ كان لإخراج حظ النفس والشيطان من قلبه، لقد كان بوسع القدر الإلهي أن يضع في محمد ما يشاء الله له من فضل وخير، بصورة معنوية غير مدركة بالحواس، لكن الله أراد له هذه الصورة الحسية؛ ليشهد الناس على هذه العجيبة الخالدة التي جعلت من محمد إنسانا قويا، شجاعا طاهرا، نظيف الظاهر والباطن ... ولا نستطيع القول بأن حظ الشيطان مرتبط في النفس بجزء مادي أو غدة معينة؛ لأن هذا مما يستحيل تحديده.
وكل ما يمكن الإشارة إليه أن شق صدر محمد ﷺ من عناية الله به؛ ليترقى في الطهر، ويسمو في السلوك، ويعلو في روحانيته وشفافيته، ويقترب في نورانيته من الروح والملأ الأعلى.
ومن العجب أن رأينا من ينكر حادثة شق الصدر من العلماء المسلمين، فها هو الدكتور/ محمود مراد يتحدث عن طفولة النبي ﷺ وشق صدره وغيرها من الإرهاصات فيقول: "يغلب ذكر الأعاجيب فيها ذكر الواقع، في قصص ساذجة لا تشبه ما ورد في النص من أحاديث محكمة عن عبد المطلب"١.
فشق الصدر في رأيه كلام ساذج يتضمن أعجوبة لا يتصورها الواقع، ولا يسلم بها، فهي عنده قصة مردودة.
стр. 189
والدكتور/ محمد حسنين هيكل يرد حادثة شق الصدر بضعف السند، وبأن محمدا رواها وهو طفل صغير، وبأنه لا حاجة إليها في إثبات الرسالة، وبأن الإسلام أقام دعوته على العقل الذي يتعارض مع تصور هذه الحادثة١.
والمنكرون لشق الصدر فريقان:
فريق ينكره إنكارا تاما، ويبحث عن مبررات تؤيد إنكاره، فإن كان مسلما يذهب إلى ضعف سند روايات شق الصدر، وعدم تحمل الصغير للرواية، وإن لم يكن مسلما لجأ إلى التحليل العقلي، والواقع التجريبي ليصل الجميع إلى إنكار وقوع شق الصدر، ويرى هذا الفريق أن شق الصدر ليس ضروريا؛ لأن الله قادر على إنفاذ ما يرى، بدون هذه التصورات المزعومة، وبخاصة أن حظ الشيطان في النفس لا يسكن في عضو ما، وإنما هو يجري في الجسم كله مجرى الدم.
والفريق الثاني: ينظر إلى حادثة شق الصدر، ويرى صحة الأحاديث الواردة التي يؤكدها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فقد نزلت هذه الآية لتأكيد شق الصدر كما يقول الإمام الخازن في تفسيره٢؛ ولذا يبحث عن مخرج لإنكاره بعدما سلم بصحة أحاديث شق الصدر.
رأى هذا الفريق صحة الأحاديث، وعلم أنها كانت بعد البعثة؛ إذ تحدث بها ﷺ حين سئل عنها، فذهب إلى تأويل شق الصدر بأنه يعني التطهر المعنوي لرسول الله ﷺ .
إن حادثة شق الصدر وقعت بصورة حسية، وتكررت مع رسول الله ﷺ ، والروايات الصحيحة تؤكد ذلك، فقد جاء في بعضها: "فشق من النحر إلى مراق البطن".
стр. 190
وفي بعضها: "إلى أسفل بطنه".
وجاء في إحداها: "فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته".
وفوق ذلك كله فأنس بن مالك ﵁ يقول: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره١.
يقول الدكتور/ محمد سعيد البوطي في رده على كلا الفريقين: رُويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة.
وليست الحكمة من هذه الحادثة -والله أعلم- استئصال غدة الشر في جسم رسول الله ﷺ ؛ إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم، أو علقة في بعض أنحائه لأمكن أن يصبح الشرير خيِّرا بعملية جراحية، ولكن يبدو أن الحكمة هي إعلاء أمر الرسول ﷺ وتهيئته للعصمة والوحي، منذ صغره بوسائل مادية؛ ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به، وتصديقهم برسالته.
إنها إذن عملية تطهير معنوي، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي؛ ليكون ذلك الإعلان الإلهي ظاهرا بين أسماع الناس وأبصارهم، وعلى مستوى تصوراتهم.
وأيا كانت الحكمة، فلا ينبغي -وقد ثبت الخبر ثبوتا صحيحا- محاولة البحث عن مخارج لصرف الحديث عن ظاهره وحقيقته، والذهاب إلى التأويلات الممجوجة البعيدة المتكلفة، ولن نجد مسوغا لمن يحاول هذا -رغم ثبوت الخبر وصحته- إلا ضعف الإيمان بالله .
ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخبر إنما هو صدق الرواية وصحتها، فإذا ثبت ذلك ثبوتا بينا فلا مناص من قبوله، موضوعا على الرأس، وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات اللغة العربية وأحكامها، والأصل في الكلام الحقيقة، ولو أنه جاز لكل
стр. 191
باحث وقارئ أن يصرف الكلام عن حقيقته إلى مختلف الدلالات المجازية؛ ليتخير من بينها ما يروق له، لانشلت قيمة اللغة، وفقدت دلالتها، وتاه الناس في مفاهيمها١.
إن الدكتور/ محمود مراد يصف رواية الإرهاصات بالسذاجة ويصف قصص عبد المطلب بالإحكام، مع أنه لا فرق بينهما في التركيب اللغوي، أو الدلالات الفنية والمعنوية.. لكنه الغرض والمرض!!
وكلام الدكتور/ هيكل مردود؛ لصحة السند الذي جاء بشق الصدر على نحو ما أوردته، وقد قال النبي أحاديث شق الصدر وهو نبي مرسل، حين سئل عنها، وأيضا فإن خوارق العادات جاءت للناس ليسلموا بما جاءهم به الرسول ﷺ ، ومن الممكن أن يخلق الله في عباده التسليم والإيمان من غير معجزة، أو خارقة للعادة، وتلك مشيئة الله.
ولو فرضنا أن هذه الخوارق لم تقع لرأينا من يطالب بها لتكون دليلا أمامه على التصديق، كما حدث من أهل مكة، فلقد دعاهم النبي ﷺ بالقرآن الكريم وبكافة الحجج الموجودة فيه، إلا أنهم طالبوا بخوارق للعادات، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢.
إن إرهاصات النبوة لم تكن ليؤمن الناس بالإسلام، فقد ظهرت قبل المبعث بزمن طويل، ولم يبرزها النبي للناس بعد مبعثه ليجعلها دليلا لهم، وإنما جاءت هذه
стр. 192
الإرهاصات تنبيها للعقلاء؛ ليروا عجائب القدرة، وليعلموا أن الله محيط بخَلْقه، وله الأمر كله، ولتبعث في عقولهم البحث عن أسرار ما يشاهدون.
إن الأمر في النهاية عقل ونبوة، وفكر بشري ووحي إلهي، والفرق بينهما كبير.. والمؤمن يعطي كل جانب حقه.. أما غيره فإنه ينادي بسيادة العقل، وليس له في تصور النبوة والوحي نصيب.
يقول ابن حجر: "إن جميع ما ورد في شق الصدر واستخراج القلب، وغير ذلك مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك"١.
والبشرية كلها تعلم أن النبوات قائمة على خوارق العادات، الخارجة عن مألوف العقول طبائع الأشياء، فمن آمن بالنبوة لزمه الإيمان بالخوارق، ومن أنكر الخوارق أنكر النبوة من أساسها.. والله أعلم.
стр. 193
المبحث السادس: محمد في مرحلة الصبا
...
المبحث السادس: محمد ﷺ في مرحلة الصبا
عاد محمد ﷺ من ديار بني سعد بعدما بلغ خمس سنوات للمرة الثانية والأخيرة، وسُرت أمه بقدومه، وأخذت في توجيهه وتنشئته، تساعدها أم أيمن، ويعاون جده عبد المطلب الذي رأى في محمد صورة ابنه عبد الله.
لاحظت آمنة أن محمدا يتمتع بقوة بدنية وعقلية، تفوق أقرانه من الأطفال، ورأت أن تذهب به لزيارة أخوال أبيه من بني عدي بن النجار، وليعرف قبر أبيه الذي دفن في دارهم، وليعلم أصوله من جهة أمه كما علمها من جهة أبيه.
وأخذته ﷺ ورحلت به على ناقتين لها، ومعهما أم أيمن، ومكثت في المدينة شهرا كاملا؛ ليتمكن وليدها الصغير من التعرف بالمكان وأهله، ويرى ما هم فيه من عادات وأديان وأعمال، من خلال لعبه مع الصغار، أو جلوسه مع الكبار.
وعند عودة آمنة من المدينة إلى مكة ماتت في الطريق عند الأبواء١ ودفنت بها.. ورجعت القافلة مرة أخرى إلى مكة بلا آمنة، فاستقبلها عبد المطلب، وضم حفيده إليه، فكفل محمدا ﷺ ومعه حاضنته "أم أيمن" تخدمه.
وبقيت ذكريات رحلة المدينة مع رسول الله ﷺ طوال حياته؛ لأنه ﷺ لما هاجر في الإسلام إلى المدينة المنورة بعد سبع وأربعين سنة؛ نظر إلى أطم٢ بني النجار وقال: "كنت ألاعب "أنيسة" -وهي جارية من الأنصار- على هذه الأطم، وكنت مع الغلمان أبناء أخوالي نطير طائرا كان يقع علينا، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار"، وقال: "وفي دار بني عدي نزلت مع أمي، وفيها قبر أبي" ٣.
стр. 194
إنها ذكريات باقية بصورتها وحقيقتها.. وكان ﷺ يذكر حاضنته أم أيمن ويقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" ١.
وقد زار النبي ﷺ بعد البعثة أيضا قبر أمه فبكى وأبكى، فلما سئل: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: "تذكرت رحمتها فبكيت" ٢.
وبموت آمنة فقد الرسول أبويه، ووجد نفسه وحيدا فريدا، حرم من الآباء والإخوة، ولو كان غير محمد لأصابه الكثير، إلا أن الرعاية الإلهية كانت معه ﷺ ؛ حيث قام عبد المطلب بكفالته بعد رجوعه إلى مكة مباشرة، وشمله بعنايته واهتمامه، وكان يرعاه أكثر من أبنائه.
كما أحاطته أم أيمن ﵂ بالرعاية والخدمة، وكانت تخاف عليه من أي أذى يلحق به، وبخاصة أنها رأت من يهود المدينة ما جعلها تخاف عليه منهم، تقول ﵂: "وكان قوم من اليهود يختلفون إليه، وينظرونه ويتفرسون فيه، تقول أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم"٣.
وبقيت هذه الحادثة في ذاكرتها؛ ولذلك نراها بعد عودتها إلى مكة، تذهب به إلى جده عبد المطلب ليكفله، فكفله مرحبا به، وقربه منه، ولما قارب أجله، وصى ابنه "أبا طالب" ليكفله من بعده، وهكذا عاش ﷺ مع جده، ومن بعده مع عمه، مكرما مصانا.
عناية عبد المطلب بحفيده:
عاد محمد ﷺ وحيدا إلى جده، فضمه إليه، وقربه من نفسه، ورق عليه رقة لم ينلها أحد من ولده، وكان يتفقده إذا خلا، وإذا نام.
قال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ بابنك هذا فإن له شأنا، وإنا لم
стр. 195
نرَ قدما أشبه بقدم إبراهيم الذي في المقام منه، فسُر كثيرا، وأتى بولده أبي طالب وقال له: اسمع ما يقول هؤلاء، فسمع منهم، واحتفظ بما سمع إقرارا بضرورة الاهتمام بمحمد ﷺ .
وجاء عبد المطلب لحاضنته "أم أيمن" وكان اسمها "بركة" وقال لها: يا بركة، لا تغفلي عن ابني هذا، فإني وجدته من غلمان قريبا من السدرة، وإن أهل الكتاب يرون أن له شأنا.
وقد عمد عبد المطلب أن ينشئ حفيده نشأة الرجال الكبار، يقول ابن إسحاق: "وكان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك، حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له"، يقول ابن إسحاق: "فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول لهم عبد المطلب حين رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع"١.
ويبدو أن هذه الواقعة تكررت مع غير أبناء عبد المطلب، فلقد روى ابن جريج قال: "كنا مع عطاء، فقال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسنهم وجها، ما رآه أحد قط إلا أحبه، وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه معه أحد، وكان الأنداد من قريش -حرب بن أمية فمن دونه- يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول الله ﷺ وهو غلام لم يبلغ، فجلس على المفرش، فجبذه رجل فبكى، فقال عبد المطلب وذلك بعدما كف بصره: ما لابني يبكي؟
قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه.
стр. 196
فقال: دعوا ابني يجلس عليه، فإنه يحس من نفسه شرفا، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده"١.
وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا ناداه ليأكل معه، ويقول لمن حوله: علي بابني، فيؤتى إليه، ويأكل معه.
يروي كندير بن سعيد عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز، ويقول:
يا رب رد لي راكبي محمدا
يا رب رده واصطنع عندي يدا
فقلت: مَن هذا؟
قالوا: هذا عبد المطلب، ذهبت إبل له، فأرسل ابن ابنه محمد في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، وقد احتبس عليه هذه المرة.. يقول الراوي: فما برحت حتى أنظر ما يحدث، فلما جاء محمد ﷺ بالإبل، قال له جده: يا بني، لقد حزنت عليك حزنا، لا تفارقني أبدا٢.
وكان هذا الاهتمام بمحمد هو شأن عبد المطلب منذ مولد رسول الله، حتى عرف ذلك عنه؛ ولذلك حينما افتقدته حليمة السعدية مرة، لم تجد سوى جده، فأتت إليه، وأخبرته بضياعه ليبحث عنه..
يقول ابن إسحاق: "إن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس، وهي مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب، فقالت له: إني قد قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلني، فوالله ما أدري أين هو؟! فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، يقول ابن إسحاق: وجده ورقة بن نوفل بن أسد، ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك
стр. 197
وجدنا بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فحمله على عنقه، وهو يطوف بالكعبة يعوذه، ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه آمنة"١.
ولما شعر عبد المطلب بدنو أجله، وصى ابنه أبا طالب بكفالته٢، فكفله عمه أبو طالب بعد وفاة جده عبد المطلب، وعُمْر النبي ﷺ ثماني سنوات، وقد اشترك في دفن جده، وسار خلفه وهو يبكي، وقد دفن عبد المطلب بالحجون٣.
يقول ابن سعد: "ومات عبد المطلب فدفن بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشر سنين.
وسئل رسول الله ﷺ : أتذكر موت عبد المطلب؟
قال: نعم، أنا يومئذ ابن ثماني سنين.
قالت أم أيمن: رأيت رسول الله ﷺ يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب"٤.
عناية أبي طالب بابن أخيه:
عاش النبي ﷺ في كفالة عمه أبي طالب، تحيطه رعاية الله الذي حفظه من ذل اليتم وضرر الفقر.
تهيئة أبي طالب لكفالة محمد قدر إلهي خالص؛ لأن أبا طالب كان كثير العيال، فقير الحال، وكان الطعام يقدم لأولاده، فيتطاولون عليه لقلته، وكان الفقر باديا عليهم، يقول السهيلي: كانوا يصبحون غمضا، رمضا، مصفرة ألوانهم من الجوع.
ومع هذا الحال، فإن أبا طالب اهتم بوصية أبيه، وضم محمدا لأبنائه، وخصه بالرعاية والتوجيه، وكان يجالسه ويناقشه.
стр. 198
ومن رعاية الله بمحمد ﷺ وهو في بيت أبي طالب أنه كان إذا وضع الطعام لأولاد أبي طالب سبقوه إليه، ويتقاصر هو، وتمتد أيديهم، وتنقبض يده تكرما واستحياء وقناعة، ومع ذلك يصبح صقيلا دهينا، كأنه في أنعم عيش، وأعز كفاية؛ لطفًا من الله .
رأى محمد رغم صغره حاجة عمه أبي طالب للمال، فأخذ على عاتقه أن يعمل ويكتسب شيئا يعين به عمه.
وأراد الله لمحمد ﷺ أن يخرج إلى الناس، ويختلط بهم، ويتعامل معهم، في بيئته، وبعيدا عنها؛ لينال أهلية الرسالة بصورة عملية تطبيقية.
إن التربية العملية لها دور رئيسي في بروز الشخصية السوية، وكلما اختلط الصغير بالناس اكتسب خبرة ومعرفة، وكلما سافر ورحل عرف المزيد؛ لهذا نرى -والله أعلم- أن الله هيأ لحبيبه محمد ﷺ مجالا رحبا لهذه التنشئة..
لقد عاش في بادية بني سعد خمس سنوات، اختلط بالناس وقام بالعمل والنشاط، تقول حليمة: "بينما هو ﷺ يلعب وأخوه خلف البيوت يرعيان بهما لنا"١.. ورحل إلى المدينة برفقة أمه في رحلتها التي ماتت فيها.. وأقام بالمدينة شهرا.. وفي كفالة جده اختلط بحكماء مكة ورجالاتها..
ومع عمه أبي طالب رأى حنان الأب واهتمامه؛ حيث كان يصطحبه معه أينما ذهب، وكان يحبه حبا شديدا، لا يتركه ينام إلا بجواره، ولا يخرج إلا في معيته، ولا يطعم أبناءه إلا وهو معهم.
وكان عمه لا يطمئن عليه إلا وهو معه؛ ولذلك كانت ملازمته له دائمة ومستمرة.
стр. 199
وهيأ الله لمحمد ﷺ أسباب الاتصال بالناس، والالتقاء بهم، مع اختلاف المذاهب والاتجاهات والعادات، فقام بأعمال عديدة ذكرها مؤرخو السيرة، ومنها ما يلي:
أولا: الرحلة الأولى إلى الشام، وقصة بحيرى الراهب
أراد أبو طالب أن يسير في ركب الشام للتجارة، فلما عزم على السفر تعلق به محمد ﷺ قائلا له: "أي عم، إلى مَن تخلفني هاهنا؟ "، فرق له قلب عمه، وأخذه معه، وأردفه خلفه على بعيره، واتجهوا صوب الشام مع القافلة.
وكان للنصارى عدد من الأديرة في الطريق، يسكنها الرهبان المنقطعون للعبادة، وهم الذين يعلمون ما بقي من دين عيسى ﵇، ويبدو أن هؤلاء الرهبان كانوا على علم بأوصاف النبي المنتظر ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ ١، وكما يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
لقد وصلت هذه المعرفة لديهم أن علموا ضرورة أن يكون النبي يتيما، وأن يكون موسوما بخاتم النبوة، وأن خوارق الطبيعة تحيط به، وكانوا يعلمون أن هذا النبي سيلقى كراهية اليهود؛ لأنهم يرغبون في أن تكون النبوة لهم ومنهم.
ويبدو أن هذه المسألة كانت معلومة لعديد من الرهبان والقسس؛ لأن ركب أبي طالب ومحمد نزل أولا في دير قريب بشمال الحجاز، فالتقوا مع صاحبه، فنظر صاحب الدير لمحمد، وقال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟
стр. 200
فقال أبو طالب: هو ابني.
فقال الراهب: ما هو ابنك، وما ينبغي أن يكون له أب حي.
قال أبو طالب: ولِمَ؟
قال الراهب: لأن وجهه وجه نبي، وعينه عين نبي.
فقال أبو طالب: وما النبي؟
فقال له الراهب: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ أهل الأرض، فاتقِ عليه من اليهود.
لقد كانت هذه الأديرة أماكن يستريح بجوارها المارة الذاهبون إلى الشام أو العائدون منها، ففيها من أسباب الحياة ما يشجع على الراحة عندها.
وكان أبو طالب يسمع من راهب الدير الذي ينزل عنده ما سمعه من غيره، فقال للنبي ﷺ : يابن أخي، ألا تسمع ما يقولون؟
فقال له محمد: أي عم، لا تنكر لله قدرة!!
وكانت الوقفة الكبرى حين بلغ الركب مدينة بصرى، فنزل الجميع وجلسوا تحت شجرة قريبة من دير "بحيرى".
يقول ابن إسحاق: "فلما نزل الركب أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرى، في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها، يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك، فلا يكلمهم، ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك عن شيء رآه، يذكرون أنه رأى رسول الله ﷺ وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، تتحرك بحركته، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا من بحيرى، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها.
стр. 201
فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته، وقد أمر بالطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم.
فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟!
قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعاما، فتأكلوا منه كلكم.
فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم؛ لحداثة سنه، فبقي في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم لم يرَ الصفة التي يعرف، ويجدها عنده.
فقال: يا معشر قريش! لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي.
قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا، فتخلف في الرحال.
فقال: لا تفعلوا، ادعوه، فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأحضره، وأجلسه مع القوم.
فلما رآه بحيرى، جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، وقد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك وحلف باللات والعزى؛ لأنه سمع قومه يحلفون بهما.
فقال له رسول الله ﷺ : "لا تسألني باللات والعزى شيئا، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما".
فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه.
стр. 202
فقال له: سلني عما بدا لك.
فجعل يسأله عن أشياء من حاله من قومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ، أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟
قال: ابني.
قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا.
قال: فإنه ابن أخي.
قال: فما فعل أبوه؟
قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده"١.
وقد أورد الإمام الترمذي هذه الحادثة وزاد فيه: "حين سأله أشياخ من قريش عن سبب ما فعل قال لهم: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجر ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به وكان هو في رعي الإبل قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه.
стр. 203
فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، وبينما هو قائم عليهم، يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلوه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟
قالوا: جئنا لهذا النبي الذي أظلنا زمانه، فلم يبقَ طريق إلا بعث إليه بأناس منا، وإنا قد بعثنا إلى طريقك هذا.
فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟
قالوا: إنما اخترنا خيرتنا لك، لطريقك هذا.
قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟
قالوا: لا.
فلما رد الرومان قال لأبي طالب ومَن معه: أنشدكم الله أيكم وليه؟
قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب"١.
ويبدو أنها حادثة أخرى؛ لأن رواية ابن إسحاق كان التحذير من اليهود، والتحذير في هذه الحادثة كان من الروم، وأيضا فإن الحادثة الأولى حددت اسم الراهب وهو بحيرى، بينما هذه الحادثة لم تذكر اسما معينا.
وخلاصة هذه المرويات تثبت هذه الرحلة لرسول الله ﷺ ومصاحبته لعمه، ومعرفة أهل الكتاب بقرب مبعثه، وكراهيتهم لعروبة هذا النبي المبعوث الذي تمنوه منهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
стр. 204
وقد روى الهيثمي عددا من الآثار تشهد على علم أهل الكتاب بأمر نبوة محمد ﷺ ، وهذا تأكيد لما جاء في القرآن الكريم.
يروي سلمة بن سلامة بن وقش -وكان من أصحاب بدر- قال: "كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته، قبل مبعث النبي ﷺ بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، وأنا يؤمئذ أحدث من فيه سنا، عليَّ بردة، مضطجع فيها بفناء أهلي فذكر البعث، والقيامة، والحساب، والميزان، والجنة، والنار.
قال ذلك لقوم أهل أوثان وأصحاب شرك، لا يرون أن بعثا كائنا بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا، إن الناس يبعثون بعد موتهم، إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم.
قال: نعم، والذي يحلف به، لود أن له بدل تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، يم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه، وإنه ينجو من تلك النار غدا.
قالوا: ويحك! وما آية ذلك؟
قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن.
قالوا: ومتى نراه؟
فنظر إليَّ وأنا من أحدثهم سنا فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى نبيه ﷺ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا له: ويلك يا فلان! أليس قلت لنا فيه ما قلت؟
قال: بلى، وليس به أومن"١.
وكان عمر رسول الله ﷺ يوم أن سافر مع عمه اثنتي عشرة سنة٢..
стр. 205
الأمر الذي مكنه من استيعاب كل ما رأى وما سمع، مما جعل الرحلة تربية عملية، استفادة تجريبية من المعاشرة والاختلاط، والنظر والتحليل، والفهم والتدبر.
في هذه الرحلة وقعت عينا محمد على فسحة الصحراء الممتدة الواسعة، وتعلقتا بالنجوم اللامعة في سمائها الصافية البديعة، وجعل يمر بمدين، ووادي القرى، وديار ثمود، وتستمع أذناه إلى حديث العرب، وأهل البادية، وأخذ يتأمل هذه المنازل، وأخبارها، وماضي نبئها.
وفي هذه الرحلة وقف في بلاد الشام عند الحدائق الغناء، وعرف أخبار الروم ونصرانيتهم، وسمع عن كتابهم، وعن مناوأة الفرس "عُبَّاد النار" لهم، وانتظارهم الوقيعة بهم.
لقد كان له ﷺ من عظمة الروح، وذكاء القلب، ورجحان العقل، ودقة الملاحظة، وقوة الذاكرة، وغير ذلك من صفات حباه القدر بها ما مكنه من معرفة الواقع الحياتي لكل من قابله، تمهيدا للرسالة العظيمة التي أعده الله لها، الأمر الذي جعله ينظر إلى ما حوله نظرة الفاحص المحقق، فلا يستريح إلى كل ما يسمع ويرى، فيرجع إلى نفسه يسائلها: أين الحق من ذلك كله؟
ويبدو أن أبا طلب لم يستفد من رحلته مالا كثيرا، فعاد إلى مكة، ولم يرجع لمثلها بعد ذلك، وبقي في مكة، يقنع بالقليل ينفقه على أبنائه الكثيري العدد.
стр. 206
ثانيا: رعي الغنم
عاد النبي ﷺ إلى مكة، ورأى قلة مال عمه، وكثرة أولاده، فرغب في مساعدته، وهداه الله للعمل بأجرة لأهل مكة، فرعى لهم غنمهم.
عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم"، فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" ١.
والقيراط عملة فضية تمثل جزءا من الدينار أو الدرهم.. ومن قال: إنها جزء من الأرض فقد وهم؛ لأن قيراط الأرض لم يعرف إلا في مصر.
عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والشاة، فقال رسول الله ﷺ : "بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم، أرعاها لأهلي بأجياد" ٢.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ بمر الطهران، ونحن نجني الكباث، فقال النبي ﷺ : "عليكم بالأسود منه، فإني كنت أجنيه إذ كنت أرعى الغنم"، فقلنا: يا رسول الله، كأنك رعيت الغنم، قال: "نعم، وهل من نبي إلا وقد رعاها!! " ٣.
ومن المعلوم أن محمدا ﷺ رعى الغنم لحليمة مع غلام لها، كما سبق في حديث شق الصدر، حين جاءه الملكان وشقا صدره.
وللمرء أن يتساءل: وما الحكمة في رعي الغنم؛ حتى يقدرها الله لأنبيائه جميعا؟..
стр. 207
أرى -والله أعلم- أن الحكمة في رعي الغنم هي تربية الأنبياء على ما سيكونون عليه حين تكليفهم بالنبوة، وليتعلموا حسن التعامل مع الناس.
وأهم هذه الفوائد ما يلي:
١- التعود على المسئولية:
إن ثقل التكليف يحتاج إلى طاقات بشرية تتحمله، والنبوة تكليف شاق؛ لأنها تعني إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإنقاذ البشر من ضلالات الهوى ليسعدوا بنور الإيمان وبرد اليقين. إن النبوة قمة الأمانة والمسئولية، وحاجتها إلى رسول يتحمل مشاقها ومصاعبها ضرورة لا بد منها.
ورعي الغنم عمل شاق، يكفي في تصور مشقته أن الراعي يعيش واقفا ومتحركا طوال الوقت؛ حيث تسرح الغنم وتمرح، وهذه أعمال في حد ذاتها تحتاج إلى قوة وطاقة؛ ولذلك كان رعي الغنم مقدمة للنبوة لما فيهما معا من مشقة وتعب..
٢- تعليم الصبر والتحمل:
تحتاج النبوة إلى التخلق بالخلق الكريم، والاتصاف بالحلم والصبر، وذلك أمر يحققه رعي الغنم؛ لأن القطيع يرعى وهو مطلق السراح، فيتوزع هنا وهنا، وكلما يجمعه الراعي يعود من حيث أتى، وذلك أمر يحتاج إلى الصبر والتحمل، وبدون ذلك لا يمكن للراعي رعي الغنم..
ومن رعي الغنم إذن تعلَّم الأنبياء الصبر والتحمل في دعوة الناس؛ لأن المدعوين ليسوا على اتجاه واحد، وإنما لكل اتجاهه ومذهبه وجدله، والنبي مسئول عن تبليغ الدعوة للناس على الوجه الصحيح؛ ولذلك وجب أن يكون صابرا حليما.
يقول ابن حجر: "إن مخالطة الغنم يحقق الحلم والشفقة؛ لأن النبي إذا صبر على رعيها، وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع، وسارق، وغير ذلك، ألف من ذلك الصبر على الأمة، وتحمل
стр. 208
اختلاف الطبع، وتفاوت العقول، ويكون تحمله لمشقة ذلك أسهل بعد تدريبه عليه"١..
٢- شمول الرعاية:
راعي الغنم يحتاج إلى سعة الأفق وهو يدبر أمر غنمه؛ لتعدد جوانب الرعاية التي تحتاج إليها، ففيها الصغير المحتاج للرضاعة، وفيها الذكر، وفيها الأنثى، كما أنها تحتاج دائما إلى البحث عن مصادر أكلها وغذائها، ولا بد لها من حراسة تحميها من الذئاب واللصوص، ومن الضروري المحافظة عليها من شدة الحر، وقسوة البرد، وكثيرا ما تنتابها الآلام والأوجاع، وعلى الراعي متابعة ذلك، ومن مسئوليات الراعي تدبير أمر مبيتها في الخلاء، أو في البناء.
إنها مسئوليات عديدة، لا يصلح لها ضيق الأفق، العاجز حمايتها، وإعداد كافة الجوانب التي تحتاج إليها.
ولذلك كان رعي الغنم تدريبا عمليا على مباشرة أعمال النبوة لتعدد المسئوليات النبوية، فعلى النبي أن يعلم حدود ما كلف به، ويحسن فهم من سيدعوهم، ولغة من سيخاطبهم، حتى إذا سئل أجاب، وإن عورض رد، وإن واجه عدوا قاومه بالحسنى.. كل ذلك في قوالب عديدة وصور كثيرة.
إن تعدد المسئولية في رعي الغنم باب يعلم النبي ضرورة قيامه الأمر، والدعوة إليه بصورة كاملة، تامة، شاملة.
٤- التسوية والعدل بين الناس:
يحتاج النبي إلى تبليغ الدعوة لسائر الناس على وجه يتناسب مع كل واحد منهم، ولا يقدم واحدا، ويترك غيره، ولا يهتم بغني على حساب فقير، ولا يتصور أن الخير في هذا أو في ذاك، فيفضله على غيره.
стр. 209
ورعي الغنم يحقق هذا الخُلُق؛ لأن الراعي عليه أن يرفق بالضعيف، ويحيطه بعنايته، فلو ولدت نعجة في الطريق فعليه حمل المولود بيده؛ ولذلك نراه يسير خلف القطيع ليكون في عون الضعفاء، ويراعي الأقوياء.
٥- تعليم التواضع:
إن قيام الأنبياء برعي الغنم يعوِّدهم التواضع وترك الكبر؛ لأن رعاية الغنم والحرص عليها يحتاج إلى العمل الدءوب بعيدا عن الخيلاء؛ حيث لا فخر بعمل كله تعب ومشقة، تحت حر الشمس، أو في برد الشتاء، والنبوة في حاجة إلى هذا التواضع الذي يجعل الأنبياء يتعاملون بالخلق الكريم مع كافة الناس، مع الرجال والنساء، مع الأغنياء والفقراء، مع الكبير والصغير، مع العظيم والحقير، وبذلك كانوا أمثلة عليا، وقدوة سامية.
وفي ذكر النبي ﷺ بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله أنه رعى الغنم دليل على عظيم تواضعه، اعترافه بفضل ما مَنَّ الله عليه به.
٦- التعامل مع الناس:
يقتني الغنم عديد من الناس، ورعاتها كثيرون، وكل راعٍ يجد نفسه يتعامل بالضرورة مع كثير من أقرانه الرعاة؛ حيث يجلسون في وقت الراحة، ويتسامرون، ويتناقشون، وفي ذلك فرصة للأنبياء يتعرفون بها على الناس؛ لتتم دعوتهم بعد ذلك بما يناسبهم ويفيدهم.
٧- الشجاعة:
الراعي يعمل على حماية غنمه من الذئاب واللصوص وغيرها، وهو لذلك يحتاج إلى شجاعة تعينه على هذه الحماية ليلا ونهارا، والأنبياء وهم يقومون بالدعوة يتصدى لهم الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهم محتاجون للشجاعة والجرأة، حتى يمكنهم القيام بواجب الدعوة.
стр. 210
٨- التأمل والتفكير:
وراعي الغنم الذكي القلب يجد في فسحة الجو الطلق أثناء النهار، وفي تلألؤ النجوم إذا جن الليل موضعا لتفكيره وتأمله يسبح منه في هذه العوالم، يبتغي أن يرى ما وراءها، ويلتمس في مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرا لهذ الكون وخلقه.
أليس هو يتنفس هواءه ولو لم يتنفسه لمات؟!..
أليست تحييه أشعة الشمس، ويغمره ضياء القمر، ويتصل وجوده بالأفلاك والعوالم جميعا؟!..
هذه الأفلاك والعوالم التي يراها في فسحة الكون أمامه، متصلا بعضها ببعض في نظام محكم ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ !!
وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب على شاة منها، وحتى لا تضل إحداها في مهامه البادية، فأي انتباه وأية قوة تحافظ على نظام العالم كله مع إحكامه الموجود؟!!..
إن رعي الغنم مدرسة تحتاج إلى قوة البدن، وقوة العزيمة، والهدوء والأناة، مع الصدق والإخلاص، وقصد الاستفادة والتعلم.
وقد جعل الله رسله رعاة للغنم ليتعلموا منها الكثير، في إطار معونة الله ورعايته لهم.
ولكن، لِمَ كانت الفوائد في رعي الغنم خاصة دون سائر الأنعام كالإبل والبقر وغيرها؟..
وأرى أن السر في اختيار الغنم لذلك -والله أعلم- كثرة عددها، وسرعة حركتها، وسهولة تفرقها؛ لعدم ربطها أو تقييدها، أما الإبل والبقر والخيل، فعددها قليل وربطها وتقييدها بالحبال أمر عادي، وكأن الله تعالى يعلم رسله ﵈ حسن التعامل مع الناس وهم أحرار.
стр. 211
وأيضا فإن السيطرة على الغنم المتفرقة سهل، وانقيادها للراعي لا يحتاج لجهد كبير؛ لأنها بنداء واحد أو بإشارة بالعصا تعود لمكانها، أما البقر والخيل والإبل فلا.
ومن هنا كان اختيار الغنم يرعاها الأنبياء ليتعلموا قيادة أشتات من الناس، ومخاطبة العديد من العقول، والتفاهم مع كافة لغات ولهجات المدعوين، الذين يصيخون للحق، ويؤمنون به.
وهكذا رعى النبي ﷺ الغنم في مكة..
стр. 212
ثالثا: حرب الفجار
الإجارة عند العرب عهد لا يمكن الفكاك منه، وهو وعد يعطيه العربي لضعيف يلجأ إليه، ويلتزم بإنفاذه له، وكان الضعفاء أو المحتاجون يلجئون إلى مَن لديه قوة للحماية والنصرة فيجيرهم، ويعلن ذلك للناس، وبعدها تلتزم قبيلته معه في إنفاد ما وعد به مهما كلفهم ذلك، وبخاصة إذا كان من المقدمين فيهم.
وقد تقع الحرب بين القبائل بسبب هذه الحماية، وكثيرا ما وقعت.
وحروب العرب هي أيامهم التي كانوا يتواعدون عليها، وكثيرا ما جعلوها قريبة من البيت مع أوقات أسواقهم وتجاراتهم.
ومن أشهر أيام العرب التي وقعت بسبب الإجارة حرب الفجار -بكسر الفاء وفتح الجيم الممدود- التي هاجت بين العرب، واستمرت خمسة أعوام، واشترك فيها محمد ﷺ وعمره خمسة عشر عاما.
وسبب وقوعها أن النعمان بن المنذر أتى مكة بإبل تحمل الحرير والعطر، ويسميها العرب "لطيمة"، أتى بها لبيعها في سوق عكاظ، فلما نزلت عند بئر "أوارة" أراد البراض بن قيس -وكان صعلوكا خليعا- أن يستولي على اللطيمة لضعف صاحبها المنذري، وبعد قومه من مكة، فاستجار النعمان بـ"عروة الرحال بن ربيعة" ليقوي ضعفه، ويصد عنه عدوان كنانة، فأجار عروة اللطيمة، وأصبح العدوان عليها عدوانا على عروة وقبيلته.
فجاء البراض بن قيس أحد بن ضمرة يعاتب عروة، ويقول له: أتجير اللطيمة على كنانة؟!!
فقال عروة: نعم، وأجيرهم على الخلق كلهم.
وأدت هذه المواجهة الساخنة بني الرجلين إلى أن خرج عروة الرحال في سفره فتبعه البراض بن قيس، يطلب غفلته لينال منه، حتى إذا وصلا إلى "تيمن ذي
стр. 213
ظلال" وهو وادٍ بعالية نجد١ غفل عروة، وهو ابن ربيعة بن جعفر بن كلاب، فوثب عليه البراض، وقتله في شهر شوال، وهو من الأشهر الحرم، وتعرف هذه الحرب بـ"فجار البراض".
أدى مقتل عروة إلى قيام حرب الفجار -بكسر الفاء وفتح الجيم٢- وسماها العرب بهذا الاسم بسبب وقوعها في الأشهر الحرم؛ لأنهم لما تقاتلوا لم يأبهوا بحرمة الأيام، ولا بحرمة المكان، وقالوا: قد فجرنا وارتكبنا ذنبا عظيما، وبذلك سميت الحرب بهذا الاسم٣.
وقيل: إنما سميت بذلك لأن كلا الطرفين استحلا من المحارم بينهم ما لم يكن يقع في أيام العرب الأخرى٤.
وقد جاء خبر مقتل عروة إلى قريش، وهي بعكاظ فتركت السوق، ورحلت حيث عروة، وهوازن لا تشعر، وانفض السوق، ولم يقم بعكاظ سوق هذا العام.
علمت هوازن بعد ذلك أن قريشا ذهبت تيمن ذي ظلال، فاتبتعها ورأتها راجعة إلى مكة، وأدركتها قبل أن تدخل الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل.
فلما دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن فوقفت الحرب، ولكنهم تواعدوا على اللقاء في عكاظ من العام القادم حيث كان يوم شمطة، وقد استمرت أيامهم بعد ذلك مدة طويلة.
وانتظم الفريقان خلال اقتتالهما تحت قيادة واحدة لكل قبيلة، حيث كان لكل بطن من قريش وكنانة رئيس منهم، ولكل قبيلة من قيس رئيس منهم، وعلى القبائل جميعا عند كل طرف رئيس واحد، وبهذا التنظيم يلتزم كل فرد بما يوجبه عليه العرف القبلي؛ حفاظا على وضع القبيلة، وحماية لها من الذل والهوان.
стр. 214
ولذلك أشرك أبناء عبد المطلب محمدا ﷺ معهم في حرب الفجار، وكانت هذه المشاركة تجربة عملية، عاشها مع أعمامه وأقرانه من غير أن يكون منه عدوان أو ظلم، وبخاصة إذا علمنا أن أيام العرب كانت نادرة الدم، فهي عبارة عن تدريب ويقظة، وحراسة مستمرة، ومواجهة ينشغل بها أبناء القبيلة جميعا، حتى لا يتركوا غفلة لخصومهم، وكانوا يحددون لحروبهم أياما يتقابلون فيها في مكان معين، وفي موعد معين، وكأنها مباراة دورية، ومبارزة تنتهي بانتصار طرف، وانسحاب الفريق المنهزم، وبعدها يحددون موعدا جديدا في مكان يتفقون عليه، وأغلب أيام الفجار كانت في عكاظ.
يدل على ندرة الدم في أيام العرب أن هوازن حين عرض الصلح عليها، أخذت أربعين رجلا من قريش رهينة لديها حتى تأخذ دية قتلاها، الذين بلغوا هذا العدد طوال أيام الفجار التي استمرت خمسة أعوام.
إن حربا تقع بين قريش وكنانة بقبائلهما وبطونهما، وبين هوازن بكل ما تشتمل عليه، وتستمر خمسة أعوام، ويقتل من هوازن أربعون رجلا، ويقتل من قريش عشرون رجلا فقط، لدليل على قلة القتلى في أيام العرب.
والجانب الضعيف هو جانب هوازن؛ حيث انتصر القرشيون في يوم الشرب أكبر أيامهم، وانتصرت هوازن في يوم الحريرة انتصارا جزئيا؛ لأن بني نصر من قريش ثبتوا فيها، ولم ينسحبوا، مع أن هذه الأيام كانت تقع قرب ديار هوازن عند عكاظ، وقد دفعت قريش لهوازن دية عشرين قتيلا وهو العدد الزائد عن قتلاهم.
وأيام حرب فجار البراض هذه١ ستة، هي:
стр. 215
١- يوم نخلة: وهو يوم مقتل عروة حيث هبت قريش لعروة فتبعتهم هوازن، وأدركتهم قبل دخولهم الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، فلما دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن، فكان كفافا، لا على هؤلاء، ولا على هؤلاء.
٢- يوم شمطة: وهي الوقعة الثانية للفجار، والمؤرخون يعدونها الأولى؛ لأن اليوم الأول تم بصورة تلقائية كرد فعل على قتل عروة، وأتصورهم يعدون الأيام التي يتم التواعد فيها، وكان النصر في يوم شمطة لقريش وكنانة أول الأمر ثم انقلب لهوازن آخره.
٣- يوم العبلاء: وهو جبل صغير قرب عكاظ، صخره أبيض، وقعت في الواقعة، وكان النصر لهوازن..
٤- يوم الشَّرِب: بفتح الشين مشددة وكسر الراء، وبها كانت وقعة الفجار العظمى التي يقع للقرب مثلها، وفي هذا اليوم قيد حرب بن أمية وسفيان وأبو سفيان أنفسهم كي لا يفروا؛ ولذا سموا بـ"العنابس" أي: الأسود لشجاعتهم، وكان النصر في هذا اليوم لقريش.
٥- يوم الحريرة: والحريرة تصغير حرة، وادٍ بين الأبواء ومكة قرب نخلة، وفيه انهزمت قريش ما عدا بني النصر، فقد ثبتت ولم تنهزم.