وأيضا فإن السيطرة على الغنم المتفرقة سهل، وانقيادها للراعي لا يحتاج لجهد كبير؛ لأنها بنداء واحد أو بإشارة بالعصا تعود لمكانها، أما البقر والخيل والإبل فلا.
ومن هنا كان اختيار الغنم يرعاها الأنبياء ليتعلموا قيادة أشتات من الناس، ومخاطبة العديد من العقول، والتفاهم مع كافة لغات ولهجات المدعوين، الذين يصيخون للحق، ويؤمنون به.
وهكذا رعى النبي ﷺ الغنم في مكة..
стр. 212
ثالثا: حرب الفجار
الإجارة عند العرب عهد لا يمكن الفكاك منه، وهو وعد يعطيه العربي لضعيف يلجأ إليه، ويلتزم بإنفاذه له، وكان الضعفاء أو المحتاجون يلجئون إلى مَن لديه قوة للحماية والنصرة فيجيرهم، ويعلن ذلك للناس، وبعدها تلتزم قبيلته معه في إنفاد ما وعد به مهما كلفهم ذلك، وبخاصة إذا كان من المقدمين فيهم.
وقد تقع الحرب بين القبائل بسبب هذه الحماية، وكثيرا ما وقعت.
وحروب العرب هي أيامهم التي كانوا يتواعدون عليها، وكثيرا ما جعلوها قريبة من البيت مع أوقات أسواقهم وتجاراتهم.
ومن أشهر أيام العرب التي وقعت بسبب الإجارة حرب الفجار -بكسر الفاء وفتح الجيم الممدود- التي هاجت بين العرب، واستمرت خمسة أعوام، واشترك فيها محمد ﷺ وعمره خمسة عشر عاما.
وسبب وقوعها أن النعمان بن المنذر أتى مكة بإبل تحمل الحرير والعطر، ويسميها العرب "لطيمة"، أتى بها لبيعها في سوق عكاظ، فلما نزلت عند بئر "أوارة" أراد البراض بن قيس -وكان صعلوكا خليعا- أن يستولي على اللطيمة لضعف صاحبها المنذري، وبعد قومه من مكة، فاستجار النعمان بـ"عروة الرحال بن ربيعة" ليقوي ضعفه، ويصد عنه عدوان كنانة، فأجار عروة اللطيمة، وأصبح العدوان عليها عدوانا على عروة وقبيلته.
فجاء البراض بن قيس أحد بن ضمرة يعاتب عروة، ويقول له: أتجير اللطيمة على كنانة؟!!
فقال عروة: نعم، وأجيرهم على الخلق كلهم.
وأدت هذه المواجهة الساخنة بني الرجلين إلى أن خرج عروة الرحال في سفره فتبعه البراض بن قيس، يطلب غفلته لينال منه، حتى إذا وصلا إلى "تيمن ذي
стр. 213
ظلال" وهو وادٍ بعالية نجد١ غفل عروة، وهو ابن ربيعة بن جعفر بن كلاب، فوثب عليه البراض، وقتله في شهر شوال، وهو من الأشهر الحرم، وتعرف هذه الحرب بـ"فجار البراض".
أدى مقتل عروة إلى قيام حرب الفجار -بكسر الفاء وفتح الجيم٢- وسماها العرب بهذا الاسم بسبب وقوعها في الأشهر الحرم؛ لأنهم لما تقاتلوا لم يأبهوا بحرمة الأيام، ولا بحرمة المكان، وقالوا: قد فجرنا وارتكبنا ذنبا عظيما، وبذلك سميت الحرب بهذا الاسم٣.
وقيل: إنما سميت بذلك لأن كلا الطرفين استحلا من المحارم بينهم ما لم يكن يقع في أيام العرب الأخرى٤.
وقد جاء خبر مقتل عروة إلى قريش، وهي بعكاظ فتركت السوق، ورحلت حيث عروة، وهوازن لا تشعر، وانفض السوق، ولم يقم بعكاظ سوق هذا العام.
علمت هوازن بعد ذلك أن قريشا ذهبت تيمن ذي ظلال، فاتبتعها ورأتها راجعة إلى مكة، وأدركتها قبل أن تدخل الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل.
فلما دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن فوقفت الحرب، ولكنهم تواعدوا على اللقاء في عكاظ من العام القادم حيث كان يوم شمطة، وقد استمرت أيامهم بعد ذلك مدة طويلة.
وانتظم الفريقان خلال اقتتالهما تحت قيادة واحدة لكل قبيلة، حيث كان لكل بطن من قريش وكنانة رئيس منهم، ولكل قبيلة من قيس رئيس منهم، وعلى القبائل جميعا عند كل طرف رئيس واحد، وبهذا التنظيم يلتزم كل فرد بما يوجبه عليه العرف القبلي؛ حفاظا على وضع القبيلة، وحماية لها من الذل والهوان.
стр. 214
ولذلك أشرك أبناء عبد المطلب محمدا ﷺ معهم في حرب الفجار، وكانت هذه المشاركة تجربة عملية، عاشها مع أعمامه وأقرانه من غير أن يكون منه عدوان أو ظلم، وبخاصة إذا علمنا أن أيام العرب كانت نادرة الدم، فهي عبارة عن تدريب ويقظة، وحراسة مستمرة، ومواجهة ينشغل بها أبناء القبيلة جميعا، حتى لا يتركوا غفلة لخصومهم، وكانوا يحددون لحروبهم أياما يتقابلون فيها في مكان معين، وفي موعد معين، وكأنها مباراة دورية، ومبارزة تنتهي بانتصار طرف، وانسحاب الفريق المنهزم، وبعدها يحددون موعدا جديدا في مكان يتفقون عليه، وأغلب أيام الفجار كانت في عكاظ.
يدل على ندرة الدم في أيام العرب أن هوازن حين عرض الصلح عليها، أخذت أربعين رجلا من قريش رهينة لديها حتى تأخذ دية قتلاها، الذين بلغوا هذا العدد طوال أيام الفجار التي استمرت خمسة أعوام.
إن حربا تقع بين قريش وكنانة بقبائلهما وبطونهما، وبين هوازن بكل ما تشتمل عليه، وتستمر خمسة أعوام، ويقتل من هوازن أربعون رجلا، ويقتل من قريش عشرون رجلا فقط، لدليل على قلة القتلى في أيام العرب.
والجانب الضعيف هو جانب هوازن؛ حيث انتصر القرشيون في يوم الشرب أكبر أيامهم، وانتصرت هوازن في يوم الحريرة انتصارا جزئيا؛ لأن بني نصر من قريش ثبتوا فيها، ولم ينسحبوا، مع أن هذه الأيام كانت تقع قرب ديار هوازن عند عكاظ، وقد دفعت قريش لهوازن دية عشرين قتيلا وهو العدد الزائد عن قتلاهم.
وأيام حرب فجار البراض هذه١ ستة، هي:
стр. 215
١- يوم نخلة: وهو يوم مقتل عروة حيث هبت قريش لعروة فتبعتهم هوازن، وأدركتهم قبل دخولهم الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، فلما دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن، فكان كفافا، لا على هؤلاء، ولا على هؤلاء.
٢- يوم شمطة: وهي الوقعة الثانية للفجار، والمؤرخون يعدونها الأولى؛ لأن اليوم الأول تم بصورة تلقائية كرد فعل على قتل عروة، وأتصورهم يعدون الأيام التي يتم التواعد فيها، وكان النصر في يوم شمطة لقريش وكنانة أول الأمر ثم انقلب لهوازن آخره.
٣- يوم العبلاء: وهو جبل صغير قرب عكاظ، صخره أبيض، وقعت في الواقعة، وكان النصر لهوازن..
٤- يوم الشَّرِب: بفتح الشين مشددة وكسر الراء، وبها كانت وقعة الفجار العظمى التي يقع للقرب مثلها، وفي هذا اليوم قيد حرب بن أمية وسفيان وأبو سفيان أنفسهم كي لا يفروا؛ ولذا سموا بـ"العنابس" أي: الأسود لشجاعتهم، وكان النصر في هذا اليوم لقريش.
٥- يوم الحريرة: والحريرة تصغير حرة، وادٍ بين الأبواء ومكة قرب نخلة، وفيه انهزمت قريش ما عدا بني النصر، فقد ثبتت ولم تنهزم.
стр. 216
٦- يوم عكاظ: وهو اليوم الذي تصالحوا فيه.
وقد استغرقت تلك الأيام خمس سنوات١.
قصة الصلح بعد هذه الفجار:
تواعدت هوازن وكنانة على التقابل في عكاظ، وحضروا في الموعد المحدد، وقبيل التراشق بالسهام، وجد الصفان بينهما عتبة بن ربيعة، وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة قد ضربه، ومنعه من الخروج شفقة عليه ليتمه وصغره؛ لأنه لم يكن قد أتم الثلاثين بعد، إلا أنه خرج سرا، ولم يشعر به أحد، وفوجئ به حرب على بعيره بين الصفين ينادي: يا معشر مضر، علامَ تفانون؟.. وإنما ناداهم باسم مضر لأنه الجد الجامع لقريش وهوازن وكنانة.
فقالت هوازن: ما تدعو إليه؟
قال عتبة: أدعوكم إلى الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم، وتعفوا عن دمائنا.
قالوا: وكيف ذاك؟
قال: ندفع لكم رهنا منا.
قالوا: ومَن لنا بهذا؟
قال: أنا.
قالوا: ومن أنت؟
قال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
فرضوا، ورضيت كنانة، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلا، منهم حكيم بن حزام، بعد أن عدوا قتلاهم وقتلى قريش وكنانة، وجعلوا رجلا برجل، ثم أخذوا دية مَن زاد منهم، فأخذوا دية عشرين رجلا.
فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء، وانقضت حرب الفجار٢.
стр. 217
اشتراك محمد ﷺ في حرب الفجار:
هاجت حرب الفجار وعمر محمد ﷺ خمسة عشر عاما، وانتهت وهو في العشرين من عمره.
والروايات عن اشتراك محمد ﷺ في هذه الحرب كثيرة، يذكر ابن هشام أن رسول الله ﷺ اشترك في هذه الحرب دفاعا عن أعمامه؛ حيث يقول ﷺ : "كنت أنبل على أعمامي" أي: أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها١.
ويقول ابن سعد: إن محمدا حضر الحرب مع أعمامه، ورمى بالسهام٢.
وأرى -والله أعلم- أن اشتراك النبي ﷺ في حرب الفجار كان لمساعدة أعمامه بإعداد النبال لهم والدفاع عنهم، من غير عدوان على أحد من خصوم قومه، أو محاولة النيل منهم على غرة، ومع ذلك كان ﷺ يقول: "ما أحب أني لم أكن فعلت" ٣.
إن الله الذي صرف محمدا ﷺ في شبابه عن كل ما كانت الجاهلية تفعله هو سبحانه الذي أبعده عن الفجور في هذه الأيام، وإنما كان اشتراكه -والله أعلم- لتحقيق بعض الفوائد، ومن أهمها:
١- مخالطة قبائل العرب بسائر أفرادها، الكبار والصغار، حين تجمعهم للحرب والقتال؛ لمعرفة أحوالهم وطبائعهم، وطرق تفكيرهم في هذه الظروف العصيبة.
٢- معركة كيفية نظم الحرب التي يباشرها العرب؛ حيث سيحتاج إلى هذه المعرفة فيما بعد.
стр. 218
٣- التدرب على أعمال الحرب الشاقة؛ حيث الحاجة إلى جهد كبير، في الليل والنهار، وتحت ظروف مناخية متقلبة، وفي ظروف قد ينعدم فيها الطعام ويندر الماء.
٤- المساهمة مع قومه في أعمالهم، وأداء حق القرابة لهم؛ لأنه قريبا سيطالبهم بحق القرابة له، والمحافظة على ما للقربى من مودة وتعاون ونصرة.
هذا بعض ما يمكن تصوره في مجال الفوائد التي اكتسبها النبي ﷺ باشتراكه في حرب الفجار.. مع ملاحظة أن الله نجاه من العدوان والظلم فيها، وقصر نشاطه على خدمة أعمامه والنبل عنهم.
стр. 219
رابعا: حلف الفضول
من أعظم ما فعل العرب قبل الإسلام حلف الفضول -بضم الفاء- وقد شاهده النبي ﷺ وعمره عشرون سنة؛ لأنه كان في ذي القعدة بعد انتهاء حرب الفجار في شوال، قبل المبعث بعشرين عاما، والحلف يعني: العهد والبيعة وأخذ الميثاق بين أفراد أو جماعات حول موضوع ما.
وأول مَن تكلم في هذا الحلف ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاصي بن وائل السهمي -وكان ذا قدر وشرف بمكة- فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزوما، وجمحا، وسهما، فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاصي بن وائل وزبروه ونهروه، فلما رأى الزبيدي الشر، رقي على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فقال بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن تمت مكارمه ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟
فاجتمعت بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسيد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتحالفوا في ذي القعدة، في شهر حرام، قياما، فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يؤدي إليه حقه، ما بل بحر صوفه، وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التآسي في المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف "حلف الفضول"، ثم مشوا إلى
стр. 220
العاصي بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي ودفعوها إليه١.
والسر في تسميته بالفضول أن العرب بعدما تحالف هؤلاء قالت: "لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر" ي: قاموا بعمل فاضل.
ويذكر ابن قتيبة سببا آخر للتسمية؛ وهو أن جرهم في الزمن الأول عقدوا حلفا بين ثلاثة رجال منها، هم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، وفضيل بن الحارث، فلما أشبه حلف قريش حلف هؤلاء سمي باسمهم، والفضول جمع فضل، والفضل اسم هؤلاء الثلاثة.
وقيل: سمي حلف الفضول؛ لأن الذين تحالفوا اتفقوا على إخراج فضول أموالهم للأضياف، وعلى التآسي في المعاش٢.
ويخطئ من يسمي هذا الحلف المطيبين٣؛ لأن حلف المطيبين كان في أبناء قصي يوم أن تنازع بنو عبد مناف وبنو عبد الدار حول الحجابة والسقاية واللواء والرفادة؛ حيث اجتمع بنو عبد مناف ومن تبعهم، وغمسوا أيديهم في حفنة مملوءة طيبا، ومسحوها في أستار الكعبة فسموا بالمطيبين، وقد انتهى النزاع بالصلح على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، فحلف المطيبين ليس هو حلف الفضول.
وقد شاهد النبي ﷺ حلف الفضول، وبيَّن بعد مبعثه ﷺ ما في هذا الحلف من عدل؛ حيث يقول ﷺ : "لقد شهدت مع عمومتي في دار عبد الله بن جدعان حلفا، يقال له: حلف الفضول، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعي به اليوم في الإسلام لأجبت" ٤.
стр. 221
وعبد الله بن جدعان من بني تيم ابن عم عائشة ﵂، وكان في بدء أمره صعلوكا، ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكا، لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف ألا يؤويه أبدا لما أثقله من الغرم، وحمله من الديات، فخرج في شعاب مكة حائرا بائرا، يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن فيه حية، فتعرض للشق يرجو أن يكون فيها ما يقتله فيستريح، فلم يرَ شيئا، فدخل فيه وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت، واللؤلؤ، والذهب والفضة، والزبرجد، فأخذ منه ما أخذ ثم علم الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم، فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس، ويفعل المعروف١.
من آثار حلف الفضول:
وقد أفاد حلف الفضول كثيرا من المظلومين المعتدَى عليهم، فلقد أخذ الزبيدي سلعته من العاصي بن وائل كما رأينا.
ويقال: إن رجل من خثعم قدم مكة معتمرا، أو حاجا، ومعه بنت له يقال لها: القتول، من أوضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحاج، وغيبها عنه.
فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل.
فقال له: عليك بحلف الفضول.
فوقف عند الكعبة، ونادى: يا لحلف الفضول.
فإذا هم يأتون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث، فما لك؟
فقال: إن نبيها ظلمني في ابنتي، وانتزعها مني قسرا.
فساروا معه، حتى وقفوا على باب الدار، فخرج إليهم.
стр. 222
فقالوا له: أخرج الجارية ويحك! فقد علمت من نحن، وما تعاقدنا عليه.
فقال: أفعل، ولكن متعوني بها الليلة.
فقالوا له: لا والله، ولا شخب لقحة، فأخرجها إليهم١.
ومن آثاره ما رواه ابن إسحاق من أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان -والوليد يومئذ أمير على المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان- منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، فكان الوليد تحامل على الحسين في حقه؛ لسلطانه وجاهه.
فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي، أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعون بحلف الفضول.
فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال الحسين ﵃ ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه، حتى ينصف من حقه، أو نموت جميعا.
فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك.
وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك.
فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي٢.
وقد اهتم الفقهاء والعلماء بأمر هذا الحلف.. وأجابوا على من يسأل عن جواز المناداة بحلف الفضول، قائلا: يا لحلف الفضول!!
فقالوا: إن الإسلام قد رفع ما كان في الجاهلية من قولهم: يا لفلان عند التعصب والتحزب، وقد سمع رسول الله ﷺ يوم المريسيع رجلا يقول: يا للمهاجرين!.. وآخر يقول: يا للأنصار!..
فقال رسول الله ﷺ : "دعوها فإنها منتنة"..
стр. 223
وقال ﷺ : "من ادعى بدعوى الجاهلية، فأعضوه بهن أباه ولا تكنوا" أي: سموه بها صراحة بلا كناية.
ونادى رجل بالبصرة: يا لعامر! فجاءه النابغة الجعدي بعصبة له، فضربه أبو موسى ﵁ خمسين جلدة.
وذلك أن الله جعل المؤمنين إخوة، يوالي بعضهم بعضا، ولا يقال إلا كما قال عمر ﵁: يا لله ويا للمسلمين؛ لأنهم كلهم حزب واحد، وإخوة في الدين، إلا ما خص الشرع به أهل حلف الفضول.
والأصل في تخصيصه قوله ﷺ : "ولو دعيت به اليوم لأجبت" يريد: لو قال قائل من المظلومين: يا لحلف الفضول لأجبت، وذلك أن الإسلام إنما جاء لإقامة الحق ونصرة المظلومين، فلم يزدد به هذا الحلف إلا قوة.
وقوله ﷺ : "وما كان من حلف في الجاهلية، فلن يزيده الإسلام إلا شدة" ليس معناه: أن يقول الحليف: يا لفلان، لحلفائه، فيجيبوه، بل الشدة التي عنى رسول الله ﷺ إنما هي راجعة إلى معنى التواصل والتعاطف والتآلف.
وأما دعوى الجاهلية، فقد رفعها الإسلام إلا ما كان من حلف الفضول كما قدمنا، فحكمه باقٍ، والدعوة به جائزة، وقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى أن الحليف يعقل مع العاقلة إذا وجبت الدية لقوله ﷺ : "وما كان من حلف في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلى شدة" ١..
стр. 224
خامسا: الرحلة الثانية إلى الشام، التجارة لخديجة
بلغ محمد ﷺ خمسا وعشرين سنة، وكان يهتم بأحوال عمه أبي طالب، وبكثرة عياله، لما بلغ هذا السن وجد أن رعي الغنم لم يعد يناسبه، ودخله من الرعي قليل، لا يفي بحاجته وعمه، فأخذ يفكر في عمل آخر يحقق له ما يتمنى.
ولم يطل به البحث؛ إذ قال له عمه أبو طالب: يابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وألحت علينا سنون منكرة، وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر أوان خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيرانها، فيتجرون لها في مالها، ويصيبون منافع، فلو جئتها، وعرضت نفسك عليها، لأسرعت إليك، وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك. فقال الرسول ﷺ لعمه: "فلعلها ترسل إليَّ في ذلك"١.
وخديجة ﵂ امرأة قرشية، كثيرة المال، عريقة الأصل، حسيبة، نسيبة، كانت تتجر بمالها، وترسل عيرانها مع القوافل برجال تستأجرهم، أو تضاربهم بجزء من الربح، وقد اشتهرت مكة بالتجارة حيث لا زرع فيها ولا صناعة، وكل ما فيها من بضاعة فهو مستورد من الشام، أو من اليمن، أو من غيرهما، وعادة التجار البحث عن الرجل الأمين، يتعاملون معه؛ صيانة للمال، ومحافظة عليه من الضياع.. وقد رغب أبو طالب من محمد ابن أخيه أن يذهب لخديجة يتاجر لها في مالها؛ لشدة ثقته في ابن أخيه، ولما اشتهر به في مكة بالأمانة والصدق، ولما عرف عن خديجة من حسن المعاملة، والمسارعة في إعطاء الحقوق،
стр. 225
وكان يرى أن خديجة ستعطي محمدا من الأجر الكثير بعدما ترى منه الصدق والأمانة وحسن المعاملة.
لكن محمدا ﷺ أنفت نفسه أن يذهب لخديجة، باحثا عن عمل في أموالها؛ ولذلك قال لعمه: "لعلها ترسل إليَّ".
لم ينتظر أبو طالب أن ترسل خديجة لمحمد مخافة أن تولي رجلا آخر، أو تظنه لا يقبل العمل لديها، ولذلك ذهب بنفسه إلى خديجة وقال لها: يا خديجة، هل لك أن تستأجري محمدا؟
فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولن نرضى لمحمد دون ذلك.
فقال خديجة: لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألت لقريب حبيب١!!
عاد أبو طالب لمحمد، وأخبره بما جرى مع خديجة، وقال له: هذا رزق ساقه الله إليك.
وقالت خديجة لميسرة لما تأهب ومحمد للسفر، قالت له: لا تنقض له أمرا، ولا تخالف له رأيا؛ لعلمها بحسن إدارته، وقوة شخصيته، وإتقان ما يقوم به من عمل.
وأخذ عمومته يوصون أهل العير بابن أخيهم، ولولا الحاجة ما أخرجوه٢..
لكن الله تعالى أخرجه من مكة تاجرا هذه المرة؛ ليجوب أرض الله مكتشفا، وليخرج من تجارته تلك بما يغنيه ويرضيه.
وكانت رحلة مباركة امتلأت بالعجائب التي قدرها الله لحبيبه ومصطفاه.. فقد توالت الإرهاصات، وكان ميسرة يرى رسول الله ﷺ إذا اشتدت الهاجرة، وقوي الحر، يظله ملكان وهو على بعيره، ولما دخل مكة في وقت الظهيرة ذهب إلى خديجة فرأت الملكين فوقه.
стр. 226
وتقابل النبي ﷺ في هذه الرحلة مع عدد من رهبان أهل الكتاب، وكلهم نظروا إليه، وعلموا خبره ومآله.
نزل في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له: "نسطورا"، فلما رآه الراهب قال لميسرة: يا ميسرة، مَن هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟
قال ميسرة: رجل من قريش.
فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، أفي عينه حمرة يا ميسرة؟
فقال ميسرة: نعم، لا تفارقه.
فقال الراهب: هو، هو١!!
اختلف مرة مع أحد التجار حول سلعة، فقال الرجل: احلف باللات والعزى..
فقال رسول الله ﷺ : "ما حلفت بهما قط".
فقال الرجل: القول قولك.. ثم نظر إلى ميسرة، وقال له: هذا نبي هذه الأمة.
وبالنسبة للتجارة فقد رَبِحَا رِبْحًا وفيرًا لم تره خديجة منذ أربعين سنة، فأحبه ميسرة وأطاعه، كأنه عبده، وقدرته وخديجة لمهارته وأمانته.
ولما كانا "محمد وميسرة" عائدين بمر الظهران، قال ميسرة للنبي ﷺ : هل لك أن تسبقني إلى خديجة، فتخبرها بالذي جرى لعلها تزيدك بكرة إلى بكراتك، فركب النبي ﷺ قعودا أحمر، فتقدم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، معها نساء فيهن نفيسة بنت منية، فرأت رسول الله ﷺ حين دخل وهو راكب على بعيره، وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك!!
ودخل عليها رسول الله ﷺ وأخبرها بما ربحوا، فسرت بذلك.
وقالت: أين ميسرة؟
стр. 227
قال: خلفته في البادية.
فقالت: عجل إليه ليعجل بالإقبال، وإنما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت أم غيره.
فركب رسول الله ﷺ وصعدت خديجة تنظر، فرأته على الحالة الأولى، فاستيقنت أنه هو، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، وأخبرها بقول الراهب نسطورا وبقول الآخر الذي خالفه في البيع.
يقول ابن إسحاق: فلما رأت خديجة أن تجارتها قد ربحت أضعفت له ما سمت من البكرات.
وأخبرت ابن عمها ورقة بن نوفل بما رأت، وبما سمعت، فقال لها ورقة: يا خديجة، إن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة أمر ينتظر١.
وهكذا مرت الرحلة ببركاتها مع محمد ﷺ ، وعاد بالبكرات إلى عمه سعيدا راضيا، وقد أحبه ميسرة حبا جما..
لقد أدت هذه الرحلة عددا من النتائج الهامة التي أرادها الله تعالى لمحمد ﷺ .
стр. 228
المبحث السابع: زواج محمد ﷺ خديجة ﵂
سمعت خديجة ﵂ ما وقع لمحمد ﷺ في رحلة التجارة، وشاهدته بنفسها، فعادت بذاكرتها إلى ما قاله اليهودي لنساء مكة يوم أن اجتمعن به في المسجد الحرام، قال لهن: يا معشر نساء قريش، إنه يوشك فيكن نبي، فأيكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل، فحصبه النساء، وقبحنه، وأغلظن له، ما عدا خديجة، فإنها فكرت فيما سمعت، ووقر في نفسها صدقه، فلما تاجر محمد في مالها، ورأت منه الآيات والبركات تذكرت ما قاله اليهودي وقالت: ما ذلك إلا هذا١.
وخديجة امرآة قرشية، اشتهرت بين قومها بالمال والجمال والحسب والنسب ومكارم الأخلاق ... وهي من المكيات القليلات اللائي عملن بالتجارة، حتى صارت من أثرياء مكة الكبار، تزوجت قبل رسول الله ﷺ من رجلين مخزوميين هما:
الأول: هو عتيق بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وولدت له عبد مناف وهندا.
الثاني: هو أبو هالة، وهو زرارة بن النباش من بني عدي، وولدت له هالة وهندا والطاهر٢.
وبعد ترمل خديجة بوفاة زوجها الثاني، رفضت الزواج، فلها أولادها، وقد جاوزت الأربعين، وأنَّى لها برجل يكافئها عقلا وخُلُقا وأصالة!! وقد رغبها صناديد مكة فأبت.. لكنها بعدما رأت محمدا ﷺ ، وتذكرت ما سمعته
стр. 229
عنه من اليهودي، ومن ابن عمها ورقة، تمنته زوجا، وسعت في ذلك بحكمة وهدوء، وعملت على اختبار التعامل معه، والتأكد من المزايا التي تصورتها فيه، وهيأ لها القدر ما أرادت حين أتاها أبو طالب يطلب منها أن يتاجر لها في مالها، وقد رحبت بهذا الطلب ترحيبا كبيرا، وقالت لعبد المطلب: لقد سألته لقريب حبيب.
وتاجر محمد ﷺ في مال خديجة وهو في قوة الشباب، ورشد الرجولة، إلا أنه لم يفكر في الزواج بعد بصورة مطلقة لما هو فيه من فقر وعيلة.. إنه يعمل ليسد رمقه، ويعين عمه، وما لمثله أن يفكر في الزواج.
وإذا فكر في الزواج كشأن الشباب، فلن يفكر في الزواج من خديجة؛ لما بينهما من فروق، ولأنها رفضت الزواج من كبار القوم وأغنيائهم..
إن فارق السن بينهما خمسة عشر عاما، فهي في الأربعين وهو في الخامسة والعشرين، ولها أولادها من زوجيها السابقين.
والفارق المالي كبير، فهي أغنى أغنياء مكة، ومحمد يعمل بالأجرة ليعيش.
وشخصيتها وتجارتها وحياتها العملية وسيرتها الشريفة جعلها في مصاف كبار مكة وعظمائها.
إن عديدا من عظماء مكة حاولوا الزواج منها فرفضتهم جميعا، وليس لمحمد ﷺ أن يفكر في زواجها، والكل يعلم موقفها من الزواج!!..
لهذا لم يفكر النبي ﷺ في الزواج منها.. وما درى أن القدر يخبئ له ما قدره الله تعالى.
وعزمت خديجة على أن تتزوج محمدا ﷺ مع صغره وفقره؛ لتنال معه الشرف العظيم، وتفضل به سائر الناس، فاحتالت لذلك بأكثر من طريق، وكان الذي سفر بينها وبين محمد ﷺ نفيسة بنت منية، وهي ابنة أمية بن عبيدة الحنظلي، كما سفر بينهما ميسرة، وأختها، ومولاة مولدة، وإحدي الكاهنات في قريش١.
стр. 230
- فعن معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يذكر أن أبا مجلز حدث أن خديجة قالت لأختها: انطلقي إلى محمد فاذكريني له١، وأنهما تواطآ أن يتزوجها محمد ﷺ .
- وأرسلت مرة أخرى ابنة خالتها نفيسة بنت منية لتوجه محمدا نحو الزواج من خديجة، وتزيل من أمامه العقبات التي تمنعه من الزواج منها ومن غيرها..
تقول نفيسة: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة، جلدة، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ من أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها، لو قدر على ذلك، قد طلبوها، وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسة إلى محمد، بعد أن رجع في عيرها من الشام.
فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟
فقال: "ما بيدي ما أتزوج به".
قلت له: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟
قال: "فمن هي؟ ".
قلت: خديجة.
قال: "وكيف لي بذلك؟ ".
قلت: عليَّ.
قال: "فأنا أفعل" ٢.
- يروي النبي موقفا له مع ميسرة، يقول ﷺ : "قلت لصاحبي:
стр. 231
انطلق بنا نتحدث معا عند خديجة، فجئناها، فبينما نحن عندها إذ دخلت علينا كاهنة من مولدات قريش، فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يحلف به إن جاء لخاطبا.
قلت: كلا.. حياء وخجلا!!
فلما خرجت أنا وصاحبي، قال لي: أمن خطبة خديجة تستحي؟ فوالله ما من قرشية إلا تراك لها كفؤا.
فرجعت أنا وصاحبي مرة أخرى، فدخلت علينا تلك الكاهنة، فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يحلف به إن جاء لخاطبا.
فقلت علي حياء: أجل.. ولم تخالف خديجة ولا أختها"١.
إن المرء ليحار أمام هذا التوافق الذي وضع القدر خيوطه، حتى الْتَأَمَ وتَمَّ..
وهل كانت رحلة التجارة اختبارا من خديجة، أم إظهارا لمقام محمد؟
وهل رفض خديجة للزواج قبل ذلك جعلها تنتظر الشرف العظيم الذي ظهر لها في محمد ﷺ ، فرغبت في الاقتران به؟
وما الذي جعل محمدا يرحب بالزواج من خديجة مع أنه كان لا يملك مطالب الزواج ونفقات الحياة؟!!
وما الذي جعل خديجة الرافضة للزواج أن تبحث عنه في شاب يصغر عنها بخمسة عشر عاما؟
إنها أسئلة تؤكد الحكمة الإلهية التي خبأها الله لهذين الزوجين الكريمين..
إن القدر الذي دفع كلا من خديجة ومحمد ليسعى كل لصاحبه لتتكون بهما خير أسرة ظهرت في حياة المسلمين.
زوجة تشهد لزوجها بالعظمة وهي تقول: "ووالله لا يخزيك الله أبدا ... "٢.
стр. 232
وزوج يشهد لزوجته بعد مماتها ويقول: "والله ما رزقني الله خيرا منها ... "، ويقول ﷺ : "لقد رزقت حبها" ١.
ويذهب محمد ﷺ إلى أعمامه يخبرهم بنبأ خطبة خديجة فيسرون جميعا، ويحضر محمد ﷺ مع عمه أبي طالب وعشرة رجال من قومه، ويخطبها عمه أبو طالب من عمها عمرو بن أسد، فيقول وهو يخطبها: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوبا، وحرما آمنا، وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقد بذل هلا الصداق حكمكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشا. فقال عمرو بن أسد عمها: هو الفحل لا يقدع أنفه، وأنكحها منه٢.
وما روي من أن أباها هو الذي زوجها، وهو لا يدري لسكره، فمردود؛ لأن أباها خويلد هلك قبل حرب الفجار.
ويقال: إن الذي أنكحها هو ورقة بن نوفل، وقيل: هو أخوها عمرو بن خويلد ... والأظهر أنه عمها.
يمتن الله تعالى على محمد ﷺ بزواجه من خديجة؛ حيث يقول له سبحانه بعد المبعث: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ٣.
حيث كنت فقيرا فأغناك بمال خديجة الذي تنازلت عنه لك راضية سعيدة.. لتتفرغ للمهام الكبرى، وتعيش الأسرة معك راضية مطمئنة، ويرزقكم الله الأبناء عددا..
стр. 233
وأول مَن وُلد لرسول الله ﷺ القاسم، وبه كان يكنى ﷺ ، ثم ولدت له ﷺ زينت، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، وكلهم ولدوا قبل الإسلام، أما عبد الله فقد وُلد في الإسلام، فسمي بالطاهر والطيب، وكل هؤلاء من خديجة.
وكانت خديجة تعق عن كل مولود لها، عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة واحدة..
وقد مات القاسم بعد ولادته بعامين..
ومات عبد الله قبل الهجرة..
أما رقية وأم كلثوم فخطبهما عتبة وعتيبة ابنا جدهما أبي لهب "شقيق عبد الله"، لكنهما تركاهما بعد بعثة محمد ﷺ كفرا برسالته، فتزوجهما عثمان بن عفان ﵁ الواحدة بعد الأخرى، حيث تزوج أم كلثوم بعد وفاة رقية، أما فاطمة فقد تزوجت علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وتزوج أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس ابن خالته زينبا بنت رسول الله ﷺ ﵃..
وأولاده ﷺ كلهم من خديجة ما عدا إبراهيم، فأمه مارية القبطية التي أهداها المقوقس للنبي ﷺ فأسلمت، وتزوجها ﷺ .. وولدت له في المدينة المنورة بعد الهجرة.
стр. 234
المبحث الثامن: بناء الكعبة
الكعبة المشرفة هي البناء المربع المجوف المقام وسط المسجد الحرام، وهي تتوسط العالم كله.
وهي أول بناء وضع في الأرض، بنتها الملائكة بصورة بسيطة، وكثيرا ما كانت تتأثر بالنار فتحترق، وبالسيول فتتصدع، وبغير ذلك من عدوان الناس.
ولذلك تكرر بناؤها قبل الإسلام وبعده، فلقد بنتها الملائكة أولا، فعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم كان بينها؟ قال: "أربعون سنة" ١.
ثم توالى البناء فبلغ عددا ذكرها المؤرخون على اختلاف بينهم، إلا أنهم مجمعون على مرات ثلاث لثبوت أدلتها، وهي بناء إبراهيم ﵇، وبناء قريش، وبناء عبد الله بن الزبير ﵁.
وفي إطلاق عبارة البناء تجوز واضح، فإن بعضها كان جدارا واحدا كبناء الحجاج، وبعضها كان ترميما وإصلاحا ... وهكذا.
والبنايات التي ذكرها المؤرخون للكعبة كثيرة:
منها: بناء الملائكة ﵈.
ومنها: بناء آدم ﵇.
ومنها: بناء أولاد آدم ﵇.
ومنها: بناء العمالقة.
ومنها: بناء جرهم.
ومنها: بناء قصي بن كلاب.
стр. 235
ومنها: بناء الخليل إبراهيم ﵇.
ومنها: بناء قريش.
ومنها: بناء عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي ﵁.
ومنها: بناء الحجاج بن يوسف الثقفي.
فأما بناء الملائكة للكعبة: فذكروه الأزرقي في تاريخه، وذكر أن ذلك كان قبل خلق آدم ﵇، واستدل على ذلك بخبر رواه عن زين العابدين، وجزء خبر رواه من حديث ابن عباس ﵄، وكلاهما يدل على بناء الملائكة للكعبة.
وأما بناء آدم ﵇: فقد ذكره البيهقي قال: قال رسول الله ﷺ : "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا، فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر، وحواء تنقل التراب، حتى أجابه الماء فودي من تحته: حسبك يا آدم، فلما بنياه أوصى الله إليهما أن طوفا به" ١.
وأما بناء أولاد آدم للكعبة: فذكره الأزرقي، حيث روى بسنده إلى وهب بن منبه قال: رفعت الخيمة التي عرى الله بها آدم ﵇ من حلية الجنة، حين وضعت له بمكة في موضع البيت، وبعدما مات آدم ﵇ بنى بنوه من بعده مكانها بيتا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم، حتى كان زمن نوح ﵇ فنسفه الغرق، وغير مكانه حتى بوئ لإبراهيم ﵇.
وأما بناء الخليل ﵇: فهو ثابت كما في القرآن العظيم والسنة الشريفة، وهو أول من بنى البيت بعد نوح ﵇، وحدد قواعده، ورفعه، ونظمه، عن ابن إسحاق: "أن الخليل ﵇ لما بنى البيت جعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعا، من الركن الأسود إلى الركن الشامي، الذي
стр. 236
عنده الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وجعل عرض سقفها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها بالأرض، وحفر جبا في بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت، وكان إبراهيم ﵇ يبني وإسماعيل ينقل له الحجارة على رقبته، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١".
وأما بناء العمالقة وجرهم للكعبة: فذكره الأزرقي؛ لأنه روى بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال في خبر بناء إبراهيم ﵇ للكعبة: ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم، ثم انهدم فبنته قريش.
وأما بناء قصي بن كلاب: فقد جزم به الماوردي في "الأحكام السلطانية"؛ لأنه قال: فكان أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم ﵇ قصي بن كلاب، وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل.
وأما بناء قريش الكعبة: فهو ثابت كما في السنة الشريفة الصحيحة عن النبي ﷺ ، وحضره ﷺ وهو ابن خمس وثلاثين سنة، كما جزم به ابن إسحاق وغير واحد من العلماء.
وأما بناء ابن الزبير ﵁ للكعبة: فإنه ثابت مشهور، ويرجع سبب اهتمامه ببنائها إلى ما حدث فيها من تهدم لسببين:
السبب الأول: توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير ﵄ بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة؛ لمعاندته يزيد بن معاوية، ومبايعة أهل مكة والمدينة له خليفة للمسلمين.
стр. 237
السبب الثاني: احتراق الكعبة؛ بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير ﵄ في خيمة له؛ حيث طارت الرياح بلهب تلك النار، فأحرقت كسوة الكعبة، كما أحرقت الساج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة، حتى إنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها من الوهن والضعف.
ولما زال الحصار عن ابن الزبير ﵄ لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية، رأى ابن الزبير ﵄ أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر منهم جابر بن عبد الله، وكره ذلك نفر، منهم ابن عباس ﵄.
وكان هدم ابن الزبير للكعبة في يوم السبت في النصف الأول من جمادى الآخرة سنة أربع وستين للهجرة.
وقد بناها ابن الزبير على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها ما أخرجه منها قريش في الحجر، وزاد في ارتفاعها على بناء قريش نظير ما زادته قريش على بناء الخليل ﵇ وذلك تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا وهي سبعة وعشرون مدماكا، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود اليوم، والآخر المقابل له من الجهة الغربية المسدود الآن، واعتمد في ذلك على ما أخبرته به خالته عائشة ﵂.
وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وجعل لها درجا في ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها، وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر، وجعل فيها روازن للضوء١.
والبناء المقصود من هذا المبحث، هو البناء الذي قامت به قريش، والذي
стр. 238
اشترك فيه محمد ﷺ يوم أن كان عمره خمسا وثلاثين سنة.
والكعبة ليست هي المسجد الحرام، وليس هي الحرم؛ لأن المراد بالمسجد الاتساع المحيط بالكعبة، الذي يصلي فيه الناس، والحرم هو المكان الذي يشمل مكة وما حولها من جميع الجهات إلى الأماكن المعروفة المحددة، التي تفصل بين الحل والحرم، من كافة نواحي مكة، وهي المعروفة بالمواقيت المكانية، التي يحرم منها أهل مكة بالعمرة.
وبناية قريش للكعبة كان قبل الإسلام بخمس سنوات، وهي المرة التي اشترك فيها النبي ﷺ ، وعمره خمس وثلاثون سنة١.
وسبب قيام قريش ببنائها ما أصابها من حريق نال منها بسبب شرارة صدرت من امرأة عربية، وهي تقوم بتجمير الكعبة، ولدخول السيل فيها، وتصدع جدرانها، ولأنهم لاحظوا أن نفرا تمكنوا من الدخول فيها، وسرقوا حليا وذهبا منها.
أرادت قريش أن تتغلب على هذه المثالب فاتفقوا على بناء الكعبة سويا، وقاموا بتقسيم جدر الكعبة أجزاء، ووزعوها على سائر القبائل؛ لتنال كل قبيلة شرف المساهمة في بناء الكعبة.
فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وهو الجدار الشرقي.
وكان من بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وهو الجدار الجنوبي.
وكان ظهر الكعبة لبني جمع وبني سهم، وهو الجدار الغربي.
وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزي بن قصي ولبني عدي بن كعب، وهو الحطيم٢ الواقع في الجهة الشمالية.
وقد اشترك النبي ﷺ مع قومه في بناء الكعبة، فكان ينقل معهم الحجارة، وهم يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل محمد مثلهم، فبانت عورته،
стр. 239
فنودي: عورتك، عورتك، فما رؤي لرسول الله عورة بعد ذلك١.
وجاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعمه العباس ينقلان الججارة، فقال العباس للنبي ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، فقال: "أرني إزاري"، فشده عليه٢.
وتجمع قبائل مكة في بناء الكعبة، واشتراك الكبار والصغار دليل على منزلة الكعبة في قلوب وعقول سائر القبائل؛ لأنهم كانوا يرون أنها بيت الله تعالى، والذي بناها هو إبراهيم ﵇ وإسماعيل ﵇، وأنها وديعة الله في أرضه للناس، وهم مسئولون عنها.
وأن المرء ليحار وهو يرى هذا الاهتمام بالكعبة، ويرى في نفس الوقت الأصنام وقد وضعوها حولها..
فهل هذا اهتمام بالأصنام حيث وضعوها في هذا المكان المقدس، أم هو اهتمام بالكعبة آملين أن تفيض على أصنامهم ببعض ما فيها من خير وبركة؟!
لقد أدت روح العصبية في القبائل إلى أن تبحث كل منها عن تميز لها تعلو به على غيرها من القبائل.. فلعب الشيطان بهم، ووجههم إلى تعدد الآلهة، وأعمى عقولهم عن الحق والصواب.
لقد كادت هذه العصبية أن توقع الحرب بين القبائل يوم بناء الكعبة..
فبرغم أنهم جزءوا جدران الكعبة، وجعلوا لكل قبيلة جزءا تقوم ببنائه، إلا أنهم لما ارتفعوا بالبناء إلى مستوى الحجر الأسود، ويسمونه بالركن، من باب تسمية الشيء باسم محله؛ لأنهم يضعون الحجر في ركن الكعبة، لما بلغوا هذا المستوى اختلفوا فيمن يرفعه بيده، ويضعه في مكانه..
يقول ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش
стр. 240
جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تجاوزوا، وتحالفوا، وأعدوا للقتال.
ووصل الأمر بهم إلى أن بني عبد الدار أعدت جفنة وملئوها دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في جفنة الدم؛ إيذانا باستعدادهم للقتال حتى الموت؛ ولذلك سموا "لعقة الدم"، وكل ذلك من حمية العصبية١.
ثم إن أهل مكة فكروا في مصير مكة إذا وقعت الحرب، واشتركت فيها القبائل جميعا، وأخذوا في تدبر الأمر، والبحث عن حل مقبول.
وتوقف العمل خمس ليال بسبب هذا التنافس، إلا أنهم في النهاية اجتمعوا في المسجد الحرام، ورأوا تحكيم أسنهم، وهو أبو حذيفة بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، فتدبر في الأمر، ثم قال لهم: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول من يدخل من باب هذا المسجد، ويقضي بينكم فيه، يريد به باب "بني شيبة"، وكان يسمى في الجاهلية "باب عبد شمس"، وهو في الإسلام "باب السلام"، فوافقوه على رأيه وانتظروا، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر قال ﷺ : "هلموا إليَّ ثوبا"، فأتي به، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده، ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، وليمثلها شيخها"، ولما فعلوا كان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة بن الأسود بن المطلب، وفي الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، وفي الرابع أبو قيس بن عدي٢.
стр. 241
فجاء الأربعة، وحملوا الثوب، ورفعوه حتى إذا بلغ الحجر الأسود موضعه حمله ﷺ بيده، ووضعه حيث هو الآن، وبنى عليه، واستمروا في البناء، كل في جهته حتى ارتفع البناء ثماني أذرع، ثم كسوها بالقباطي والبرود١.
يصور الأزرقي ما حدث يوم بناء الكعبة في حوار واضح تذكر فيه بعض الصحابة ما كان يوم بناء الكعبة، يقول الأزرقي: "اجتمع عند معاوية بن أبي سفيان -وهو خليفة- نفر من قريش، منهم: جعدة بن هبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن زمعة بن الأسود، فتذاكروا أحاديث العرب.
فقال معاوية: مَن قال حين اختلفت قريش في بنيان مقدم البيت: يا معشر قريش، لا تنافسوا، ولا تباغضوا، فيطمع فيكم غيركم، ولكن جزئوا البيت أربعة أجزاء، ثم ربعوا القبائل فلتكن أرباعا؟
قالوا: إنه أبو أمية بن المغيرة.
قال: هكذا كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن القائل حين اختلفت قريش في وضع الركن: حكموا بينكم أول من يطلع من هذا الباب؟
قال: أبو حذيفة بن المغيرة.
قال: نعم.
قال: فمن النفر الذين رفعوا الثوب حين وضعه رسول الله ﷺ ؟
قال: جدك عتبة بن ربيعة أحدهم، في الربع الأول.
قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن كان من الربع الثاني؟
قالوا: أبو زمعة بن الأسود بن المطلب.
стр. 242
قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن كان في الربع الثالث؟
قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة.
قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول.
قال: فمن كان في الربع الرابع؟
قالوا: أبو قيس بن عدي السهمي.
قال: هذه واحدة قد أخذتها عليكم، وإنما هو العاصي بن وائل.
قال: فمن قال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا طيبا من كسبكم؟
قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة.
قال: هذه أخرى قد أخذتها عليكم، إنما القائل هذا، والمتكلم به أبو أحيحة سعيد بن العاصي.
قال: فأسكت القوم"١.
وهذه الحادثة تدل على ما تميز به محمد بالصدق والأمانة في قومه، وقد سمي فيهم بالصادق الأمين، حتى أن هذه الأسماء إذا أطلقت بينهم تنصرف في أذهانهم تلقائيا إلى محمد ﷺ ، وتدل كذلك على ما قدره الله لمحمد ﷺ ، فلقد نال الشرف الذي بحث عنه الجميع، فهو الذي وضع الحجر الأسود على الثوب، وهو الذي رفعه من فوق الثوب، ووضعه في موضعه، وهو الذي بنى فوقه.. وقد رضي الجميع، واطمأنوا إلى تصرف محمد ﷺ فيهم..
ولم يغب إبليس عن هذا الحدث، فلقد حاول إفساد خطة الصلح، فجاء في صورة رجل نجدي، وحاول مناولة النبي ﷺ حجرا يشد به الركن.
فقال العباس بن عبد المطلب: لا، ونحاه، وناول العباس رسول الله ﷺ حجرا فشد
стр. 243
به الركن.
فغضب النجدي حيث نُحي.
فقال النبي ﷺ : "إنه ليس يبني معنا في البيت إلا واحد منا".
فقال النجدي: يا عجبا لقوم أهل شرف، وعقول، وسن، وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنا، وأقلهم مالا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم، وحرزهم، كأنهم خدم له، أما والله ليفوتنهم سبقا، وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا! ١..
ولما بنى القرشيون الكعبة قصرت بهم النفقة، ولم يتمكنوا من بنائها على قواعد إبراهيم، وأهم التغييرات في بناء قريش للكعبة ما يلي:
١- كان باب الكعبة على الأرض، فلما هدمتها قريش وأعادوا بناءها، ردموا وسط الكعبة بمخلفات الهدم، فارتفعت أرض الكعبة، وبالتالي ارتفع بابها، وقد استحسنوا ذلك حتى لا يدخلها إلا من أرادوا له الدخول، وبخاصة أن بعض اللصوص كانوا يدخلون الكعبة لسرقة بعض المجوهرات التي أهديت إليها، يروي الأزرقي بسنده عن أبي جعفر أنه قال: كان باب الكعبة على عهد إبراهيم وجرهم بالأرض حين بنتها الملائكة، كما يروي أن أبا حذيفة بن المغيرة قال: يا معشر قريش، ارفعوا باب الكعبة حتى لا يدخل عليكم أحد إلا بسلم، فإنه لا يدخل عليكم إلا من أردتم، ففعلت قريش ذلك، وردموا الردم الأعلى، وصرفوا السيل عن الكعبة وكسوها٢.
٢- جعلوا للكعبة بابا واحدا، هو الباب الشرقي، وهو الموجود الآن، وسدوا الباب الغربي.
٣- تركوا بناء الحجر بطول ستة أذرع ونصف، مع أنه جزء من الكعبة؛ لأن النفقة الطيبة قصرت بهم، فأبوا أن يدخلوا في بنائها مالا خبيثا، وأطاعوا
стр. 244
نصيحة أبي أحيحة سعيد بن العاص حين قال لهم: لا تُدخلوا في بيت ربكم إلا طيبا من كسبكم١.
٤- ارتفعوا بالبناء تسعة أذرع، فصار ارتفاع الكعبة ثمانية عشر ذراعا، حيث رغبوا في إطالتها؛ رمزا لرفعتها.
٥- قاموا بتسقيفها؛ حيث كرهوا أن تكون بغير سقف، ولعلهم لاحظوا أهمية السقف في حمايتها من الأتربة والفضلات التي تحملها الرياح إلى جوف الكعبة.
٦- أقاموا داخل الكعبة ست دعائم في صفين يجاوران الجانب الشرقي والجانب الغربي؛ لتكون أساسا يقوم عليه السقف، وقد بنيت هذه الدعائم من الحجر والخشب.
٧- أقاموا داخل الكعبة من ناحية شرق الحجر سلما حلزونيا يمكن بواسطته الصعود إلى سطح الكعبة.
٨- جعلوا سطح الكعبة مستويا يميل نحو الحجر، وأحاطوا السطح بسور يبلغ ارتفاعه ذراعا، وجعلوا فيه ميزابا يصب ماء المطر في الحجر.
٩- أدخلوا جميع جدران الكعبة بعيدا عن قواعد إبراهيم ﵇ بمقدار نصف ذراع؛ حيث أقيم عليه "الشاذوران" فيما بعد، وهو البناء البارز الموجود أسفل الجدر حاليا، ويشبه الوزرة، وهو حجارة مائلة ملتصقة بجدر الكعبة من خارجها، والشاذوران من بناء السلطان مراد العثماني عام ١٠٤٠هـ، وقد جعل ارتفاعه أحد عشر سنتيمترا من الأرض، وعرضه أربعين سنتيمترا، وهو بناء مائل على هيئة مثلث قائم الزاوية ارتفاعه ملاصق للكعبة من جهاتها الثلاث، أما جهة الحجر فهو على هيئة درجة واحدة مسطحة.
وجمهور الفقهاء أجمعوا على أن الشاذوران من البيت خلافا لأبي حنيفة٢.
стр. 245
وقد أخبر النبي ﷺ عائشة ﵂ بأن قومها لم يقيموا الكعبة على قواعد إبراهيم ﵇.
- عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ﵇"، قلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟
قال عبد الله بن عمر: فوالله لئن كانت عائشة سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يقم على قواعد إبراهيم ﵇ إرادة أن يستوعب الناس الطواف بالبيت كله من وراء قواعد إبراهيم عليه السلام١.
- عن عائشة ﵁ قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ يدي فأدخلني في الحجر فقال لي: "صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت؛ فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت" ٢.
- عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال لها: "لولا أن قومك حديث عهد بشرك أو بجاهلية لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين، بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها من الحجر ستة أذرع، فإن قريشا اقتصر بها حين بنت الكعبة" ٣.
عبد الله بن الزبير وبناء الكعبة:
قام عبد الله بن الزبير حين ولي أمر مكة والمدينة، معارضا ليزيد بن معاوية
стр. 246
ببناء الكعبة، وسبب بنائه لها يرجع لأمرين:
الأول: توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير ﵄ بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة؛ لمعاندته يزيد بن معاوية.
الثاني: ما أصابها مع ذلك من الحريق؛ بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير ﵄ في خيمة له، فطارت الرياح بلهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة، والساج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة، حتى إنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها١.
ولما زال الحصار عن ابن الزبير ﵄ لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية، رأى ابن الزبير ﵄ أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر قليل، وكره ذلك نفر كثير، منهم ابن عباس ﵃.
فلما رأى ابن الزبير هذا الخلاف بين الصحابة قفال لهم: لو أن بيت أحدكم احترق لا يرضى له إلا بأكمل صلاح، ولا يكمل صلاح الكعبة إلا بهدمها وإقامتها على قواعد إبراهيم ﵇ كما بينها النبي ﷺ لعائشة وسمعها ابن الزبير منها ﵂، فهدمها اجتهادا منه بناء على أحاديث رسول الله ﷺ ؛ لأن النفقه موجودة وقد بعد الناس عن الجاهلية، وما أرى رسول الله ﷺ قواعد البيت لعائشة إلا لحكمة فهم ابن الزبير منها جواز بناء البيت على قواعد إبراهيم ﵇، وقد وافقه بعض الصحابة في هذا الاجتهاد.
وكان هدم ابن الزبير ﵁ لها يوم السبت في النصف الأول من جمادى
стр. 247
الآخرة سنة أربع وستين، وبعد هدمها تماما بناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها ما أخرجه منها قريش في الحجر، وزاد في ارتفاعها على بناء قريش نظير ما زادته قريش في ارتفاعها على بناء الخليل ﵇ وذلك تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا، وهي سبعة وعشرون مدماكا، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود اليوم، والآخر المقابل له المسدود حاليا، واعتمد في ذلك وفي إدخاله في الكعبة ما أخرجته قريش منها في الحجر على ما أخبرته به خالته عائشة ﵂.
وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وجعل لها درجا في ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها، وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر، وجعل فيها روازن للضوء١.
فلما قتل ابن الزبير، وكانت ولاية عبد الملك بن مروان أمر بإعادة البيت إلى ما كان عليه في بناء قريش؛ ظنا أن ابن الزبير أخطأ في اجتهاده، أو شك في الأحاديث التي اعتمد عليها ابن الزبير؛ ولذلك قام الحجاج بأمر من الخليفة عبد الملك بإخراج الحجر من الكعبة، وإلغاء الباب الغربي، وأبقى على ما عدا ذلك من بناء ابن الزبير، ولما أتم الحجاج ما أمر به عبد الملك وفد على بعد الملك الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب -يعني ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها في أمر الكعبة.
فقال الحارث: أنا سمعته من عائشة.
قال عبد الملك: سمعتها تقول ماذا؟
قال الحارث: سمعتها تقول: وذكر الأحاديث.
قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا
стр. 248
سمعت هذا منها، قال: فجعل ينكت منكسا بقضيب في يده ساعة طويلة، ثم قال: وددت والله أني تركت ابن الزبير وما تحمل من ذلك١.
وقد أراد أبو جعفر المنصور أن يعيد بناءها على بناء ابن الزبير فأبَى عليه الإمام مالك وقال له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، يغيره من يريد تغييره، فتذهب هيبته من القلوب، فانصرف المنصور عما أراد٢.
الكعبة والمسجد الحرام:
جاء ذكر المسجد الحرام خمسة عشر مرة في القرآن الكريم، وهي:
١- ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٣.
٢- ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٤.
٣- ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٥.
٤- ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٦.
٥- ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٧.
٦- ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه﴾ ٨.
الْأَقْصَى﴾ حيث روي أن النبي ﷺ أُسري به من بيت أم هانئ، ويراد بها في موضع آخر الحرم كله، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ .
فالمسجد الحرام غير الكعبة المشرفة؛ ولذلك يقول القائل: خرجت من المسجد الحرام، واعتكفت به، وهكذا ...
ولذلك كان الحديث عن بناء الكعبة خاصا بها، أما المسجد فلم يقع له بناء وظل عبارة عن فسحة واسعة محيطة بالكعبة، وكان حول الكعبة خلاء كبير؛ لأن القبائل كانوا يسكنون في شعاب مكة الموجودة بين الجبل، حيث عرف كل شعب بمن كان يسكنه، واستمر الأمر على ذلك حتى استولى قصي على مكة، وأمر قومه أن يبنوا لأنفسهم حول الكعبة، وقال لهم: إن سكنتم حول الكعبة هابكم الناس، وخافوا من قتالكم، والهجوم عليكم، وبدأ هو أولا بالبناء فاتبعوه.
وكانت أبواب البيوت مفتوحة تجاه الكعبة، ومحيطة بها، ولم يتركوا للطائفين إلا مساحة ضيقة بمقدار مطافهم، حتى عد مكان الطواف مدخل البيوت.
وتقديرا للكعبة جعلوا بين كل دارين طريقا إليها، واشترطوا ألا يعلو بناء ما عن الكعبة حتى تُرى من جميع نواحيها.
واستمر حال المسجد على ذلك في زمن رسول الله ﷺ ، وزمن أبي بكر ﵁، فلما ولي الخلافة عمر بن الخطاب ﵁ رأى أن الناس قد ضيقوا على المسجد، وألصقوا دورهم به، مع أنه صار مقصدا للناس، يشد المسلمون إليه الرحال من كل مكان..
لما رأى ذلك عمر ﵁ قال لأهل مكة: إن الكعبة بيت الله، ولا بد للبيت من فناء، وإنكم دخلتم عليها، ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور من أهلها،