← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وله شعر فمنه: يروق لى منظر البيت العتيق إذا بدا … لطرّفىّ فى الإشراق والطفل كأن حلّته السّوداء قد نسجت … من حبة القلب أو من أسود المقل أبو المكارم محمد (١) بن عبد المنعم بن نصر الله بن جعفر بن أحمد بن حوارى، المغربى الأصل، الدمشقى الحنفى، المعروف بابن شقير، الأديب الشاعر. مولده فى سنة ست وستمائة، وهو من شعراء [٥٤] الملك الناصر (٢) صاحب حلب، سمع الزبيدىّ وابن اللتىّ والهمدانىّ وابن رواحة والسخاوىّ والقطيعىّ وابن رواح وجماعة أخرى بديار مصر، وعنى بالحديث عناية كثيرة، وكتب الكثير، وتعب وحصّل، وروى عنه ابن الخباز والدمياطى وابن العطار وآخرون، توفى فى هذه السنة ووقف أجزائه بالضيائية (٣). وله فى الملك الناصر صاحب حلب مدائح كثيرة، ومن شعره قوله: ما ضرّ قاضى الهوى العذرىّ حين ولى … لو كان فى حكمه يقضى علىّ ولى وما عليه وقد صرنا رعيّته … لو أنه مغمد عنّا ظبى المقل يا حاكم الحب لا تحكم بسفك دمى … إلاّ بفتوى فتور الأعين النجل

стр. 1017

ويا غريم الأسى الخصم الألدّهوى … رفقا على فجسمى فى هواك بلى أخذت قلبى رهنا يوم كاظمة … على بقايا دعا وللهوى قبلى ورمت منى كفيلا للهوى (١) … عبثا وأنت تعلم أنى بالغرام ملى وقد قضى حاكم التبريح مجتهدا … علىّ بالوجد حتى ينقضى أجلى لذا قذفت شهود الشرع فيك عسى … أنّ الوصال بجرح الجفن يثبت لى لا تسطونّ بعسّال القوام على … ضعفى فما أفتى إلا من الأسل هددتنى بالقلى حسبى الجوى (٢) … وكفى أنا الغريق فما خوفى من البلل (٣) وله: وا حيرة القمرين منه إذا بدا … وإذا انثنى يا خجلة الأغصان كتب الجمال ويا له من كاتب … سطرين فى خدّيه بالريحان (٤) القاضى الصاحب فتح الدين أبو عبد الله محمد (٥) بن القاضى محيى الدين عبد الله ابن عبد الظاهر بن نشوان.

стр. 1018

صاحب ديوان الإنشاء الشريف، وكاتب الأسرار فى الدولة المنصورية بعد ابن لقمان حين تولى الوزارة، وكان ماهرا فى هذه الصناعة، وحظى عند المنصور، وكذا عند ابنه الأشرف. توفى يوم السبت النصف من رمضان بمدينة دمشق، وخلّف من الأولاد القاضى علاء الدين على (١)، فأجرى السلطان عليه ما كان باسم والده من الجامكية والجراية والراتب، فاستقر بديوان الإنشاء وله من العمر دون عشرين سنة، فاستصغر السلطان سنه فى ذلك الأوان. فرتب القاضى تاج الدين أبا العباس أحمد (٢) بن شرف الدين سعيد بن شمس الدين أبى جعفر محمد بن الأثير الحلبى التنوخى صاحب ديوان الإنشاء الشريف، لأنه كان ماهرا فى هذه الصناعة، فلم يلبث إلا شهرا أو حول شهر حتى أدركته الوفاة، فقضى إلى رحمة الله فى العشر الأوسط من شوال (٣) من هذه السنة بظاهر غزة، وعمره (٤) أحد وسبعون سنة، وكان ماهرا فى حل المترجم، بلغ فيه إلى أن حلّه بأحد عشر شكلا، وولى بعده ولده القاضى عماد الدين أبو الطاهر إسماعيل (٥) ابن أحمد، ولم يزل به إلى آخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة.

стр. 1019

وللقاضى فتح الدين شعر حسن، فمنه قوله: إذا كنت ذا أصل فكن متواضعا … إن التواضع من زكاة المغرس وإذا حللت بمجلس فاجلس به … حيث انتهيت فذاك صدر المجلس وله: وكتب بها إلى ابنه فى مرضه الذى مات فيه: [٥٥] إن شئت تنظرنى (١) … وتنظر حالتى قابل إذا هب النسيم قبولا فتراه مثلى رقّة ولطافة (٢) … ولأجل قلبك لا أقول عليلا وهو الرسول إليك منى ليتنى … كنت «اتخذت مع الرسول سبيلا» (٣) الأمير عماد الدين يونس (٤) بن على بن رضوان بن قرقس (٥). توفى فى شوال منها، ودفن بتربة والده بالحزيميين داخل دمشق، وكان عنده فضيلة ومكارم أخلاق، وكان بعد موت أبيه أعطى طبلخاناة، وبقى على إمرته إلى أواخر الدولة الناصرية، ثم بطل الإمرية فى الدولة المظفرية، وباع أملاكه ونفقها، وبقى يتقوت من وقف والده، وكان الملك الظاهر يكرمه. الأمير شرف الدين بن (٦) خطير أحد أمراء دمشق.

стр. 1020

استشهد فى فتح قلعة الروم، وكان من بيت كبير فى بلاد الروم، ولوالده عدة مماليك وردوا صحبته، وصار له فى مصر سمعة وشأن، وتأمرت منهم جماعة كثيرة. الأمير شهاب الدين أحمد (١) بن الركن أمير جندار، مات شهيدا على قلعة الروم. الأمير سابق الدين (٢) الميدانى. مات بدمشق فى العشرين من شوال، ودفن بقاسيون، كان أميرا كبيرا شجاعا ذا مهابة، وتأمر بعض مماليكه فيما بعد. الأمير علم الدين سنجر (٣) الحلبى. مات فى عاشر ذى القعدة (٤) وكان قد مرض بعد حصار قلعة الروم، فحمل فى محفة إلى مصر، فمات بعد حضوره بسبعة أيام، وكان من أكابر الأمراء الصالحية، عصى على الظاهر وتسلطن بالشام كما تقدم، وكان طويل القامة، مخلا بعينه اليسرى، ذكروا عنه أنه أصيب بسهم، وكان ذا بأس وشهامة، وقوة وشجاعة، وإقدام شديد.

стр. 1021

وقيل: إنه كان فى الدولة الظاهرية إذا نزل من الخدمة إلى بيته لا ينزل عن فرسه حتى يقدم له قنطارته محشوة برصاص فيلعب بها وهو راكب، ثم يأتى إلى فردة تبن فيطعنها ويشيلها من الأرض، ثم ينزل ويأخذ عمودا حديدا زنته قنطار فيلف به يمينا ويسارا، ثم يجلس على سماطه فيأكل خروفا، ومات وهو فى عشر التسعين وقد انحنى وبان عليه الكبر، وقيل: مات وعمره إثنان وتسعون سنة. الملك المظفر قرا أرسلان (١) بن إيلغازى (٢) بن أرتق الأرتقى (٣)، صاحب ماردين. توفى فى هذه السنة، وله ثمانون سنة، وكانت دولته ثلاثا وثلاثين سنة، وقام من بعده ولده شمس الدين داود (٤) ولقب بالملك السعيد. الملك الكامل بن الملك المعظم، أحد ملوك بنى أيوب. توفى بدمشق فى هذه السنة، وكانت له حشمة وأدب.

стр. 1022

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثانية والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون الصالحى الألفى. وفيها: ظهرت نار بأرض المدينة النبوية، نظير ما كان فى سنة أربع وخمسين (١) على صفتها إلاّ أن هذه يعلو لهيبها كثيرا، وكانت تحرق الصخر [ولا تحرق السعف] (٢)، واستمرت ثلاثة أيام، كذا ذكر فى تاريخ ظهير الدين الكازرونى (٣). وفيها: ورد كتاب من نائب حلب يذكر فيه أن صاحب سيس (٤) قد تعرض لبعض التجار وأخذ أموالهم، وأخذ منهم جماعة أسرى، وأنه أرسل إليه كتابا، فأمره بردّ مالهم والأسرى إليه، وإلاّ سيّر إلى بلاده عسكرا للغارة؛ وأنه أرسل إليه كتاب يذكر فيه أنه ما تعرض لشئ من ذلك ولا عنده أسرى، واستأذن نائب حلب [٥٦] من السلطان فى تجريد عسكر من حلب إلى بلاده، ويضيف إليهم جماعة من التركمان.

стр. 1023

فلما وقف السلطان على كتابه طلب الأمراء وعرّفهم بذلك، فشرع كل واحد منهم يحسن للسلطان أمر الغزاة وفتح القلاع، وأن سيس من أجل البلاد، ولأهلها سعادة كبيرة، وبلادها عامرة بالخير، وذكروا له ما فعله السلطان الظاهر فى سائر غزواته والقلاع التى أخذها، وأنه ملكها لأكابر أمرائه ومماليكه، فأضمر السلطان فى نفسه أن يركب إلى سيس بنفسه ويملكها، ثم طلب الوزير وأمره أن يكتب بتجهيز الإقامات والعلوفات، وأن يكتب إلى سائر النواب من البلاد الشامية أن يتأهبوا ويجهزوا ما يحتاجون إليه من آلات الحصار وغيرها، وعرفهم أن قصده أخذ السيس. ثم ركب بعزم قوى إلى أن وصل إلى دمشق، (١) فخرجت إليه سائر أهل دمشق، وفرحوا بحضوره، فما أقام فيه يومين حتى حضر مملوك نائب حلب وأخبر أن رسل صاحب سيس قد حضروا صحبة نائب تكفور وجماعة من أكابر الأرمن، وبعد يومين وصلوا إلى دمشق، وجلس السلطان فى الميدان وأحضرهم، فاندهش نائب تكفور ومن معه مما عاينوه من عظمة عسكر السلطان، وكان السلطان الأشرف يحب الزينة فى اللباس، فلما دخلوا قبلوا الأرض بين يديه وأخرجوا كتاب تكفور، فقرئ على السلطان، وفيه تضرع كثير، وإظهار ذله، وأنه بلغه أن السلطان قصده من غير سبب، وأن ما نقل عنه غير صحيح، فإن ثبت عليه شئ من ذلك أو على أحد من بلاده كان عليه أضعاف ما ذكروا عنه من أخذ أموال التجار وغيرهم، وأن السلطان يرسل إليه من يثق به، فيحلفه أنه لا يدع فى بلاده أسيرا من المسلمين، وأنه يضاعف الحمل المقرر

стр. 1024

عليه، ثم أحضروا ما كانت صحبتهم من البلور الفاخر والأوانى الذهب والفضة والأوانى المرصعة، فالفصوص والبسط الهائلة، وأشياء غير ذلك من التحف التى تصلح للملوك. وفى كتابه أيضا: أن البلاد بلاد السلطان، وأنه نائبه فيها. وقرئ أيضا كتاب نائب حلب: وفيه يشير على السلطان بقبول هداياهم والسكوت عنهم، فقبل السلطان هداياهم، وآخر ما انفصل عليه أمرهم على أن يسلموا إلى السلطان قلعة بهسنى (١)، وقلعة مرعش (٢) وتل حمدون (٣)، وأنه يبعث إليه مفاتيح القلاع الثلاث، وإن لم يسلمها غزاه السلطان، فخرجت الرسل من عنده على هذا، وأقام السلطان فى دمشق إلى أن حضر رسله وصحبتهم مفاتيح القلاع المذكورة وهدية أخرى. وفى كتابه: سأل السلطان أن تكون بهسنى للسلطان ولكن يكون هو نائبه فيها، ويقوم بجميع ما يصل إليها، فأبى السلطان ذلك وتسلم المفاتيح، وقرر عليه زيادة مائة ألف درهم، ورسم للأمير سيف الدين طوغان المنصورى أن يكون نائبا فى بهسنى، وأوصاه بحفظها، لأنها من أجل القلاع وأحصنها ولها ضياع كثيرة وأراضى ومزدرعات، وكانت من أعمال حلب، وهى للمسلمين، وكان الحاكم عليها صاحب حلب الملك الناصر، فبقيت إلى أن دخل هلاون إلى حلب وتسلم سائر البلاد، فبلغ تكفور صاحب سيس أن هلاون تسلمها، فسير

стр. 1025

إليه وأرغبه بالهدية وحمل له مالا وسأله أن تكون بهسنى له، فسلمها إليه، وبقيت فى يده إلى أن طلبها السلطان الأشرف [٥٧] فلم يمكنه منعها منه على ما ذكرنا. ثم كتب السلطان إلى نائب حلب بمنع الغارة على بلاد تكفور، وبإكرامه. وأقام السلطان فى دمشق، ثم سير عسكره، ودخل هو البرية للصيد، ثم عاد إلى مصر، وعند دخوله طلب الأمير بيدرا وسأله عمن بقى من الأمراء فى السجن، فعرفه أن الأمير بدر الدين بيسرى فى السجن، فأمر بإطلاقه، وقد ذكرنا كيفية إطلاقه فى السنة التسعين (١) على ما ذكره بعض المؤرخين. وذكر بيبرس فى تاريخه إطلاقه فى هذه السنة وقال: وفيها أفرج السلطان عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى من الإعتقال، وكان له فيه حول ثلاثة عشر سنة، وأعطاه منية بنى خصيب دربستا (٢) ومائة فارس، واتخذه لمنادمته وملازمة حضرته، وكان يأنس إلى دعابته، ويضحك من مجانته، وبقى كذلك إلى ما كان منه ما نذكره (٣). وفيها عزم السلطان على التوجه إلى الوجه القبلى متصيدا ومنفرجا، فتقدمه وزيره شمس الدين بن سلعوس لتجهيز التقادم والإقامات من جهة العربان والولاة والأعيان، فكتب إليهم بالاهتمام والاستعداد التام، وأقام الأمير بدر الدين بيدرا بالقلعة (٤)، وخرج السلطان متوجها إلى الوجه القبلى.

стр. 1026

فلما تحدث الوزير فى الأعمال لتحصيل الأموال وتقرير التقادم من الخيل والجمال، وجد لبيدرا عدة من البلاد محمية باسمه (١)، وله بها كثير من الحواصل والغلال، مع شغور الشون السلطانية، ووجد نوابه الذين بكل جهة يدافعون عنها، فأوحى إلى السلطان من أمره ما غيّره عليه، وبلغ ذلك بيدرا (٢) فحصل فى قلبه تغير. ولما قضى السلطان الوطر من الصيد، ووصل إلى قوص (٣)، عاد إلى قلعته، واهتم له الأمير بيدرا بضيافته عند عوده، وضرب له بالعدوية (٤) خيمة من الأطلس الأحمر بأطناب من الإبريسم الملون (٥)، وعمد صندلية (٦) محلاة بفضة مطلية (٧) منقوشة بأنواع النقوش، مرقشة بإبداع الرقوش، مفروشة ببسط من الحرير، مصورة بغرائب التصوير، وعمل له ضيافة بالغ فيها ليتلافى سعاية ابن السلعوس إن أمكن

стр. 1027

تلافيها. فنزل السلطان فى الخيمة قدر ساعة، ثم ركب إلى القلعة، ولم يظهر بشاشة لقبولها، ولا استحسانا لها (١). وجاء فى نزهة الناظر: وفى هذه السفرة حط الوزير على بيدرا نائب السلطان، وتمكن من الحديث فيه والتهمة له لأجل « ...... » (٢) واتهامه هو بالسلطان، وكان فى نفسه من بيدرا أمور كثيرة، فسعى الوزير فى طول الطريق يجهز « ...... » (٣) كفاية، وإذا استعجزه السلطان يقول: يا خوند، ما كل ما يعلم يقال، « ...... » (٤) البلاد العامرة لبيدرا، والذين فيها نوابه، لا يمكّن منهم الوالى ولا غيره، والبلاد الخراب كلها للسلطان، وما فيها شئ، وأنه يشترى كل شئ بالدراهم من بلاد بيدرا، لكونها عامرة، وبقى كذلك طول الطريق، وإذا خرج من عند السلطان، يقول للأمراء: يا مسلمين الأمير بيدرا يأخذ بلادى وما أجد الإقامات إلا من بلاد الأجناد، وهو مالك البلاد وأنا أشترى الإقامات. وكل من كان من الأمراء والخاصكية من جهة بيدرا يكتبون إليه بذلك، ويعرفونه، فانحصر بيدرا لذلك انحصارا شديدا، فسير بعد ذلك إلى سائر بلاده بعمل الإقامات إلى السلطان والأمراء، ومع هذا كله أضمر له السلطان السوء.

стр. 1028

وكان قراسنقر وبكتمر السلحدار [٥٨] وبعض المماليك من جهة بيدرا، فسيروا إليه، وقالوا له: تحيل فى دفع ما أضمر له السلطان فى خاطره مما قاله الوزير، وأعمل ضيافة هائلة عند تعدية السلطان وقدم له « ......... » (١) من جميع الأشياء « ......... » (٢) وعلى هذا شرع فى تجهيز هذه الأشياء، وكتب إليهم، وسألهم أن يحسنوا بالقضية مع السلطان ويعرفوه أنه يريد أن يعمل ضيافة فى العدوية عند تعدية السلطان، ويقدم له تقادم جليلة، فقالوا ذلك للسلطان فلم يلتفت إليهم، فلم يزالوا به إلى أن أرضوه بذلك، ثم استشار الأمراء الكبار فى ذلك، فقالوا له: بيدرا مملوكك على كل حال، ولا بأس أن تجبر خاطره. فأرسلوا بذلك يعرفون بيدرا، فنهض بيدرا عندما قرب نزول السلطان فى العدوية، وضرب خيمة أطلس - على ما ذكرنا -، وعمل فى وسط الدهليز كرسيا مصفحا بالذهب، وخلفه خركاة. وقال صاحب النزهة: ذكر لى زردكاش بيدرا أن الخركاة بمفردها غرم عليها بيدرا ستين ألف دينار. وشرع فى عمل الطعام، فأقام ستة مطابخ، ولم يبق أحد فى مصر والقاهرة إلا وقد خرج إلى العدوية، ونصب حول الدهليز أحواضا فيها السكر والليمون، وأحواضا فيها القمز، وأحواضا فيها السويق، فكانت مائة حوض، وأما « ...... » (٣) فأخبر صاحب النزهة أنه ألف وأربعمائة رأس من الغنم، ومائة إكديش، وستون رأسا من البقر.

стр. 1029

ولما قرب السلطان نزل بيدرا وقبل الأرض، ثم قام وشد وسطه بمنديل وبسط له عشرة ثياب أطلس، فدخل السلطان الدهليز فدهش وصار يردد بصره فيه ويعجب، وقال: يا نائب السلطان متى عملت هذه، فقال: يا خوند، لى مدة سنة حتى شرعت فى أستعد لها بما يسر خاطر السلطان؛ والمملوك يسأل مرة أخدم السلطان « ...... » (١) وقبل الأرض « ...... » (٢) وكان قد جهز لكل أحد منهم « ...... » (٣) ذهب، وكنبوش زركش، فصار كل أمير يخرج ثم يجئ ويقبل الأرض، فقال السلطان: لقد أفقرتم النائب، ثم بعد ذلك قام السلطان وركب. وكان الأمير طقجى خصيصا بالسلطان، ومن جهة بيدرا، فقال: يا خوند، كم تقولون بيدرا أخذ الكل، والله لو مسكته ما لقيت نصف ما غرم فى هذه المدة، فتبسم السلطان، وقال: صدقت، والله أفقرناه. ثم بعد أن رحل السلطان نهبت العوام والحرافيش باقى الأطعمة والحلاوات جميعها. قال صاحب النزهة: وسألت علاء الدين أمير جاندارية والركن الطقجقى بعد مدة من انقضاء الدولة الأشرفية عما غرمه بيدرا على تلك الضيافة، فأخبرانى أن مجموع ما غرمه فى الدهليز الأطلس والخركاة والتقادم للأمراء والسلطان نحو مائة وخمسين ألف دينار.

стр. 1030

وفيها أرسل السلطان وأحضر الملك المظفر صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل على البريد إلى الديار المصرية، فتوجها من حماة، وعندهما خوف عظيم بسبب طلبهما على البريد، ووصلا إلى قلعة الجبل فى اليوم الثامن من خروجهما، وحال وصولهما شملتهما الصدقات السلطانية، وأدخلا الحمام بقلعة الجبل فأنعم عليهما بملبوس يليق بهما، وأقاما فى الخدمة أياما. ثم خرج السلطان على الهجن إلى الكرك (١)، فسار فى الطريق البعدية من جهة البرية (٢)، وسارت العساكر على الجادة إلى دمشق، وأركب صاحب [٥٩] حماة وعمه على الهجن صحبته، لأنهما حضرا إلى مصر على البريد ولم يكن معهما خيل ولا غلمان، وسارا فى خدمته فى الكرك، ولاقتهما تقادمهما إلى بركة زيزا، فقدّماها للسلطان. ولما وصل السلطان إلى الكرك والشوبك أعطى الأمير جمال الدين نائبه بها سبع بلاد من أعمالها، ثم سار إلى دمشق فى جمادى الآخرة (٣)، فالتقيه العساكر فيها، ثم سار من دمشق فى ثانى رجب نحو حمص وسلمية ومعه أكثر الجيش، وأخذ وجه البرية متصيدا، ووصل إلى القرقليس وهو جفار فى طرف بلد حمص من الشرق، ونزل عليه، وحضر إلى خدمته هناك مهنى (٤) بن عيسى أمير العرب،

стр. 1031

وأخواه محمد وفضل (١)، وولده موسى بن مهنى، فقبض السلطان على الجميع وأرسلهم إلى مصر، فحبسوا فى قلعة الجبل؛ ووصل السلطان إلى قصير، وأعطى صاحب حماة الدستور، فتوجه إلى بلده. وعاد السلطان إلى مصر، ووصل إليها فى الثامن والعشرين من رجب بعد أن جرد عسكرا ليقيم بحمص صحبة ثلاثة من المقدمين وهم: الأمير بدر الدين أمير سلاح، والأمير شمس الدين كرتيه، والأمير سيف الدين بلبان الحمصى. قال بيبرس فى تاريخه: وكنت من مضافى الأمير بدر الدين أمير سلاح، فأقمنا بحمص ثلاثة أشهر (٢). وقال النويرى فى تاريخه: ثم رسم السلطان للمجردين هناك، وصاحب حماة وعمه بالمسير إلى حلب والمقام بها لما فى ذلك من إرهاب العدو، فسارت العساكر إليها، وخرج المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل معهم من حماة يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان، ودخلوا حلب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شعبان وأقاموا بها. وذكر فى نزهة الناظر سبب مسك مهنى وإخوته: وذلك أن السلطان لما ورد إلى كرك تلقى هؤلاء السلطان من غزة وقدموا له خيلا وهجنا، ومشوا فى صحبة السلطان، وكانت سائر العرب فى ذلك الوقت لا يلبسون إلا طراطير حمر مترفعة عن العمائم ولهم عذبات مطولة، ونزل السلطان على نهر يجرى، فلما دخلت

стр. 1032

الأمراء إلى الخدمة وحضر مهنى وإخوته أيضا والأمير برغشة وأخوه مظفر صحبة مهنى، اتفق للسلطان انشراح فى ذلك الوقت، فشرع يمزح مع العرب، فالتفت إلى مهنى وقال: يا مهنى أريد أن أقلع هذه الطراطير من رءوسكم وألبسكم كلوتات مثل العسكر، فنظر مهنى إليه نظر المغضب من قوله، وقال يا خوند: تريد أن تجعلنا مساخر ومضحكة للعرب، معاذ الله من ذلك، فتغير السلطان من قوله وسكت على غيظ منه، ثم قاموا وتفرقوا. ولما حضروا فى المجلس الثانى إلى الخدمة على العادة، أراد السلطان أن يعمل به شيئا ينتكى به، وكان قد عمل على النهر خشبا يمشون عليه مثل الجسر، فكل من كان يحضر من ذلك الجانب يمشى عليه، وأمر السلطان لبعض الجمدارية أن يقصر الخشب قليلا ويدوس عليه برجله، فإذا رأى مهنى وقد أراد الجواز عليه وتوسط، يرفع رجله حتى يقع فى النهر، ففعل مثل ما قال السلطان، وجاء مهنى ومشى عليه إلى أن توسط، فرفع ذلك الجمدار رجله فخرج الخشب عن موضعه، فوقع مهنى فى وسط النهر إلى حلقه وغطس غطسة، فأدركوه وأخرجوه وهو فى حالة عجيبة، فضحك السلطان حتى نهض من كرسيه ويقول: ويلكم، شيلوا أمير العرب، وهو يضحك. فغضب مهنى من ذلك غضبا شديدا وقال: والله ما سوى هذا إلا خبيث بن خبيث، فردّ عليه برغشة [٦٠] وقال له يا أمير: لا تقل هذا القول، حاشى أن يكون فى الملوك وأولاد الملوك خبيث. فتغير السلطان من ذلك تغيرا كثيرا. وقال مهنى: يا أمير ما عنيت الملوك ولا أولاد الملوك، وإنما عنيت الذى سواها من المماليك. فالتفت السلطان إلى الأمراء الحاضرين وقال: سمعتم مهنى وهو يقول لى: خبيث بن خبيث، فنهض الجميع، ومهنى

стр. 1033

معهم، وقبلوا الأرض، أنه ما أراد بهذا السلطان، وبقى مهنى بقبل الأرض ويحلف أنه ما نوى هذا، والأمراء يعتذرون عنه. وقال الأمير حسام الدين الأستاذدار: يا خوند لا تؤاخذ العرب فإنهم لا يعرفون هذه الأمور، ويتكلمون بكلام ولا يقصدون بذلك شيئا، فقاموا بعد ذلك وخرجوا، والسلطان يقول: يا مهنى، وهو خارج من عنده مع الأمراء، أوريك إن كنت خبيث بن خبيث أو خليل بن قلاون. ثم أن مهنى صبر إلى أن دخل الليل، فجاء لى حسام الدين الأستاذدار وعرفه ما هو فيه من القلق بسبب ما وقع منه، وكان يركن إليه وبينهما مودة، فاستشاره أنه يقيم أو يرحل إلى أهله، فأشار عليه أن يرحل ولا يعود يقابل السلطان، لما كان يعلم ما فى باطنه من أمره، واتفق معه على الرحيل، وترك عنده من يثق به أنه يسير معه، ويقف على ما يقع من السلطان فى أمره من الخير والشر، ثم يرسله إليه ويعرفه بالإشارة، ثم رحل باكر النهار. وعلم بذلك السلطان، فسكت عنه إلى أن اتفق ما اتفق من رواح السلطان إلى الشام، ثم إلى حمص وخروجه إلى الصيد كما ذكرنا، فلما فرغ سأل عن الطريق التى تاتى على أبيات مهنى فى البرية حتى يجعل طريقه عليها، وأحس الأمير حسام الدين أن فى نفس السلطان القبض عليه، فطلب ذلك الرجل الذى تركه مهنى عنده، فقال له: اذهب إلى مهنى وسلم عليه من عندى واعطه هذه السلة، ولم يقل له شيئا غير ذلك، فسبق القاصد إلى مهنى وعرفه أن السلطان جعل طريقه عليه، فقال: وأش قال لك الأمير حسام الدين فقال: لم يقل لى شيئا غير أنه أعطانى هذه السلة التى فيها الحشكنابك، ففتح مهنى السلة فوجد

стр. 1034

فيها بين الحشكنابك جملا مصنوعا من شمع وعليه قتب وخرج محمل، فعلم أنه أشار برحيله. فطلب إخوته وعرفهم الأمر، واتفق رأيهم على الرحيل. وهم فى ذلك، فإذا صاحب حماة قد تقدّم ليلاقى السلطان، فركب إليه هو وإخوته وعرفوه بأمورهم، واستشاروه فيما يفعل، فقال صاحب حماة: يا أمير إن سمعت منى فانظر فى نفسك، فأىّ شئ قويت نفسك عليه فافعل واتكل على الله فقال: والله قويت نفسى على لقياه، وإن كان قدّر على أمر صبرت له، ثم قال له صاحب حماة: إن كان لا بد من الملاقاة فاملأ عينه بالضيافة والتقدمة وفارقه على ذلك. ثم ركب هو وأخواه فضل ومحمد وتلقوا السلطان، وترجلوا عن بعد، وقبلوا الأرض، وكان فى نفس السلطان أن مهنى ما يقابله، فأقبل السلطان عليهم وسألوه فى العزيمة، فأجاب السلطان إلى سؤالهم، وقصده القبض عليهم، وعند وصوله أبياتهم قد وجد طعامهم قد جهز، وكان قد احتفل له فى ذلك اليوم احتفالا عظيما، فذبح فى ذلك اليوم ثمانمائة رأس غنم، [٦١] وثلاثين إكديشا، وخمسين فصيلا، وأحضر مائتى منسف حلوى، وعشرة أحواض سكر، وسويق، وأحضر التين والزيت والفستق أكواما مكومة، فشرعت الأمراء فى الأكل، والسلطان ينظر إلى مهنى وإخوته ويرى القبض عليهم، فتنظر مهنى إليه وعرف ما عنده من ذلك، فتقدم وباس الأرض، وقال يا خوند نحن اليوم من جملة رعيتك وقد شرفتنا وقبلت عزيمتنا، ونريد منك أن تتم خيرك وتأكل من طعامنا، فإن كان فى نفس السلطان شئ يفعله فها نحن بين يديه.

стр. 1035

وكان إلى جانب السلطان الأمير برغشه، فمد السلطان يده فأكل، وبرغشه يتحدث معه قليلا قليلا. فقال له يا خوند: أزل ما فى خاطرك فإنا نحن كلنا عبيدك. فقال يا برغشه: أنسى قول مهنى: ما سوّاها إلا خبيث بن خبيث. فقال له يا خوند: صدقت، ولكن بقى له حق عليك حيث أجبت دعوته ونزلت أبياته وأكلت طعامه، فإن فعلت ما أضمرت فى نفسك لا يبقى بدوى يأمن إلى السلطان، فعند ذلك سكن ما فى نفس السلطان من الغيظ، وعلم أن الذى قاله برغشه صحيح. ثم شرع يتحدث مع مهنى ويطيب خاطره إلى أن طاب خاطره، ثم ركب السلطان ومهنى صحبته إلى أن نزل على حماة وأكل ضيافة المظفر، ثم خلع على صاحب حماة ومهنى عند رحيله. وبقى الأمر فى نفسه إلى أن اتفق خروجه من مصر، فوقفت له جماعة كبيرة من التجار وعرفوه أن عرب مهنى تعرضت لهم فى الطريق وأخذوا منهم شيئا كثيرا، وشكوا أمرهم إلى مهنى فقال لهم: ما هم عربى ولكن هؤلاء من بنى كلاب، فردهم السلطان إلى دمشق، وبقى فى نفسه إلى أن اتفق سفر السلطان بدخول البر، وأشار أن يكون العسكر والأمراء على حمص حين عودته، فراح السلطان إلى أن توصل إلى مكان منزل مهنى، وكان فى ذلك اليوم حر شديد، ومهنى جالس فى بيته، وقد رفع أطراف البيت، وزوجته إلى جانبه، فنظر فإذا بجماعة على بعد راكبين الهجن، فصاح لحاجبه وقال: رأيت جماعة قاصدين فلاقهم وأنزلهم فى بيت الضيافة إلى أن يسكن الحر، فرجع الرجل وقد عاينهم وهم سبع نفر وهم قاصدون البيت، فالرجل يومئ بكمه إليهم أن يرجعوا

стр. 1036

من بيت الأمير، وهم لا يلتفتون إليه إلى أن وصلوا إلى البيت، فجاءهم الحاجب وقال، يا موالى انزلوا بيت الضيافة فإن الأمير هو وحريمه فى البيت، فقال له السلطان: ارجع وقل لمهنى كلّم الخليل. فقال يا مولاى: ابعدوا عن البيت قليلا، فصاح السلطان عليه وقال: ويلك قل له كلم الخليل، فاستهابه الرجل فرجع فوجد مهنى وقد خرج لما رآهم بقرب البيت واقفين فقال: ويلك ما قلت لك أنزلهم ببيت الضيافة. فقال يا مولاى: ما يسمعون منى وينهروننى، ويقول واحد منهم: قل لمهنى كلم خليلا، فعند ذلك رجف فؤاد مهنى، ووضع عمامته على رأسه، ونهض يجرى إلى أن علم أنه السلطان، فصار يجرى ويقبل الأرض ويقول: يا سلطان الإسلام فضحتنا اليوم. فقال له: ما عليك نحن جئنا برسم الصيد. فقال يا خوند: لا بد من نزولك. قال: لا ولكن اطلب اخوتك حتى يكونوا معنا فى الصيد، فركب وبعث إليهم، فحضر محمد وأخوه الآخر وابنه، وقبلوا الأرض بين يدى السلطان، ثم قال له محمد: [٦٢] يا خوند يقبح علينا أن ترجع ولم تأكل ضيافتنا. فقال: أنا ما جئت إلا لصيد الغزال. فقال محمد: يا خوند وحياتك قد ظفرت بالصيد ونحن غلمانك. فقال: حتى نعود، فركبوا ودخلوا البرية وقضى السلطان وطره من الصيد يومين، وقد جهز له مهنى ضيافة كبيرة وسألوه، فرجع إلى بيوتهم فوجدهم قد جهزوا كل شئ حسن أعظم من ضيافتهم الأولى. قال صاحب التاريخ: وأخبرنى جماعة كثيرة: لم يبق أحد من الغلمان من العسكر إلا وقد ملأ خرجه من سائر النقل وأنهم قد عملوا كل صنف من الأصناف على ناحية حتى عملوا مائة فصيل مصنوع من الحلوى، كل فصيل

стр. 1037

على منسف، فلما فرغت الأمراء من السماط طلب السلطان قراسنقر والأفرم أمير جندار وجماعة من الأمراء، فخرجوا إلى مهنى وإخوته ووضعوا الزناجير فى رقابهم، وركب السلطان من البيوت، وخرجت النسوان وبكين وصحن وهن مكشوفات الوجوه، ثم أركبوهم الهجن وهم مقيدون. ولما نزلوا على حمص سأل مهنى الأمراء أن يسألوا السلطان فى أن يطلق أحد إخوته، فإن بيوتهم ليس فيها رجل يدبرهم، فسألوا السلطان فأطلق أصغر إخوته، وأنعم بإمريات آل عيسى على آل مرا، ثم ألزم السلطان مهنى وإخوته أن يحضروا مال التجار الذين شكوهم، فالتزموا به. ثم ركب السلطان إلى الصيد أيضا، ورسم للعسكر أن يذهبوا إلى دمشق فيقيموا هناك حتى يحضر السلطان، وبعد أيام قدم السلطان إلى دمشق وكان يوم دخوله يوما مشهودا. وفيها: سير السلطان الأمير عز الدين الأفرم إلى قلعة الشوبك ليخربها، فتوجه إليها وهدمها، وكان ذلك فى غاية ما يكون من الحطأ وسوء التدبير، وحكى أنه وجد بقلعتها أربعين ألف ختمة بخطوط منسوبة مذهبة، وربعات كثيرة كذلك، وكتبا عظيمة مدخرة من عهد بنى أيوب، وزردخانة عظيمة القدر، ووجد فى جملة ذلك سيفا عرضه شبر وأربعة أصابع مفتوحة وطوله أربعة أذرع. قيل: إنه سيف خالد بن الوليد رضى الله عنه، وقيل: هو صمصامة سيف عمرو بن معدى كرب.

стр. 1038

وذكر فى نزهة الناظر: أن السلطان لما استقر بمصر بعد عوده من الشام قبض على الأمير عز الدين أيبك الأفرم (١) الصالحى أمير جندار (٢)، وكان سبب ذلك أنه حصل للسلطان حنق بسبب عرب الشوبك وأنهم يقيمون فيها ويطلعون قلعتها، فكتب بذلك نائب الكرك إليه، فطلب الأفرم المذكور ورسم له أن يركب وينزل على قلعة الشوبك ويخربها. فقال له الأفرم: يا خوند كيف تخرب مثل هذه القلعة وهى قلعة عامرة آهلة، وهى حصن من حصون المسلمين، فنظر إليه نظر المغضب وقال: أنتم نفوسكم كبار وما خرج من رؤوسكم دعوى البحرية، وتزعمون أنكم أصحاب رأى ولا يجئ رأيكم إلا على رؤوسكم، ثم رسم بأخذ سيفه وتقييده فى وقته، ورسم للوزير بالحوطة على موجوده بمصر والشام وكان له موجود عظيم جدا، وتمكن الوزير من ماله. قال صاحب النزهة: فأخبرنى ولده أسد الدين أن من جملة ما حمل لبيت المال من جهته مائة ألف وستون ألف دينار، وسته وتسعون ألف أردب غلة [٦٣]، وكتب إلى دمشق بالحوطة على ما كان له فيها. وقبض أيضا على الأمير عز الدين أزدمر العلائى (٣) أحد الأمراء بدمشق، وكان له موجود كثير، وأحضر إلى مصر. وفيها أمر السلطان الوزير أن يكتب إلى المباشرين بدمشق لاستعمال (٤) مائة شمعدان مكفت؛ ويكتب اسمه عليها (٥)، وخمسين شمعدان ذهب، وخمسين

стр. 1039

فضة، ومائة وخمسين سرجا زركشا، ومثلها مخيشا، ويجهزون ألف شمعة، وأشياء كثيرة من هذا الصنف. وكان هذا لأجل المهم بسبب زوجته بنت نكيه (١)، وكانت حاملا، وقرب ميلادها. ثم فى شهر ذى الحجة رسم السلطان للعساكر بالتأهب للعرض والقيام من العدد، والتجمل بالنافلة والفرض، فاهتموا بالعدد الجميلة من الجواشن والقرقلات والخود والبركستوانات [والتراكشى والكاسات (٢)] وغير ذلك [من العدد الفاخرة (٣)]. وكان الباعث له على ذلك قرب ميلاد زوجته، فاهتم بذلك عند قرب النفاس، مؤملا أن يكون المولود ذكرا يحيى به ذكره، ويشرح له صدره، ويرث الملك من بعده، وتجمل العساكر تجملا لم ير مثله، وغالوا فى أثمان العدد، حتى بلغ ثمن الجوشن الذى قيمته مائة درهم إلى ألف درهم وفوق ذلك. وفى اليوم الثالث من لعب القبق هبت رياح عاصفة، ونار من العجاج ما يملأ الفجاج، فصار النهار كالليل، وكان السلطان قد أمر باتخاذ الأطعمة، والإكثار من أنواعها، وتجهيز القمز والفواكه، وأصناف الحلوى، فكان المولود بنتا فلم يتم له ما رام، ولا انشرح لهذا الاهتمام. وذكر فى نزهة الناظر أن السلطان لما جاء له بنت خشى أن يسأل عن ما كان قد استهم فيه، فأظهر أنه يريد أن يطهر أخاه محمدا وابن أخيه مظفر

стр. 1040

الدين موسى بن الملك الصالح، ورسم لنقيب الجيش والحجاب أن يعرفوا الأمراء والعساكر أن يلبسوا عدد الحرب هم وخيولهم، ويجتمع الجميع بالميدان الأسود خارج باب النصر، فأخذت الأمراء فى الاهتمام لذلك. وبعد ثلاثة أيام خرجت السوقة ونصبوا سائر ما يحتاجون إليه من الصواوين والخيام والأخصاص، ونقلوا إليها سائر الأطعمة والنقل، وعملوا سوقا عظيما. ونزل السلطان فى موكب عظيم، ولم يبق أحد من الناس من أكابر البيوت وغيرهم إلا وخرج يمضى ذلك اليوم، وهم فى الزينة المذكورة من العدد. وفى اليوم الثانى رسم السلطان للعسكر أن يبدأ القبق (١)، وعرّف الحجاب أن أحدا لا يرد لا من الجند، ولا من مماليك الأمراء، وكل من أراد الرمى يدخل ويرمى. وطلب السلطان فى ذلك الوقت الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير سلاح (٢)، وقال أنتم أكابر الأمراء ومشايخ هذا الحال، فاشتهى أن تبدأوا وترموا القبق، حتى أبصر همة الشيوخ. فقال البيسرى: يا خوند ينبغى أن نتفرج هذا اليوم على هؤلاء الشبان الملاح إيش بقى فينا ونحن شيوخ، وقد ذهبت علينا. فقال: وحياتى عليك أن لا بد من أن ترمى.

стр. 1041

وكان بيسرى قد علم أن السلطان يكرمه بهذا، وكان قد أعد له سرجا يليق لرمى القبق، وهو السرج الذى يكون قربوسه الورانى وطئة حتى إذا مال على قفاه لا يؤلمه ذلك، فركب ذلك السرج، واستعمل القبق وهو نائم على علاق قفاه إلى أن وصل إلى مكان الرمى رماه فأصابه، ثم عاد ورماه على يساره فأصابه (١)، ثم دخل بعده أمير سلاح، ثم أمير بعد أمير، [٦٤] ومقدم بعد مقدم، وجندى بعد جندى. وكان ذلك اليوم يوما عظيما، ما عهد يوم قبله مثل ذلك، ثم إن السلطان رجع وهو مسرور بذلك إلى الدهليز، ودارت على الأمراء السقاة بأوانى الذهب والفضة والبلور، وشرع الجند إلى الأحواض التى نصبت للشرب، وكانت قدر مائة حوض، وأقام السلطان فى ذلك يومين والثالث، وفى اليوم الثالث قال السلطان لبيسرى: بقى هذا اليوم، ادخل وارم. قال: يا خوند، خل عنا الشيوخ، وخلنا نتفرج اليوم على هؤلاء الشبان الذين كل واحد منهم أحسن من الحور فى الجنة، فتبسم السلطان، وأشار إلى خاصكيته أن يتقدموا ويرموا القبق، فدخل طغج، وعين الغزال، وأمير عمر، وكيكلدى وقشتمر العجمى، وبرلغى وأعناق الحسامى، وبكتوت الصهيونى، ونحو من خمسين أميرا من الخاصكية، وعليهم تتريات [حرير] (٢) أطلس بطرازات زركشى، وكلوتات زركشى، وحوائص الذهب، ودخل كل واحد منهم مداخل بحسب الجانبين، وأنار بواضح سناه على النيرين، ورمى وهو يهز عطفيه فأصاب الغرض قبل الإيماء

стр. 1042

إليه، وتخيل كل منهم على ذلك بالجوزاء، وهو راكب، وحنايا قسيهم من حنايا تلك الحواجب. قال صاحب النزهة: ولمؤلفه: عوذة البارى رب الفلق … لما تلفت عند رمى القبق ولاح من واضحة بهجته … ما بين عينيه وفرق فرق فقلت للناظر من دهشتى … انظر إلى صحة هذا القبق وكان السلطان قد رسم بحضور سائر الملاهى فى ذلك اليوم، وكان يوما عظيما، ولما رجع « ...... » (١)، لما صفا (٢) إليه زمانه، أبدل الله ذلك الفرح بالترح، والنجاح بالإيجاح، وذلك فقد أظلم الجو فى ذلك الوقت، وجاءت ريح عاصف، وريح « ...... » (٣) طبقت الأرض، فقلعت سائر الخيام، وأرمت الدهليز وذرت الغبار والرمل فى وجوه الناس حتى كان الرجل لا يعرف رفيقه إلى جنيبه، واختلطت الأجناد بالأمراء، ووقع النهب فى الخيام والسوق، وطلب السلطان القلعة والأمراء معه، واختلفت عليهم الطرق، وما دخل السلطان من باب الاصطبل إلا بالجهد العظيم، وهتكت حريم كثيرة، ونهبت أشياء غير عديدة. وكان يوما كأنه من أيام البعث والنشور. وكأن الناس لم يروا شيئا من السرور، واشتغل كل أحد بنفسه، وبقى الحال على هذه الهيئة مقدار ساعة فلكية، ثم سكنت الرياح، وأشرقت الشمس، وحمد الناس الله تعالى وشكروه على لطفه (٤).

стр. 1043

ثم لما أصبح السلطان أمر بإحضار سائر الملاهى لأجل ختان أخيه وابن أخيه، وعمل المهم فى القاعة التى عمرها وسماها الأشرفية (١) باسمه، وعمل مهما لم يعهد مثله فى سائر الدول، وحضر الأمراء، ورسم السلطان للخاصكية أن تدخل واحد بعد واحد فيرقص بمفرده، وهو واقف يتفرج عليهم والخازندارية واقفون بين يديه أكياس الذهب، وهو ينثر الذهب على كل واحد بمفرده (٢)، ولما فرغ الختان رسم لكل أمير بفرس مسروج وتشريف، ورسم للبيسرى وأمير سلاح كل واحد بألف دينار. [٦٥] وطلب الأمير طقجى، وكان عنده أحظى الخاصكية، فكتب بخطه رسم السلطان خليل بن قلاون أن ينعم على الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى من الخزانة الشريفة بمائة ألف دينار، وعلامته، وكتابته بقلم غليظ، فأخذ طقجى الورقة عنده، وكان السلطان رسم عند الختان أن يرمى كل مقدم ألف فى الطشت مائة دينار، والطبلخاناة خمسين دينارا، ووكل (٣) الوزير بأمر الطشت وأمر للخازندارية أن يحفظوا الطشت، فلما فرغوا أمر السلطان أن يكون النصف لأصحاب الملاهى والنصف للمزين، فعرفوا الوزير بذلك، فأخذ الطشت عنده وأرضى هؤلاء بالبعض، ووصاهم أن لا يظهروا ذلك للسلطان.

стр. 1044

ثم طلب السلطان الوزير وقال له: اعط للبليبل ألف دينار، وكان البليبل يغنى فى المجلس وعلى السماط، وكان له صوت عظيم إلى الغاية، وكان الأشرف يحب سماعه فى حياة والده، فقال الوزير: يا خوند وكم من ألف خرج فى هذا المهم؟ فالتفت السلطان إلى البليبل فقال: ويحك غنى إذا أسعدك الزمان فلا تبالى، فصار يلعلع بصوته والسلطان يعجبه قوله، فقال: يا صاحب إملأ طشت بالذهب فقال: السمع والطاعة، ثم جاء إلى الوزير استاذ الدار لطقجى وديوانه، وأوقفوه على ما كتبه السلطان، فلما رأى علامة السلطان نهض من المجلس وقبل الأرض ووضعه على رأسه وبهت له ساعة، وقال: مرسوم السلطان على الرأس والعين، ولكن أمهلونى قليلا، ثم نهض من المجلس ودخل على الأمير بيدرا نائب السلطنة، ورمى نفسه عليه، وقال يا خوند: ارحمنى وادركنى وإلا أموت، من أين أجد مائة ألف دينار بعد عمل هذا المهم العظيم، فلما وقف على المرسوم أعذره ونهض معه، فدخل إلى السلطان، فقال له: يا خوند، من أين يجد الوزير بعد عمل هذا المهم مائة ألف دينار، وشرع يسأل التنقيص من ذلك، والوزير أيضا يسأله، فنظر إليهما السلطان نظر المغضب، فقال: مثلى ينعم على مملوكه بشئ اليوم وينقصه غدا. فقالوا (١): يا خوند: نحن ندخل على طقجى ليحط من هذا القدر بشئ. فقال: هذا له وليس لى، فنهضوا من عنده، فصادفوا طقجى داخلا إلى الخدمة، فأخذ بيدرا بيده فأجلسه إلى جانبه، وطلب بكتمر السلحدار وبعض الخاصكية، وخاطبوه أن تكون المائة ألف دينار مائة ألف درهم، فقال للوزير: أنت فى عقلك؟ تقول إنى آخذ عوض مائة ألف دينار مائة ألف درهم، فلما رأى بيدرا تصميمه على الطلب قام ووقف وقال: يا أمير أنا أروح

стр. 1045

اليوم إلى بيتك وأطلب ضيافتى، فنهض طقجى وقال: يا خوند مثل ما وهبنى أستاذى أنا قد وهبتك الجميع، وبعد ذلك حمل له الوزير مائة ألف درهم. وقال صاحب النزهة: وجدت دفترا بخط شخص من مماليك الحاج طيبرس بعد وفاته؛ وكان والدى وصيه، فنظرت فيه، وقد كتب كل ما نفق فى هذا المهم، فوجدت جميع ما غرم من أوله إلى آخره: ثلاثة آلاف رأس غنم، وستمائة رأس بقر، وخمسمائة أكديش (١) وألفين (٢) وثمانمائة قنطار سكر للمشروب، ومائة وستين قنطارا لعمل الحلاوات، وذكر أنه عجز ما نفق من الذهب، وقدره على سبيل [٦٦] التقريب مائتى ألف دينار. قال: ثم بعد قتل الأشرف لما تولى الأميران سلار وبيبرس وباشر علم الدين أبو شاكر ناظر الحوشخاناة سألته عما نفق من بيت المال فى المهم المذكور، فقال: وجدت أوراق المصروف نحو الثلاثمائة ألف دينار، سوى ما خص الأقبية والطرز والسروج وقماش العساكر، ولم يعهد أن أحدا من ملوك الترك صنع مهما مثله، ولا نفق فيه مثله. وفيها: كانت واقعة القاضى تقى الدين بن بنت الأعز مع الوزير، وقد ذكرنا طرفا منها فيما مضى (٣). وذكر فى نزهة الناظر ما جرى عليه مع الوزير فى هذه السنة، وقال: ولم يذكر أحد أفحش من هذه الواقعة ولا أشنع منها فى حق هذا الرجل، وكان السبب فى ذلك أن الصاحب شمس الدين بن سلعوس لما قدم مصر فى الدولة

стр. 1046

المنصورية، كما ذكرنا، وباشر فى ديوان ولده الأشرف كان رفيقه فى المباشرة رجل يقال له نجم الدين بن عطايا، كان شاهدا بديوان الأشرف، فحصل بينه وبين ابن سلعوس إلمام عظيم ومودة عظيمة، واتفق أن ابن سلعوس خرج من مصر وأقام بدمشق، فكان هذا الرجل يكتب إليه كل ما يتفق فى مصر من الوقائع ويعلمه بذلك، وكان يهادى بعضهما إلى بعض. وكان نجم الدين هذا يسعى عند الأمراء وحاشية السلطان فى أن يوليه القاضى تقى الدين فى شئ من الوظائف الدينية، وكان ابن سلعوس أيضا بعث إليه من من الشام وسأله فى أمره، فلما حضر قاصده إلى القاضى قال: يا سيدى القاضى شمس الدين يسلم عليكم، فقال القاضى: أى شمس الدين؟ فقال: صاحب ديوان الملك الأشرف. قال: تاجر البطاين، فرجع القاصد وعرف ابن سلعوس بذلك، فمضت على ذلك مدة وجماعة كثيرة يسعون له عند القاضى وهو يسوف من وقت إلى وقت إلى أن حضر نجم الدين مع جماعة عند القاضى فى أمر ميراث وتوكل فيه، وادّعى على الأخصام بدعوى غير سائغة، فنظر القاضى إليه وقال: يا نجم الدين أصلح دعواك، فخرج وعاد ثانيا، فردّه القاضى وقال: أصلح دعواك، فلما فرغ من الدعوى طلبه وسأله عن مسألة، فلم يجب عنها، وصار القاضى يفهمها له، فلم يفهم، ثم قال له: يا نجم الدين كيف يحل لك تسعى أن تتولى مجلسا من مجالس الحكام ولا تحسن طريق الدعوى السائغة، ولا تجيب عن مسألة، ارجع إلى الله تعالى ولا نثقل على بعد ذلك بأحد فى ولايتك، واذهب واشتغل بالعلم، ولا ألقى الله وفى صحيفتى ولايتك. وتطاولت المدة على ذلك إلى أن تولى الملك الأشرف بعد وفاة والده المنصور وحضر ابن سلعوس واستقر فى الوزارة كما ذكرنا، وعزل القاضى تقى الدين من

стр. 1047

وظيفة القضاء ثم صار يأخذ منه وظيفة بعد وظيفة إلى أن بقى معه نظر الخزانة وشئ من وظائفه، وحصلت سفرة عكا، فكتب السلطان إلى نائب الغيبة من غير علم الوزير أن يطلب ناظر الخزانة وسائر مباشريها ويأمرهم بكتابة ما فيها من الحواصل، وسيرها صحبة البريدى، فكتب نجم الدين بن عطايا المذكور إلى الوزير وعرفه بذلك، وأن القاضى هو الذى فعل ذلك بسعايته، فبقى فى نفس الوزير ذلك، فلما قدم إلى مصر تلقاه الناس على العادة والقاضى فيهم، فأقبل يسلم على الوزير فلم ينصفه فى الجواب، ثم قال له يا مولانا تقى الدين: جهز عشرين [٦٧] ثوبا أطلس لأجل الفرش عند دخول مولانا السلطان، فقال يا مولانا الصاحب: ما سبقك بهذا أحد ولا سبقنى أيضا قاض بهذا، ورجع عنه وفى وجهه التغير، ثم عمل القاضى تقى الدين للوزير قصيدة من نظمه وعظمه فيها، وقصد بذلك ملاطفته ومداراته، فلما دخل إليه أراد أن ينشدها وهو واقف، فمنعه من ذلك (١)، وهى قصيدة طويلة أولها هو قوله: شكر الله ما صنعت ويرعى … فهو قد حل فى البرية وقعا وكانت هناك جماعة كثيرة، فدخلوا على الوزير أن يسمعوا القصيدة، فأمر بذلك، ولما فرغ من إنشادها تبسم الوزير، وقال: يا مولانا تقى الدين: عظمت تاجر البطاين كثيرا، فخجل القاضى، ثم قال: يا مولانا الوزير: المرء بنسبه لا بحسبه، وليس رئيس القوم من يحمل الحقد، ثم شرع الوزير بعد ذلك فى العمل عليه إلى أن طلب بعض الكتاب، فكتبوا عليه بمائة وعشرين ألف

стр. 1048

درهم، فطلبه إليه وخاطبه فى أمرها، فقال تقى الدين: ما عهدت منى خيانة قبلها، فنهره ورسم عليه وأقامه من المجلس، ثم دخل إلى السلطان وعرفه بذلك، ورسم السلطان بأن يستخرجها منه. وكتب تقى الدين ورقة إلى نائب السلطان، وذكر فيه ما جرى عليه مع الوزير، فسير إليه النائب الأمير الموصلى الحاجب يقول له: هذا القاضى كان رفيقى فى الوزارة، وله على خدمة كثيرة، وما رأيت منه فى مباشرته ما يشينه فى دينه ولا دنياه، وإن كان الصاحب ما يقبل سؤالى فيه، فمهما كان فى جهته أنا أقوم به عنه لبيت المال، فقال فى جوابه: بسم الله ولكن نحتاج إلى تحقق حساب الديوان يومين أو ثلاثة، ثم أسيره إلى خدمته. وتحقق الوزير أنه ما ينال منه غرضه لأجل قيام بيدرا فى طريقه، فسعى ابن عطايا وأصلح جماعة من شهود القلعة وغيرهم ممن لا يتق الله، فحضروا عند الوزير، واتفقوا معه على أن يشهدوا على القاضى بما يدعيه الوزير، فأصبح الوزير ودخل إلى السلطان فقال: كلما أطلب أحدا ممن له تعلق بأمور المباشرة وعليه مال السلطان يقوم بيدرا لأجله ويمنعه عنى، ويرسل إلى الرسالات الفاحشة فغضب السلطان وقال: اخرج واطلب مالى حيث ما كان وفى جهة من كان، ثم شرع يسب بيدرا، فخرج الوزير وطلب القاضى تقى الدين ونهره، ورسم عليه أربع (١) رسل وقال له: انزل واحمل المال وإلا فعلت بك كذا وكذا، وأمر أن لا يركب. قال صاحب التاريخ: ورأيته فى ذلك اليوم عند باب الإصطبل وهو يقاول الرسل على الركوب وهم يمنعونه وعليه دراعة وعمامة وعذبة صغيرة، وكان

стр. 1049

الأمراء فى ذلك الوقت طالعين إلى الخدمة فرآه أمير سلاح على هذه الحالة، فضرب الرسل وأركبه، وقامت العوام على الرسل وقصدوا رجمهم وضربهم، فمنعهم بعض الناس، وصارت الأمراء ينظرون إليه وتألموا بسببه، ولما طلعوا إلى القلعة عرفوا النائب بيدرا بما رأوا مما عليه القاضى من الذلة والإهانة بين العامة والخاصة، فنألم بيدرا بسبب ذلك غاية ما يكون. ثم أن الوزير اتفق مع الشهود المذكورين وصوروا عليه محضرا يتضمن فصولا كثيرة، منها: أنه يشرب الخمر، ومنها أنه يلوط بالصبيان، ومنها أنه يتلفظ بألفاظ يصطلح بها [٦٨] النصارى من الألفاظ التى يترتب على قائلها الكفر، وأنهم عاينوه وقد شدّ فى وسطه زنارا من تحت ثيابه على صفة النصارى، وأثبتوا المحضر على هذا الوجه، ثم أخذه الوزير ودخل به إلى السلطان، فقرأوه عليه، واتفق معه على أن يحضروه إلى مجلس الحكم ويدّعى عليه بذلك، فإن أنكر شهد عليه شهود المحضر، ثم يعمل بمقتضاه من القتل ونحوه. ولما خرج الوزير من عند السلطان دخل النائب، فتلمح السلطان فى وجهه الغيظ، فسأله فقال يا خوند: كيف لا يكون وفى أيامك ينزل قاضى المسلمين، وهو رجل كبير القدر، صاحب علم ودين، وسلف صالح، راجلا يمشى بين العوام، ويهان بين الرسل، وشرع بيدرا يذكر أمثال ذلك، فقال السلطان: اسكت أنت ما تعرف، هذا رجل زنديق، فشرع يذكر له المحضر وما كتب فيه من المصائب، وأن الوزير إلتزم أن يثبت ذلك جميعه، فلم يتمالك بيدرا من حنقه على ذلك حتى قال يا خوند: ارجع إلى الله فى مثل هذا الرجل ولا تسمع فيه قول رجل عامى، فغضب السلطان من قوله، وقال له: يا مأبون تقول فى حق وزيرى قطعة عامى، والله لولا خدمتك على وإلا خليتك

стр. 1050

تمشى فى خدمته وتحمل مداسه، فخرج بيدرا من عنده، وهو أعمى من الغيظ والحنق، فوصل إلى دار النيابة ولم يجلس للحكم، واختل بنفسه وبكى بكاء كثيرا، فبلغ الوزير ذلك ففرح وانبسط، ولم يدر ما يكون عقيب ذلك. وأنشد صاحب التاريخ لنفسه: كلمة قلتها فقالت مهلا … عن قريب تريك قولا وفعلا سترى حمرة نار نارا … كأن إشعالها سنانا ونصلا فسمعت الأمراء بذلك، فأتوه سرا وصبّروه وهوّنوه عليه، وقالوا له: إن أستاذك حادّ الخلق، فاصبر على ذلك، فكلهم تألموا له بسبب ذلك، ثم أجمعوا كلهم على الكلام مع السلطان، ولما دخلوا عليه أخذ السلطان يذكر لهم حديث القاضى، فقال له أمير سلاح، والبيسرى: يا خوند الله الله حاشى فى القاضى هذه الأمور، فصار السلطان يحاجج الأمراء، فقال له أمير سلاح: يا خوند نحن ما نريد أن يكون فى ذمة السلطان من ذلك شئ، فتجتمع مع نائب السلطان وسائر القضاة، وتعمل عقد مجلس لهذا الرجل وتسمع صحته، فإن ثبت عليه شئ مما ذكروه عرفنا مولانا السلطان فيرى بما فيه مقتضى الشرع ويبرأ ذمته من جهته، فأجابهم السلطان على ذلك ونهضوا كلهم واجتمعوا فى موضع، وأحضروا القاضى وشهود المحضر، وكان منهم نجم الدين بن عطايا، وابن السبتى، والتكرورى الإمام، وكان هؤلاء من شهود القلعة، وأقاموا شخصا يدعى عليه بذلك، فنهض القاضى تقى الدين وقال:

стр. 1051

بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال الله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ)﴾ (١) - الآية. ثم قال: يا أمراء الإسلام يا مجاهدين فى سبيل الله أنا فلان بن فلان بن فلان، وذكر سائر أجداده إلى أن قال ما فى نسبى بطرس ولا جرجس ولا مجوسى ولا نصرانى، وإذا قالوا إنى أشرب الخمر ربما يكون فيه لذة على زعم من يستعمله، أو أنى ألوط ربما يكون من عليه شهوة النفس، ولكن النصرانية وشدّ الزنار من أين وإلى أين وما فيه من اللذة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وتمثل: جلوا صارما وتلوا باطلا … وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم [٦٩] ثم بكى، فانهملت عيناه بالدموع، فما قام أمير منهم إلا وهو يمسح عينيه من البكاء، ويقول: والله يحق على من يشهد على مثل هذا بالنصرانية أن يضرب عنقه، فانقضى المجلس على ذلك، وكان مجلسا عظيما، وقصدت العوام أن يرجموا الشهود، فمنعتهم الحجّاب، ثم دخل الأمراء إلى السلطان، فرأى فى وجوهم أثر البكاء والحزن وقد تنكرت، وصار الأمير بدر الدين يتحدث معه ودموعه تجرى، وقال يا خوند: إش يقال فى بلاد الأعداء إذا سمعوا أن الشهود شهدوا أن قاضيهم الذى هو قاضى القضاة نصرانى، وشرع البيسرى وبكتمر السلحدار وغيرهما من أكابر الأمراء فتحدثوا مع السلطان، فقال السلطان: أما فى ذمتى ذنب، ورسم بالإفراج عنه، وأن لا يعارضه أحد، فخرج الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار بنفسه ومشى مع القاضى إلى باب القلعة. وقال صاحب التاريخ: كنت فى ذلك اليوم مع والدى أشاهد ما وقع، ولم أر مثل ذلك اليوم من اجتماع الناس حتى لا يمكن أن يرى أحد القاضى بينهم.

стр. 1052

وأصبح الأمير بيدرا يدخل إليه، فطلبه وطيب خاطره وخلع عليه وقال: لأجلك أطلقت القاضى وما سمعت فيه قول أحد، فقبل الأرض ودعى للسلطان، وفى قلبه من تلك الكلمة أمور. قال صاحب التاريخ: أخبرنى الشيخ زين الدين ابن الكنانى الشافعى فى سنة أربع وسبعمائة، وقد أجريت عنده ما جرى على القاضى تقى الدين. فقال: أصيب بدعوة دعيت عليه، وهو أن القاضى تقى الدين كانت له وظائف شتى. من جملتها نظر الخانقاة الصلاحية، وكان شيخها فى ذلك الوقت الشيخ شمس الدين الأيكى (١)، وكان القاضى يحضر الوظيفة، واتفق فى بعض الأيام بحث بينهما فى نظم الشيخ شرف الدين بن الفارض (٢)، وكان قد بلغ القاضى عن الشيخ أنه يعتقد الحلول، فقال له: بلغنى أنك رجل حلولى على مذهب ابن الفارض، وأنك كل وقت تنشد قصيدته التى فيها ذكر الحلول، وهذا مذهب نحس، فصعب على الشيخ كلامه، وأخذ يجاوب القاضى بالفظاظة فقال له القاضى: الآن ظهر صدق ما قيل فيك، وسفه عليه، وقام من غيظه عليه، فضربه بيده فأخرق عمامته فى حلقه، فنظر إليه الشيخ، وأجرى دمعه، وقال: نكلت بى، نكل الله بك، فأجيبت دعوته، وجرى عليه ما جرى، ولما أفرج الله عنه جاء إلى الشيخ واستغفر الله تعالى، وأشار الشيخ إلى خادم من خدام أم الملك السعيد، وكان حسن الصوت، فقام وأنشد قصيدة ابن الفارض إلى أن أتى إلى قوله: وبى من أتم الرؤيتين إشارة … تنزه عن رؤيا الحلول عقيدتى

стр. 1053

فبكى القاضى عند ذلك بكاء كثيرا، فقال: والله لقد قرأت هذه القصيدة مرارا عديدة ولم أقع على هذا البيت، ونحن نستعيذ الله من ذلك الذنب. وفيها: عزل القاضى عماد الدين بن الأثير (١) كاتب الإنشاء، وكان السبب لعزله أن السلطان قال له: اكتب إلى نائب الكرك باتلاف بعض الأمراء، فكان جوابه له: يا خوند عاهدت الله أنى لا أكتب بخطى فى إتلاف مسلم، فنظر إليه نظر المغضب فقال: ويلك، أقول لك اكتب فما تكتب، فأخذ الدواة فضربه بها ورفصه فى صدره، فنهض وهو يقول: رضيت بغضب السلطان ولا غضب الله تعالى (٢)، فطلب السلطان النائب وعرفه بذلك، وقال له: افتكر من يكون كاتب السر، وكان فى ذلك [٧٠] الوقت نوبة الأمير لاجين فى السلاح فقال: يصلح لهذا شرف الدين بن فضل (٣) الله، وأنه من بيت كبير وله دراية بالوظيفة، فعند ذلك رسم بطلبه على البريد، فلما حضر خلع عليه واستقر بالوظيفة. وفيها: أفرج السلطان عن يعقوبا (٤) أمير الأكراد الشهرزوية، وكان قد أتى إلى بلاد الشام ومعه نحو من أربعة آلاف نفس من الشهرزوية، وجرت

стр. 1054

له وقائع كثيرة، وبقى إلى أن حضر السلطان الملك المظفر قطز والتقى مع المغول فى عين جالوت، وكان قد حضر المصاف وشكر فيه هو وقومه، ولما تسلطن الملك الظاهر حبسه، فبقى فى الحبس إلى أن أطلقه الأشرف فى هذه السنة، وكان الساعى له عند السلطان الأمير برغشه، وكان قد حضر عند السلطان بتقدمة جليلة من الخيل وغيرها، فشفع فيه عند السلطان، وساعده الأمير بيدرا أيضا، وكان بينه وبين برغشه صحبة من أيام وصول يعقوبا إلى البلاد، ولما أطلقه السلطان أنعم عليه بألف دينار وكسوة وخيل، وكان رجلا طوالا وشكلا عجيبا جميلا. وفيها: ركب السلطان ونزل إلى الميدان ولعب بالأكرة، فضرب الأكرة فوقعت على وجه بيدرا، فقطع حاجبه وجرى الدم وتشوش السلطان لأجله، فقصد أن يبطل لعبه، فحلف عليه بيدرا أن لا يبطل. ونظم شرف الدين ابن الوحيد فى ذلك أبياتا منها قوله: يا بدر دين الله يا مشبها … سميّه فى كل حسن بهر مملوكك الجوكان تأثيره … فى وجه مولانا أتى واعتذر وقال قصدى أن أرى وجهه … كوجه بدر التم فيه اثر وفيها: كانت واقعة أهل الذمة وإسلام كثير منهم، وكانوا فى الدولة المنصورية فى غاية الذلة والإهانة خصوصا فى أيام الشجاعى الذى كان له حرمة عظيمة على العامة والكتاب وأرباب الأقلام حتى أنه كان أكبر من فيهم يكون راكب حمار وزناره فى وسطه، ولا يجسر يتحدث مع مسلم وهو راكب، ولا يمكن أن يرى عليه فرجية مصقولة ولا بيضاء إلا القليل منهم مع ذلة ومسكنة، فلما تغيرت الدولة وملك الأشرف وحدثت الأمور وانتشأت الخاصكية وكبرت

стр. 1055

نفوسهم، كبر قدر النصارى أيضا بسبب بعض الخاصكية الذين يحامونهم، وكان من جملة الخاصكية مملوك يعرف بعين الغزال، وكان صاحب صورة جميلة جدا، وكانت له منزلة ومكانة عند السلطان، واتفق أن بعض النصارى خدم عنده، واتفق أنه لقى يوما عند زين العابدين سمسارا باع قماشا لتاجر، وعلى التاجر دين للديوان، فلما رآه السمسار نزل وباس رجله، وشرع النصرانى يسبه ويشتمه، والرجل يعتذر إليه فلا يقبل منه، ثم صاح لغلامه وقال له: انزل وكتف هذا الفاعل الصانع، فنزل إليه وكتفه، فاجتمعت عليه خلق وما وصل إلى الصليبة حتى اجتمع عليه خلق كثير، وهم يسألون النصرانى أن يطلقه وهو يأبى عليهم، فقاموا عليه وأرموه من حماره وأطلقوا الرجل، وكان قد قرب إلى اصطبل أستاذه، فجرى غلامه وأتى إلى الاصطبل وأخبر أهلها بما جرى، فخرجت الغلمان والوشاقية وخلصوا النصرانى منهم، والناس يصيحون ما يحل ما يحل حتى وصلت صيحتهم وغلبتهم إلى تحت القلعة، [٧١] وصاحوا نصر الله السلطان، فسمع السلطان بذلك، فأرسل جماعة من الوشاقية ليكشفوا الخبر، فعرفوهم بذلك، فطلب عين الغزال فقال: ويلك تسلط غلمانك على المسلمين لأجل كاتب نصرانى، فخشى عين الغزال فقال: يا خوند أنا فى خدمة السلطان هاهنا ما أعرف هذه القضية، فغضب السلطان وطلب الوشاقية وقال: انزلوا هاتوا كل من فى اصطبل الأمير، وقولوا للعوام: رسم لكم السلطان أن أى نصرانى رأيتموه أحضروه إلى، وطلب الشجاعى والنائب، وقال: لا تخلوا نصرانيا حتى تحضرون به إلى، وقرر معهم أن ينادى أن أميرا أو غيره لا يستخدم نصرانيا ولا يهوديا إلا إذا خرج عن دينه وتمسك بالإسلام، وأمر لسائر الأمراء أن كل من عنده كاتب نصرانى يعرض عليه الإسلام، فإن أبى يضرب عنقه وإن أسلم
следующие страницы →