← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فتجهز وجمع عسكره، وأرسل إلى أولاد منكوتمر الذين كانوا يميلون إليه، وهم: طقطا، وبرّلك، وصراى بغا، وتدان بان، فلحقوا به، ثم أسرع السير حتى قرب من مقام تلابغا الذى أعد للاجتماع فيه (١). وترك العسكر الذين معه، ومن حضر إليه من أولاد منكوتمر المذكورين كمينا فى مكان، واستصحب معه نفرا قليلا، وتوجه نحو تلابغا، فسار ليتلقاه، وحضر معه ألغى، وطغرلجا، وملغان، وقدان، وقتغان، أولاد منكوتمر. فاجتمع تلابغا ونوغيه، وأخذا فى الحديث والاستشارة، فلم يشعر تلابغا إلا والخيول قد أقبلت إليه، فتحير فى أمره، وحاق به ما أبرمه نوغيه من مكيدته ومكره، ووقف العسكر ينتظرون ما يأمرهم نوغيه بفعله ليفعلوه، فتقدم إليهم بإنزال تلابغا وأولاد منكوتمر الذين معه (٢) عن خيولهم، فأنزلوهم، وأشار بربطهم فربطوهم. وقال لطقطا (٣): إن هذا تغلب على ملك أبيك وملكك، وهؤلاء بنو أبيك وافقوه على أخذك [٤٠] وقتلك، وقد سلمتهم إليك فاقتلهم أنت كما تشاء، فكمرت رؤوسهم وكسرت، وهم: تلابغا، وألغى، وطغرلجا، وملغان، وقدان، وقتغان أولاد منكوتمر. وتسلطن طقطا بن منكوتمر بعد تلابغا ببلاد الشمال فى سنة تسعين وستمائة (٤)، ولما سلم له نوغيه الملك ورتبه فيه رتب عنده إخوته المنتفعين معه وهم: برلك،

стр. 982

وصراى بغا، وتدان، وقال: هؤلاء إخوتك يكونون فى خدمتك، فاستوص بهم خيرا. وعاد نوغيه إلى مقامه، وبقى فى نفسه من الأمراء الذين كانوا اجتمعوا مع تلابغا عليه عندما أرسل يستدعيه إليه، فدبر عليهم، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 983

فصل فيما وفع من الحوادث فى السنة الحادية والتسعين بعد الستمائة (¬*) فى الرابع والعشرين من محرم (١) من هذه السنة وقع حريق عظيم بقلعة الجبل، ببعض الخزائن، وقد أتلف شيئا كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب، ومن بينها كتب عظيمة من ذخائر الملوك التى تحتوى على العلوم الشريفة (٢). ذكر فتح قلعة الروم (٣): والسبب فى ذلك أن « .... » (٤) صاحب هذه القلعة « .... » (٥) السلطان الملك المنصور صالح « .... » (٦) وأكثروا الفساد، وأن التتار لما حصل بينهم حرب عند وفاة ملكهم جاء الكثير منهم إلى قلعة الروم، فاتفقوا مع أهلها على قطع الطريق على المسلمين، وأخذوا منهم أسرى كثيرة، وقطعوا الطرقات،

стр. 984

فأرسل نائب حلب بذلك إلى السلطان، وأنه لم يبق فى دار الإسلام من قلاع الكفر غير هذه القلعة يفتحها « .... » (١). ولما وقف السلطان الأشرف على كتابه طلب الأمراء، واستشار بعضهم فى ذلك، فأشاروا كلهم بالعزم إليها وفتحها، فكتب إلى نائب حلب ونائب دمشق بتجهيز سائر الآلات للحصار، وأقام أياما يجهز العساكر، ولما كمل ربيع الخيل فى مصر، خرج السلطان ثامن ربيع الآخر (٢)، وصحبته العساكر المصرية، ووزيره ابن سلعوس، ووصل إلى دمشق سادس جمادى الأولى، وكان يوما مشهودا. وحضر إليه فى دمشق صاحب حماة الملك المظفر، ثم استعرض الجيوش وأنفق فيهم أموالا عظيمة، وجمع عساكر مصر والشام، ثم خرج من دمشق يوم الإثنين السادس عشر من جمادى الأولى. وسأل صاحب حماة بيدرا والشجاعى وأكابر الأمراء أن يضيّف السلطان إذا نزل بجهة حماة، فتحدثوا مع السلطان فأجاب إليهم، فلما نزل حماة، وكان صاحب حماة قد سبقه، هيأ له ما يحتاج إليه، ومد له سماطا بالميدان، فدخل السلطان والأمراء والجند وغيرهم، وجلس السلطان على رأس السماط، وخدم الملك المظفر، وأراد أن يأخذ شيشنى (٣) فمنعه السلطان من ذلك، وبقى واقفا على

стр. 985

رأس السماط، وحلف أنه لا يجلس حتى يفرغ السلطان، وصنع أحواض سكر وليمون، وأحواض سكر وسويق، وأحواض أقسما، وأحواض [٤١] قمز، واحتفل احتفالا عظيما. وقال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى علم الدين الطيبرسى أنه سأل مباشرى صاحب حماة عن أمر هذا المهم، فأخبره صارم الدين أستاذ داره أنه ذبح فى ذلك اليوم ألف رأس ومائتى رأس من الغنم، ومائة فرس، وثمانين بقرة، وعمل ألف صحن من الحلواء. وقال ابن كثير (١): وصل السلطان إلى حماة وضرب دهليزه عند ساقية سلمية، ومدّ له الملك المظفر سماطا عظيما بالميدان، ونصب خيما يليق بنزول السلطان، فنزل السلطان بالميدان، وبسط بين يدى فرسه عدة كبيرة من الشقق الفاخرة، ثم دخل الأشرف دار الملك المظفر بمدينة حماة، فبسط له الملك بين يدى فرسه بسطا ثانيا، وقعد السلطان بالدار، ثم دخل الحمام وخرج، وجلس على جانب العاصى، ثم راح إلى الطيارة التى على سور باب الثقفى المعروفة بالطيارة الحمراء، فقعد فيها، ثم توجه من حماة وصاحب حماة وعمه فى خدمته إلى المشهد، ثم إلى الحمام والزرقاء بالبرية، فصاد شيئا كثيرا من الغزلان وحمر الوحش. وأما العساكر فسارت على السكة إلى حلب، ثم وصل السلطان إلى حلب فى اليوم الثانى والعشرين (٢) من جمادى الأولى، وأقام فيها أياما، ثم توجه منها إلى قلعة الروم، وخرج من حلب فى اليوم الرابع من جمادى الآخرة ووصل إلى قلعة

стр. 986

الروم ونازلها فى العشر الأول من جمادى الآخرة (١)، ونصب عليها المناجيق، وهى ثلاثة وعشرون منجنيقا، أحديها عند الدهليز الشريف، والأخرى فوق جبل يسامت القلعة المذكورة وعنده الملك المظفر صاحب حماة، وكان كلما رمى الحجر فأصاب ضربت كوساته وفعرت بوقاته، والأخرى عند علم الدين سنجر الشجاعى نائب دمشق، وكان ترتيب الرمى بهذه المناجيق أن كل أمير من الأمراء يرمى يوما وليلة، والأمير علم الدين الشجاعى أقام برجا من خشب تعلوه قبة ولبّده كله وحصّنه من يمينه وشماله، وعمل فى داخلهم الرجالة فصاروا يقاتلون من داخله، وأقام العسكر عليها عشرين يوما، ولم ينل السلطان منها طائلا، وكان لا يصل إليها غير منجنيق واحد، فكان حجره يصل إلى السور، فإذا دق فيه يفتت حجره، وأجمع الأمراء على أن يزحفوا ويوصلوا النقّابين إلى السور، فركب السلطان بنفسه والأمراء، وتكفل نائب الشام ونائب حلب بالنقّابين، وكانوا نحوا من ثمانين حجّارا بالمعاول، ودخلوا فى الزحافات، وزحف العسكر جميعه، وكان يوما عظيما، وكان فى القلعة رجال لا يعرفون شى غير القتال، فقاتلوا فى ذلك اليوم قتالا عظيما، ونال المسلمين منهم شئ عظيم. قال صاحب نزهة الناظر: بلغنى عن الشجاعى أنه قتل له فى ذلك اليوم ثلاث رءوس من الخيل، وجرحت جماعة كثيرة من مماليكه، وكذلك نائب حلب، وتفرقت الأمراء والأكابر حول القلعة، ورموا بسهام كثيرة حتى أشغلوهم عن جهة النقابين، وما برحوا إلى أن أوصلوهم إلى الأسوار وملكوها، وشرعت النقابون بالمعاول فيها فلم تؤثر المعاول فى الحجر شيئا، ووجد المسلمون من ذلك مشقة كثيرة، ولما ضايق المسلمون عليهم اجتهدوا اجتهادا عظيما.

стр. 987

وكانوا قد كتبوا إلى صاحب سيس أن يسير إليهم نجدة، فوصل فى ذلك الوقت جماعة من عرب آل مهنّى، وأخبروا السلطان أنهم رأوا نحوا من [٤٢] تومان من المغول وقد عدّوا الفرات، وهم قاصدون العسكر، فسمع أهل القلعة بذلك، فضربوا ناقوسهم، وأظهروا الفرح. فعند ذلك رجع السلطان مع الأمراء إلى الدهليز، وضربوا مشورة فى أمرهم، فأسر السلطان لبيدرا نائبه أن يقول: نرحل ونرجع إليها فى العام القابل. فقال بيدرا ذلك للأمراء، وقال: قد ضجر السلطان من أمر هذه القلعة، ومن كثرة الأمطار والثلوج والبرد العظيم، وأيضا بلغه أمر المغول، فاختار أن يرجع، فسكت الأمراء، ثم قال السلطان: ما تتكلمون وما تقولون فى كلام الأمير بيدرا؟ فقال له الأمير ركن الدين الجالق (١): يا خوند ما جرت عادة ولا سمعنا أن سلطانا ينزل بعسكره على بلد ويحاصره أياما ويرجع عنه إلا بسبب يقتضى ذلك. وقال الأمير لاجين: والله يا خوند لو هلكنا بأجمعنا ما نرجع إلا بفتح هذه القلعة سيما وقد قتل من المسلمين جماعة، ولم يعجبه كلامه، ثم التفت بيدرا إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وقال له: ما رأيك نقيم أو نرحل؟ فالتفت إليه التفات المغضب وقال: يا أمير، الحرب لعب الصغار، من قتل منا ومن خرج حتى نرحل من القلعة، ثم قال له السلطان، وقد حصل فى نفسه من كلامه حنق عظيم: كيف يكون العمل مع هذا العدو الذى قد تعدى الفرات؟ فقال: إن رسم السلطان لى أركب وصحبتى بعض الأمراء وألاقى هذا العدوّ، فنرجو من الله النصر عليه أو الموت فى سبيل الله، فالسلطان يكون مقيما بالعسكر والحصار يكون مستمرا ولا

стр. 988

يشمت بنا العدو، فإذا سمعت الناس أن سلطان مصر وعساكرها نزلوا على قلعة، ثم رحلوا عنها ماذا يقولون؟ والله نموت جميعا خير من هذه السمعة. فعند ذلك عينوا سنقر الأشقر والأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح وأضافوا لهما أمراء ومقدار ألفى فارس وصحبتهم آل مهنى وآل فضل وآل مرى وبنو كلاب وأمراء التركمان، فتجهزوا وساروا وجدوا فى سيرهم إلى أن بلغوا الفرات، فلم يجدوا أحدا، ولا ظهر لهم راكب ولا راجل، وكان حقيقة ما ذكره العرب أن صاحب سيس لما كتب إليه أهل القلعة وطلبوا منه النجدة علم أنه عاجز عن ذلك ولكن احتال فى ذلك حيلة، فطلب ثلاثة من أمراء الأرمن وجرد معهم خمسة آلاف فارس من الأرمن، وألبس جميعهم لبس المغول، وجعل على رؤوسهم السراقوجات التى يركب بها المغول، وجعل لهم رايات وطبول على زى عسكر المغول، وأمرهم أن ينزلوا على بر الفرات ويعدوه إذا لم يصادفوا عسكرا هناك، ويكونوا على حذر عظيم ويتراءوا لأهل البلاد والعرب حتى يظنون أنهم مغول، ويصل أخبارهم إلى العسكر فيقع فى نفوسهم أن عسكر المغول قد حضروا لنصرتهم فيرجعون عن حصارهم، فساروا على هذه الهيئة وفعلوا ما قال لهم صاحبهم. ورآهم بعض العرب فأخبروا عسكر السلطان بذلك، ثم لما أرسل السلطان من ذكرنا من عسكره وبلغ خبرهم إلى الأرمن أخذوا حذرهم منهم، فرجعوا خائبين خاسرين [٤٣] وجاء الخبر بذلك إلى السلطان، ثم فى عقيبه جاء العسكر المجردون، فقوى بذلك عزم المسلمين على القتال والحصار، وتفرقوا على القلعة كتائب ومواكب، واستعملوا المعاول فى أسوارها، ولم يزالوا على ذلك إلى أن جاء نصر الله والفتح.

стр. 989

ففتحت بالسيف يوم السبت الحادى عشر من رجب من هذه السنة، فطلع إليها المسلمون ومكنوا السيوف من الأرمن، ولم يرحموا كبيرها ولا صغيرها ولا كهلها ولا شابها، ونهبوا ذراريهم، وذلك لأنهم ما وجدوا بها كسبا طائلا مثل عادة القلاع والحصون، ولم يكن لهم باع كثير، وإنما كانوا مقاتلة، فبذلك حنقت العسكر عليهم، ووضعوا فيهم السيوف بلا رحمة ولا شفقة، وأخذوا منها نحو ثلاثمائة أسير، فأحضروهم إلى مصر، واعتصم كيثاغيكوس خليفة الأرمن (١) المقيم بها فى القلة (٢)، وعنده بعض من هرب من القلعة، فرسم السلطان أنّ يرمى عليهم بالمنجنيق، فلما وتروه ليرمى عليهم طلبوا الأمان من السلطان فلم يؤمنهم إلا على أرواحهم خاصة وأن يكونوا أسرى، فأجابوا إلى ذلك، وأخذ كيثاغيكوس وجميع من كان بقلة القلعة أسرى عن آخرهم. وأمر السلطان أن يمحى عنها سمة الرومية ولا يسميها أحد بتلك الاسمية؛ بل تسمى قلعة المسلمين الأشرفية. ثم رتب السلطان سنجر الشجاعى لعمارتها وتحصين قلعتها وترتيب ما يعود على مصالحها، وأمر أن يخرب ربضها ويبعد عنها. وفى نزهة الناظر: وما رحل السلطان عنها حتى رتب فيها نائبا وهو الأمير جمال الدين أقشى العارضى، وذلك بعد ما قبض على الأمير عز الدين الموصلى بسبب أنه رسم له أن يكون نائبا بها، فأبى ذلك، فقبض عليه، ورتب جمال الدين المذكور، وأقام فى يومه فى القلعة الخليلية.

стр. 990

ونظم بعض كتاب الدرج: فديتك من حصن منيع جنابه … تطهرت من بعد النجاسة والشرك وقد صرت تدعى بالخليلين دائما … خليل إله العرش والبطل الترك وكان المسلمون رأوا فى إقامتهم على هذه القلعة أمورا صعبة كان أكثرها من الزلازل والأمطار والصواعق، واتفق يوما أن الأمير بدر الدين بيدرا كان جالسا وقد تقدم الفراش ليمد السماط بين يديه وإذا بصاعقة قد نزلت بخيمته فنفذت من الخيمة ووقعت على ظهر الفراش فقصمته نصفين ووقع إلى الأرض، ونفر كل من كان واقفا وغاصت الصاعقة فى الأرض، وقام بيدرا وفى قلبه رجفة عظيمة. قال صاحب النزهة: ثم رسم السلطان بكتاب البشارة يكتب إلى مصر (١)، فكتب ما نسخته. بسم الله الرحمن الرحيم مبشرة بفتح ما سطرت به الأقلام أعظم بشائره (٢)، ولا تفوّهت ألسنة خطباء هذا العصر على المنابر بأفصح من معانيه فى سالف الدهر

стр. 991

وغابره، وهو البشرى بفتح قلعة الروم، والهناء لكل من رام للإسلام نصرا ببلوغ ما رام وما يروم. وذلك أننا ركبنا من مصر وما زلنا نصل السّرى بالسّير، ونرسل الأعنّة إلى نحوها فتمد الجياد أعناقها مسدّا ينقطع بين قوائمها السّير، واستقبلنا من جبالها كل صعب المرتقى، شاهق لا يلتقى به مسلك ولا يلتقى، فما زالت العزائم الشريفة تسهل حزونه، والشكائم [تفجر (١)] بوقع السنابك على أحجاره عيونه، [٤٤] والجياد المطهمة ترتقى مع امتطاط متونها بدروع الحديد متونه، فجعل جبالها دكا، وحاصرها حتى ألحق بها حصن عكا، ولما أراد الله بالفتح الذى أغلق على المغول والأرمن أبواب الصواب، والمنح الذى أضفى على أهل الإيمان والمجاهدين أثواب الثواب، فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره يوم السبت الحادى عشر من شهر رجب، فسبحان من سهل صعبها، وعجل كسبها، ومكن منها ومن أهلها، وجمع ممالك الإسلام شملها. وكان ذلك بخط شهاب الدين محمود، ونظم للسلطان يهنئه: لك الراية الصفراء يقدمها النصر … فمن كيقباذ إن رآها وكيخسرو إذا خفقت فى الأفق هدّت بنودها … دعائم (٢) واستعلى الهدى وانجلى الثغر (٣) وإن يمنّت نحو العدى سار نحوها … كتائب خطر دوحها البيض والسمر (٤)

стр. 992

كأنّ مثار النقع ليل وخفقها … بروق وأنت البدر والفلك الحتر بذل لها عزم (١) … فلولا مهابة كستها (٢) الحيا جاءتك تسعى ولا مهر صرفت إليها عزمة (٣) … لو صرفتها إلى البحر لاستولى على مدّه الجزر (٤) ولما سبقت البشارة إلى مصر فرحت العالم، وكتب الجواب يستأذنون على عمل قلاع وزينة، كما كانت العادة بذلك عند مثل هذه القضية. وكان السلطان لما دخل دمشق سأله أهلها أن يصوم رمضان عندهم، وذلك لما فى قلوبهم من المحبة الأكيدة، ورأى السلطان أيضا طيبة دمشق ونزهها، قصد الإقامة بها، فكتب الجواب إلى مصر أن يمنع العمل للقلاع فإن السلطان عزم على أن يصوم رمضان بدمشق. وكان الصاحب شمس الدين - عند دخول السلطان دمشق - اقترح على أهلها ببسط الشقق تحت قوائم الخيل من سائر الأصناف، كما اقترح ذلك على المصريين، ولم يقترح أحد غيره قبله، فصار عادة إلى الآن، وكتب بذلك على أهل دمشق كل أحد بقدر حاله وقدر منزلته، ولما بسطوا الشقق وأخذها أرباب الوظائف من السلحدارية والطبردارية وغيرهم أخذها الوزير عنهم وجمعها منهم، وعوضهم منها شيئا يسيرا، ثم ألزم كل من بسط شيئا أن يأخذه ويحمل ثمنه إليه، فوقفت جماعة منهم بين يدى السلطان واستغاثوا بجماعة من الحرافيش والعوام، فاستغاثوا إليه، وأنهوا ضررا بذلك، وكان وقوفهم فى سوق الخيل والسلطان راكب،

стр. 993

فرسم السلطان للحاجب أن كل من باسمه شئ يأخذه ولا يعطى للوزير شيئا، وطلب الوزير وأنكر عليه ذلك. وقال بيبرس فى تاريخه: ولما كنا فى شدة الحصار والقتال والمضايقة والنزال أشرفت علينا من البر الشرقى طائفة من التتر لائحة من بين الجبال، فرسم السلطان لتجريد جماعة من العساكر صحبة بعض الأمراء الأكابر لكشف الخبر وقص الأثر وحسم مادة من ظهر من التتر، فجرد أربعة مقدمى الألوف ومضافيهم منهم الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح وكنت من مضافيه، والأمير ركن الدين طقصو الناصرى، والأمير سيف الدين بلبان الحلبى، والأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، فسرنا جميا سيرا [٤٥] عنيفا، وعبرنا الفرات من مخاضة شميصاط (١)، وسرنا فى البر الشرقى عامة الليل والنهار، وقصصنا الآثار فلم نجد أحدا من التتار، فعدنا فى الحال وحضرنا إلى المنازلة والقتال حتى افتتحنا قلعة الروم، وبلغ السلطان منها ما كان يروم. ولقد اتفق فيما بعد وصول الأمير سيف الدين (٢) جنكلى بن البابا أحد أمراء التتار إلى الديار المصرية، فأخبرنى أنه كان فى تلك السرية وأنها كانت زهاء على عشرة آلاف فارس صحبة مقدم يسمى نيتمش (٣)، وكانت قد جاءت تلتمس فرصة وتطلب من المسلمين غرة. قال المذكور: فلما شاهدنا كثرة العساكر وعظمتها أيقنا أن لا قبل لنا بها، فرجعنا على أعقابنا وسرنا مجدين إلى مقامنا (٤).

стр. 994

قلت: هذا الذى ذكره بيبرس يخالفه ما ذكره صاحب نزهة الناظر، ولكن الأصح ما ذكره بيبرس لأنه صاحب الواقعة: إذا قالت حذام فصدّقوها … فإن القول ما قالت حذام (١) واعلم أن قلعة الروم هذه كانت فتحت أيام الصحابة رضى الله عنهم فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه صلحا، واستمر بها أهلها، لأن الصحابة أبقوا كنائس كثيرة على أن يؤدوا الجزية ويطالعوا المسلمين بالأحوال. ذكر ذلك البلاذرىّ وغيره. وذكر صاحب حماة فى مختصر تاريخه الذى سماه: الحدائق والعيون: أن السلطان نور الدين الشهيد توجه إليها فى سنة تسع وستين وخمسمائة، فتقبل خليفة الأرمن بحمل خمسمائة ألف درهم على سبيل الجزية، فرجع. واسمها بالأرمنية هروم كلين، وتفسيره بالعربى قلعة الروم، وكانت هذه القلعة كرسىّ مملكة الأرمن وبها خليفتهم واسمه الكيثاغيكوس، وكان قد عدّى المائة سنة، وكانت فى حكم التتار ولهم بها شحنة، أسر فى جملة الأسرى، وكان بها على المسلمين أعظم نصرة. وصفتها: أنها كانت قديما ثلاث قلاع صوامع على سن جبل بين جبال، ثم حصنها الأرمن بأسوار قد احتفل بانيها بتشييدها غاية الاحتفال، ما رمقها طرف إلا بهت لعلوّها وسها، ولا تأملها متأمل إلا وطن شرفاتها الأنجم وقلتها السهى.

стр. 995

وهى من أحصن القلاع وأعظمها فى الارتفاع والامتناع، ولا يتوصل إليها إلا من طريق صعبة المرتقى لا يستطيع الفارس سلوكها، وبحر الفرات جار من تحتها، ولا منزلة لمن ينازلها (١) إلا فى لحفها (٢). وهى بين عقاب صعاب كما قال الشاعر: عقاب بها كل العقاب ومحجر … كأنى أمشى فوقه بالمحاجر ويدور بها نهر يسمى نهر مرزبان، وبيوت أهلها مغاير منقورة فى الجبل محكمة الصنعة. وذكر فى بعض التواريخ: أن المثال الشريف ورد إلى الأمير عز الدين أيبك الخازندار نائب السلطنة بمصر فى الغيبة على يد الأميران السلاح دار وأقوش الموصلى الحاجب فى بكرة الإثنين العشرين من رجب الفرد، وهو من إملاء القاضى فتح الدين بن عبد الظاهر، وهذه نسخته (٣): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أدام الله نعمة المجلس العالى الأميرى العزى، ولا برحت متلوة عليه آيات التأييد، واردة إليه بشائر ظفرنا التى يتجمل بحملها البريد، قادمة عليها التهانى، كم لحمائم الحمد فى أفانينها من تغريد، تبشره بفتح ما خطر على بال أحد أنه يكون، ولا أن صعبه يهون، ولا أن نيله على غير عزائمنا الشريفة يقرب ولا فى الوهم، ولا أن الحظوظ تبلغ فيه من مرامها [٤٦] سهما، ولا أن الخطوب ترامى مراميه بسهم، وذلك لبعد مداه، وقوة قومه بالنفار المخذولين الذى تكفأ

стр. 996

أكف عداه، وهو فتح قلعة الروم الذى بلغ كل من رمى من الأعداء بنصل النصر ما يروم، وفتح على التتار والأرمن أبوابا من البلاء، كان هذا لحصن على حافة الفرات قفلها المربح، وبطليعة كيدهم جواده الملجم المسرج، لأنه فى برّ الشام على جانب الفرات، والتتار المخذولون به حافون، وحوله صافون، ونافسهم عليها منا أشرف سلطان، جعل جبلها دكا، وحاصرها حصارا ألحقها بعكا، ونصبنا عليها عدة مناجيق تنقض حجارتها انقضاض النسور، وتقتنص الأرواح من الأجسام وإن ضرب بينها وبينهم سور، وتفترس أبراجها بصقور صخور افتراس الأسد الهصور، هذا والنقوب تسرى فى بدناتها سريان الخيال، وإن كانت جفونها المسهدة وعمدها الممدّدة، وحفظها المجندة، ورواسيها على جبل الفرات موطدة، وقد خندقوا عليها خندقا جرى فيه الفرات من جانب ونهر مرزبان من جانب، ووضعها واضعها على رأس جبل يزاحم الجوزاء بالمناكب، وصفح صرحها الممرد فكأنه عرش لها على الماء، وإذا رامها رائيها اشتبهت عليه بأنجم السماء، وما زالت المضايقة «تنقص من حبلها أطرافه، وتستدر بحيلها آخر الطرف وتقطع» (١)، بمسائل جلاد مقاودها وحلالها خلافه، ويورد عليها من سهامها كل إيراد لا تجاوب إلا بالتسليم، ويقضى عليها بكل حكم لا يقابل موته إلا بالتحكيم. ولما أذن الله بالفتح الذى أغلق على الأرمن والتتار أبواب الصواب، والمنح الذى أضفى على أهل الإيمان من المجاهدين أبواب الثواب، فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره فى يوم السبت حادى عشر رجب الفرد.

стр. 997

والمجلس السامى يأخذ حظه من هذه البشرى التى بشرت بها ملائكة السماء ملك البسيطة وسلطان الأرض، وتكاثر على شكرها كل من أرضى الله طاعته وأغضب من لم يرض من ذوى الإلحاد، ومن حاد الله له حاد، وممن ينتظر من هذه الانفار إنجاز الإلحاد، فإنه بفتح هذه القلعة وتوقلها وحيازة ثغرها ومعقلها تحقق من سيحون وجيحون أنهم بعد فتح باب العراق تكسر أقفالها هذه القلعة، لا يرجون (١) أنهم ينجون، وما يكون بعد هذا الفتح إن شاء الله إلا فتح المشرق والروم، وملك البلاد من مغرب الشمس إلى ملك مطلع الإشراق، والله يؤيده ويعضده، وكتب فى يوم الفتح المبارك سنة إحدى وتسعين حسب المرسوم الشريف. وقال بيبرس فى تاريخه: واجتهد الأمير علم الدين الشجاعى «فى فتح هذه القلعة» (٢) اجتهادا عظيما، وعمل سلسلة عظيمة وعلقها قريبا من شراريف القلعة، وطرفها واصل إلى أسفل الربض، فكانت الجند يستمسكون بها ويصعدون فيها، فارتقى فيها جماعة من العسكر وفيهم شخص (٣) من أوشاقية الأمير بدر الدين أمير سلاح يسمى اقجبا، فقاتل قتالا شديدا وأبلى بلاء حميدا، والسلطان ينظر إليه، والعسكر يثنون عليه، فرسم له بتشريف وامرة، فسأل امير سلاح أن تكون الإمرة لولده محمد، فأعطى إقطاعا وطبلخاناة، ثم تتابعت العساكر فى تلك السلسلة فكانت حيلة إلى القصد موصلة، فملكوا القلعة، [وطلعتها

стр. 998

السناجق بسرعة، وقتل من وجد فيها من المقاتلة، وسبى النسوة والعائلة، ووجد بها بطرك الأرمن فأخذ أسيرا (١).]. ذكر رجوع السلطان إلى حلب، ثم إلى دمشق ثم إلى مصر: ثم إن السلطان بعد ما فتح الله عليه ونصره رجع إلى حلب، فأقام بها بقية رجب وشعبان (٢)، وفى تلك الأيام [٤٧] أصاب الجمال مرض مميت، فأباد أكثرها حتى جافت الوطاقات وأنتنت الطرقات، ولم يبق لأكثر العساكر شئ تحمل (٣) أثقالهم، فحملوها على بغالهم. وعزل السلطان شمس الدين قراسنقر عن نيابة حلب، ورتب فيها سيف الدين بلبان الطباخى نائبا، عوضا عن قراسنقر، وجعل عز الدين الموصلى مشدا فيها. ثم رحل عنها إلى دمشق، فصام بها رمضان وعيد بها عيد الفطر، كذا ذكره بيبرس فى تاريخه (٤). وقال ابن كثير: عزل قراسنقر عن نيابة حلب واستصحبه معه، وولى موضعه على حلب سيف الدين بلبان المعروف بالطباخى (٥)، وكان نائبا بالفتوحات،

стр. 999

وكان بقلعة بحصن الأكراد، فعزله وولى موضعه عز الدين أيبك الخازندار المنصورى، ثم رحل إلى دمشق بكرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان، وصام بها شهر رمضان، وعيد عيد الفطر. وفى ليلة العيد هرب حسام الدين لاجين الذى كان نائبا بدمشق، وكان السلطان قد اعتقله وهو على حصار عكا كما ذكرنا، ثم أفرج عنه فى أوائل هذه السنة، وسار مع السلطان إلى قلعة الروم وعاد معه إلى دمشق، فلما وصل إليها استوحش من السلطان وهرب منه إلى جهة الغرب، فقبضوه وأحضروه إلى السلطان، فبعث به إلى الديار المصرية، فحبس بها، وقبض على ركن الدين طقصو لأنه صهره على ابنته، ولأنه تكلم فى حق الأمير بدر الدين بيدرا، فلما قبض عليه بعث به إلى قلعة الجبل، فاعتقل بها. وذكر فى النزهة: أن السلطان لما طلب أن يقبض على حسام الدين لاجين ما وجده، وكان قد علم من السلطان أنه يقصد مسكه، فهرب وحده، وخرج من بين يدى السلطان بعد أكل السماط، وقال لمماليكه، روحوا أنتم، وطلب طريق صرخد، فلما علم السلطان بهروبه أركب سائر مماليكه وقال: لو وصلتم إلى الفرات لا تردوا إلا به، وطلب السلطان أن يركب خلفه فمنعه بيدرا وقال: يا خوند إش يقال، يقول الناس السلطان بنفسه يستحث مملوكه، وطلب والى البرّ ووالى المدينة وأمرهم بالمناداة عليه ومن أحضره كان له ألف دينار، ومن أخفاه شنق، واحتيطت المدينة، ولم يتهن أحد بالعيد، فرجع الأمراء ولم يقعوا به ولا وقفوا على أثره، فبطق (١) السلطان إلى سائر الأقاليم، وكتب

стр. 1000

لسائر العربان بسبيه وبالاحتفاظ على الطرقات، وبقى السلطان فى قلق من جهته، فأقام ينظر خبره إلى أن وقعت بطاقة من جهة الشريفى والى البرّ أنه قبض لاجين من صرخد وهو واصل به، ففرح السلطان بذلك فرحا عظيما. وكان سبب وقوع لاجين أنه سار وحده إلى أن بلغ أبيات هلال البدوى، وكانت بينهما صحبة أكيدة وصداقة متقدمة من أيام كان لاجين نائبا بالشام، وكان لاجين يحسن إليه كثيرا، فلما رآه هلال وحده استخبره عن أمره، فعرفه الأمر وما اتفق له، فأخذ يطيب خاطره وباتا يتشاوران فيما يفعلانه، فاتفق الرأى أنه يخفيه، وأرسل فى الباطن وعرف الشريفى أن لاجين عنده، فركب الشريفى وحضر إلى بيوت هلال، فلما رآه لاجين علم أن هلالا غدر به، فخرج إليه فقبض عليه وحمله إلى السلطان فى دمشق، فقصد السلطان قتله بدمشق، فأخره بيدرا إلى المدينة، فأرسله إلى مصر مقيدا فى سادس شوال على البريد، وإنما أخره الله يعنى لأمر يكون قدّره فى الأزل. [٤٨] ذكر تجريد العسكر إلى جبال كسروان (١): كان السبب فى ذلك أن السلطان لما كان نازلا على قلعة الروم كان أهلها ينزلون ويقطعون الطريق على التجار والمسافرين، وهم كانوا دائما عصاة على نائب الشام وغيره، وكان الشجاعى لما كان نائب الشام أراد أن يركب إليهم بالعساكر، فمنعه أمراء الشام لما يعلمون من كثرتهم ومنعتهم، ولضيق الطرقات إليهم بحيث لا يسلكها الفارس، ولما دخل السلطان دمشق عرفوه بأمرهم،

стр. 1001

فاقتضى رأيه أن يجرد عسكرا صحبة بيدرا، وكان بيدرا قد وقف على حقيقة هؤلاء القوم، فكره الذهاب إليهم، فلما خاطبه السلطان بذلك شرع فى الاستعفاء، فخرج السلطان من ذلك وصاح فى وجهه وأخرجه من بين يديه وألزم نفسه أنه متى ما لم يسافر قبض عليه. فاضطر بيدرا عند ذلك إلى خروجه، فخرج ومعه عسكر نحوا من عشرة أمراء وثلاثة آلاف فارس، فساروا إلى أن وصلوا إلى جبال كسروان ورتبوا أمورهم، فعلم بهم الجبلية فخرجوا إليهم فى جمع عظيم، وكانوا كفرة روافض ولهم شوكة كبيرة، وجمعهم بمقدار عشرة آلاف نفر، وكلهم يرمون على القسى القوية، ومشيهم فى تلك الجبال أسرع من مشى الخيل لأنهم تربوا فيها وألفوا بها، فاستقبلوا عسكر السلطان بالرمى والقتال، ثم رجعوا عن ذلك كالمنكسرين، وكان ذلك حيلة منهم حتى استجروا العسكر إلى المواضع الصعبة، ثم يفعلون فيهم ما يشاءون، فلما حصلوا فى تلك المواضع رجعوا عليهم ورموهم بالأحجار والقسىّ ونالوا منهم، ثم إن عسكر السلطان قاتلوهم قتالا عظيما على أن يجدوا طريقا فيرجعون عنهم، وكانوا قد ملكوا الطريق عليهم، ورأى العسكر شدة عظيمة إلى أن رجعوا إلى مكان وطلعوا منه، وقتل فى ذلك اليوم تحت بيدرا ثلاث رؤوس من الخيل، وكذلك سائر الأمراء، فلما نزلوا إلى المخيم، افتقدوا العسكر، فوجدوا قد جرحت منهم جماعة وأسرت جماعة، فتحيروا ولا يدرون ماذا يفعلون. وكانت الجبلية يعتقدون أن هذه العسكر هم عسكر الشام، فلما سألوهم قالوا: إنه نائب السلطان الأمير بيدرا، و [لما (١)] علموا بذلك ندموا على فعلهم،

стр. 1002

وأطلقوا الأسرى، وسألوهم أن يتوسطوا فى إصلاح أمرهم مع السلطان خشية على أنفسهم، فهؤلاء عرّفوا الأمراء، فأشارت الأمراء على بيدرا بإصلاح الأمور وإلا منعت العسكر، واتفق الحال على أن الجبلية أرسلوا من استحلف بيدرا والأمراء على أنهم لا يؤذونهم ولا يخونونهم، فانصلح الأمر بينهم، ثم نزلوا بالإقامات وأحضروا هدايا كثيرة، وخلع بيدرا عليهم، وكتب عليهم، بمال يحملونه كل سنة، واستحلفهم للسلطان، ثم رحل عنهم (١). ولما وصل إلى دمشق كان الخبر وصل قبله إلى السلطان وكان بين مصدق ومكذب، فلما حضر بيدرا تحقق الخبر، فأخذ يسبه وينكته بالقول، ويقول ويلك مثلك نائب السلطان وتروح إلى أناس فلاحين فى جبل وتكسر عسكرى وتنكسر أنت، فأغلظ عليه بالقول كثيرا، وآخر الأمر قال له: أخرج من وجهى وإلا ضربت رقبتك. فخرج من بين يديه وهو فى ألم عظيم (٢)، وحصلت له حمى حادة، وأصبح خبره شائعا بضعفه، وركبت إليه الأمراء، فمنع من يدخل إليه، وسير السلطان الحكماء والوزير إليه، وتألم بسببه، [٤٩] وبقى من العشر الأول من رمضان إلى نصفه والسلطان ينزل إليه ويطيب خاطره، ورسم أن يرتب له فى كل يوم

стр. 1003

عشرة آلاف درهم يتصدق بها على الفقراء والأيتام والأرامل وأصحاب الزوايا إلى أن عوفى، فلما ركب رسم أن يجمع الفقراء والمشايخ ويعمل لهم وقت فى جامع بنى أمية؛ فعمل، وكان وقتا عظيما، ولم يبق فى دمشق فقير ولا صعلوك إلا أكل من طعام ذلك الوقت والمهم. ذكر خروج السلطان من دمشق وتوجهه إلى الديار المصرية: كان خروجه من دمشق فى عاشر شوال يوم الإثنين (١)، ودخل مصر يوم الأربعاء الثانى من ذى القعدة؛ ودخلها فى أبهة عظيمة، وأحضر صحبته قراسنقر المنصورى وجعله مقدما على المماليك السلطانية. قال ابن كثير: ولما استقر السلطان فى القلعة قبض على الأمير سنقر الأشقر (٢) وعجل بإعدامه، وأذاقه كأس حمامه، وقبض على الأمير سيف الدين جرمك الناصرى وأعدمه، هو وطقصو خشداشه، وكانت وفاة هؤلاء الثلاثة فى وقت معا، وقصد إعدام حسام الدين لاجين فسلم الله نفسه لأمر كان فى طى الغيب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وكان هذا فى أواخر ذى القعدة (٣).

стр. 1004

وكان السلطان استحضر (١) سنقر الأشقر وطقصو فعاقبهما فاعترفا بأنهما أرادا قتله، فسألهما عن لاجين فقالا: لم يكن معنا ولا علم له بهذا، فخنقهما وأطلقه بعد ما كان الوتر فى حلقه «وكانت له مدة لا بد منها (٢)» وقد ملك بعد ذلك كما سنذكره (٣). وذكر فى نزهة الناظر: أن مسك سنقر الأشقر ومن معه كان والسلطان فى دمشق، وأن السبب فى مسكه ما صدر منه والسلطان وعسكره محاصرون قلعة الروم، وهو أن السلطان لما استشار الأمراء هناك فى الرجوع عن قلعة الروم حين بلغه وصول التتار كان آخر كلام سنقر الأشقر هذا للأمير بيدرا: الحرب، هو لعب الصغار (٤)، فأثرت هذه الكلمة فى نفس السلطان أثرا كبيرا، وصار إذا جلس مع بيدرا والخاصكية يقول لبيدرا: سمعت قول سنقر الأشقر الحرب هو لعب الصغار، ما كان هذا القول لك، بل كان لى، يقول لك ويسمعنى، ولما دخل دمشق وأرسل بيدرا إلى جبال كسروان كما ذكرنا وجرى ما جرى، ثم عادوا إلى دمشق، شرع السلطان يباكت الأمراء ويقبح عليهم فعلهم، والتفت إلى بيبرس الجالق وقال: ما أسمع يقولون إلا البحرية فعلوا كذا وصنعوا كذا وفشارات كثيرة وما رأينا منهم شيئا. فقال الجالق: بالله يا خوند خلّ عنك ذكر البحرية وقد بقينا كلنا على آخر نفس، وما بقى لنا غير الراحة والقعود فى بيوتنا وينتفع الشبان بأخبازنا، فالتفت إليه السلطان وهو مغضب

стр. 1005

وقال: إذا أخذت خبزك وأعطيته لغيرك من يمنعنى أو أخاف من أحد، وإنما أنتم ما تتركون فشاركم، كلما يتكلم أحد تقولون: لو كانت البحرية؛ وكان يتكلم بذلك ويشير إلى سنقر الأشقر. فأخذ سنقر الأشقر من كلامه فى قلبه أمرا عظيما، فأجابه على الفور، فقال يا خوند: كم تذكر البحرية، ما رأى السلطان البحرية إلا إذا ركب واحد منهم فرسه ما يقدر على ركوبه إلا بمعونة خمسة أنفس وكذا إذا نزل، وكان أحدهم إذا أخذ فى يده رمحا ما كان أحد يقدر على مقابلته، فاليوم إذا أخذ بيده سوطا ترعد يده [٥٠] وإن رفعه ما يقدر على أن يضرب به فرسه. وكان أمير سلاح حاضرا فى المجلس، فرأى أن وجه السلطان قد تغير لونه من كلام سنقر الأشقر، وأسرع فى قوله: يا خوند والله لا البحرية ولا غيرهم، فكل عسكر مصر والشام اليوم يدعون بحياتك وطول عمرك حتى تعيش لهم طويلا فيعيشون فى ظلك وخيرك، فسكن ما بالسلطان عند ذلك. ولما تفرقوا من عند السلطان وجاء كل أحد منزله قال شهاب الدين صمغار ولد سنقر الأشقر له: يا خوند أنت تعرف أن هذا السلطان شاب حاد النفس مدل بسلطنته، فلأىّ شئ تجاوبه كل وقت، وما كان يضرك لو سكت عن الجواب عما سمعت، فقال بعد أن نظر إليه طويلا: ما قلت له هذا القول إلا لعلمى بما فى نفسه منى ومن غيرى من يوم كنا نازلين على قلعة الروم واستشار الأمراء فى الرجوع لأجل المغولى، وكل وقت يحدث هذا الحديث بين مماليكه ويسبنى، فالموت خير من مثل هذه الحياة النجسة، ثم بكى بكاء شديدا.

стр. 1006

وكان وقوع المجلس المذكور فى السابع والعشرين من رمضان، ولما دخلت عليه الأمراء ليلة العيد للتهنئة وتقبيل يده، ثم خرجوا، أرسل الشجاعى والحجاب خلفهم، فرجعوا، وأمر عند ذلك بالقبض على سنقر الأشقر وطقصو وطلب لاجين فلم يدركوه، وكان قد سبقهم بالخروج، وقد ذكرنا ما جرى عليه وكيف كان مسكه بعد ذلك، ووقع حياط عظيم يوم العيد، فلم يتهن أحد بالعيد. ومن غريب الأمر أن بعض الخاصكية اعتنى بموفق الدين خطيب حماة وولاه السلطان خطيب دمشق مكان الشيخ عز الدين، واتفق وقوع هذا الحياط، وللموفق صلاة العيد وخطبته، فنظم فيه بعض الدماشقة: خطب الموفق إذ تولى خطبة … شقّ العصى بين الملوك وفرّقا وأظنه إن قال ثانية غدا … دين الأنام وشملهم متمزّقا قلت: موفق الدين هذا هو أبو المعالى محمد (١) بن عز الدين محمد بن محمد بن عبد المنعم، وعز الدين هو الإمام العلامة الزاهد العابد القدوة العارف شيخ الطريقة أبو العباس أحمد (٢) الفاروثى الواسطى الرفاعى، وكان قد تولى الخطابة بجامع دمشق فى الثانى والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، عوضا عن الشيخ زين الدين بن المرحل بحكم وفاته.

стр. 1007

وفيها: وصل مملوك نائب حلب إلى القاهرة، وعرف السلطان بأن نائب حلب عند توليته - كما تقدم - جرد عسكرا إلى ناحية ملطية بسبب الغارة، وذلك أن بعض التجار شكا إليه أن جماعة طرحوا عليهم من أهل ملطية، فأخذوا ما معهم، وجعل مقدم المجرّدين الأمير سيف الدين بكتمر الحلبى، فساروا إلى أن وصلوا إلى أرض ملطية وهجموا على ربضها، فوجدوا قد نزل بها تلك الليلة أمير تومان ومعه أربعة آلاف فارس، وكان السبب لحضورهم أن أهل ملطية لما اتفق منهم ما اتفق، علموا أن نائب حلب لا بد أن يجرد إليهم عسكرا، فبعثوا إلى نائب الأردو وعرّفوه بذلك، فسير إليهم هؤلاء، واتفق وصولهم مع وصول عسكر حلب فى تلك الليلة، فلما هجموا رآهم المغول فركبوا إليهم، وكان عسكر حلب ألفا وخمسمائة فارس، فلما رأوا المغول اجتمعوا وتشاوروا ماذا يكون العمل؟ فقال الحلبىّ وكان من أهل الشجاعة والفروسية: أنتم تعلمون أن حلب بعيدة وإذا [٥١] قصد أحد منا أن يهرب يموت فى الطريق ويكون من أهل جهنم، فنقوم ونجتهد، فإن فتح الله لنا ونصرنا على هؤلاء يكون لنا الوجه الأبيض عند الله وعند السلطان والناس، وإن قتلنا فيكون الأجر على الله ونبعث مع الشهداء، وأنا أول من يصدم هؤلاء ونفسى تحدثنى بالنصر، فأجابوه بالسمع والطاعة، فعند ذلك جمعهم طلبا واحدا، فصدمهم صدمة عظيمة، فجاءت طعنة لمقدم المغول من بعض الحلبيين، فوقع إلى الأرض، وولى بقية أصحابه منهزمين، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا جمالا كثيرة، وأغناما كثيرة، ورجعوا إلى حلب سالمين ومعهم رءوس القتلى وثلاثون أسيرا من المغول، فكتب النائب بذلك إلى السلطان، فرسم له بالتشريف وكتب له بالشكر والثناء،

стр. 1008

ورسم لبكتمر الحلبى بإمرة طبلخاناة، وكان أمير عشرة، ووردت بعد ذلك رسل من ملطية ومعهم جميع ما عدم لذلك التاجر، فرسم السلطان بفكاك أسراهم. وفيها: حج بالناس الأمير سيف الدين الباسطى المنصورى.

стр. 1009

ذكر من توفى فيها من الأعيان الخطيب الإمام العالم زين الدين أبو حفص عمر (١) بن مكى بن عبد الصمد الشافعى، المعروف بابن المرحل (٢). وهو والد الشيخ صدر الدين بن الوكيل (٣)، سمع الحديث وبرع فى الفقه، وفى علوم شتى منها علم الهيئة وله فيه وفى غيره تصانيف، وقد ولى خطابة جامع دمشق (٤)، ودرس، وأفتى، وكانت وفاته ليلة السبت الثالث والعشرين من ربيع الأول، ودفن بباب الصغير. جلال الدين الخبازى: هو الشيخ الإمام العلامة عمر (٥) بن محمد بن عمر أبو محمد الخجندى، أحد مشايخ الحنفية الكبار.

стр. 1010

أصله من بلاد ما وراء النهر، واشتغل هناك، ودرس بخوارزم، وأعاد ببغداد، ثم قدم دمشق فدرس بالعزية البرانية (١)، والخاتونية البرانية (٢)، وكان فاضلا، بارعا، منصفا مصنفا فى فنون كثيرة. وقال الذهبى فى حقه: المفتى الزاهد الحنفى، رأيته لما قدم دمشق فدرّس بالمعزية البرانية، ثم حج، ودرّس بالخاتونية البرانية. قلت: ومن تصانيفه «الحواشى على الهداية (٣)» المشهورة، وكتاب «المغنى فى أصول الفقه» وهو كتاب نافع عظيم، ومختصر لطيف كاف شاف، وشرحه كثير من المتأخرين، فأوضحها بيانا شرح الإمام العالم سراج الدين الهندى (٤) الحنفى، وهو أول كتاب قرأته فى الأصول على المشايخ الكبار فى البلاد الشمالية فى حدود سنة ثمانين وسبعمائة، وكانت وفاته لخمس بقين من ذى الحجة، وله ثمان وستون سنة، ودفن بمقابر الصوفية.

стр. 1011

الشيخ الفاضل الأديب نجم الدين أبو بكر بن (١) أبى العز بن مشرف الأنصارى الكاتب. مات فى هذه السنة، وصلّى عليه بجامع دمشق، ودفن بسفح قاسيون. وكان من الفضلاء، وكان يكتب خطا منسوبا على طريقة ابن البواب (٢)، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله يمدح علم الدين الدوادارى: إنّ المحّل إذا علا … وقف المفوّه فى الملا وأجاد فى وصف القري … ض مجملا ومفصّلا وأراك قسّا فى عكا … ظ إذا محاسنكم تلا وعلى الحقيقة مجدكم … بعطى البليغ المقولا يعطى النضار مع البيا … ن مع البديع على الولا (٣) الشيخ الإمام العالم، المقرئ الزاهد العابد، بقية السلف، رضى الدين أبو الفضل جعفر بن (٤) القاسم بن جعفر بن على بن محمد بن حبيش الربعى، المعروف بابن دبوقا.

стр. 1012

مات فى هذه السنة ودفن بقاسيون، قرأ بالسبع وروى عن الشيخ [٥٢] علم الدين السخاوى (١) وغيره، وله نظم كثير، فمن ذلك قوله: إنّ الكبائر سبع عشر فاعلمن … للقلب منها أربع فتعلّم إشراكه إصراره وقنوطه … والأمن من مكر الإله المنعم وكذا للسّان الشرك قذف المحصنا … ت السحر قول الزور فافهم واعلم والبطن أموال اليتامى والربا … والخمر جماع لسائر ما ذم يختصّ بالفرج اللواط مع الزنا … ويد إذا سرقت ونيل يحرّم للرجل واحدة إذا من زحفها … فرت محافقة ولما تقدم ولسائر البدن العقوق فإن نجت … ما قد ذكرت وقيت حر جهنم وقال: جميع عذاب منك للصبّ يعذب … وكل كريه منك فى الحبّ طيّب فعذب بما تختار فى كل حالة … فأنت على كل الأمور محبّب تساوى العطا والمنع والوصل والجفا … لدىّ وبعدى فى الهوى والتقرّب فهل ترى فى كل حال إلى سوى … جنابك إذ ما تبتلينى أهرب بحق الذى أعطاك فى الحسن غاية … إلى بعضها كل الملاحة ينسب واطلع من فوق القضيب على النقا … لنا قمرا من حسنه الطرف يعجب ونمنم فى الياقوت خط زمرّد … يسطرّه ماء الصبا ويرتب وقال لماء الحسن قف صحن خدّه … فما زج فيه النّار وهى تلهب أمرت الدّجى أن يستطير ظلامه … بها صبحه حتّى القيامة يذهب

стр. 1013

وقلت لسقمى قد أبحتك جسمه … فأعضائى فى أيدى النوائب تنهب ترفق فما أبقيت غير حشاشة … وقلب على جمر الغضى يتقلب جنيت وقد عادت على جنايتى … فياليت شعرى من ألوم وأعتب نديمى حدّثنى قديم حديثه … فإن حديث الحبّ للسمع مطرب تعلقته فى عنفوان شبيبتى … وها مفرقى مما أعانيه أشيب فدعنى من لبنى ولبلى وزينبا … فمن فى الورى ليلى ولبنى وزينب وعد عن الأوطان لاتلو نحوها … وخلّ وقوفا بالديار يشبّب قل الله واتركهم ولا تشتغل بهم … وشاهد فإن القوم عن ذاك غيّب لعمرك ما فى الكون إلا جلاله … ألم ترنى إن بعد أفنى وأذهب فيا من إليه يرجع الأمر كله … ومنه بدا فى الكون ما فيه يعزب اقلنى ذنوبا أوثقتنى جمة … فإنك ذو عفو وإنّى مذنب ولا تخزنى فى حين عرض صحيفتى … فوا خجلتنى مما جنيت ويكتب قصدتك أبغى رحمة منك سيّدى … وأنت كريم قاصد لا تخيب [٥٣] لئن ضقت ذرعا بالذنوب فإنّنى … لأعلم حقا أن عفوك أرحب وصلّ على المختار من آل هاشم … نبىّ الهدى ما لاح فى الأفق كوكب وعترته ثم الصحابة كلهم … صلاة كنشر المسك بل هى أطيب الصدر الرئيس سعد الدين سعد (١) الله بن مروان بن عبد الله الفارقى الشافعى،

стр. 1014

الكاتب بالمدرسة الناصرية (١) بدمشق. مات فى هذه السنة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، وكان نسيبا بليغا، شاعرا محسنا، كتب الدرج للصاحب بهاء الدين بن حنا (٢) بمصر، فلما مات ابن حنا سافر إلى دمشق كاتب إنشاء. وله شعر فمنه قوله: قف بى على نجد فإن قبض الهوى … روحى فطالب خدّ ليلى بالدّم وإذا دجى ليل الفراق فناده … يا كافرا حلّلت قتل المسلم وله: تاه على عشّاقه واستطال … مذ قصّر الحسن عليه وطال كل سماء وجهه (٣) … أشرقت فليت (٤) ما أشرقت للزوال قد فصّل الشّعر على خدّه … ثوب حداد حين مات الجمال

стр. 1015

وقال، وكتب به إلى الصاحب بهاء الدين بن حنا: يممّ عليّا فهو بحر النّدى … وناده فى المضلع المعضل يسرع إذا سيل نداه وهل … أسرع من سيل أتى من عل فرفده مجد على مجدب … ورفده مفض على مفضل (١) وقال: بحبك فى شرع الغرام يدين … محبّ برته لوعة وحنين إذا كتم الأسرار منه فؤاده … فإنّ لسان الدمع منه مبين وإن قابلته نسمة حاجرية … ثنى عطفه نوح لها وأنين فليتك يا من علّم الغصن ينثنى … تعلم منك القلب كيف يلين وليت قديما من هواك مجدّد … رضاك لتقضى من جفاك ديون سكنت سواد القلب والطرف دائما … فما لبياض العيش فيك سكون وألبسك الإحسان والحسن عزّة … فكل عزيز فى هواك يهون الشيخ الإمام العالم مجد الدين عبد الله (٢) بن محمد بن محمد بن أبى بكر الطبرىّ، إمام صخرة بيت المقدس، وشيخ الحرم الشريف. مات فى هذه السنة، ودفن بمقبرة ماملا ظاهر القدس، كان من الصلحاء الأخيار، وروى عن جماعة.

стр. 1016

وله شعر فمنه: يروق لى منظر البيت العتيق إذا بدا … لطرّفىّ فى الإشراق والطفل كأن حلّته السّوداء قد نسجت … من حبة القلب أو من أسود المقل أبو المكارم محمد (١) بن عبد المنعم بن نصر الله بن جعفر بن أحمد بن حوارى، المغربى الأصل، الدمشقى الحنفى، المعروف بابن شقير، الأديب الشاعر. مولده فى سنة ست وستمائة، وهو من شعراء [٥٤] الملك الناصر (٢) صاحب حلب، سمع الزبيدىّ وابن اللتىّ والهمدانىّ وابن رواحة والسخاوىّ والقطيعىّ وابن رواح وجماعة أخرى بديار مصر، وعنى بالحديث عناية كثيرة، وكتب الكثير، وتعب وحصّل، وروى عنه ابن الخباز والدمياطى وابن العطار وآخرون، توفى فى هذه السنة ووقف أجزائه بالضيائية (٣). وله فى الملك الناصر صاحب حلب مدائح كثيرة، ومن شعره قوله: ما ضرّ قاضى الهوى العذرىّ حين ولى … لو كان فى حكمه يقضى علىّ ولى وما عليه وقد صرنا رعيّته … لو أنه مغمد عنّا ظبى المقل يا حاكم الحب لا تحكم بسفك دمى … إلاّ بفتوى فتور الأعين النجل

стр. 1017

ويا غريم الأسى الخصم الألدّهوى … رفقا على فجسمى فى هواك بلى أخذت قلبى رهنا يوم كاظمة … على بقايا دعا وللهوى قبلى ورمت منى كفيلا للهوى (١) … عبثا وأنت تعلم أنى بالغرام ملى وقد قضى حاكم التبريح مجتهدا … علىّ بالوجد حتى ينقضى أجلى لذا قذفت شهود الشرع فيك عسى … أنّ الوصال بجرح الجفن يثبت لى لا تسطونّ بعسّال القوام على … ضعفى فما أفتى إلا من الأسل هددتنى بالقلى حسبى الجوى (٢) … وكفى أنا الغريق فما خوفى من البلل (٣) وله: وا حيرة القمرين منه إذا بدا … وإذا انثنى يا خجلة الأغصان كتب الجمال ويا له من كاتب … سطرين فى خدّيه بالريحان (٤) القاضى الصاحب فتح الدين أبو عبد الله محمد (٥) بن القاضى محيى الدين عبد الله ابن عبد الظاهر بن نشوان.

стр. 1018

صاحب ديوان الإنشاء الشريف، وكاتب الأسرار فى الدولة المنصورية بعد ابن لقمان حين تولى الوزارة، وكان ماهرا فى هذه الصناعة، وحظى عند المنصور، وكذا عند ابنه الأشرف. توفى يوم السبت النصف من رمضان بمدينة دمشق، وخلّف من الأولاد القاضى علاء الدين على (١)، فأجرى السلطان عليه ما كان باسم والده من الجامكية والجراية والراتب، فاستقر بديوان الإنشاء وله من العمر دون عشرين سنة، فاستصغر السلطان سنه فى ذلك الأوان. فرتب القاضى تاج الدين أبا العباس أحمد (٢) بن شرف الدين سعيد بن شمس الدين أبى جعفر محمد بن الأثير الحلبى التنوخى صاحب ديوان الإنشاء الشريف، لأنه كان ماهرا فى هذه الصناعة، فلم يلبث إلا شهرا أو حول شهر حتى أدركته الوفاة، فقضى إلى رحمة الله فى العشر الأوسط من شوال (٣) من هذه السنة بظاهر غزة، وعمره (٤) أحد وسبعون سنة، وكان ماهرا فى حل المترجم، بلغ فيه إلى أن حلّه بأحد عشر شكلا، وولى بعده ولده القاضى عماد الدين أبو الطاهر إسماعيل (٥) ابن أحمد، ولم يزل به إلى آخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة.

стр. 1019

وللقاضى فتح الدين شعر حسن، فمنه قوله: إذا كنت ذا أصل فكن متواضعا … إن التواضع من زكاة المغرس وإذا حللت بمجلس فاجلس به … حيث انتهيت فذاك صدر المجلس وله: وكتب بها إلى ابنه فى مرضه الذى مات فيه: [٥٥] إن شئت تنظرنى (١) … وتنظر حالتى قابل إذا هب النسيم قبولا فتراه مثلى رقّة ولطافة (٢) … ولأجل قلبك لا أقول عليلا وهو الرسول إليك منى ليتنى … كنت «اتخذت مع الرسول سبيلا» (٣) الأمير عماد الدين يونس (٤) بن على بن رضوان بن قرقس (٥). توفى فى شوال منها، ودفن بتربة والده بالحزيميين داخل دمشق، وكان عنده فضيلة ومكارم أخلاق، وكان بعد موت أبيه أعطى طبلخاناة، وبقى على إمرته إلى أواخر الدولة الناصرية، ثم بطل الإمرية فى الدولة المظفرية، وباع أملاكه ونفقها، وبقى يتقوت من وقف والده، وكان الملك الظاهر يكرمه. الأمير شرف الدين بن (٦) خطير أحد أمراء دمشق.

стр. 1020

استشهد فى فتح قلعة الروم، وكان من بيت كبير فى بلاد الروم، ولوالده عدة مماليك وردوا صحبته، وصار له فى مصر سمعة وشأن، وتأمرت منهم جماعة كثيرة. الأمير شهاب الدين أحمد (١) بن الركن أمير جندار، مات شهيدا على قلعة الروم. الأمير سابق الدين (٢) الميدانى. مات بدمشق فى العشرين من شوال، ودفن بقاسيون، كان أميرا كبيرا شجاعا ذا مهابة، وتأمر بعض مماليكه فيما بعد. الأمير علم الدين سنجر (٣) الحلبى. مات فى عاشر ذى القعدة (٤) وكان قد مرض بعد حصار قلعة الروم، فحمل فى محفة إلى مصر، فمات بعد حضوره بسبعة أيام، وكان من أكابر الأمراء الصالحية، عصى على الظاهر وتسلطن بالشام كما تقدم، وكان طويل القامة، مخلا بعينه اليسرى، ذكروا عنه أنه أصيب بسهم، وكان ذا بأس وشهامة، وقوة وشجاعة، وإقدام شديد.
следующие страницы →