← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال الله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ)﴾ (١) - الآية. ثم قال: يا أمراء الإسلام يا مجاهدين فى سبيل الله أنا فلان بن فلان بن فلان، وذكر سائر أجداده إلى أن قال ما فى نسبى بطرس ولا جرجس ولا مجوسى ولا نصرانى، وإذا قالوا إنى أشرب الخمر ربما يكون فيه لذة على زعم من يستعمله، أو أنى ألوط ربما يكون من عليه شهوة النفس، ولكن النصرانية وشدّ الزنار من أين وإلى أين وما فيه من اللذة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وتمثل: جلوا صارما وتلوا باطلا … وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم [٦٩] ثم بكى، فانهملت عيناه بالدموع، فما قام أمير منهم إلا وهو يمسح عينيه من البكاء، ويقول: والله يحق على من يشهد على مثل هذا بالنصرانية أن يضرب عنقه، فانقضى المجلس على ذلك، وكان مجلسا عظيما، وقصدت العوام أن يرجموا الشهود، فمنعتهم الحجّاب، ثم دخل الأمراء إلى السلطان، فرأى فى وجوهم أثر البكاء والحزن وقد تنكرت، وصار الأمير بدر الدين يتحدث معه ودموعه تجرى، وقال يا خوند: إش يقال فى بلاد الأعداء إذا سمعوا أن الشهود شهدوا أن قاضيهم الذى هو قاضى القضاة نصرانى، وشرع البيسرى وبكتمر السلحدار وغيرهما من أكابر الأمراء فتحدثوا مع السلطان، فقال السلطان: أما فى ذمتى ذنب، ورسم بالإفراج عنه، وأن لا يعارضه أحد، فخرج الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار بنفسه ومشى مع القاضى إلى باب القلعة. وقال صاحب التاريخ: كنت فى ذلك اليوم مع والدى أشاهد ما وقع، ولم أر مثل ذلك اليوم من اجتماع الناس حتى لا يمكن أن يرى أحد القاضى بينهم.

стр. 1052

وأصبح الأمير بيدرا يدخل إليه، فطلبه وطيب خاطره وخلع عليه وقال: لأجلك أطلقت القاضى وما سمعت فيه قول أحد، فقبل الأرض ودعى للسلطان، وفى قلبه من تلك الكلمة أمور. قال صاحب التاريخ: أخبرنى الشيخ زين الدين ابن الكنانى الشافعى فى سنة أربع وسبعمائة، وقد أجريت عنده ما جرى على القاضى تقى الدين. فقال: أصيب بدعوة دعيت عليه، وهو أن القاضى تقى الدين كانت له وظائف شتى. من جملتها نظر الخانقاة الصلاحية، وكان شيخها فى ذلك الوقت الشيخ شمس الدين الأيكى (١)، وكان القاضى يحضر الوظيفة، واتفق فى بعض الأيام بحث بينهما فى نظم الشيخ شرف الدين بن الفارض (٢)، وكان قد بلغ القاضى عن الشيخ أنه يعتقد الحلول، فقال له: بلغنى أنك رجل حلولى على مذهب ابن الفارض، وأنك كل وقت تنشد قصيدته التى فيها ذكر الحلول، وهذا مذهب نحس، فصعب على الشيخ كلامه، وأخذ يجاوب القاضى بالفظاظة فقال له القاضى: الآن ظهر صدق ما قيل فيك، وسفه عليه، وقام من غيظه عليه، فضربه بيده فأخرق عمامته فى حلقه، فنظر إليه الشيخ، وأجرى دمعه، وقال: نكلت بى، نكل الله بك، فأجيبت دعوته، وجرى عليه ما جرى، ولما أفرج الله عنه جاء إلى الشيخ واستغفر الله تعالى، وأشار الشيخ إلى خادم من خدام أم الملك السعيد، وكان حسن الصوت، فقام وأنشد قصيدة ابن الفارض إلى أن أتى إلى قوله: وبى من أتم الرؤيتين إشارة … تنزه عن رؤيا الحلول عقيدتى

стр. 1053

فبكى القاضى عند ذلك بكاء كثيرا، فقال: والله لقد قرأت هذه القصيدة مرارا عديدة ولم أقع على هذا البيت، ونحن نستعيذ الله من ذلك الذنب. وفيها: عزل القاضى عماد الدين بن الأثير (١) كاتب الإنشاء، وكان السبب لعزله أن السلطان قال له: اكتب إلى نائب الكرك باتلاف بعض الأمراء، فكان جوابه له: يا خوند عاهدت الله أنى لا أكتب بخطى فى إتلاف مسلم، فنظر إليه نظر المغضب فقال: ويلك، أقول لك اكتب فما تكتب، فأخذ الدواة فضربه بها ورفصه فى صدره، فنهض وهو يقول: رضيت بغضب السلطان ولا غضب الله تعالى (٢)، فطلب السلطان النائب وعرفه بذلك، وقال له: افتكر من يكون كاتب السر، وكان فى ذلك [٧٠] الوقت نوبة الأمير لاجين فى السلاح فقال: يصلح لهذا شرف الدين بن فضل (٣) الله، وأنه من بيت كبير وله دراية بالوظيفة، فعند ذلك رسم بطلبه على البريد، فلما حضر خلع عليه واستقر بالوظيفة. وفيها: أفرج السلطان عن يعقوبا (٤) أمير الأكراد الشهرزوية، وكان قد أتى إلى بلاد الشام ومعه نحو من أربعة آلاف نفس من الشهرزوية، وجرت

стр. 1054

له وقائع كثيرة، وبقى إلى أن حضر السلطان الملك المظفر قطز والتقى مع المغول فى عين جالوت، وكان قد حضر المصاف وشكر فيه هو وقومه، ولما تسلطن الملك الظاهر حبسه، فبقى فى الحبس إلى أن أطلقه الأشرف فى هذه السنة، وكان الساعى له عند السلطان الأمير برغشه، وكان قد حضر عند السلطان بتقدمة جليلة من الخيل وغيرها، فشفع فيه عند السلطان، وساعده الأمير بيدرا أيضا، وكان بينه وبين برغشه صحبة من أيام وصول يعقوبا إلى البلاد، ولما أطلقه السلطان أنعم عليه بألف دينار وكسوة وخيل، وكان رجلا طوالا وشكلا عجيبا جميلا. وفيها: ركب السلطان ونزل إلى الميدان ولعب بالأكرة، فضرب الأكرة فوقعت على وجه بيدرا، فقطع حاجبه وجرى الدم وتشوش السلطان لأجله، فقصد أن يبطل لعبه، فحلف عليه بيدرا أن لا يبطل. ونظم شرف الدين ابن الوحيد فى ذلك أبياتا منها قوله: يا بدر دين الله يا مشبها … سميّه فى كل حسن بهر مملوكك الجوكان تأثيره … فى وجه مولانا أتى واعتذر وقال قصدى أن أرى وجهه … كوجه بدر التم فيه اثر وفيها: كانت واقعة أهل الذمة وإسلام كثير منهم، وكانوا فى الدولة المنصورية فى غاية الذلة والإهانة خصوصا فى أيام الشجاعى الذى كان له حرمة عظيمة على العامة والكتاب وأرباب الأقلام حتى أنه كان أكبر من فيهم يكون راكب حمار وزناره فى وسطه، ولا يجسر يتحدث مع مسلم وهو راكب، ولا يمكن أن يرى عليه فرجية مصقولة ولا بيضاء إلا القليل منهم مع ذلة ومسكنة، فلما تغيرت الدولة وملك الأشرف وحدثت الأمور وانتشأت الخاصكية وكبرت

стр. 1055

نفوسهم، كبر قدر النصارى أيضا بسبب بعض الخاصكية الذين يحامونهم، وكان من جملة الخاصكية مملوك يعرف بعين الغزال، وكان صاحب صورة جميلة جدا، وكانت له منزلة ومكانة عند السلطان، واتفق أن بعض النصارى خدم عنده، واتفق أنه لقى يوما عند زين العابدين سمسارا باع قماشا لتاجر، وعلى التاجر دين للديوان، فلما رآه السمسار نزل وباس رجله، وشرع النصرانى يسبه ويشتمه، والرجل يعتذر إليه فلا يقبل منه، ثم صاح لغلامه وقال له: انزل وكتف هذا الفاعل الصانع، فنزل إليه وكتفه، فاجتمعت عليه خلق وما وصل إلى الصليبة حتى اجتمع عليه خلق كثير، وهم يسألون النصرانى أن يطلقه وهو يأبى عليهم، فقاموا عليه وأرموه من حماره وأطلقوا الرجل، وكان قد قرب إلى اصطبل أستاذه، فجرى غلامه وأتى إلى الاصطبل وأخبر أهلها بما جرى، فخرجت الغلمان والوشاقية وخلصوا النصرانى منهم، والناس يصيحون ما يحل ما يحل حتى وصلت صيحتهم وغلبتهم إلى تحت القلعة، [٧١] وصاحوا نصر الله السلطان، فسمع السلطان بذلك، فأرسل جماعة من الوشاقية ليكشفوا الخبر، فعرفوهم بذلك، فطلب عين الغزال فقال: ويلك تسلط غلمانك على المسلمين لأجل كاتب نصرانى، فخشى عين الغزال فقال: يا خوند أنا فى خدمة السلطان هاهنا ما أعرف هذه القضية، فغضب السلطان وطلب الوشاقية وقال: انزلوا هاتوا كل من فى اصطبل الأمير، وقولوا للعوام: رسم لكم السلطان أن أى نصرانى رأيتموه أحضروه إلى، وطلب الشجاعى والنائب، وقال: لا تخلوا نصرانيا حتى تحضرون به إلى، وقرر معهم أن ينادى أن أميرا أو غيره لا يستخدم نصرانيا ولا يهوديا إلا إذا خرج عن دينه وتمسك بالإسلام، وأمر لسائر الأمراء أن كل من عنده كاتب نصرانى يعرض عليه الإسلام، فإن أبى يضرب عنقه وإن أسلم

стр. 1056

يستخدمه، ورسم للنائب أن يعرض سائر المباشرين فى ديوان السلطان ويفعل فيهم ما رسم به من الذى ذكرناه، فهربت جماعة كثيرة من الكتاب، وسمعت العوام بذلك، فتتبعوا آثارهم وهجموا عليهم فى بيوتهم، وأخرجوا حريمهم مسبيات، وقتلوا جماعة منهم بأيديهم، وبلغ ذلك إلى السلطان، فأمر الوالى أن ينادى أن أى من نهب بيت نصرانى يشنق، ومسكوا جماعة من الحرافيش فأشهروهم. وكان أعظم ما جرى فى مصر بقصر الشمع، والكنيسه المعلقة، وعدمت أموال كثيرة للنصارى ولليهود أيضا، فلما نادى السلطان كفوا عن ذلك، وجمعوا جماعة من الكتاب الذين يكتبون فى دواوين الأمراء وديوان السلطان ودخل بهم النائب إلى السلطان، فأوقفهم من بعيد، فرسم للشجاعى وأمير جندار أن ينزلا سوق الخيل ويحفرا حفيرة كبيرة وبرميانهم فيها، ثم يرمون عليهم الحطب والنار، فأخذوهم وخرجوا، وتقدم النائب وقال يا خوند: هؤلاء أصحاب دواوين يحفظون الأموال والخراج، وليس للسلطان غنى عنهم. فقال أنا ما أريد أن يكون فى دولتى ديوان نصرانى، وما زال بيدرا يسأله إلى أن اتفق الحال على أن من أسلم منهم يستخدم ومن لا يسلم يضرب عنقه، وخرج نائب السلطان فأحضر الجميع بين يديه، وكان فيهم رجل يعرف بالمكين ابن السقاعى، ولما كان بيدرا وزيرا كان يستظرف كلامه ويمزح معه لأنه كان ظريفا صاحب هزل وجواب خاطر فى وقته، فأول كلام بيدرا كان معه وقال يا جماعة: وصلت قدرتى مع السلطان فى أمركم أن من أسلم خلع عليه ويباشر وظيفته ومن أبى قتل، فابتدره المكين بالجواب وقال يا خوند: أىّ قواد يختار القتل على هذا الدين الخرعى، والله دين نقتل عليه يروح لا كتب الله

стр. 1057

عليه سلامه، قولوا لنا الدين الذى تختارونه نروح إليه، فعلته الضحك، وكل من كان حاضرا، فقال بيدرا: ويلك نحن نختار غير دين الإسلام! فقال يا خوند ما نعرف. قولوا: نحن نتبعكم، فأحضروا الشهود واستنطقهم بالشهادة، وكتبوا، ودخل بهم إلى السلطان، فألبسهم التشاريف، وجعلوا فى مجلس الوزير. واستفتح بعض المدراء، فناول المكين ورقة، وقال: يا مولانا القاضى، اكتب على هذه الورقة والوزير يسمعه: وقال يا ابنى: ما كان لنا هذا القضاء فى خلد، فتبسم الوزير فبقوا إلى العصر، فحضر الحاجب من جهة النائب وعرف الوزير أن [٧٢] الجماعة يقومون كلهم إلى مجلس النائب، ويريد أن يجدد إسلامهم عند القضاة، فرسم بقيامهم، فقال المكين: يا مولانا الصاحب صارت هذه عادة كل يوم نقولها، فتبسم وقال: نعم، نقولها كل يوم خمس مرات قبل الصلاة وبعدها، فلما نهضوا كان القاضى تاج الدين بن السفلورى جالسا مع الوزير، فقال يا مولانا تاج الدين: ما تقول فى إسلام هؤلاء الجماعة؟ قال: أقول إن الذليل منهم صار عزيزا، والعزيز من المسلمين صار ذليلا لهم، فإنه كان يمنعهم من ظلم الناس ومن التكبر عليهم كونهم نصارى، فالآن يقولون: نحن مسلمون، فيتسلطون عليهم والله يتولى سرائرهم. وكان من جملة من أسلم منهم: أمين الملك بن غنام، وابن السقاعى، وابن لفيقه كاتب ديوان النائب. وكتب بعضهم لبيدرا بيتين وسيّرهما إليه، وهما لابن البغدادى: اسلم الكافرون بالسيف قهرا … وإذا ما خلوا فهم مجرمونا

стр. 1058

أسلموا من رواح مال وروح … فهم سالمون لا مسلمونا وقال صاحب التاريخ ولمؤلفه: قل للمليك الأشرف ما تنتظر … يا ناصر الدين ويا منتصر قد أمكن الله من أعدائه … فى يوم بؤس نحسه مستمر فقلّد السيف لأرقابهم … واجعله على الكافر يوما عسر فلا يغرنك إسلامهم … فكل من أسلم كذّاب أشر وفيها: اشتهى السلطان أن يتفرج على لعب الشوانى (١) فى البحر، فطلب الوزير وقال له ذلك، فنزل إلى الصناعة (٢) وطلب الرئيس، وجهز كل ما يحتاج إليه من العمل، وأقاموا أياما قليلة وجهزوا نحوا من ستين شينيا، وحملت فيها سائر العدد من السلاح، ورتبوا فى كل مركب مماليكا ملبسه مقاتلة ومماليكا زرادين. فهرعت إلى الفرجة على ذلك من قبل ركوب السلطان بثلاثة أيام أهل مصر والقاهرة؛ وصنعوا قصورا من الخشب، وبنوا أخصاصا على ساحل مصر وساحل الروضة، فبلغ كرا كل ساحة من الساحات التى بين يدى البيوت إلى مائة درهم ومائتين، ويوم ركوب السلطان كان الناس مثل الجراد المنتشر من المقياس إلى بولاق، فما رأى أحد مثل ذلك اليوم، وأراد الحجاب منع الناس

стр. 1059

فلم يجدوا لذلك سبيلا، ورسم السلطان أن لا يتعرضوا لأحد، وأرمت جماعة كثيرة نفسها فى البحر، ووقف الناس صفوفا صفوفا، ووقف السلطان والنائب والخاصكية قدام دار النحاس (١)، فدارت الشوانى بين يديه، وقد صنعت فى وسطها أبراج وقلاع، وفيها مقاتلون، والنفط، والمكاحل، ونحو ذلك، وأظهر كل مركب صنعة تفتخر بذلك على غيره من المراكب، فلم يزل السلطان يتفرج على ذلك إلى قريب الظهر، ثم رجع إلى القلعة والذى اتفق فى ذلك اليوم ما اتفق لأحد من الملوك. قال صاحب التاريخ: وأخبرنى جماعة من أهل المراكب أن أحدا منهم قد استكمل أجرة مركبه سنة كاملة فى هذا اليوم، وأن الراكب فى مركب كبير قد استكراه فى ذلك اليوم بسبعمائة درهم وأكثر، وأبيع سبعة أرطال خبز بدرهم بعد أن كان اثنى عشر رطلا بدرهم، وكذلك اللحم وغيره زاد سعره من كثرة الزحام والخلق. قال الراوى: وأنشدنى الشيخ فتح الدين، [٧٣] شيخ الحديث بيتين لابن عنين فى لعب الشوانى فى أيام الأشرف وهما: يا أيها الملك المسرور أمله … هذى شوانيك تجرى يوم سرّاء كأنها شبه أطيار بها ظمأ … طارت إلى الجو وانتثرت على الماء وفيها رسم للأمير عز الدين أيبك الخزندار بنيابة طرابلس، عوضا عن الأمير سيف الدين طغريل اليوغانى (٢) ورسم بحضوره إلى مصر.

стр. 1060

وتولى الأمير سيف الدين طوغان نيابة السلطنة بقلعة الروم، عوضا عن الأمير عز الدين الموصلى. وفيها أرسل السلطان الأمير علم الدين الدوادارى إلى صاحب القسطنطينية، وإلى أولاد بركة، ومعه تحف كثيرة جدا، فلم يتفق خروجه من قبل السلطان، فعاد إلى دمشق. وفيها وصل مملوك نائب حلب يخبر بحضور رسل كيخاتو ملك المغول، وهم جماعة كثيرة، ويستأذن لدخولهم، ورسم له بذلك، ورتبوا الإقامات عند ما وصلوا إلى الصالحية، وخرج المهمندار (١) إلى لقائهم، وأمر السلطان الأمراء والجند - يوم عبورهم فى الخدمة - أن يزينوا أنفسهم، فيلبسوا الكلوتات الزركش والمطرز وغيرها، واستقبالهم من باب القلعة، وقد ترتبوا من خارج الباب إلى الايوان صفين أمراء وأجناد ومقدمون، فلما رأوهم إندهشوا من مهابتهم وترتيبهم، فأوصلوا الكتب، وتكلموا مشافهة أيضا، على أن القان يقصد أن يدخل إلى مدينة حلب ويقيم فيها، ويجعل مقامه فيها، فإنها مما فتحه أبوه هلاون بسيفه، وهى فى ملكه، وإن لم يسمح بذلك فهو يقصد العبور إلى الشام. فأسرع السلطان بالجواب، وهو يبتسم، وقال: الحمد لله الذى وافق أخى القان ما كان فى نفسى فكنت قد تحدثت مع أمراء دولتى أن أسيّر طالبا من أخى بغداد، وإن لم يسمح لى بها ركبت ودخلت بعسكرى وأخربت بلاده، وقتلت

стр. 1061

رجاله، وفتحتها قهرا، وجعلت فيها نائبا من جهتى، فإن بغداد هى دار السلام، وأرجو أن أعيدها للإسلام كما كانت، ولكن إذا وصلتم إليه عرفوه من يسبق إلى بلاد صاحبه ويدخل فيها. فلما خرج الرسل طلب الوزير ورسم أن يكتب إلى سائر البلاد والعواصم بتجهيز الإقامات، وكذلك للعساكر أن يجهزوا لدخول الفرات وأخذ بغداد، ورسم إلى سائر الأمراء لا يدخل أحد منهم (١) الميدان - يوم الميدان - إلا وهو لابس عدة الحرب هو وفرسه، ورسم للمهمندار أن يأخذ الرسل معه إلى الميدان ليروا الموكب. وانتظم يوم الميدان بما حيرهم هناك، وكان يوما عظيما، واجتمعت فيه خلق لا يحصى عددهم، وخلت الأسواق بأجمعها، وانتشرت الخلائق مثل الجراد، فرأى الرسل نهارا عظيما إلى أن أذن الظهر، وركب السلطان، وقد لبس قرقلا (٢) خفيفا، [و] بيده شطفة، وناهيك من ملبوس ملك فى مثل ذلك اليوم، وتواترت الأمراء بعده بالدخول أولا فأولا، وكل أمير يدخل وقد لبس أفخر لباس الحرب، وبيده شطفة برنكه (٣)، ورسم لهم السلطان أن يتصارعوا كل أمير مع أمير على قدر مراتبهم، وشرعوا فى كروفر، وصدور وورود، وكل منهم قد أظهر فروسيته فى ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا.

стр. 1062

وفيها جهز نوغيه زوجته بيلق خاتون إلى الملك طقطا برسالة تحملها إليه، وإشارة تشير بها عليه، فلما وصلت إلى الأردو تلقاها بالإكرام [٧٤] واحتفل لها فى الضيافة والتقادم، وأقامت فى الضيافة أياما، ثم سألها عن سبب مجيئها، فقالت له: يقول لك أبوك أنه قد بقى فى طريقك قليل شوك، فنظفه، فقال: وما هو الشوك؟ فسمت له الأمراء الذين ذكرهم نوغيه لها وهم: كلتكاى، يوفق، قراكيوك، ماجار، بارين طقطا، كبى، يوكو، طراتمر، التمر، تكا، بى طرا، بيملك تمر، بى طقتمر، بيغور افطاجى، باروه، ملجكا، برلغى، كبجك، سودق، قراجين، خاجزى، ابشقا، بيينجى، وهؤلاء هم الذين كانوا اتفقوا مع تلابغا على نوغيه. فلما أبلغته بهذه الرسالة، وقصت عليه هذه المقالة طلب هؤلاء الأمراء، واحدا بعد واحد، وقتلهم جميعا. فعادت بيلق خاتون إلى نوغيه، فأعلمته بقتلهم، فسكن قلقه، وزال فرقه، وتحكم أولاده، وأولاد أولاده. وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة وهم: جكا، وتكا، وكانا من أم واحدة، وطراى من إمرأة أخرى، وابنة تسمى جغلجا، وابن بنت يسمى اقطاجى، وكانت ابنته هذه مزوجة لشخص يسمى طاز بن منجك، فقويت شوكتهم وتمكنت مهابتهم وسطوتهم (١).

стр. 1063

وفيها: حج بالناس فى الركب المصرى الأمير بدر الدين بكتاش المعروف بالطيار، وفى الركب الشامى الأمير الباسطى، وكان ممن حج فى هذه السنة الشيخ تقى الدين بن تيمية، ونالهم فى مكة ريح شديدة جدا، مات بسببها جماعة، وحملت جمالا من أماكنها، وطارت العمائم، واستل كل أحد بنفسه.

стр. 1064

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح القدوة العارف، أبو إسحاق إبراهيم (١) بن الشيخ الصالح أبى محمد عبد الله بن يوسف بن يونس بن سليمان بن البكر الأرموى (٢). المقيم بزاويته بسفح قاسيون، وفيها كان ميلاد الشيخ، وكانت وفاته بها أيضا. ومولده سنة خمس عشرة وستمائة، كانت له عبادة وانقطاع، وله أوراد وأذكار، وكان محببا إلى الناس. وله شعر جيد منه: سهرى عليك ألذ من سنة الكرى … ويلّذ فيك تهتّكى بين الورى وسوى جمالك لا يروق لناظرى … وعلى لسانى غير ذكرك ما جرى وحياة وجهك لو بذلت حشاشتى … لمبشرى برضاك كنت مقصرا أنا عبد حبّك لا أحول عن الهوى … يوما ولو لام العذول وأكبرا (٣)

стр. 1065

الشيخ الفاضل المقرئ كمال الدين (١) على بن الشيخ ظهير الدين محمد بن المبارك ابن سالم بن أبى الغنائم الدمشقى، المعروف بابن الأعمى. ولد سنة عشرة وستمائة، وتوفى فى المحرم منها، ودفن بمقابر الصوفية. وكان فاضلا بارعا، له قصائد يمتدح بها رسول الله ﷺ ، سماها الشفعية، عدد كل قصيدة اثنان وعشرون بيتا (٢). قال البرزالى: سمعت عليه أوله المقامة المشهورة (٣) فى الفقراء المجردين. ومن شعره قوله: أنا فى حالة اللذة والتهانى (٤) … لست أثنى عن الغرام عنانى لا يروم السلو قلبى ولا يف … تر عن ذكر من أحبّ لسانى وسواء إذا المحبة (٥) … دامت نظرى بالعيان أو بالجنان [فاقتراب الديار لفظ وقرب ال … ودّ معنى، فاسلك سبيل المعانى (٦)]

стр. 1066

[٧٥] لست ممنّ أرضى (١) … بطيف خيال قانعا فى هواهم بالهوان إن طيف الخيال دلّ على أنّ … الكرى قد يلمّ بالأجفان غير أنى تشتاق عينى إلى … من حلّ فى (٢) مهجتى أعزّ مكان وبروحى ظبى (٣) … يغار غصون ال بان منه ويخجل النيّران ذو قوام يغنيه عن حمله الرم … ح وجفن وسنانه كالسنان كتب الحسن فوق خدّيه بين ال … ماء والنار فيهما جنّتان حرس الورد منهما نرجس اللح … ظ فلم سيّجوه بالريحان عارض عوّذته ياسين لمّا … أن تبدّا كالنمل أو كالدّخان يلبس الحسن كلّ وقت جديدا … فلهذا أخلقت ثوب الثوانى يا خليلىّ خليانى ووجدى … وامزجا لى بذكره واسقيانى وإذا ما قضيت سكرا من الوج … د فلا تحزنا ولا تدفنانى فأيادى ذا الناصر الملك تح … يبنى كاحيائها الندى وهو فان (٤) وقال فى حمام ضيّق شديد الحرّ ليس فيه ماء بارد: إنّ حمامنا الذى نحن فيه … قد أناخ العذاب فيه وخيم مظلم الأرض والسماء والنواحى … كل عيب من عيبه يتعلم حرج بابه كطاقة سجن … شهد الله من يجز فيه يندم

стр. 1067

و (١) … به مالك غدا خازن النا ربلى مالك أرقّ وارحم كلما قلت قد أطلت عذابى … قال لى إخسأ فيها ولا تتكلّم قلت لما رأيته يتلظى … ﴿(رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ)﴾ (٢) الشيخ تقى الدين أبو اسحاق إبراهيم (٣) بن على بن أحمد بن فضل الواسطى، ثم الدمشقى الحنبلى، شيخ الحديث بالظاهرية (٤) بدمشق. توفى يوم الجمعة آخر النهار الرابع عشر (٥) من جمادى الآخرة منها عن تسعين سنة، وكان رجلا صالحا عابدا، تفرد بعلو الرواية، ولم يخلف بعده مثله، وقد تفقه [ببغداد (٦)]، ثم رحل إلى الشام، ودرس بالصاحبية (٧) مدّة عشرين سنة،

стр. 1068

وولى فى آخر عمره مشيخة الحديث بالمدرسة الظاهرية، وكانت وفاته بسفح قاسيون، ودفن فى تربة الشيخ الموفق، ومولده سنة ثلاث وستمائة (١). الشيخ جمال الدين إبراهيم (٢) بن داود بن ظافر العسقلانى الفاضلى. مات بدرب السلسلة بدمشق، ودفن بتربة الشيخ علم الدين السخاوى بقاسيون، وكان من أخص أصحابه (٣)، وجمع عليه القراءات السبع. وله شعر، فمنه قوله: مضوا عصبة كانوا كراما أعزّة … وأبقوا من الإنسان ما فيه معتبر فهم كبيوت الماء قائمة فلم يصبها … انهدام فهى وعظ لمن نظر الشيخ محمود الشيرازى المعروف بسابقان، المقيم بالكلاسة (٤). مات فى هذه السنة، ودفن بزاوية الجوالقية خارج باب الصغير، وكان من أحاسن الفقراء وظرفائهم، وله قبول من الناس، وعنده كرم. قاضى القضاة معين الدين النعمان (٥) بن الحسن بن يوسف الحنفى.

стр. 1069

مات يوم الخميس السابع عشر [٧٦] من شعبان منها، ودفن بالقرافة، وتولى القضاء بعده بالديار المصرية قاضى القضاة شمس الدين أحمد (١) السروجى. الصاحب محيى الدين عبد الله (٢) بن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان ابن عبد الظاهر بن على بن نجده السروجى السعدى، الكاتب الناظم الناثر، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وأحد من برز فى هذا الفن على أهل زمانه، وسبق سائر أقرانه. وهو والد الصاحب فتح الدين القاضى فتح الدين المتقدم ذكر وفاته قبل والده، وكانت وفاته يوم الثلاثاء الرابع من رجب (٣)، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرافة، ومولده سنة عشرين وستمائة بالقاهرة، وله مصنفات منها سيرة الملك الظاهر (٤)، وأبدع فيها نظما ونثرا، وكان ذا مروءة تامّة وتعصب.

стр. 1070

وله النظم البديع الرائق، فمنه قوله: يا من رأى غزلان رامة هل رأى … بالله فيهم مثل طرف غزالى أحيا علوم العاشقين بلحظه ال … غزّال والإحياء للغزّالى (١) وله فى مليح يسمى بالنسيم: تقضّى ليلنا طربا ورقصا … على شدو من الرّشا الرخيم تمايلنا وقد غنّى وفينا … مليح الدّل معطار الشميم فملنا كالغصون وغير بدع … لأغصان تميل مع النسيم وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان (٢) ﵀: كنت قد نظمت قصيدة، ووقع لى فيها معنى غريب فى مليح فى أنفه خال، وهو: عجبت لخال حلّ فى وسط أنفه … وعهدى به وسط الخدوديرى وشيا ولكنما خدّاه فيه تغاير لهوى … فاتبعا من أنفه أوسط الأشيا وحسن الفتى فى الأنف والأنف عاطل … فكيف إذا ما الخال كان له حليا فلما وقف القاضى محيى الدين عليه نظم فى هذا المعنى عدّة مقاطيع منها: أرى الخال من وجه الحبيب بأنفه … وموضعه الأولى به صفحة الخدّ وما ذاك إلاّ أنه من تلهب توارى … يريد البعد من شدّة الوقد وقال: فى أنفه الخال الذى … شغل البرّية وصفه فبحسنه وبظرفه … قد صار شمخ أنفه

стр. 1071

وقال وبى مليح حسنه … على الملاح قد حكم بأنفه خال به … على الجمال قد ختم يا حسنه من شامة … أمسى بها الأنف الأشم وقال: ميدان حسن وجهه … سبحان ربّ صوّره يلوى بلب ولا يلوى … على من نظره جوكانه حاجبه … والخال فى الأنف الكره ومن شعره: يا سيّدى إن جرى من مدمعى ودمى … للعين والقلب مسفوح ومسفوك لا تخش من قود يقتصّ منك به … فالعين جارية والقلب مملوك الملك الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود (١) بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، بن ناصر الدين محمد بن الملك المعظم أسد الدين شيركوه ابن شادى بن مروان. توفى ببستانه، [٧٧] بستان شامة بظاهر دمشق، ودفن بسفح قاسيون، وصلّى عليه بالجامع المظفرى (٢)، وكان عمره ثمانين سنة، وكان دينا كثير الصلاة

стр. 1072

فى الجامع، وله إجازة من المؤيد الطوسى (١)، وكان ظريفا متواضعا، حسن الأخلاق، وكانت وفاته فى جمادى الآخرة (٢). الملك الأفضل نور الدين على (٣) بن الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. توفى بدمشق وصلى عليه بجامعها، وخرج به من باب الفراديس محمولا إلى مدينة أبيه حماة، ودفن بتربتهم بها، وكانت وفاته بداره المعروفة بدار الدعوة (٤)، وهو والد الأميرين الكبيرين: بدر الدين حسن (٥) وعماد الدين إسماعيل (٦) الذى تملك حماة بعد جدّه، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. الأمير الكبير علم الدين سنجر الحلبى (٧) الذى كان نائب قطز على دمشق،

стр. 1073

فلما جاءته بيعة الظاهر دعى إلى نفسه فبويع وتسمى بالملك المجاهد، ثم حوصر وهرب إلى بعلبك وحوصر، فأجاب إلى خدمة السلطان فسجنه مدة، ثم أطلقه الأشرف واحترمه وأكرمه وكان بلغ الثمانين، توفى فى هذه السنة. وقال صاحب نزهة الناظر: بلغنى عن بعض من كان يلازمه أنه مات فى عشر التسعين، ورأيته وقد انحنى ظهره وكان من أطول الرجال وأشدهم قوة وأقدمهم شجاعة، وكان فى الدولة الظاهرية إذا نزل من الخدمة دخل البيت ولا ينزل عن فرسه حتى يقدم له قنطارية محشوة برصاص لأجل الثقل، فيأخذها ويلعب بها على فرسه، ثم يأتى إلى فردة تبن فيطعنها ويرفعها من الأرض ويحذفها، ثم ينزل ويأخذ بيده عامودا حديدا زنته مائة وعشرة أرطال ويلف به اليمين واليسار مرات، ثم يجلس على السماط ويتغدى فى أكلة بالرأس الغنم. الملك الكامل ناصر الدين محمد (١) بن الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب بن شادى بن مروان. توفى يوم الخميس الخامس من رجب من هذه السنة، ومولده بالكرك بعد العشاء الآخرة ليلة الأربعاء السادس عشر من شوال من سنة تسع وخمسين وستمائة.

стр. 1074

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثالثة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك الأشرف خليل ابن الملك المنصور قلاون. والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وفى أوائل المحرم (١) منها: تجهز السلطان الأشرف للصيد، وعدّى إلى بر الجيزة وسار قاصدا التوجه إلى الإسكندرية والحمامات الغربية، فتقدم وزيره الصاحب شمس الدين بن سلعوس إلى الثغر المحروس لتجهيز الأقمشة، وتحصيل أصناف الأمتعة، واستخراج المال، وترتيب الأحوال بين يدى قدوم الركاب، فوجد نواب الأمير بيدرا بالثغر قد استولوا على المتاجر (٢) وادخروا منها ما ليس فى الحواصل السلطانية، فأرسل يعرف السلطان بذلك، فاستشاط السلطان غضبا على بيدرا واستدعاه بحضور الخاصكية والأمراء، فأغلظ له فى الكلام، وتوعده بأشدّ الوعيد، وتهدده بأتم النهديد حتى خاف أن يسطو فى ذلك الوقت عليه، فتلطف حتى خرج من بين يديه، فجمع خوشداشيته (٣) الأعيان، [٧٨] وأطلعهم على ما فى باطن السلطان من الشنان وهم: الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، وفى

стр. 1075

قلبه ما فيه من الأهنة التى نالته والنكبة التى أصابته، والأمير قراسنقر، وهو واجد لعزله من الممالك الحلبية وإحضاره فى غير شئ إلى الديار المصرية، وغيرهما من الأمراء الذين كانوا مطلعين على سريرته، وما منهم إلا من هو متغير الخاطر والنية لتأخرهم وتقدّم صغار الخاصكية، فاتفقوا على الوثوب على السلطان قبل أن يثب هو عليهم (١). وفى نزهة الناظر: لما رسم السلطان للوزير شمس الدين أن يذهب إلى الإسكندرية لاستعمال الأقمشة، فركب من فوره وقدم إليها. وكان إذ ذاك الوالى عليها بدر الدين الجالى، فتلقاه بجميع من فيها من التجار والأعوام (٢)، وكان يوما مشهودا، فذكروا أنه لم يروا وزيرا مثله قبله دخل كدخوله إلى الإسكندرية فلما استقر بها طلب المباشرين وألزمهم بعمل الحساب، ورسم عليهم، وعلى الوالى، وطلب سائر التجار، وكتب أسماءهم، وجعل على كل واحد منهم شيئا على قدره، وكتب عليهم أوراقا، وجلس فى الخمس، وطلب الجميع، وألزمهم بالحمل، وهددهم بالإحراق، وبقيت الإسكندرية فى نار تتوقد. ثم كتب كتابا إلى السلطان وذكر فيه أنه دخل الإسكندرية فلم يجد صانعا يعمل له شيئا، وأن سائر الصناع يشتغلون فى أعمال بيدرا، وأن نوابه مستولية على سائر الأشياء، ولم أتمكن الحديث معهم، وحط على بيدرا فى كتابه حطا عظيما، فلما وقف السلطان على كتابه غضب غضبا شديدا، وطلب بيدرا من

стр. 1076

ساعته، فلما دخل عليه شرع يسبه ويهينه، وحمل عليه ليضربه بشئ من عنده، ولم يترك شيئا حتى قال له، غير أنه لم يقل خذوا سيفه، فتقدمت الأمراء الخاصكية وسكنوا غضب السلطان، وصاحوا على بيدرا: أخرج أخرج من وجه السلطان، ودفعوه بأكتافه، فخرج وهو أعمى لا يدرى كيف يمشى ودموعه تنزل على لحيته. ولما خرج شرع السلطان يقول: أنا أعرف ما مراد بيدرا، والله لا خليت له مالا ولا زوجا، فطلب كاتب السر ورسم له أن يكتب إلى الوزير بأن يوقع الحوطة على نواب بيدرا، ويضرب الجميع بالمقارع، ويأخذ أموالهم، فأىّ شئ وجده لبيدرا من الأموال يحتاط عليه ويحضره صحبته، وتكلم بكلام كثير قدام الخاصكية، وتوعده أنه إذا دخل المدينة يقبض عليه. ثم أن بعض الخاصكية بعثوا فى السر إلى بيدرا وأخبروه بجميع ما جرى من السلطان فى حقه، وأنهم هم الذين صبروا السلطان فى القبض عليه إلى أن يدخل السلطان المدينة، وقالوا له: احترز وخذ لنفسك، فلما وقف عليه بيدرا اجتمع بالأمراء الذين ذكرناهم وتحالفوا على قتله والهجوم عليه، وكان بيدرا قد استجلب خواطر هؤلاء الخاصكية بالإحسان والخدمة. ذكر مقتل الأشرف: وكان السلطان أعطى الأمراء دستورا ليتوجه كل منهم إلى إقطاعه (١)، وكذلك المقدمين والمفاردة، ولم يترك معه إلا المماليك الخواص.

стр. 1077

وفى نزهة الناظر: وعند خروج بيدرا من عند السلطان حصل عنده قلق، فأبطل الصيد، ورسم للأمير جمال الدين قتال السبع - وكان فى ذلك الوقت أمير علم - أن يتقدم بالطّلب وصحبته الطواشى مقدم المماليك إلى المدينة، ورسم للأمير كتبغا والحسام أستاذ الدار وغيرهما أن يرحّلا، وأنه يرحل [٧٩] عنهم، ثم أنه وجد فى نفسه ضيقا وثقلا فى بدنه، فطلب المزين وافتصد، وبقى إلى قريب العصر قاعدا وهو متشوش، ثم قصد أن يركب بمفرده ويطعم الطير ليشرح خاطره، فركب فى جماعة يسيرة من الخاصكية بغير سيف، (١) ورآه الخاصكية الذين اتفقوا مع بيدرا على قتله، فسيروا إليه وعرّفوه أين السلطان، وأن هذا الوقت وقت الفرصة والغنيمة، فقام بيدرا وركب، ومعه قراسنقر ولاجين وغيرهما، ولبسوا تحت الثياب، وساروا وبيدرا بينهم، فلما قربوا من السلطان رآهم فقال: من يكون هؤلاء؟ فسير من يكشف خبرهم، فعند وصوله إليهم عوقوه عن الرجوع إلى السلطان، فسير ثانيا شخصا آخر فعوقوه أيضا، وقرب بيدرا إليه فتحققه السلطان، وظن أنه حضر ليشاوره فى أمر، فما كان إلا جذب سيفه وضربه، فصاح السلطان منه، وتلقى ضربته بيمينه التى فيها الزجمة، فرجع عنه بيدرا فلحقه لاجين من خلفه، فضرب على عاتقه، فنزل السيف إلى وسطه، فوقع من فرسه كالطود العظيم، فتناوله تلك الأمراء الخاصكية بالسيوف فقطعوه قطعا قطعا.

стр. 1078

ووقع الصياح بقتله، فأول من نعاه وأشهر قتله الأمير ركن الدين بيبرس الخاصكى، فحل شاشه من كلوتاته وصار يصيح وا سلطاناه، فركبت الأمراء، واجتمعت الناس، ونهبوا كل شئ هناك، واختبطت الناس، فوقعت الهجة بينهم، وكان قريب المغرب، فدخل الليل على الناس، وتركوا السلطان هناك مطروحا على الأرض لايؤبه إليه، وبات بيدرا ولاجين وقراسنقر والأمراء الخاصكية يدبرون أمرهم، وتحالفوا أن يكونوا يدا واحدة. وفى تاريخ بيبرس: ركب السلطان فى نفر يسير من خواصه ليتصيد قريبا من الدهليز، وكان إذ ذاك نازلا على تروجة (١)، فأخبر بيدرا ومن معه من أن السلطان ركب منفردا (٢)، فقالوا: هذا وقت انتهاز الفرصة، فشدوا تراكشهم (٣) وركبوا [إلى نحوه (٤)]، وهم: بدر الدين بيدرا، وحسام الدين لاجين، وشمس الدين قراسنقر، وسيف الدين بهادر رأس النوبة، وشمس الدين آقسنقر الحسامى، وسيف الدين نوغيه، ومحمد خواجا، وطرنطاى الساقى، وألطنبغا رأس نوبة (٥)، ومن انضم إليهم، وكان دون السلطان مخاضة فخاضوها، فلما أقبلوا عليه عصبة واحدة

стр. 1079

أحس فيهم بالشر، وظهرت له علامات (١) الغدر، فأعجلوه عن الكلام وعاجلوه بالكلام وعلوه بالحسام (٢). وقيل: إن بيدرا ضربه أولا فجرحه، ثم ضربه لاجين فقطع يده والزخمة فيها وثنى عليه بأخرى، فانجدل صريعا، ثم تخاطفته سيوف الأمراء المذكورين وترك صريعا يبج دما نجيعا، وكان بتروجة الوالى عز الدين أيد مر الفخرى، فحمل السلطان على جمل من الموضع الذى قتل فيه إلى ساحل البحر، وحمل فى مركب إلى المدينة، ودفن بتربته (٣) بالقرب من السيدة نفيسه رضى الله عنها. وفى نزهة الناظر: حكى متولى تروجة أنهم سلبوا كل ما كان على السلطان من الثياب، وعروه، ولم يتركوا عليه إلا السراويل لستر عورته، وأنه هو الذى ستره بالثياب، وحمله على جمل إلى المعدّية. ذكر ترجمة الأشرف: هو السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل (٤) بن السلطان الملك المنصور قلاون الصالحى النجمى الألفى.

стр. 1080

قتل فى الثالث عشر من محرم هذه السنة، وكانت مدة سلطنته [٨٠] ثلاث سنين وشهرين وأياما، فإنه ملك السلطنة بعد وفاة والده الملك المنصور يوم السبت السادس من ذى القعدة من سنة تسع وثمانين وستمائة على ما ذكرنا، وكان الأشرف شهما شجاعا، عالى الهمة، حسن المنظر، قد عزم على غزو العراق واسترجاع تلك البلاد من أيدى التتار، واستعدّ لذلك ونادى به فى بلاده، وقد فتح فى مدة ملكه - وكانت ثلاث سنين - عكا والسواحل، ولم يبق للفرنج بها معلم لأحد، وقلعة الروم، وبهسنى، ومرعش، وغير ذلك. وفى تاريخ النويرى: وكان ملكا مهيبا شجاعا، مقداما جسورا، جوادا كريما بالمال، أنفق على الجيش فى هذه الثلاث سنين ثلاث نفقات: الأولى: فى أول جلوسه فى السلطنة من مال طرنطاى. والثانية: عند توجهه إلى عكا. والثالثة: عند توجهه إلى قلعة الروم. وقال الشيخ صلاح الدين الصفدى: كان قبل ولاية الأشرف يؤخذ عند باب الجابية بدمشق عن كل جمل (١) خمسة دراهم مكسا، فأول ما تسلطن (٢) وردت إلى دمشق مسامحة بإسقاط هذا (٣)، وبين سطور المرسوم بقلم العلامة: ولتسقط (٤)

стр. 1081

عن رعايانا هذه الظلامة ويستجلب لنا الدعاء (١) من الخاصة والعامة (٢). وفى نزهة الناظر: وكان قد شغف بتحصيل المماليك إلى أن كمل ألفا ومائتى مملوك، وأضافهم إلى مماليك والده، وقصد أن يكملهن مع مماليك أبيه عشرة آلاف مملوك، فإن والده توفى عن ستة آلاف مملوك فى مدة سلطنته، وكان أول غزوته وفتوحه حصن عكا، وكان حصنا عظيما، وأخذ صور، وعثليت وغيرها، وفتح صيدا، وبيروت، وملك بهسنى وثلاث قلاع من قلاع سيس، وعزم على دخوله إلى ناحية بغداد ويدوس بلاد العدوّ، وكتب إلى نائب حلب بتجهيز سلاسل للجسور لدخوله الفرات، وقبض على مهنى وإخوته، وخافته الملوك من سائر الأطراف وأذعنوا له بالطاعة. ومع ذلك كان ملكا حادّ النفس، فيه رهج واستهتار بالأمور واستخفاف بأكابر الأمراء، وكان لا يفتكر ما يفتكره الملوك من العواقب، فمن ذلك ما اتفق له مع الأمير بيسرى، وهو أكبر الأمراء بمصر وأجلهم رأس الميمنة، وذلك أنه جلس يوما فى شباك الميدان، وأحضر بين يديه سيفا وثورا كبيرا، والتفت إلى البيسرى وقال: يا أمير بدر الدين: تحبنى أولا؟ فقال يا خوند: وكيف لا أحبك، وقد خليتنى من السجن وأحسنت إلىّ. فقال له: بحياتى عليك، قم واركب على هذا الثور، فنهض من ساعته، ولم يعلم ما أراد. كوبه، فلما صار على ظهر الثور، قال للسباع: أطلق السبع على الثور، فهجم عليه، فكسر الثور، ووقع اليسرى من ظهره، وطارت كلوتاته من رأسه، وانكشفت ثيابه

стр. 1082

عن جسده، وانقلب السلطان على قفاه من قوة الضحك، وتضاحكت المماليك، وقام البيسرى وهو خجلان ينفض ثيابه، ولم يظهر فى وجهه تعبا حتى لا يفهم عنه أنه غضب من ذلك الأمر، فأشيع ذلك بين الأمراء، وبلغ الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، فصعب عليه ولم ينزل ذلك اليوم إلى الميدان حتى أرسل السلطان إليه، فلما اجتمع بالبيسرى أخذ يعنفه ويعتب عليه بما رضى لنفسه من ذلك الأمر، وقال له: جعلتنا فى آخر عمرنا مساخر والناس تضحك علينا. فقال له يا أمير بدر الدين: والله كان الموت أهون على من ذلك، ولكن خشيت الرجوع إلى الحبس بعد عشر سنين التى قاسيت فيها الذل والقيد والخوف [٨١] والوحدة وأنت معذور، فلو قاسيت ما قاسيت لهان عليك كل شئ من هذا القبيل. ولما انقضى أمر الميدان طلب السلطان البيسرى وطيب خاطره، وقال يا بدر الدين: أنت ما فعلت هذا إلا محبة لى وامتثالا لأمرى، فقدرك عندى كبير، وألبسه تشريفا أطلس كاملا، وأنعم عليه زيادة على إقطاعه منية بنى خصيب مائتى ألف درهم وخمسة آلاف إردب. قال صاحب التاريخ: فلأجل ذلك كان والده الملك المنصور يفضل أخاه الملك الصالح عليه، وسلطنه قبله، لما كان فيه من العقل والسكون والأدب، وكان يرى من الأشرف نقيض ذلك. وقد حكى القاضى فتح الدين بن عبد الظاهر أن الملك الصالح لما مات فى حياة والده المنصور أشارت الأمراء عليه أن يولى أخاه الخليل ويلقبه الأشرف،

стр. 1083

فأمر بذلك وكتب تقليده، فدخل به الدوادار إلى السلطان المنصور ليعلم عليه، فدفعه بيده وقال: خله عندك، فبقى أياما على ذلك، ثم استحث الأشرف على التقليد، فاتفقت أنا والأمير الدوادار ودخلنا على السلطان. فقلنا: تقليد ولد مولانا السلطان الذى لقب بالأشرف، فدفعه بيده وقال: خلوه عندكم والله ما يطيب خاطرى تولية هذا الصبى، فإنه مجنون لا يفتكر فى عاقبة الأمر، ولا يحسن تدبير الملك، وأنا مفتكر كيف يكون أمره بعدى. قال: وبقى الأمر إلى حين توفى السلطان المنصور وتولى الأشرف، ولما جلس على تخت الملك أول ما سألنى فقال لى يا فتح الدين: هو ما رضى بى سلطانا، فالرب تعالى رضى بى وجعلنى سلطانا. قال صاحب التاريخ: ومن ذلك ما اتفق له مع الملك المظفر (١) صاحب اليمن، فإنه لما بلغه موت السلطان الملك المنصور قلاون أقام مدة ولم يسير الهدنة التى جرت بها العادة، فكتب الأشرف إليه كتابا فيه تخويف وتهديد وعرض له باشتغاله باللهو والطرب والتخلى مع النساء وغير ذلك مع الأشياء الخارقة لحرمته. وكان آخر قوله فى كتابه لأخرجن اليمن عن يمينك، واقتل من آل إليك أو والاك؛ وكتب العلامة بين الأسطر غير شاكرة، وجعلها سطرا مطولا بقلم طومار، وكتب عنوان الكتاب: يصل إلى الخارجى باليمن، وسيره مع بعض الكارم، وعرفه أنه يجهز عقيبه عسكرا إذا لم يحضر إليه بالجواب والهدنة على عادته، ولما أوصله الكارم إلى الملك المظفر، فرأى عنوانه يصل إلى الخارجى

стр. 1084

باليمن رده إليه وقال: هذا الكتاب ما هو لى وهذا عنوانه: إلى الخارجى باليمن، فإن كنت تعرف الخارجى باليمن فأوصله إليه، وإلاّ رده إلى صاحبه، وكان الملك المظفر رجلا عاقلا، وافر العقل، كثير المحاسن، ولما بلع إليه الكارم ما قال له الملك الأشرف مشافهة. قال الملك للمظفر: هذا كلام من غلب عليه الجهل والشغاب، وكان من الأمور المقدرة أن توفى الملك المظفر والملك الأشرف كلاهما جميعا. وذكر صاحب النزهة أيضا: أن أول ما اعتمده الأشرف حين ولى السلطنة أنه أطلق سائر من كان فى السجون من المصادرين وأرباب الدواوين، ورسم برفع المظالم عن الناس، وأبطل الرماية على التجار، ورسم للوزير أن لا يتعرض لظلم أحد من الناس، وقال: وقد ذكرنا ما كان يعتمد الجند من الملابس العجيبة فى الدولة الماضية، وأن السلطان المنصور أزال أكثرها عن الجند والأمراء؛ [٨٢] ثم لما تولى الأشرف اختار لمماليكه وخاصكيته الملابس الحسنة؛ وغير الكلوتات الصفر والجوخ، وأمر لسائر الأمراء أن يركبوا بين مماليكهم بالكلوتات الزركش والطرازات الزركش والكناش الزركش والأقبية الأطلس حتى يتميز الأمير بلبسه عن غيره، وكذلك فى الملبوس الأبيض الرفيع، والسروج المرصعة الأشرفية والأكوار، وقضى مماليكه وحاشيته فى دولة أستاذهم أيامهم بالهنا والسرور والخيرات فيما بينهم والهبات والتهادى، وكان السلطان شرط عليهم أن لا يبيت أحد منهم فى غير القلعة، وفى النهار يفعل ما يختاره. قال الراوى: وأما سماط الأشرف ومأكله فكان من أفخر الأطعمة وأحسنها وأكثرها.

стр. 1085

قال: وقد خرجت مع والدى صحبة العسكر والسلطان لما خرجوا لقصد فتح قلعة الروم، وكان والدى مع جماعة من المقدمين منهم جمال الدين الطبردار، وركن الدين الكلالى، وبدر الدين الجاكى، وكانوا كل يوم يرسلون إلى مطبخ السلطان عشرين درهما فيأخذون بها أربع خوافق صينية ملآنة من الأطعمة المفتخرة بالقلوبات وغيرها، وفى كل خافقية أكثر من خمسة عشر رطلا من اللحم الهائل أو عشرة أطيار من الدجاج المسمن، وكذلك كثير من الجند والغلمان يشترون من مطابخ الأمراء من أنواع الأطعمة، وكانت الأجناد يتحدثون بكثرة الخيرات حتى أن الغلمان يأبون فى غالب الأوقات أن يأكلوا من أطعمة أستاذيهم لما أنهم يقرفون من كثرة الأكل وكثرة الأطعمة. قال: ورأيت فى هذه السفرة أن أحدا من الأمراء لا يأكل من سماطه حتى يتفقد ما حوله من الغلمان والخدام والحاشية ومن المضافين إليه أو النازلين قريبا منه، فيرسل إليهم من الأكل والشرب والغنم والطيور والسكر والحلوى من الذهب والفضة كل أحد بقدر حاله، وكانوا يتفاخرون بذلك فيما بينهم. وأما مكارم السلطان فلا يحدّ وصفها وقد أنعم على الأمير طقجى فى يوم واحد بمائة ألف دينار، وأمثال ذلك وقعت منه كثيرا.

стр. 1086

ذكر سلطنة بيدرا ولما قتل السلطان على ما ذكرنا، اجتمعت الأمراء الذين قتلوه فى الوطاق، وقرروا بينهم أن تكون السلطنة لبيدرا، وملكوه، ولقبوه الملك القاهر، وقيل: الملك الرحيم (١). ونص بيبرس فى تاريخه أنهم لقبوه بالملك القاهر (٢). وذكر فى نزهة الناظر: أن بيدرا ومن معه لما قتلوا الأشرف باتوا تلك الليلة وهم متحالفون على أن يكونوا يدا واحدة، ولما أصبحوا ركب بيدرا فى دست السلطنة وحوله العسكر والأمراء والشاوشية، ولقب نفسه بالملك العادل، ثم اتفقوا على أن يبادروا نحو القلعة ليملكوها سرعة، فيتم له المنعة، فركبوا، وعند ركوبهم وجدوا الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار أمير جندار، والأمير بدر الدين بيسرى، وكان قد بلغهما الخبر بأمر السلطان، فركبا لكشفه، فوجدوهما فى الطريق فقبضوا عليهما وأخذوا سيوفهما وربطوهما وأركبوهما على البغلين، وأرادوا قتلهما مرارا، فشفع فيهما بعضهم فلم يقتلوهما. وكان فى الدهليز الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وسيف الدين برلغى، وحسام الدين الأستاددار، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى، والمماليك

стр. 1087

السلطانية [٨٣] الذين كانوا متوجهين صحبة السلطان للصيد، فركب الأمراء المذكورون على آثارهم، وكان الأمير زين الدين كتبغا فى الصيد، فبلغه الخبر، فلحقهم، ولحق بهم المماليك الذين كان السلطان قد أعادهم إلى القلعة قبل وقت مقتله، فصاروا كتفا واحدا، وجدوا فى اتباع بيدرا ومن معه من الأمراء، فلحقوهم على الطرانة يوم الخميس الخامس عشر من المحرم، فلما التقى الجمعان أطلق بيدرا الأميرين المذكورين بدر الدين بيسرى وبكتمر السلحدار، ليكونا عونا له. ولما التقى الجمعان، واقتتل الفريقان، تسحب الأمير بدر الدين بيسرى، وسيف الدين بكتمر السلحدار، والأمير سيف الدين بهادر الحاج، وانحاز [عنه (١)] جماعة ممن كانوا قد انضموا إليه، والتف عليه، ولما رأى العربان أن الذين مع بيدرا قد تفللوا وتسللوا، فهربوا هم أيضا، وطلبوا البر، فلم يبق معه إلا نفر يسير، وهاجمهم الأمراء وعاجلوهم، فلم يتمكنوا من مراسلة ولا مخاطبة، فما كان بأسرع من أن صدموهم، وقتل بيدرا لساعته، ولما خر صريعا وثب إليه بكتمر السلحدار سريعا، وبقربطنه، واستخرج كبده، وأخذ منها فلذة وابتلعها حنقا عليه، وحز رأسه، وحمل إلى المدينة على رمح، وطيف به فى القاهرة ومصر، ودفنت جثته بالطرانة، وتمزق من كان وافقه من الأمراء، وتفرقوا فى الأقطار. وأما حسام الدين لاجين، وشمس الدين قراسنقر، فإنهما دخلا القاهرة بغتة، واستترا فيها مدة، وأما من سواهما فكل منهم عمد إلى مكان، واستتر بعضهم فى القاهرة وأطراف البلدان.

стр. 1088

وكان بالقلعة سنجر الشجاعى مقيما فاحترز على المعادى والمعابر، وأمر بأن لا يعدى بأحد من الجند من بر الجيزية. ووصل الأمير زين الدين كتبغا، وركن الدين بيبرس الجاشنكير، وحسام الدين لاجين، وسيف الدين برلغى (١)، والأمراء الخاصكية وهم طقجى وطقطاى وقطبية وغيرهم من المماليك السلطانية، واتفقوا مع علم الدين الشجاعى وقرروا أن تكون السلطنة للملك الناصر محمد بن قلاون، هذا ما ذكره بيبرس فى تاريخه (٢). وفى نزهة الناظر: وحين ركب بيدرا ومن معه، وأراد التوجه إلى المدينة بسرعة، جاءت إليهم العرب، وأخبروهم أن مماليك السلطان الذين رجعهم السلطان مع الطلب إلى المدينة قد بلغهم أن السلطان قتل، وأن الأمراء قد اجتمعوا معهم وهم قاصدون إليكم، وكان الذى أخبرهم بذلك الأمير سنكو الدوادار، وهو من الذين ركب مع السلطان، ورأى قتله، فلم يرجع إلى مخيمه، ولا ألوى على شئ، وساق حتى بلغ الطلب وأمير على قدام الطلب، فأخبرهم بالخبر. وقام قتال السبع، وجمع المماليك السلطانية، وكان الأمير كتبغا، والأمير حسام الدين أستاذدار قريبين منهم، فأرسلوا إليهما من عرفهما بذلك، فجاء إليهم واجتمعوا وتحالفوا، ثم ساروا نحو بيدرا ومن معه. وعند انشقاق الفجر وقعت أعين الطائفتين بعضهم على بعض، وأشار حسام الدين إلى المماليك السلطانية أن يتطوقوا بمناديل بيض حتى يتميز بعضهم من بعض ففعلوا ذلك، وكان لاجين وقراسنقر لما بلغهما خبر هؤلاء الذين مع

стр. 1089

الطلب سيرا من يكشف خبرهم، ويعرفهما من فيهم من الأمراء، وكم عدتهم فحضر وكشف، ثم عاد، وأخبرهما أن سائر المماليك السلطانية، وقتال السبع، وكتبغا، وحسام الدين الأستاذدار، ونحوا من عشرين أميرا من البرجية [٨٤] « ............ » (١)، ولقد علمت من نفسى أنى أنا المطلوب، ومتى سلمت نفسى رأيت ما لا أشتهى، فالموت على ظهر فرسى خير من ذلك، ومن سلم منكم وعاش يكون نظره على أولادى، ثم عطف رأس فرسه وصاح بمماليكه أنه لا يقاتل معى إلا من يموت، ومن اختار الحياة فليرجع، ثم حمل، وحمل معه قراسنقر ولاجين قدامه إلى أن التحم القتال، وبيدرا التقى مع طقجى وأمير عمر فتضاربوا، وضرب كل واحد منهم صاحبه بالسيف، فلم يؤثر، ورمى من ذلك الوقت فرس بيدرا بالنشاب، فجرح إلى الأرض وجلس على الأرض، ودافع عن نفسه إلى أن قتل، وقتل معه من مماليكه نحو إثنى عشر نفرا، وبعد ذلك عادت جماعة من الأمراء الذين كانوا معه إلى طلب السلطان، ثم شرعوا فى قبض مماليك بيدرا، ومن كان معه من المخامرين، وجمعوا أثقالهم وخيلهم، وعادوا بهم إلى القاهرة. ذكر ترجمة بيدرا (٢): كان أصله من جملة المغول الذين وصلوا البلاد من عسكر هلاون، « ......... » (٣). قلت: ولما سير هلاون عسكرا صحبة كتبغا نوين وأمرهم

стр. 1090

بالدخول إلى مصر، فالتقى مع السلطان الملك المظفر قطز على عين جالوت، وانتصر السلطان على ما ذكرناه (١)، وقتل كتبغا، وانهزم المغلية، فلما وصلوا إلى هلاون غضب عليهم، وقال كتبغا مات بيديكم، وسلمتم أنتم، ثم أمرهم بالرجوع إلى الشام، ورسم أن كل من أقام فى الأردو قتل، فرجعوا وعبروا الفرات، ودخلوا إلى حلب، وصاروا يغيرون (٢) على أهل الضياع، فاجتمعت جماعة من أهل حلب مع صاحب حماة، وصاحب حمص، وجماعة من التركمان، فركبوا لهم، والتقوا معهم فى ظاهر حلب، وكسروهم كسرة شنيعة، وأخذوا جميع ما كان معهم، ولم يصل أحد منهم إلى الفرات إلا قتيلا أو غريقا، ونسوانهم جوارى ومماليك، فكان من جملة الأسرى والدة بيدرا، أخذوها وهى حاملة بيدرا على ظهرها فى مهد. قال صاحب النزهة: كما حكاه الأمير علم الدين الدوادارى الصالحى، وأنه قد سير الأسرى وهم جماعة كثيرة إلى مصر فى الدولة الظاهرية، وقال: فيهم والدة بيدرا، وهو معها صغير، وفيهم أيضا كتبغا ولكن كان فى ذلك الوقت مراهقا للبلوغ، ولما حضروا إلى مصر فرقهم السلطان الملك الظاهر، فوقعت والدة بيدرا مع ابنها فى يد قلاون، وأعطى قلاون أم بيدرا المملوكه سنجر الشجاعى، وكبر بيدرا، وكان منه ما كان. قال الراوى: وكثير من الناس يزعمون أن كتبغا وبيدرا أخذا فى نوبة حمص فى دولة [٨٥] الملك المنصور، وهذا غلط، وقد حكى ذلك عن الأمير علم الدوادارى على ما ذكرنا، حدّث عنه جماعة كثيرة بذلك، وصدقه أيضا على
следующие страницы →