ذكر سلطنة بيدرا
ولما قتل السلطان على ما ذكرنا، اجتمعت الأمراء الذين قتلوه فى الوطاق، وقرروا بينهم أن تكون السلطنة لبيدرا، وملكوه، ولقبوه الملك القاهر، وقيل:
الملك الرحيم (١). ونص بيبرس فى تاريخه أنهم لقبوه بالملك القاهر (٢).
وذكر فى نزهة الناظر: أن بيدرا ومن معه لما قتلوا الأشرف باتوا تلك الليلة وهم متحالفون على أن يكونوا يدا واحدة، ولما أصبحوا ركب بيدرا فى دست السلطنة وحوله العسكر والأمراء والشاوشية، ولقب نفسه بالملك العادل، ثم اتفقوا على أن يبادروا نحو القلعة ليملكوها سرعة، فيتم له المنعة، فركبوا، وعند ركوبهم وجدوا الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار أمير جندار، والأمير بدر الدين بيسرى، وكان قد بلغهما الخبر بأمر السلطان، فركبا لكشفه، فوجدوهما فى الطريق فقبضوا عليهما وأخذوا سيوفهما وربطوهما وأركبوهما على البغلين، وأرادوا قتلهما مرارا، فشفع فيهما بعضهم فلم يقتلوهما.
وكان فى الدهليز الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وسيف الدين برلغى، وحسام الدين الأستاددار، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى، والمماليك
стр. 1087
السلطانية [٨٣] الذين كانوا متوجهين صحبة السلطان للصيد، فركب الأمراء المذكورون على آثارهم، وكان الأمير زين الدين كتبغا فى الصيد، فبلغه الخبر، فلحقهم، ولحق بهم المماليك الذين كان السلطان قد أعادهم إلى القلعة قبل وقت مقتله، فصاروا كتفا واحدا، وجدوا فى اتباع بيدرا ومن معه من الأمراء، فلحقوهم على الطرانة يوم الخميس الخامس عشر من المحرم، فلما التقى الجمعان أطلق بيدرا الأميرين المذكورين بدر الدين بيسرى وبكتمر السلحدار، ليكونا عونا له.
ولما التقى الجمعان، واقتتل الفريقان، تسحب الأمير بدر الدين بيسرى، وسيف الدين بكتمر السلحدار، والأمير سيف الدين بهادر الحاج، وانحاز [عنه (١)] جماعة ممن كانوا قد انضموا إليه، والتف عليه، ولما رأى العربان أن الذين مع بيدرا قد تفللوا وتسللوا، فهربوا هم أيضا، وطلبوا البر، فلم يبق معه إلا نفر يسير، وهاجمهم الأمراء وعاجلوهم، فلم يتمكنوا من مراسلة ولا مخاطبة، فما كان بأسرع من أن صدموهم، وقتل بيدرا لساعته، ولما خر صريعا وثب إليه بكتمر السلحدار سريعا، وبقربطنه، واستخرج كبده، وأخذ منها فلذة وابتلعها حنقا عليه، وحز رأسه، وحمل إلى المدينة على رمح، وطيف به فى القاهرة ومصر، ودفنت جثته بالطرانة، وتمزق من كان وافقه من الأمراء، وتفرقوا فى الأقطار.
وأما حسام الدين لاجين، وشمس الدين قراسنقر، فإنهما دخلا القاهرة بغتة، واستترا فيها مدة، وأما من سواهما فكل منهم عمد إلى مكان، واستتر بعضهم فى القاهرة وأطراف البلدان.
стр. 1088
وكان بالقلعة سنجر الشجاعى مقيما فاحترز على المعادى والمعابر، وأمر بأن لا يعدى بأحد من الجند من بر الجيزية.
ووصل الأمير زين الدين كتبغا، وركن الدين بيبرس الجاشنكير، وحسام الدين لاجين، وسيف الدين برلغى (١)، والأمراء الخاصكية وهم طقجى وطقطاى وقطبية وغيرهم من المماليك السلطانية، واتفقوا مع علم الدين الشجاعى وقرروا أن تكون السلطنة للملك الناصر محمد بن قلاون، هذا ما ذكره بيبرس فى تاريخه (٢).
وفى نزهة الناظر: وحين ركب بيدرا ومن معه، وأراد التوجه إلى المدينة بسرعة، جاءت إليهم العرب، وأخبروهم أن مماليك السلطان الذين رجعهم السلطان مع الطلب إلى المدينة قد بلغهم أن السلطان قتل، وأن الأمراء قد اجتمعوا معهم وهم قاصدون إليكم، وكان الذى أخبرهم بذلك الأمير سنكو الدوادار، وهو من الذين ركب مع السلطان، ورأى قتله، فلم يرجع إلى مخيمه، ولا ألوى على شئ، وساق حتى بلغ الطلب وأمير على قدام الطلب، فأخبرهم بالخبر.
وقام قتال السبع، وجمع المماليك السلطانية، وكان الأمير كتبغا، والأمير حسام الدين أستاذدار قريبين منهم، فأرسلوا إليهما من عرفهما بذلك، فجاء إليهم واجتمعوا وتحالفوا، ثم ساروا نحو بيدرا ومن معه.
وعند انشقاق الفجر وقعت أعين الطائفتين بعضهم على بعض، وأشار حسام الدين إلى المماليك السلطانية أن يتطوقوا بمناديل بيض حتى يتميز بعضهم من بعض ففعلوا ذلك، وكان لاجين وقراسنقر لما بلغهما خبر هؤلاء الذين مع
стр. 1089
الطلب سيرا من يكشف خبرهم، ويعرفهما من فيهم من الأمراء، وكم عدتهم فحضر وكشف، ثم عاد، وأخبرهما أن سائر المماليك السلطانية، وقتال السبع، وكتبغا، وحسام الدين الأستاذدار، ونحوا من عشرين أميرا من البرجية [٨٤] « ............ » (١)، ولقد علمت من نفسى أنى أنا المطلوب، ومتى سلمت نفسى رأيت ما لا أشتهى، فالموت على ظهر فرسى خير من ذلك، ومن سلم منكم وعاش يكون نظره على أولادى، ثم عطف رأس فرسه وصاح بمماليكه أنه لا يقاتل معى إلا من يموت، ومن اختار الحياة فليرجع، ثم حمل، وحمل معه قراسنقر ولاجين قدامه إلى أن التحم القتال، وبيدرا التقى مع طقجى وأمير عمر فتضاربوا، وضرب كل واحد منهم صاحبه بالسيف، فلم يؤثر، ورمى من ذلك الوقت فرس بيدرا بالنشاب، فجرح إلى الأرض وجلس على الأرض، ودافع عن نفسه إلى أن قتل، وقتل معه من مماليكه نحو إثنى عشر نفرا، وبعد ذلك عادت جماعة من الأمراء الذين كانوا معه إلى طلب السلطان، ثم شرعوا فى قبض مماليك بيدرا، ومن كان معه من المخامرين، وجمعوا أثقالهم وخيلهم، وعادوا بهم إلى القاهرة.
ذكر ترجمة بيدرا (٢):
كان أصله من جملة المغول الذين وصلوا البلاد من عسكر هلاون، « ......... » (٣). قلت: ولما سير هلاون عسكرا صحبة كتبغا نوين وأمرهم
стр. 1090
بالدخول إلى مصر، فالتقى مع السلطان الملك المظفر قطز على عين جالوت، وانتصر السلطان على ما ذكرناه (١)، وقتل كتبغا، وانهزم المغلية، فلما وصلوا إلى هلاون غضب عليهم، وقال كتبغا مات بيديكم، وسلمتم أنتم، ثم أمرهم بالرجوع إلى الشام، ورسم أن كل من أقام فى الأردو قتل، فرجعوا وعبروا الفرات، ودخلوا إلى حلب، وصاروا يغيرون (٢) على أهل الضياع، فاجتمعت جماعة من أهل حلب مع صاحب حماة، وصاحب حمص، وجماعة من التركمان، فركبوا لهم، والتقوا معهم فى ظاهر حلب، وكسروهم كسرة شنيعة، وأخذوا جميع ما كان معهم، ولم يصل أحد منهم إلى الفرات إلا قتيلا أو غريقا، ونسوانهم جوارى ومماليك، فكان من جملة الأسرى والدة بيدرا، أخذوها وهى حاملة بيدرا على ظهرها فى مهد.
قال صاحب النزهة: كما حكاه الأمير علم الدين الدوادارى الصالحى، وأنه قد سير الأسرى وهم جماعة كثيرة إلى مصر فى الدولة الظاهرية، وقال: فيهم والدة بيدرا، وهو معها صغير، وفيهم أيضا كتبغا ولكن كان فى ذلك الوقت مراهقا للبلوغ، ولما حضروا إلى مصر فرقهم السلطان الملك الظاهر، فوقعت والدة بيدرا مع ابنها فى يد قلاون، وأعطى قلاون أم بيدرا المملوكه سنجر الشجاعى، وكبر بيدرا، وكان منه ما كان.
قال الراوى: وكثير من الناس يزعمون أن كتبغا وبيدرا أخذا فى نوبة حمص فى دولة [٨٥] الملك المنصور، وهذا غلط، وقد حكى ذلك عن الأمير علم الدوادارى على ما ذكرنا، حدّث عنه جماعة كثيرة بذلك، وصدقه أيضا على
стр. 1091
هذا المقول الأمير علم الدين أبو خرص، مملوك الملك المظفر صاحب حماة، وقد سأله الأمير لاجين - وهو نائب الشام بحضور الملك الكامل (١) - عن أمر بيدرا وكتبغا، فذكر مثل الدوادارى فصدقه على قوله.
قال الراوى: وسمعت ذلك من شرف الدين بن الملك المغيث بن الملك الكامل.
وكان بيدرا تقلبت به الأحوال إلى أن صار نائب السلطان الأشرف، وكانت له حرمة كبيرة، ودولة وافرة، وكان مأمون الغائلة، سهل العريكة، حصل للجند فى أيامه خير كثير، ونفقات كثيرة، وأنعم عليهم بإقطاعات وإنعام مع بشاشة وجه، وكان مبدعا فى محاسنه، لطيفا ظريفا، حسن الأخلاق، عذب المنطق، متحليا بصفة الآداب، مشغوفا بالطرب، وجد له فى الحوطة على موجوده ستون جارية، ما فيهن واحدة إلا وقد أتقنت صنعة الطرب من أنواع الملاهى، وكان يخلوبهنّ فى الليل، وكان له نديم أعمى لا يكاد يفارقه، وكان له تولع عظيم بالأطعمة الحسنة والمشارب الطيبة.
قال الراوى: ولم يسمع لنائب قبله ولا بعده، له حوائج خاناه وشراب خاناه مثله، ولقد حكى لى شاهد ديوانه: أن السلطان لما سافر إلى فتح قلعة الروم اختار أن يطعم الأمراء حلاوة سكب، وذلك فى الرمل فى الطريق، وتولى عمل ذلك حسام الدين الاستاذدار، واحتاجوا فى ذلك إلى فستق، فقال:
أبصروا فى حوائج خاناه نائب السلطان، فإنها لا تخلو منه، فأرسلوا وسألوا
стр. 1092
فوجدوا فى حاصله فى ذلك الوقت ثمانية أحمال قلب فستق، وستة أحمال بقشره، فأخذوا منها حمل قلب فستق، فلما فرغوا من عملها جعلوها فى أطباق وصحون وفرقوها على الأمراء.
قال الراوى: ذكر لى أنهم كانوا فى ذلك الوقت فى منزلة الورادة، ولم يوجد بعد وفاته فى تركته شئ كثير، لأنه فرق أكثرها قبل موته، وخلف ثلاثة أولاد ذكور وبنتا واحدة.
قال الراوى: وآخر من بقى من أولاده صلاح الدين، وحضرت يوما عنده، فأخرج محاسبة بين كتبغا وبين ورثة بيدرا - فإن كتبغا ولى النيابة بعده، وأخذ إقطاعه وسائر غلاله وحواصله - تشتمل على ستين ألف أردب غلة ومائتى أردب برسيم، وثلاثمائة وثمانين رأس بقر، وست حجارة معاصير، وأربعة آلاف قطعة قند، واثنى عشر ألف مطر عسل قصب، ومائتى قنطار سكر، وألفى أردب فول، ونحو ثلاثمائة ألف درهم، سوى خيام وسلاح ونحوهما.
قال صلاح الدين: ولم يصل إلى منها شئ يساوى درهما.
ولما قتل بيدرا كان عمره إحدى وأربعين سنة، سامحه الله.
ذكر ما وقع بالمدينة بعد قتل الأشرف:
ولما قتل السلطان، وكان الأمير سيف الدين سنكو الدوادار صحبته، فلما شاهد قتله ركب وساق إلى أن أدرك طلب السلطان وعرفهم بذلك كما ذكرنا، واستمر سائقا بعد ذلك إلى أن دخل المدينة، فوجد الأمير علم الدين الدوادارى فى الصناعة يجهز المراكب، فأخبره بذلك سرا، ثم ركب صحبته إلى القلعة، وكان الشجاعى بها نائب الغيبة، فاجتمعا به، وأخبراه بذلك، فركبوا على الفور
стр. 1093
إلى أن أتوا [٨٦] إلى ساحل النيل، وطلب الشجاعى والى مصر ووالى الصناعة والرؤساء، وأمر بإطلاق النداء على أهل المراكب جميعهم بأن لا يعدوا أحد إلى ذلك البر، فأى من عدّى بمركبه من كبير أو صغير شنق على مركبه، ثم ركبوا فى المركب وجمعوا سائر المراكب من الأعلى إلى الأسفل، ولم يدعوا وجه النيل مركبا إلا وأحضروه إلى ساحل مصر، وكذلك المعادى، وشخاتر الصيادين، ووكل بالساحل من يحفظ ذلك، واتفق وصول طلب السلطان والأمراء الذين كانوا معه بكرة النهار فى ذلك اليوم، ووجدوا سائر المراكب والمعادى فى بر مصر، ولم يجدوا إلى التعدية سبيلا، فاجتمعوا هناك، وخطر لهم أن الشجاعى كان متفقا مع بيدرا على قتل السلطان لأجل ما كان بينهم من المصاهرة، فاقتضى رأيهم أن يسلموا رأس بيدرا لبعض الغلمان ليؤديه إلى الشجاعى حتى يعلم أن هذا كان غريم السلطان وأنه قتل، فأخذه الغلام ووصل به إلى الشجاعى، وهو فى الصناعة والمماليك البرجية حوله، وإلى جانبه الأمير علم الدين الدوادارى، فلما رأى رأس بيدرا بكى وتوجع، ورسم بسير المراكب والمعادى (١).
قال صاحب النزهة: حكى لى الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس (٢) أن علم الدين الدوادارى حكى له فى بعض الأيام، وقد ذكروا قتل الأشرف: أنه عندما وصل رأس بيدرا إلى الشجاعى بكى بكاء كثيرا وتألم كثيرا، وقال: يا أمير علم الدين:
والله لقد كنت أعجب من عقل صاحب هذا الرأس، ولكن إذا أراد الله بإتمام
стр. 1094
قضائه وقدره سلب ذوى العقول عقولهم، والله ليورى هذه النار أثرها حتى لا يبقى لنا أثر، وكان الشجاعى فطنا صاحب ذهن جيد، وكان يروى الشعر الكثير، فقال لى يا أمير علم الدين: كأنى انظر فى هذا الوقت فى قول الرقاشى (١) الشاعر لما قتل الرشيد جعفرا البرمكى: (٢)
ألا إنّ سيفا برمكيا مهندا … أصيب بسيف هاشمى مهنّد
فقل للمطايا قد امنت (٣) … من السرى
وقل للفيافى (٤) فدفدا بعد فدفد
وقل للعطايا بعد فضل تعطلى … وقل للرزايا كل يوم تجدّدى (٥)
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر … ولم تظفرى من بعدها بمسود
ثم ركب وتلقى الأمراء، وتباكوا وتوجعوا، وأخذ الشجاعى يسألهم عن أخبار لاجين وقراسنقر، فعرفوه أنهما لم يعلما من هذا الأمر شيئا: فطلب بعض مماليك بيدرا وسأل منه، فأخبره أنهما كانا مع أستاذه إلى حين حمل بعضهم على بعض، ولم يعلم بعد ذلك ما جرى منهما.
стр. 1095
ذكر سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون
لما كان يوم السبت السادس عشر من المحرم جلس السلطان الملك الناصر فى السلطنة، وكان عمره إذ ذاك ثمان سنين وشهورا (١)، وذلك باتفاق الأمراء الكبار مثل: كتبغا، وبيبرس الجاشنكير، وحسام الدين الأستاذدار، وبرلغى، والشجاعى، وغيرهم من الأمراء الخاصكية مثل: طقجى وطقطاى وقطبية وغيرهم، وتقرر أن يكون الأمير زين الدين كتبغا نائبا، وعلم الدين الشجاعى وزيرا ومدبرا، وركن الدين الجاشنكير أستاذدار، واستقر الحال على هذا النظام (٢).
وقال بيبرس فى تاريخه: وكنا إذ ذلك الوقت قد وصلنا من تجريد حمص صحبة [٨٧] الأمير بدر الدين أمير سلاح، فأنعم السلطان على بمائة فارس وتقدمة ألف، وسلم إلى ديوان الإنشاء والنظر عليه، والحديث فيما يصدر منه ويرد (٣) إليه، وأنفق السلطان فى العساكر، واستحلفوا له فحلفوا، وطلب الأمراء
стр. 1096
الذين طابقوا بيدرا، فوقع منهم أولا بهادر رأس النوبة، وأقوش الموصلى الحاجب، فضربت رقابهما وأحرقت جثتهما (١)، ثم وقع بعدهما طرنطاى الساقى، وأعناق السلحدار، ونوغيه السلحدار وأروس السلحدار، ومحمد خواجا، والطنبغا الجمدار، وآقسنقر الحسامى (٢)، فاعتقلوا بخزانة البنود (٣) أياما، وكان ركن الدين الجاشنكير يتوجه إليهم ويتولى عقابهم وتقريرهم، فلما أقروا بما فعلوا، واعترفوا بأنهم قتلوا، قطعت أيديهم وصلبوا، وطيف بهم على الجمال، وأيديهم التى قطعت فى أعناقهم قد علقت، وماتوا شر ميتة جزاء بما كسبوا، ووقع بعدهم قجقر الساقى، فشنق فى سوق الخيل (٤).
وفى نزهة الناظر: أن السبب لقتل هؤلاء واستعجال الأمراء فى قتلهم أن زوجة السلطان جمعت نوائح كثيرة تنوح على السلطان، فأراد الأمراء منع ذلك، فأبت ودخلت على أم السلطان الناصر فمكنتها من ذلك، فجمعتها وحضرت مع سائر الخدام والجوار ليلة الجمعة إلى تربة السلطان، وحضر فى تلك الليلة سائر الفقهاء والقراء والوعاظ، فقرأوا ختمات عديدة، ولما فرغوا قامت الوعاظ، فتكلم كل واحد بما يناسب ذكره فى ذلك الوقت، وتمثل ابن العنبرى بقول الشاعر:
هدمت صروف الدهر أرفع حائط … ضربت دعائمه على الإسلام
تلك الرزية لارزية مثلها … والقسم ليس كسائر الأقسام
стр. 1097
ثم نعاه وبكى وتباكت الأمراء والفقهاء، وذكر كيف وجد طريحا ملقى، ثم قال:
أبا الفضل لم أعجب لموتك إنه … هو البين لا يبقى عليك مدى الدهر
فوا عجبا للأرض كيف ملكتها … وبت ولم يسترك من دونها بشبر
وحين فرغ هذا الوقت وثبت مائة جارية وثلاثون خادما ومماليك صغار، ومعهم شمع وستون فانوسا بستين شمعة، والجميع لا بسات الجلال، محلولات الشعر، وفى أعناق الكل غبى (١) محرقة، ومعهن جوق من النوائح المختلفة الأصوات، وكل واحدة منهن تنوح بقول مختلف من كلام النساء، فمن ذلك:
جدّدوا همى وأحزانى … يا فرحة الأعداء بسلطان
***
يا ضارب السيف شلت يداك … قد بلغت يمناك منه مناك
لا ماتنى (٢) … ربى حتى أراك
قد سمروا عينيك هذا جزاك
***
وأشياء كثيرة من هذا القبيل.
فأقمن ست ليال، كل ليلة من العشاء إلى السحر إلى أن أقلقت الناس، وأبكت العيون، وأوجعت القلوب، والتزمت زوجة الأشرف أن لا تنفك [من (٣)] حزنها ولا تترك ما هى فيه من هذا الأمر حتى ترى قاتل الأشرف والموافق عليه
стр. 1098
مسمرا مشهورا، فعند ذلك ثارت المماليك الأشرفية واجتمعوا بالشجاعى، وبكوا بين يديه، وقالوا: نحن نموت كلنا وإلا مكنونا [٨٨] من قاتل أستاذنا، وكانوا قد قبضوا على جماعة من الخاصكية الذين اتفقوا مع بيدرا ورسموا بحبسهم، وكانوا أخروا أمرهم إلى أن يتفقوا على أمر يفعل فيهم.
فنهض الشجاعى ومعه جماعة من المماليك الأشرفية، فدخلوا على كتبغا لينظر فى أمر هؤلاء، فرأوه جالسا فى الشباك والأمراء حوله، فقاموا له وشرعوا فى الحديث؛ وهم فى ذلك فإذا بالأميرين بهادر رأس نوبة والأمير جمال الدين أقوش الموصلى الحاجب قد حضرا، وكانا من جملد الأمراء المتفقين مع بيدرا، فحين وقع نظر المماليك الأشرفية عليهما سلّوا سيوفهم وضربوا رقبة الإثنين فى أسرع من لمح البصر، ولما رأى كتبغا والأمراء ذلك خشوا من الفتنة، واتفقوا على قتل الأمراء الذين فى السجن وإشهارهم إطفاء لنيران الفتنة.
فطلبوا متولى القاهرة فأحضرهم من السجن، ونزل الشجاعى والمماليك الأشرفية صحبته إلى باب السلسلة، وأوقفوهم عند باب السلسلة، وأحضروا قرمة وساطورا، وجعل الوالى يحضر أميرا بعد أمير ويقطع يده على القرمة بضربة واحدة يفصلها من المعصم، فلما فرغوا من ذلك أركبوهم على الجمال وسمروهم تسمير الهلاك، وعلقوا يد كل واحد فى عنقه.
وركب فى ذلك اليوم كتبغا والأمراء إلى جانبه يشاهدون هؤلاء، وهم على هذه الحالة مسّمرون، وعليهم أقبيتهم الأطلس وكلوتاتهم الزركش وأخفافهم البرغالى وشقوا بهم فى وسط الموكب، وصاروا طالعين بهم وراجعين والمشاعلية تنادى عليهم: هذا جزاء من يخون أستاذه ويتجاسر على قتل الملوك وأقل جزائه، ورسموا أن يطاف بهم مصر والقاهرة.
стр. 1099
ونظرت الناس إلى تلك الشمائل الحسنة، والوجوه الجميلة، ويد كل واحد على صدره تشجب دما، وتباكت الناس، وانفجعت القلوب، وكان يوما عظيما.
واتفق فى يوم دخولهم المدينة سألت زوجة الأمير نغيه بعض خدامها أن تقف فى مكان تنظر منه إلى زوجها قبل الموت، فطلع بها على بيت فى الشرابشيين فحين وقع نظرها على زوجها مسمرا أرمت نفسها من باب الطاق لتقع عليه، فلطف الله بعثرتها أن وقعت على سقف الدكاكين، وتباكت الخلائق لأجلها، وتألموا كثيرا، وحملوها إلى منزلها (١).
وبلغ خبرها إلى الأمير بدر الدين أمير سلاح، فتوجع لها، وركب إلى القلعة، واجتمع بكتبغا النائب والأمراء وشفع فى نزولهم من الجمال ويموتون فى بيوتهم، فقبلوا سؤاله، ورسموا للوالى (٢) بتنزيلهم وتسليمهم لأهلهم، وكان ذلك وقت الظهر، فحمل كل منهم إلى أهله، وما لحقوا أن يقعدوا ساعة حتى بلغ المماليك الأشرفية أمرهم، فاجتمعوا عند الشجاعى فى محفل كبير، وقالوا:
متى ما لم يعد هؤلاء إلى التسمير مثل ما كانوا ما نسكت، وقصدوا إقامة الفتنة، ورأى كتبغا هذه الحالة فبرّأ نفسه، فقال: دونكم وإياهم، فأنا ما أدخل بينهم فعند ذلك ركبوا ونزلوا، فأخذوا كل واحد من منزله، وأعادوهم إلى الأخشاب والتسمير، وشقوا بهم المدينة.
فكانت تلك الإعادة أمرّ عليهم وأصعب مما وجدوه فى أول الشدة، وبقيت معهم طائفة من الأشرفية إلى أن وصلوا بهم [٨٩] إلى ظاهر القاهرة وإلى
стр. 1100
ظاهر مصر، فاستمروا على هذه الحالة يومين آخرين، ثم توفوا إلى رحمة الله.
وكانت عدتهم سبع أمراء وهم: طرنطاى الساقى، وعناق السلحدار (١)، ونغيه (٢) السلحدار، وأروس السلحدار، وطنبغا الجمدار، وآقسنقر الحسامى، ومحمد خواجا.
وبعد هؤلاء قبضوا على الأمير قجقار الساقى؛ وكان قد هرب من يوم الوقعة واختفى، وشنقوه فى سوق الخيل.
فالكل عشرة أنفس مع بهادر رأس نوبة والموصلى، فنعوذ بالله من زلة القدم، وزوال النعم، وحلول النقم.
ذكر وقعة الوزير ابن سلعوس:
هو الوزير الكبير شمس الدين محمد (٣) بن عثمان بن أبى الرجا التنوخى، المعروف بابن سلعوس، وزير الملك الأشرف، كان هو من جملة الأسباب المؤدية إلى وقوع هذه الفتن، لأنه كان بينه وبين الأمير بيدرا فى الباطن إحن وعداوة - على ما ذكرنا - حتى أدّى ذلك إلى ما حصل من بيدرا من ركوبه على الملك الأشرف وقتله إياه.
стр. 1101
ولما جرى ما ذكرناه على الأمراء الذين ذكرناهم مسك الشجاعى الوزير المذكور، وضربوه وعاقبوه (١)، فمات تحت الضرب الذى جاوز ألف مقرعة، وذلك فى عاشر (٢) صفر من هذه السنة، ودفن بالقرافة.
وقيل: إنه نقل إلى الشام بعد ذلك، واستصفوا أمواله وذخائره.
وفى تاريخ ابن كثير: وكان الذى حمل من جهته خمسمائة ألف درهم (٣).
وفى نزهة الناظر: وكان الوزير فى الإسكندرية يوم قتل السلطان، وكان قد طلب سائر التجار وأرباب الأموال والمكارم وشرع فى مصادرتهم وإهانتهم فكثر الظلم والعسف عليهم بسبب هذا، وطلب والى الإسكندرية بدر الدين الجاكى، وكان رجلا ذا دين ومروءة، فرسم عليه وأخذ سيفه وأمر بأن يؤخذ منه مبلغ ألفى دينار، وبقيت الإسكندرية فى بكاء وعزاء.
وفى ذلك اليوم بعد العصر وقعت بطاقة، فأحضرها البراج للمتولى (٤) فأخذها وقرأها، فوجدها من تروجة وقد كتبت عن بيدرا: سرح الطائر الميمون يوم السبت وقت العصر الثانى عشر من المحرم يأمر بالقبض على الوزير، وأن السلطان قتل، وتسلطن بيدرا.
فلما وقف حمد الله تعالى فى نفسه، ولم يظهر ذلك لأحد، ونهض من دار الولاية ووسطه مشدود بمنديل إلى أن وصل إلى باب الوزير، فوجد المقدم
стр. 1102
ينتظره، وقال يا أمير: مالك؟ كمّلت حملك؟ قال له: بقى ثمان مائة دينار ولكن لى شغل عند مولانا الوزير، فاستأذن علىّ، فأرسل خادما من الخدام، فشاور عليه، فخرجت الرسالة للمقدم: متى لم يكمل الليلة ألف دينار، عرّه واضربه بالمقارع، فقال المقدم: يا أمير سمعت الجواب. فقال: مرسوم الصاحب على الرأس، فاليوم يكمل إن شاء الله، ولكن عرّفه أن ثمة شغلا ضروريا؛ فلا بد من الاجتماع به والمشاورة عليه، فدخل الخادم فعرفه بذلك، فأذن له، فدخل فوجده جالسا بعجب وعظمة والموكبية تعد قدامه. فقال:
كملت الحمل؟. فقال: نعم يا مولانا. فقال: ما تريد وأى شئ تشاور؟ فقدم له البطاقة من جيبه وناولها إياه، فقرأ أولها وبهت فيها إلى أن استكملها، ثم رفع رأسه فقال: يا بدر الدين: ما بقى إلا مروءتك وفتوتك فى هذا الوقت.
فقال له: ما عندى شئ يشوش عليك ولكن متى قعدت الليلة ويصبح أهل البلد [٩٠] ويطلعون على الأمر، ما يخلون يصل على الأرض من دمك قطرة.
فنهض على الفور صحبته إلى أن أخرجه فى الليل من باب الإسكندرية، وأشاع أن السلطان سيّر بطلبه، فخرج معه شخص من الدماشقة وكان يصحبه، فأخفى نفسه إلى أن وصل إلى زاوية الشيخ ابن عبد الظاهر (١) خارج باب البحر، فقال له يا مولانا الصاحب: أنا أشير عليك بأن تخفى نفسك من هاهنا أياما إلى أن تنظر بعد ذلك ما يتفق للناس، ثم تتحيل لخلاص نفسك، فالتفت إليه
стр. 1103
كالمغضب وقال: ما تستحى؟ تشير على برأى العوام، إش هذا الرأى الفاسد؟ والله لو فعل هذا بعض العمال الذى تحت يدنا لقبحنا ذلك منه، فكيف يليق بى أن أفعل ذلك، فكأنك تعتقد أنهم ما هم محتاجون إلى تدبيرنا لدولتهم، وما لهم غنى عنا، فسكت الرجل وتمثل بقول الشاعر:
لكل داء دواء يستطبّ به … إلا الحماقة أعيت من يداويها
ثم إن الوزير وصل إلى القاهرة ودخلها بالليل (١)، فنزل بداره بحارة زويلة، فبلغ الشجاعى حضوره، فعرفه لزين الدين كتبغا، فرسم بطلبه، فطلب الشجاعى الحاجب فقال له: انزل إلى الوزير وقل له: يا مولانا الصاحب إن الأمراء يسلمون عليك ويسألونك أن تركب إليهم، فإن الدولة محتاجة إلى تدبيرك، فنزل الحاجب إلى داره، واستأذن فأذن له، فدخل عليه وسلم بأدب، وعرفه بما قالوا له، فأعجبته نفسه، وقال: بسم الله اجلس حتى تحضر الجماعة، فسيّر إلى الكتاب والمباشرين، فعرفهم أنه طلب للوزارة، فركب إليه الناس وسائر الدواوين والمشدين، فاجتمع خلق كثير، وحضرت القضاة أيضا.
فركب فى موكب عظيم كما كان بعهده إلى أن وصل إلى القلعة، فدخل على الشجاعى فنهض إليه، وقال: كيف حال مولانا الصاحب؟ فقال: بخير.
فقال السلطان: ولدك رسم أن تستقر على وزارتك وتدبير الدولة. فقال: حتى نجتمع بالسلطان ونذكر له شروطا نقررها بين يديه. فقال له: بسم الله والسلطان
стр. 1104
أيضا له شروط، أولها: أنه يطلب منك أن تنفق على العسكر لأنه سلطان جديد، فإذا كملت النفقة تجتمع به، ثم التفت إلى قراقوش الظاهرى (١) - الذى ذكرنا قضيته وما جرى عليه معه من المصادرة (٢) - وقول قراقوش له: ويلك هل أنت إلا المقوقز الذى أخربت مصر وقتله الوزير بعد ذلك بالمقارع. فقال له: يا أمير بهاء الدين، تسلّم غريمك وخلص منه مال السلطان.
فأخذه أشدّ أخذ، ففى تلك الساعة خرجت تلك الحماقة من رأسه من قوة الصفع بالأيدى، وانقلب ذلك الموكب الذى طلع فيه إلى القلعة إلى الذلة والهوان فخرجوا به، وبلغ ذلك إلى كتبغا وأنه تسلمه قراقوش، فعلم أن نقلته فى ليلته ويروح ماله، فرسم كتبغا أن يتسلمه الأمير بدر الدين المسعودى مشدّ الدواوين، فأحضروه إليه، وصحبته تقى الدين الأعمى الذى كان نديم بيدرا الذى لا يكاد يفارقه ويجلس معه عند جواريه ومغانيه كما ذكرناه، وكان له فضيلة وشعر وحكايات، وحصل له جملة مال من قضاء أشغال الناس وحوائجهم عند بيدرا، ووجد له مال كثير، وفى جملته نحو من ثمان مائة خاتم ما بين ساذح وبفص، فإنه كان إذا ركب أو مشى وسلم [٩١] خلفه أحد بمشعل أو غيره، فيمدّ يده إليه فيصافحه ويجس يده، فأىّ خاتم وجده فى يده أخذه، ولو كان أىّ خاتم كان، وفى يد أىّ من كان، ثم إن المشدّ يحضر الوزير ويعاقبه، ومسكوا أيضا جميع من كان يلوذ به من الدماشقة والمصريين وغيرهم إلى أن حصل من جهتهم أربعمائة ألف درهم بعد قتلهم بالمقارع.
стр. 1105
وقبضوا أيضا على يعقوب المقدم وولده، وكان هذا مقدم نائب بيدرا ومقدم دولته، فأحضره المسعودى لعقوبة الوزير، وكان الشجاعى يكرهه، فبلغه عنه أنه يعاقب الناس، فسير إلى المشد وأمره بالقبض عليه وعقوبته، وكان ذلك فى مدرسة الصاحب بن شكر (١)، فاتفق حضور الرسالة ويعقوب قد ضرب الوزير ست مقارع، فقبض عليه للوقت، وطلب ولده أيضا، فحضر وأقاما فى العقوبة تسعة أيام، وكانت آجالهم متقاربة.
وكانوا قد كتبوا أيضا إلى نائب دمشق بالحوطة على جميع آكام ابن سلعوس الوزير وأهله ومن يعلمون أنه من جهته، فقبض على جماعة كثيرة من الدماشقة، وحصل منهم نحو مائتى ألف درهم سوى الأملاك والعقارات، ولم يسلم من ألزامه ومن كان خصيصا به غير رجل واحد، وذلك أن الوزير لما قوى أمره سير إلى الشام فاستدعى أهله وألزامه فكلهم أجابوه إلا هذا الرجل (٢)، فلم يجبه، فكتب إليه يعتذر عن الحضور ويحذره من الشجاعى فقال:
توقّ (٣) … يا وزير الملك واعلم
بأنك قد وطئت على الأفاعى
«وعش ما عشت فى دعة» (٤) … أخاف عليك من نهش الشجاعى
стр. 1106
فبلغت الأبيات إلى الشجاعى، فكان يتذاكرها إلى هذا الوقت الذى رسم بطلب ألزامه وأهله واستثنى هذا الرجل، فكتب بالوصية له وعدم التعارض إليه، فوقع الأمر كما قال الرجل، فإنه مات من نهش الشجاعى الذى لم يجد له ترياقا.
وقال ابن كثير: وكان ابتداء أمر الوزير ابن سلعوس تاجرا، ثم ولى الحسبة بدمشق بسفارة الصاحب تقى الدين توبة (١)، ثم كان يعامل الملك الأشرف قبل السلطنة، فلما تملك (٢) بعد أبيه استدعاه من الحج وولاّه الوزارة، فكان يتعاظم على أكابر الأمراء ويسميهم بأسمائهم ولا يقوم لهم، فلما قتلوا الأشرف تسلموه بالضرب والإهانة وأخذ الأموال حتى أعدموه حياته وصبّروه، وأسكنوه الثرى بعد أن كان عند نفسه قد بلغ (٣) الثريا.
стр. 1107
ذكر قضية الأمير علم الدين سنجر الشجاعى (١):
قد ذكرنا أنه لما قتل الأشرف كان سنجر الشجاعى مقيما فى القلعة، ولما عاد زين الدين كتبغا والأمراء المذكورون تقرر الحال على أن يكون الشجاعى محكما فى الوزارة، فتحدث فيها ونفذ أمره.
فلما كان فى شهر صفر من هذه السنة خرج الأمراء من بيوتهم فى يوم موكب (٢)، وجلسوا على باب القلة كالعادة ينتظرون فتوح باب القلعة ليركبوا الموكب فى خدمة الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، فلم يشعروا إلا وخرجت رساله على لسان أمير جاندار بطلب أقوام معينين إلى السلطان، وهم: سيف الدين قفجاق (٣)، وبدر الدين عبد الله السلحدار، وسيف الدين قبلاى (٤)، وركن الدين عمر أخو تمر، وسيف الدين كرجى، وسيف الدين طرقجى، (٥) [٩٢] فدخلوا، وقام الأمراء للركوب.
стр. 1108
ولم يعلم الأمير زين الدين بما تم لهم، فبينما هم يسيرون تحت القلعة إذ جاء اثنان من ألزام علم الدين الشجاعى، وهما: سيف الدين قنغر (١) وجاورشى (٢) ولده، وكانا فى خدمته منذ كان نائب السلطنة بدمشق، فأخبر الأمير كتبغا أن الأمراء الذين استدعوا إلى داخل سحرا (٣) قد اعتقلوا، وأن الشجاعى قد دبر الحيلة عليك وعلى الأمراء إذا طلعتم إلى القلعة «ودخلتم إلى الخوان (٤)» أن يقبض عليكم أيضا، كما فعل بالذين قبض عليهم سحرا.
فاستدعى كتبغا الأمراء الذين فى الموكب، وعرفهم الصورة وهو واقف على سفح سوق الخيل، فتوقفوا عن الطلوع إلى القلعة، وتوهموا أن الشجاعى اتفق على ذلك مع الأمراء المنصورية والمماليك السلطانية، وكان بالموكب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير سيف الدين برلغى أمير مجلس فأمسكوهما فى موقفهما رجما بكواذب الظنون، وركونا إلى ما فعله الواشون، وأرسلوهما إلى الإسكندرية، فاعتقلا بها إلى أن علم براءتهما، ففرج عنهما، ورفع قدرهما، وكان ما سنذكره منهما.
وعند إمساكهما حصل التجاذب فى الكلام بين بعض القوم اللائذين بالأمير كتبغا وبين سنجر البندقدارى (٥)، فجرد سيفه، فقتل على مكانته بسوق الخيل (٦).
стр. 1109
وتوجه كتبغا ومن معه من الأمراء إلى الباب المحروق وخرجوا منه، ونزلوا ظاهر السور، وأمروا مماليكهم وأجنادهم وألزامهم بأن يلبسوا عددهم ويجتمعوا حولهم، وأرسل كتبغا النقباء إلى الحلقة والمقدمين، فأحضروهم أجمعين.
وأرسل [إلى] (١) السلطان (١) فى طلب علم الدين الشجاعى وقال له: إن هذا قد انفرد برأيه فى القبض على الأمراء، وبلغنا عنه ما أنكرناه، ونختار حضوره ليحاقق عن نفسه، ويوضح لنا باطن أمره، فامتنع عن الحضور إليهم.
ثم إن السلطان طلع إلى البرج الأحمر وتراءى للأمراء، فقبلوا الأرض من مواقفهم وقالوا له: نحن مماليك السلطان ولم نخلع يدا عن طاعته، ولا لنا قصد إلا فى حفظ نظام دولته، وإزالة الفساد عن مملكته، وهذا الشخص قد أحدث حدثا رديئا، يفرق الكلمة، ويخرق الحرمة، ولا بدلنا منه.
ثم إنهم حاصروه سبعة أيام، فكان ينزل إليهم، ومعه طائفة من الأمراء الذين أقاموا معه بالقلعة وهم: سيف الدين بكتمر، وسيف الدين طقجى (٢) ومن يلوذ به من المماليك لا بسين، ويتناوشون القتال، فلما رأى الذين معه أنه لم يغن شيئا تركوه وفارقوه، وصاروا ينزلون عشرة بعد عشرة ويلحقون بالأمير كتبغا، ومن معه من الأمراء الكبار، كالأمير بدر الدين بيبسرى، وبدر الدين
стр. 1110
أمير سلاح، وعلم الدين طردج وغيرهم.
ولما تحقق علم الدين الشجاعى خمود ناره، وخمود أعوانه، خرج بنفسه وكر على الأمراء فما أغنت كرته (١)، ففر عائدا، وبالقلعة لائذا، وقال: إن كنت أنا الغريم المطلوب وقد طلبونى بهذه الذنوب، فأنا أصير إلى الحبس طوعا منى، [وأبرأ مما قيل عنى] (٢) وحضر إلى باب الستارة السلطانية وحل سيفه بيده، وذهب نحو الحوش (٣)، فوثب عليه مماليك الأمير أقوش السلحدار وسيف الدين صمغار، وكانا قد مضيا به نحو البرج الجوانى ليحبساه، فضربوه بالسيوف وحزوا رأسه، وأرسلوها إلى [٩٣] الأمراء (٤)، فطيف بها القاهرة ومصر وضواحيهما (٥).
وجرت المراسلات بين الأمير كتبغا والأمراء وبين السلطان؛ وتقررت الأيمان والعهود، وتأكدت، ثم طلعوا إلى القلعة وأشار الأمير كتبغا بالنفقة، فأنفق فى العساكر قاطبة نفقة شاملة، وأصلح الأمراء والمقدمون بالزيادات والإقطاعات، وترتب النظام، وأنزل من كان فى الأبراج والطباق من المماليك الذين اتهموا بإنشاء الشقاق، فأسكنت طائفة منهم فى مناظر الكبش (٦)، وطائفة
стр. 1111
فى دار الوزارة، وطائفة فى مناظر الميدان الصالحى (١) والظاهرى، واعتقلت منهم جماعة بعد اعترافهم بما قيل عنهم (٢).
«وذكر فى بعض التواريخ أن هؤلاء المماليك كانوا ثمانية آلاف وخمسمائة مملوك، منهم أربعة آلاف مملوك وسبعمائة مملوك أنزلوهم بخدامهم وبابيتهم إلى مناظر الكبش، وإلى قاعات دور الوزارة ألفين وأربعمائة مملوك، وإلى أبراج باب زوبلة ألفا وأربعمائة مملوك، وزادوا فى رواتبهم حتى لا يتحركوا ولا يفسدوا (٣)».
وفيها (٤) كان ظهور الأميرين شمس الدين قراسنقر وحسام الدين لاجين المنصورى من الاستتار، وقد ذكرنا أنه لما جرى لبيدرا ما جرى، انهزما إلى القاهرة وأقاما بها مختفين، ثم أعلما مملوكا من مماليك زين الدين كتبغا يسمى بتخاص (٥) بأمرهما، وأطلعاه على موضعهما، فأطلع مخدومه على ذلك، فتلطف لهما مع السلطان إلى أن سمح لهما بالأمان، فظهرا ومثلا بين يديه، وقبلا الأرض لديه، فرضى عنهما، وعفا عن السالف من دينهما، وأمر لكل واحد منهما بإمرة، وعادا إلى أحسن ما كانا (٦).
стр. 1112
وفى نزهة الناظر: وكان هذان الأميران متفقين مع بيدرا على قتل الأشرف، ولما رأيا جيشا عظيما وراء بيدرا طلبا طريق النجاة، فسبق كل واحد منهما إلى الساحل فى آخر الليل، فوجدا جميع المراكب والمعادى فى ساحل مصر، فأرسلا وكبدار لاجين إلى مصر، فخلع ثيابه وسابح البحر إلى جانب مصر، وجاء إلى بعض المعادى، واجتمع بصاحب المعدية فوعده بألف دينار، فخاطر صاحب المعدية بنفسه، وعدّى بهما إلى بر مصر. وكان معهما بعض الفضة فأعطياه إياها، وأودعا عنده كلوتاة زركش وحياصة ذهب - وقالا له: خلّ هذه عندك رهنا إلى أن يحضر إليك هذا الغلام بالذهب فيأخذها.
ولما استقرا فى بر مصر تفرقا وأخذ كل منهما فى جهة.
وكان مع لاجين مملوك يسمى بهادر، ومع قراسنقر مملوك يسمى صمغار - وهو الحاكى لهذا التاريخ.
ولما تفرقا دخل قراسنقر المدينة، وراح لاجين إلى جامع ابن طولون، فاختفى فى بعض زواياه الخراب، وأقام يتنقل من مكان إلى مكان فى الجامع، وقد نذر فى ذلك الوقت على نفسه إن ستره الله تعالى، وسلمت نفسه عمّر الجامع وجدّده، ورتب له أوقافا تقوم بوظائفه. ثم خرج منه إلى القرافة الكبيرة، وكان يأوى فى بعض الترب المهجورة ويبيت فيها، ثم أتى إلى زاوية ابن عبود واختفى فيها.
وأما قراسنقر فإنه لما فارق لاجين دخل المدينة، فكان ينتقل من بيت إلى بيت إلى أن سكنت الفتنة.
стр. 1113
وعلم كل منهما موضع صاحبه، فتراسلا على الاجتماع، وحمل لاجين فى داخل صندوق على رأس حمال إلى حارة بهاء الدين، واجتمع هو وقراسنقر، واتفق رأيهما أن يبعثا مالا لبتخاص والأزرق مملوكى كتبغا ليتوسطا عند أستاذهما فى أمرهما، ويصلحا مضيهما.
وكان كتبغا يعز لاجين وقراسنقر، ولم يمعن فى طلبهما، وكلما كان الشجاعى يتحدث فى أمرهما كان كتبغا يسكته، فلما عرف المملوكين أمرهما لكتبغا، قال لهما: قولا لهما فليصبرا، ولا يكون إلا خيرا، فبقيا على هذه الكلمة إلى شهر رمضان، وفى العشر الأخير منه أرسل كتبغا يعرفهما بأن يدخلا على الأمير بدر الدين أمير سلاح [٩٤] فدخلا عليه بليل، وبكيا بين يديه، وسألاه أن يشفع عند السلطان فى أمرهما، وأنهما ما لهما يد فى جميع الذى وقع لأنه من رأى بيدرا، فلما سمع أمير سلاح حديثهما، وعدهما بخير. ثم إنه لما طلع إلى القلعة اجتمع كتبغا والبيسرى وبكتمر السلحدار وحسام الدين الأستاذدار وتحدثوا فى أمرهما، وطلبوا أمير سلاح، وسألوه أن يوافقهم على ذلك.
فدخلوا على السلطان، وتقدم كتبغا وعرف السلطان أن الأمراء يشفعون فى الأميرين لاجين وسنقر، وأنهما من أكابر مماليك الملك الشهيد والد مولانا السلطان، أحدهما كان نائب الشام، والآخر كان نائب حلب، وأخذ أمير سلاح يعظم أمرهما، فقال السلطان: يا أمير هؤلاء هم الذين قتلوا أخى، فقال كتبغا: يا خوند، كذب أعداؤهما عليهما، والذى تحققنا منه يبرئهم، وأشهد لهم (١)، وفى بقاء هذين الأميرين نفع عظيم للمسلمين فلهما اسم كبير فى بلاد العدو، ونهض الأمراء فنهضوا كلهم، وقبلوا الأرض بين يديه، فأجابهم.
стр. 1114
وفى اليوم الثانى، وهو يوم الموكب، طلع الأمير [بدر الدين أمير] (١) سلاح ولاجين فى جانب وقراسنقر فى جانب (٢).
ثم أمر السلطان بأن يخلع عليهما، فخلع عليهما ونزلا صحبة أمير سلاح، وحصل فى نفوس المماليك من ذلك شئ عظيم، « ......... » (٣) حتى أنهم قرروا أن يهجموا على كتبغا فى الموكب، ويقتلوه فعلم بالخبر، وبطل الركوب، وجمع الأمراء وأخبرهم بذلك، ثم اتفق رأيهم على أن يعرضوا المماليك وينزلوا منهم إلى المدينة من كان متصديا لإقامة الفتنة، فطلبوا الشجاعى (٤) ومقدم المماليك، و « ......... » (٥) المقدم المماليك، وكان للأمراء ونائب السلطان قد طلبوهم، فلما جاء ثلاثتهم، وعرفهم بذلك (٦).
وحلف لهم أنهم ما طلبوكم إلا فى ذلك، وما عليكم تشويش، وعند ذلك نزلوا أولا فأولا، وعرضوا مقام النائب والأمراء، وهم ينزلون طائفة منهم « ......... » (٧) إلى أن صاروا نحو سبعمائة مملوك من الذين يخشى عاقبتهم، فأنزلوهم إلى المدينة، وأسكنوا نصفهم فى المناظر المطلة على بركة الفيل، وهى
стр. 1115
التى كانت منزل صاحب حماة إذا حضر إلى مصر؛ والنصف الآخر أنزلوهم فى دار الوزارة الأيوبية، مقابل سعيد السعداء والتى سكنها الملوك من بنى أيوب، وكانوا إذا سلطنوا سلطانا، أو وزّروا وزيرا، أو أمرّوا أميرا يكون من ذلك المكان، ثم رتبوا لهم رواتب وسائر ما يحتاجون إليه، ثم رسموا لأمير آخور و « ..... » (١) مقدم الجوق [٩٥] ورسموا لهم أن لا يشدوا لأحد منهم فرسا إلا بعد المشاورة لنائب السلطان، فمن خالف ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه.
ذكر الإفراج عن الأمير عز الدين الأفرم:
ومن معه من الأمراء المحبوسين، وهم: الأمير سيف الدين قفجاق المنصورى، والأمير بدر الدين عبد الله السلحدار، والأمير سيف الدين بيليه، وركن الدين عمر أخ الأمير تمر، والأمير سيف الدين كرجى، والأمير سيف الدين طرقجى، وكانوا كلهم جنسا واحدا من جنس كتبغا وهو جنس المغول، وكان الشجاعى هو السبب فى مسكهم لأنه كان يبغض كتبغا، وكان هؤلاء يميلون إلى كتبغا لأن الجنسية علة الضم، وكان الشجاعى متفقا مع المماليك الأشرفية على أن يقبضوا على كتبغا ومماليكه، وعلى لاجين وقراسنقر، ولم يتفق لهم ذلك.
ولما نزل كتبغا عن الموكب عقيب اتفافهم دخل الشجاعى إلى السلطان وصحبته البرجية وقبض على الأمراء المذكورين، ثم لما جرى مما ذكرنا على الشجاعى دخل كتبغا والأمراء على السلطان على أن يفرج عن هؤلاء، وقدم
стр. 1116
يذكر الأفرم، وقال يا خوند: هذا الرجل من أكابر الأمراء الصالحية، وهو خشداش الشهيد الملك المنصور والد مولانا السلطان، وله شهرة بالشجاعة والرأى والتدبير، فعند ذلك أمر بإخراجه، فتبادرت الأمراء إلى السجن، فأخرجوه ومشوا فى خدمته إلى أن خلع عليه السلطان وأكرمه إكراما عظيما، ثم أخرج بقية الأمراء.
ثم أن كتبغا لما عاد إلى مجلس النيابة قبض على الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وسيف الدين برلغى الأشرفى، والأمير بورى السلحدار، واللقمانى، والأمير مغلطاى المنصورى، والأمير قرمحى، وجماعة آخرين ممن كانوا يعلمون أنهم من البرجيه والأشرفية، فقيدوهم وسفروهم إلى إسكندرية، وكان ذلك فى العشر الأخير من صفر من هذه السنة.
ذكر عود القاضى تقى الدين بن بنت الأعز إلى القضاء:
وقد تقدم ذكر عزله، وما اتفق له بعد ذلك مع الوزير ابن سلعوس، وكان قد تولى عوضه بدر الدين بن جماعة، وبقى تقى الدين بطالا، ولما قرب أوان الحج قصد الحجاز وقضى أمره إلى [أن] (١) أتى مدينة النبى ﷺ ، وكان قد سبق من مكة بأيام، وأقام فى الحجرة النبوية، وقد صنف قصيدة مدح فيها النبى ﵇ والتزم أن لا ينشدها إلا وهو واقف على باب الحجرة مكشوف الرأس، وكان ينشدها ويكثر الاستعانة على من ظلمه والتزم أن لا يرجع حتى يسمع بما يسره، ويعلم أن حاجته قد قضيت، وهى قصيدة طويلة منها قوله:
стр. 1117
يا أكرم الثقلين بل يا سيّد الكونين … دعوة موقن بك مهتدى
إنى بلغت القوم خير وسيلة … يدنو بها منّى مناى ومقصدى
إذ جئت نحوك زائرا ومسلما … ووقفت وقفة سائل مسترفد
وهى نحو مائة بيت، ولم يزل ينشدها ويستغيث إلى أن رأى فى نومه أن حاجته قضيت؛ فركب مع الركب، وعند وصوله العقبة حضر من عرّفه بقتل السلطان الأشرف وابن سلعوس الوزير وتغيير الدولة وسلطنة الملك الناصر، فلما وصل إلى مصر تكلمت الأمراء مع السلطان [٩٦] فى عوده إلى القضاء، فولاه (١) ونقل بدر الدين بن جماعة إلى ولاية القضاء بدمشق.
قال صاحب النزهة: أخبرنى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس أنه يوم تولى كان يوما مشهودا، وأنه دخل للسلام عليه فسمعه يتمثل بقول الشاعر:
وكانت لنا جيرة صالحون … وجيران سوء فما خلّدوا
أديرت على الكل كأس المنون … فمات الصديق ومات العدو
ذكر تولية الوزير تاج الدين بن حنا:
وفى صفر بعد موت الوزير ابن سلعوس اقتضى رأى الأمراء مع السلطان على وزير يدبر الدولة بعد الشجاعى، فاتفق رأيهم على الصاحب تاج الدين بن حنا، فطلب إلى مجلس السلطان وسألته الأمراء، فتمنع، فلم يقبلوا تمنعه، وخلع عليه وباشر الوزارة.
стр. 1118
وولى النظر فخر الدين بن الخليلى، وتاج الدين بن السنهورى.
وعزل علم الدين الصوابى الجاشنكير من لاية القاهرة، وتولاها الأمير شمس الدين ابن أمير جندار، وكان من بيت كبير من أكابر حلب، يعرف والده بأمير جندار الملك الناصر صاحب حلب، وحضر إلى مصر، وكان يلبس لبس الحلبيين الناصرية وعمامة مدورة من غير كلوتاه، ولغته لغة أهل البلاد، ولما تولى صار إذا أراد أن يضرب أحدا يقول: شلحوه عوض عروه، فشاع ذلك بين الناس، فلقبوه بشلحوه، وعظمت حرمته بالمدينة، وظهرت أمانته، فرسم له بولاية مصر أيضا مضافة لولاية القاهرة.
وفيها: فى أواخر رجب، حلف الأمراء للأمير كتبغا مع الملك الناصر محمد ابن قلاون (١)، وسارت البيعة بذلك فى بقية المدن والمعاقل.
وفى شعبان (٢): ركب الملك الناصر فى أبهة الملك وشق القاهرة، وكان يوما مشهودا، وهذا كان أول ركوبه.
وفى شعبان أيضا: اشتهر أن فى الغيطة التى بحرين بدمشق تنينا عظيما ابتلع رأسا من المعز كبيرا صحيحا، كذا ذكره البرزالى.
وفى شوال: اشتهر أن مهنى خرج عن طاعة الناصر وانحاز إلى التتار.
وفيها: أوقع نوغيه بن ططر بن مغل بن دوشى خان بن جنكزخان الحاكم ببلاد الشمال على كثير من التتار، وقد ذكرنا تقدّمه وتمكنه فى تلك الأقطار
стр. 1119
بامرأة منكوتمر ملكتهم واسمها حجك خاتون، وكانت قد تحكمت فى زمن زوجها وفى مملكة تدان منكو الجالس على الكرسى بعده، وثقلت وطأتها عليهم، فشكوها إلى نوغيه، فأمر بأن تخنق فخنقت، وقتل معهما أمير كان يلوذ بها وينفذ أوامرها اسمه بيطرا (١).
وفيها: توقف النيل توقفا كثيرا، ثم انتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعا وثمان أصابع، فارتفعت بسبب ذلك الأسعار.
وقال صاحب نزهة الناظر: ولم يتعد الأردب عن أربعين درهما.
وقال أيضا: وذكرت جماعة كثيرة أن النيل كسر من غير وفاء، ثم ذكر لى ابن أبى الردّاد أنه بلغ الوفاء قبل كسره.
وفيها: حج بالناس الأمير عز الدين أيبك الخزندار، ﵀.
стр. 1120
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ الإمام تاج الدين موسى (١) بن محمد بن مسعود المراغى، المعروف بابن الحيوان (٢) الشافعى.
توفى فجأة يوم السبت، ودفن بمقابر باب الصغير، وقد جاوز السبعين، درس بالإقبالية (٣) وغيرها، وكان من الفضلاء، له يد طولى فى الفقه والأصول والنحو، وكان له فهم جيد قوىّ.
قاضى القضاة شهاب الدين أبو عبد الله [٩٧] محمد (٤) بن قاضى القضاة شمس الدين أبى العباس أحمد بن خليل بن سعادة بن جعد بن عيسى بن محمد الشافعىّ الخوى.
أصلهم من خوىّ - بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وتشديد الياء آخر الحروف - وهى بلد كبير مشهور بأذربيجان، توفى يوم الخميس الخامس عشر من رمضان منها عن سبع وستين سنة، ودفن بتربة والده بسفح قاسيون، ومولده فى شوال (٥) سنة ست وعشرين وستمائة، اشتغل وحصل علوما كثيرة، وصنف
стр. 1121
كتبا جمة منها كتاب فيه عشرون فنا، وله نظم علوم الحديث، وكتاب التحفظ وغير ذلك، سمع الحديث الكثير، وكان محبا له ولأهله، وقد درس وهو صغير، ثم ولى قضاء القدس، ثم ولى قضاء حلب، ثم ولى قضاء القاهرة، ثم قدم على قضاء الشام مع تدريس العادلية والغزالية وغيرهما، وقد خرج له الحافظ المزى أربعين حديثا مثبتا فيه الإسناد، وخرج له تقى الدين عبد الله الأسعردى مشيخة على حروف المعجم اشتملت على مائتين وستة وثلاثين شيخا.
قال البرزالىّ: وله نحو ثلاثمائة شيخ لم يذكروا فى هذا المعجم.
وله نظم حسن، فمنه قوله:
بلطفك مما خفته اليوم أستكفى … فلا تقطع الألطاف يا دائم اللطف
وحط بى من كل الجهات بعصمة … لما حل من داء المخافة بى يشفى
يمينى ومن فوقى وتحتى ويسرتى … ولا تخلنى منها أمامى ولا خلفى
أريد أمدّ الكفّ للخير سائلا … فتأبى ذنوبى أن أمدّ له كفىّ
وكيف يناجى العبد سيده وقد … تظاهر بالعصيان دهرا وبالخلف
مضى ما مضى والآن مالى حيلة … سوى قصده والد مع مسترسل الوكف
أدق عليك الباب فى الليل واثقا … بأن العظيم الحليم يسمح بالعطف
سألت وظنى فيك أن لا تردنى … وإحسان ظنى فيك لى شافع يكفى
بوصفك عاملنى فإنك محسن … كريم ولا تجعل جزائى على وصفى
الشيخ الأصيل الكاتب فخر الدين محمد (١) بن بهاء الدين محمد المعروف بابن التبتى (٢).
стр. 1122
مات بالمدرسة الجاروخية ودفن بمقابر الصوفية وكان يكتب على طريقة ابن البواب.
الشيخ العارف محمد (١) بن الشيخ الكبير عبد الله بن الشيخ القدوة غانم النابلسى.
مات فى هذه السنة، وكان صالحا متورعا، كثير التلاوة، وزاويته مأوى لكل من تقدم إلى نابلس، وكان الوارد عليه كثيرا، وأهل تلك البلاد كانوا يعتقدون فيه، ومجمعين على صلاحه.
الشيخ الإمام ركن الدين يونس (٢) بن على بن مرتفع بن أفتكين المصرى، ثم الدمشقى الصالحى.
مات فى هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، وكان مدرس المسرورية (٣) وناظرها، وكان كثير المداخلة لأرباب الدولة، وبسعى فى قضاء حوائج الناس، وكان حسن الملتقى، كثير التواضع.
الشيخ الإمام الفاضل الأديب شمس الدين محمد (٤) بن على بن محمد بن الساكن الطوسى الشافعى.
مات فى هذه السنة (٥) بالقاهرة فى المارستان المنصورى، وكان قدم دمشق
стр. 1123
وأقام بها مدة، ثم سافر إلى الديار المصرية ومات بها، وكان قد نسخ بخطه كتبا كثيرة فأبيعت، وكان من الأدباء الفضلاء، فمن شعره قوله:
يا ليلة الوصل بالأحباب لى عودى … فالهجر أحرقنى كالنار فى العود
[٩٨]
وقد بقيت نحيف الجسم كالعود … أحنّ شوقا أليهم حنّة العود
وقال:
إلهى تب على وّغطّ عيبى … فقد أوبقت نفسى بالمعاصى
وخلّصنى من الآثام واغفر … ذنوبى يوم يؤخذ بالنواصى (١)
الشيخ الفاضل تقى الدين عبد الله (٢) بن على بن منجد بن ماجد السروجى (٣).
مات فى هذه السنة بالقاهرة، ودفن بمقبرة الفخرى ظاهر الحسينية جوار من كان يهواه.
وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان: كان رجلا خيرا، تاليا للقرآن، وعنده حظ جيد من النحو واللغة والأدب، متقللا من الدنيا، غلب عليه حب الجمال مع العفة التامّة والصيانة، نظم كثيرا، وغنى المغنون بشعره، وكان مأمون الصحبة، طاهر اللسان لا يكاد يظهر إلا يوم الجمعة، يصلى بالجامع الأزهر مع أصحابه وينادمهم بعد الصلاة وينشدهم شعره.
стр. 1124
ومن أشعاره قوله.
دنيا المحبّ ودينه أحبابه … فإذا جفوه تقطعت أسبابه
وإذا أتاهم فى المحبّة صادقا … كشف الحجاب له وعزّ جنابه
ومتى سقوه شراب أنس منهم … رقّت معانيه وراق شرابه
وإذا تهتك ما يلام لأنه … سكران عشق لا يفيد عتابه
بعث السلام مع النسيم رسالة … فأتاه فى طىّ النسيم جوابه
قصد الحمى وأتاه جهد (١) … فى السرى
حتى بدت أعلامه وقبابه
ورأى لليلى العامريّة منزلا … بالجود يعرف والندى أصحابه
فيه الأمان لمن يخاف من الردى … والخير قد ظفرت به طلابه
قد أشرعت بيض الصوارم والقنا … من حوله فهو المنيع جنابه (٢)
وعلى حماه جلالة من أهله … فلذلك طارقة العيون تهابه
قد أخصبت منه الأباطح والربا … للزائرين وفتّحت أبوابه (٣)
وقال
سألتك وقفة قدر التشاكى … أبثّ إليك ما بى من هواك
ونظرة مشفق فى حال صبّ … لرحمة حاله تبكى البواكى
فتاة الحىّ كيف أبحت قتلى … وقد أصبحت ضيفا فى ماك
стр. 1125
وقومك سادة عرب كرام … حكى الإحسان عنهم كل حاكى
على وادى الأراك لهم خيام … أنار بحسنها وادى الأراك
أطوف بها لعل القلب يهدأ … من الأشواق أو عينى تراك
وأسأل من أبى الأعراب جمعا … ليذكر لى محدّثها أباك
أيا دارا حوت من أهل نجد … غرارا ليس تقنصه شباكى
سقاك الغيث من دار وحيى … فكم صبّ بأدمته سقاك
إذا رمدت عيون من بكاها … فشافى كحلها شافى ثراك
[٩٩]
الصدر الرئيس جمال الدين إبراهيم بن الصدر الرئيس شرف الدين عبد الرحمن ابن الحافظ العدل أمين الدين سالم بن الحسن بن هبة الله بن صصرى التغلبى، ناظر دمشق.
مات فى هذه السنة، ودفن بتربتهم بقاسيون، ﵀.
الأمير علاء الدين طيبرس (١) الركنى الضرير، الناظر فى أوقاف حرم القدس الشريف ومنشئ العمارات والربط به وبالجليل ﵇.
مات فى هذه السنة بالقدس الشريف، كأن من أحسن الناس سيرة وأجودهم طريقة، حسن التصرف، كان الله نور قلبه بالإيمان وإن كان أذهب بصره، ﵀.