← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

كتبا جمة منها كتاب فيه عشرون فنا، وله نظم علوم الحديث، وكتاب التحفظ وغير ذلك، سمع الحديث الكثير، وكان محبا له ولأهله، وقد درس وهو صغير، ثم ولى قضاء القدس، ثم ولى قضاء حلب، ثم ولى قضاء القاهرة، ثم قدم على قضاء الشام مع تدريس العادلية والغزالية وغيرهما، وقد خرج له الحافظ المزى أربعين حديثا مثبتا فيه الإسناد، وخرج له تقى الدين عبد الله الأسعردى مشيخة على حروف المعجم اشتملت على مائتين وستة وثلاثين شيخا. قال البرزالىّ: وله نحو ثلاثمائة شيخ لم يذكروا فى هذا المعجم. وله نظم حسن، فمنه قوله: بلطفك مما خفته اليوم أستكفى … فلا تقطع الألطاف يا دائم اللطف وحط بى من كل الجهات بعصمة … لما حل من داء المخافة بى يشفى يمينى ومن فوقى وتحتى ويسرتى … ولا تخلنى منها أمامى ولا خلفى أريد أمدّ الكفّ للخير سائلا … فتأبى ذنوبى أن أمدّ له كفىّ وكيف يناجى العبد سيده وقد … تظاهر بالعصيان دهرا وبالخلف مضى ما مضى والآن مالى حيلة … سوى قصده والد مع مسترسل الوكف أدق عليك الباب فى الليل واثقا … بأن العظيم الحليم يسمح بالعطف سألت وظنى فيك أن لا تردنى … وإحسان ظنى فيك لى شافع يكفى بوصفك عاملنى فإنك محسن … كريم ولا تجعل جزائى على وصفى الشيخ الأصيل الكاتب فخر الدين محمد (١) بن بهاء الدين محمد المعروف بابن التبتى (٢).

стр. 1122

مات بالمدرسة الجاروخية ودفن بمقابر الصوفية وكان يكتب على طريقة ابن البواب. الشيخ العارف محمد (١) بن الشيخ الكبير عبد الله بن الشيخ القدوة غانم النابلسى. مات فى هذه السنة، وكان صالحا متورعا، كثير التلاوة، وزاويته مأوى لكل من تقدم إلى نابلس، وكان الوارد عليه كثيرا، وأهل تلك البلاد كانوا يعتقدون فيه، ومجمعين على صلاحه. الشيخ الإمام ركن الدين يونس (٢) بن على بن مرتفع بن أفتكين المصرى، ثم الدمشقى الصالحى. مات فى هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، وكان مدرس المسرورية (٣) وناظرها، وكان كثير المداخلة لأرباب الدولة، وبسعى فى قضاء حوائج الناس، وكان حسن الملتقى، كثير التواضع. الشيخ الإمام الفاضل الأديب شمس الدين محمد (٤) بن على بن محمد بن الساكن الطوسى الشافعى. مات فى هذه السنة (٥) بالقاهرة فى المارستان المنصورى، وكان قدم دمشق

стр. 1123

وأقام بها مدة، ثم سافر إلى الديار المصرية ومات بها، وكان قد نسخ بخطه كتبا كثيرة فأبيعت، وكان من الأدباء الفضلاء، فمن شعره قوله: يا ليلة الوصل بالأحباب لى عودى … فالهجر أحرقنى كالنار فى العود [٩٨] وقد بقيت نحيف الجسم كالعود … أحنّ شوقا أليهم حنّة العود وقال: إلهى تب على وّغطّ عيبى … فقد أوبقت نفسى بالمعاصى وخلّصنى من الآثام واغفر … ذنوبى يوم يؤخذ بالنواصى (١) الشيخ الفاضل تقى الدين عبد الله (٢) بن على بن منجد بن ماجد السروجى (٣). مات فى هذه السنة بالقاهرة، ودفن بمقبرة الفخرى ظاهر الحسينية جوار من كان يهواه. وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان: كان رجلا خيرا، تاليا للقرآن، وعنده حظ جيد من النحو واللغة والأدب، متقللا من الدنيا، غلب عليه حب الجمال مع العفة التامّة والصيانة، نظم كثيرا، وغنى المغنون بشعره، وكان مأمون الصحبة، طاهر اللسان لا يكاد يظهر إلا يوم الجمعة، يصلى بالجامع الأزهر مع أصحابه وينادمهم بعد الصلاة وينشدهم شعره.

стр. 1124

ومن أشعاره قوله. دنيا المحبّ ودينه أحبابه … فإذا جفوه تقطعت أسبابه وإذا أتاهم فى المحبّة صادقا … كشف الحجاب له وعزّ جنابه ومتى سقوه شراب أنس منهم … رقّت معانيه وراق شرابه وإذا تهتك ما يلام لأنه … سكران عشق لا يفيد عتابه بعث السلام مع النسيم رسالة … فأتاه فى طىّ النسيم جوابه قصد الحمى وأتاه جهد (١) … فى السرى حتى بدت أعلامه وقبابه ورأى لليلى العامريّة منزلا … بالجود يعرف والندى أصحابه فيه الأمان لمن يخاف من الردى … والخير قد ظفرت به طلابه قد أشرعت بيض الصوارم والقنا … من حوله فهو المنيع جنابه (٢) وعلى حماه جلالة من أهله … فلذلك طارقة العيون تهابه قد أخصبت منه الأباطح والربا … للزائرين وفتّحت أبوابه (٣) وقال سألتك وقفة قدر التشاكى … أبثّ إليك ما بى من هواك ونظرة مشفق فى حال صبّ … لرحمة حاله تبكى البواكى فتاة الحىّ كيف أبحت قتلى … وقد أصبحت ضيفا فى ماك

стр. 1125

وقومك سادة عرب كرام … حكى الإحسان عنهم كل حاكى على وادى الأراك لهم خيام … أنار بحسنها وادى الأراك أطوف بها لعل القلب يهدأ … من الأشواق أو عينى تراك وأسأل من أبى الأعراب جمعا … ليذكر لى محدّثها أباك أيا دارا حوت من أهل نجد … غرارا ليس تقنصه شباكى سقاك الغيث من دار وحيى … فكم صبّ بأدمته سقاك إذا رمدت عيون من بكاها … فشافى كحلها شافى ثراك [٩٩] الصدر الرئيس جمال الدين إبراهيم بن الصدر الرئيس شرف الدين عبد الرحمن ابن الحافظ العدل أمين الدين سالم بن الحسن بن هبة الله بن صصرى التغلبى، ناظر دمشق. مات فى هذه السنة، ودفن بتربتهم بقاسيون، ﵀. الأمير علاء الدين طيبرس (١) الركنى الضرير، الناظر فى أوقاف حرم القدس الشريف ومنشئ العمارات والربط به وبالجليل ﵇. مات فى هذه السنة بالقدس الشريف، كأن من أحسن الناس سيرة وأجودهم طريقة، حسن التصرف، كان الله نور قلبه بالإيمان وإن كان أذهب بصره، ﵀.

стр. 1126

الأمير علاء الدين أيدغدى (١) بن عبد الله الصالحى النجمى. توفى فى شوال منها، كان من أكابر الأمراء، فلما أضر أقام بالقدس الشريف وولى نظره، فعمره وثمره، وكان مهيبا لا مخالف مراسيمه، وهو الذى بنى المطهرة قريبا من المسجد النبوى فانتفع الناس بها فى الوضوء، وأنشأ بالقدس ربطا كثيرة وآثارا حسنة، وكان يباشر الأمور بنفسه، وله حرمة وافرة. الأمير بدر الدين بكتوت (٢) العلائى من أكابر أمراء الدولة المنصورية. وعظم أمره فى أول الدولة الناصرية محمد بن قلاون، وكان ينتمى إلى السلطان الأشرف فى أيام الملك المنصور ويخدم الأشرف دون أخيه الملك الصالح، وكبره الأشرف عند سلطنته، وكان يجلس فوق أكابر الأمراء مع كتبغا، والتفت عليه جماعة من المماليك الأشرفية، وكان قد أصابه مرض فى رجله، وكان إذا طلع القلعة يدخل من باب القلعة راكبا إلى دار النيابة، وذكر أن كتبغا خشى عاقبة أمره من قرب الأشرفية إليه. وأنه اتفق مع حمدان بن صلغيه، فصنع طعاما وأحضر العلائى وقعد حمدان يقطع به اللحم بسيخ مسموم فأطعمه، وقيل: بل سقاه فى مشروب فأقام بعد ذلك أربعة أيام ومات (٣).

стр. 1127

السلطان الملك المظفر قرا (١) أرسلان بن الملك السعيد إيلغازى بن البى بن تمرتاش ابن إيل غازى بن أرتق، صاحب ماردين. مات فى هذه السنة، وتولى بعده ولده الملك السعيد إيل غازى، وكان قرا أرسلان جوادا، سمحا، عادلا، دينا، سيرته جميلة، وأفعاله حميدة، قليل الظلم، كثير الإحسان. الملك الحافظ غياث الدين محمد (٢) بن الملك السعيد معين الدين شاهنشاه بن الملك الأمجد بهرام شاه بن المعز عز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب. مات فيها (٣)، ودفن يوم الجمعة السادس من شعبان عند جده لأمه ابن المقدم (٤) ظاهر باب الفراديس، وكان فاضلا بارعا، سمع الحديث، وروى البخارىّ، ويحب العلماء والفقراء. الصاحب فخر الدين أبو إسحاق إبراهيم (٥) بن لقمان بن أحمد بن محمد الشيبانى الأسعردى، رئيس الموقعين بالديار المصرية.

стр. 1128

توفى فى جمادى الأولى منها ودفن بالقرافة، وكان مولده سنة إثنتى عشرة وستمائة، ولى الوزارة مرتين للملك المنصور قلاون، وتولى وزارة الصحبة للملك السعيد، وكان فى جميع ولاياته: حسن السيرة. محمود الطريقة، قليل الظلم، كثير الإحسان إلى الناس، وكان يتولى الوزارة بجامكية (١) الإنشاء، وعند ما يعزل من الوزارة يأخذ دواته ويدخل إلى ديوان الإنشاء، كأنه ما جرى عليه شئ. وكان أصله من بلاد إسعرد (٢) من العدن (٣)، ولما فتح الكامل بن العادل آمد (٤) كان ابن لقمان بها يكتب على عرصة القمح، وكان البهاء زهير (٥) يرأس الموقعين ووزير الصحبة للكامل، وكانوا يستدعون من إسعرد حوائج، فتحضر الرسالة بخط ابن لقمان فيعرضونها على بهاء الدين زهير فيعجبه خطه، [١٠٠] فطلبه إليه، ولما حضر بين يديه سأله عن حاله وعن جامكيته فقال: دون الدينارين. فقال له: تسافر معى حتى أستنيبك، فقال: ومن لى بهذا الحال، فاستصحبه معه وناب عنه فى ديوان المكاتبات إلى دولة الملك الصالح (٦)، ثم استقل بمفرده.

стр. 1129

وله ترسل كثير من إنشائه ونظم ورواية. ومن شعره فى غلام له (١)، وكان يحبه ويتغالى فيه: لو وشى فيه من وشى … ما تسلّيت غلمشا أنا قد بحت باسمه … يفعل الله ما يشا وله فيه أشعار كثيرة، وله أيضا: كن كيف شئت فإننى بك مغرم … راض بما فعل الهوى المتحّكم ولئن كتمت عن الوشاة صبابتى … بك بالجوانح فالهوى يتكلّم (٢) أشتاق من أهوى وأعجب أننى … أشتاق من هو فى الفؤاد مخيم يا من بصدّ عن المحبّ تدلّلا … وإذا بكى وجدا غدا يتبسّم أسكنتك القلب الذى أحرقته … فحذار من نار به تتضرّم الخاتون الكبيرة المعمّرة مؤنسة (٣) خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبى بكر ابن أيوب.

стр. 1130

توفيت بالقاهرة ودفنت بالقرافة الصغرى، وكانت تعرف بالدار القطبية وبدار إقبال، وهى أخت الأمير قطب الدين (١) وهى التى أطلق عليها اسم دار القطبية، وكانت دارها المارستان المنصورى، اشتروها منها (٢) على كره وأخربوها (٣)، وعمروها، وتركوا القاعة بحالها، واتفق لها مع السلطان الملك المنصور، لما سير الشجاعى إليها ليشترى الدار المذكورة، لأجل عمل المارستان والتربة، ونزل الشجاعى فلم تلتفت إلى نزوله وردته ردا جميلا، ثم سير السلطان الطواشى حسام الدين وعرّفها أن السلطان يقصد أن يعمّر هذه الدار مارستانا ويقف عليه أوقافا، فقالت: شئ يكون لنا فيه أجر ففيه السمع والطاعة، وأما لأجل السكن فنحن أحق بالسكنى من غيرنا. وكانت ذات عقل وأدب وفطنة، وروت بالإجازة عن عفيفة (٤) الفارقانية، وعين الشمس (٥) بنت أحمد بن أبى الفرج، وأوقفت قبل وفاتها أوقافا كثيرة على أهلها وقرابتها، وعلى الفقراء والمساكين، وخلّفت بالقصر آثارا حسنة من الزجاج وغيرها مما فيه نفع بنقوش وطلسمات وآيات من الكتاب العزيز، من الأشياء

стр. 1131

النافعة للدغ الحية والعقرب وعضّ الكلب الكلب والقولنج ومغل الخيل، وكتب لها إجازة بحديث النبى ﵇، وخلفت مالا جزيلا، وأوصت أن يعمل لها مدرسة بجميع ما تحتاج إليه من الفقهاء والقراء، وهى إلى الآن باقية تعرف بالمدرسة القطبية (١)، ولدت سنة ثلاث وستمائة.

стр. 1132

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وسلطان البلاد: الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو ابن اثنتى عشرة سنة (١) وشهور. ومدبر المماليك وأتابك العساكر: زين الدين كتبغا. ونائب الشام: الأمير عز الدين أيبك الحموى. ونائب حلب «» (٢). وصاحب حماة: الملك المظفر تقى الدين. وصاحب ماردين: الملك السعيد. وصاحب مكة: نجم الدين [١٠١] أبو نمى الحسنى.

стр. 1133

وصاحب المدينة: عز الدين بن شيحة، وكان بينه وبين أبى نمى معاندة، واتفقت لهم وقائع كثيرة، وقتل من بنى حسن ومن بنى حسين جماعة كثيرة. وصاحب المغول: بيدو بن هلاون. ذكر ركوب المماليك من دار الوزارة وخروجهم على كتبغا: وكان السبب لذلك ما ذكرنا من اتفاق الأمراء مع كتبغا على إنزالهم إلى دار الوزارة ومناظر الكبش، ومنعهم إياهم من الركوب (١)، وكانوا حملوا من ذلك حقدا كبيرا، وصاروا لا يهنأ لهم عيش، وخصوصا كان الخدام الذين يحكمون عليهم يمنعونهم عن الخروج والاجتماع بالناس، ورأوا أنفسهم فى ذلة ومسكنة، فصار منهم من يسرق نفسه ويأتى من دار الوزارة فى الليل إلى ناحية الكبش، ومنهم من يأتى من الكبش إلى دار الوزارة، وما زالوا على (٢) ذلك حتى قويت نفوسهم، وأرادوا ركوب الخيل لأجل الحركة، فعزموا على ذلك، على أنهم إما أن يظهروا ويظفروا ببلوغ المنى، وإما أن يموتوا على خيولهم. ولكن ليس عندهم خيل ولا سلاح، ثم تراسلوا واتفقوا على أن يخرجوا على ميعاد واحد ويهجموا على الإصطبلات التى بالمدينة وعلى سوق السلاح، ومهما قدروا على ذلك يأخذونه وينهبونه، ثم يكون اجتماعهم فى سوق الخيل، ويعينهم على ذلك خشداشيتهم الذين

стр. 1134

بالقلعة، ولما وقع اتفاقهم على ذلك خرجوا فى الثلث الأول من الليلة الثالثة عشر (١) من محرم هذه السنة على حمية من دار الوزارة، وكبسوا كل إصطبل وجدوه قريبا منهم، سواء كانت لجندى أو مقدّم أو أمير أو قاض أو عامى، فما مضى ساعة من الليل حتى ركب أكثرهم وبعضهم مشاة، فجاءوا إلى سوق السلاح وكسروا أبواب الدكاكين وأخذوا منها سلاحا وعددا على قدر كفايتهم، ووقع الصياح فى المدينة ورأت الناس منهم ما أعجزهم، فبلغ الخبر إلى الوالى والحاجب وأصحاب الحرس، فأخذوا فى الاحتراز منهم، ثم أنهم توجهوا إلى باب السعادة (٢) فأحرقوا أقفالها وكسروها، وخرجوا وذهبوا إلى سوق الخيل، وكان جميعهم على ميعاد واحد فى الركوب والاجتماع فى سوق الخيل، وكبسوا أيضا على إصطبل الجوق وركبوا كل خيل فيها، ثم اجتمعوا ووقفوا عند الإصطبل. وفى تاريخ ابن كثير وغيره: لما كان يوم عاشوراء نهض جماعة من مماليك الأشرف، «وكبيرهم اثنان كتبغا وساطلمش (٣)»، وخرقوا حرمة السلطان وأرادوا الخروج [عليه (٤)]، وجاءوا إلى سوق السلاح، فأخذوا ما فيه (٥)، واحتاطوا على ما فى الإصطبلات من الخيل، وهجموا خزانة البنود، وأخرجوا من كان مسجونا بها من خشداشيتهم، واجتمعوا وذهبوا إلى سوق الخيل (٦).

стр. 1135

وقال بيبرس فى تاريخه: لما كان ذات ليلة من الليالى، نهض الذين فى الكبش والميدان وركبوا ودخلوا إلى المدينة، واستدعوا من كان فى دار الوزارة فلم يجيبوهم إلى ما قصدوا ولا وافقوهم فيما اعتمدوا، وهم سيف الدين يرلطاى وخوشداشيته، وهجموا خزانة البنود وأخرجوا من كان مسجونا [بها] (١) من خوشداشيتهم، ونهبوا من الإصطبلات ما أمكنهم، وبينما هم على ذلك إذ تبلج الصباح وبدا الضوء ولاح، فركب الأمراء الذين فى القلعة ومن عندهم من المماليك وقصدوهم فتصافوا تحت القلعة (٢). [١٠٢] ذكر ركوب الأمراء والحاجب والوالى: قال صاحب النزهة: لما وقع الصوت فى المدينة خرجت أصحاب الدكاكين وركب الوالى وأتى إلى باب الحاجب فأيقظه، فقام وركب، وبلغ الخبر إلى كتبغا، فجلس فى الشباك، وطلب قراسنقر ولاجين وبقية الأمراء، وقصد النزول إليهم فمنعوه، واتفق رأيهم على أن يعرفوا أصحاب النوبة الذين خارج باب القلعة فيروحون ويركبون الحاج بهادر والحاجب ومن من الأمراء ويأتى بهم إليهم، فإذا رأوه قد وصل بهم إليهم فتحوا باب القلعة ونزلوا هم أيضا، فوصل إلى الحاج بهادر من يعرفه الخبر، فساق من باب زويلة إلى أن وصل إلى سوق الخيل وضربت طبلخانات الأمراء وفتحوا باب القلعة ونزلت الأمراء الذين هناك مع المماليك السلطانية، فحملوا عليهم وهم فى سوق الخيل حملة صادقة، ولما رأى هؤلاء تلك الحملة مع كثرة الجموع خافوا ولم يثبتوا، بل انهزموا هزيمة فاضحة،

стр. 1136

ولم يلتفت منهم أحد، وتفرقوا فى سائر الطرقات فرقة فرقة، فمنهم من طلب نحو بركة الحبش، ومنهم من طلب الترب، ومنهم من طلب نحو باب النصر والحسينية، ومنهم من طلب نحو الصليبة وجامع [ابن (١)] طولون وغيرها، وراحت الأمراء والأجناد خلفهم، ثم عادت الأمراء وطلعوا القلعة، وجلس الأمير سلاح والبيسرى وأكابر الأمراء مع كتبغا، وكتبغا من حنقه وغيظه لا يدرى ما يقول. ووقع الصوت فى القلعة من الحرافيش، فحضروا ومعهم مملوكان أو ثلاثة وقد عروهم وأتوا بهم إلى الشباك، ومماليك كتبغا ملبسون واقفون، وما يقع نظر واحد منهم على مملوك يحضره الجند أو العوام إلا وقد هبروه بالسيوف قطعا قطعا ومنهم من بيده دبوس يضرب الرجل منهم على رأسه فيقع ميتا لوقته. فلما رأى الأمراء ذلك أنكروه، وصاح أمير سلاح والبيسرى وطرطش على مماليك كتبغا صياحا منكرا، وقالوا لكتبغا: ما هذا العمل؟ أنت تعمل هذا ونحن قعود، فرأى كتبغا منهم الحنق، فقال يا أمراء: أنا أى شى عملت حتى يفعلوا فى حقى هذا الفعال. فقال له طرطش: يا أمير إن السلطان الملك المنصور اشتراك واشتراهم لينفعوا الإسلام والمسلمين، وتردوا العدو، وتجاهدوا فى سبيل الله، وتذبوا عن المسلمين، وأنت ما تفكر إلا فى مصلحة نفسك، فإذا حضر عدوّ من أعداء المسلمين أنت تلقاهم وحدك. فلما رأى كتبغا قيام الأمراء عليه منع مماليكه، واتفق الحال على أن هؤلاء يحبسون، ويؤدبون بالقيد والحبس، ويفرقون فى الحبوس، فبقوا (٢) نحو خمسة أيام

стр. 1137

والناس تحضرون منهم طائفة بعد طائفة من سائر الأماكن، وكل من يحضر يقيد إلى أن يحصّل منهم نحو أربعمائة مملوك. واستقر الحال على أن يسجنوا بعد ذلك فى سجن إسكندرية وبرج دمياط. وكانوا قد أخرجوا منهم جماعة من سجن القلعة وهم الأشرار الذين أقاموا هذه الفتنة، وقصدوا قطع أيدى بعضهم وتوسيط بعضهم، فشرعوا فى ذلك فما لحقوا أن يفعلوا ذلك بنفرين أو ثلاثة حتى انقلبت الأبراج التى فى القلعة بالصياح والرهج والعويل، وخرجت جماعة من المماليك من الأبراج مستصرخة بالسلطان [١٠٣] والأمراء، فسمع بذلك كتبغا فلبس فى الحال، ولبس مماليكه « ...... » (١) الطواشى المقدم وحسام الدين الأستاذدار، والتقوهم بالصدود ومنعوهم من ذلك فلم يرجعوا، ثم إنهم دخلوا إلى السلطان، وبكوا، وقالوا: أنت تكون أستاذنا وتعيش، ونحن نقتل فداك، ثم قالوا؟ إعطنا دستورا حتى نموت بسيوفنا، ولا نقتل بسيوف غيرنا، فبكى السلطان وتوجع، فاجتمعت الخاصكية ورؤوس الأطباق « ......... » (٢) فبلغ ذلك كتبغا، فطلب الحاج بهادر والحسام الأستاذدار وحسام الدين « ......... » (٣) وشرع يتلافى الأمر خشية الفتنة وسألهم أن يدخلوا إلى السلطان ويعرفوه أنهم ما ركبوا عليه إلا وقد قصدوا قتله والفتنة بين المسلمين، فدخلوا على السلطان وعرفوه بذلك، وأن الحال قد سكنت فما بقى أحد يوصل إليهم أذى، وضمنوا ذلك إلى أن

стр. 1138

أخمدوا هذه الفتنة، وبلغ كل واحد من مماليك السلطان إلى مكانه، ثم أنكرت الأمراء على المقدمين أن وافقوا هؤلاء حتى نزلوا من الأبراج، وكانوا قد عزلوا من المماليك الراكبين ستين مملوكا من أشرارهم على أن يتلفوهم، فجرى أمر الله تعالى على ست نفر منهم « ...... » (١)، والباقى سجنوا بخزانة البنود مقيدين، وانفصل الأمر على هذا. ودخل كتبغا إلى خدمة السلطان وأرسلت إليه والدة السلطان تقول له أن يعفو عن مماليك السلطان وأنهم خشداشية متى فعلت بهم هذا الأمر يكون كل يومين وثلاثة فتنة وفساد حال وإتلاف أنفس، فأشتهى أن تتركونى أنا وولدى نروح إلى الكرك فنقعد هناك، فأربى ولدى إلى (٢) أن أموت أنا، أو يموت هو، ونستريح من هذه الفتن التى تحدث كل ساعة. فلما بلّغ الطواشى هذا الكلام لكتبغا بكى وشكا مما يجده من الضرر منهم، ومن الركوب عليه كل وقت، وأما السلطان فإنه أستاذى وابن أستاذى، وما عندى أعز منه أحد، إنما أشتهى أن يخرجنى من مصر فإن هؤلاء يعملون على قتلى، وشكا من هذا الباب شكاية كثيرة، ثم إن الحال سكنت على السكوت وإخماد الفتن. وبقى كتبغا يدخل إلى الخدمة، ولكنه محترس على نفسه، وكذلك مماليكه.

стр. 1139

وفى تاريخ ابن كثير: لما ركب المماليك الذين فى القلعة، تصافوا تحت القلعة، ثم أدركهم سيف الدين بهادر الحاج السلحدار، وهو يومئذ أمير حاجب [وركب معه جماعة بالعدد والسلاح (١)]، فأدركوهم واحتاطوا عليهم، فمنهم من صلب، ومنهم من شنق، وقطع أيدى آخرين منهم، وألسنتهم، وكانوا قريبا من ثلاثمائة أو يزيدون، وكان هذا سببا لحركة زين الدين كتبغا، وركوبه إلى السلطنة التى لم يتم له أمرها (٢).

стр. 1140

سلطنة زين الدين كتبغا المنصورى قال بيبرس فى تاريخه: حسّن الشيطان بآراء من حول المشار إليه من المماليك والصبيان أن يستبد بالسلطنة، ويستقل بالمملكة، فحملوه على ذلك، وألجأوه إلى أن وافقهم على رأيهم، وجلس فى السلطنة وتسمى بالعادل (١). وفى نزهة الناظر: كان كتبغا يدخل إلى الخدمة وهو يحترس، وكذلك لاجين وقراسنقر، فاتفق فى بعض الأيام أن دخل كتبغا ولاجين قدامه وقراسنقر معه، وكتبغا قد كلم لاجين بكلام فضحك منه وبعض المماليك، فنظره مع جماعة من طاق مطلة [١٠٤] على الدهليز الذى منه دخلوا « … » (٢): أى والله يا أشقر يحق لك أن تضحك، قتلت أستاذنا بسيفك، ثم تضحك « ......... » (٣) فسمعه لاجين وكتبغا ومن كان قريبا منهما. فنظر كتبغا إلى لاجين وقراسنقر، وكتموا ما سمعوا منه، وبقى فى نفوسهم إلى أن خرجوا من القلعة. ولما « ......... » (٤) قراسنقر ولاجين عند كتبغا، وقالوا: يا أمير تحقق أننا وأنت مقتولون مع هؤلاء المماليك لا محالة، وخصوصا قد أركن

стр. 1141

إليهم السلطان، والخاصكية، وما هم عسى يعملون، وقد فعلنا مع خشدشيتهم كل سوء، وأنت قتلت كبيرهم، وحبست أمراءهم، وعملت معهم كل قبيح حتى سمعت اليوم ما قالوه لنا، ويكفى « ......... » (١) هذا القول أن يتبعه فعل فى حقنا، خصوصا بعد دخولنا الخدمة أو خروجنا، وهذا أمر يطول شرحه، أما آن نقوم لبيعتك وتنصب فى الملك وتؤمر جماعة من مماليكك وحاشيتك. فطلبوا الأزرق وبتخاص وتكلموا فى ذلك، فما منهم إلا وقد حسن له هذا ووافقهم عليه. وانفصل مجلسهم على أن يبذل الذهب والفضة للأمراء والأكابر، ويستميلهم إليه، فشرع فى ذلك، وأرسل لكل مقدم ألف دينار، ولبعضهم ألفى دينار، ولما أرسل إلى « ......... » (٢) وهى ألفى دينار، قال لمملوكه هذه من أجل إيش، فقال: يا خوند هدية من مملوكك وولدك فتمتم وقال: لا يكون يريد السلطنة، قال له: يا خوند نعوذ بالله. فأقام أياما وهو يستجلب خواطر الأمراء الأكابر، ثم الأمراء الخاصكية والأمراء الجوانية، وهو مع ذلك وحاشيته يحترسون على نفوسهم. ثم اجتمع بأكابر الأمراء وشرع معهم فى « ..... » (٣) بأمر المماليك، وما سمعه منهم وما يبلغه عنهم، وشكا شكايات كثيرة، ووقع الاتفاق بينهم على أن

стр. 1142

هؤلاء جماعة كثيرة فلا يمكن إخراجهم من مصر إلى غيرها، ولكن نفرقهم (١) على الأمراء بمصر، كل واحد منهم، طائفة منهم، ثم اتفقوا على الاجتماع بالطواشى المقدم والحسام الأستاذرار، ويتفقون معهما على الدخول إلى السلطان، فدخلوا وشرعوا يعرفون السلطان أن هؤلاء يقصدون الفتنة بين المسلمين، وإراقة الدماء، فيسمع العدو بذلك فيطمع فى الملك. فقال السلطان: مهما أشرتم به هو المصلحة فافعلوا ما تختارون. فخرجت الأمراء والخاصكية صحبة كتبغا، فجلسوا على باب القلة، وطلبوا الطواشى المقدم، وصاروا يدعون طبقة بعد طبقة، فأى من حضر كتب اسمه واسم الأمير الذى يرسم له بهم، فيقوم [كل (٢)] واحد ويقبل الأرض ويأخذ ما يخصه منهم، وينزل وهم قدامه إلى منزله. وكتبوا باسم البيسرى مائه مملوك، وكذلك لكل أمير من الأمراء الكبار مائه مملوك، وسبعين مملوك وستين، وخمسين، ولكل أمير عشرة عشرة، وما دون ذلك، وبقيت منهم جماعة فأنزلوهم إلى المدينة، ثم سيّروا منهم جماعة إلى قلعة الكرك، وأقاموا ثلاثة أيام يفعلون ذلك إلى أن استوفوا الكل، واطمأن قلب كتبغا والأمراء، وأمنوا من جهتهم. وبعد أيام حضر مملوك نائب حلب وصحبته بعض القصاد وأخبر أن السلطان بيدو - ملك المغول - لما قتل كيخاتو، ملك البلاد كلها، وأطمعته نفسه فى الدخول بعساكره إلى الشام ليملكها، بسبب ما بلغه [١٠٥] من أخبار مصر

стр. 1143

ومن اختلاف أمرائها وعساكرها، وأنه ليس فيهم كبير يرجع إليه، وأن سلطانهم صغير السن، وأنه قد سير وراء سائر أمراء المغول وجنده، وهو على تجهيز أمره للركوب. فكان هذا الأمر لكتبغا ولأصحابه أحب ما يكون، فطلبوا سائر الأمراء وجلس السلطان وأمراء المشورة وسمعوا ما قاله القصاد وكتاب نائب حلب. وبعد قيامهم أخذ كتبغا مع لاجين وقراسنقر فى أمره، واتفقوا على أن يسعوا فى أمر السلطنة لأجل صغر السلطان، وأن العدو ثقيل، والعسكر تحتاج إلى تدبير ونفقات، فصار لاجين وقراسنقر فى هذا الكلام مع سائر الأمراء وأعيان العسكر وأرباب الدولة. قال صاحب النزهة: ذكر لى علاء الدين مغلطاى مملوك البيسرى أن أستاذه لما بلغ إليه هذا الأمر وسمعه من الأمراء، قال لى با مغلطاى: عمل والله كتبغا على السلطنة ولعب بعقله لاجين وقراسنقر، قال: فقلت له يا خوند: أنتم توافقونه على ذلك. قال لى: نحتاج أن نوافقه لأن شوكته قويت، واستمال الحاج بهادر والأمراء، ولا بد له من هذا الأمر، وإلا فلا تسكن الفتن، على أنه ما يقيم فى السلطنة إلا قليلا. وما زال الأمر بينهم إلى أن وافقته سائر الأمراء، وكل ذلك بتعظيم كتبغا والأمراء الذين معه أمر العدوّ وحضوره، وأثبتوا ذلك أيضا فى ذهن السلطان، وأجمع رأى الأمراء على أن يطلبوا زمّام الآدر الشريفة ويعرفوه أنهم اختاروا أن يجتمعوا بأم السلطان ويعرفوها بالقضية، وكان هذا من رأى أمير سلاح حتى تعرف هى السبب الموجب لخلع ولدها من السلطنة تطيببا لقلبها؛ فطلبوا عند

стр. 1144

ذلك الزّمام وعرفوه بأن يعلم أم السلطان بالأمر الذى عقدوه، فدخل الزمام واستأذن أم السلطان، فأذنت لهم فحضروا إلى باب الستارة، وبعثوا السلام إليها، وعرفوها أن العدو قاصد بلاد الشام ومعه عسكر عظيم، وذلك لما سمع بوقوع الفتن فى مصر من قتل السلطان والأمراء واختلافهم، وأن سلطانهم صغير، وقد أطمعه ذلك، وأن المسلمين فى ألم عظيم بهذا السبب، وقد جفلت أهل البلاد، ونحن قد عزمنا على الخروج وإخراج العساكر والملتقى بهذا العدو، ونحن إذا خرجنا بالسلطان نخاف عليه من جهة السفر، وعند الملتقى أيضا، لأنه صغير السن، وأيضا ليس له حرمة فى عين العدو، وهذا الأمر يحتاج إلى رجل كبير يدبر أمر المملكة، ويقيم ترتيب الملوك المتقدمة، ويكون له حرمة وسمعة فى البلاد. وتكلموا من هذا القبيل كلاما كثيرا وهى تسمع جميع ما يقولون، فعلمت بمقاصدهم، ثم كان جوابها: إذا خلعتم ابنى فمن تولوه؟ قالوا: نولى مملوكه الأمير زين كتبغا، هو مملوك السلطان، وهو أحق أن يحفظ ابن أستاذه وبيت أستاذه وهو نائب عنه إلى أن يلتقى هذا العدو، فإن فتح الله تعالى وكسر العدوّ وحضرنا إلى مصر رجع الملك إلى السلطان، ويكون هو على نيابته، وإن كان غير ذلك فالأمر لله تعالى، فوافقتهم على قصدهم، وقالت: هو ولدكم فالذى ترونه مصلحة لكم وللمسلمين افعلوه، وإن عملتم معنا خيرا [١٠٦] خلونى وولدى نروح عنكم وافتصلوا أنتم ودبروا ملككم كيف ما أردتم، فأخذوا فى تطييب خاطرها، وحسنوا القول معها. (١) هكذا بالأصل: والمقصود: استقلوا بالأمر.

стр. 1145

وخرجوا من عندها وشرعوا فى تجهيز أمرهم، وأصبحوا نهار الأربعاء العاشر من محرم هذه السنة، فخلعوا السلطان الناصر محمد بن قلاون، وكانت مدة سلطنته فى هذه المدة سنة إلا أياما قليلة. ثم عقدوا بالسلطنة للأمير زين الذين كتبغا فى هذا اليوم، وركب من دار النيابة على فرس النوبة (١)، ومشيت سائر الأمراء وأرباب الوظائف فى خدمته إلى أن دخل باب القلعة وجلس على تخت الملك، ثم شاور الأمراء فيمن يكون نائب السلطنة فوقع الاتفاق على الأمير لاجين المنصورى، واستمر بالحاج بهادر أمير حاجب على عادته، والأمير عز الدين الأفرم أمير جندار. وفى يوم الخميس ثانى يوم السلطنة طلب سائر الأمراء وخلع عليهم. وفى يوم الجمعة خطب له على سائر المنابر، ولقب نفسه بالملك العادل، وكتب إلى سائر النواب بالاستمرار، وسفر سطلمش بن (٢) صلغاى إلى نائب الشام الأمير عز الدين الحموى؛ وسفر الأمير طقجى إلى حماة وحلب، وسفر أمير عمر إلى طرابلس وبها الأمير عز الدين أيبك المنصورى. وبعث إلى والدة السلطان بالشام فطيب خاطرها، وأهدى إليها شيئا كثيرا ورتب لها ولولدها جميع ما يحتاجون إليه من الكلف.

стр. 1146

ثم شرع فيما يصلح أمر دولته، ومسك جماعة من الأمراء، وأمّر جماعة من مماليكه « … (١)» وممن يلوذ به، وعين طبلخاناه لسطلمش بن صلغاى، وكان هو ممن اعتنى بدولته، وأمر أيضا ناصر الدين بن طرنطاى، وابن الحاج طيبرس، وابن أمير سلاح، وابن كتبغا الذى يسمى (٢) أنص، وجماعة من مماليكه مثل بتخاص ورتبه أستاذ الدار، وبكتوت الأزرق، وغرلو (٣)، وتكلان (٤)، وغيرهم نحو عشرين مملوكا، وأفرج عن الأمير قفجق، وعبد الله السلحدار، ونورى، وقبلاى، وأمير عمر، وجماعة من الذين كانوا قبضوا، وعزل الصاحب تاج الدين بن حنا عن الوزارة، وولى القاضى فخر الدين بن الخليلى، وعزل علم الدين الصوابى الجاشنكير من ولاية القاهرة، وولى عوضه شمس الدين الملقب بضلموه الحلبى، وكان واليا بمصر، وتولى مصر شمس الدين بن التكريتى. ثم رسم بتجريد الأمير شمس الدين سنقر البكتوتى، يعرف بالمساح، ومعه أربعة آلاف فارس، وصحبته الأمير حسام الدين الأستاذدار، والأمير شمس الدين نوكيه، والأمير سيف الدين بلبان الحبشى إلى نحو سيس، ليكون سمعة للعدو خروج عسكر مصر. وكتب إلى نائب الشام أن يبعث الأمير سيف الدين كرجى ليمسك الأمير عز الدين أيبك خزندار، نائب طرابلس، وذلك لتوقفه عن اليمين للسلطان

стр. 1147

كتبغا حين جاءه خبر عزل الناصر وتولية كتبغا ولم يوافق على ذلك حتى حكمت عليه الأمراء، وقالوا: إن كتبغا خشداشك وما هو غريب حتى وافقهم على ذلك الأمر حينئذ، وكان قد بلغ ذلك إلى كتبغا من المقلد له بالنيابة، فبقى فى نفسه من ذلك ما حتى مسكه، فلما مسك قيد وحمل إلى مصر، وحبس بها، وتولى عوضه الأمير عز الدين الموصلى. وقال ابن كثير: وكان عمر العادل يوم توليته نحو خمسين سنة، فإنه من سبى وقعة حمص الأولى التى كانت فى أيام الملك الظاهر بعد وقعة عين جالوت (١)، وكان من الغويراتية، وهم طائفة [١٠٧] من التتر (٢). وفى يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول: ركب الملك العادل كتبغا فى أبهة الملك، وشق القاهرة، ودعى له الناس (٣). ومن غريب الاتفاق أن العادل كان قد قبض على عز الدين الموصلى واعتقله ببرج الساقية، واقام ثلاثة وتسعين يوما وأخرجه إلى طرابلس، وقبض على عز الدين أيبك الخازندار من طرابلس واعتقله ببرج الساقية، فأقام ثلاثة وتسعين يوما نظير المدة التى كانت لأيبك الموصلى، وهذا أيبك وذاك أيبك والولاية واحدة ومدة السجن واحدة.

стр. 1148

وفيها: عزل العادل الحموى عن نيابة دمشق، واستناب مملوكه سيف الدين غرلو. وفيها: قصر النيل بالديار المصرية تقصيرا قلق له الناس، وحصل منه اليأس، فكان النوروز ولم يحصل وفاء ولا تغليق، فاقتضى الحال كسر الخليج بغير تخلبق؟؟؟، وبدل العالم بالاتراح عوضا عن الأفراح والانزعاج بدلا من الابتهاج، فابتدأ الغلاء، فى الغلال، والفناء فى النساء والرجال، وأجدب الوجه الغربى من برقة وأعمالها وما يتاخمها فلم يصبها شئ من الوبل ولا من الطل، ولم يزرع بها ما جل ولا ما قل، فهلك أهلها جوعا وعدما وعطشا من ماء السماء، ثم أعقب حدوث الوباء عقبى السنة الشهباء فساقهم القحط والضر إلى انتجاع ديار مصر، فورد منهم إلى الإسكندرية والبحيرة أمم تتجاوز الإحصاء، وانبثوا فى البلاد، وامتدوا فى الربى والوهاد، وجلبوا الوخم إلى العباد ففشت الأمراض العامة، ومنى الخلق بالطامة، ويلغ سعر القمح بالقاهرة ومصر مائة وخمسين درهما نقرة الأردب، والشعير مائة درهم، والفول والحبوب نحو ذلك، واشتد الأمر، وأكل الناس الميتة جهارا، ولحوم الكلاب والقطط والحمير [نهارا (١)]. وقيل: إن بعضهم أكل لحم بعض، وأن إمرأة أكلت ولدها. [وعم الفناء والموتان، وكثر بسائر البلدان حتى أن بعض البلاد التى كانت مشحنة بالرجال والنسوان خلت من ساكنيها، ولم يبق إلا النزر اليسير فيها (٢)].

стр. 1149

وأما القاهرة ومصر فإنه كان يموت فيهما كل يوم ألوف، ويبقى الميت مطروحا فى الأزقة والشوارع ملقى على الممرات والقوارع اليوم واليومين لا يوجد من يدفنه، لاشتغال الأحياء بأمواتهم، والسقماء بأمراضهم، هذا وأكثر من يموت يلقون فى حفائر الكيمان بغير غسل ولا أكفان، فتأكلهم الكلاب، ثم أكل الناس الكلاب، ففنيت، وفنى أكثر الدواب، ورسم السلطان بتوزيع الصعاليك والفقراء على الجند والأمراء، فوزعوا بالقاهرة ومصر ليقوموا بهم من أموالهم. هذا كله ذكره بيبرس فى تاريخه فقال: «وكنت إذا ذاك فى الإسكندرية. والصعاليك (١)» الذين فيها والواردين إليها وزعوا على الأملياء، والفقراء على الأغنياء، وكنت متوليا أمر توزيعهم على التجار وأرباب المعايش والأيسار، ووظفت على نفسى منهم جماعة، وأجريت عليهم جاريا قام بأودهم إلى أن انقضت المجاعة، وتواصلت الغلال إلى الإسكندرية وتواترت من جزيرة صقلية والقسطنطينية وبلد الفرنجية، حتى أن الواصل إليها شف على ثلاثمائة ألف أردب قمحا، فتماسك أهل الثغر، ووجدوا رفقا بهذا الأمر، وانتهى سعر القمح إلى ثلاثمائة وعشرين درهما ورقا الأردب (٢). وقال ابن كثير فى تاريخه: مات فى ذى الحجة بديار مصر نحو من عشرين ألفا (٣).

стр. 1150

وفى نزهة الناظر. وفيها وصل من بلاد برقة جماعة كثيرة، وقد أثر [١٠٨] الجوع فيهم، وشكوا من القحط فى البلاد، وأنه لم ينزل لهم غيث فى تلك السنة، ولا أعشبت أراضيهم، ونشقت الأعين، ولم يجدوا ببلادهم القوت، وهم نحو ثلاثين ألف نفر، وأفنى الجوع والعطش جميع ما كانوا يملكونه من الأغنام والإبل والمواشى، وكذلك الأطفال والنساء، وما سلم من الرجال إلا من كان فى أجله تأخير. ووصل عقيب ذلك كتاب من نائب الشام يخبر أن أيام الوسم الذين يزرعون فيه الأراضى فاتت، ووجدت أهل الشام لذلك مشقة عظيمة إلى أن خرجت المشايخ والصلحاء والفقراء واستغاثوا فلم يسقوا، وأقام الحال على ذلك ثلاثة أيام، ثم نودى فى دمشق أن لا يبقى أحد إلا ويخرج للاستغاثة إلى الله تعالى، فخرج نائب الشام وجميع العسكر، وأن الله تعالى قبل دعاءهم، وأنزل عليهم الغيث. وجاءت الأخبار أيضا من جهة القدس والخليل ﵇ أن الوسم الذى يعتادونه فى أيام زروعهم قد فات أوانه، وانقطع الغيث عن بلادهم، وعن جميع بلاد الساحل، وأن الأعين والآبار قد جفت ولم يبق فيها ماء إلا قليل جدا حتى عين سلوان. وكذلك جف النيل بمصر وتناقص عن زيادته، فتحسن سعر الغلة إلى أن وصل القمح بعد الأربعين إلى سبعين، ثم لطف الله بالوفاء وكسروا الخليج، وبعد الوفاء بلغ النيل إلى سبعة عشرأ صبعا، ثم نزل سريعا، وكسر بحر ابن منجى قبل أجله بثلاثة أيام خشية من النقص، فصار السعر يتزايد كل يوم إلى أن بلغ القمح إلى مائة درهم الأردب، والشعير إلى ستين، والفول إلى

стр. 1151

خمسين، وبلغ الرطل من اللحم إلى ثلاثة دراهم، وكان راتب البيوت فى ذلك الوقت والجرايات لأرباب الرواتب كل يوم سبعمائة وخمسين أردبا من القمح والشعير، وراتب الحوائج خاناه عشرون ألف رطل من اللحم. وفيها: ورد البريد من الشام يذكر أنه قد وصل إلى الفرات بالرحبة من عسكر التتار تقدير عشرة آلاف بيت (١) بحريمهم وأولادهم ومواشيهم، وأنهم من عسكر بيدو، ولما انكسر بيدو خافوا من قازان وقصدوا بلاد الإسلام راغبين فى الإسلام، وأن المقدم عليهم أمير يسمى طرغاى، وهو زوج بنت هلاون، ومعه أميران يسمى أحدهما ككتاى والآخر أركاون، فأرسل الملك العادل إلى علم الدين الدوادارى بأن يتوجه إلى لقائهم لأنهم من جنسه، فتوجه الدوادارى من دمشق عاشر ربيع الأول، ثم توجه بعده سنقر الأعسر. ولما كان يوم الإثنين الثالث عشر (٢) من ربيع الأول: عاد سنقر الأعسر إلى دمشق وصحبته من مقدميهم وأعيانهم مائة فارس وثلاثة عشر فارسا، وخرج لملتقاهم نائب السلطنة، واحتفل الناس لدخولهم، وأنزلوهم بالقصر الأبلق، وأقاموا بدمشق إلى السابع من ربيع الآخر، ثم حضر الأمير حاج سيف الدين بهادر يستدعيهم إلى الأبواب الشريفة، فتوجهوا صحبة شمس الدين سنقر الأعسر، ثم ورد مرسوم للدوادارى أن ينزل ببقيتهم فى الساحل فى أرض عثليث، فعبر بهم

стр. 1152

على دمشق من على المرج، ولم يمكن أحدا منهم من الدخول إلى دمشق (١). وأما قضية بيدو، فإنه ملك بعد مقتل كيخاتو بن أبغا بن هلاون بن طلو بن جنكزخان، وكان كيخاتو ملك التتار بالعراقين، فأساء [١٠٩] السيرة، وتعرّض إلى أولاد التتار ونسوانهم، وأفحش فى الفساد فيهم، فنقموا عليه وشكوا إلى بيدو ابن عمه، وهو بيدو بن طرغاى بن هلاون، ما يلقون منه، فاتفقوا على إعدامه وتعجيل جمامه، فوثب عليه بيدو وطرغاى وبستاى وخجك، فعلم بما هموا به، ففرّ من الأردو هاربا، للنجاة طالبا، وتوجه إلى نحو كرجستان لائذا، فأدركه الهلاك وقتل بمقام بيلا سوار من أعمال موغان فى ربيع الآخر من هذه السنة، فكانت مملكته ثلاث سنين وشهورا (٢). وفى جمادى الأولى منها: استقر بيدو فى المملكة بعد هلاك كيخاتو، وكان قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون بخراسان وصحبته نوروز أتابكه، فحسن له قصد بيدو ومحاربته، وانتزاع الملك منه، فجمعا وحشدا وحضرا من خراسان لحرب بيدو، وسار بيدو فى عساكره إليهما، فلما تراءى الجمعان تبين لقازان أن جمعه لا يفى بلقائه، فراسله بالإذعان وعامله بالملاطفة وحلاوة اللسان، فاتفقا على الصلح، فاصطلحا، وعاد قازان راجعا إلى خراسان، وأقام نوروز عند بيدو، فإنه منعه من الرجوع صحبة قازان لكيلا يتفقا عليه وينفذا إليه، فاغتنم نوروز الفرصة مدة إقامته عند بيدو واستمال جماعة من الأمراء لقازان، واستوثق منهم أنه متى دنا انحازوا إليه وتركوا بيدو وخامروا عليه، فبلغ الخبر بذلك لقازان،

стр. 1153

فتجهز للمسير من خراسان، وبلغ بيدو خبره فأوجس خيفة منه، وذكر ذلك لنوروز. فقال له: أنا أكفيك أمره وأدفع عنك شره، ومتى وجهتنى إليه ثنيت عليك عزيمته، وفرقت جماعته، وأرسلته إليك مربوطا، فاستحلفه أنه لا يخون فى عهده إذا فصل من عنده، ثم سرحه فسار إلى خراسان، وأخبر قازان كل ما كان، وخرجا معا لقصد بيدو، وسارا طالبين الأردو، وأرسل نوروز إليه قدرا مربوطا فى عدل، وقال: قد وفيت بما قلت لك، وأرسلت قزان (١) إليك مربوطا بالوثاق، ولم أغير ما وقع به الميثاق، فغضب بيدو لرسالته، وتبين له مكره به من مقالته، وسار للقائه، فالتقى الجمعان بنواحى همدان، فخامر أمراء بيدو عليه وانحازوا إلى قازان، فاستظهر بهم وقوى بسببهم، ولم يكن لبيدو بهم إلا الفرار وسلوك الأوعار، فلحقوه بنواحى همدان فقتلوه، وكانت مملكته ثمانية شهور، ومقتله فى ذى الحجة من هذه السنة. وفى ذى الحجة: ملك قازان (٢) بن أرغون بن هلاون، واستقر فى السلطنة، وترك أخاه خربندا مقيما بخراسان، واستقر نوروز (٣) أتابك العساكر ومدبر المملكة إلى أن كان منه ما سنذكره (٤) إن شاء الله تعالى. وقال ابن كثير: ولما تملك قازان على التتار فى هذه السنة أسلم وأظهر الإسلام [على يد الأمير نوزون ﵀، ودخلت التتار أو أكثرهم فى الإسلام (٥)]،

стр. 1154

ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رءوس الناس يوم إسلامه وتسمى بمحمود، وشهد الجمعة والخطبة، وخرّب كنائس كثيرة، وضرب عليهم الجزية، وردّ مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد وظهرت السّبح والهيا كل مع التتار (١). وفى بعض التواريخ: أن إسلام قازان كان على يد الشيخ صدر الدين ابن حمويه الجوينى (٢). وفيه أيضا: أن بيدو لما انكسر لحق بالكرج وكان قد تنصر. [١١٠] وفيها: أنعم على الملك الأوحد (٣) بن الملك الزاهر بن أسد الدين صاحب حمص بإمرة بدمشق، وهو أول أمير تأمر بطبلخاناة من بنى أيوب فى دولة الترك، وكان نائب الشام كتب فيه إلى السلطان وعرف فى كتابه كبر أهل البيت الذى هو منه وتقدّمه فى السنّ وجودته وديانته. وفيها: بلغ النيل إلى ستة عشر ذراعا وسبع عشرة أصبعا. وفيها حج بالناس الملك المجاهد أنص بن الملك العادل كتبغا وأهل بيته، وتصدقوا بصدقات كثيرة فى الحرمين. وفى نزهة الناظر: لما حج أنص هذا أرسل إلى الشريف أبى نمى صاحب مكة شرفها الله عشرين ألف درهم إنعاما عليه، وأنعم على أولاده بعشرة آلاف

стр. 1155

درهم، وأنه طول الطريق معه روايا وأصعان مملوءة سكرا وسويقا وأقسما ومشروبا كثيرا، وأبيعت العلبة من الحلواء فى الطريق بدرهمين، والرطل السكر بدرهم ونصف، وكان معه من سائر الأصناف، وخلع على جميع من صحبه من الأمراء والمماليك والجند وسائر من صحبه. وقال صاحب التاريخ: حكى لى خازن الداره أن جملة أنعامه على الأمير سيف الدين طقجى مائة وستون ألف درهم، وكان من جملتها بذلة كلها زركش وقباء تترى فيه ألف دينار، وكانت تفرقته على الغلمان والصعاليك ثمانين ألف درهم، وأخبر أنه أصلح بين الخليفة أبى العباس أحمد وبين الشريف أبى نمى صاحب مكة، لأنه وقع بينهما كلام ومشاجرة والركب واقف بجميع الأمراء، وبلغ من أمرهما إلى أن قال أبو نمى للخليفة: من أنت؟ ومن يقال لك؟ ومن أبوك؟ أما تستحى إذا ذكرت نسبك مع نسبى، ثم شرع يقول: أنا فلان بن فلان إلى أن أذهل الواقفين، ولم يقدر الخليفة بعده على الجواب: بل تمثل يقول: نسب كان عليه من شمس الضحى … نور ومن فلق الصباح عمودا ولم يزل الملك المجاهد يرضّى الشريف والأمير طقجى معه إلى أن اصطلحا وطابت خواطرهما.

стр. 1156

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح القدوة الزاهد العابد العارف أبو الرجال (١) بن مرى بن بحتر المنينى (٢). مات بقرية منين فى عاشر المحرم منهما، ودفن فى زاويته بالقرية المذكورة، وخرج الناس من دمشق فمنهم من أدرك الدفن ومنهم من صلى على قبره، وكانت له أحوال ومكاشفات، من المشايخ الأجلاء المعروفين بالخير والصلاح والورع، وكان أهل البلد يزورونه، وربما قدم هو بنفسه إلى دمشق فيكرم ويضيفّ، ومات وقد جاوز الثمانين، وكان شيخه الشيخ جندل من كبار الصالحين أيضا، ومن الأبدال، وكان من القرية المذكورة. الشيخ الصالح العابد الزاهد الورع بقية السلف جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد (٣) بن قاضى القضاة وخطيب الخطباء عماد الدين بن عبد الكريم بن قاضى القضاة جمال الدين عبد الصمد بن الحرستانى.

стр. 1157

سمع الحديث وناب عن أبيه فى الإمامية وتدريس الغزالية (١)، ثم ترك المناصب وأقبل على العبادة، وتوفى فى آخر ربيع الآخر، ودفن بالسفح عند أهله وقد جاوز الثمانين. الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ مفتى بلاد الحجاز فى زمانه محب الدين أبو العباس أحمد (٢) بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر [١١١] بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى الشافعى. وكان شيخ الشافعية، وفقيه الحرم، ومحدث الحجاز، وسمع الكثير وصنف فى فنون كثيرة (٣)، من ذلك: كتاب الأحكام فى ست مجلدات وهو كتاب مفيد، وكتاب على ترتيب جامع المسانيد أسمعه لصاحب اليمن. وكان مولده يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة عشر وستمائة (٤)، ومات

стр. 1158

فى هذه السنة، ودفن بمكة. وله شعر جيد، فمنه قصيدته فى المنازل بين مكة (١) والمدينة تزيد على ثلاثمائة بيت (٢)، كتبها عنه الحافظ شرف الدين الدمياطى فى معجمه. الشيخ الإمام العلامة الخطيب المدرس المفتى القاضى شرف الدين أحمد (٣) ابن الشيخ جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسى الشافعى. ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة (٤)، وتوفى يوم الأحد السابع عشر من رمضان منها، ودفن بمقابر باب كيسان عند والده وأخيه، سمع الكثير، وكتب حسنا، وصنف (٥) فأجاد وأفاد، وكان مدرس الغزالية ودار الحديث النورية مع الخطابة، ودرس فى وقت بالشامية البرانية، وأذن لجماعة من الفضلاء فى الإفتاء منهم الشيخ الإمام أبو العباس ابن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت لابن تيمية فى الإفتاء، وكان يتقن فنونا من العلم، وصنف كتابا فى أصول

стр. 1159

الفقه جمع فيه شيئا كثيرا ولم يخلف بعده مثله لأنه فيه ما لم يجمع لأحد من العلماء من علم الفقه والأصلين والحديث والنحو واللغة وحسن الخط والدين والعفة والتواضع والفصاحة وحسن الهيئة والمسارعة إلى قضاء حوائج الناس. وله شعر جيد فيه ما قاله فى زهر اللوز: أحجّ إلى الزهر وأسعى به (١) … وأرم جمار الهم مستنفرا (٢) من لم يطف بالزهر فى وقته … من قبل أن يحلق قد قصّرا وله لغز فى الناعورة (٣): وما أنثى وليست ذات فرج … وتحمل دائما من غير فحل وتلقى كل آونة جنينا … فيجرى فى الفلاة بغير رجل وتبكى حين تلقيه عليه … بصوت حزينة فجعت بطفل وقال يمدح سيدنا رسول الله ﷺ : تحيّة مشتاق بعيد مزاره … إلى من بأكناف العقيق دياره وشكوى بعاد أنفد الدمع بعضه … وأفنى مدى الصبر الجميل انتظاره وصب عرته للصّبابة حسرة … تنّم بها أنفاسه واصفراره

стр. 1160

ووجد بأكناف (١) … الحمى سقى الحمى ولا زال يندى شيحه وعراره ودمع بأسرار المحبّة ناطق … إذا لمعت دون المحصّب ناره وجسم غدا إثر الضغائن قلبه … وإن كان فى أرض البعاد قراره ركائب تحدو (٢) … باسم خير مؤمل بنّى علا فى العالمين مناره فوا أسفا لو كان يجدى تاسّف … ووا حسرتا إذ شطّ عنى مزاره [١١٢] إذا قدم الزّوار تربة يثرب … وفاضت من الدمع المصون غزاره فكم خائف جان يلوذ بظله … وكم تائب ثوب الخضوع شعاره أحنّ إلى ربع زكت تراب أرضه … وأصبح نور المصطفى وهو جاره نبىّ أضاء الكون من نور وجهه … وعاد ظلام الشرك يبدو استناره وحنّ إليه الجذع والجذع يابس … وجاء بعير القوم يعلو خواره سلام على من سلّم الذئب خاضعا (٣) … عليه كذاك الظبى زال نفاره له معجزات يبهر العقل بعضها … وآيات مجد ليس تحصى فخاره فطوبى لمن زار النبىّ محمدا … وأضحى إلى البيت العتيق انتشاره ولبّى مشوقا ثم طاف ملبيا … وأصبح بعد السعى والبيت داره
следующие страницы →