← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

السواحل، واستصحب معه الهدايا النفيسة، والجواهر الثمينة، [٣٧٨] والتحف الغريبة، والأقمشة شيئا كثيرا. فلما توجّه وأقام أخواه بقونية وهما: عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، لم يلبثا إلا قليلا حتى دبّت بينهما عقارب السعاة، وأفضى الحال بينهما إلى المعاداة، واختلفت الآراء، وشعّبت الأهواء، وتقسمت خواطر الأمراء. وكان الصاحب يومئذ شمس الدين الطغرائى، وكان يميل مع ركن الدين، وآل أمر الأخوين إلى أن اقتتلا، فانكسر ركن الدين قليج أرسلان، وانتصر عليه أخوه عز الدين كيكاوس، وأخذه أسيرا، واعتقله عنده، واستقر بقونية، وحكم فى المملكة، هذا وبيجو ومن معه يجوسون خلال الديار. ولما حصل ركن الدين فى الأسر ضاق بإلزامه الأمراء (١) وهم: شمس الدين الطغرائى، والأمير سيف الدين جاليش، وبهاء الدين أزدكردى، ونور الدين الخزندار، ورشيد الدين صاحب ملطيّة وهو أمير عارض، وفكّروا فيما يفعلون، فاتفقوا على أن زوّروا كتبا عن السلطان عز الدين إلى سيف الدين طرنطاى ورفيقيه بأن يسلّما إليهما السلطان علاء الدين وما معهما من الهدايا والخزانة، ليتوجّه الصاحب بذلك إلى منكوقان وتعودا أنتما من الطريق. وساروا بهذه الكتب الموضوعة فى إثر السلطان علاء الدين، فلحقوه وقد وصل هو ومن معه إلى أردو بايطو، فدخلوا على بايطو وقالوا له: إن السلطان عز الدين كان قد أرسل أخاه ليتوجّه إلى القان، وأرسل معه هذين الذين هما طرنطاى عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ١٠

стр. 142

ورفيقه، ثم اتضح (١) له أنهما قد أضمرا السّوء، وأنّ طرنطاى ضربته الصاعقة فيما مضى من الزمان فلا يصلح أن يدخل بين يدى القان، وأنّ رفيقه شجاع الدين رئيس طبيب ساحر، وقد أخذ صحبته شيئا من السمّ القاتل يغتال به منكوقان، فأرسلنا نحن عوضا منهما وأمر بردّهما. فلما سمع بايطو مقال الصاحب ورفقته ظنه حقّا، فأمر بإحضار طرنطاى ورفيقه، وأن يفتش ما صحبتهما من القماش والزاد وغيره، ليظهر السمّ الذى معه، فكبست خيمة شجاع الدين الرئيس (٢) [٣٧٩] وحمل ما وجد، فكان من جملته برانى شراب وعقاقير الأدوية وشئ من المحمودة (٣)، فألزموه بالأكل من جميعها، فأكل حتى انتهوا إلى المحمودة أمروه أن يأكل منها فأبى، وقال: إن أكلت من هذه متّ، فقالوا: هو السمّ الذى قيل فيه إنه معكما، وسألوا الأمير سيف الدين طرنطاى: ما هذا السمّ؟ ولم حملتماه؟ ومن الذى تقصدان أن تغتالا به وتقتلاه؟ فأجاب: بأنه لا علم له بأمره، وإنما يسأل عنه من وجد معه، فرسم بايطو بأن يقرر شجاع الدين بالضرب ليلطلعهم على الأمر، فقال لهم: اطلبوا الأطبّاء إلى هاهنا، وأروهم هذا النوع واسألوهم عنه، فإن ذكروا أنه سمّ قاتل، فأنا خائن خاتل، وإن قالوا: إنه دواء يتخذه الناس ويستعملونه لعلاج الأمراض، فهؤلاء القوم ذو أغراض.

стр. 143

فأحضروا الأطباء وسألوهم عن المحمودة، فأجابوا بأنها دواء يشرب للمنفعة، وتوجد عند كثير من الباعة وغيرهم، فتبيّن لهم أن الصاحب قد تقوّل عليه، ثم سألوا طرنطاى ما هى الصاعقة التى ضربته وفى أىّ وقت أصابته؟ فقال: الصاعقة لا حقيقة لها، والحال فيها كالحال فى السمّ، وإنما هؤلاء زوّروا الكتب التى على أيديهم، وكتبوا ما أرادوا لأنفسهم، وأنا بينى وبين السلطان أمارة جعلها معى عند وداعه فأقول سرّا، فإن قالها الصاحب ومن معه فهم صادقون، وإن لم يعرفوها فهم ماذقون، وأسرّ إليه الأمارة، فسأل الصاحب ورفقته عنها فلم يعرفوها، فقال بايطو لطرنطاى: أنتم جميعا متوجهون إلى القان، وهو يفعل ما يراه. وهؤلاء حضروا من مسافة بعيدة فاختاروا (١) إما أن يتسلّموا السلطان وتبقى الخزائن معكم، أو تسلّموا إليهم الخزائن ويبقى السلطان معكم، فأجمع رأى الأمير سيف الدين طرنطان على أن تكون الخزائن معه ومع رفيقه، وأن يتسلّم السلطان علاء الدين الصاحب شمس الدين الطغرائىّ ورفيقه، فتسلّماه. وسار طرنطاى ورفيقه قبلهما، وسار الصاحب والسلطان معه بعده، فمرض السلطان علاء الدين فى [٣٨٠] أثناء الطريق ومات. فاتفق الصاحب وجاليش أن يسيرا إلى طرنطاى ورفيقه يعرّفانهما أن السلطان ضعيف، فإذا حضرا ليبصراه يقتلونهما، وبلغ سيف الدين طرنطاى موت السلطان، فأرسل فراشا ليكشف له أمره وأوصاه بأن يفتش آثارهم بالمنزلة التى

стр. 144

رحلوا منها، فمهما أصاب من ورقة ممزّقة أو غيرها يحضرها إليه ليستدلّ منها على شئ من أحوالهم. فوجد الفراش رقعة ممزّقة كان جاليش قد كتبها إلى الصاحب بما اتفقا عليه عند موت السلطان، فأحضرها الفراش إلى سيف الدين طرنطاى، فاحتفظ بها، وعلم منها ما كانا عزما عليه من المكيدة، وسار هو ورفيقه حتى إذا صارا من الأردو على مسافة ثلاثة أيام نزلا فى إنتظار الصاحب ومن معه معتقدين أنهم جاءون وراءهم، وكانوا قد توجّهوا من طريق أخرى إلى منكوقان، فلما وصلوا إليه وأعلموه بأنّ لهم رفقة لم يصلوا بعد أنكر منكوقان عليهم، وأمر بأن يربطوا ويقاموا فى الشمس إلى حين وصول رفقتهم (١)، فأرسل الصاحب يخبر طرنطاى بأمره، ويسأله سرعة القدوم ليفكّ من أسره، فقدم طرنطاى. وجلس [لهم] منكوقان (٢) مجلسا عامّا، وأحضرهم بين يديه، ووقف التراجمة يعبرّون لهم وعنهم، فأمر بأن يجلسوا فى مراتبهم كما يجلسون فى بلادهم، فتنافسوا فى الجلوس، وقصد كلّ من التقدّم على الآخر، ثم سألهم عن وظائفهم، فصار كلّ يدّعى أنه الأكبر، فلما انتهى إلى طرنطاى ذكر أن وظيفته الأتابكيّة وتقدمة الجيش، فأمر أن يجلس فوق جميعهم، فأبى، وضرب جوك الخدمة وقال: أنا بمرسوم القان أجلس فى المنزلة التى كنت أجلس فيها فى بلادنا، فأعجب منكوقان قوله وقال: هذا قد تبيّن لنا صدقه [وعقله (٣)]، وسأله عن أمر السلطان

стр. 145

علاء الدين وكيف كان موته؟ فقال: منذ سلمه المملوك إلى الصاحب ورفقته، وتقدمنا [هم (١)] فى المسير لم نعرف له خبرا، فالقان يسأل من كان معه عن أمره، فعطف [٣٨١] إلى الصاحب وسأله عنه، فقال له إن طرنطاى قتله وزوجة السلطان تشهد بذلك، ولم يكن مع السلطان زوجة، وإنما كان سيف الدين طرنطاى قد اشترى للسلطان جارية تخدمه فى الطريق وعهدتها معه، وكان الصاحب قد أوصاها أن تقول: إنها زوجته وتوافقه على ما رتّبه، فاستدعاها (٢) القان وسألها كيف كان موت السلطان؟ فاستصرخت واستغاثت، وادّعت أن طرنطاى ورفيقه هما اللذان قتلاه، فأحضر طرنطاى عهدة الجارية، وعرف القان كذبها فى زعمها أنها زوجة السلطان (٣)، وأحضر الورقة الممزّقة التى أحضرها إليه الفراش، وهى من جهة جاليش إلى الصاحب بما تآمرا عليه، فتحقق منكوقان غرض الصاحب ونقله الكاذب، فأخّره ودحره، وقدّم طرنطاى وأكرمه، وقبل التقدمة، وسمع الرسالة، وكان مضمونها إن السلطان عز الدين كيكاوس كبير الأخوة وأولاهم بالمملكة، وسأل أن يسيّر إليه القان (٤) يرليغ (٥) بتقليده، ويمنع التتار من الغارات على بلاده والتعرّض إلى رعيته، فأجاب

стр. 146

منكوقان إلى ذلك وأعطاه بايزة (١) ذهب سار سقر منقوشا فيها التقليد والتفويض إلى السلطان عز الدين، وخلع على طرنطاى ورفقته، وأنعم عليهم بالشاشات (٢) الذهب، وعلى حاشيتهم بالشاشات (٣) الفضة. ومن الغد ورد عليه من جهة أخيه قبلاى وكان قد جرّده إلى بلاد الخطا خبر أزعجه وكلام أحفظه، فعزم على المسير إليهم، وتجهز للغارة عليهم. ثم اتفق وصول خبر آخر سائقا على البريد من عند بيجو من ناحية الروم يقول: إنا كنا عابرين إلى الروم، فلما وصلنا إلى مكان يسمّى ما خان لقينا جيشهم صحبة أمير منهم يسمّى صارم كمنانوس، وقاتلنا ومنعنا العبور، وقطع القنطرة التى نجوز عليها، فاستشاط منكوقان غضبا وأحضر طرنطاى وقال له: ألستم تقولون إنكم حضرتم من عند مخدومكم فى طلب الصلح!! فلماذا يسير الجيش لقتال عساكرنا؟ فقال له: أنا لى مدة متطاولة [٣٨٢] منذ خرجت من عند مخدومى، ولم يرد علىّ منه كتاب، ولا صدر إليه منى (٤) جواب، ولا يعلم (٥) هل نحن أحياء أم أموات، غير أننى إذا وصلت إليه باليرليغ من عند القان دخل تحت طاعته، وحمل إليه ما تقرّر من إتاوته، فتقدم الصاحب [شمس الدين (٦)] الطغرائى

стр. 147

ورفقته وسألوا القان أن يعطى السلطنة للسلطان ركن الدين قليج (١) أرسلان دون أخيه، وضمنوا عنه حمل الإناوة وبذل الطاعة، فقال منكوقان: بل تكون المملكة مشتركة بينهما، والبلاد مقسومة لكل منهما، وقسم البلاد مناصفة، فصيّر من نهر سيواس إلى حدّ بلاد الأشكرى لعزّ الدين كيكاوس، ومن سيواس إلى تخوم أرزن الروم من الجهة الشرقية (٢) المتصلة ببلاد التتار لركن الدين قليج أرسلان أخيه، وعاد الصاحب شمس الدين وسيف الدين طرنطاى ورفقتهما من عنده، فلم يصلوا إلى الروم حتى دخلها التتار وفعلوا فيها ما سنذكره إن شاء الله فى سنة سبع وخمسين وستمائة، وأحضروا معهم جسد السلطان علاء الدين كيقباذ مصبّرا، فدفنوه بارزنكان «﵀ (٣)». ذكر ما اشتملت عليه المملكة الروميّة من البلاد الإسلامية: بلاد خلاط وأعمالها: وتسمى الأرمينية الكبرى وكل من تملكها يسمى شاه أرمن، ومن مدنها: [خلاط (٤)] وآن، وسطان، وأرجيش [وما معها (٥)]. أرزن الروم وأعمالها، ومن مدنها: سبهر، وبابرت، وقجماز، وتسمى دار الجلال.

стр. 148

[مدينة التى وأعمالها، وهى متصلة ببلاد الكرج وتخومها، وهى ذات قلعة حصينة منيعة (١)]. بلاد أرزنجان وأعمالها: ومن مدنها آقشهر، ودرجان وكماخ، وقلعة كغونية [وما مع ذلك (٢)]. ديار بكر وأعمالها: ومن مدنها (٣) المشهورة خرت برت، وملطيّة، وشميسات (٤) ومشار وغيرها. سيواس وبلاد دانشمند: وتسمّى دار العلاء، ومن (٥) مدنها نكيسار، وأماسية، وتوقات، وقمينات. وبلاد كنكر ومدينة أنكورية ومدينة سامسون وقلعة سنوب وكستمونية وطرخلو وبرلو، وهذه متصلة بسواحل البحر المحيط. وقيسارية وأعمالها: ونكده، وعراقلية، وبلاد أرمناك وبها ابن منتشى. مدينة قونية [٣٨٣] وأعمالها. وطنغرلو وأعمالها. وقرا حصار ودمرلو وأقصرا وأنطاليا [والعلايا (٦)].

стр. 149

ذكر دخول التتار بلاد الروم ثالث مرّة: وفى هذه السنة، دخل بيجو مع التتار إلى بلاد الروم ثالث مرّة، وشنّ الغارات عليها، وسبى هو ومن معه من عساكر التتار وغنموا، فكانت هذه الغارة أعظم نكاية من الغارات المتقدّمة. وحكى أن الباعث لبيجو عليها بيجار الرومىّ، وذلك أنه حصل يوما فى جملة الناس إلى دار السلطان علاء الدين كيقباذ (١) وقت بسط الخوان (٢)، فقصد الدخول إلى السلطان مع الأعيان، فضربه أحد البردداريّة (٣) بعصاة على رأسه ليمنعه عن الدخول، فأرمى (٤) طرطوره عن رأسه، فأغضبه ذلك، وقال: أنتم رميتم طرطورى على هذا الباب، فلابدّ أن أرمى عوضه رؤوسا كثيرة وعدّة طراطير، وخرج من فوره وتوجّه إلى بيجو مخامرا، وأطمعه فى بلاد [الروم (٥)] والإغارة عليها، وهذا بيجار لم يكن له بين العساكر الروميّة ذكر ولا مريّة، ولكن قال الشاعر: لا تحقرنّ عدوّا رماك وإن … كان فى ساعديه قصر فإن السيوف تحزّ الرقاب … وتعجز عما تنال الإبر فلما آل أمر بلاد الروم إلى الفساد، عزم أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو على توجّه أحدهم إلى منكوقان ببذل الطاعة وإلتماس الأمان والفرمان،

стр. 150

فتوجّه السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو من قونية قاصدا الأرد وإلى منكوقان بن طولو خان بن جنكز خان، وقد ذكرنا قضيته مفصّلة عن قريب. ثم إن بيجو وخجانوين ومن معهما من التتار عادوا إلى بلاد الروم، وكان السلطان عز الدين كيكاوس قد استقرّ بمفرده فى المملكة، وأخوه ركن الدين قليج أرسلان كان فى سجنه كما ذكرنا، وأخوه الآخر علاء الدين كيقباذ قد مات، كما ذكرنا، فلما بلغه عود التتار إلى بلاده جّهز جيشه على عزم الجهاد، وقدّم عليهم أميرا من كبار أمرائه يسمى أرسلان دغمش، فتوجّه المذكور بالعساكر الروميّة، وكان بيجو نازلا على صحراء قونية، فلما كان بعد توجه أرسلان دغمش بأيام شرب السلطان عزّ الدين مسكرا وتوجّه إلى بيت أرسلان دغمش وهو سكران، وقصد كبس [٣٨٤] حريمه والهجوم عليهم، فأرسلوا يخبرونه بذلك، فاغتاظ وقال: أنا فى خدمته قبالة عدوّه وعدو الإسلام وهو يعاملنى بهذه المعاملة ويهجم على حريمى. فأزمع الخلاف والمخامرة وأرسل إلى بيجو، ووعده أنه يتخاذل عند اللقاء، وينحاز إليه ويكون مساعدا له لا عليه. فلما التقوا عمد أرسلان دغمش إلى سناجق صاحبه، فكسرها وولى هزيما، فانهزم عسكر الروم، واستظهر بيجو ومن معه، وتوجّه أرسلان دغمش إليه، فسلم عليه وحضر معه إلى قونية. وبلغ السلطان الكسرة، فهرب من قونية إلى العلايا وأقام بها، وأغلق أهل قونية أبواب المدينة.

стр. 151

فلما كان يوم الجمعة أخذ الخطيب ما يملكه من ماله وحلى نسائه، وأحضره معه إلى الجامع وارتقى المنبر فنادى فى الناس قائلا: يا معشر المسلمين نحن قد ابتلينا بهذا العدوّ الذى دهمنا وما لنا فيه من يعصمنا، فابذلوا أموالكم واشتروا نفوسكم بنفائسكم، واسمحوا بما عندكم لنجمع من بيننا شيئا نفدى به نفوسنا وحريمنا وأولادنا، ثم بكى، وبكى الناس، وسمح كل أحد بما أمكنه، فجهّز الخطيب المذكور الإقامات، وخرج إلى مخيّم بيجو فلم يصادفه لأنه كان راكبا فى الصيد، وقدم ما كان معه إلى الخاتون زوجته فقبلته منه، وأقبلت عليه، وأكلت من المأكول، وقدم المشروب وأخذ منه شيئا على سبيل الششنى (١)، فناوله شابّا إلى جانبه ليذوقه، فقالت له: لماذا لا تشرب أنت منه؟ فقال: هذا محرّم علينا. قالت: من حرّمه؟ قال: الله تعالى حرّمه فى كتابه العزيز. قالت: فكيف لم يحرّمه علينا؟ قال: أنتم كفّار ونحن مسلمون. فقالت له: أنتم خير عند الله أم نحن؟ قال: بل نحن، قالت: فإذا كنتم خيرا منا عنده فكيف نصرنا عليكم؟ فقال: هذا الثوب الذى عليك، وكان ثوبا نفيسا مرصّعا درّا ثمينا، أنت تعطينه لمن يكون خاصّا بك أو لمن يكون بعيدا عنك. قالت: بل أخصّ به من يختصّ بى. قال: فإذا أضاعه وفرّط فيه ودنّسه ما كنت تصنعين به؟ قالت: كنت أنكّل به وأقتله. فقال لها: دين الإسلام بمثابة هذا الجوهر والله أكرمنا به فما رعيناه حق رعايته، فغضب علينا وضربنا بسيوفكم [٣٨٥] واقتص منا بأيديكم، فبكت زوجة بيجو فقالت للخطيب: من الآن تكون أنت أبى وأنا أكون بنتك. فقال: ما يمكن هذا حتى تسلمى، فأسلمت على يده،

стр. 152

وأجلسته إلى جانبها على السّرير، فحضر بيجو من الصيد، فهمّ الخطيب بالقيام ليلتقيه فمنعته المرأة وقالت: أنت قد صرت حموه وهو يريد يجئ إليك ويخدمك. فلما دخل بيجو إلى خيمته قالت له: هذا قد صار أبى، فجلس بيجو دونه وأكرمه، وقال لزوجته: أنا عاهدت الله أننى إذا أخذت قونية وهبتها لك. قالت: وأنا وهبتها لأبى هذا، ثم أمر بفتح أبواب المدينة وآمن أهلها، ورتّب على كل باب شحنة لحفظهم من التتار، ورسم أن لا يدخلوها إذا كانت لهم حاجة إلا خمسين نفسا، خمسين نفسا، لقضاء حواجهم، ثم يخرجون، فلم يتعرضوا لأحد من أهلها بأذيّة، فكان ذلك من ألطاف الله الخفيّة (١). ذكر بقية الحوادث فى هذه السنة: منها: أنه حصلت وحشة بين البحريّة الصالحيّة وبين الملك الناصر يوسف، فخافوه وخافهم على نفسه، ففارقوه وخرجوا من دمشق. وقال المؤيد: وفى هذه السنة نقل إلى الناصر يوسف أن البحرية يريدون أن يفتكوا به، فاستوحش خاطره منهم وتقدّم إليهم بالانتزاح عن دمشق، فساروا إلى غزة (٢). وقال بيبرس: خرجوا ووصلوا نابلس، واتفقوا على التوجّه إلى الملك المغيث بالكرك، فتوجّهوا إليه وهم: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، والأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، وغيرهم،

стр. 153

فأكرمهم الملك المغيث وقبلهم وبرّهم ووصلهم، وإلتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصريّة وإمدادهم بعسكر لتصير لهم يد قويّة، فسيّر معهم عسكره حسبما سألوه، فساروا فى نحو ألف فارس، وبلغ الخبر الأمير سيف الدين قطز والأمراء المصريين، فجرّدوا عسكرا إلى الصالحيّة. وقال المؤيد: إلى العباسة، ووصل من البحرية جماعة مقفزين إلى القاهرة، منهم الأمير عز الدين الأفرم، فأكرموه وأفرجوا عن أملاكه (١). فلما كان ليلة السبت الخامس [٣٨٦] والعشرين (٢) من ذى القعدة أقبلوا إليهم واتفقوا معهم، فانكسر البحرية ومن معهم من العسكر الكركى، وأسر الأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، وقتل الأمير سيف الدين بلغان الأشرفى، وانهزم الباقون، وعادوا إلى الكرك وهم خائبون. قال المؤيد: انهزم عسكر المغيث والبحريّة وفيهم بيبرس البندقدارى الذى تسلطن بعد ذلك (٣). ولما حصل الأمير سيف الدين قلاون فى الأسر ضمنه الأمير شرف الدين قيران المعزّى، وهو يومئذ أستادار السلطنة، فلم يعرض أحد إليه، وأقام بالقاهرة مدة (٤) يسيرة، ثم تسحّب واختفى بالحسينية عند شمس الدين قطليجا الرومى، وقصد اللحاق بخوشداشيته، فزوده (٥) وجهزه وسار إلى الكرك.

стр. 154

وحسّن البحريّة للمغيث قصد الديار المصرية وأطمعوه فيها، وكاتبه بعض أمرائها ووعدوه بانحيازهم إليه متى حضر بنفسه إليها، فقصدها فى سنة ست وخمسين وستمائة. ومنها: أنه وصل من الخليفة المستعصم بالله الخلعة والطوق والتقليد إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام كما وعده. ومنها: أنه كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وبين أهل السنة، فنهبت الكرخ ودور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقمى، وكان ذلك من أقوى الأسباب فى ممالأته للتتار. ومنها: أنه دخل الفقراء الحيدريّة الشام، ومن شعارهم لبس الفراجى والطراطير، ويقصّون لحاهم ويتركون شواربهم، وهو خلاف السنّة، تركوها (١) لمبايعة شيخهم حيدر حين أسره الملاحدة، فقصّوا لحيته وتركوا شواربه، فاقتدوا به فى ذلك، وهو معذور مأجور، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وليس لهم فيه قدوة، وقد بنيت زاوية (٢) بظاهر دمشق قريبا من العونيّة. ومنها: أنه ولى القضاء بالديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب بن خلف العلائى (٣) المعروف بابن بنت الأعز، عوضا عن القاضى بدر الدين السنجارى، ﵀. وفيها: « ......... (٤)». وفيها: حج بالناس « ......... (٥)».

стр. 155

ذكر من توفى فيها من الأعيان الإمام الزاهد الشيخ تقى الدين [٣٨٧] عبد الرحمن بن أبى الفهم (١) اليلدانى (٢)، توفى بقريته (٣) فى ثامن ربيع الأول ودفن بها. وكان شيخا صالحا، مسندا مشتغلا بالحديث سماعا وكتابة وإسماعا إلى أن توفى، وله نحو من مائة سنة. قال أبو شامة: أخبرنى أنه كان مراهقا فى سنة تسع وستين وخمسمائة حين طهّر نور الدين بن زنكى ﵀ ولده، وأنه حضر الطهور، وأخبرنى أنه رأى النبىّ ﷺ ، وقال له يا رسول الله: بالله ما أنا رجل جيّد. فقال: بلى، أنت رجل جيد (٤). الشيخ شرف الدين محمد (٥) بن أبى الفضل المرسى.

стр. 156

كان شيخا فاضلا مفنّنا (١)، محقق البحث، كثير الحج، له مكانة عند الأكابر، وقد اقتنى كتبا كثيرة، وكان أكثر مقامه بالحجاز ومصر والشام، وحيث حلّ عظّمه رؤساء تلك البلدة، وكان مقصدا فى أموره، وكانت وفاته بالزعقة (٢) بين العريش والداروم فى منتصف ربيع الأول من هذه السنة، ودفن فيها. البادرائى الشيخ نجم الدين عبد الله (٣) أبو محمد بن أبى الوفا بن الحسن بن عبد الله بن عثمان بن أبى الحسن بن حسنون البغدادى البادرائى الشافعى، مدرس النظاميّة ببغداد، ورسول الخلافة إلى ملوك الآفاق فى الأمور المهمّة، وإصلاح الأحوال المدلهمّة. وقد كان فاضلا بارعا، رئيسا متواضعا، وقد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة (٤) مكان دار الأمير أسامة، وشرط على المقيم بها العزبة؛ ولكن حصل بسبب ذلك خلل كثير، وشرّ لبعضهم كبير.

стр. 157

وقال ابن كثير: وقد كان شيخنا الإمام العلامة شيخ الشافعية وغيرهم برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم (١) بن الشيخ تاج الدين الفزارى مدرّس هذه المدرسة وابن مدرّسها (٢)، يذكر أنه لما حضر الواقف فى أول يوم درس بها وحضر عنده السلطان الملك الناصر يوسف بن العزيز قرئ كتاب الوقف وفيه: ولا تدخلها إمرأة، فقال السلطان: ولا صبىّ. فقال الواقف: يا مولانا ربنا ما يضرب بعصاتين، فإذا ذكر هذه الحكاية تبسّم عندها، وكان هو أول (٣) من درّس بها، ثم ولده كمال الدين من بعده، وجعل نظرها إلى وجيه الدين بن سويد، ثم صار فى ذريته إلى الآن. وقد أوقف البادرائى على هذه المدرسة أوقافا حسنة دارّة، وجعل بها خزانة كتب حسنة نافعة، [٣٨٨] وقد عاد إلى بغداد فى هذه السنة، وتولّى بها قضاء القضاة كرها منه، فأقام فيه سبعة عشر يوما، ثم توفى إلى رحمة الله فى مستهل ذى الحجة من هذه السنة، ودفن بالشونيزية (٤). المشدّ الشاعر الأمير سيف الدين على (٥) بن عمر بن قزل، مشدّ الدواوين بدمشق.

стр. 158

كان شاعرا مطبقا، وله ديوان مشهور، وقد رآه بعضهم بعد موته، فسأله عن حاله فأنشده: نقلت إلى رمس القبور وضيقها … وخوفى ذنوبى أنها بى تعثر وصادفت رحمانا رءوفا وأنعما … حبانى بها لما كنت أحذر ومن كان حسن الظن فى حال موته … جميلا بعفو الله فالعفو أجدر بشارة (١) بن عبد الله الأرمنى الأصل، بدر الدين الكاتب، مولى شبل الدولة (٢) المعظّمى. سمع الكندىّ وغيره، وكان يكتب خطّا جيّدا، وأسند إليه مولاه النظر فى أوقافه، وجعله فى ذريته، فهؤلاء ينظرون فى الشبليتين (٣). وكانت وفاته فى النصف من رمضان من هذه السنة. القاضى تاج الدين أبو عبد الله محمد (٤) بن قاضى القضاة جمال الدين المصرى. ناب عن أبيه، ودرس بالشامية (٥)، وله شعر، فمنه قوله:

стр. 159

صيّرت فمى لفيه باللثم (١) … غدا [عمدا (٢)] ورشفت من ثناياه مدام فازوّر؟؟؟ وقال أنت فى الفقه إمام … ريقى خمر وعندك الخمر حرام الشيخ الأسعد هبة الله (٣) بن صاعد بن شرف الدين الفائزى. خدم قديما للملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل، وكان نصرانيا فأسلم، وكان كثير البرّ والصدقات والصلات. استوزره الملك المعزّ، وكان حظيّا عنده جدّا لا يفعل شيئا إلا بمراجعته ومشاورته. وكان قبله فى الوزارة القاضى تاج الدين بن بنت الأعز، وقبله القاضى بدر الدين السنجارى، ثم صارت بعد ذلك كله إلى هذا الشيخ الأسعد المسلمانى، وقد كان المعزّ يكاتبه بالمملوك، ثم لما قتل المعزّ أهين الأسعد حتى صار شقيا، وأخذ الأمير سيف الدين قطز خطه بمائة ألف دينار، وقد هجاه [٣٨٩] بعضهم: لعن الله صاعدا … وأباه فصاعدا وبنيه فنازلا … واحدا ثم واحدا (٤) ثم قتل بعد ذلك كله ودفن فى القرافة.

стр. 160

ابن أبى الحديد الشاعر العراقى عبد الحميد (١) بن هبة الله بن محمد بن محمد ابن الحسين، أبو حامد بن أبى الحديد، عز الدين المدائنى، الكاتب الشاعر المطيق الشيعى الغالى. له شرح نهج البلاغة فى عشرين مجلدا. ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمائة، ثم صار إلى بغداد، وكان أحد الكتاب والشعراء للديوان الخليفتى، وكان حظيّا عند الوزير ابن العلقمى لما بينهما من المناسبة والمهاربة والمشابهة فى التشيّع والأدب والفضيلة، وكان أكثر فضيلة وأدبا من أخيه أبى المعالى موفق الدين أحمد (٢) بن هبة الله، وإن كان الآخر فاضلا بارعا أيضا، وقد ماتا فى هذه السنة. الشريف الأديب أبو الحسن (٣) على بن محمد الموسوى، المعروف بابن دفتر خوان (٤)، له شعر حسن، ومصنفات كثيرة، توفى فى هذه السنة. الشيخ أبو جعفر (٥) بن الشيخ شهاب الدين أبى عبد الله عمر السهروردىّ الصوفى، مات ببغداد فى هذه السنة.

стр. 161

شجر الدّر (١) بنت عبد الله أم خليل التركيّة. كانت من حظايا الملك الصالح نجم الدين أيّوب بن السلطان الملك الكامل ابن العادل ايّوب، وكان له ولد منها يسمى خليل، كان من أحسن الصور، مات صغيرا، وكانت تكون فى خدمة الملك الصالح لا تفارقه حضرا وسفرا من شدّة محبته لها، وقد ملكت الديار المصرية بعد مقتل ابن زوجها الملك المعظم توران شاه (٢)، فكان يخطب لها ويضرب السكة باسمها، وعلّمت على المناشير مدّة ثلاثة أشهر كما ذكرنا، ثم تملك الملك المعز أيبك، ثم تزوجها بعد تملكه الديار المصرية، ثم غارت عليه لما بلغها أنه يريد أن يتزوج ابنة (٣) صاحب الموصل كما ذكرناه، فعملت عليه حتى قتلته كما تقدّم، فتمالى عليها مماليك المعزّ فقتلوها وألقوها على مزبلة ثلاثة أيام، ثم نقلت إلى تربة لها (٤) بالقرب من قبر الست نفيسة. وفى تاريخ النويرى: وفى سادس عشر ربيع الآخر من هذه السنة [٣٩٠] قتلت شجر الدرّ وألقيت خارج البرج الأحمر (٥) وحملت إلى تربة كانت قد عملتها فدفنت بها.

стр. 162

وكانت تركية الجنس، وقيل: كانت أرمنية الجنس، وكانت مع الملك الصالح فى الإعتقال بالكرك (١). وفى تاريخ ابن كثير: وكانت قوية النفس، ولما علمت أنها قد أحيط بها أتلفت شيئا كثيرا من الجوهر واللآلى كسرته فى الهاون لا لها ولا لغيرها (٢). وقال: لما سمع مماليك المعزّ بقتله أقبلوا صحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز، فقتلوها وألقوها على مزبلة غير مستورة العورة بعد الحجاب المنيع والمقام الرفيع (٣).

стр. 163

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السادسة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وفيها فتن ومصائب، وأعظمها قتل الخليفة المستعصم بالله، وانقراض الخلافة العباسيّة من بغداد، واستيلاء هلاون على بغداد، وفساد التتار فى البلاد، ووقوع الحرب بين بنى أيوب وبين المماليك البحرية، وبين الشاميّة والمصريّة، على ما نذكره مفصّلا. ذكر أخذ هلاون بن طلو خان بن جنكز خان مدينة بغداد وقتله الخليفة المستعصم بالله: وفى أول هذه السنة قصد هلاون بعساكر التتار بغداد، وسار إليها فنازلها، وكان معه من المقدّمين الأكابر: كوكك نوين، وألكان نوين، وكتبغا نوين، وقد غان نوين، وهلاجو نوين، ومر كديه نوين، وصغون حاق، ومن الملوك داود ملك الكرج بجيشه، وأرسل إلى بيجو يستدعيه ليشهد هو ومن معه المحاصرة ويستكثرهم فى المحاصرة، فلما وصل إليه الرسول أزمع التأخير واستشار الأمراء الذين معه فى ذلك، وهم: أرسلان جوبان، وصرمون نوين، وانكراث، فأبوا إلا التوجّه إلى هلاون، فاضطرّه الأمر إلى المسير إليه، إلا أنه

стр. 164

أرسل يخبر هلاون بأنّ جمعا كثيرا من القراسلية (١) والأكراد والياروقية قد جمعوا لهم فى الطرقات، ومقدمهم شرف الدين بن بلاش، وأنهم أخذوا عليهم المضيق، وسدّوا دونهم الطريق، ولا سبيل لهم إلى الخروج [٣٩١] من حدود ديار بكر، وقصد بيجو بذلك المدافعة؛ إذ لم يجد سبيلا إلى الممانعة، فجهز هلاون تومانين (٢) من التوامين الذى صحبته، أحدهما: مقدّمه قدغان، والآخر: كتبغا نوين ليفتحا الطرقات لهم، ويزيحا عنها الأكراد وغيرهم، وفى أثناء ذلك أتقع الأكراد (٣) والقراسل وقعة عظيمة، وجفل (٤) منهم أهل أرزنجان، وتحصّنوا بجبل أرزن سور، فلما وصل التتار إلى أرزنجان تسلّموها، وحاصروا كماخ (٥)، وكسروا الأكراد، وسبوا منهم وقتلوا، وأقام قدغان وكتبغا حتى وصل إليهم بيجو وخجا نوين ومن معهما، وتوجهوا جميعا إلى هلاون، فنزل بيجو ومن معه بالجانب الغربى من بغداد، وهلاون ومن معه بالجانب الشرقى، وحاصروا بغداد أشدّ الحصار.

стр. 165

ولما أحاطوا بها، وخيّموا حولها، خرج إليهم عسكرها بعدد وعدده، وحشده ومدده، صحبة مجاهد الدين أيبك الدوادار الصغير (١)، وكان له شأن عظيم، وقدر جسيم، وكان مقدّما على عشرة آلاف فارس، فندبه الخليقة لقتال التتار، وكان فى مقدمتهم صغون حاق بتمانه، فلما التقى المسلمون معهم كانت الكسرة على التتار، فولّوا الأدبار، وتبعهم الدوادار، سحابة ذلك النهار، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وجما غفيرا. وحجز بينهم الليل، فكفّت المسلمون الذين معتقدين أنهم قد استظهروا، ولأعدائهم قهروا، فلما أصبحوا لم يشعروا إلا وقد تراجع التتار إليهم، وحملوا عليهم، فكسروهم وهزموهم، لأن أكثرهم كان قد تسّلل فى الليل إلى المدينة موقنا بالنصرة. فلما تمت هذه الكسرة، ولّى المنهزمون ليرجعوا إلى بغداد، فحال بينهم وبينها بثق انبثق فى تلك الليلة، وساحت منه مياه دجلة، وشملت الطرق والمسالك، وأدركت العسكر، فأغرقت بعضهم هنالك. وقتل التتار مجاهد الدين أيبك الدوادار وولده أسد الدين، وكان مقدّما على خمسة آلاف فارس، وسليمان بن برجم (٢) أمير علم الخليفة، وجماعة من الأمراء البغاددة، وأعيان العسكر، وأسروا خلقا.

стр. 166

وأما هؤلاء الثلاثة فإنهم حملوا رءوسهم [٣٩٢] إلى الموصل، ونصبوها على باب المدينة ترهيبا لصاحبها، وتخويفا لأهلها. وارتاع الخليفة أشدّ ارتياع، وأخذت أسبابه فى الانقطاع، وأصبح لا يدرى، وإن كان حازما أقدامه خير أم وراءه، وأغلقت أبواب مدينة بغداد، فأحاط بها التتار وضايقوها بالحصار، فافتتحوها عنوة، ودخلوها غدوة فى العشرين من محرم هذه السنة، فبذلوا فى أهلها المناصل، وأوردوهم من حياض الموت أمرّ المناهل، وأكثروا الأيامى واليتامى والأرامل، ولم يرحموا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا (١). وفى تاريخ النويرى: وكان سبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمى كان رافضيا، وكان أهل الكرخ روافض (٢) فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد على جارى عادتهم فى السنة الماضية، فأمر أبو بكر (٣) ابن الخليفة وركن الدين الدوادار العساكر، فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء، وركبوا فيهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمى، وكاتب التتار وأطمعهم فى ملك بغداد، وكان عسكر بغداد مبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتار متحصل

стр. 167

إقطاعاتهم، وبقى عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس، وأرسل ابن العلقمى إلى التتار [أخاه (١)] يستدعيهم، فساروا قاصدين بغداد فجرى ما جرى (٢). وقال ابن كثير فى تاريخه: وأحاطت التتار بدار الخلافة، يرشقونها بالنشاب (٣) من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدى الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة الحظايا، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهى ترقص بين يدى الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك [وفزع فزعا (٤)] شديدا، وأحضر السهم الذى أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره (٥) سلب ذوى العقول (٦) عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة (٧)، وكان قدم هلاون بجنوده كلها، وكانوا نحوا من مائتى ألف مقاتل فى ثانى عشر المحرم من هذه [٣٩٣] السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان ما تقدم من الأمر الذى قدره الله وقضاه، وهو أن هلاون لما كان أول بروزه من همدان متوجها إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمى على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دواداره

стр. 168

أيبك وغيره، وقالوا: إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليهم من الأموال، وأشاروا بأن يبعث بشئ يسير، فأرسل شيئا من الهدايا، فاحتقره هلاون، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دواداره المذكور وسليمان شاه، فلم يبعثهما إليه، ولا بالى به حتى أزف قدومه، ووصل إلى بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة، فجرى ما جرى (١). ذكر خروج الخليفة إلى هلاون وقتله: ولما غلب التتار على بغداد، كان أول من برز إلى هلاون الوزير مؤيّد الدين بن العلقمى، فخرج فى أهله وأصحابه، فاجتمع بهلاون، ثم عاد، فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه، لتقع المصالحة، على أن يكون نصف الخراج من أرض العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج فى سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، ولما اقتربوا من منزل هلاون حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا، فخلص الخليفة بهؤلاء، وأنزل الباقون عن مراكيبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدى هلاون، فسأله عن أشياء كثيرة، وقيل: انه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفى صحبته خواجا نصير الدين الطوسى والوزير مؤيد الدين بن العلقمى وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيرا من الذهب والحلى والمصاغ والجوهر والأشياء النفيسة.

стр. 169

وقد أشار أولئك الملاعين الرافضة وغيرهم من المنافقين على هلاون أنّ لا يصالح الخليفة. وقال الوزير: ولو وقع الصلح على المناصفة لا يستمر [٣٩٤] هذا إلا عاما أو عامين، ثم يعود الأمر على ما كان عليه قبل ذلك، وحسّنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى هلاون أمر بقتله. ويقال: إن الذى أشار بقتله الوزير بن العلقمى ونصير الدين الطوسى، وكان النصير عند هلاون حظيا قد استصحبه فى خدمته لما فتح قلعة الموت وانتزعها من أيدى الإسماعيلية، وكان النصير وزير شمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينتسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدى، وانتخب هلاون النصير يكون فى خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هلاون تهيّب قتل الخليفة، فهوّن عليه قتله الوزير والنصير، فقتلوه رفسا وهو فى جولق لئلا يقع على الأرض شئ من دمه، خافوا أن يؤخذ (١) بثأره فيما قيل لهم. وقيل: بل خنق. وقيل: بل غرق (٢). وفى تاريخ النويرى: خرج الوزير ابن العلقمىّ فتوثق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة وقال: إن السلطان هلاون يبقيك فى الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوّج ابنته من ابنك أبى بكر، وحسّن إليه الخروج إليه، فخرج الخليفة فى جمع من الأكابر من أصحابه، فأنزل فى خيمة، ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل، فاجتمع هناك جميع سادات بغداد ومدرسوها، وكان فيهم الشيخ محيى الدين بن الجوزى (٣) وأولاده، وجعل الوزير يخرج إلى التتار طائفة بعد

стр. 170

طائفة، فلما تكاملوا قتلهم التتار عن آخرهم، ثم مدّوا الجسر، وعدّى بيجو ومن معه، وبذلوا السيف فى بغداد وهجموا دار الخلافة، وقتلوا كلّ من فيها من الأشراف، ولم يسلم منهم إلا من كان صغيرا فأخذ أسيرا، ودام القتل والنهب فى بغداد أربعين يوما حتى صار الدم فى الأزقة كأكباد الإبل، ثم نودى بالأمان (١). وفى تاريخ ابن كثير: ولما قتلوا هؤلاء السادات مالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل [٣٩٥] كثير من الناس فى الآبار وأماكن الحشوش وقنى الوسخ ويكمنون فيها ولا يظهرون، وكان جمع من الناس يجتمعون فى الحانات ويغلقون عليهم الأبواب فيفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالى المكان، فيقتلونهم على الأسطحة حتى تجرى الميازيب من الدماء فى الأزقة، وكذلك فى المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن إلتجأ إليهم، وإلى دار الوزير محمد بن العلقمى الرافضى، عليه ما يستحق. وعادت بغداد، بعد ما كانت أنس المدن كلها، كانها خراب، ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم فى خوف وجوع ولإلّة وقلّة. وقد اختلف الناس فى كمية من قتل ببغداد من المسلمين فقيل: ثمانمائة ألف نفس، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفى ألف نفس، وقتل مع الخليفة ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن، وله ثلاث وعشرون سنة،

стр. 171

وأسر ولده الأصغر مبارك، وأسرت إخوته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل، والله أعلم. وقتل استادار الخليفة الشيخ الفاضل محيى الدين بن يوسف الشيخ أبى الفرج ابن الجوزى وكان عدوّ الوزير بن العلقمى، وقتل أولاده الثلاثة عبد الرحمن وعبد الله وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحدا بعد واحد، منهم: الدوادار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد. وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بنى العباس، فيخرج بأولاده ونسائه، فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة، فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه. وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين على بن النيار، وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور [٣٩٦] ببغداد، وأمر الوزير بن العلقمى بأن تعطل المساجد والجوامع والمدارس والربط ببغداد ويستمر بمحال الروافض، وأن يبنى للرافضة مدرسة هائلة، ينشرون فيها علمهم، فلم يقدره الله على ذلك؛ بل أزال نعمته عنه، وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، واتبعه ولده فاجتمعا - والله أعلم - فى الدرك الأسفل من النار. ولما انقضى أمد المدّة المقدّرة، وانقضت الأربعون يوما، بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى فى الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت البلد من جيفهم،

стр. 172

وتغير الهواء، فحصل بسببه الفناء والوباء الشديد، حتى سرى وتعدى فى الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون. ولما نودى ببغداد بالأمان خرج من كان تحت الأرض بالمطامير والقنى والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من القبور، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سلف من القتلى. وكان رحيل هلاون عن بغداد فى جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه، وفوّض أمر بغداد إلى الأمير على بهادر، فوّض إليه الشحنكيّة (١) بها إلى الوزير مؤيد الدين ابن العلقمى، فلم يمهله الله تعالى حتى أخذه عزيز مقتدر فى مستهل جمادى الآخرة، كما سنذكره فى الوفيات إن شاء الله، فولى بعده الوزارة ولده عزّ الدين أبو الفضل، فألحقه الله بأبيه فى بقيّة هذا العام. ويقال: إن هلاون عزم على إحراق مدينة بغداد لما أراد الرحيل عنها، فقال له كتبغا نوين إنّ هذه المدينة أمّ المدن ومقصد التجار، فإذا أبقاها الملك حصل له منها مال جزيل، فأبقاها وشحّن (٢) عليها، وسار عنها إلى الفرات (٣).

стр. 173

وفى تاريخ بيبرس: ثم سار هلاون عن بغداد بعد انقضاء الشتاء إلى الشام (١) [٣٩٧]، وجرّد جيشا إلى ميّافارقين صحبة صرطق نوين وقطغان نوين، وكان بها الملك الكامل ناصر الدين محمد (٢) بن الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب بن شادى (٣)، فحاصروها ونصبوا عليها المنجنيقات من كل ناحية، فقاتلت (٤) أهلها وامتنعوا عن تسليمها، وصبروا [أنفسهم (٥)] على الحصار الشديد والجوع المبيد، حتى أكلوا الميتات (٦) والدوابّ والسنانير والكلاب، وطال عليهم الأمد، وقلّت منهم القوة والجلد (٧)، فاستولى التتار على المدينة وفتحوها، وكانت مدة مقامهم على حصارها سنتين، فقتلوا وسبوا من أهلها خلقا كثيرا، وفنى الجند من كثرة القتال (٨)، [واشتداد النزال] (٩) وأسر من بقى منهم، وأخذ صاحبها ناصر الدين (١٠) الملك الكامل وتسعة نفر من مماليكه وأحضروا بين يدى هلاون،

стр. 174

فقتلوا إلا مملوكا واحدا اسمه قراسنقر، أبقاه هلاون، وذلك أنه سألهم عن وظائفهم، فذكر له ذلك المملوك أنه كان (١) أمير شكار للسلطان، فاستبقاه (٢) وسلم (٣) إليه شيئّا من الطيور الجوارح وحظى عنده، واتفق حضوره إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهريّة، فأعطاه السلطان إقطاعا، وجعله مقدم فى الحلقة (٤). وكان صاحب ميافارقين أديبا فاضلا، وله نظم جيد، فمنه قوله: ترى تسمح الدنيا بما أنا طالب … فلى عزمات دونهن الكواكب (٥) وإن يكن الناعى بموتى معرضا … فأىّ كريم ما نعته النوائب ومن كان ذكر الموت فى كّل ساعة … قريبا له هانت عليه المصائب وما عجبى إلا تأسّف عاقل … على ذاهب من ماله وهو ذاهب ذكر ما جرى لأصحاب البلاد مع هلاون: منها: أن الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل سار إلى هلاون مهادنا، فاستصحب معه شيئا كثيرا من الهدايا النفيسة، والأمتعة الجلية، والجواهر الثمينة، ومفاتيح القلعة والمدينة، وإنما حداه على ذلك الشفقة على رعيته والخوف على أهل مملكته، فمنعه أهل البلد من المسير إليه حذرا عليه، فلم يمتنع

стр. 175

فسار، [٣٩٨] فلما وصل إلى هلاون أوقف بين يديه حاملا كفنه على كتفيه، وقدّم هداياه فقبلها منه وأقبل عليه، وقال لمن حضره من أكابر الخانات ومقدمى التمانات: هذا رجل عاقل ذو سياسة، ثم خلع عليه وكتب له يرليغ بتفويض مملكة الموصل إليه على قاعدته، فعاد إلى بلده ومعه يرليغ، وفرح الناس به فرحا شديدا إلا أنه لم تطل أيّامه حتى مات، على ما نبينه إن شاء الله تعالى. ومنها: أن الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، أرسل ولده الملك العزيز إلى هلاون مسالما وصحبته الهدايا الكثيرة، والتحف النفيسة، مقتديا فى ذلك بصاحب الموصل، فلما وصل إليه قبل تقدمته وسأله عن سبب تأخير والده عن الحضور إلى الأرد، فاعتذر إليه بأنه لم يمكنه مفارقة البلاد خوفا عليها من عدّو الإسلام الذى فى الساحل، فأظهر له أنه قبل عذره وأعاده إلى والده. ومنها: أن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل كان قد أرسل إلى هلاون من قبل مبدأ خروجه إلى العراقين ولده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بهدايا، فاجتمع به وسار من عنده إلى منكوقان أخيه إلى الأردو، فأكرمه، وقرّبه، وبقى عنده مدة، وزوجه بابنة خوارزم شاه التى أخذت عند مقتل أبيها، فلما أقام عند منكوقان وأبطأ خبره على أبيه أرسل أخاه سيف الدين إسحاق وولده علاء الملك لكشف خبره، وجهّز معهما هديّة أخرى إلى هلاون، فتوجّها وعادا وأخبرا بسلامته وقرب عودته، فعاد بعدهما بقليل ومعه اليرليغ، وفرح الناس برجوعه سالما، وزيّنت الموصل فرحا به، وتوجه إلى ميافارقين، وحضر حصارها وعاد عنها، وجهزّ أخاه وولده لمساعدة مقدّمى التتار على الحصار.

стр. 176

وها هنا نادرة لطيفة وهى ان بدر الدين لؤلؤ لما طلب التوجه إلى هلاون جاء إليه أعيان أهل الموصل وأكابر دولته وقصدوا تعويقه حذر الإيقاع به، فقال لهم: لا تخشوا على منه فإنى راج أن أتمكن منه وأعرك أذنيه، وسار، وكان قد هيّأ حلقتى أذن ذهبا [٣٩٩]، وفيهما درتان من الدرّ النفيس، كل منهما يضاهى الدرر اليتيمة ويناهزها فى جلالة القيمة، فلما فرغ من عرض تقادمه بين يدى هلاون، فقال له: قد بقى معى شئ أحضرته خاصا للقان قال: وما هو؟ قال: هاتان الحلقتان وهما تصلحان للآذان، ومن عادة ملوك التتار أن يتخذوا فى آذانهم الجوهر، فلما رآهما هلاون استحسنهما كثيرا فقال: يأمرنى القان أن أجعلهما فى أذنيه، فأعلم رضاه عنى ويحصل لى تعظيم بين الملوك، فأصغى إليه أذنيه فأمسكهما بأصبعيه ووضع الحلقتين فيهما، وأومأ إلى من كان معه مشيرا إليهم أنى قلت لأهل الموصل قولا وقد حققته فعلا، وعاد من عنده محترما مكرما. ومنها: إن هلاون أرسل أرقطو (١) أحد المقدّمين بتمان إلى أربل لأنه كان عند عبوره عليها قصد التعرض إليها فقال أهلها: نحن مطيعون، فسار عنها، ثم أرسل هذا المقدّم ليتسلّمها فنازلها بعنف وعسف، فأغلق أهلها الأبواب وتمنعوا، فحاصرها التتار ستة أشهر حتى هجم عليهم الحرّ وأصابهم من الوخم الضرّ، فرجعوا عنها، فسلمها أهلها إلى شرف الدين الكردى ورحلوا بأولادهم وأموالهم إلى حيث شاءوا، ثم خرج نائب الخليفة بها وهو الصاحب تاج الدين بن الصلايا، وتوجه إلى هلاون، فقتله ظنا منه أنه الذى امتنع من تسليمها، ولم يكن كذلك؛

стр. 177

بل كان قد أشار على أهلها بأن يستأمنوا ويسلموا، فأبوا ولم يفعلوا وصبروا حتى خلصوا (١). ذكر بقية الحوادث: منها: أن الملك المغيث صاحب كرك سار بعسكره والبحريّة صحبته إلى الديار المصرية، فلما وصل إلى الصالحية تسلّل إليه من كان قد كاتبه من أمراء مصر وهم عز الدين الرومى والكافورى والهواش وغيرهم، وانحازوا إليه، وخرج عسكر مصر فالتقوهم، فكانت الكسرة على المغيث وأصحابه، فانهزم طريدا وولى إلى نحو الكرك وليس معه إلا القليل من جماعته، وأما البحرية فإنهم لما انهزموا توجّهوا نحو الغور، [٤٠٠] فصادفتهم الشهرزورية (٢) وقد جاءوا جافلين من الشرق، فاجتمعوا بهم واتفقوا معهم، وتزوج الملك الظاهر منهم. وبلغ ذلك الملك الناصر صاحب دمشق، فخاف أن تقوى شوكتهم فيقصدون الشام، ويفسدون عليه النظام، فجرد عسكره لقتالهم، فالتقوا بالأغوار، فكسروا عسكره، وخلوهم وعادوا إليه، وقد نالت منهم الكسرة، فاستشاط لذلك غضبا، وركب بنفسه، وجمع عساكره لقصدهم والإيقاع بهم، فعلموا العجز عن المقاومة فتفرقوا، فتوجه البحرية إلى الكرك ليأووا عند الملك المغيث، وتوجّهت الشهرزورية نحو الديار المصرية، فصادفوا التركمان نازلين بالعريش، فقاتلوهم

стр. 178

على الماء حتى جرت بينهم غدران الماء، وبلغ ذلك الملك الناصر وأن البحرية عادوا إلى الملك المغيث، فأرسل إليه يطلب منه تسليمهم، ويتهدده إن مانع عنهم، فدافعه المغيث فى أمرهم على أنه يندفع. فسار إليه الملك الناصر بعساكره عازما على منازلة الكرك ونزل على بركة زيزا، وراسل الملك المغيث بنوع من التهديد، وأغلظ له فى الوعيد، فعلم أنه لا يدفعه عنه إلا إرسالهم إليه، فتحيّل عليهم، فأمسك من أمكنه وفاته من لم يقدر عليه، فأرسل الذين أمسكهم إلى الملك الناصر وهم: شمس الدين سنقر الأشقر، وسيف الدين سكز، وسيف الدين برامق وغيرهم، فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب، فحبسوا بها إلى أن فتحها هلاون، وأخذهم صحبته إلى بلاده، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وأما الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى والأمير سيف الدين قلاون الألفى وخشداشيتهما الذين لم يجد الملك المغيث سبيلا إلى القبض عليهم فإنهم قد تشردوا فى البلاد وتلك النواحى مدة، ثم حضروا إلى الديار المصرية ولزموا الخدمة على العادة. ويحكى عن الأمير سيف الدين قلاون أنه والملك الظاهر بيبرس حين كانا تشردا فى هذه المدة قاسيا أمرا عظيما من القلة والفقر والشتات والتنقل من مكان إلى مكان، والخوف، وعدم الإقامة فى مكان واحد، لأن الملك الناصر كان مجدّا فى طلبهما [٤٠١] والملك المغيث عامل على قبضهما، والملك المظفر قطز بمصر لا يركن إليهما، ثم أنهما اتفقا على زيارة الشيخ على البكا، وهو يومئذ مقيم بزاويته بمدينة الخليل ﵇، فأعوز سيف الدين قلاون القوت يوما من الأيام، فصادف إنسانا مجتازا بشئ من الطعام، فطلب منه شيئا لضرورة الجوع،

стр. 179

فامتنع، فحمله الغيظ على أن ضربه ضربة مفرطة خطأ، فكانت فيها منّيته، فندم أشد الندم، وقال: لقد كان الجوع والعدم خيرا من قتل النفس، ثم أنهما مضيا إلى الشيخ، فلما دخلا عليه وسلّما عليه رد الشيخ سلام ركن الدين بيبرس وأقبل إليه، ولم يرد سلام الأمير سيف الدين قلاون وأعرض بوجهه عنه، وقال: هذا تجرأ على قتل النفس المحرمة، فأعجبهما كشفه واطلاعه على هذا الأمر، فتلطف الأمير ركن الدين فى سؤاله والتماس إقباله حتى سمح بجلوسه، ولما قاما ليودعاه صافح الشيخ الأمير ركن الدين بيبرس ودعا له وقال: أنت رايح إلى مصر وسيصير إليك ملكها، فاجتهد فى فعل الخير، ثم تقدم إليه الأمير سيف الدين قلاون فصافحه وقال له كما قال لركن الدين بيبرس، فتعجبا من ذلك وخرجا من عنده، ثم آل حالهما إلى أن ملك كل واحد منهما الديار المصرية، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ومنها: أنه وقع الوباء بالشام خصوصا بدمشق حتى لم يوجد مغسل. ومنها: أنه كثر الإرجاف بقدوم التتار إلى بلاد الشام، وحصل للناس من ذلك انزعاج عظيم وقلق شديد. وفيها: « ...... (١)». وفيها حج بالناس « ...... (٢)».

стр. 180

ذكر من توفى فيها من الأعيان واقف الجوزية بدمشق أستاذ دار الخلافة الصاحب محيى الدين أبو المظفر (١) يوسف بن الشيخ جمال الدين بنى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن عبيد الله ابن عبد الله بن حماد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النصر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، القرشى التيمى البكرى البغدادى الحنبلى، المعروف بابن الجوزى. ولد فى [٤٠٢] ذى القعدة سنة ثمانين وخمسمائة، ونشأ شابا حسنا، وحين توفى أبوه وعظ فى موضعه، فأحسن وأجاد وأفاد، ثم تقدم وولى حسبة بغداد، مع الوعظ الرائق، والأشعار الحسنة الفائقة، وولى تدريس الحنابلة بالمستنصريّة ببغداد فى سنة ثنتين وثلاثين وستمائة، وكانت له مدارس أخرى، ثم لما ولى مؤيد الدين بن العلقمى الوزارة وشغر عنه الاستادارية وليها محيى الدين هذا، وانتصب ابنه عبد الرحمن فى الحسبة والوعظ، فأجاد وأفاد، ثم كانت الحسبة تنتقل فى بنيه الثلاثة: عبد الرحمن، وشرف الدين عبد الله، وتاج الدين عبد الكريم، وقد قتلوا معه فى هذه السنة فى قضية هلاون كما ذكرنا (٢)، ولمحيى الدين مصنف
следующие страницы →