← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح القدوة الزاهد العابد العارف أبو الرجال (١) بن مرى بن بحتر المنينى (٢). مات بقرية منين فى عاشر المحرم منهما، ودفن فى زاويته بالقرية المذكورة، وخرج الناس من دمشق فمنهم من أدرك الدفن ومنهم من صلى على قبره، وكانت له أحوال ومكاشفات، من المشايخ الأجلاء المعروفين بالخير والصلاح والورع، وكان أهل البلد يزورونه، وربما قدم هو بنفسه إلى دمشق فيكرم ويضيفّ، ومات وقد جاوز الثمانين، وكان شيخه الشيخ جندل من كبار الصالحين أيضا، ومن الأبدال، وكان من القرية المذكورة. الشيخ الصالح العابد الزاهد الورع بقية السلف جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد (٣) بن قاضى القضاة وخطيب الخطباء عماد الدين بن عبد الكريم بن قاضى القضاة جمال الدين عبد الصمد بن الحرستانى.

стр. 1157

سمع الحديث وناب عن أبيه فى الإمامية وتدريس الغزالية (١)، ثم ترك المناصب وأقبل على العبادة، وتوفى فى آخر ربيع الآخر، ودفن بالسفح عند أهله وقد جاوز الثمانين. الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ مفتى بلاد الحجاز فى زمانه محب الدين أبو العباس أحمد (٢) بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر [١١١] بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى الشافعى. وكان شيخ الشافعية، وفقيه الحرم، ومحدث الحجاز، وسمع الكثير وصنف فى فنون كثيرة (٣)، من ذلك: كتاب الأحكام فى ست مجلدات وهو كتاب مفيد، وكتاب على ترتيب جامع المسانيد أسمعه لصاحب اليمن. وكان مولده يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة عشر وستمائة (٤)، ومات

стр. 1158

فى هذه السنة، ودفن بمكة. وله شعر جيد، فمنه قصيدته فى المنازل بين مكة (١) والمدينة تزيد على ثلاثمائة بيت (٢)، كتبها عنه الحافظ شرف الدين الدمياطى فى معجمه. الشيخ الإمام العلامة الخطيب المدرس المفتى القاضى شرف الدين أحمد (٣) ابن الشيخ جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسى الشافعى. ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة (٤)، وتوفى يوم الأحد السابع عشر من رمضان منها، ودفن بمقابر باب كيسان عند والده وأخيه، سمع الكثير، وكتب حسنا، وصنف (٥) فأجاد وأفاد، وكان مدرس الغزالية ودار الحديث النورية مع الخطابة، ودرس فى وقت بالشامية البرانية، وأذن لجماعة من الفضلاء فى الإفتاء منهم الشيخ الإمام أبو العباس ابن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت لابن تيمية فى الإفتاء، وكان يتقن فنونا من العلم، وصنف كتابا فى أصول

стр. 1159

الفقه جمع فيه شيئا كثيرا ولم يخلف بعده مثله لأنه فيه ما لم يجمع لأحد من العلماء من علم الفقه والأصلين والحديث والنحو واللغة وحسن الخط والدين والعفة والتواضع والفصاحة وحسن الهيئة والمسارعة إلى قضاء حوائج الناس. وله شعر جيد فيه ما قاله فى زهر اللوز: أحجّ إلى الزهر وأسعى به (١) … وأرم جمار الهم مستنفرا (٢) من لم يطف بالزهر فى وقته … من قبل أن يحلق قد قصّرا وله لغز فى الناعورة (٣): وما أنثى وليست ذات فرج … وتحمل دائما من غير فحل وتلقى كل آونة جنينا … فيجرى فى الفلاة بغير رجل وتبكى حين تلقيه عليه … بصوت حزينة فجعت بطفل وقال يمدح سيدنا رسول الله ﷺ : تحيّة مشتاق بعيد مزاره … إلى من بأكناف العقيق دياره وشكوى بعاد أنفد الدمع بعضه … وأفنى مدى الصبر الجميل انتظاره وصب عرته للصّبابة حسرة … تنّم بها أنفاسه واصفراره

стр. 1160

ووجد بأكناف (١) … الحمى سقى الحمى ولا زال يندى شيحه وعراره ودمع بأسرار المحبّة ناطق … إذا لمعت دون المحصّب ناره وجسم غدا إثر الضغائن قلبه … وإن كان فى أرض البعاد قراره ركائب تحدو (٢) … باسم خير مؤمل بنّى علا فى العالمين مناره فوا أسفا لو كان يجدى تاسّف … ووا حسرتا إذ شطّ عنى مزاره [١١٢] إذا قدم الزّوار تربة يثرب … وفاضت من الدمع المصون غزاره فكم خائف جان يلوذ بظله … وكم تائب ثوب الخضوع شعاره أحنّ إلى ربع زكت تراب أرضه … وأصبح نور المصطفى وهو جاره نبىّ أضاء الكون من نور وجهه … وعاد ظلام الشرك يبدو استناره وحنّ إليه الجذع والجذع يابس … وجاء بعير القوم يعلو خواره سلام على من سلّم الذئب خاضعا (٣) … عليه كذاك الظبى زال نفاره له معجزات يبهر العقل بعضها … وآيات مجد ليس تحصى فخاره فطوبى لمن زار النبىّ محمدا … وأضحى إلى البيت العتيق انتشاره ولبّى مشوقا ثم طاف ملبيا … وأصبح بعد السعى والبيت داره

стр. 1161

وسار وقد نال المنى بعد حجه … مشوقا ودمع العين ثجّ قطاره وبعد منى نال المنى بوقوفه … وعاد وجمر الشوق يذكو أواره فيا خير مأمول وأشرف ماجد … تعطّف على صبّ عراه انكساره وهبه ثواب الصابرين فإنّه … على ألم الأشواق قل اصطباره (١) الشيخ الإمام العالم المفتى الخطيب الطبيب مجد الدين أبو محمد عبد الوهاب (٢) ابن أحمد بن أبى الفتح بن سحنون التنوخى الحنفى، خطيب جامع النيرب (٣)، ومدرس الدماغية (٤) للحنفية، وكان طبيبا بجامع الصالحية. وكان فاضلا جيدا، وله مشاركة فى كل فن، وروى شيئا من الحديث، توفى ليلة السبت الخامس من ذى القعدة منها عن خمس وسبعين سنة، ﵀. وله شعر حسن فمنه قوله: فو الله ما هجرى لأهل مودّتى … ملالا ولكنّى سكنت إلى العجز

стр. 1162

وما كان لى عنهم غنى غير أننى … قنعت وحسبى بالقناعة من كنز وأعرضت عنهم لا ملالا وإنما … رأيت مقام الذل فى منزل العزّ وقال: لا تجزعنّ فما طول الحياة سوى … روح تردّد فى سجن من البدن ولا يهولك أمر الموت تكرهه … فإنما موتنا عود إلى الوطن وسمع قول مجير الدين بن تميم فى تفضيل الورد على النرجس بالبيتين وهما: من فضّل النرجس وهو الذى … يرضى بحكم الورد إذ يغرس أما ترى الورد غدا جالسا … إذ قام فى خدمته النرجس فقال فى جوابه: ليس جلوس الورد فى مجلس … قام به نرجسه يوكس وإنما الورد غدا باسطا … خدّا تمشّى فوقه النرجس وله فى مشاعلى: بأبى غزال جاء يحمل مشعلا … يكسو الدجى بملاء ثوب أصفر فكأنّه غصن عليه باقة … من نرجس أو زهرة من نوفر [١١٣] وقال وقد أهدى إليه نرجس: لما تحجبت عن عينى وأرّفنى … بعدى ولم تحظ عينى منك بالنظر أرسلت مشبهها من نرجس عطر … كيما أراك بأحداق من الزهر

стр. 1163

وقال فى الياسمين: لله حسن الياسمين يلوح فو … ق الورد للجلساء والندمان مثل الثنايا والخدود نواضرا … أو كالفراش هوى على النيران وقال فى الورد: وورد أبيض قد زاد حسنا … فعند الصد للخجل احمرار يمثله النديم إذا رآه … مداهن فضة فيها نضار الشيخ الإمام العالم الزاهد الخطيب عز الدين أبو العباس أحمد (١) بن الشيخ محيى الدين إبراهيم بن عمر بن فرج بن أحمد بن محمد (٢) بن على بن سابور الفاروثى الواسطى. ولد سنة أربع عشرة (٣) وستمائة، وسمع الحديث ورحل فيه، وكانت له فيه يد جيدة، وفى التفسير والفقه، والمواعظ.

стр. 1164

وكان دينا عالما ورعا، قدم إلى دمشق فى الدولة الظاهرية، فأعطى تدريس الجاروخية (١)، ثم عاد إلى وطنه فمات فى واسط فى مستهل ذى الحجة، وكان يوما مشهودا بواسط. وكان قد لبس خرقة التصوف من السهروردى، وقرأ القراءات العشر، وخلف ألفى مجلد ومائتى مجلد، وحدث بالكثير، وسمع منه البرزالى كثيرا من الصحاح والمسند. الشيخ جمال الدين أحمد (٢) بن عبد الله بن الحسين الدمشقى، المعروف بالمحقق. كان فاضلا فى الطب، ومدرسا فى عدة مواضع (٣)، شارك فى فنون كثيرة. مات فى هذه السنة، ودفن فى مقابر الصوفية عند قبر الشيخ جمال الدين الحصيرى الصدر جمال الدين يوسف (٤) بن على بن مهاجر التكريتى. أخو الصاحب تقى الدين توبة، مات فى هذه السنة بدمشق، ودفن بتربة أخيه بالسفح.

стр. 1165

وكان ذا ثروة ومروءة وتواضع، وخلف ثلاثة بنين: شمس الدين محمد، وعلاء الدين على، وبدر الدين حسن. وكان قد ولى حسبة دمشق فى وقت. الصدر الكبير العدل علم الدين أبو بكر محمد (١) بن عياش بن أبى المكارم التميمى الجوهرى. واقف المدرسة الجوهرية (٢) على الحنفية. توفى ليلة الثلاثاء السابع عشر (٣) من شوال بدمشق، ودفن بمدرسته، وقد جاوز الثمانين. وكانت له خدم على الملوك وغيرهم. الشيخ الفاضل عبد العزيز (٤) الديرينى. كان فاضلا، عالما بالنحو واللغة والأصولين، وله فى كل فن فضل، وكان مع ذلك راضيا ببذاذة الحال، توفى ببلدته ديرين (٥) فى هذه السنة (٦)، ودفن فيها.

стр. 1166

عمر (١) بن يحيى بن عبد الواحد الهنتاتى، سلطان أفريقية. توفى فى هذه السنة، وكانت مدة ملكه أحد عشر سنة. صاحب اليمن، شمس الدين يوسف (٢) بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على ابن رسول التركمانى. أقام فى مملكة اليمن بعد أبيه سبعا وأربعين سنة، وعمر ثمانين، وكان أبوه قد ولى قبله أزيد من عشرين سنة بعد الملك المسعود أقسيس (٣) بن الملك الكامل (٤)، وكان عمر بن رسول مقدم عساكر أقسيس، فلما مات، وثب على الملك فتم له، وتسمى المنصور (٥)، واستمر فيه أزيد من عشرين سنة، ثم ابنه المظفر سبعا وأربعين سنة.

стр. 1167

وتوفى المظفر المذكور بقلعة تعز على فراشه فى رجب من هذه السنة. وكان حاكما جيدا، كفيفا عن أموال الرعايا، حسن السيرة، كثير العدل والصفح، قليل المؤاخذة، وما قصده أحد إلا [١١٤] ناله منه خيرا كثيرا. وكان يحب الحديث، ويسمعه، وجمع لنفسه منها أربعين حديثا. واستقر فى الملك بعده ولده الأكبر الملك الأشرف نجم الدين عمر. وكان للملك المظفر من الأولاد: الأشرف، والمؤيد، والواثق، والمسعود، والمنصور. وقال ابن كثير: فلم يمكث الأشرف بعد أبيه المظفر سنة حتى مات، ثم قام أخوه المؤيد هزبر (١) الدين داود بن المظفر، فاستمر فى المملكة. وفى بعض التواريخ: لما مات المظفر ملك بعده ولده الملك الأشرف ممهد الدين، وهو ولى عهد أبيه، ثم نازعه أخوه الملك المؤيد هزبر الدين داود، وكان المؤيد - لما مات والده - ببلاد الشحر (٢) فجمع جمعا كثيرا لوقته، ومال إلى عدن فملكها، ثم توجه نحو تعز، فجرد الأشرف لقتاله الشريف على ابن عبد الله بجماعة من الجيش، ومعه ولده جلال الدين بن الأشرف، فالنقيا فيما بين تعز وعدن، بمكان يسمى الدعيس (٣)، واقتتلوا، فخذل المؤيد، وتفرقوا عنه،

стр. 1168

وبقى فى نفر يسير، فقدم إليه جلال الدين ابن أخيه، وأشار عليه بالدخول فى الطاعة، ومدله يد المحالفة، فرجع إلى الطاعة، وأراد جلال الدين أن يتوجه به إلى والده على ذلك، فامتنع عليه، ثم توجه إلى قلعة تعز، فاعتقل بها (١)، إلى أن مات الأشرف سنة ست وتسعين وستمائة، فأخرج من الاعتقال لأجل دفن أخيه، فأمر بدفنه، واستمر المؤيد إلى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، كما سنذكره إن شاء الله. وفى تاريخ النويرى: توفى المظفر المذكور مسموما، سمته بعض جواريه، والله أعلم. الأمير بدر الدين بكتوت (٢) بن عبد الله الأقرعى. مات بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير، بقرية ابن العيد، ولى شدّ الشام زمن الملك الظاهر، وعزل زمن الملك السعيد، وعاد فى زمن المنصور قلاون، وتولى أيضا شدّ الصحبة، وهو الذى حبس قاضى القضاة عز الدين بن الصائغ، وتعصب عليه، وكان جبارا، عنيدا، عسوفا بالفعل والقول، سلطا، معجبا جدا بنفسه، غير أنه كان عفيفا عن أموال الناس، وبيت المال، وكان عليه الديون، ولم يتناول من أحد شيئا فى مدة ولايته، لا هو ولا حاشيته، ولا قبل من أحد هدية، وكان ينتمى إلى أصحاب الشيخ عدى وانتفعت به العدوية. الأمير ركن الدين أمير عمر أخو تمر. توفى فى هذه السنة، وكان قد ورد فى الدولة المنصورية مع جماعة.

стр. 1169

الأمير بكتوت (١) الفارسى، مملوك فارس (٢) الأتابك. كان من أجل الأمراء، والشجعان المجاهدين، حسن السيرة، توفى فى هذه السنة. الأمير علاء الدين كشتغدى، حمو السلطان الملك العادل، توفى فى هذه السنة. الأمير عساف (٣) بن الأمير أحمد بن حجى، أكبر عربان آل برمك وآل مرى. مات فى هذه السنة مقتولا، قتله جماز بن سليمان، ابن أخيه، بالقرب من مدينة النبى ﵇، وكان قصد الغارة على أهل المدينة وغار على بعضهم، فركب جماز ومعه جماعة، والتقوا معه، فقتله جماز، وتباشرت الناس بقتله، وكان كثير الفتن، وسفك الدماء، وكان شجاعا مقداما، وانتشر له صيت فى البلاد، وكان يدعى أنه من نسل البرامكة، فكان القاضى شمس الدين ابن خلكان يصدقه، وكان يقدم معه عند الملوك إذا اشتد به أمر، وآخره فى الدولة المنصورية. جمال الدين (٤) بن مصعب، توفى فى هذه السنة بدمشق، وكان له فيها إقطاع، وكان ظريفا لطيفا شاعرا، وكان يلبس بالفقير (٥).

стр. 1170

[١١٥] فمن شعره فى قصيدة يتشوّق فيها إلى دمشق: دمشق سقاها من دموعى السحائب (١) … وحيّا رباها مدمع لى ساكب ولا برحت أيدى النسيم عواطفا … غصونا لأعطاف الحبيب تناسب (٢) بحيث يمدّ الظل فاضل برده … على الغوطة الفيحاء وتصفو المشارب ويا حبذا وادى المقاسم واديا … لقد جمعت فى جانبيه العجائب ترى السّبعة الأنهار فيه جواريا … فهذا لهذا صاحب ومجانب وفى النيرب المعمور فضّ بنفسج (٣) … به عطّرت تلك الرّبا والرّبائب (٤)

стр. 1171

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخامسة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت وخليفة الوقت: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وسلطان البلاد: الملك العادل زين الدين كتبغا، ونائبه بمصر: الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، والوزير: فخر الدين بن الخليلى، ونائب الشام: عز الدين الحموى. وصاحب حلب: سيف الدين بلبان الطباخى. وفى مستهل هذه السنة كان الغلاء والفناء بديار مصر شديدا، وقد تعانى الناس به، وكانوا يحفرون الحفيرة فيدفنون فيها القيام من الناس، والأسعار والأقوات فى غاية القلة والغلاء، فمات بها فى شهر صفر مائة ألف وثمانون ألفا، وامتد الغلاء بديار مصر حتى قيل إنه أبيع الفروج بالإسكندرية بستة وثلاثين درهما وبالقاهرة بتسعة عشر درهما، والبيض كل ثلاثة بدرهم، وأفنيت الحمر والخيل والبغال والكلاب، ولم يبق شئ من هذه الحيوانات. وقال بيبرس فى تاريخه: وكنت فى الإسكندرية فى أيام هذه المحن والفناء والغلاء، وعدت منها إلى الأبواب السلطانية فى هذه السنة، فوجدت حال أهل القاهرة قد آل إلى التلف من المرض الشامل والموت العاجل، ولقد أبيع الفروج

стр. 1172

الواحد بعشرين درهما، والبطيخ الواحد بمائة درهم، والسفر جلة بثلاثين درهما، ومكث الناس على ذلك إلى أن [لطف الله بهم و] (١) فرج الله هذه الشدّة عنهم (٢). وفى نزهة الناظر: دخلت هذه السنة والحال مستمر على تمادى الغلاء وقلة الجلب، وقبل إدراك الزرع هاجت فى ناحية بلاد المغرب وبرقة ريح سوداء مظلمة، فأثارت ترابا أصفر فكسى زرع تلك البلاد كلها فأرمى سنبله، والذى تأخر دخل فيه فأفسده، فرحل أهل تلك البلاد إلى نحو مصر، واستمرت تلك الريح والتراب الأصفر إلى أن عمت إقليم البحيرة والغربية والشرقية، ثم وصلت إلى أعلى الصعيد، وأخرت الزرع الصيفى جميعه مثل الأرز والسمسم والقصب والقلقاس، وجميع ما يزرع على السواقى، فصار فى كل يوم يتزايد سعر الغلة، ثم أعقب ذلك أمراض اعترت الناس وحمّى مزعجة وأمراض مختلفة، فعم الضعف الناس حتى قلّ من سلم من أهل بيت من ذلك؛ بل غالب كل من فى بيت أو منزل صاروا ضعفاء، فبسبب ذلك تحسن سعر السكر وأنواع الأدوية، وعدمت الفواكه، وبيع الفروج بثلاثين درهما، والبطيخة بأربعين، والرطل منها بدرهم، وبلغ سعر [١١٦] القمح بالتدريج فى هذه المدة الأردب إلى مائة وستين، وسبعين، درهما، ثم إلى مائة وتسعين، والشعير إلى مائة وعشرين، والفول إلى مائة وعشرة دراهم، وكذلك العدس والحمص ونحوهما. ووصلت الأخبار من بلاد القدس والشام وصلت بتحسين الأسعار فى الغلة، فوصل كل غرارة إلى مائتين وعشرين درهما، والشعير إلى مائة وعشرة، والرطل من اللحم إلى عشرة.

стр. 1173

وكذلك وصلت الأخبار من بلاد مكة شرفها الله والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام أن الأردب من القمح وصل عندهم إلى تسع مائة درهم، والشعير إلى سبع مائة، وأن مكة لم يبق فيها من يطوف إلا نفر قليل، وأن أهل قراها وسكان حدائقها انتزحوا إلى أعلى الجبال، وإذا سافر الرجل من مكة إلى المدينة لا يجد من يدله على الطريق، والسعيد منهم من له ناقة أو شاة أو شئ من الماشية يأكل لحمها. وكذلك أهل اليمن وقع فيهم الغلاء المفرط حتى باعوا أولادهم بالقوت، وأن طائفة منهم خرجت قاصدة إلى مكة وعند وصولهم إلى محلة بنى يعقوب وجدوا بها جماعة من أهل مكة قد قتلهم الجوع ولم يبق منهم غير اثنين ضعيفين. وكذلك وصلت الأخبار من بلاد الشرق بأنهم فى أسوء الأحوال من القحط والفناء وموت المواشى وقلة المرعى ومسك الغيث. ثم اشتد الحال بأهل مصر حتى صاروا ينهبون الخبز من الأسواق والأفران، وكان إذا خرج الرجل من بيته بطبق العجين يجتمعون عليه ويأخذونه قطعا قطعا، وإذا كان فى الفرن خبز لا يقدرون على إخراجه حتى يكون حوله جماعة من أهل بيته وبأيديهم عصى يمنعون من يتعرض إليه، وكان بعضهم يرمى روحه على الطبق من الجوع والضرب عمال على رأسه وظهره وهو لا يلتفت فيضرب حتى يقع مغشيا عليه وهو ماسك رغيفا أو قطعة منه بأسنانه. ثم اتفق رأى السلطان مع الأمراء على أن يفرقوا الصعاليك على الأمراء والأغنياء، فكتبوا باسم أمير مائة، وباسم آخر خمسين، وباسم آخر عشرين، وباسم آخر عشرة، فخف عن الناس ما كانوا يجدونه، ثم جاء الوباء والفناء فى

стр. 1174

بلاد مصر وكثرت الأمراض الحادّة وتحسنت أسعار الأشربة والأدوية والحقن ونحوها، فصار كل شئ بأضعاف قيمته. قال الراوى: كان دكان برأس حارة الديلم يعرف بدكان الهندى باع صاحبها فى شهر واحد باثنين وثلاثين ألف درهم من الأشربة والأدوية، وكان مثل ذلك دكاكين أخرى معروفة فى السيوفيين والوزيرية وخارج باب زويلة، وكان كل طبيب يحصل فى كل يوم من مائة درهم إلى أقل وأكثر، وكانت ورقة المواريث يكتب كل يوم من الموتى بثلاثة آلاف درهم وكسور هذا للاطلاق من الديوان، وأما الطرحا على الدكاكين والذين يموتون فى الأزقة ونحوها فلا يحصرون ولا يضبطون، وكانوا يحفرون حفرا وآبارا ويرمون الموتى بعضهم على بعض إلى أن جافت بهم الطرقات والأسواق والنواحى، وكان الذى أعقب هذه (١) الوباء فى هذا الغلاء كثرة أكل لحم بنى آدم، فإن الناس من الجوع كانوا يأكلون الموتى، وخصوصا موتى الأطفال، وكانوا يجدون الرجل والمرأة ميتين وعند رأسهما لحم الميت، وكان يمسك بعضهم فيوجد معه كتف صغير [١١٧] أو فخذه أو شئ من لحمه. وفى تاريخ النويرى: أكل الناس الميتة من الآدميين والدواب والكلاب، وحكى أن متولى القاهرة وجد ثلاثة نفر وبين أيديهم صبىّ سباعى قد قطعوا يديه ورجليه وشووه وهم يأكلون فيه مع خل وبقل وليمون مالح، وقرّرهم فاعترفوا أنهم فعلوا بالأمس بصبى آخر كذلك، فشنقوا على باب زويلة، فلم يصبح منهم شئ؛ بل أكلهم الناس.

стр. 1175

وفى نزهة الناظر: ومن حزن فى تلك السنة غّلة ربح ربحا نهاية، ولكن كثير منهم أصيب فى نفسه بشئ من الآفات التى نفق فيها ما كسبه من ذلك. قال: إن بعض أصحابنا كان عنده نحو ستمائة أردب، وباع كل أردب بمائة وخمسين ونيفا، ثم لما رأى زيادة السعر فى الثمن ندم على ذلك ندما عظيما، ثم عمّر من ثمن القمح الذى باعه قصرا وزخرفه بالرخام وغيره، وعند فراغه احترق جميعه حتى لم يبق منه شئ ينتفع به أصلا. قال: وكان الناس فى أشدّ ما يكون من ذلك، والسلطان ينزل إلى الميدان وهو خائف على نفسه، محترس من إيقاع فتنة، ووقع فى خاطره أن يعمل اصطبل الجوق الذى للمماليك السلطانية ميدانا، وهو اصطبل مجاور لبركة الفيل مقابل للجامع الطولونى، وحسن له الأمراء ذلك فعمّر ميدانا، وأنشأ حوله أماكن وبيوتات، وأول ما أنشأ فيه علم الدين سنجر الخازن، فنسب الحكر جميعه بإنشائه وبقى إلى يومنا هذا معروفا بين الناس بحكر الخازن، واتخذت فيه الأمراء الإصطبلات والمناظر، واتصلت العمارة إلى بركة الفيل، فصار حكرا كبيرا إلى الغاية، وكان السلطان ينزل إليه من القلعة ولا يجد أحدا من العالم يقف بين يديه، ولا يدعو أحد غير جماعة من أصحاب الدكاكين هناك. قال: وفيها توقف حال الوزير فظلم الناس كثيرا، ولذلك شرعت حاشية السلطان ومماليكه فى أخذ الأموال والبراطيل، فحصل للناس بسبب ذلك ضرر عظيم، ومع ذلك كانوا يسيئون الأدب على الأمراء والأجناد، وضاقت الأحوال على الناس من وجوه كثيرة، ومع هذا توقفت حال الفلوس إلى أن استقرت بالميزان، وهذا أول من وزنت الفلوس فى دولته، كل رطل بدرهمين.

стр. 1176

وقال بيبرس فى تاريخه: وفيها وهى فى سنة خمس وتسعين وستمائة ورد إلى البلاد الشامية طائفة كثيرة من التتار الأويراتية (١) صحبة طرغاى (٢)، وقد ذكرنا طرفا من ذلك فى السنة الماضية (٣) على ما ذكره ابن كثير ولكنه ما ذكره مستوفى. قال بيبرس: وكان سبب هربهم من بلادهم أن طرغاى كان متفقا مع بيدو [بن طرغاى (٤)] على قتل كيخاتو (٥)، فلما وصل الملك إلى قازان بن أرغون خاف طرغاى على نفسه لئلا يأخذه بقتل عمه، فيجعل ذلك الذنب وسيلة إلى سفك دمه، وكان مقيما بتمانه بين بغداد والموصل، وكان ابن بغا مقيما بتمانه بديار بكر، فأرسل قازان بولاى ومعه تمان إلى دياربكر عوضا عن أسنبغا، وأوصاه بأن يحفظ الطرقات على طرغاى وجماعته، وإذا وصل من يندبه لقتله يكون مساعدا له، وجهز قازان أيضا أميرا يسمى قطغو فى ثمانين فارسا ليقبضوا على طرغاى ومن معه من قبيلة [١١٨] أو (٦) يرات، فأحسّ بما دبر عليه قازان، وعلم أن قطغو إنما جرد إليه للقبض عليه، فاتفق هو والأمراء الذين معه وهم ألوص وككتاى فقتلوا قطغو ومن معه، وعبروا الفرات وحضروا إلى الشام، وبلغ بولاى أنهم ساروا نحو الفرات فسار (٧) فى آثارهم، فالتقوا وتصافوا معه فكسروه، وقتلوا أكثر التمان الذين معه، وطرغاى هذا كان متزوجا ببنت منكوتمر بن هلاون.

стр. 1177

فلما وردت مطالعات نواب الشام إلى الأبواب السلطانية بوصول هؤلاء الأويراتية أرسل زين الدين كتبغا إليهم الأمير علم الدين سنجر الدويدارى من دمشق لينزلهم فى بلاد (١) الساحل، ويحضر مقدميهم وكبارهم إلى الباب العزيز، فأنزل نسوانهم وأولادهم وعامتهم فى بلد الساحل، وأحضر من أعيانهم نحو مائتى فارس صحبة (٢) طرغاى وككتاى والوص (٣) مقدميهم، فلما وصلوا تلقاهم زين الدين كتبغا بالإكرام، وعاملهم بالإنعام، [وألم بهم غاية الإلمام] (٤)، وعجل لهم الخلع والهبات، وأعطى أكابرهم الطبلخانات «وصاروا يجلسون بالقلّة فى مراتب الأمراء ومقاعد الكبراء» (٥). وكان الصواب أن يدرجوا قبل أن يقدموا ويمهل عليهم حتى يسلموا، فإذا دخلوا فى الدين وأقاموا شعائر المسلمين، وعرف منهم ذلك باليقين، يرفع منهم من يستحق الرفعة، وينقلون إلى الأخباز والإمرة. فلما رأى أمراء الإسلام ما فعله مع هؤلاء على غير القياس، وأنه قدمهم على أكابر الناس كرهوا منه هذه الفعلة، مع ما فى النفوس من تغلبه على السلطنة وخلعه وارث المملكة، فتغيرت له الخواطر، وتكدرت منه الضمائر، وتوثبت مماليكه على الإقطاعات والحمايات، وامتدت أيديهم إلى الرشى والجبايات، وتكبروا على الكبراء، وتقدموا على قدماء الأمراء، وغلبوه على رأيه، وحجبوه

стр. 1178

بحجاب وجعلوه من ورائه، ولم يتنبه لردعهم ولا تيقظ لمنعهم، فتمكنت البغضاء» وتزيدت الشحناء، [وهو لا يعلم بما تم، ولا ينظر فيه نظر من بحسمه يهتم] (١)، وصار الأمراء يعتقدونه راضيا بهذه الأمور، فامتلأت بالإحنة صدور الصدور، وكان كما قيل: وإن (٢) … كنت لا تدرى فتلك مصيبة وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم (٣) وفى نزهة الناظر: ومما قاله شمس الدين ابن دانيال (٤) فى ذلك: ربنا اكشف عنا العذاب فإنا … قد هلكنا فى الدولة المغلية جاءنا المغل والغلا فانسلقنا … وانطبخنا فى الدولة المغلية وفيه: لما قرب هؤلاء من القاهرة أمر السلطان لسائر الأمراء والعسكر إلى لقائهم، فخرجوا، وخرج أهل المدينة كافة، وكان يوما مشهودا، ثم أنعم على مقدميهم طرغاى بطبلخاناة، وكان عزم على أن يعطيه إمرة مائة وتقدمة ألف، فأشار عليه الأمراء أن يكون طبلخاناة وبعد قليل يكبره، وأنعم على ألوص بإمرة عشرة، والبقية بأخباز وإقطاعات، وعظمهم تعظيما عظيما، فصار طرغاى يجلس مع مقدمى الألوف، وتزايد ضرر العالم بالغلاء والويل، ورأت السوقة من تلك الطائفة وسوء أخلاقهم وبذاذة نفوسهم ما كرهوه، وقصد

стр. 1179

الأمراء بعد اتفاقهم مع السلطان أن يتحدثوا فى أمر إسلامهم واشتمالهم على الدين الحنيفى [١١٩]، وأن يتعلموا فرائض الإسلام، فتحدث السلطان مع طرغاى فى هذه القضية، فلم يجد لهم قابلية فى ذلك الوقت، وعرّف الأمراء أنهم يحتاجون إلى تطويل المدة فيهم والتدريج بأمرهم قليلا قليلا. قال ابن كثير: وفى يوم السبت الثانى عشر (١) من جمادى الأولى ولى قضاء القضاة بالديار المصرية الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقى الدين بن دقيق العيد (٢)، عوضا عن تقى الدين بن بنت الأعز. ثم أرخص الناس بمصر، وزال الضرر والجوع فى جمادى الآخرة. وفيها فى رجب: وقعت صاعقة على قبة زمزم فقتلت الشيخ على بن محمد بن عبد السلام مؤذن المسجد الحرام، كان يؤذنّ على سطح القبة المذكورة (٣)، وكان قد روى شيئا من الحديث، ﵀. ذكر توجه السلطان الملك العادل كتبغا من الديار المصرية قاصدا إلى الشام: وفى نزهة الناظر: والسبب لذلك أن الأمراء الأكابر لم يعجبهم ما فعله السلطان مع الأويراتية من كثرة الإكرام وعلو منازلهم ورفعتهم فوق غيرهم،

стр. 1180

واتفق أنه دخل شهر رمضان المعظم ولم يروا أحدا منهم صام؛ بل رأوا أكثرهم مفطرين، فخاطب الأمراء السلطان فى ذلك وقالوا: ينبغى أن يخاطب هؤلاء فى الإسلام ويتعلمون شرائع الدين، ولا يمكن أن هؤلاء فى بلاد الإسلام وفى مملكة مصر على غير دين الإسلام، فلم يرجع إلى شئ من كلامهم، فقال: لا يشوش أحد عليهم، فخلّوهم يكونون على دينهم. فوجد الأمراء من ذلك أمرا عظيما مع تطاول مماليكه وحاشيته عليهم، وعلى الناس من كثرة المظالم والحمايات، مع ما اتفق من الغلاء والوباء، فاتفق الأمراء فيما بينهم على عزله من الملك، ولم يجدوا لذلك سبيلا غير أن يشيروا عليه بخروجه إلى السفر ليحصل لهم الغرض، فأخذوا معه فى ذلك، وحسنوا له الخروج لافتقاد أمور البلاد والعباد، وعرض العساكر ونواب القلاع، ولتكون أيضا سمعة فى بلاد العدو أن السلطان قد خرج ومعه العساكر، وأيضا يحصل التخفيف فى الديار المصرية من العساكر. فأجابهم إلى ذلك، وخرج فى العشر الأخير من شوال (١) من هذه السنة، فقدم دمشق يوم السبت نصف ذى القعدة، ودخلها والأمير بدر الدين بيسرى حامل الجتر على رأسه. قال صاحب النزهة: وخرج نائب الشام إلى ملتقاه، ولم يجد أهل الشام محتفلين له كعادة الملوك المتقدمة عند دخولهم، فطلب الوالى وأمره أن يخرج أهل دمشق إلى الملاقاة، ويوقدوا الشمع، ويظهروا الفرح بقدوم السلطان،

стр. 1181

ويزينوا المدينة، فركب الوالى وفعل ما أمره، ففعلوا ذلك مكرهين من غير خاطر، وأعلنوا بالدعاء للأمير حسام الدين لاجين ومماليك السلطان مثل بتخاص والأزرق وغيرهما، علموا ذلك وشاهدوا، فلم تطب خواطرهم، وعرفوا بذلك السلطان وأغروه على نائب الشام وأهلها، فطلب الصاحب فخر الدين بن الخليلى واتفق معه على مصادرة جماعة من دواوين الشام ومباشريها، فرسم عليهم وعلى شمس الدين سنقر الأعسر مشد الدواوين، وعلى الأمير سيف الدين اسندمر كرجى متولى البر، وشرف الدين بن فضل الله كاتب السر بدمشق، واستخرج من أهل الشام [١٢٠] أموالا كثيرة، وأهانهم إهانة بالغة، ومسك الأمير عز الدين أيبك الحموىّ نائب الشام وولى عوضه مملوكه غرلو (١) العادلى، وأخذ أموال نائب الشام، وختم على سائر حواصله فلم يطب ذلك على خواطر الأمراء. وكان قد ورد صاحب حماة إلى ملتقى السلطان، فاجتمعت به الأمراء واتفقوا معه على الكلام مع السلطان فى أمر نائب الشام، فحضروا إليه وقالوا يا خوند: إن الأمير عز الدين رجل من أكابر الدولة، وله خدمة متقدمة، ولم يظهر منه قط حياته، فعلم السلطان أنهم متفقون على خلاصه، فأجابهم إلى ذلك، فطلب الحموى وخلع عليه خلعة الرضى، ثم خلع على مملوكه غرلو بنيابة الشام، وكانت خلعة العزل والرضى وخلعة التولية فى وقت واحد، ثم إن السلطان جرد من عسكر الشام جماعة صحبة عسكر مصر وأمرهم أن يتقدموا إلى حلب، وأقام بعد ذلك بدمشق، وصلى بجامع بنى أمية. وقال ابن كثير: لما كان يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذى القعدة صلى الملك العادل بمقصورة الخطابة، وعن يمينه صاحب حماة الملك المظفر، وتحته

стр. 1182

بدر الدين أمير سلاح، وعن يساره أولاد الحريرى، ثم بدر الدين بيسرى، وتحته قراسنقر، وإلى جانبه الحاج بهادر، وخلفهم الأمراء الكبار، وخلع على الخطيب خلعة سنية، وهو قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، ولما قضى الصلاة سلّم على السلطان، وزار السلطان المصحف العثمانى، ثم أصبح يوم السبت فلعب بالميدان بالآكرة على العادة. وفى يوم الإثنين ثانى ذى الحجة (١) عزل الأمير عز الدين الحموى عن النيابة، وعاتبه عتابا كثيرا على أشياء صدرت منه، ثم عفى عنه وأمره بالمسير معه إلى مصر، واستناب بالشام سيف الدين أغرلو، ثم حضر السلطان دار العدل وحضر عنده الوزير والأمراء والقضاة، وكان عادلا كما سمىّ. وفيه تولى شهاب الدين الحنفى الوزارة، عوضا عن التقى التكريتى، وولى تقى الدين بن شهاب الحسبة، عوضا عن أبيه، وخلع عليهما، ثم سافر السلطان فى الثانى عشر (٢) من ذى الحجة واجتاز على جوسية (٣)، ثم أقام بالبرّية أياما، ثم عاد فنزل حمص وجاء إليه نواب البلاد، ثم عاد نحو ديار مصر. وفى نزهة الناظر: وبعد أن صلى السلطان بجامع بنى أمية خرج قاصدا نحو حمص، وضرب الدهليز على بحيرة حمص، وصار فى كل يوم يتوجه إلى الصيد وصحبته صاحب حماة، واتفق أن السلطان رمى غزالا فى الحلقة وأحضره معه إلى

стр. 1183

الدهليز، وكان قد حضر عنده الشيخ حسن القلندرى (١) - شيخ القلندرية بدمشق - وكان ممن يصحب السلطان وينتمى إليه وإلى جماعة من الأمراء، فقال له يا شيخ حسن: هذا صيد يدى خذه لك، فقبل الأرض وقال: يا خوند: يأخذ الفقراء هذا الغزال ويودّونه (٢) إلى موضع يختارونه، ويعملون هناك وقتا ويدعون للسلطان، فقال: وأين تودّيه؟ فقال: إلى صاحب حماة، فتبسم وقال له: خذ، فأخذه وأتى به إلى صاحب حماة فأنعم عليه بتشريف طرد وحش وكلوتاه زركش، فأراد أن يمتنع من لبس الكلوتاه وقال: أنا رجل فقير قلندرى لا يمكننى أن ألبس غير لبسى. فقال له: إن [١٢١] التشريف تشريف السلطان، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، فلبسه، وحضر عند السلطان وعرفه أنه أكرهه على لبس الكلوتاه، فاجتمعت حوله الأمراء وانبسطوا معه كما هى عادتهم معه من الانبساط والضحك، وهم فى ذلك وإذا صاحب حماة قد حضر، فتقدم إليه الشيخ حسن وقال له يا خوند: إيش عملت معى؟ وقد أنكرت على الأمراء والفقراء يطالبوننى على ذلك، فأنعم عليه بألف دينار، ولما حضر إلى دمشق عمل وقتا عظيما فى زاوية الشيخ الحريرى، وحضرت عنده مشايخ دمشق وفقراؤها. ثم إن السلطان أقام هناك أياما برسم الصيد والتنزه، ثم رجع إلى ناحية دمشق وأقام بها أياما، وفى تلك المدة زاد فى إكرام طرغاى وألوص والأويراتية،

стр. 1184

وقرّبهم إليه جدا، ووعد لهم بمواعيد حسنة، فصار يلهج بذكرهم مع أكابر الأمراء ويبث شكرهم، وكان كثيرا ما يذكرهم لنائبه الأمير حسام الدين لاجين، وكان لاجين يستحسن جميع ما يصدر منه من القول والفعل، ثم يعرّف الأمراء ما فى نفس السلطان من الفعل إلى أن تحملوا كلهم عليه، فاتفقوا على خلعه. ذكر اتفاق الأمراء على خلع السلطان: وكان السبب لذلك أمورا منها تقديم السلطان الأويراتية لكونهم من جنسه، ومنها عدم التفات السلطان إلى كلام الأمراء الكبار، ومنها تطاول مماليكه على الناس وخصوصا على الأمراء بالإساءة وقلة الأدب، فشرعت الأمراء عند ذلك فى التدبير على خلعه، وانتهزوا الفرصة فى هذه السفرة، واجتمع الأمير حسام الدين لاجين بالأمير سيف الدين بهادر الحاجب وغيره، واستوثق بعضهم بالبعض باليمين، وكذلك قراسنقر وبقية الأمراء، فصار كل منهم يخلو بأمير أو بخشداشه إلى أن وصل الأمر إلى البيسرى والأمير قفجاق، فاتفقوا كلهم على خلعه من غير قتله، وقصدوا مجرّد خلعه عن المسلمين وإزالة ما نالهم من الضرر والفناء والغلاء وقلة الوفاء من النيل والمظالم من مماليكه والتفاته إلى جهة الوافدين من الأويراتية، ووقع اتفاقهم على ذلك عند خروجه من دمشق وقبل دخوله إلى مصر. وكان خروجه من دمشق فى العشر الأول من محرم السنة الآتية، وما وصل إلى منزلة العوجاء إلا وقد اجتمعت قلوب سائر الأمراء على خلعه من الملك وتفريق حاشيته، فحين وصلوا إلى العوجاء ونزلوا، ونزل السلطان، ركبوا،

стр. 1185

فأول ما ركب نائب السلطان والحاج بهادر الحاجب ونشر كل منهما سنجقه، وكان بقى العلامة بينهم، فعند ذلك ركب الأمير قفجاق وقراسنقر وبيسرى وسائر الأمراء، وأول ما اصطلى بنار الحرب الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة، ولم يكن له همة غير مخيم الأمير بدر الدين بكتوت الأزرق - لما كان يعلم من قوته وشدته - وكان مشهورا بالفروسية فخشى عاقبة أمره فجعله قصده، ثم لما ساق إلى خيمته سمع الأزرق وقوع الصوت وهيجان الخيل، فنهض عند ذلك من خيمته ينظر ما ذاك، فرأى موكب لاجين قد أقبلت، ورأى الخيل قد أدركته، وأنه ليس له مهلة أن يعتد وما قدر إلا على فرسه، فركب وأخذ شطفته التى يعتادها، [١٢٢] فأدركته الخيل، وبقى لا يدرى يقصد من، واحتاطوا به، وضربه مملوك يسمى طيبرس ويلقب بوجه الحسب، وكان من جلة المماليك السلطانية الذين فرقهم كتبغا على الأمراء، وكان المذكور وقع للأمير حسام الدين لاجين، ولما ضربه بالسيف حل عاتقه فوقع على الأرض قتيلا وكانت خيمته مجاورة لخيمة بتخاص، فلما رأى الغلبة فى مخيم الأزرق أراد أن يركب فلم يمهلوه فقتل على باب مخيمه. وأما السلطان فإنه قد كان تخلف وجلس مع بعض خاصكيته، فسمع الطبلخاناة والغلبة أمر من يكشف الخبر، فرجع وقد اختبل مما رآه، فنهض السلطان بنفسه فنظر، وإذا الخيل قد أقبلت، وسناجق الأمراء قد نشرت، وكان عنده بعض الخبر من ذلك فإن الأمير بدر الدين أمير شكار كان ممن أنشأه السلطان وكبره فى دولته وقربه حتى صار أمير شكاره وصاحب مشورته، وكان من مماليك الخزندار نائب الدولة الظاهرية، وكان صاحب معرفة وتدبير، وكان قد تنسم بعض الخبر عند خروجه من دمشق، وعرف السلطان بذلك وحذره، فلم يعبأ به السلطان، ولم يعتقد صحة ذلك، فلما رأى ما رأى تحقق

стр. 1186

الخبر، فقام ولم يلحق غير لبس شاشه وقباء فوقانى، وركب فرسه (١)، وركب معه من مماليكه مقدار عشرين نفسا كانوا قريبين منه، وركب من سلحداريته مملوك له يسمى سيف الدين تكلان، وخرجوا من المخيم وقصدوا نحو دمشق، ولحق أيضا الأمير بدر الدين أمير شكار، وقال له: يا خوند: ما قلت لك، ما سمعت منى، فقال: فات الذى فات، وما لحقوا أن يخرجوا من أطراف الحيم حتى أدركهم لاجين فى موكبه، وسبق إلى السلطان حمدان بن صلغاى، وكان ممن أحسن إليه العادل فى دولته، فلم يمكنه أمير شكار. وصاح عليه، وقال: ويلك هذا جزاؤه منك، فرجع عنه، وقصد موكب لاجين الإدراك بالسلطان، فمنعهم من ذلك وقال: ما قصدنا غير خلعه وهو خشداشى وبينى وبينه أيمان، ما أخونه فى نفسه، غير أنكم إن أردتم فألحقوا بمماليكه، وبقى يسوق على مهله، فرجع إليه مملوك العادل تكلان السلحدار، وأراد أن يهجم على لاجين ويشغله عن أستاذه أو يقتله أو يموت، فرآه لاجين وقد عرج نحوه، فتقدم فأدركه وضربه بالسيف، فجرحه فى وجهه، وضرب هو أيضا لاجين، فجرح فرسه، ثم ضربه لاجين فى ثلاث مواضع وجرح فرسه فى أماكن عديدة، فوقع الفرس على الأرض ووقع تكلان، فقصدوا قتله، ومنعهم لاجين، وأمر بأن يحمل فحملوه، وهو مثخن بالجراحات، وقال: مثل هذا المملوك إذا قاتل عن أستاذه ما ينبغى أن يقتل. ووقعت النهبة فى الوطاق، وما جاء المغرب حتى رجعت الأمراء بأطلابها وسكنت الحال، ورجعوا إلى مخيمهم ونزلوا، وأخذت حاشية كتبغا فى

стр. 1187

الهزيمة، واستمر كتبغا سائقا إلى أن وصل إلى دمشق ومعه عشرون مملوكا، ودخل دار السعادة فى السحر، واجتمع بمملوكه أغرلو نائب الشام، وأخبره ما اتفق له مع لاجين نائبه والحاج بهادر، وكيف غدروا به بعد الوثوق بهم. وبلغ أهل دمشق حضوره [١٢٣] وعلموا أنه ما جاء على هذه الهيئة إلا لأمر حصل. وكان قد وقع فى نفوسهم له من الكره لأجل مصادرته إياهم، واجتمع على باب سعادة خلق كثير. ورأى أغرلو أن السكوت فى هذا الموقف يؤول إلى الفساد، فاقتضى رأيه طلب الأمراء والمقدمين، فحضروا، وطلب القضاة أيضا فحضروا، وعرفهم بما وقع من لاجين فى حق السلطان، وأنه ما اختار أن يعمل فتنة، ولا يسفك دما، وأنه قصدهم لما يعلم فيهم خيرا، ثم قال لهم: هل أنتم على اليمين التى حلفتم، وأنكم رضيتم بسلطنتى، أو أنتم أيضا غدرتم، فقالوا: نحن ما حلفنا لغيرك وما رضينا سلطانا غيرك، فقدموا المصحف وحلفوا له ثانيا بأنهم باقون على أيمانهم لا ينقضون ولا يغدرون. ثم أسرع السلطان فى تفريق الأموال والنفقات فى الجند، وقدر فى نفسه أن يملك دمشق ويستمر سلطانا بها، ويستخدم عساكرها، كما فعل من تقدمه. ذكر بقية الحوادث: منها أن السلطان أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الخزندار، نائب طرابلس، وكان اعتقاله دون أربعة أشهر، ولما كان السلطان بدمشق عرفه الأمراء بأنه من مماليك الشهيد، وأكبر خشداشية السلطان، وكان السلطان قال لهم

стр. 1188

إنه كثير الشر والعربدة، وأنه سكر، وقيل: أستاذ داره، لما تحدثوا معه فى خلاصه، سعى إليه واستتابه عن الشراب فتاب، وضمنته الأمراء، وأفرج عنه وأنعم عليه بمال من الخزانة وإقطاع مائة فارس. ومنها أنه وردت الأخبار فى هذه السنة بإسلام قازان بن أرغون بن أبغا ملك المغول، والسبب فى إسلامه أن وزيره نوروز (١) كان من أكابر أمراء المغول، وله المنزلة الكبيرة، وكان يصحب المشايخ والفقراء، واطلع على كتب كثيرة، وعلم حقيقة دين الإسلام، ولما حصل له من القرب من قازان، وتوثق به قازان، وحكمه فى مملكته، اتفق فى تلك المدة وصول الشيخ صدر الدين بن محمد ابن حمويه الشافعى إلى نوروز، فتحدث معه، وأمره أن يستميل قازان إلى الإسلام، فاجتمع نوروز بقازان وتحدث معه فى دين الإسلام، وبين له محاسنه، وما يحصل له من البركة، واستجلاب الرعية والتجار، ولم يزل به على ذلك إلى أن وافق على ذلك، وقال له: ينبغى أن يكون إسلامك على يد الشيخ صدر الدين المذكور، والشيخ علم الدين بن البرزالى، وكان عند نوروز، وكان كبير القدر، واتفق مع ذلك وصول الشيخ صدر الدين الجوينى بن شيخ الشيوخ ببغداد، وكان معظم القدر، صاحب علم ودين وبر، فاتفق الجميع، ودخلوا على قازان، فتلقاهم بالإكرام والقبول، وهداه الله إلى دين الإسلام، فأسلم على يدهم، وكان ذلك فى العشر الأخير من شعبان، فعند ذلك أمر بالمناداة فى أوردو برفع المظالم عن الناس، وإظهار شرائع الإسلام، وأمر بعمارة المساجد والجوامع، وصام شهر رمضان، وأسلمت معه جماعة من المغول، وكان له يوم الفطر عيد عظيم، وسمع الخطبة، ونثر على رأسه يوم صلاته فى يوم العيد الذهب والفضة، وأمر أن تعمل له سناجق خليفتيّة، ورسم أن تخرب الكنائس والبيع، وقرر على

стр. 1189

اليهود والنصارى الجزية، وأقام الشيخ عنده يعلمه فرائض الإسلام، وقصد الشيخ الحج فجهزه، وسيّر معه نفقات كثيرة تعطى [١٢٤] لأشياخ مكة وفقرائها. وشاع خبره فى بلاد مكة وغيرها بأنه أسلم. ولما وصل الخبر بذلك إلى السلطان، جمع الأمراء لذلك وعرفهم، فلم يعجب ذلك بعض الأمراء الكبار، وأنكروا إسلامه، وأنه ربما يكون ذلك مكيدة على المسلمين ليطمئنوا ثم يمشى عليهم على غفلة منهم. ولما بلغ ذلك طرغاى وأصحابه الأويراتية أنكروه أيضا، وخطر لهم أنهم أشاعوا ذلك ليرغموهم على الإسلام، فلم يلتفتوا إلى ذلك القول. وقد ذكرنا أن ابن كثير ذكر إسلام قازان فى السنة الماضية (١)، وذكرنا طرفا منه. ومنها أنه وقعت فى هذه السنة أعجوبة، وهى أن بعض الأمراء بالقاهرة كان جالسا على باب داره، وإذا بامرأة فقيرة تسأل، وهى من أحسن الناس صورة، فاستوقفها، وقال للخادم: خذ هذه وادخل بها الدار، واطعمها حتى تشبع، وكان ذلك من قوة الجاه، فدخل بها الخادم، وأحضر لها رغيفا فأكلته، ثم أحضر ثانيا فأكلته، ثم أحضر ثالثا فأكلته، ثم قال الأمير: هاتوا لها زبدية طعام لأجل الدسم، فأحضروا لها خافقية كبيرة، فأكلت أكثرها، ثم استندت إلى الحائط لتستريح، فإذا بها قد ماتت، ووجدوا على كتفها جرابا مسحورة باقى ما فيه يد صغير ورجله (٢).

стр. 1190

ومنها أنه ظهر بدمشق قتل فاحش، فكان كل يوم يوجد إثنان وثلاثة مقتولين، ولم يدروا ذلك حتى أتى « .... » (١) حتى حضر والى المدينة، وأرصد جماعة « .... » (٢) أبوابا للدروب، وبقى يركب طول الليل دابته ويدور البلد، والأمر فى تزايد والأقاويل مختلفة، وفى بعض الليالى مسكوا فقيرا مولها فاعترف أنه هو الذى يقتل، فأخذوه وسمروه، فسكن الناس واطمأنوا. ومنها فى العشر الأول من المحرم أشاع فى دمشق حديث عن قاض قرية عسال (٣) من قرى دمشق، أنه تكلم ثور فى القرية المذكورة، وهو أنه خرج ليشرب من ماء هناك ومعه صبى، فلما فرغ من شربه حمد الله تعالى، فسمعه الصبى، وحكى ذلك لمالك الثور، فأنكره، وخرج فى اليوم الثانى سقيه مع الثور، فلما شرب حمد الله، وحدث بذلك الحاضرين هناك، ثم قال الثور أن الله كان قد كتب على الأمة سبع سنين جدبا، ولكن بشفاعة النبى ﷺ أبدلها بالخصب، وذكر أن النبى ﵇ أمره تبليغ ذلك، وأنه قال له: يا رسول الله ما علامة صدقى عندهم؟، فقال: أن تموت عقيب الإخبار. قال الحاكى: ثم قدم الثور إلى مكان مرتفع فمات (٤)، فأخذ أهل تلك القرية من شعره للتبرك، ثم كفن ودفن (٥).

стр. 1191

ومنها ما قال بيبرس فى تاريخه: جردت إلى الإسكندرية، وكان قد بلغ زين الدين كتبغا قبل سفره إلى الشام أن العربان الذين ببرقة قد عبثوا بالمسلمين، وباعوا منهم جماعة للفرنج، وأن منصور بن روق كان الباعث على بيعهم بسبب الغلاء الذى عم تلك البلاد، وأحوج الأباء إلى بيع الأولاد، فوردت إلىّ مكاتبات العادل بالتوجه إلى برقة ومقاتلة هؤلاء إن كان ما نقل عنهم حق، وجرد الأمير سيف الدين بلبان الحبشى وأصحابه وجماعة من الحلقة، فعزمنا على التوجه إلى الجهة الغربية، وبرز من ثغر الإسكندرية، ونزلنا على تروجة، فبينما نحن عليها نازلون وللرحلة مزمعون، ورد البريد يخبر (١) بخلع زين الدين كتبغا من الدست واستقرار الأمير حسام الدين لاجين المنصورى فى الأمر، ورسم لنا بالعود إلى القلعة، فعدنا فى أوائل سنة ست وتسعين وستمائة (٢). [١٢٥] ومنها: أنه ولى القضاء بالديار المصرية على الطائفة الشافعية الشيخ تقى الدين محمد بن على بن أبى العطايا القشيرى المعروف بابن دقيق العيد، بعد وفاة القاضى تقى الدين عبد الرحمن بن القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز، وكانت وفاته فى نصف جمادى الأولى، وتولية المذكور فى الحادى والعشرين منه (٣).

стр. 1192

وفى نزهة الناظر: ولما مات ابن بنت الأعز اتفقت الأمراء والأكابر على تولية الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، وعرفوا السلطان دينه وعلمه، وأنه قد عرض عليه القضاء قبل ذلك مرارا فلم يقبل، فنزلت إليه الأمراء وسألوه فأجاب إليهم، وهو أول من لبس الصوف من القضاة فى السلطنة. قال المؤرخ: وبلغنى من شيخ الحديث فتح الدين بن سيد الناس أن ولد الشيخ قال للشيخ: يا سيدى كيف قبلت الولاية فى هذا الوقت وقد كنت تأبى عنها؟ فقال له يا ولدى: وجب ذلك على من وجوه. أحدها: أنه ليس لى شئ يكفينى للعيال، والثانى: عندى كتب العلم فأحتاج أن أبيع الكتاب الذى يساوى مائة بخمسين درهما. والثالث: لم يبق لتولية القضاء من هو أحق منى بالولاية، فتعين على. ولما ولى كتب بخطه لسائر نوابه وهو يحذرهم وينذرهم ويخوفهم من الله، ونسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم «الفقير إلى الله محمد بن على (١)» ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ - إلى - ﴿ما ٢ يُؤْمَرُونَ)﴾ ﴿(يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ)﴾ (٣)، ويمهل حتى يلتبس الإمهال بالاهمال على المغرور، وتحذره صفقة من باع الآخرة بالدنيا، فما أحد سواه مغبون، ولا سيما القضاة الذين تحملوا أعباء الأمانة على كواهل

стр. 1193

ضعيفة، وظهروا بصور كبار وهم نحيفة، والله إن الأمر لعظيم، والخطب لجسيم، وإن خفى عنكم من ذلك فتأملوا كلام النبوة: القضاة ثلاثة (١). وقوله ﷺ : لا تتأمرن على اثنين ولا تلينّ مال يتيم (٢)، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. هيهات جف القلم ونفذ أمر الله ولا رادّ لما حكم. وقال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده، واستسلم عثمان رضى الله عنه وقال: من أغمد سيفه فهو حر. وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: والخزائن [بين يديه] (٣) مملوءة، من يشترى منى سيفى، وقطع الخوف نياط عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، فمات من خشية الغرض، فاجعلوا أكبر همومكم الاستعداد للمعاد والتهيّؤ للجواب للملك الجواد، فهو يقول ﴿(فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾ (٤). هذه نصيحتى إليكم وحجتى عليكم إذا وقفت بين يدى الله تعالى (٥).

стр. 1194

وفيها: بلغ النيل ثمانية عشر ذراعا وأصبعا واحدة. وفيها: حج بالناس من مصر الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، ومن الشام الأمير سيف الدين بهادر العجمى، ﵀.

стр. 1195

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العامل العلامة مفتى المسلمين زين الدين أبو البركات المنجى (١) بن الصدر عز الدين أبن عمر عثمان بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى، شيخ الحنابلة وعالمهم. ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقه، وبرع فى فنون كثيرة من الأصول والفروع والعربية والتفسير، وصنف فى الأصول، وشرح المقنع (٢)، وله تعاليق فى التفسير، توفى يوم الخميس الرابع من شعبان [١٢٦]، وتوفيت معه زوجته أم محمد ست البهاء بنت صدر الدين الخجندى من غير مرض، فغسلا فى وقت واحد وحملا إلى الجامع، وصلّى عليهما عقيب الجمعة، ودفنا بسفح قاسيون فى تربة واحدة شمالى الجامع المظفرى (٣). الشيخ الصالح إسرائيل (٤) بن على بن حسن الخالدى.
следующие страницы →