← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ومنها ما قال بيبرس فى تاريخه: جردت إلى الإسكندرية، وكان قد بلغ زين الدين كتبغا قبل سفره إلى الشام أن العربان الذين ببرقة قد عبثوا بالمسلمين، وباعوا منهم جماعة للفرنج، وأن منصور بن روق كان الباعث على بيعهم بسبب الغلاء الذى عم تلك البلاد، وأحوج الأباء إلى بيع الأولاد، فوردت إلىّ مكاتبات العادل بالتوجه إلى برقة ومقاتلة هؤلاء إن كان ما نقل عنهم حق، وجرد الأمير سيف الدين بلبان الحبشى وأصحابه وجماعة من الحلقة، فعزمنا على التوجه إلى الجهة الغربية، وبرز من ثغر الإسكندرية، ونزلنا على تروجة، فبينما نحن عليها نازلون وللرحلة مزمعون، ورد البريد يخبر (١) بخلع زين الدين كتبغا من الدست واستقرار الأمير حسام الدين لاجين المنصورى فى الأمر، ورسم لنا بالعود إلى القلعة، فعدنا فى أوائل سنة ست وتسعين وستمائة (٢). [١٢٥] ومنها: أنه ولى القضاء بالديار المصرية على الطائفة الشافعية الشيخ تقى الدين محمد بن على بن أبى العطايا القشيرى المعروف بابن دقيق العيد، بعد وفاة القاضى تقى الدين عبد الرحمن بن القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز، وكانت وفاته فى نصف جمادى الأولى، وتولية المذكور فى الحادى والعشرين منه (٣).

стр. 1192

وفى نزهة الناظر: ولما مات ابن بنت الأعز اتفقت الأمراء والأكابر على تولية الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، وعرفوا السلطان دينه وعلمه، وأنه قد عرض عليه القضاء قبل ذلك مرارا فلم يقبل، فنزلت إليه الأمراء وسألوه فأجاب إليهم، وهو أول من لبس الصوف من القضاة فى السلطنة. قال المؤرخ: وبلغنى من شيخ الحديث فتح الدين بن سيد الناس أن ولد الشيخ قال للشيخ: يا سيدى كيف قبلت الولاية فى هذا الوقت وقد كنت تأبى عنها؟ فقال له يا ولدى: وجب ذلك على من وجوه. أحدها: أنه ليس لى شئ يكفينى للعيال، والثانى: عندى كتب العلم فأحتاج أن أبيع الكتاب الذى يساوى مائة بخمسين درهما. والثالث: لم يبق لتولية القضاء من هو أحق منى بالولاية، فتعين على. ولما ولى كتب بخطه لسائر نوابه وهو يحذرهم وينذرهم ويخوفهم من الله، ونسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم «الفقير إلى الله محمد بن على (١)» ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ - إلى - ﴿ما ٢ يُؤْمَرُونَ)﴾ ﴿(يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ)﴾ (٣)، ويمهل حتى يلتبس الإمهال بالاهمال على المغرور، وتحذره صفقة من باع الآخرة بالدنيا، فما أحد سواه مغبون، ولا سيما القضاة الذين تحملوا أعباء الأمانة على كواهل

стр. 1193

ضعيفة، وظهروا بصور كبار وهم نحيفة، والله إن الأمر لعظيم، والخطب لجسيم، وإن خفى عنكم من ذلك فتأملوا كلام النبوة: القضاة ثلاثة (١). وقوله ﷺ : لا تتأمرن على اثنين ولا تلينّ مال يتيم (٢)، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. هيهات جف القلم ونفذ أمر الله ولا رادّ لما حكم. وقال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده، واستسلم عثمان رضى الله عنه وقال: من أغمد سيفه فهو حر. وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: والخزائن [بين يديه] (٣) مملوءة، من يشترى منى سيفى، وقطع الخوف نياط عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، فمات من خشية الغرض، فاجعلوا أكبر همومكم الاستعداد للمعاد والتهيّؤ للجواب للملك الجواد، فهو يقول ﴿(فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾ (٤). هذه نصيحتى إليكم وحجتى عليكم إذا وقفت بين يدى الله تعالى (٥).

стр. 1194

وفيها: بلغ النيل ثمانية عشر ذراعا وأصبعا واحدة. وفيها: حج بالناس من مصر الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، ومن الشام الأمير سيف الدين بهادر العجمى، ﵀.

стр. 1195

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العامل العلامة مفتى المسلمين زين الدين أبو البركات المنجى (١) بن الصدر عز الدين أبن عمر عثمان بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى، شيخ الحنابلة وعالمهم. ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقه، وبرع فى فنون كثيرة من الأصول والفروع والعربية والتفسير، وصنف فى الأصول، وشرح المقنع (٢)، وله تعاليق فى التفسير، توفى يوم الخميس الرابع من شعبان [١٢٦]، وتوفيت معه زوجته أم محمد ست البهاء بنت صدر الدين الخجندى من غير مرض، فغسلا فى وقت واحد وحملا إلى الجامع، وصلّى عليهما عقيب الجمعة، ودفنا بسفح قاسيون فى تربة واحدة شمالى الجامع المظفرى (٣). الشيخ الصالح إسرائيل (٤) بن على بن حسن الخالدى.

стр. 1196

له زاوية خارج باب السلامة يقصد فيها للزيارة، وكان مشتملا على عبادة وزهادة لا يقوم لأحد من الناس ولو كان من كان، وعنده سكون ومعرفة، لا يخرج من منزله إلا للجمعة حتى كانت وفاته فى النصف من رمضان، ودفن بقاسيون. قاضى القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسن (١) بن الشيخ الإمام الخطيب شرف الدين أبى بكر عبد الله بن الشيخ أبى عمر المقدسى. سمع الحديث وتفقه، وبرع فى الفروع والنحو واللغة، وتولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين (٢) فى أواخر سنة تسع وثمانين، وكانت وفاته ليلة الخميس الثانى والعشرين من شوال وقد قارب الستين، ودفن بمقبرة جدّه بالسفح. الشيخ الإمام العالم البارع الناسك أبو محمد بن أبى جمره المغربى المالكى. توفى بالديار المصرية فى ذى القعدة، وكان قوالا بالحق، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر.

стр. 1197

الصاحب محيى الدين أبو عبد الله محمد (١) بن بدر الدين يعقوب بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن سالم بن النحاس الأسدى الحلبى الحنفى. ولد سنة أربع عشرة وستمائة بحلب، واشتغل وبرع، وسمع الحديث، وأقام بدمشق مدة، ودرس بمدارس كبار منها الريحانية (٢) والظاهرية (٣)، وولى القضاء بحلب، والوزارة، ونظر الخزانة، ونظر الدواوين، ونظر الأوقاف، ولم يزل مكرما معظما، معروفا بالفضيلة والإنصاف فى المناظرة، محبا للحديث وأهله على طريقة السلف الصالح، وكان يحب الشيخ عبد القادر (٤) وطائفته، وكانت وفاته ببستانه بالمزّة عشية الإثنين سلخ ذى الحجة، وقد جاوز الثمانين (٥)، ودفن يوم الثلاثاء مستهل سنة ست وتسعين وستمائة بمقبرة له بالمزة، وحضر جنازته نائب السلطنة والقضاة.

стр. 1198

قاضى القضاة تقى الدين أبو القاسم عبد الرحمن (١) بن قاضى القضاة تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب بن القاضى الأعز أبى القاسم خلف بن بدر العلائى الشافعى. توفى فى جمادى الأولى ودفن بالقرافة فى تربتهم، ﵀. الأديب تقى الدين شبيب (٢) بن حمدان بن شبيب الحرانى (٣). مات بالقاهرة، وكان فاضلا، أديبا وشاعرا مجيدا، ومن شعره: وافى يعلّلنى والليل قد ذهبا … فجلت فى راحة من راحة ذهبا ظبى إذا قهقه الابريق وابتسمت … له المدام بكا الراؤوق وانتحبا مترطق لم يقم بالكأس عرس هنا … إلا وراح بنور الراح مختضبا يجلو على ابن غمام بنت معصرة … فقم لتشهد أن العود قد خطبا كبّرت لما يدار الكأس فى يده … عجبا بتمثال ناء بحمل اللهبا كأنّه والطلى قد كلّلت حببا … بدر لشمس الضحى قد قلّد الشهبا أغنّ ينضو على العشاق ناظره … سيفا من الغنج لا ينبو إذا ضربا

стр. 1199

[١٢٧] ما هزّ من قدّه العسّال فى رهج … إلا عدا قلب جيش الصبر مضطربا ساق أقام على ساق قيامتهم … فبادروا نحو جنات الهنا غضبا فى خفض عيش يجرّون الذيول وكم … قد رفعوا الصوت للراووق إذ نصيا وقال: ومهفهف قسم الملاحة ربنا (١) … فيه فأبدعه (٢) بغير مثال فلخدّه النّعمان روض شقائق … ولثغره النظّام عقد لآلى ولطرفه الغزّال أحيا (٣) … الهوى وكذلك الإحياء للغزّالى الأديب شهاب الدين أحمد بن شمس الدين يوسف ابن قرمش. أحد كتاب الإنشاء بالقاهرة، كان عنده فضيلة تامة. الصدر الرئيس ضياء الدين إسماعيل بن الصاحب بدر الدين محمد بن جعفر الآمدى. توفى فى السابع والعشرين من جمادى الأخرى منها، كان مشكور السيرة، محمود الطريقة، تولى نظر بيت المال، وديوان الأهراء والذخائر، وكان والده ناظر الدواوين بدمشق، وهم من بيت كتابة ورئاسة وأمانة وتقدّم عند الملوك.

стр. 1200

الشيخ الإمام العالم العامل القدوة الزاهد بقية السلف عز الدين أحمد (١) بن عمر ابن الفرج الفاروثى الشافعى الواسطى. توفى بواسط، وكان من السادة العلماء الصلحاء الابدال، سمع من الشيخ شهاب الدين السهروردى ولبس منه خرقة التصوف، وسمع على أكثر مشايخ العراق ودياربكر والحجاز، وكان يعظ ويفسر القرآن ويفتى، وله أحوال ومكاشفات، ولما قدم من العراق إلى الشام فى الدولة الظاهرية أعطى تدريس الجاروخية وإمامة مسجد ابن هشام (٢)، وكان يستدين على ذمته ويطعم الفقراء، وفى بعض الأوقات لا يكون معه شئ فيقلع بعض ثيابه ويعطى السائل، ومولده بواسط سنة أربع عشرة وستمائة، ومات فى أوائل هذه السنة، ودفن برباط والده. الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن على بن عبد الكريم الموصلى المعروف بالأثرى القادرى. مات بدرب القلّى بدمشق، ومولده سنة أربع وتسعين وخمسمائة بالموصل، وعاش مائة سنة.

стр. 1201

الفقيه العدل برهان الدين إبراهيم (١) بن الشيخ عز الدين عبد الرزاق بن رزق الله الرسعنى (٢) المعروف بابن المحدث (٣). مات فى هذه السنة ودفن بقاسيون عند التربة الموفقية (٤)، سمع وحدّث، وكان يشهد تحت الساعات بدمشق. وله نظم فمنه: سلام من الصبّ المقيم على العهد … على نازح دان خلىّ من الوجد عن العين نائى وهو فى القلب حاضر … بنفسى حبيبا حاضرا غائبا أفدى غدت أرضه نجدا سقى زهرها الحيا … فأقصى المنى نجد ومن حلّ فى نجد أبيت إذا ما فاح نشر نسيمها … لفرط الأسى أطوى الضلوع على وقد وإن لاح من أكنافها لى بارق … فسحب دموع العين تهمى على الخدّ كلفت به لا انثنى عن صبابتى … به والجوى حتى أوسّد فى لحّدى فيا عاذلى خلّى الملامة فى الهوى … وكن عاذرى فاللوم فى الحب لا يجدى [١٢٨] فلست أرى عنه مدى الدهر سلوة … ولا لى منه قط ما عشت من بدّ

стр. 1202

الشيخ الجليل كمال الدين عبد الله بن محمد بن نصر بن قوام الرصافى. مات فى هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفية، وكان رجلا خيرا صاحب رواية، ومولده سنة خمس عشرة وستمائة بالرصافة. القاضى شرف الدين موسى بن القاضى نجم الدين محمد بن سالم بن مسلم البالسى قاضى طرابلس. توفى فى السادس عشر من ذى الحجة منها. العدل عماد الدين أبو العباس أحمد بن هبة الله بن نصر الله بن على بن المفرج ابن سلمة الدمشقى. توفى فى هذه السنة بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير، ومولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة. القاضى الإمام العالم علم الدين أحمد بن إبراهيم بن حيدره القرشى، المعروف بابن القماح المصرى. توفى فى الثانى والعشرين من ربيع الأول منها ودفن يالقرافة، ومولده يوم الجمعة الثامن والعشرين من رمضان سنة ثلاثين وستمائة، وكان من العلماء الفضلاء وله شعر مليح، فمنه قوله (١):

стр. 1203

إذا كنت جار المصطفى ونزيله … فيقبح بى شوقى لأهلى وأوطانى أأرغب من دار بها الخير كله … وفيها هوى القاصى وأمنيّة الدانى ولست بجاف أهل ودّى وإنما … إذا فزت بالباقى (١) فمالى والفانى حلفت يمينا أنها خير منزل … لأشرف نزّال وأكرم جيران (٢) فيارب بلغ من أحبّ وصولها … ليزداد إيمانا كما ازداد إيمانى الأديب الفاضل سراج الدين عمر (٣) بن محمد بن الحسين (٤) المصرى الوراق. أديب الديار المصرية فى وقته، وقد جاوز التسعين سنة، (٥) كان يسكن بسوق وردان بمصر، توفى فى هذه السنة ودفن بالقرافة، وكان أديبا مكثرا متصرفا فى فنون الشعر، حسن النادرة، وديوانه فى سبعة أجزاء (٦) فمن أشعاره قوله:

стр. 1204

سألتهم وقد حثّوا المطايا … قفوا نفسا فساروا حيث شاءوا وما عطفوا على وهم غصون … ولا التفتوا إلىّ وهم ظباء (١) وقال: قلت قومى إلى الفراش فأنّه … وتأنت وذاك منهن صعب وقال فى شخص اسمه عرفات: اطنبوا فى عرفات وغدوا … يتعاطون له حسن الصفات ثم قالوا لى هل وافقتنا … قلت عندى وقفة فى عرفات وقال: والله ما من خبر سرّنى … إلا وذكراك له مبتدا وطالما باسمك فى خلوتى … ناديت أو كلت حروف الندا وقال فى شاعر: أنشدنى شعرا به … ظننت فاه مبعرا وقال لى كيف ترى … قلت أرى مثل الخرا فقال اسمع غيره … قلت كفى ما قد جرا وقال: إلهى قد جاوزت تسعين حجة (٢) … فشكرا لنعماك التى ليس تكفر

стр. 1205

[١٢٩] وعمّرت فى الإسلام فازددت بهجة … ونورا كذا يبدوا والسراج المعمّر وعمّ نور الشيب رأسى فسرّنى … وما ساءنى إن السراج منوّر وقال يصف بيته فى الشتاء: وبيتى فى الشتاء يكاد يبدو … به جسدى لسكّان الجحيم تصدّ الشمس عنا فيه … حتى كأنّا فيه أصحاب الرقيم ونفتح طاقنا ليزوّر حينا … فيحجبها ويأذن للنسيم وقال: لما رأيت البدر والشمس معا … قد انجلت دونهما الدّياجى حقرت نفسى ومضيت هاربا … وقلت ماذا موضع السراج وقال: باهذه لا تجحدى دمى الذى … شهدت عليك لتابه خدّاك وسيوف قومك لم ترقه وإنما … أصل البليّة كلها عيناك وقال: بنىّ اقتد بالكتاب العزيز … وراح كبدى سعيا وراجا فما قال لى أف مذ كان لى … لكونى أبا وكونى سراجا وقال صلاح الدين الصفدى: كان السراج الوراق أديبا أجاد المقاطيع، كثير الغوص، جيد المقاصد، صحيح المعانى، عذب التركيب، متمكن

стр. 1206

القوافى، عارفا بالبديع، أجاد فنون الشعر، وكان حسن الخط، واختار ديوانه فى مجلده سماه: «لمع السراج»، وكان بينه وبين شعراء عصره مجاراة ومباراة، وكان أشقر، أزرق العينين، وكان يكتب الدرج لسيف الدين أبى بكر بن أسباسلار والى مصر، وكانت وفاته فى جمادى الأولى من هذه السنة، ﵀. الصدر الرئيس الكبير الفاضل صدر الدين محمد بن الشيخ الكبير الرئيس جمال الدين محمود بن عمر بن أبى المكارم بن حمدان الأنصارى المعروف بابن القباقبى. مات بثغر صفد، ودفن بمغارة النبى يعقوب ﵇ فى تابوت، ونقله أهله فيما بعد إلى دمشق ودفن بسفح قاسيون بتربتهم عند أسلافه، خدم فى كتابة الدرج بصفد، ثم نقلى إلى نظر القدس الشريف، فباشره، ثم أعيد إلى كتابة الدرج بصفد، فباشره إلى أن مات فى هذه السنة، ولم يبلغ الأربعين سنة، وكان يكتب مليحا، وينظم شعرا. ومن شعره: وصال ولكن ما إليه وصول … وحال وعنها الدهر لست أحول وهجر وتعذيب ونوح وأنّة … وقلب خقوق للغرام حمول ودمع وتبريح مديد وكامل … وسهد وليل وافر وطويل وصبر على ما ليس يحمل بعضه … فسلوان قلبى ما إليه سبيل أيا بدر تمّ يخجل الشمس فى الضحى … ولحظك أم سيف يهزّ صقيل وثغرك أم ورد جنى مضاعف … وريقك أم شهد حلا وشمول

стр. 1207

وقال: خلع الربيع على الرياض ملابسا … منسوجة من سائر الألوان [١٣٠] من أخضر نضر وأصفر فاقع … فى أبيض يقق وأحمر قانى وقال فى زهر السفرجل: بزهر السفرجل معنى على … جميع الزهور به يفضل يشم ويؤكل شكرا له … وتلك تشمّ ولا تؤكل وقال: عيون المزن تبكى والقنانى … تقهقه فامزجا لى واسقيانى مدام من عهد الروم لابل لها … من عهد نوح فى الدّنان وحثّا الدور بالثانى فإنى … أحبّ الدور موصولا بثانى وهاتا يا خليلىّ انشدانى … بسيطا فى عراق وأصبهان بأصوات القيان فإنّ قلبى … وسمعى عند أصوات القيان وإن أنا متّ شكرا فاغسلانى … بفضلة ما تبقى فى الدنان وفى ورق الدّوالى كفّنانى … وفى الكرم أحفرا لى وادفنانى وإن حاولتما تشييع نعشى … فحثا بالمثالث والمثانى وقولا عند قبرى مات هذا … قتيل الراح سكرا والقنانى

стр. 1208

الأديب الفاضل أبو القاسم عبد الرحمن (١) بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود العلامى المصرى الشافعى (٢). مات فى هذه السنة ودفن بسفح المقطم، كان فقيها أديبا. وقال الشيخ شرف الدين الدمياطى أنشدنى المذكور لنفسه: ومن رام فى الدنيا حياة خلية … من الهمّ والأكدار رام محالا وهاتيك دعوى قد تركت دليلها … على كل أبناء الزمان محالا (٣) الشيخ الإمام العلامة ذو العيون نجم الدين أحمد (٤) بن حمدان بن شبيب ابن حمدان بن محمود الحرانى الحنبلى. توفى فى هذه السنة بالمدرسة المنصورية، ودفن بسفح المقطم، ومولده بحران سنة ثلاث وستمائة، وكان شيخ المذهب، وله معرفة بالأصول، ويد طولى فى علم الخلاف والجبر والمقابلة، وهو صاحب كتاب الرعاية فى الفقه (٥)، وهو

стр. 1209

كتاب مشهور بكثرة النقل، سمع بحرّان من الحافظ عبد القادر الرهاوى (١)، والخطيب فخر الدين ابن تيميه (٢)، وابن روزبة، وغيرهم، وسمع بحلب من أبى خليل، وبدمشق من ابن صباح، ومحمد بن غسان، (٣) وعمر بن المنجى، وغيرهم، ﵀. السيد الحسيب النسيب الحافظ عز الدين (٤) أبو القاسم بن الإمام أبى عبد الله العلوى الحسينى المصرى، ويعرف بابن الحلبى، نقيب الأشراف بالديار المصرية. مولده سنة ست وثلاثين وستمائة، وتوفى فى السادس من المحرم، ودفن بالقاهرة. الأمير الكبير بدر الدين لؤلؤ بن (٥) عبد الله المسعودى. صاحب الحمام بالمزة، وأحد الأمراء الكبار المشهورين بخدمة الملوك، توفى ببستانه بالمزة يوم السبت السابع والعشرين من شعبان منها، ودفن بتربته بالمزة.

стр. 1210

الأمير عز الدين أيبك (١) الأفرم الصالحى أمير جندار وهو الأفرم الكبير. توفى فى هذه السنة، (٢) وكان ذا سعادة كثيرة تدخل عليه من ملكه وإقطاعه كل يوم ألف دينار مصرية خارجا عن ثمن القمح والشعير [١٣١] والحبوب ونحو ذلك، ولم يزل مقدّما فى الدول، ولم يكن فى البلاد الإسلامية بلد إلا وله فيه علقة إما ملك أو ضمان أو زراعة، وخرب الله جميع ما خلفه بالمحق، ولم يبق مع ورثته شئ حتى كان أولاده يستعطون من الناس، هذا مع قلة ظلمه وعسفه. وفى نزهة الناظر: وكان من الأمراء الكبار الصالحية، قديم الهجرة فى الدول، وكان شجاعا مقداما، وله غزوات كثيرة، وإذا عرض غزاة استخدم جماعة من الجند فى سبيل الله، وكانت له سعادة ضخمة، وهى من كثرة زراعته، وإن كانت له زراعات فى سائر الوجه القبلى والبحرى، فإذا وجد مكانا خرسا اشتراه أو استأجره وعمره، وأعطاه الله فى الزراعة نصيبا وافرا، واستأجر بلادا كثيرة فى الوجه القبلى، وكل مكان يكون له فى نشا يعمّر فيه جامعا أو مسجدا، وإذا بلغه أمر جامع خراب أو مسجد خراب عمره حتى حصرت الأماكن التى عمرها قريبا من ثلاثمائة مئذنة، واتخذ له أملاكا بمصر، وعمارات على بحر النيل، وعمر بقوص مدرسة للشافعية، ومدرسة على ساحل البحر.

стр. 1211

قال المؤرخ: وحكى لى بعض مباشريه فى البلاد أن غلاله ومتحصل زراعاته فى كل سنة تنيف على مائتى ألف أردب من سائر الحبوب، وعمل فى سنة الغلاء خيرا كثيرا، وكان يجمع الصعاليك على الخبز والطعام، ويبرّ الأيتام وأرباب البيوتات، وكان له طبقة عالية فى سماع الحديث، حكى عنه الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس شيخ الحديث أنه سمع عليه الحديث هو وجماعة من أهل الشام حضروا لطلب الحديث فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. وعند غلبة المرض عليه أوصى إلى أولاده أنه إذا توفى يخرجون طلبه وهى على عادتها، فالخيول ملبسه والسناجق منشورة ومماليكه ملبسون على جارى عادتهم عند الخروج إلى الغزاة والعرض بالأطلاب، (١) ولما توفى عرّفوا لاجين نائب السلطنة ما أوصى به، فقال لهم: افعلوا ما قال لكم من غير دق النقارات: وصول نائب السلطان وسائر الأمراء من القلعة، وغلقت مصر ذلك اليوم من أول باب مصر إلى دار سكنه بباب القنطرة، وجميع القضاة والفقراء كانوا مشاة فى جنازته، وطلبه سائرة معه على الحالة التى يخرج فيها إلى الغزو غير أنه لا تضب الطبلخاناة والبوقات. الأمير بدر الدين بيلك (٢) المحسنى المعروف بأبى شامة. توفى فى هذه السنة، كان متولى الكشف بالوجه القبلى، وكانت له حرمة

стр. 1212

وصولة ومهابة، وأتلف جماعة كثيرة من المفسدين فى الوجه القبلى. الأمير بدر الدين لقلق المسعودى، توفى فيها بدمشق. الأمير علم الدين سنجر (١) المسرورى، متولى القاهرة. توفى فى هذه السنة، وكان يعرف بعلم الدين الخياط، لقبه به أستاذه الذى اشتراه، وكان ذا شكل حسن، مهابا مصطنعا للناس بالخير فى ولايته، عاقلا محتشما، متعقلا عما يبدو من الفواحش، رضى الأخلاق مع لطف وكرم، وكان له تولع بالشراب واجتماع الندماء اللطاف مثل السراج الوراق وشمس الدين الكحال أبى دانيال ونصر الحمامى، وله مكارم عليهم وقبول شفاعات ينالون بها إلى مقاصدهم، واتفق لهم معه مجارى كثيرة من الهزليات المضحكة يطول شرحها، فمن ذلك أنه شرب معهم فى بعض الليالى، وكان ليلة الموكب، فقام من السحر وتوضأ، ولبس ثيابه وأخذ فى لف شاشه على كلوتاته، فلما فرغ جعل يديريده على الشاش [١٣٢] ويمشيها، فقال له السراج الوراق: يا خوند ابصرها فى التحاريس، فضحك علم الدين وأعجبه هذا القول، فقال: والله يا سراج الدين لقد أحسنت فى هذا، وأمر له بعطية، وقد علم أن عادة الخياطين غزو الإبرة فى عمامته حتى يجد الابرة فيأخذها. وكان له حسن تأنى فى أموره واصطناع المعروف، فمن أغرب ما حكى عنه أنه أقام زمانا يتوقع وقوع بعض أرباب البيوت إلى أن أتى إليه البعض (٢) فأخبره

стр. 1213

بأن بعض أولاد الأمراء فى بستان ومعه فلانة، وكان يبلغه عنها من اللطف والطرافة والملاحة، وصبر إلى الليل وركب وحده ومعه مملوك صغير فجاء ودخل عليهم، فلما رأوه وجموا منه وخافوا، فقال لهم: لا تخافوا، وأسهم فى الحديث وشرب معهم، ورأى من تلك المرأة أكثر مما وصفوه له عنها، فلما أراد أن يقوم قامت تلك المرأة فدخلت إلى مكان وخلعت جميع ما عليها من الحلى والفصوص وغيرها وجمعت الجميع فى منديل وخرجت إليه فوضعته بين يديه واعتذرت أن الأمير حضر عندنا على غفلة، وهذا يكون عندك على سبيل الرهن إلى حين أحضر إلى خدمتك ومعى ما يصلح لضيافتك، فلحقه من ذلك خجل وحياء، وجعل يحلف إلى أن قامت فكشفت رأسها وحلف صاحب المجلس بالطلاق، فعند ذلك أخذه وخرج من عندهم، وأقام على ذلك مدة لم يحضر إليه أحد، ثم أنه طلب بعض الصاغة وقال له: قوّم ما فى هذه الأشياء من الذهب والفضة، فأخذ الصائغ فى النظر إليها، ثم قال له يا خوند: هذا جميعه زغل معمول من الرصاص قد أطلى بالذهب والفضة، فتعجب الأمير من ذلك ودهش وردّه إلى مكانه، وبقى متفكرا فى هذه الحيلة من تلك المرأة، فحنق عليها وقال: ما لهذه إذا وقعت إلا أن تهتك، ولا آمن بعد هذا امرأة، فمضى على هذا بعض الأيام، ثم أنه ذات يوم كان جالسا؛ فإذا خادم له قد دخل عليه وقال له: إن على الباب امرأة محتشمة ومعها خادم وهى تريد أن تجتمع بالأمير، فأذن لها بالدخول فدخلت وعليها آثار الحشمة، فأجلسها وقال لها: لعل حاجة، فأخرجت كيسا فيه ثلاثمائة دينار، وقالت يا خوند: عندك رهن، وقد أحضرت المبلغ الذى عليه، فعرف الأمير فى ذلك الوقت أنها تلك المرأة التى عملت ما عملت،

стр. 1214

فعند ذلك أمر الأمير فأخرجوا قماشها قطعة بعد قطعة، ثم قال لها: من صاغ لك بهذا المصاغ؟ قالت: شخص أعرفه. قال: فهل علمت ما فعل؟ قالت: نعم. قال: فما حملك على مثل هذا؟ قالت: فعلنا هذا لمثل من لا يخاف الله. قال: فلم أعطيتنى هذا؟ قالت: خشيت أن يحملك الغيظ بقلة الوثوق من النساء فى مثل هذه الواقعة ولا تقع منك رحمة فى غيرنا ولا تستر أحدا بعدنا. فقال الأمير: جزاك الله عن مروءتك خيرا، فلا والله لا يتبعنى منك شئ، وحلف بالطلاق على ذلك، فأخذت الذهب وذهبت، ثم أصبحت وسيرت له قماشا له صورة. الملك السعيد إيلغازى (١) بن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان الأرتقى، صاحب ماردين. توفى فى هذه السنة [١٣٣] وكانت مدة مملكته بها دون ثلاث سنين، وتولى عوضه أخوه الملك المنصور نجم الدين غازى، (٢) رحمهم الله تعالى.

стр. 1215

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السادسة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والسلطان هو الملك العادل كتبغا، وكان مسافرا فى الشام - كما ذكرناه -، ثم إنه توجه قاصدا الديار المصرية فى أوائل المحرم، ولما وصل إلى ماء العوجاء ركب الأمراء - على ما ذكرنا - وجرى ما ذكرنا من هروب السلطان كتبغا إلى دمشق، (١) ثم إنهم اتفقوا وهم بمنزلة العوجاء بعد سفر كتبغا على إقامة الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى سلطانا.

стр. 1216

ذكر سلطنة لاجين المنصورى قال بيبرس فى تاريخه: فى المحرم من هذه السنة اتفق الأمراء - وهم بمنزلة العوجاء [بعد مفر كتبغا (١)]- على سلطنة لاجين المنصورى، فأقاموه ولقبوه بالمنصور، وشرطوا عليه شروطا فالتزمها، منها: أن يكون كأحدهم لا ينفرد برأى عنهم، ولا يبسط يد أحد من مماليكه فيهم. وكان الأعيان الحاضرون فى هذه المشورة والمتفقون على هذه الصورة: الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، والأمير سيف الدين قفجق، (٢) والأمير سيف الدين بهادر الحاج أمير حاجب، والأمير سيف الدين كرد، والأمير حسام الدين لاجين الرومى أستاذ الدار، والأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، والأمير عز الدين أيبك الخزندار والأمير جمال الدين أقوش الموصلى، والأمير مبارز الدين أمير شكار؛ والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار، والأمير سيف الدين سلار، وسيف الدين طقجى، (٣) وسيف الدين كرجى، وعز الدين طقطاى، وسيف الدين برلطاى، وغيرهم. ولما حلف لهم على ما شرطوه، وعاهدهم على ما طلبوه، قال له الأمير قفجاق: نخشى أنك إذا جلست فى المنصب تنسى هذا التقرير، وتقدم الصغير

стр. 1217

من مماليك على الكبير، وتخول منكوتمر مملوكك فى التحكيم والتدبير، فتصل، وكرر الحلف أنه لا يفعل، وعند ذلك حلفوا له، ورحلوا نحو الديار المصرية. فلما وصل إلى القلعة واستقر قراره رتب الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائبا، والأمير سيف الدين بهادر الحاج حاجبا، والأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار أمير جاندار، (١) واستمر الصاحب فخر الدين بن الخليلى بالوزارة برهة ثم عزله بالأمير شمس الدين سنقر المعروف بالأعسر، ورتب فى نيابة السلطنة بدمشق سيف الدين قفجاق، (٢) وتوجه إليها، ودخلها فى السادس عشر من ربيع الأول منها. قال ابن كثير (٣): ثم دخلت سنة ست وتسعين وستمائة والخليفة الحاكم العباسى وسلطان البلاد العادل زين الدين كتبغا، وهو فى نواحى حمص يتصيد، ومعه نائب الديار المصرية حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى وأكابر الأمراء ونائب دمشق الأمير سيف الدين غرلو العادلى، ولما كان يوم الأربعاء ثانى المحرم دخل العادل إلى دمشق ضحى من نواحى حمص، وصلى الجمعة بالمقصورة، وزار قبر هود ﵇، وصلى عنده، وأخذ من الناس قصصهم بيده، وجلس بدار العدل يوم السبت، ووقع على القصص هو ووزيره فخر الدين بن الخليلى، ثم حضر السلطان دار العدل يوم الثلاثاء، ثم صلى الجمعة بالمقصورة يوم الجمعة،

стр. 1218

ثم صعد فى هذا اليوم إلى مغارة الدم وزارها، وتصدق بجملة من المال، ثم خرج بالعساكر المنصورة من دمشق سحرة يوم الثلاثاء الثانى والعشرين من المحرم [١٣٤] وخرج معه الوزير ابن الخليلى، وفى يوم الأربعاء آخر يوم من المحرم منها تحدث الناس بينهم بوقوع تخبيط بين العساكر وتخلف وتشويش، فغلق باب القلعة، وركبت طائفة من الجيش على باب النصر وقوفا. وقال: فلما كان وقت العصر وصل الملك العادل إلى القلعة فى خمسة أو ستة من مماليكه فجاء إليه الأمراء، وحضر ابن جماعة وحسام الدين الحمامى، وجدد تحليف الأمراء فحلفوا له، فخلع عليهم، وأمر بالاحتياط على نواب الأمير لاجين وحواصله، وأقام العادل بالقلعة هذه الأيام (١). وكان الخلف الذى وقع بينهم بوادى فحمة (٢) يوم الإثنين الثانى والعشرين من محرم هذه السنة، وذلك أن الأمير حسام الدين لاجين قد واطأ جماعة من الأمراء فى الباطن بعزل العادل، ووثق منهم، فأشار على العادل - حين خرجوا من دمشق - أن يستصحب معه الخزانة، وذلك أنه (٣) لا يتقوى بها إن رجع إليها، وتكون قوة له (٤) فى الطريق على ما قد عزم عليه من الأمور.

стр. 1219

فلما كانوا بالمكان المذكور قتل لاجين الأمير سيف الدين بتخاص، وبكتوت الأزرق النابلسى، وأخذ الخزانة بين يديه والعدد، وقصد ديار مصر، فلما سمع العادل بذلك خرج من الدهليز، وساق جريدة إلى دمشق، فدخلها كما ذكرنا، وتراجع بعض مماليكه كزين الدين أغلبك (١) وغيره. وأقام السلطان بالقلعة لا يخرج منها، وأطلق كثيرا من المكوس، وكتب بذلك تواقيع، وقرئت على الناس، وغلا السعر جدا. ولما دخل لاجين إلى مصر دخلها فى أبهة عظيمة، وتابعه الأمراء، وملك عليهم، وجلس على سرير الملك يوم الجمعة العاشر من صفر، ودقت البشائر، وزينت البلد، وخطب له على المنابر، والقدس، والخليل، والكرك، ونابلس، وصفد، وذهبت إليه طائفة من أمراء دمشق، وقدمت الجريدة من جهة الرحبة صحبة الأمير سيف الدين كجكن، فلم يدخلوا البلد، بل نزلوا بميدان الحصى، (٢) وأظهروا مملكة المنصور لاجين صاحب مصر، وركبت إليه الأمراء طائفة بعد طائفة، وفوجا بعد فوج. فقوى أمر المنصور وضعف أمر العادل. فلما رأى انحلال أمره قال للأمراء: هو خشداشى، وأنا وهو شئ واحد، وأنا سامع له مطيع، وأنا أجلس فى أى مكان من القلعة حتى تكاتبوه، وتنظروا ماذا يقول. وجاءت البريدية بالمكاتبات تأمر بالاحتياط على الطرق، وعلى الملك العادل، وبقى الناس فى هرج وأقوال مختلفة، وأبواب المدينة مغلقة سوى باب النصر

стр. 1220

وباب القلعة أيضا، والعامة حول القلعة حتى سقط منهم طائفة فى الخندق، فمات بعضهم. وقد أعلن باسم الملك المنصور لاجين ودقت البشائر بذلك بعد العصر، ودعا له المؤذنون فى سحر ليلة الأحد بجامع دمشق، وتلوا قوله تعالى ﴿(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ)﴾ (١) الآية. وأصبح الناس يوم الأحد فاجتمع القضاة والأمراء، وعزلوا العادل بدار السعادة، وحلفوا للمنصور لاجين، ونودى بذلك فى البلد، وأن يفتح الناس دكاكينهم، واختفى الصاحب شهاب الدين وأخوه زين الدين المحتسب، فعمل الوالى ابن الشهابى حسبة البلد، ثم ظهر زين الدين فباشرها على عادته، وكذلك أخوه شهاب الدين. وسافر الامير سيف الدين أغرلو (٢)، وسيف الدين جاغان (٣) إلى الديار المصرية يعلمان بوقوع التحليف على ما رسم به. وجاء كتاب السلطان أنه جلس على السرير يوم الجمعة العاشر من صفر، وشق القاهرة فى سادس عشره [١٣٥] فى أبهة الملك، وعليه الخلعة الخليفتية والأمراء بين يديه مشاة، وقد استناب بديار مصر الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى.

стр. 1221

وخطب بدمشق للمنصور لاجين أول يوم من ربيع الأول، وحضرت القضاة المقصورة، وشمس الدين الأعسر، وكجكن، وأزدمر، (١) وجماعة من أمراء دمشق، وتوجه القاضى إمام الدين القزوينى، وحسام الدين الحنفى، وجمال الدين المالكى إلى مصر مطلوبين، وقدم الأمير حسام الدين أستاذدار (٢) السلطان وسيف الدين جاغان من جهة السلطان، فحلّف الأمراء ثانية، ودخلوا على العادل إلى القلعة ومعهم بدر الدين أبى جماعة وكجكن فحلفوه أيمانا مؤكدة بعد ما طال بينهم الكلام بالتركى، وذكر فى حلفه أنه راض بما يعينه له من البلدان أى بلد كان، فوقع التعيين بعد اليمين على قلعة صرخد (٣). ودخل سيف الدين قفجاق المنصورى على نيابة الشام إلى دمشق بكرة السبت السادس عشر من ربيع الأول ونزل بدار السعادة، عوضا عن سيف الدين اغرلو العادلى، واستقر كتبغا بصرخد، (٤) وكتب له منشور إقطاعا له، ولم يتعرض إليه أحد، فسلمت له نفسه وأهله وأولاده ومماليكه وألزامه (٥). وفى نزهة الناظر: لما تكمل الدست للاجين فى السلطنة طلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وأمره أن يركب البريد ويذهب إلى العادل كتبغا فى دمشق،

стр. 1222

ويجتمع بالأمراء والمقدمين والجند، ويعرفهم أن لاجين تسلطن، وأنهم يحيطون به ولا يمكنوه من الخروج إلى مكان آخر، فلما وصل اجتمع بالأمراء والأكابر وعرفهم بالذى أمر به لاجين، وكان جميعهم يميلون إلى لاجين ويحبونه من أيام نيابته عليهم، فوافوا كلهم متفقين على ما أمر به لاجين، وكان اتفق فى اليوم الثالث من دخول سنقر الأعسر حضور الأمراء الذين كانوا مجردين إلى إلى سيس وفيهم الأمير سيف الدين كجكن، وهو من أمراء الشام، والأمير حسام الدين الأستاذدار، وهو من أمراء مصر، وكان الخبر وافاهم بحمص، وكان الأمير حسام الدين صاحب رأى وتدبير، وكذلك الأمير كجكن واتفق رأيهما مع رأى سنقر الأشقر إلى أن ركبوا ودخلوا إلى العادل وصحبتهم قاضى القضاة ابن جماعة، فلما تلاقوا بكى كتبغا وبكى هؤلاء أيضا، وشرع كتبغا يخبرهم بما وقع من لاجين فى حقه، وشكى من الأمراء أيضا وأظهر شكوى كثيرة، وظهر منه تخضع وذلة حتى رحموه وبكوا بكاء كثيرا، وأخذوا يتلطفون به فى الحديث، ويترققون له، ويظهرون الحزن والتأسف له. ويناسب هذه الحالة قول الشاعر: وعاجز الرأى مضياع لفرصته … حتى إذا تم أمر عاتب القدرا وأخذ الأمير حسام الدين يقول: إن الأيام دول، والله يعطى ملكه من يشاء، وما بقى الأمر إلا دخولك تحت طاعته، وهو خشداشك، فإنكم من بيت واحد، ومماليك أستاذ واحد، وإذا بلغه دخولك فى طاعته فعل معك

стр. 1223

جميع ما تختاره، ونحن نضمن لك كل ما تقصده، وتكتب إليه، ويأتى الجواب إن شاء الله بما تختاره، فقال: أنا ما بقيت أريد غير سلامة رأسى وولدى وأهلى، وحيث اختار أن أكون فيه [١٣٦] يعلمنى بذلك، ويبعث عائلتى، وأنتم تعلمون ما عملت مع هذا الرجل من أول الزمان إلى آخره، وأقل ما يكون أن أكون أنا وعائلتى فى الحياة مستورين، فتوجعوا كلهم من كلامه وشكايته، ثم أحضروا سائر القضاة وخلع نفسه من الملك، فحلف وحلفوا كلهم، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة، فخطب باسمه (١) ودعى له وقرأ رئيس المؤذنين ﴿(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ)﴾ (٢) الآية، فتناكب الناس وضجوا بالدعاء للملك المنصور لما سبق لهم من المحبة له. وفى ذلك اليوم انحط سعر الغلة عشرة دراهم من الغرارة، وكان زاد السعر يوم دخول العادل، وكذا زادت أسعار بقية الأشياء، ثم رجعت إلى ما كانت عليه، ثم أخلوا مكانا لكتبغا فى القلعة ورسموا على أغرلو مملوكه وجميع حاشيته، ثم كتبوا إلى المنصور بجميع ما وقع عليه الاتفاق، وسألوه فى آخر الكلام قبول الشفاعة فى كتبغا، وأنه خشداشه على كل حال، وأنه أذعن لطاعته، وكان أول من حلف له عند وصول الخبر، وأرسلوا نسخة اليمين أيضا. فلما بلغ إليه ذلك فرح، وعرف الأمراء، وقرأ الكتاب عليهم، ثم قال: كتبغا ما له ذنب، ولولا مماليكه ما جرى عليه شئ من ذلك، ولكن الأمور بتقدير الله تعالى، ثم كتب له تقليدا بنيابة صرخد، وكتب إلى الأمراء بدمشق

стр. 1224

أنه أجاب إلى سؤالهم، وأرسل التقليد مع مملوك له يسمى جاغان، وبعث معه أيضا تقليد الوزارة لتقى الدين توبة، وكان ممن يلوذ بخدمته، وأمر بحضور الأمير علم الدين الدويدارى وصحبته القاضى حسام الدين الحنفى، وأمر لإمام الدين القزوينى بقضاء دمشق، عوضا عن ابن جماعة، واستقر ابن جماعة خطيبا وناظر الأوقاف. وخلع على الأمير سيف الدين قفجاق واستقر نائب دمشق، وعلى الأمير شمس الدين قراسنقر واستقر نائب السلطان بمصر، وأمر لقفجاق أن يروح على البريد، وتقدم قدامه جاغان بالتقاليد، وخلع على الأمير سيف الدين الحاج بهادر أمير حاجب على عادته، وعلى الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار واستقر أمير جاندار، وخلع على الأمير سيف الدين سلار واستقر أستاذ الدار، عوضا عن بتخاص. وتباشرت الناس بسلطنته، وانحطت الأسعار، وكثر الجلب، ورجع كل شئ إلى ما كان عليه، وتواترت الغلال من الأقاليم، وكثرت المواشى، والفواكه، والسلطان أيضا شرع فى الإحسان للرعية والجند والأمراء، وأمر بتجهيز النفقات، وأخذ فى تأمير مماليكه، فأمّر منكوتمر، وجاغان، وبهادر المعزى، وبهادر الجوكندار، وسيف الدين بيدو، وأيدغدى شعير، وسيف الدين بالوج، وجمال الدين أقوش الرومى، وغيرهم من الطبلخانات والعشرات، وأفرج عن الملك المجاهد وخلع عليه، وشفع هو عنده فى مملوك أبيه علاء الدين قطلوبوس، فقبل شفاعته، وخلع عليه، ورسم بنزوله دار والده المجاورة لدار الملك المنصور، وطلب بعد ذلك الصاحب فخر الدين ابن الخليلى

стр. 1225

وأمره أن لا يظلم أحدا، ولا يجور على الناس، ولا يرمى عليهم رماية، ولا يفعل شيئا إلا بما يقتضيه الشرع الشريف، ويسلك الطريق الحميدة، ثم خلع عليه، [١٣٧] وكذلك أمر لناصر الدين الشيخى الشادّ وشرط عليه ما شرط على الوزير. ذكر إخراج الناصر من مصر إلى كرك (١): اتفق المنصور مع الأمراء على إخراج الناصر محمد بن قلاون من مصر، وقال لهم: إن هذا صغير وقد انحصر من منع الركوب والطلوع والنزول، والمصلحة أن يكون هو ووالدته فى الكرك عند الأمير جمال الدين (٢) نائبها، يركب إلى الصيد والتنزه، فوافقت الأمراء على ذلك، وطلبوا الأمير سيف الدين سلار وعز الدين الحموى لالا (٣) السلطان وعرفهما ما قصده، ثم نهض السلطان بنفسه إلى القاعة التى فيها والدة الناصر، فجلس وطلب الطواشى وعرّفه أن يسلم على والدة الناصر ويخرج الناصر إليه، فردت السلام وأخرجوه، فأكرمه وأجلسه على ركبته، وشرع فى تطييب خاطره، وعرّفه أنه يسيّره إلى مكان الصيد والتنزه، والركوب كيف ما اختار هو ووالدته، وترقق له، وعرّف والدته أنه ما فعل بالملك

стр. 1226

العادل ما فعله إلا ليكون نائبا عنه إلى حين يكبر ويصلح للملك، فهو الآن نائب عنه، ولما سمعت والدته بذلك أجابت إلى كلامه، وقرر سفره صحبة بهادر الحموى، والأمير سلار، والأمير تمربغا رأس نوبة، وأمر أن يكون مملوكه أرغون الدويدار صحبته ومعه عشرون مملوكا، ففرح الناصر بذلك ولا سيما وكان قد وجد حصرا عظيما من أولاد العادل وإهانة ونكدا. وكتب لاجين أيضا لجمال الدين نائب الكرك، وعرّفه بوصول الناصر إليه، وأنه إذا وصل اليه يكرمه ويحترمه، ثم إنه سفره فى الليل وأعطى له ألف دينار وتشريفا، وكتب كتابا إلى نائب الكرك، وذكر فيه أنه نائب عنه إلى أن يبلغ، وأنه ما فعل بالعادل ما فعله إلا لأجله، ثم إنه لما وصل إلى الكرك (١) نزل إليه النائب وتلقاه وأكرمه، وطلع به، فأجلسه مكان جلوسه، ووقف هو والأمراء بين يديه، ومدّ له سماطا عظيما، وقرر عنده سائر ما يحتاج إليه الملك من أرباب الوظائف، وأقام الأمير سلار عنده ثلاثة أيام، ثم عاد، وقصد تمربغا عوده، فمنعه من ذلك وعرفه نائب الكرك أنه قد ورد مرسوم بإقامته بالكرك مع أستاذه فى خدمته، فامتثل المرسوم وأقام عنده. ذكر القبض على الأويراتيّة قد تقدم ذكر حضورهم ووصولهم إلى الديار المصرية، وكيف حصل لهم الحظ الوافر والتقرب عند العادل، وأنه قدمهم على أكابر الأمراء لكونهم من جنسه، (٢) وكان قد اتفق أن العادل شرب معهم يوما قمزا وجرى بينهم حديث البلاد

стр. 1227

وكيف اتفق بينهم وبين قازان، وذكروا أنهم ما قصدوا بلاد مصر إلا أنهم يملكونها ويجعلونها وطنا، وأنهم كانوا يعتقدون أن ليس لها عسكر يمنع، وأن عسكرها عامة وعرب وأكراد، فلما نظروا إلى عساكرها من الأجناس المختلفة والأشكال المتباينة وأنهم لا يحصون ندموا على حضورهم غاية الندم، وأنهم لو أمكنهم الرجوع ما أقاموا، وكانوا أخذوا فى مثل ذلك وأشباهه، وكان بعض الأمراء حاضرا فى ذلك الوقت يشرب القمز مع العادل، فسمع جميع ما قالوا وأخبر به سائر الأمراء، وبلغ الخبر إلى النائب لاجين وقراسنقر وكان هذا هو السبب [١٣٨] لاتفاق الأمراء على كتبغا مع ما حصل من مماليكه. ولما تسلطن لاجين طلب الأمراء واستشارهم فى أمر هؤلاء الأويراتية، فاتفق رأيهم على مسك كبارهم وتفريق البقية فى الشام ومصر، فقبض على مقدمهم طرغاى وككتاى وألوص وجماعة من كبارهم وسفروا إلى الإسكندرية وكان آخر العهد بهم، ولا يعرف لأحد منهم قبر غير طرغاى فإنه معروف بمقابر اسكندرية، وأما ألوص فإنه أفرج عنه وأقام بمصر، ثم فرق المنصور بقيتهم، فمنهم من خدم عند الأمراء والأكابر، ومنهم من ذهب إلى الشام ورغب فى استخدامهم الأمراء لأنه ما جاء طائفة من الشرق إلى مصر أجل منهم، وانتشرت منهم جماعة فى حسينية القاهرة وكانوا قد نزلوا بها واتخذوا بها مساكن، فطابت أحوالهم، وكثرت محاسنهم، وانتشرت منهم بنات حسان لا يوصف حسنهن فرغبت فيهن (١) أكابر الناس من الأمراء والأعيان والتجار وغيرهم (٢).

стр. 1228

ذكر بقية ما جرى فى هذه السنة: منها: أن المنصور أخرج جميع من كان فى السجون فى الإسكندرية ودمياط وغيرهما من الأمراء والمماليك، فلما وصلوا إلى البحر رسم بإخراج المماليك المسجونين بخزانة البنود وخزانة شمائل وسائر السجون، وكان طلوعهم فى يوم واحد، وغلقت المدينة للتفرج عليهم، وكان يوما مشهودا، وعند طلوعهم إلى السلطان فكوا قيودهم، وقبلوا الأرض، ولبسوا التشاريف، وكان فيهم مثل الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغى، والأمير سيف الدين الدكز، وكانوا خمسة وعشرين أميرا، ونزل كل واحد إلى مستقره، واستقر بالقلعة من كان عادته بها. قال صاحب النزهة: بلغنى من دوادار السلطان أنهم لما دخلوا عليه وخلع عليهم وخرجوا من بين يديه، نظر إليهم وإلى حسن أشكالهم وإلى المهابة التى فيهم لحقه ندم كثير وصار فى فكر عظيم، وأن دواداره فهم مقصوده. وقال له يا خوند: والله لقد عملت فيهم خيرا وإحسانا. قال: فرفع رأسه إلىّ وقال: أخطأنا بإخراج هؤلاء جملة، ولو كان بالتدريج لكان أحسن، وما بات أحد منهم تلك الليلة إلا وقد ملأ اصطبله من الخيل والبغال وحملت إليهم الكساوى والأشياء المفتخرة من خشداشيتهم، وبلغ ذلك السلطان فازداد ندما على إخراجهم فطلب مماليكه وعرفهم بذلك، وقال لهم: كيف نعمل ولا يمكن الرجوع من ذلك والندم لا ينفع، فاتفق رأيهم على إخراج بعضهم إلى القلاع، وإخراج الأمراء الذى يخشى من فسأدهم، ثم بعد أيام طلب الأمراء واستشارهم فى أمرهم، وقال لهم: إن هؤلاء كثيرون، وفيهم أمراء، وما ثمت شئ فى هذا

стр. 1229

الوقت من الإفطاعات، واتفق رأيه معهم على أن يكون الأمير ركن الدين بيبرس نائب السلطنة بالصبيبة، والأمير برلغى أميرا بدمشق، وفلان وفلان فى طرابلس وصفد، واستقر أمرهم على ذلك، ولما بلغ هذا الاتفاق على هؤلاء، دخلوا على الأمراء وعلى خشداشيتهم على أن يدخلوا على السلطان فى أمرهم وأنهم ما يختارون إلا أن يكونوا فى ركاب السلطان، فتكلمت الأمراء [١٣٩] بذلك، فأجاب إليهم ورسم بإقامتهم، وأخرج لهم الإمريات والإقطاعات بالتدريج. ومنها: أنه عزل الصاحب فخر الدين بن الخليلى عن الوزارة، وخلع على الأمير سنقر الأعسر واستقر فى الوزارة، وهى وزارته الثانية، وسلّم إليه الصاحب فخر الدين وأخذ خطه هو وأتباعه بمائه ألف دينار، كذا ذكره ابن كثير فى تاريخه (١). وفى نزهة الناظر: كان فخر الدين ابن الخليلى صادر الأمير سنقر الأعسر ونكل به نكالا كثيرا على ما تقدم، ولما وزر الأعسر خشى فخر الدين على نفسه من النكال والإخراق، فسير إلى الأمير سلار ودخل عليه، وعرفه أن الأعسر متى تمكن منه حصل عليه كل سوء، وكان بين فخر الدين وبين سلار صحبة أكيدة من أيام السلطان الملك الصالح، فإنه كان ناظر ديوانه وسلار أمير مجلس، وكان يخدمه ويهاديه، ثم سير إليه خط الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه يذكر فيه: من رسول الله ﷺ إلى تميم الدارى وذريته هذا ما أعطاه محمد رسول الله لتميم الدارى وذريته جيروم والمرطوم وبيت عيون

стр. 1230

وبيت إبراهيم وما فيهن وسلمت ذلك إليهم ولأعقابهم، فمن أذاهم أذاه الله ومن لعنهم لعنه الله، شهد بذلك عتيق ابن أبى قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله عنهم وكتبه على بن أبى طالب، فلما رأى سلار ذلك الحط أخذه ودخل على السلطان وعرفه أن هذا الرجل من أهل بيت كبير وذرية صالحة موصاة بوصية النبى ﵇ وأخرج له الخط، فلما رآه السلطان نهض إليه وقبله ووضعه على رأسه وقال: السمع والطاعة، قبلت أمر رسول الله ﵇، ثم طلب الأعسر وعرفه بذلك، فأخذ الوزير فى منع هذا وقال: لم يعقب تميم الدارى، وربما يكون هذا مفتعلا، فقال السلطان: ما بقى إلا مكان للتعرض إلى هذا بوجه من الوجوه، وإن كان ما تقول صحيحا، فخرج الوزير من عنده وطلب ابن الخليلى إليه وأكرمه، وقال له على شى يحمله يرضاه، فاتفق معه على على حمل ثمانين ألف درهم وأفرج عنه. ومنها: أنه رسم بالإفراج عن الإمام الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد، وكان قد منع الخروج والركوب وعن أمر يدخل إليه، وكانوا أخلو له برجا، وإلى الآن يعرف ببرج الخليفة، فلما حضر عنده قام إليه وأكرمه وأنعم عليه بأشياء كثيرة، ورسم أن يخلى له موضع بالكبش (١) ويقيم فيه هو وعائلته، وأجرى له ولعائلته رواتب وجميع ما يحتاجون إليه، ورسم له أن يخطب يوم الجمعة ويؤم بالناس ونزل فى موكب عظيم والأمراء والحجاب فى خدمته، وكان يوما مشهودا، وجاءت إليه القضاة والمشايخ، ثم خطب يوم الجمعة خطبة بليغة. ومنها: أنه أمر بتجديد عمائر جامع أحمد بن طولون وترميم ما تشعث من جدرانه.
следующие страницы →