← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

بثلاثمائة دينار، وحياصة (١) ذهب قيمتها مائتا دينار، وخلعة أطلس، وكلوتاة (٢) زركش، ثم بعد أيام رأى بائع الفرس المذكور - وهو راكب عليه - فقال له: طاب خاطرك بالثمن الذى دفعته إليك. فقال: والله ياخوند كان أملى فيه أكثر من ذلك الثمن. فلما سمعه يقول ذلك قال له: امش معى إلى البيت، فمشى معه حتى أتى داره، فخلع عليه خلعة بكلوتاة وحياصة ذهب وأعطاه ثلاثمائة دينار، وكانت هذه القضية فى دولة كتبغا (٣)، فبلغ ذلك بتخاص والأزرق وغيرهما فصار كل واحد منهم يسأله ويطلب منه هذا الفرس إنعاما عليه، فيبعث إلى كل منهم حصانا مشتراه خمسة آلاف درهم وصحبته خمسة آلاف درهم ويقول له: إنى قد حبست هذا الفرس فى سبيل الله يركبه الغزاة والمجاهدون فى سبيل الله، ثم إن مماليكه أحضروا الفرس المذكور فى ذلك اليوم لما طلبه، وكان جنيبا مع أحد الأوشاقية (٤) فقال له مماليكه: يا خوند هذا فرس قوى شديد وأنت اليوم تضعف عن ردّ عنانه لما فيه من القوة، وكان من شدته رتب له أوشاقيا

стр. 1402

وحده برصم ركوبه وخدمته، ولم يسمع منهم فركبه، فلما قعد على ظهره ألوى عنانه (١) نحو العدو وقال للأمراء: من أراد الشهادة فليتبعنى، فرجعت الأمراء إليه وسألوه أن يرجع فأبى وقال: والله كنت منتظرا لهذا اليوم، وقال له الأمير علم الدين الدوادارى (٢) - وكان قد خرج فى مواضع كثيرة -: يا أمير أنت اليوم قوام العسكر وأتابكه، وما فينا أحد إلا وقد جرح جراحات ومعظم مماليكنا قد قتلوا، وما يحل أن تلقى نفسك فى التهلكة، فلم يلتفت إليه، بل قال: يا أمير ما بقى فينا شئ، فهل تنتظر خلاف هذا اليوم؟ فتقدم نحو العدو، واتفق رأى مماليكه على منعه وساق بعضهم إليه وأخذ برأس فرسه إلى نحو حمص وبعضهم [١٩٨] ضرب كفل فرسه بالمقرعة، فخرج من تحته مثل البرق الخاطف، وأرادوا بذلك إبعاده عن الفرس حتى يأخذوا بعنانه ويتوجهوا إلى طريق النجاة، فلما أحس الفرس بالضرب فرّ مثل الريح العاصف حتى لم يروا منه إلا غباره، ولم يزل يجرى على ميدان واحد إلى أن وصل إلى نهر حمص، فقوى عليه العطش من كثرة الجرى وشدة العدو إلى أن أرمى نفسه فى النهر، وشرع يعبّ من الماء، وأمير سلاح ماسك بيديه الشنن رافعه على أن يرفع رأسه من الماء فلا يرفع، فشرب حتى انتفخ فؤاده، ثم طلع من النهر ووقع طائحا وقد انفقع من شرب الماء، فلحقه مماليكه وأركبوه جنهبا آخر، فكان هذا يعد من حسناته حيث اشترى فرسا بمائتى ألف درهم لركوب ساعة واحدة.

стр. 1403

وقال صاحب النزهة: ومن قوة خذلان العسكر الإسلامى عاينت الأمير حسام الدين لاجين المعروف بزيرياح ومعه أعناق الحسامى من المقدمين ومعهما نحو ثلاثة آلاف فارس منهزمين، وقد أفرد فى أعقابهم رجل واحد من المغل ولا يلتفت إليه أحد منهم. ورأيت فتى شابا من العرب راكبا على حجرة شقراء وليس عليه شئ يمنع السهام وقد أخذته الحميّة وهو يقول: يا مسلمين أش خلفكم ماثمة إلا رجل واحد، فلا يجيبه أحد، فلوى رأس فرسه عنهم ورجع إلى ذلك الرجل وهو يقول: الله أكبر، فلما رآه ذلك الرجل مصمّما عليه ولّى فرسه ورجع عنهم، وما كان ذلك الرجل ينتظر فى ذلك الوقت غير صناديق مفتوحة، وكلوتات زركش، وحوائص ذهب ملقاة، وأسلحة، وسناجب، وأكياس ذهب، ودراهم، وخزائن الأمراء بما فيها. ذكر ما جرى للعسكر بعد ذلك: أما السلطان الناصر فإنه رجع فى طائفة من الجيش على ناحية بعلبك، وسار إلى مصر، وسافر جماعة من أهل دمشق من أعيانها وغيرهم إلى مصر كالقاضى إمام الدين الشافعى (١)، وقاضى المالكية جمال الدين الزواوى (٢)، وتاج الدين بن الشيرازى وعلم الدين الصوافى والى البرّ، وجمال الدين بن النحاس والى البلد، والمحتسب، وغيرهم وبقيت (٣) دمشق شاغرة ليس فيها حاكم ولارادع سوى نائب

стр. 1404

القلعة علم الدين أرجواش (١)، وهو مشغول عن البلد بالقلعة، وأما العسكر تفرقوا فى كل ناحية ووصل بعضهم إلى القلاع القريبة من مكان الوقعة، ونجى بنفسه من كان فيه نهضة، وتوجه أقوام إلى جبال بعلبك وغيرها جياعا عراة مشاة، وتخطفت الجبلية بعض من سلك تلك الطرق وقتلوا منهم ونهبوا وسلبوا، فكان هؤلاء عدوّا ثانيا، وكل من كان يهرب يرمى خوذته من رأسه ويقطع قرقله بالسكين إذا لم يلحق لحلها ويقطع البر كستوان (٢) المثمنة، وكل ذلك قصدا للتخفيف (٣). قال صاحب النزهة: ورأيت جماعة من مماليك السلطان تخرج من وسطه كيس الفضة ويناوله لرفيقه، فإن لم يأخذه سريعا وإلاّ يرميه من يده إلى الأرض ويسوق. قال: ورأى [١٩٩] الأمراء البرجية مع حسن أشكالهم وتزين لباسهم قد صاروا قطعة واحدة هاربين منهزمين، وقازان فى أعقابهم وقد بسط جيشه من الجانبين وانفرد هو بنفسه فى صدر جيشه ورجل قدامه وبين يديه على فرسه طبل أكبر من طبل الجمالق يضربه ساعة بعد ساعة ضربة واحدة، وكلما سمعها الجيش زادت هزيمتهم وهربت فرقة منهم إلى ناحية البرية وسلكوا فيها وهلكوا بأجمعهم، وفرقة سلكت ناحية البحر المالح فهلكوا، ولم يسلم منهم إلاّ الفرقة التى سلكت الطرق التى يسلك فيها، ولكن الذين سلكوا الجبال

стр. 1405

قاسوا من أهلها ما قاسوا مثله من التتار، وقتل من المسلمين خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. وقال صاحب النزهة: وكان وصولنا إلى قلعة حمص والشمس فى الغروب، فوجدنا أهلها فوق الأسوار يبتهلون إلى الله بالدعاء وكانوا ينادون: يا مسلمون الرجعة الرجعة لا تسلمونا إلى العدو، يا مسلمون المروءة المروءة (١)، ولم يلتفت إليهم أحد، فتباكوا وبكت الناس وبكى السلطان الناصر، ثم قال للأمير حسام الدين: يا أبى أنت ما قلت إن المسلمين يقفون ويقاتلون نوبة ثانية فى حمص ومالى لا أنظر أحدا يقف ويقاتل. فقال: يا خوند ما يقاتلون إلا فى دمشق وقصدهم أن يستجروا العدو حتى يتعبوهم ويدخلوهم فى مواضع ليس لهم خبرة بها، وكل ذلك يريد به التعلل للسلطان لئلا يزداد خوفه. قال الراوى: وما وصلنا إلى حمص إلا وأكثر الخيل قد وقفت ولم تتحرك خصوصا خيول الأمراء والمماليك الموقرة، ولما دخل الليل انقطع التتار من خلف عسكر المسلمين. قال: ثم وصلنا إلى بعلبك صبيحة الجمعة ونحن كلنا محتاجون إلى قوت أنفسنا ولخيولنا، فوجدناها قد أغلقت، وصعدت أهلها على الأسوار وكانوا يتناولون الفضة بالحبال، فمنهم من يعطى ما يطلبه صاحب الفضة ومنهم من يأخذ الفضة ويغيب من فوق السور ولا يراه أحد. قال: ثم أصبحنا يوم السبت ودخلنا إلى دمشق وتلقتنا أهلها بالويل والثبور، وما أقمنا فيها غير ساعة واحدة ووقع الصياح بأن طوالع العدو قد لاحت، فخرجت الناس لا يلتفتون إلى شئ، وأكثرهم خرجوا بلا زاد، وأما أهل دمشق فمنهم

стр. 1406

من طلع القلعة ومنهم من توجه نحو القدس والخليل ﵇ (١)، ومنهم من طلب قلعة صفد وقلعة كرك، ومنهم من أقام وتوكل على الله، وصارت الناس كأنهم يساقون إلى المحشر يوم القيامة، فلا يلتفت الأخ إلى أخيه ولا الأب إلى ابنه ولا المملوك إلى سيده. قال الراوى: وأما الفرقة التى كان سفرهم على الساحل فإنهم قاسوا شدة عظيمة من أهل جبل كسروان، فكانوا ينزلون إليهم ويمسكون عليهم المضايق، ويأخذون الجندى قبضا بالكف، ويأخذون ما معه، ويرسلونه عريانا إذا أحسنوا إليه، وربما يقتلونه أو يرسلون عليه حجرا من فوق فيهلك هو وفرسه، وكانوا قد استوقفوا [٢٠٠] جماعة كثيرة عن المسير، وقصدوا أن يأخذوا منهم ما يريدونه حتى يفتحوا لهم الطرق، فاتفق فى ذلك الوقت حضور طائفة من العسكر الذين هم صحبة الأمير بدر الدين أمير سلاح، وصحبته الأمير بلبان الطباخى نائب حلب وجماعة من الأمراء، فلما رأوا ذلك حملوا عليهم وأزاحوهم عن الطريق، فرجعوا، واجتمعوا جماعة كثيرة ووقفوا لمنع الأمراء أيضا، فلما رآهم الأمير بدر الدين مصمّمين على القتال رسم الذين معه أن يترجلوا وأن لا يتهاونوا فى أمرهم كيلا يدركهم التتار فيكونون بين العدوّين، فترجلوا وزحفوا عليهم وقتلوا منهم جماعة، فقام القتال بينهم من ضحوة النهار إلى الظهر، وجرحت من جماعة أمير سلاح خلق، فآخر الأمر كسروهم وفتحوا الطرق وذهبوا، وبعض الأمراء وراءهم ساقة لهم إلى أن وصلوا إلى غزّة، وأقام أمير سلاح فيها ينتظر المنقطعين من العسكر، والتحق به جماعة كبيرة من الناس والجند

стр. 1407

والأمراء، وهو يداوى المجروح، ويركّب الراجل، ويكسو العارى، ومن جملة ما وجده فى غزّة القاضى «فتح» (١) الدين بن القيسرانى، فأركبه وكساه وصحبه إلى القاهرة. وأما قازان، فإنه لما رأى أن جيش المسلمين قد انهزموا فرح فرحا عظيما، وقصد أن يلحق المسلمين، فمنعه الأمير قفجق وقال له: لا تعجل فربما يكون لهم كمين ويكون انهزامهم هذا مكيدة منهم، فقبل كلامه وتوقف عن اللحوق بهم، وإلا لو مشى وراء المسلمين لكان أخذ الجميع. ولما أصبح يوم الخميس ورأى أن أخبار السلطان والعسكر قد انقطعت اطمأنّ، وسيّر إلى حمص وأخذ ما وجد فيها من الأموال والودائع والذخائر، وقبض على من وجد فيها من الجند من الجرحى والمنقطعين، وفيهم جماعة من الكتاب والموقعين وممن وقف فرسه، ثم اقتضى رأيه أن يجرّد أميرا يسمى بورى ومعه جماعة يكشفون الخبر، ثم توقف من ذلك خوفا أن يكون فى الطريق جماعة من عسكر السلطان يشوشون عليه، ثم أرسل شخصا على هيئة جاسوس ليكشف خبر السلطان هل هو أقام بدمشق أم راح إلى مصر؟، فخرج الرجل وغاب يوما وليلة، ثم جاء وأخبر أن دمشق خالية ليس فيها لا سلطان ولا عسكر. ولما سمع بذلك أمر بالمسير إلى الشام، ولكنه انتظر المنهزمين من عسكره، ثم رجع هو إلى مكان الوقعة وهو وادى الخزندار، بينه وبين تربة خالد بن الوليد رضى الله عنه مسافة نصف يوم أو دونه، فوجد هناك بعض الجند جرحى ممن

стр. 1408

وقع فى الوقعة، ووجد من أصناف الأسلحة والأقمشة المفتخرة والحوائص الذهب والكلوتات الزركش والأكياس من الذهب والفضة ما لا يوصف، وكذلك من السروج الزركشى والبركستوانات والقرقلات والخوذ ما عجزوا عن حمله، وأما الدواب من الخيول المسومة فكان شيئا كثيرا واقفة من مكان المصاف إلى قرب حمص، ورأى قازان من هذه الأشياء ما أذهله عن عقله، فإن الدولة كانت جديدة وأمراؤها كانوا يفتخرون بأنواع [٢٠١] الزينة، وكل منهم كان يريد أن يزيد على صاحبه بالعدد المفتخرة والأشياء الحسنة. وكان من جملة من أسره من حمص برهان الدين المنجم، فلما أحضروه بين يدى قازان عرفه قفجق وبكتمر وقالا لقازان: هذا منجم عارف، فلما رآه قازان أحضر إليه ابن الخواجا نصير الدين الطوسى حكيم الزمان، وكان هو عند قازان حكيما ومنجما، كما كان أبوه نصير الدين عند هلاون وأمثاله، ولما قدم هلاون الشام كان الخواجا نصير الدين معه كما ذكرنا. فقال له قازان: سل هذا المنجم كيف ما عرّف أستاذه الناصر بأمر هذه الواقعة؟ فسأله وقال له: يا حكيم كيف حكمت على صاحب مصر وعسكره أن يلاقى عدوه فى مثل يوم الأربعاء وهو آخر الأربعاوات فى السنة (١) وهو يوم نحس مستمر؟ فقال له: قد عرّفته ذلك، وعرّفت أكابر عسكره، ولم يسمعوا منى ونهرونى، ولم يلتفتوا إلى كلامى، وكان قد وقع ذلك، فإن السلطان عند نزوله حمص طلب الأمير سيف الدين سلار والأمير ركن الدين بيبرس وشمس الدين الفارقانى وطلبوا برهان الدين هذا، ثم شرع سلار يسأل من الفارقانى عن أحوالهم وكيف يكون أمرهم عند الملاقاة وأى الأيام يصلح لذلك، وكان

стр. 1409

الفارقانى له اليد فى أحكام الفلك أكثر من برهان الدين المذكور. فقال له الفارقانى: يا خوند إن قدرت أن تؤخر الملاقاة مع العدو إلى مستهل الشهر تكون النصرة إن شاء الله لكم، وما عندى فى هذا اليوم طائل، وكان يوم الأحد. قال: ولا يوم الإثنين ولا يوم الثلاثاء وخصوصا أن يكون يوم الأربعاء فإنه يوم لا يحمد فيه لقاء العدو. فقال له سلار: إذا - وافانا عدو نقول له، اصبروا حتى نبصر يوما جيدا نلقاكم فيه. ما هذا الفشار؟ ونهضوا من عنده مثل المطرودين. ذكر ما جرى فى دمشق بعد انهزام الجيش: بتاريخ ليلة الأحد الثانى من ربيع الآخر (١) كسر المحبوسون بباب الصغير باب السجن، وخرجوا منه قريبا من مائتى راجل. فنهبوا ما قدروا عليه، وجاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب الجوانى وأخذوا من الباشورة ما شاءوا، وكسروا أقفال الباب البرانى وخرجوا منه على حمية، فتفرقوا حيث شاءوا، لا يقدر أحد على ردّهم ولا صدهم، وعاثت الحرافشة فى ظاهر البلد، فكسروا أبواب البساتين، وقلعوا من الأبواب والشبابيك وغير ذلك ما قدروا عليه، وباعوه بأرخص الثمن، هذا وسلطان التتار قد قصد ورود دمشق بعد الوقعة. واجتمع أعيان البلد والشيخ تقى الدين بن تيمية (٢) فى مشهد على (٣)، واتفقوا

стр. 1410

على المسير إليه لتلقيه وأخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الإثنين الثالث من ربيع الآخر، فاجتمعوا به عند النبك (١)، وكلمه الشيخ ابن تيمية كلاما قويا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، ودخل المتسلمون للبلد من جهة قازان، فنزلوا بالباذرائية (٢)، وغلقت أبواب المدينة سوى باب توما، وخطب الخطبة [٢٠٢] يوم الجمعة سابع الشهر المذكور بالجامع ولم يذكر سلطانا فى خطبته (٣)، وبعد الصلاة قدم الأمير إسماعيل [التترى] (٤) ومعه جماعة من الرسل فنزلوا ببستان الظاهر عند الطريق، وحضر الفرمان بالأمان فطيف به فى البلد، وقرئ يوم السبت ثامن الشهر. بمقصورة الخطابة، ونثر شئ من الذهب والفضة (٥). وفى نزهة الأنام: الذين خرجوا من دمشق لطلب الأمان من قازان هم: خطيب دمشق القاضى بدر الدين بن جماعة، والشيخ زين الدين الفارقى (٦)، والشيخ تقى الدين بن تيمية، والقاضى نجم الدين بن صصرى (٧)، والصاحب

стр. 1411

فخر الدين بن الشيرجى (١)، والقاضى عز الدين بن الزكى (٢)، والشيخ وجيه الدين ابن المنجى، والصدر الرئيس عز الدين بن القلانسى وابن عمه شرف الدين، وأمين الدين شقير الحرانى، والشريف زين الدين بن عدنان، والشيخ نجم الدين ابن أبى الطيب، وناصر الدين بن عبد السلام، وشرف الدين بن الشيرجى، والصاحب شهاب الدين الحنفى، والقاضى شمس الدين الحريرى، والشيخ محمد بن قوام البالسى والقاضى جلال الدين أخو قاضى القضاة إمام الدين القزوينى، والقاضى جلال الدين ابن قاضى القضاة حسام الدين، وجماعة كثيرة من الفقهاء والقراء (٣)، وتوجهوا نحو جيش التتار. وبقيت (٤) المدينة بلا نائب ولا حاكم، وأكل الناس بعضهم بعضا، ومن قدر على أمر فعله، ووصلت أربعة من التتار، ومعهم الشريف القمى ونزلوا بالباذرائية، وأصبح الصباح ولم يفتح من أبواب دمشق باب، فكسرت أقفال باب توما، وكان الذى تولى كسرها نواب الولاة: الشجاع همام الدين وابن ضاعن وابن الذهبى النقيب، ووصل إلى ظاهر دمشق جماعة من التتار ومعهم أمير إسمه إسماعيل، فنزلوا ببستان الظاهر بطريق القابون، وأما الجماعة الذين خرجوا من دمشق فإنهم التقوا بالعساكر التترية بالنبك، واجتمعوا بالملك، ووقف

стр. 1412

الترجمان، وتكلم منهم، وكان المتكلم فخر الدين بن الشيرجى، وأحضروا ما كان معهم من المأكول، فلم يظهر له وقع ولا حضر قدام الملك. وقال الملك قازان: إن الذى تطلبونه من الأمان قد أرسلناه إليكم قبل حضوركم، فرجعوا إلى دمشق، وحضر الأمير إسماعيل إلى مقصورة الخطابة وحضر الخطيب ابن جماعة وفخر الدين ابن الشيرجى وابن القلانسى وابن منجى وجماعة لقراءة الفرمان، واجتمع الناس، وقرئ الفرمان على السدّة. فحمد الناس الله تعالى، وحصل للناس سكون وطمأنينة، وقرب التتار من دمشق وأحدقوا بالغوطة، وكثر العبث والفساد والنهب بالحواضر البرانية مثل العقيبة والشاغور وقصر حجاج وحكر الساق، ووصل الأمير قفجق وبكتمر السلحدار مع جماعة ونزلوا بالميدان الأخضر. وورد مرسوم من الأمير إسماعيل بأن العلماء والقضاة والأكابر يتحدثون مع أرجواش نائب القلعة ويحسنون له تسليم القلعة [٢٠٣] وإلا يدخل الجيش البلد، ولا تبقى بعد هذا الفلعة ولا البلد، فاجتمع جماعة منهم بدار الحديث وأرسلوا رسولا إلى أرجواش فلم يجبهم، فقاموا فى دار الحديث بأجمعهم إلى باب القلعة وأرسلوا إليه رسولا ثانيا فبلغه سلامهم. فقال: ومن هم الذين أرسلوك؟ فسماهم له بأنسابهم، فقال: هم المنافقون الخائنون للمسلمين، وليس عندى جواب، ومع هذا فهذه بطاقة وصلت إلى من السلطان صاحب مصر مضمونها أنهم قد اجتمعوا على غزة وكسروا الطائفة الذين تبعتهم من التتار، وهو يوصينى بالقلعة، وكان من جملة الجماعة الواقفين بباب القلعة: بدر الدين (١) بن فضل الله.

стр. 1413

فقال أرجواش: وصل ابن فضل الله ويقف على البطاقة فإنها بخط أخيه (١)، فامتنع ابن فضل الله من الدخول واشتد خوفه وهرب من بين الجماعة، وتفرقت الجماعة على هذه الصورة. وفى اليوم الثانى: حضر الأمير قفجق وجلس بالمدرسة العزيزية (٢) وأمر بالمراجعة بأرجواش فى أمر القلعة، فراجعوه فلم يجبهم، وكتبوا فى هذا اليوم فرمانات كثيرة من شيخ الشيوخ [نظام] (٣) الدين للتتار، ولم يحصل بأكثرها نفع، وخاف الناس، وأصلحوا أبواب الدروب، وكثر دخول التتار البلد، ونزل شيخ الشيوخ نظام الدين بالمدرسة العادلية (٤) وادعى أنه يصلح أمور الناس، وطلب الأموال، ووقع النهب فى جبل الصالحية (٥)، ودخلوا الناصرية (٦)، والمارستان

стр. 1414

القيمرى (١)، وكسروا الأبواب والشبابيك، وصعدوا إلى مغارة الدم، وإلى مغارة الجوع، ولم يعص عليهم موضع، ودخلوا إلى جامع الحنابلة، وأخذوا بسطه وكسروا القناديل والمنبر، ودخلوا فى مدرسة الشيخ ضياء (٢) فنهبوها، وأخذوا من الصالحية من المطعومات والقمح والشعير والدفائن والذخائر شيئا كثيرا حتى كان الواحد يأتى إلى الخبيئة كأنه هو الذى خبأها من سرعة هدايته إلى مكانها. وبلغ الناس بالبلد ما جرى بالصالحية، فشق عليهم، وتوجه الشيخ تقى الدين ابن تيمية وجماعة إلى شيخ الشيوخ الذى نزل بالعادلية وشكوا إليه الحال، فخرج معهم إلى الصالحية، فسمع التتار بخروجه فهربوا، ودخل أكثر الناس عرايا عليهم الجوالق والبلاسات، واشتد الأمر وسار التتار إلى قرية المزة (٣)؛ وكان أكثر أهلها لم ينتقلوا عنها فنهبوها، وسبوا أهلها، وفعلوا بها كما فعلوا بالصالحية؛ ثم ساروا إلى داريا فاحتمى أهلها بالجامع، فلم يزالوا حتى دخلوه وفعلوا كما تقدم؛ وقتل من التتار جماعة من أهل داريا جماعة. ثم خرج الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى مخيم السلطان الذى يسمونه الأردو؛ وكان بتّل راهط، فدخل عليه ولم يمكّن من الإعلام كما ينبغى، بل أذن له فى

стр. 1415

الدعاء والإسراع، وقيل: إنه كان مشغول الدماغ ولم يعلم بما جرى، ولو علم كان قتل جماعة من المغل، فيحصل بذلك فتنة وتفريق كلمة، فاجتمع تقى الدين بالوزير ابن سعد الدولة ورشيد الدولة [٢٠٤] وتحدث معهما، فذكر أن جماعة من مقدمى المغول الأكابر لم يصل إليهم شئ من مال دمشق ولا بد من إرضائهم، فدخل الشيخ تقى الدين البلد، وقد ضاق الأمر بالناس، وهم فى شدة عظيمة، واشتاع بينهم أن قازان يريد الدخول إلى البلد، وقد جعل ما فيه للمغول خاصة، فضاقت صدور الناس، وقيل لهم: من لم يخرج من البلد ندقه فى عنقه، ومن أراد الخروج فليخرج إلى الصالحية، وكان هذا الكلام من جهة شيخ الشيوخ، ثم حمل حوائجه وخرج من العادلية، فقالت الناس: لو لم يكن الخبر صحيحا لما خرج مسرعا، فلما كان آخر النهار رجع بعض حوائجه وحضر إليه أعيان البلد وقالوا: إن رسم السلطان أن يضع على البلد شيئا معلوما سعينا فى استخراجه، ويكون مثل الشراء عن السلطان ويمنّ السلطان بالعتق على المسلمين، وكان قد قتل فى هذه الليلة رجلان من متولى أمر المناجيق من جهة أهل القلعة، وكان السلطان غضب من ذلك غضبا شديدا. وقال الشيخ وجيه الدين بن منجى: أنا أبذل جميع ما أملكه من العين. وقال الرئيس عز الدين بن القلانسى: قد أخذ منا شئ كثير، ولم يبق إلا أن يموت بعضنا على بعض، كل هذا وشيخ الشيوخ ساكت مصمم لا يفرج كربة عن مسلم، ولكن اشتدّ الطلب من الناس فقرّر على سوق الخوّاصين مائة ألف وثلاثون ألف من الدراهم، وعلى سوق الرمّاحين مائة ألف درهم، وعلى سوق علىّ ستون ألف (١) درهم، وعلى أكابر البلد ثلاثمائة ألف دينار، وجبيت من حساب

стр. 1416

أربعمائة (١) ألف، ورسّم عليهم طائفة من المغل، مع كل إنسان طائفة منهم، وضيقوا عليهم، وعصروا ابن شقير، ووعدوا ابن منجى وابن القلانصى بوعيد، والمغل محيطون بهم يضربونهم، فصار جميع أهل دمشق فى الذل والهوان، وكثر النهب فى البلد، والقتل عمّال فى ضواحى دمشق وضياعها. يقال: إنه قتل ما يقارب مائة ألف إنسان من الجند والفلاحين والعامّة، وكثر الطلب، وعجز المطلوب، وعسر الأمر على الناس، وكان متولى الطلب الصفىّ السنجارى وعلاء الدين أستادار قفجق وأولاد الشيخ على الحريرى الحنّ والبنّ، وكان هؤلاء من أكبر المصائب على الناس، فنظم فيهم الشيخ كمال الدين بن الزملكانى (٢): لهفى على جلّق يا سوء (٣) … ما لقيت من كل علج له فى كفره فنّ بالطمّ والرمّ جاءوا ولا عديد لهم … فالجنّ بعضهم والحنّ والبنّ وقال علاء الدين الوداعى: دهتنا أمور لا يطاق احتمالها … فسلّمنا منها الإله له المنّ اتتنا تتار كالرمال تخالهم … هم الجنّ حتى معهم الحنّ والبنّ

стр. 1417

وقال الشيخ كمال الدين ابن قاضى شهبة (١): [٢٠٥] رمتنا صروف الدهر منها بسبعة … فما أحد منّا من السبع سالم غلاء، وغازان، وغزو، وغارة، … وغدر، وإغبان، وغمّ ملازم ثم استهلّ شهر جمادى الأولى: ففى أول ليلة منه بات المغل منتشرين بباب البريد إلى القلعة بسبب حفظ مناجيقهم التى بالجامع، وكانت لهم مدة يحاصرون القلعة، وكسروا دكاكين باب البريد وأخذوا ما فيها، وانتقل الناس من تلك الناحية، وتركوا حوائجهم وأقواتهم، عجزوا عن حملها، وغلقت أبواب الجوامع وترك منها باب صغير، وانقطع الناس عن الجامع. وفى الجمعة الأولى من الشهر: نهب دير الحنابلة مرة ثانية، وسبيت من كان فيه من النساء والأولاد، ومن جملة ما أخذوا: مائة وعشرون بنتا، وأسروا القاضى تقى الدين الحنبلى (٢) وعملوا فى رقبته حبلا يجرونه به، ثم تركوه. وأما البلد فأحرقت منه دار الحديث الأشرفية (٣) وما جاورها، ودار الحديث

стр. 1418

النورية (١)، والعادلية الصغيرة (٢) وما جاورها، وأحرقت القيمارية (٣) وما جاورها إلى دار السعادة إلى المارستان النورى، ومن الجهة الأخرى إلى المدرسة الدماغية (٤) إلى باب الفرج، وأحاطت التتار بالقلعة من جميع الجهات (٥)، وبقيت الأماكن موحشة لا يجسر أحد أن يمرّ بها، ولم تبق حارة ولا محلة إلا وقد دخلها التتار ونهبوها، واختفى الناس، وكان الرجل إذا حصلت له حاجة يخرج فى أثواب رثّة وهو خائف وجل، ثم عاد مسرعا، ولم يكن يصلى فى الجامع خلف الإمام إلا رجل أو رجلان، والتتار منتشرون فيه لأجل حفظ المناجيق، وشربوا فى الجامع الخمور، وانتهكوا حرمته، وفجروا فيه بالنساء، ونجسوه بالبول، وامتنع الناس من حضور الجمعة خوفا على أنفسهم، والأمر فى المصادرة والجباية حثيثا لم يعف عنه أحد لا غنى ولا فقير. وحصّل لشيخ الشيوخ من البراطيل فوق الثلاثين ألف دينار، وكان لا يزال الدبوس على كتفه، ويفخم كلامه، ولم يكن فيه شئ من أخلاق المشايخ،

стр. 1419

وكان كثير الطمغ وكان يستهزئ بقلعة دمشق ويقول: إش هذه؟ لو أردنا أخذها أخذناها من أول يوم جئنا، وإنما الملك يريد الرفق. كل هذا والناس فى المصادرة، وكان المستخرج من الدراهم برسم خزانة الملك ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف سوى الدواب والقماش والسلاح والقمح والشعير، وذلك غير الذى أخذه المغول من النهب والبرطيل، وحصل لخواجا أصيل الدبن بن النصير الطوسى نحو من مائتى ألف لأنه كان منجم الملك وناظر الأوقاف التى فى ممالك التتار، وطلب من أوقاف دمشق أجرة النظر عن سنة كاملة، واستخرج الصفى السنجارىّ لنفسه مائة ألف درهم، وكل هذا غير الذى استخرجه قفجق لنفسه ولأمراء المغول، وسوى الرواتب المرتبة للملك فى كل يوم ولخواصه، ونهب لأهل دمشق ما يقارب ذلك، وأحرق من الأملاك والأوقاف والمدارس ما لا يقدر أحد على ضبط قيمته. ذكر نسخة فرمان التى كتبها قازان: [٢٠٦] لما تولى قازان بظاهر المرج والغوطة خرج إليه أهل دمشق بمفاتيح أبوابها ونفائس هداياها، فأقبل عليهم وقبل ما أحضروه وأمنهم فكتب فرمان لأهل دمشق ونواحيها وأرسلها بأنهم آمنون وأن مغل لا يتعرضون للرعية ولا لأموالهم، وهم يقيمون جمع ما يختاره الملك، فإن البلاد بلاده والرعية رعيته، وكتب ذلك على يد الشريف، وصورة ذلك (١):

стр. 1420

ليعلم أمراء التوامين والألوف، وعموم عسكرنا المنصور من المغل والكرج والأرمن أن الله نور قلوبنا بالإسلام، وهدانا إلى ملة نبيه ﵇ ﴿(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)﴾ (١). وأتم الله علينا نعمته، وأنزل علينا سكينته، وقهرنا العدو الطاغية، والجيوش الباغية، وصدّرنا أن لا يتعرض أحد من العساكر على اختلاف أجناسها لدمشق وأعمالها، وسائر البلاد الشامية، وأن يكفوا أظفار التعدى عن الأنفس والأموال والحريم والعيال، والتعرض لأهل الأديان، وكل راع مسئول عن رعيته ﴿(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)﴾ (٢). ثم أرسل قازان إلى دمشق قطلوشاه، ومعه يحيى بن جلال الدين، ورشيد الدين المسلمانى، وزيره، ونجيب الدولة اليهودى، مشيره، والأمراء المصريّون وهم: الأمير سيف الدين قفجق، والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار، وأكابر دمشق صحبتهم، وكان ذلك يوم الجمعة، ولم يدركوا الخطبة بدمشق، وكان وصولهم دمشق بعد العصر، ودخلوا الجامع، وحضرت أهل دمشق، وقرئ الفرمان على المنبر، واطمأنت نفوس الناس بعض شئ، ثم أقاموا بها أياما لجباية الأموال كما ذكرنا صورة الجباية. وأطاع أهل دمشق جميعهم قازان ما خلا الأمير علم الدين سنجر المنصورى المعروف بأرجواش نائب القلعة، وكان من مماليك السلطان الملك المنصور

стр. 1421

القدماء، فإنه أظهر حزما واجتهادا ويقظة واستعدادا ولم يسلم القلعة، بل صمم على امتناعه وأخذوه بأنواع من الترهيب والترغيب، فلم يرهب السطا ولا رغب فى العطا، ونصبت عليها المجانيق، فما هاله أمرها ولا فتح لها بابا حتى رحل قازان عن البلاد ولم ينل منها ما أراد، ولما اشتد الحصار وأحاطت بالقلعة جموع التتار خاف أن يستولوا عليها من الأماكن والمساكن التى عليها، فهدم جميع ما حولها من العمائر والبيوت وصيرها دكا، وهدم دار السعادة وكان هدمها من السعادة لئلا يتستر العدو فى المنازلة بجدرانها ويتسلطوا بنصب المجانيق خلف بنيانها، فتناوبوا على حصارها أياما متواترة، وليالى متكاثرة، ولم ينالوا منها مراما ولا رأوا من نائبها تسليما ولا سلاما، فصبروا إلى أن أدركهم لطف الله، فسلموا وصابروا وما سلموا. وعلم (١) قازان أن أموال دمشق جميعها بالقلعة، وفيها خزانة السلطان الناصر، وأموال الأمراء وغيرهم، وأنه لا يتم له ملك ولا يملك قلعة من قلاع الشام حتى يملك قلعة دمشق، فإن أمر القلاع معدوق بأمرها، فطلب قفجق وبكتمر وغيرهما واستشارهم فى أمرها، فعرفوه أنها قلعة حصينة، وأن نائبها رجل شديد البأس وما يمكن أخذها إلا بعد قتال شديد وتلاقى العسكر. وحضر فى ذلك الوقت نجيب الدين وزير قازان من غزنة، فأشار عليه أن يعمل المنجنيق ويتوصل به إلى هدم القلعة (٢)، فرسم له عند ذلك بالإنعام الكثير، فشرع فى عمل ذلك، وساعده جماعة من أهل دمشق على قطع الأخشاب

стр. 1422

وعمل المنجنيق فى وسط الجامع الأموى، فبلغ ذلك أرجواش نائب القلعة، فصبر إلى أن هجم الليل، وأرسل جماعة من القلعة ومعهم النفط، فأطلقوا النار أولا فى دار السعادة، ثم فى سائر الأماكن القريبة من القلعة (١)، فصارت تلك الأماكن شعلة نار، وكان فيها جماعة من التتار، فهربوا منهزمين، فبقيت النار تعمل يومين وثلاث ليال. ولما بلغ ذلك قازان غضب غضبا شديدا وأمر لسائر المغل بالركوب، وركب هو مع الأمراء إلى أن وصل إلى القلعة، ونظر إليها، واستهون أمرها، وأمر بردم الخندق. فقالوا له: لا يمكن ردمه فى شهر لأن المياه مسلطة عليه وصعّبوا أمره، وكان قصدهم إخماد النار، وأشار قفجق أن يخاطب نائب القلعة بحضور قازان ويعد - له - بكل خير، وسمع قازان جوابه، فخرج قفجق وبكتمر وبعض أمراء المغل، فوقفوا قريبا من الخندق، وكان أرجواش قد نصب له كرسى عال (٢) بحيث يراهم ويرونه، فلما رأوه سلموا عليه، وسلم عليهم، ثم شرع قفجق يعرّفه عن قازان بالمواعيد والعطايا، وإنه إن لم يفعل فإن الملك يفعل كذا وكذا. فلما سمع أرجواش كلامه أجابه فأغلظ فى جوابه، فقال له: يا منافق، من يتقرب إلى القلعة؟ والله لو تقرب إليها أستاذى الملك المنصور ما كان له عندى غير سهم فى صدره، ولكن قل لقازان يتقدم حتى ينظر ما يجرى عليه، وأخذ فى سبّهم ولعنهم، وبلغ المغل ذلك لقازان، فغضب غضبا شديدا، وأمر

стр. 1423

عند ذلك « ...... » (١) وأحدقوا بجوانبها، وما شعروا إلا وقد شقتهم سهام من أكف الرماة من سهام قسىّ وجرخ ونفط ومدافع ومكاحل، وكان فى القلعة من الرماة أكثر من ألف رام، فنزلت السهام عليهم مثل المطر، واختلطت الرجالة بالخيالة، فقتلت طائفة وجرحت آخرون (٢). ورأى قازان يوما عظيما لم ير مثل ذلك، فتقدم قفجق والأمراء منه وقالوا له: يا خوند أمهل حتى يفرغ عمل المنجنيق تبلغ به ما تريد، وتلطفوا معه فى الكلام إلى أن رجّعوه، فعند ذلك جهز أمراء من المغل يستعجلون بعمل المنجنيق. وبقى أرجواش يكشف أمر المنجنيق إلى أن يعرف أنه على الفروغ، فطلب أربعة أنفس من الرجال المعدودين فقال لهم: أنزلوا واقتلوا صانع المنجنيق وارموا النفط فيه، فنزلوا وقد بايعوا أنفسهم من الله تعالى، فوجدوا المغل نائمين وعامل المنجنيق سهران فى العمل، فوثب بعضهم عليه وضربه بسكين فى بطنه أخرج أمعاءه، وضرب كل واحد منهم آخر من رفقته فقتلوا ثلاثة، ورموا فى الأخشاب النفط فعلق من ساعته، ووقع الضرب فى الجامع، وقتل من المغل اثنان، وركبت المغل وهم متحيرون لم يعرفوا من أين جاءتهم الداهية، ورأوا النار تعمل فى الجامع، وكانت ليلة عظيمة، ودقت الكوسات فى القلعة. وبلغ ذلك قازان، فصعب عليه جدّا، فطلب الأمير إسماعيل وأمره أن يأخذ معه جماعة من المغل ويتولى عقوبة أهل دمشق ويستخرج منهم الأموال، فركبوا،

стр. 1424

ورأى أهل دمشق منهم شدة عظيمة، فجاء (١) قفجق إلى قازان وتلطف به وقال له: يا خوند الأموال لا تستخرج على هذه الحالة، ولكن بالتلطف على الناس. فأجاب إليه، وعين لذلك جماعة - وقد ذكرناهم - حتى جبوا الأموال التى ذكرناها. قال صاحب النزهة: واستمر الأمر على أهل دمشق من النهب وأخذ الأموال خمسة وأربعين يوما، فإن قازان نزل الغوطة فى العشر الأول من ربيع الآخر ورحل منها فى منتصف جمادى الأولى (٢)، والله أعلم (٣). ذكر إرسال قازان جماعة من جيشه ذوى الطغيان إلى الأغوار وبيسان: ولما وصل قازان إلى دمشق أرسل من عسكره عشرين ألفا مجردين صحبة مولاى [٢٠٧] وأبشغا وجبجك وهلاجو، فنزلوا بالأغوار وبيسان وشنوا الغارات على تلك البلاد. ونهبوا ما وجدوا من المواشى والأقوات والأزواد، وقتلوا من وقع فى أيديهم، وانتهت غاراتهم إلى القدس الشريف والخليل ﵇، ووصلوا إلى غزة وقتلوا بجامعها خمسة نفر (٤) من المسلمين كانوا به منقطعين، ثم رجعوا إلى الشام وقد عاثوا ونهبوا وسبوا وأسروا جماعات كثيرة، وحصروا قرى كثيرة

стр. 1425

وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا، ولما وصلوا إلى دمشق - وكان قازان قد رحل بعسكره - جبى له قبجق من أهل دمشق جباية أخرى لأجل مولاى، وخرج تقى الدين بن تيمية إلى مخيم مولاى، فاجتمع به فى مكان، فرأى من معه من أسارى المسلمين، فاستنقذ كثيرا منهم. وأقام عنده ثلاثة أيام، ثم عاد. وفى عشية يوم السبت الرابع من رجب (١): رحل مولاى وأصحابه، وأشمروا عن البلد، وساروا من على عقبة دمّر، فعاثوا فى تلك النواحى فسادا، ولم يأت سابع الشهر وفى حواشى البلد منهم أحد، ولله الحمد (٢). ذكر رحيل قازان من الشام: لما ملّ قازان من الإقامة على الشام همّ بالرحيل، وكانت إقامته قدر شهرين، ثم رحل متوجها إلى بلاده فى الخامس عشر (٣) من جمادى الأولى من هذه السنة، وكان قد ولّى الأمير سيف الدين قفجق النيابة بالبلاد الشامية، والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار البلاد الحلبية والحموية، والأمير سيف الدين إلبكى البلاد الساحلية، ظنا أنه قد صارت الممالك الإسلامية فى قبضته وانحازت إلى حوزته، فلم يتم له ما أراد، ولا بلّغه الله شيئا من هذا المراد، وأقام بعد رحيله نائبه قطلوشاه مع جمع كثيف من الجيش، فلما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر المذكور قرئ بالجامع تقليد الأمير قفجق بنيابة السلطنة بالشام،

стр. 1426

وتولية الأمير يحيى بن جلال الدين الختنى (١) الوزارة. وفى يوم الإثنين الثانى والعشرين من الشهر: رحل قطلوشاه والعساكر، ففرح الناس بذلك واطمأنت قلوبهم، وخرج الناس إلى جبل الصالحية وإلى الحواضر والمزارع وأظهر الناس ما تخلف من أمتعتهم، وجلسوا فى الأسواق وباعوا واشتروا، واشتد الغلاء، فبلغ سعر القمح الغرارة منه بثلاثمائة درهم، ومن الشعير إلى مائتى درهم، والرطل الخبز بدرهمين، والرطل من اللحم بإثنى عشر، والرطل من الجبن بإثنى عشر، ومن الزيت بستة. والبيض كل أربعة بدرهم. وأما الأمير قفجق فإنه لما عاد من وداع قازان ركب (٢) الموكب فى دمشق والعصابة على رأسه، ونادى فيها برجوع الناس، وآمنهم على أنفسهم. وكان قد حضر إليه بعض أهل الفساد وضمنوا منه الخمر وبيعه وعين عليه كل يوم ألف درهم وجعل دار ابن جرادة خارج باب توما خمّارة وحانة. وأخذ أموالا أخر من أوقاف المدارس وغيرها، ثم شرع يركب بالعصابة والشاويشية بين يديه، وجهّز نحوا من ألف فارس نحو خربة اللصوص، ومشى مشى الملوك فى الولايات وتأمير الأمراء والمراسيم العالية النافذة والآراء، وصار كما قال الشاعر:

стр. 1427

يا لك من قنبرة بمعمرى … خلالك الجوّ فبيضى واصفرى ونقرىّ ما شئت أن تنقرى (١) … [٢٠٨] ثم نهض الشيخ تقى الدين بن تيمية واجتمع بالأمير قفجق وقال له: إن الذى فعلته من ضمان الخمور شنعة كبيرة، وثلمة عظيمة فى حق الإسلام، واستأذنه فى إبطاله، فأذن له، وخرج بنفسه وأراق ظروف الخمر جميعها. ولما كان يوم الجمعة (٢) رسم للخطيب بإعادة الخطبة فى سائر الجوامع باسم السلطان الملك الناصر، وكان بالجامع الأموى ذلك النهار بكاء عظيم وتضرع إلى الله تعالى وتذاكر بما كانت الناس فيه من الشدة والنهب والسبى، وكانت مدة انقطاع الخطبة عن ملك الإسلام نحو مائة يوم، ثم أعادها الله تعالى. وكان تقدير الذى حمل إلى خزانة قازان ثلاثة آلاف ألف دينار (٣) سوى ما أخذ من البراطيل للأمراء والوزراء وأكابر المغل، وهذا هو الذى حصره ابن المنجى، وأما الذى نهب من دمشق والأماكن التى ذكرناها فإنه لا يمكن حصره، وكذا الذى كسبه الأمراء والجند يوم الهزيمة، وذكر أن الذى صحبهم من الأسرى أحد عشر ألف نفس من الرجال والنساء والأطفال، وكان معظمهم من جبل

стр. 1428

الصالحية ولم يصحب معهم (١) إلى البلاد إلا القليل منهم، فإن منهم من هرب بالليالى، ومنهم من مات، ومنهم من اختفى، وأخذوا من البلد فوق عشرة آلاف فرس، وكان معظم فسادهم فى جبل الصالحية، وكان غالب ذلك من طائفة الأرمن، فإن صاحب سيس كان فى قلبه حزازات من فعل المسلمين فى بلاده التى أخذت منهم (٢)، وضياعه التى أخربت، ورجاله الذين قتلوا، والغارات التى كانت تتواتر على بلاده من جهة المسلمين، ولما اتفق من نصرة قازان ما اتفق حضر صاحب سيس قدام قازان وسأله أن يمكنه من الدخول من الباب الشرقى والخروج من باب الجابية، ويضع السيف بين البابين ويشتفى من المسلمين ويقيم بألف ألف دينار، فوقف قفجق فى طريقه وتحدث مع قازان وقال له: قد ملكت هذه البلاد وهى فى يدك والمال الذى تحمله هذا تأخذه من أهل الشام من غير سفك دم، وما زال به حتى طرد صاحب سيس عن مراده. ذكر صور الفرمانات التى كتبها قازان: وهى أربعة: الأول: كتبه إلى الأمراء والعساكر والجيوش والأكابر، وهذه نسخته (٣): ميامين الملة المحمدية (٤)، فرمان غازان، ليعلم (٥) الأمراء والأكابر وأشراف السادات العظام، والمشايخ الكرام، وسائر مشاهير الأعراب، من الخواص

стр. 1429

والعوام، إنه فى كل زمان يقتضى الدوران. يرسل الله تعالى نبينا لهداية العالم، ودلالة الإنسان إلى طريق الصواب. وحفظ الأساطير فى مال الدين، فلما انتهت النوبة إلى خاتم النبيين محمد المصطفى الذى أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أرسله إلى جميع الخلائق ليهدى كافة الأنام من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، ويرشدهم من علائق الجثمانيات إلى زوايا الروحانيات، ويزيّنهم بكمال الدين وتهذيب الأخلاق، وأنزل عليه القرآن العظيم، [٢٠٩] وعلمه الأحكام الشرعية الشريفة المطهرة لينقذ بها التابعين من نار جهنم، فالواجب على كل أحد متابعة هذا النبى ومطاوعة شريعته، والذى يخالفه يكون مأواه (١) جهنم وبئس المصير، ومن أول بعثته ومفتتح رسالته إلى زماننا هذا كلما وقع فى أمور الدين الخلل وظهر الوهن فى شريعة المسلمين، وأقدم الإنسان على العصيان وأصر على الطغيان، أظهر لهم (٢) من أولى الأمر شخصا يقوى الأمور الدينية ويزكى الخلائق طرا، وينهاهم عن الأمور المستنكرة، ويردّهم إلى الطرائق المستقيمة المستحسنة، وقبل زماننا (٣) هذا قد ظهر المشركون وعبدة الأوثان، والجماعة الذين كانوا يلايمونهم من المسلمين الذين يقولون آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ظلموا وتعدّوا، وكانوا يعلّمونهم الحيف والجور على الرعية وغصب أموالهم وأكل الربا (٤)، وترك الصلاة والزكاة والصيام والصدقات وأعمال البر.

стр. 1430

وقدر الله من المعجز النبوى المصطفوى المحمدى على صاحبه الصلاة (١) والسلام أننا من أولاد جنكز خان الأعظم الذى تحت حكمهم معظم الأقاليم العظيمة دخلنا فى هذا الدين القويم والصراط المستقيم بغير تكليف، بل جلا نور هداية الحق ودين النبى المصطفى على قلوبنا، وكرّمنا الله بالإسلام، وفضلنا بالعدل والإحسان، ورسخ فى قلوبنا محبة الدين الحنيفى، ووفقنا الله تعالى بالجهاد فى قتل المشركين وعبدة الأوثان والمخالفين، وهدم بيوت الأصنام ودفع شر الظالمين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كما أمر الله فى محكم كتابه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ (٢) الآية. فأمرنا فى الممالك كلها ببناء المساجد ونصب المنابر وإقامة الصلوات وإيتاء الزكاة (٣)، ونهينا عن أخذ الربا (٤)، ومنعنا من سائر أنواع الظلم والخطأ، فإن الظلم مرتعه وخيم، وقررنا فى بلاد الإسلام الأموال المقننة لمصالح عساكر الإسلام عند المجاهدة فى سبيل الله ، حسبما اقتضاه الشرع المطهر بلا إحداث قاعدة ولا حيف ولا عدوان ولا تطاول على أحد من المسلمين، واجتهادنا فى استخدام هذه المعانى زائد عن الحد، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ (٥). وحيث آباؤنا وأجدادنا سمّونا غازان، كان ذلك بتقدير الله فى الأزل فى الإلهام الإلهى الملهم بالتلقيب لهذا الاسم الذى هو مشتق من الغزو،

стр. 1431

أوجبنا على أنفسنا الغزو والجهاد، وقمع المشركين والخوارج والمتمردين والظالمين، وسمعنا أن أهل مصر والشام الذين أمسى منهم مسلمون مالهم عهد ولا ميثاق ولا أمانة ولا ديانة، ويأخذون أموال المسلمين، ويقصدون دماءهم (١)، توجهنا قاصدين دمارهم لدفع الحركات الرديّة البادية منهم، وإثباتهم على دين الإسلام ليكونوا هم وذرياتهم مفلحين من أهل الجنة، ويحصل لنا ثواب الاجتهاد، ويردّهم السؤال فى معنى خللهم وزللهم فى دين الإسلام. والجواب أنهم لما تحققوا أننا أولاد سلاطين ربع أقاليم الأرض، وإنا مسلمون ومعاونون دين الإسلام يجب على كل أحد [٢١٠] مطاوعتنا، اقتداء بكلام الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ،﴾ (٢) فحيث عصى من عندنا سولتمش، [وانخرط فى الخوارج والمرتدين] (٣)، وأقدم على إيذاء المسلمين ببعض بلاد الروم، وتخريب بيوتهم، ونهب أموالهم، هرب من عسكرنا المنصور، وتوجه إلى تلك البلاد، كانت الشريعة النبوية والشفقة الإسلامية تقتضى أن تمسكوه وتبعثوه مغلّلا بالحديد، مسلسلا إلى عتبتنا العالية، فتغافلتم وتهاونتم عن هذا، بل زودتموه بالعساكر والأنعام والنجدة إلى فوج من التركمان، ووعدتموه مواعيد عرقوب حتى يقع القتال بين المسلمين من عسكرنا المغول [وساكنى بلاد الروم، وعسى ما بلغهم أن جميع عسكرنا من

стр. 1432

المغول (١)] والأيغورية والقفجاق والخطائية، وكل من كان بعد هذا من اختلاف الملل دخلوا كافة وطرا بصدق النية فى الإسلام، وأدركهم بتوفيق الله حسن الاتفاق، وارتضعوا أفاويق الوفاق، ونحن كأسنان المشط فى الاستواء والنفس الواحدة فى التئام الأهواء، وما كان فينا من لم يؤمن بربّه الأعلى ونبيه المصطفى، وعاش (٢) على دين المغول ثمانين عاما، فإنه فى هذه السنة آمن بالله والملة الحنيفية ودخل فى زمرة المهتدين والحمد لله رب العالمين. وإذا كنتم متهاونين فى قضية سولتمش وسائر الطاغين (٣)، فالله تعالى الذى هدانا للصراط المستقيم ردّه مقيدا (٤) مكبلا على يد أقل مملوك من مماليكنا، فجاءوا به إلى عتبتنا العالية لما أنعم الله علينا بالدين القويم، ووفقنا لتشييد قواعد سنن رسوله الكريم، وأرشدنا فى عنفوان الصّبا وريعان الحداثة للانخراط فى سلك أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه الكرام، عسى لم يعجبكم تقوية دين الله التى نحن مصرّون عليها. ولو وصل لأجل هذا لقلوبكم البهجة والسرور لشكرتم الرحيم الغفور، وبعثتم من يهنئنا بدخولنا فى دين الحق من إخوانكم وأقاربكم، فما فعلتم من هذا شيئا (٥)؟ ألا إن من اعتصم بالله كفاه. وأيضا من أفعالكم المذمومة أن تنصبوا فى كل شهر وعام سلطانا، وتبايعون وتحلفون على طاعته والإعراض عن مخالفته، ثم تخالفونه بعد قليل، وتقتلون

стр. 1433

ذوى الأمر منكم خلافا لما أمر الله فى كتابه العزيز بطاعة أولى الأمر منكم. وتنقضون ميثاقكم، ولم توفوا بعهدكم حتى تصيروا من ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١)، وأى جرح أقبح من هذا. وأما سائر أخلاقكم وعدم مشروعيتها فهى واضحة غير خافية، ومستغنية عن الشرح والتفصيل. فقد وافقنا مع عمنا (٢) خان الأعظم وسائر أعمامنا وإخوتنا وعشائرنا فمنهم: قايدو، ونوقاى. وتوفتا، وقرمجى، [وطو] (٣)، وغيرهم، وها نحن متوجهون بأنفسنا إلى تلك البلاد بالعساكر الكثيرة التى ما لها نهاية ولا حدّ، والكتائب الجرارة التى لا تحصى ولا تعدّ، ومن ولاية الإفرنج والروم والتكفور وديار بكر وبغداد بعثوا أفواجا كثيرة لا تعد، وجما غفيرا لنهدى بهم سهيل الرشاد، وندفع عن سائر المسلمين الشر والفساد. [٢١١] فإن كنتم تتبعون الهدى وتستقبلون عساكرنا المنصورة، فنحن فى هذه النهضة الميمونة عازمون على أن لا يصدر عن أمرنا المطاع إلاّ إطفاء النائرة، ومحافظتهم فى الأمن والأمان، ليستريح المسلمون فى عهد الشفقة والإحسان، تعظيما لأمر الله وشفقة على خلق الله، وقد حرمنا على عساكرنا المنصورة التعرض إلى نفوس المسلمين والطموح إلى أموالهم، فإن لم تسمعوا ما رسمنا ونصحنا: ف: السيف أصدق أنباء من الكتب … فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب

стр. 1434

ولما كانت همتنا المنصورة مقصورة على وضع قواعد العدل والإنصاف» وعزمتنا المنيفة مصروفة إلى رفع قوانين الزور والاعتساف بحيث يستقيم الأمر فى مركزه تأسّيا بقوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (١) الآية. ولهذا توجهنا إلى تلك الجهات، وكيف يجوز تعذيب الرعية من غير جريمة صادرة عنهم لا سيما سفك دمائهم وسبى حريمهم (٢)، فتجب علينا محافظتهم (٣) ودفع الأسواء عنهم بموجب قوله ﷺ : «كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته (٤)». والتزمنا بمحافظة الرعية فى أنفسهم وأموالهم، والسعى فى ترفيه خواطرهم وتطييب قلوبهم، فينبغى أن يسكنوا فى دورهم آمنين مستكنّين، ويقيموا أسواقهم ويرتبوها، ويشتغلوا بالكسب والمعاملات بعد أداء وظائف العبادات وإقامة مراسم الطاعات، داعين (٥) لدوام هذه الدولة القاهرة، ودوام أيامنا الزاهرة (٦)؛ إذ وجب عليهم وعلى كافة المسلمين طاعتنا لقوله تعالى وأمره بطاعة أولى الأمر منكم (٧)، وعليهم أن يخطبوا على المنابر باسمنا، وعند قرب

стр. 1435

الوصول إلى بلادهم يستقبلوننا، وتصاحبنا القضاة والعلماء والصلحاء والمشايخ والسادات والفقهاء مرشدين إلى المزارات المباركة من مشاهد الأولياء ومواقف الأنبياء، مستوهبين من الله تعالى التوفيق لنيل مثوباتهم، وإحراز بركاتهم، وبعد ذلك نقصد الإحرام بحجة الإسلام وزيارة بيت الله الحرام، سيما وهو أكبر قواعد الإسلام؛ إذ هو على كافة لقوله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (١). وقد نذرت يميننا [على ذلك (٢)]، وانعقد نذر بأنه ينادى من جهتنا بأن جميع المسلمين وسائر المتوكلين فى أمان من الله ورسوله، ويكونون مطمئنين، فارغى البال، رافعى الحال، ونحن عاهدنا الله ورسوله على جميع ذلك، وإذا وقفوا على ما أنفذنا إليهم يبعثون إلينا من يعرف أحوالهم، وخلوص عقيدتهم، وصفاء طويتهم حتى نعين الشحانى (٣) المعتبرين. وفى صحبتهم التواقيع والفرامين (٤) ليحفظوا البلاد، ويقيموا الأسواق، ولا يمكنوا أحدا من الظلم والجور، ولا تشويش خواطرهم، لأن العسكر المجهز إليهم معهم ما يكفيهم سنة وأكثر (٥)، فاستراحوا من ذلك. فإذا تشرفوا بمطالعة هذا التوقيع الشريف، وامتثلوا مقاصده وفحواه فقد فازوا فوزا عظيما، والاّ فقد خسروا خسرانا مبينا، وعقاب ذلك سفك الدماء

стр. 1436

[٢١٢] وغارة الأموال بوقوع الهرج والمرج، ونحن نبرأ من ذلك، وقد أعذر من أنذر ﴿(وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى)﴾ (١). الثانى من الفرامين (٢): كتبه عند رحلته من الشام، فقرئ بجامع بنى أميّة. بقوة الله وميامين الملة المحمدية، فرمان السلطان محمود غازان: ليعلم الأمراء والنواب والولاة والقضاة والسادة والصدور والناس كافة بممالك الشام والسواحل أنّ جدنا جنكز خان كان ملكا وابن ملك إلى سبعة جدود فى بلاد المغول (٣)، وحيث أيده الله تعالى ملك بسيفه ربع الأرض المسكون، ولم يبلغنا فى تاريخ من التواريخ من لدن آدم ﵇ وإلى يومنا [هذا (٤)] أن ملكا ملك من الأقاليم ما ملكه، ولا تيسر له من التأييد ما تيسر له، ونحن سادس ملك من صلبه، وكان قد سبق فى تقدير الله أن يصيب أولاده ممن سلف قبلنا عين نافذة، فوقع بينهم الخلف وطال التنازع بينهم سنين كثيرة، فاجتمع من من بقايا سيوفهم أمم مختلفون يتسترون فى الأكنان ويتغيبون فى أبعد المكان، وكان منهم سكان مصر والشام، واجتمع بها من المماليك والخوارج زمرة غرّتهم سلامتهم من المغل المشتغلين عنهم بما كان أهم عندهم منهم، وطفقوا كل قليل يختارون من بينهم مملوكا من أرذل الأجناس، فيملكونه على الإسلام، ويحكمونه فى رقاب الأنام، وحسبوا أن ذلك تدبير الملك، ولم يتعرفوا طريق

стр. 1437

النجاة من الهلك، حتى وصلت نوبة المملكة إلينا. وزفّت عروسها علينا، زين الله قلوبنا بالإسلام (١)، وأبهجها بأنوار الإيمان، وكان من الواجب المتعين وأدب الملوك الهين أن هؤلاء المماليك يهنئوننا (٢) بما وهب الله لنا من الملك العظيم وهدانا إليه من الصراط المستقيم، ويرسلون إلينا رسلهم بتحف السلاطين، ويجدون فى استجلاب مودتنا أوضح القوانين، فمرت على ذلك ثلاث سنين، وهم يجهلون حقوق الأدب، ولم يؤدوا من عوائد الملك ما يجب، ولما علموا أننا دخلنا فى الإسلام راغبين، ولرضى الله سبحانه طالبين، حسبوا أنهم إذا فتحوا إلينا طريق المودّة جاءنا أكثر عسكرهم هاربين، ولم يكن لهم من التمييز أن يعلموا أن الملك يؤتيه من يشاء من عباده، وقد ملّك كثيرا من الكفار أكثر بلاده، كما بلغهم عن جنكز خان وعن كثير ممن كان، ولو كان نيل الملك بالتقوى لكان بنو فاطمة [﵈ (٣)] على الخلافة أقدر وأقوى، ولم يرضوا بذلك حتى سلكوا من التهجم والتقحم أقبح المسالك، وقصدوا طرفا من أطراف بلادنا على غرّة، وهجموا عليها على فترة، وكذلك سلامش (٤) لما تسحب خوفا من ذنوب اقترفها وديون ارتكبها حموه، وأنفذوا معه عسكرا، وقصدوا أن يشعثوا الروم، وقد يكون حتف المغرور فيما يروم.

стр. 1438

فلما رأيناهم قد تجاوزوا فى البغى غاية الحدّ، واتخذوا المملكة لعبا واتكلوا على الجد، واغتروا بعدم التفاتنا إليهم، فكان (١) ذلك وبالا عليهم، لأنا رفعنا التنازع بيننا وبين أقاربنا، وجعلنا قصد مهلكتهم من مطالبنا، خشينا [٢١٣] أن جيوشنا تستأصل من المسلمين الأصاغر والأكابر، فأرسلنا إليهم رسلا ينذرونهم ويحذّرونهم ويذكرونهم، فحبسوا الرسل وقطعوا السبل، ثم حملهم الجهل والغرة على مقابلة جيوشنا ومقاتلتهم، وتمثلوا فى أنفسهم الغلبة فأقدموا على مماثلتهم، وكانوا قد عاجلونا وأكثر عساكرنا لم يركبوا خيولهم ولم يشهدوا الحرب، لما لم يعلموا تعجيلهم، وما لقيهم غير تسعة آلاف كانوا قد ركبوا معنا، فلقونا بأجمعهم، وما قابلوا جمعنا، وكان [من] (٢) أمرهم ما كان، وتبين لذوى البصائر أن الله لم يرض منهم ذلك العدوان، فاجتمعت معنا أمراء دولتنا، وذكروا لنا أن هذه الطائفة من المماليك لهم أربعون سنة يقصدون الحصون فيخربونها، والمدن المستصعبة فيدمّرونها، حتى إنهم خرّبوا من البلاد وقتلوا من العباد ما يعادل أهل مصر والشام، وأوضحوا فى ذلك مقول الكلام، والمصلحة أننا نشن الغارة (٣) على الشام من غزّة إلى الفرات، وينقل من فيها من الرعية فيعمّر بها ما خرّبوا ليقابل الفاسد بمثله، فما قبلنا مشورتهم، وقلنا: نحن لم نرض [فعلهم، ا] (٤) فنصير بما فعلوا مثلهم، وأعرضنا عن ذلك، ورحمنا الرعية، وجعلنا مأمنهم أول نعمة لله عليهم، ومبدأ عطية، وإن كان قد وقع إلى أحد من عساكرنا بعض من استضعف

стр. 1439

فقد أمنه بانتزاعه من يد من استلبه، حتى يبلغ برجوعه إلى أهله إربه، فأرسلنا إلى أهل القلاع والجبال والأعراب والتركمان والعشائر كتب الأمان ليكونوا فى أمان الله ورسوله وأماننا، وإذا خفت العساكر من هذه البلاد ردّ كل إلى وطنه، ورجع كل إلى سكنه. ولقصدنا مصلحة الرعايا وحمايتهم، رتبنا مولاى وجبجك وأبشغا وبغا وهلاجو وقرابغا وبهادر مقدّمين على أربعين ألف فارس، وتركناهم على غزّة والغور، وأمرنا الأمير سبا أن يقيم على حلب وحماة وحمص فى عشرين ألف راكب، وأعطينا الأمير سيف الدين قفجق (١) نيابة السلطنة بدمشق، ورتبنا الأمير سيف الدين بكتمر نائب السلطنة بحماة وحلب (٢)، والأمير فارس الدين إلبكى نائب السلطنة بصفد وطرابلس والسواحل، وجعلنا ملك الأمراء والوزراء ناصر الدين يحيى شادّا على الدواوين فى هذه الأقاليم كلها، فكل من أعطاه أحد من هؤلاء الأمراء أمانا فهو أماننا، وكل جندى أراد خدمتنا فقد أمرناهم أن يعيّنوا له إقطاعا يليق به، وليثقوا بما أودعه الله لهم فى قلوبنا من الرأفة وحسن النية، وليطيعوا هؤلاء الأمراء طاعة موفقة، ولا يتخلف أحد عن طاعتهم، فقد أخذنا عليهم العهود بالعدل والشفقة، وإن خالف أحد أو عصى فلا بد أن يذوق كأس الردى، والله تعالى يجمع قلوب رعايانا على الهوى، إن شاء الله تعالى.

стр. 1440

الثالث من الفرامين (١): فرمان الأمير سيف الدين قفجق: بتقوى الله وميامين الملة المحمدية، [٢١٤] فرمان السلطان محمود غازان: الحمد لله الذى جرّد لنصر هذه الدولة القاهرة سيفا ماضيا، وانتضى لتأييدها من أوليائها قاضيا قاضيا (٢)، وارتضى لها من أصفيائها من أصبح الملك عنه راضيا، نحمده ونشكره على نعمته التى أورثتنا الممالك، وجمعت لنا ما بين النصر والفتح وما أشبه ذلك، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنيل النجاة وترفع الدرجات، ونشهد أن محمدا نبيه المرسل بالهدى والصدق، والمبعوث بدين الحق صلى الله عليه صلاة تنيله الوسيلة والفضيلة. وعلى آله خير آل وأشرف قبيلة، وبعد: فإن الله تعالى لما منّ علينا بالإيمان، وهدانا إلى أشرف الأديان، حمدناه وشكرناه على أنه أضاف إلى ملكنا للدنيا ملكنا للآخرة، وجلّل علينا حلل الدين الفاخرة، ونذرنا أن نعم الرعيّة بعدلنا، ونشمل البريّة بفضلنا، وأن لا نسمع بمظلوم إلاّ نصرناه، ولا نطلع على مقهور إلا أنقذناه، فلما اتصل بنا ما بمصر من المظالم، ومن فيها من غاصب وظالم، هاجرنا لنصر الله تعالى ونصرة الدين، وبادرنا لإنقاذ من فيها من المسلمين، وراسلناهم وأنذرنا، وكاتبناهم وزجرناهم، ووعظناهم فلم تنفع فيهم العظة، وأيقظناهم فلم تكن فيهم (٣) يقظة، فلقيناهم
следующие страницы →