← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

[٢١٢] وغارة الأموال بوقوع الهرج والمرج، ونحن نبرأ من ذلك، وقد أعذر من أنذر ﴿(وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى)﴾ (١). الثانى من الفرامين (٢): كتبه عند رحلته من الشام، فقرئ بجامع بنى أميّة. بقوة الله وميامين الملة المحمدية، فرمان السلطان محمود غازان: ليعلم الأمراء والنواب والولاة والقضاة والسادة والصدور والناس كافة بممالك الشام والسواحل أنّ جدنا جنكز خان كان ملكا وابن ملك إلى سبعة جدود فى بلاد المغول (٣)، وحيث أيده الله تعالى ملك بسيفه ربع الأرض المسكون، ولم يبلغنا فى تاريخ من التواريخ من لدن آدم ﵇ وإلى يومنا [هذا (٤)] أن ملكا ملك من الأقاليم ما ملكه، ولا تيسر له من التأييد ما تيسر له، ونحن سادس ملك من صلبه، وكان قد سبق فى تقدير الله أن يصيب أولاده ممن سلف قبلنا عين نافذة، فوقع بينهم الخلف وطال التنازع بينهم سنين كثيرة، فاجتمع من من بقايا سيوفهم أمم مختلفون يتسترون فى الأكنان ويتغيبون فى أبعد المكان، وكان منهم سكان مصر والشام، واجتمع بها من المماليك والخوارج زمرة غرّتهم سلامتهم من المغل المشتغلين عنهم بما كان أهم عندهم منهم، وطفقوا كل قليل يختارون من بينهم مملوكا من أرذل الأجناس، فيملكونه على الإسلام، ويحكمونه فى رقاب الأنام، وحسبوا أن ذلك تدبير الملك، ولم يتعرفوا طريق

стр. 1437

النجاة من الهلك، حتى وصلت نوبة المملكة إلينا. وزفّت عروسها علينا، زين الله قلوبنا بالإسلام (١)، وأبهجها بأنوار الإيمان، وكان من الواجب المتعين وأدب الملوك الهين أن هؤلاء المماليك يهنئوننا (٢) بما وهب الله لنا من الملك العظيم وهدانا إليه من الصراط المستقيم، ويرسلون إلينا رسلهم بتحف السلاطين، ويجدون فى استجلاب مودتنا أوضح القوانين، فمرت على ذلك ثلاث سنين، وهم يجهلون حقوق الأدب، ولم يؤدوا من عوائد الملك ما يجب، ولما علموا أننا دخلنا فى الإسلام راغبين، ولرضى الله سبحانه طالبين، حسبوا أنهم إذا فتحوا إلينا طريق المودّة جاءنا أكثر عسكرهم هاربين، ولم يكن لهم من التمييز أن يعلموا أن الملك يؤتيه من يشاء من عباده، وقد ملّك كثيرا من الكفار أكثر بلاده، كما بلغهم عن جنكز خان وعن كثير ممن كان، ولو كان نيل الملك بالتقوى لكان بنو فاطمة [﵈ (٣)] على الخلافة أقدر وأقوى، ولم يرضوا بذلك حتى سلكوا من التهجم والتقحم أقبح المسالك، وقصدوا طرفا من أطراف بلادنا على غرّة، وهجموا عليها على فترة، وكذلك سلامش (٤) لما تسحب خوفا من ذنوب اقترفها وديون ارتكبها حموه، وأنفذوا معه عسكرا، وقصدوا أن يشعثوا الروم، وقد يكون حتف المغرور فيما يروم.

стр. 1438

فلما رأيناهم قد تجاوزوا فى البغى غاية الحدّ، واتخذوا المملكة لعبا واتكلوا على الجد، واغتروا بعدم التفاتنا إليهم، فكان (١) ذلك وبالا عليهم، لأنا رفعنا التنازع بيننا وبين أقاربنا، وجعلنا قصد مهلكتهم من مطالبنا، خشينا [٢١٣] أن جيوشنا تستأصل من المسلمين الأصاغر والأكابر، فأرسلنا إليهم رسلا ينذرونهم ويحذّرونهم ويذكرونهم، فحبسوا الرسل وقطعوا السبل، ثم حملهم الجهل والغرة على مقابلة جيوشنا ومقاتلتهم، وتمثلوا فى أنفسهم الغلبة فأقدموا على مماثلتهم، وكانوا قد عاجلونا وأكثر عساكرنا لم يركبوا خيولهم ولم يشهدوا الحرب، لما لم يعلموا تعجيلهم، وما لقيهم غير تسعة آلاف كانوا قد ركبوا معنا، فلقونا بأجمعهم، وما قابلوا جمعنا، وكان [من] (٢) أمرهم ما كان، وتبين لذوى البصائر أن الله لم يرض منهم ذلك العدوان، فاجتمعت معنا أمراء دولتنا، وذكروا لنا أن هذه الطائفة من المماليك لهم أربعون سنة يقصدون الحصون فيخربونها، والمدن المستصعبة فيدمّرونها، حتى إنهم خرّبوا من البلاد وقتلوا من العباد ما يعادل أهل مصر والشام، وأوضحوا فى ذلك مقول الكلام، والمصلحة أننا نشن الغارة (٣) على الشام من غزّة إلى الفرات، وينقل من فيها من الرعية فيعمّر بها ما خرّبوا ليقابل الفاسد بمثله، فما قبلنا مشورتهم، وقلنا: نحن لم نرض [فعلهم، ا] (٤) فنصير بما فعلوا مثلهم، وأعرضنا عن ذلك، ورحمنا الرعية، وجعلنا مأمنهم أول نعمة لله عليهم، ومبدأ عطية، وإن كان قد وقع إلى أحد من عساكرنا بعض من استضعف

стр. 1439

فقد أمنه بانتزاعه من يد من استلبه، حتى يبلغ برجوعه إلى أهله إربه، فأرسلنا إلى أهل القلاع والجبال والأعراب والتركمان والعشائر كتب الأمان ليكونوا فى أمان الله ورسوله وأماننا، وإذا خفت العساكر من هذه البلاد ردّ كل إلى وطنه، ورجع كل إلى سكنه. ولقصدنا مصلحة الرعايا وحمايتهم، رتبنا مولاى وجبجك وأبشغا وبغا وهلاجو وقرابغا وبهادر مقدّمين على أربعين ألف فارس، وتركناهم على غزّة والغور، وأمرنا الأمير سبا أن يقيم على حلب وحماة وحمص فى عشرين ألف راكب، وأعطينا الأمير سيف الدين قفجق (١) نيابة السلطنة بدمشق، ورتبنا الأمير سيف الدين بكتمر نائب السلطنة بحماة وحلب (٢)، والأمير فارس الدين إلبكى نائب السلطنة بصفد وطرابلس والسواحل، وجعلنا ملك الأمراء والوزراء ناصر الدين يحيى شادّا على الدواوين فى هذه الأقاليم كلها، فكل من أعطاه أحد من هؤلاء الأمراء أمانا فهو أماننا، وكل جندى أراد خدمتنا فقد أمرناهم أن يعيّنوا له إقطاعا يليق به، وليثقوا بما أودعه الله لهم فى قلوبنا من الرأفة وحسن النية، وليطيعوا هؤلاء الأمراء طاعة موفقة، ولا يتخلف أحد عن طاعتهم، فقد أخذنا عليهم العهود بالعدل والشفقة، وإن خالف أحد أو عصى فلا بد أن يذوق كأس الردى، والله تعالى يجمع قلوب رعايانا على الهوى، إن شاء الله تعالى.

стр. 1440

الثالث من الفرامين (١): فرمان الأمير سيف الدين قفجق: بتقوى الله وميامين الملة المحمدية، [٢١٤] فرمان السلطان محمود غازان: الحمد لله الذى جرّد لنصر هذه الدولة القاهرة سيفا ماضيا، وانتضى لتأييدها من أوليائها قاضيا قاضيا (٢)، وارتضى لها من أصفيائها من أصبح الملك عنه راضيا، نحمده ونشكره على نعمته التى أورثتنا الممالك، وجمعت لنا ما بين النصر والفتح وما أشبه ذلك، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنيل النجاة وترفع الدرجات، ونشهد أن محمدا نبيه المرسل بالهدى والصدق، والمبعوث بدين الحق صلى الله عليه صلاة تنيله الوسيلة والفضيلة. وعلى آله خير آل وأشرف قبيلة، وبعد: فإن الله تعالى لما منّ علينا بالإيمان، وهدانا إلى أشرف الأديان، حمدناه وشكرناه على أنه أضاف إلى ملكنا للدنيا ملكنا للآخرة، وجلّل علينا حلل الدين الفاخرة، ونذرنا أن نعم الرعيّة بعدلنا، ونشمل البريّة بفضلنا، وأن لا نسمع بمظلوم إلاّ نصرناه، ولا نطلع على مقهور إلا أنقذناه، فلما اتصل بنا ما بمصر من المظالم، ومن فيها من غاصب وظالم، هاجرنا لنصر الله تعالى ونصرة الدين، وبادرنا لإنقاذ من فيها من المسلمين، وراسلناهم وأنذرنا، وكاتبناهم وزجرناهم، ووعظناهم فلم تنفع فيهم العظة، وأيقظناهم فلم تكن فيهم (٣) يقظة، فلقيناهم

стр. 1441

بتقوى (١) الله تعالى، فكسرناهم وقطعنا (٢) آثارهم، وملّكنا الله تعالى أرضهم وديارهم، وتبعناهم إلى الرمل وحطمناهم كما حطم سليمان وجنوده وادى النمل، فلم ينج منهم إلا الفريد، ولا سلم إلاّ البريد، فلما استقر تملكنا البلاد وجب علينا حسن النظر فى العباد، فاحضرنا الفكر فيمن نقلده الأمور، وأمعنا النظر فيمن نفوض إليه مصالح الجمهور، فاخترنا لها من يحفظ نظامها المستقيم، ويقيم ما أباد من قوامها القويم، يقول فيسمع مقاله، ويفعل فتقتفى أفعاله، يكون أمره من أمرنا، وحكمه من حكمنا، وطاعته من طاعتنا، ومحبته هى الطريق إلى محبتنا، فرأينا أن الجناب العالى الأوحدى الكفيلى المجاهدى الأميرى الهمامى النظامى السيفى، ملك الأمراء فى العالمين، ظهير الملوك والسلاطين قفجق، هو المخصوص بهذه الصفات الجليلة، والمحتوى على هذه المناقب الجميلة، وأن له حرمة المهاجرة إلى أبوابنا، ووسيلة القصد إلى ركابنا، فعرفنا له هذه الحرمة، وقابلناه بهذه النعمة، ورأينا أنه لهذا المنصب حفيظ قمين، وعلى ما استحفظ قوى أمين، وأنه يبلغنا الغرض من حفظ الرعايا، فأقمناه مقامنا فى العدل والقضايا، فلذلك رسمنا أن نفوض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك الدمشقية والبعلبكية والحمصيّة والساحلية والجبلية والعجلونية والرّحبيّة من العريش الى سلميّة، نيابة تامة عامّة، كاملة شاملة، يؤتمر فيها بأمره، ويزدجر فيها بزجره، ويطاع فى أوامره ونواهيه، ولا يخرج أحد عن حكمه ولا يعصيه، له الأمر التامّ والنظر العام، وحسن التدبير وجميل التأثير، [٢١٥] والإحسان الشامل لأهل

стр. 1442

البلاد، واستجلاب الغزاة والقوّاد، وتأمين من يطلب الأمان والطاعة والامتنان متفقا فى الاستخدام والتأمين مع ملك الأمراء ناصر الدين، فإن اجتماع الآراء بركة، والهمم تؤثر إذا كانت مشتركة، وكل من أمّناه فإنه أماننا أجريناه على قلمهما ولسانهما (١). وقد أنعمنا (٢) عليه بالسيف، والسنجق الشريف، والكؤوس، والبائزة الذهب برأس السبع، ورسمنا له بألف فارس من المغل يركبون لركوبه وينزلون لنزوله، وليكونوا تحت حكمه رفعة لقدره، وتنويها باسمه، وسبيل الأمراء والمقدمين وأمراء العربان والتركمان والأكراد والدواوين والصدور والأعيان والجمهور بأن يتحققوا أنه نائبنا فى السلطنة الشريفة، فإن (٣) له هذه المنزلة المنيعة، وليطيعوه طاعة تزلفهم لديه وتقربهم إليه، ويحصل لهم بها رضاه عنهم وإقباله عليهم وقربهم منه. وليلزموا عنده الأدب فى الخدمة كما يجب، وليكونوا معه فى الطاعة والموافقة على ما يحبّ. وعلى ملك الأمراء سيف الدين بتقوى الله فى أحكامه، وخشيته فى نقضه وإبرامه [وتعظيم الشرع وحكامه، وتنفيذ قضية كل قاض على قول إمامه (٤)] وليعتمد الجلوس للإنصاف والعدل (٥)، وأخذ حق المشروف من الأشراف، وليقم

стр. 1443

الحدود والقصاص على كل من وجبت عليه، وليكف الكفّ العادية عن كل من يتعدى إليه، وقد تقدم من الأمر بالآثار الجميلة فى الشام المحروس ما تشوقت إليه الأعين وتاقت إليه النفوس، وقد ردّه الله سبحانه إليهم ردّا جميلا، فليكن بمصالح الدولة ومصالح الرعية كفيلا، والله تعالى يجعل له إلى الخير سبيلا ويوضح له إلى مراضى الله ومراضينا دليلا، بمنّه ولطفه. الرابع من الفرامين (١): [فرمان] (٢) الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار. بقوة الله وميامين الملّة المحمديّة. فرمان السلطان محمود غازان: الحمد لله الذى أيدنا بالنصر العزيز (٣) والفتح المبين، وأمدّنا بملائكته المقربين، وجعلنا من جنده الغالبين، نجدة على الهداية إلى سبيل المهتدين، والإرشاد إلى إحياء الدين، حمدا يوجب المزيد من فضله كما وعد الحامدين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنظمنا فى سلك المخلصين، ونشهد (٤) أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، أما بعد: فإن الله تعالى لما ملّكنا البلاد وفوض إلينا النظر فى أمور العباد، وجب علينا أن ننظر فى مصالحهم، وأن نهتم بنصائحهم، وأن نقيم عليهم نائبا يتخلّق

стр. 1444

بأخلاقنا فى كرم السّجايا، ويبلغنا الأغراض فى مصالح الرعايا، فأعملنا الفكر فيمن نقلده الأمور، وأمعنا (١) النظر فيمن نفوض إليه مصالح الجمهور، واخترنا لها من يحفظ نظامها المستقيم، ويقيم ما تأوّد (٢) من قوامها القويم، يقول فيسمع مقاله، ويفعل فتقتفى أفعاله، يكون أمره من أمرنا، وحكمه من حكمنا، وطاعته من طاعتنا، ومحبته هى الطريق إلى محبتنا، فرأينا أن الجناب العالى الأوحدى المؤيدى العضدى النصيرى العالمى العادلى الذخرى الكفيلى [٢١٦] السيفى سيف الدين، ملك الأمراء فى العالمين، ظهير الملوك والسلاطين بكتمر، هو المخصوص بهذه الصفات الجميلة، والمحتوى على هذه السمات الجليلة، وله حرمة المهاجرة إلى أبوابنا، ووسيلة الوصلة إلى ركابنا، فرعينا له هذه الحرمة، وقابلناها بهذه النعمة، ورأينا أنه لهذا المنصب حفيظ مكين، وخاطبنا لسان الاختيار ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٣)، وعلمنا أنه يبلغ الغرض من صون الرعايا، ويقوم مقامنا بالعدل فى القضايا، فلذلك رسمنا أن نفوض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالممالك الحلبية، والحمويّة، وشيزر، وأنطاكية، وبغراس، وسائر الحصون، والأعمال الفراتية، وقلعة الروم، وبهنسى (٤)، وما أضيف إليها من الأعمال والثغور، نيابة تامة عامة، كاملة شاملة، يؤتمر فيها بأمره، ويزدجر فيها بزجره، ويطاع فى أوامره ونواهيه، ولا يخرج أحد عن حكمه ولا يعصيه، له الأمر التام والنظر العام، وحسن التدبير وجميل التأثير،

стр. 1445

والإحسان الشامل إلى أهل البلاد، واستجلاب الولاء والوداد، وتأمين من يطلب الأمان (١)، ويتلقى من يترامى [إلى] (٢) الطاعة والخدمة بالامتنان، متفقا فى الاستخدام والتأمين مع ملك الأمراء والوزراء ناصر الدين، فإن اجتماع الآراء بركة … إلى آخره مثل ما فى آخر الفرمان الثالث (٣). ثم فى آخر الكل: مؤرّخ فى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وستمائة بمقام مرج. ذكر قدوم السلطان مصر مع أمراء دولته بعد الانهزام فى الوقعة المذكورة: لما جرى ما جرى من انهزام الجيش السلطانى وصل السلطان الناصر إلى القاهرة وصحبته الأمير سيف الدين سلاّر، والأمير ركن الدين الأستادار، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، ومن يلوذ بهم، وطلعوا القلعة فى العشر الأخير من ربيع الآخر (٤). وقال صاحب النزهة: وكان ذلك اليوم يوم الأربعاء بكرة النهار الثانى عشر من ربيع الآخر، وكان المصاف الكائن بينهم يوم الأربعاء الثامن والعشرين من ربيع الأول بين الصلوتين، وتواردت بعده الأمراء المتأخرون والأجناد

стр. 1446

المنقطعون، وآخر من حضر كان أمير سلاح والطباخى وتغريل الأيغانى، وهم الذين كانوا سافروا على الساحل وحموا العسكر، وحملوا من وجدوه من المنقطعين، ووقع عند وصولهم فى قلوب الخلق توجع كثير وأسف وبكاء، وأقاموا المأتم على من فقد، وأقاموا أياما فى الحزن والنياح على من فقد من الأمراء إلى أن منعوا من جهة السلطنة. وقال بيبرس فى تاريخه: وصل الأمير سيف الدين بلبان السلحدار المنصورى المعروف بالطباخى نائب السلطنة بالمملكة الحلبية وصحبته العسكر الحلبى، وكان عبورهم على جانب الساحل من جهة طرابلس، وصادفوا (١) المضيق، وقاسوا مشقة عظيمة من وعر الطريق، وخرج عليهم الجبليّة ونهبوا منهم جماعة وقتلوا جماعة، ووصل الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائب السلطنة (٢) بالشام [٢١٧] ومعه العسكر الدمشقى، والأمير سيف الدين كراى المنصورى نائب السلطنة بصفد وصحبته العسكر الصفدى، وحضر بعدهم الأمير زين الدين كتبغا المنصورى من صرخد، وعبر فى طريقه بالكرك وترك بها عائلته وأولاده، وأقبلت العساكر السلطانية واجتمعوا بالقاهرة (٣). وقال صاحب النزهة: الأمير زين الدين كتبغا هذا قد كان تولى السلطنة وتلقبّ بالملك العادل كما تقدم ذكره، ثم لما خلعوه ولوه نيابة صرخد (٤)، فلما

стр. 1447

دخل العدو البلاد ووصل السلطان الناصر والأمراء إلى دمشق تكلموا فى أمر حضوره، فلم يعجب الأمراء حضوره وسيروا إليه، فطلبوا مماليكه وعرفوّه أنهم أعفوه من الحضور ليحفظ قلعتّه، فسير إليهم جماعة من مماليكه، فحضروا المصافّ، فلما اتفق ما اتفق، نزل من صرخد وسافر على البريد إلى مصر، وكان يجلس مع الأمير سيف الدين سلار والأمير ركن الدين بيبرس ويأخذ المرملة ويرمّل على العلامات التى يكتبها نائب السلطان، فكان سلاّر يسأله أن يعفيه من ذلك، وكان كتبغا يحلف أنه لا بد أن يفعله، فكانت الناس إذا رأوا ذلك يتعجبون من صنع الله تعالى وعظمة قدرته أن سلار وغيره من الأمراء الكبار وأصحاب الوظائف كانوا فى خدمة كتبغا وهو سلطان يتخدمون له ويتضرعون إليه فى الأمور، ثم قلب الله ذلك حتى صار كتبغا فى خدمة سلار الذى هو أمير وليس بسلطان، ويرمّل على ما يكتبه من العلامات، ويسأله فى أشغال كثيرة سؤال مملوك مخدومه، وهذا من غرائب الزمان وعجائب الدهر، فسبحان المعزّ والمذلّ. ومن العجائب أن كتبغا هذا عرضوا عليه جوشنا (١) فى أيام دولته وقد أعطى فيه بيبرس الجاشنكير أربعة آلاف درهم، فلما رآه كتبغا قال للدلال: كم جاب هذا الجوشن؟ قال: يا خوند أربعة آلاف درهم على بيبرس الجاشنكير. قال: وهذا يصلح لذاك الخرياطى؟ فأخذه ووزن ثمنه، ومرت الأيام إلى أن اتفق لكتبغا ما اتفق ونفى إلى الشام ووقعت الحوطة على جميع حواصله، ووجد ذلك الجوشن فى حاصله، فأخذه لاجين، ثم انتقل بالعطاء من يد إلى يد حتى وقع فى يد بيبرس فعرفه وأخذه، وجعله فى حاصله إلى أن اتفق حضور كتبغا بعد

стр. 1448

هذه الوقعة، ولما اجتمع بالأمراء أراد بيبرس ينكى كتبغا، فأرسل من يحضر بالجوشن المذكور، فلما حضر به قام بيبرس ولبسه، والأمراء كلهم حاضرون وكتبغا فيهم، ثم نظر بيبرس إلى كتبغا وقال: يا أمير إش تقول؟ يصلح لى هذا الجوشن فألبسه أم لا؟ فنظر إليه كتبغا ولم يعلم ما فى نفس بيبرس مما قصده من إنكائه. فقال: والله يا أمير هذا كأنه قد فصّل لك، ولو لبسه غيرك ما لاق به، فنظر بيبرس إلى الأمراء وتغامزوا، وعلم كل منهم ما قصده بيبرس فيما فعله، وهذا الذى اتفق لكتبغا لم يسمع فى دولة من الدول، فسبحان الفعال لما يريد (١). ذكر ما دبّر السلطان وأمراء دولته بعد قدومهم: [٢١٨] ولما استقر ركاب السلطان فى القاهرة أمر للأمراء فى أخذ الأهبة والتجهيز وتحصيل أصناف السلاح، فشرعوا فى ذلك ولم يدعوا صانعا إلا وأحضروه، وأمروا للوزير بجمع الأموال من سائر الجهات لأجل النفقات، وكان من أجلّ من قام فى أمر النفقة الأمير سيف الدين سلار، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار. قال صاحب النزهة: حكى لى بعض مماليك بكتمر فقال: خرجت أنا والأمير ومعنا من مماليكه ستة أنفس من المصافّ يوم الهزيمة، وإذا أنا بشخص جندى اعترضنا وبيده رمح، وقال للأمير: إلى أين يا من يأكل ثلث ديار مصر، أما تستحى من الله وأنت هارب؟ قال: فالتفت إليه الأمير فقال: ويلك أنا وحدى إش أقدر أعمل؟ فتقدم أغير أنا وأنت. فقال: لأى شئ عملت لى لما قبضت ريع خبزك، فقال: أنا وأنت نأكل، وأنت تأكل ثلث إقطاعات مصر وأنا آكل

стр. 1449

خمسة آلاف درهم، فالآن تقول: تقدم للحرب، فأعرض عنه وتولى راجعا وهو يقول: لا بيّض الله لك وجها ولا لخشداشيتك. قال المملوك المخبر لهذا: قصدت أن أرجع إليه أنا وبعض رفقتى فنقتله على إساءته الأدب على الأمير، فمنعنا الأمير وقال: خلّوه فإنه معذور والله لقد قلت للأمير سلار عدة مرات انظر فى حال الأجناد، فما قبل كلامى. قال صاحب النزهة: ثم حكى سيف الدين الطشلافى خشداش سلار قال: كنت مع سلار وخرجنا من المصاف وقد جرح فرسى وجرح لسلار فرسا تحته، ولما انهزمنا سقنا إلى أن وصلنا ديوسية فوق حمص فى الليل، وكان أمامنا جماعة من الجند يتحدثون وفيهم واحد يقول لرفيقه: كيف كان خروجك وإش جرى لك؟ فقال: والله كنت أنا وفلان وفلان وسمى جماعة دخلنا فى ضياع من ضياع حمص ووجدنا فيها جماعة يشترون شعيرا وكنا نحن ستة نفر، قد كنّا تحالفنا أن لا نحضر المصاف لأجل ما جرى علينا من أولئك الفعلة الترك بيبرس وسلار والبرجيّة، وذلك أنهم لا يذكرون الأجناد إلا بالسّبّ والشتيمة ويقولون: والله ما هم إلا سخرة، ولقد كتبنا قصة فى غزّة وأعطيناها لهم وقلنا: إنا قد خرجنا بلا نفقة متكلين على نفقة السلطان، وما معنا شئ ننفق، وألحفنا فى الطلب، فكان جوابهم لنا: والله أنتم ما تنفقون شيئا سواء تأخذون النفقة أو لا تأخذونها، ما عندنا شئ نعطيكم حتى نصير فى دمشق، فلما حصلت النفقة فى دمشق ألزمنا أنفسنا أن لا نحضر المصاف لأجل ما حصل لنا من الغبن، وهؤلاء يأكلون مصر كلها وقد تقاسموها ونحن كل واحد ما يصل خبزه ألفى درهم، ومع هذا ضاقت أعينهم علينا، وهذا الذى جرى عليهم بسبب [٢١٩] الأجناد،

стр. 1450

فإن نياتهم للأجناد كانت سيئة، فقاتلهم الله تعالى وأحوجهم إليهم، وكان سلار يسمع ذلك ويبكى ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقعنا والله فى ألسنة الناس، هم معذورون. قال: وبقيت أشاغله حتى لا يسمع ما يقولونه، وهو لا يريد إلا سماع كلامهم، فيسمع ويتوجع لهم. ذكر تصدّيهم للنفقات على العسكر: لما اجتمع الأمراء للمشاورة لأجل النفقة كان أول من تكلم فيها الأمير سلار والأمير بكتمر الجوكندار، وشرعوا فى طلب الخيل التى فى الدشار جميعها من البغال والأكاديش (١)، وكتب لسائر الأقاليم بطلب العربان المستجيزة، وأخذ الخيل من عرب الصعيد والولاة، وفى طلب السيوف والرماح وغير ذلك من آلات الحرب، وسفروا البريدية لذلك. وتحسنت أسعار الدواب، فالفرس الذى كان يساوى ثلاثمائة درهم بيع بألف، كذلك الجمال والبغال والهجن، واشترت الأجناد الخيل حتى من الطواحين، كذلك تحسنت أسعار سائر أصناف السلاح، والقرقل الذى كان يساوى مائة درهم بيع بسبعمائة، والبركستوان التى كانت تساوى مائتى درهم بيعت بألف، والجوشن الذى كان بخمسين بيع بمائتين وثلاثمائة، والخوذة التى كانت تساوى خمسين بيعت بمائتين وثلاثمائة وما توجد إلا نادرا، وتحسن أسعار سائر أصناف آلات الحرب، وأمروا أن يضاف إلى كل واحد

стр. 1451

من الأمراء المقدمين الألوف عشرة من البطالين يقيم بهم طول السفر، ولكل واحد من أمراء الطبلخاناة خمسة أنفس، ولأمير العشرة شخصان، واستخدم الأمراء الذين لهم مقدرة جماعة برسم الغزاة فى سبيل الله احتسابا، وكذلك كثير من الأغنياء، حتى استخدمت جماعة من نساء الأمراء اللائى فيهن الخير. ثم إن السلطان فتح بيوت الأموال والذخائر وأنفق فى الجيش نفقة ما سمع مثلها، فجعل الحلقة (١) ثلاثة أقسام: القسم الأول: أعطى لكل واحد منهم ثمانين دينارا. والقسم الثانى: لكل واحد منهم خمسة وسبعين دينارا. والقسم الثالث: لكل واحد منهم خمسة وستين دينارا. وأعطى لكل واحد من أجناد الشام خمسة عشر إردبا من القمح والشعير والفول، وأعطى لأجناد الأمراء لكل واحد منهم خمسين دينارا. قال بيبرس فى تاريخه: هذه النفقات حين أقبلت العساكر السلطانية واجتمعوا بالقاهرة فرقت عليهم، فأزالوا شعثهم، وجدّدوا عددهم، ورخصت قيمة الذهب حتى بلغ الدينار إلى سبعة عشر درهما (٢)، وقلت الدراهم حتى طاف الجند بالدنانير فلم يجدوا من يشتريها، وارتفعت أسعار العدد وآلات السلاح، وأثمان الخيل والبغال والجمال، ولم تمض على العساكر إلا أيام يسيرة حتى عادوا إلى أحسن صورة (٣).

стр. 1452

وقال صاحب نظم الجمان: ثم أنفق السلطان نفقة ثانية لكل جندى اثنى عشر دينارا، وهذه النفقة حين خروج السلطان والعساكر إلى الشام بعد مجيئه إلى القاهرة بعد الانهزام على ما نذكره عن قريب إن شاء الله. قال صاحب النزهة: وكان قد قدم إلى القاهرة خلق كثير من سائر البلاد - عقيب انهزام [٢٢٠] السلطان - من الحلبيين والحمويين والدماشقة والحمصيين ومن أهل السواحل من الأجناس المختلفة حتى ضاقت بهم القاهرة ومصر، وسكنوا القرافة وجامع [ابن] (١) طولون والحسينية، وكان من ألطاف الله تعالى على خلقه أنه رخّص أسعار سائر الحبوب والمأكول، فكان الأردب من القمح قبل أن يسافر السلطان بستة عشر درهما إلى ثمانية عشر، والأردب من الشعير بعشرة، والأردب من الفول بثمانية، ثم لما دخلت العساكر وفتح الأمراء والأجناد الشون باعوا الأردب من القمح بخمسة عشر وأربعة عشر وثلاثة عشر، وباعوا الأردب من الشعير بعشرة وتسعة وثمانية، وباعوا الأردب من الفول بسبعة وثمانية، ولم تتحسن إلا أسعار آلات الحرب من أصناف السلاح وأسعار الدواب. وقال صاحب النزهة أيضا: وكانت الأمراء اجتمعوا عند السلطان قبل النفقة وتشاوروا أن يؤخذ من سائر التجار والسّوقة وسائر من يتسبب (٢) بمصر والقاهرة عن كل رأس دينار، وطلبوا مجد الدين [عيسى] (٣) بن الخشاب نائب الحسبة وقالوا

стр. 1453

له: انزل وتحدث مع القضاة فى ذلك وخذ لنا الفتوى منهم. فقال لهم مجد الدين: إن عندى فتوى بخط الشيخ عز الدين بن عبد السلام (١)، لما خرج الملك المظفر قطز (٢) إلى ملتقى نائب هلاون وهو كتبغا نوين لما سيره إلى أخذ مصر، فتلاقى معه على عين جالوت كما ذكرناه مفصلا (٣)، وأنه لما لم يجد من المال ما يكفى نفقة العساكر وقصدوا أخذ المال من العامة استفتوا الشيخ عز الدين فى هذا فأفتى لهم بأخذ دينار من كل أحد، وهذه الفتوى عندى، فأحضرها عندهم وقال له الأمير سلار: اكتب صورة الاستفتاء وانزل بها إلى الشيخ تقى الدين [محمد بن دقيق العيد] (٤) قاضى القضاة حتى يكتب عليها بخطه، فكتب مجد الدين صورة الاستفتاء ونزل بها إلى قاضى القضاة ومعه شخص من الحجاب، وتحدثوا مع الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد وناولوه صورة الاستفتاء، فأخذها وتأمل ما فيها، ثم هز رأسه وقال يا فقيه: ما القصد فى ذلك؟ فقال: يا سيدى القصد أن تكتب على هذا لتطيبّ خواطر الناس بالعطاء. قال: فرماها من يده وقال: لا حاجة للفتوى، وما ثم مانع إذا أراد ولاة الأمر بشئ قبل الناس، فخرج المحتسب والحاجب من عنده على هذا، وجاءوا إلى الأمراء وعرّفوهم

стр. 1454

بذلك. فقال الأمير سلار: ما بقى يمكن الكلام فيما قصدناه دون أن نجتمع بالقاضى ونعرفه بالأمر ونسأله هل هذا جائز أم لا؟ فإذا امتنع أخرجنا له فتوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام. ففى بكرة النهار إنزلوا إليه، وسلموا عليه واسألوه (١) الاجتماع بنا لالتماس بركته، فلما أصبحوا نزلوا إليه وبلّغوه الرسالة، فقام وركب وجاء عند الأمراء، والكل حاضرون عند الأمير سلار، فلما رأوه قاموا كلهم وتلقوه من أسفل الإيوان، وأخذ السلار بيمينه والأمير بيبرس بشماله إلى أن أجلساه بينهما، وبقية الأمراء جلسوا بين يديه، وتأنّسوا به حتى فتحوا له باب النفقات [٢٢١] وقلة الحواصل فى بيت المال وبينوا له الضرورات، ثم ذكروا له أمر الفتوى. فقال الشيخ: أيها الأمراء ما المانع لما تفعلوه إذا رسمتم بشئ ولا ثمة أحد يخالف. وقال الأمير سلار: يا سيدى نريد أن يكون معنا فتوى حتى لا نقع فى أمر غير جائز، فيحصل علينا الإثم. فقال الشيخ: أما الفتوى فما يمكن أن أكتبها فى مثل هذا. فقال له مجد الدين ابن الخشاب المحتسب: يا سيدى هذا خط الشيخ عز الدين بن عبد السلام كتبها فى أيام الملك مظفر قطز، فنظر إليه وتبسم وقال: يا فقيه تعرف كيف أفتى الشيخ عز الدين فى ذلك الوقت؟ قال: لا. فقال لما سألوه الفتوى، قال لهم: إن الفتوى فى هذا لها شروط إن فعلتموها صحّت الفتوى. فقالوا: ما هى؟ فقال: أن يتقدم كل أمير منكم ويحلف بالله أنه لا يملك فضة ولا ذهبا ولا لزوجته وأولاده مصاغ ولا غيره، فلما سمعوا هذا من الشيخ قام كل منهم وأحضر من موجوده وموجود أهله من حلىّ وغيره، ثم حلف كل واحد منهم أنه

стр. 1455

لا يملك شيئا غير ذلك، فعند ذلك كتب لهم هذه الفتوى، ويا فقيه أما أنا فإنه يبلغنى أن كل أمير يجهّز بنته بأنواع اللؤلؤ والفصوص، ويعمل بكالى فضة لبيت الماء (١)، وقباقيب مكللة بأصناف الجواهر (٢)، وتريد منى أن أكتب فتوى على ما لا يحل، ثم قام ناهضا وخرج، وقد أفحم كل واحد منهم عن الجواب. وكان الشيخ قصد بهذا تسميع الأمير سلار حيث جهز بنته لما زوجها من أمير موسى ابن أستاذه الملك الصالح، والأمير بيبرس حيث جهز بنته لما زوجها من برلغى قريب السلطان، وكان كل منهما قد جهز بنته بما لا يوصف ولا يضبط. ولما انقضى الأمر على هذا الوجه وعلموا مقصود الشيخ اقتضى رأيهم أن ناصر الدين الشيخى متولى القاهرة ينزل ويستعلم حال التجار وأرباب الأموال وينظر فى أمرهم، ويأخذ من كل واحد منهم مقدار ما يطيقه على قدر حاله، ثم بعد أيام قال ناصر الدين المذكور للأمراء: نحن نجبى من المدينة ونواحيها، ونسير إلى ولاة الأقاليم كل إقليم يرتب عليه شئ ونسميه مقرّر الخيالة، فقالت الأمراء: هذا فيه شنعة كبيرة، وفيه شطط وعنف، والمصلحة أن يكون المقرر على كل أردب غلة خرّوبة (٣)، وفى القماش والسلع يؤخذ نصف السمسرة،

стр. 1456

ومعنى ذلك أن المنادى إذا باع قطعة قماش أو غيرها فإن له فيها درهمين فيكون الدرهم من ذلك باسم السلطان والدرهم الآخر للمنادى، والأردب إذا طلع للطحان يكون عليه خروبة، ومهما تحصل من هاتين الجهتين يستخدم به البطالون، فقرّر ذلك على هذا الوجه واستخدم به نحو مائتى نفر، ثم بعد ذلك شرعوا فى طلب التجارة من القياسر والدكاكين، واعتبر حال كل واحد منهم من قدرته وسعة ماله، فمنهم من حمل مائتى دينار، ومنهم من حمل مائة وخمسين وأربعين وثلاثين وعشرين وعشرة، واقترضوا أيضا من التجار الكبار مما يأتى عليهم من الحقوق التى كانت توجد منهم، فانجمع من ذلك أموال عظيمة وصار يحمل أوّلا فأولا إلى أن جمعت فى بيت المال، ثم بعد ذلك شرعوا فى النفقات. ذكر خروج السّلطان إلى الصالحيّة: قال بيبرس فى تاريخه: وفى العشر الأوائل (١) من شهر رجب من هذه السنة تجهز السلطان، والأمير سيف الدين سلار، والأمير ركن الدين [٢٢٢] الأستاذ الدار، وخرجوا بالعساكر الإسلامية، ولما وصلوا إلى الصالحية أقام السلطان بها وتوجه الأميران بالعساكر لتدبير البلاد وإصلاح ما استحكم بها من الفساد، واستصحبوا نواب الممالك الشامية وعساكر البلاد الإسلامية ليرتبوا كلا منهم فى مكانه ويعمروا كل بلد شغر من سكانه، وينظروا فى المصالح التى يجب النظر فيها، ويتلافوا الأحوال التى ينبغى تلافيها، ورحلوا فى الثانى والعشرين من رجب الفرد، فلما وصلوا إلى منزلة سكرير (٢) راسلوا الأمير سيف الدين

стр. 1457

قفجق والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار والأمير فارس الدين ألبكى فى الحضور إلى الخدمة والطاعة، والانتظام فى سلك الجماعة وتوثقوا منهم وحضروا إليهم بمنزلة سكرير، فأرسل الأمراء الأمير بدر الدين [بكتوت] (١) الجوكندار المعروف بالفتاح على خيل البريد إلى الدهليز المنصور مخبرا بمهاجرتهم وحسن إنابتهم، فابتهجت بذلك الخواطر وضربت البشائر (٢). وفى العاشر من شعبان: وصلوا إلى الوطاق، فركب السلطان لتلقيهم، وبالغ فى إكرامهم والإحسان إليهم، ورحل عائدا إلى القلعة، فوصلها رابع عشره، وأسكنهم فى القلعة، وأجرى عليهم الإقامات، ووصلهم بأجزل الصلات (٣). وأما الأميران سيف الدين سلار وركن الدين أستاذ الدار فإنهما دخلا دمشق، ورتبا أحوالها. وسدّدا اختلالها، وأقرا الأمير جمال الدين أقوش الأفرم فى وظيفته على قاعدته، وفوضا إلى الأمير زين الدين كتبغا نيابة السلطنة بحماة، وأولياه إحسانا، ورتبا الأمير سيف الدين قطلوبك بطرابلس والفتوحات والسواحل، عوضا على الأمير سيف الدين كرت (٤) المستشهد فى الوقعة، وأرسلا الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار إلى حلب ليباشر النيابة بها بحكم إعفاء الأمير سيف الدين بلبان الطباخى منها، وأعادا كل قوم إلى وظيفتهم،

стр. 1458

[وطيبا خواطر نواب الحصون، وأحسنا إلى من اعتمد المناصحة منهم] (١)، ثم عادا إلى الديار المصرية، فوصلا فى العشر الأول من شوال. وعند وصولهما عينا للأمير سيف الدين قفجق نيابة الشوبك، وللأمير سيف الدين بكتمر السلحدار إمرة بالديار المصرية وتقدمة ألف فارس من العساكر الإسلامية. وللأمير فارس الدين ألبكى طبلخاناة بدمشق (٢)، واستقر الأمير سيف الدين بلبان الطباخى بالديار المصرية بخبز الأمير سيف الدين كرتيه المتوفى إلى رحمة الله. وقال صاحب النزهة: ولما تكامل أمر النفقة نودى فى الجند بالخروج، وأى من تخلف شنق، وكان قد حصل للجند تعب كثير بسبب نقص الذهب، فإن النفقات كلها كانت ذهبا، وكان صرف الدينار بخمسة وعشرين ونصفا، فتناقص إلى أن أصرفوا الدينار بستة عشر حتى قام نائب السلطان فى ذلك وطلب الوالى وأمره أن ينزل إلى الصيارف ويلزمهم بإخراج الدراهم وصرف كل دينار بعشرين، فنزل الوالى وهو ناصر الدين الشيخى [٢٢٣] وفعل ما أمره به حتى استقرت الأحوال. ثم خرج السلطان والأمراء من مصر فى العشر الأول من رجب من هذه السنة، فكان بين دخوله مصر وإقامته وبين خروجه ثانى مرة شهرين وثمانية وعشرين يوما، فإنه دخل فى الثانى عشر من ربيع الآخر وخرج فى العشر الأول من رجب. ولما دخل السلطان الصالحية وردت كتب قفجق وبكتمر السلحدار وألبكى بخروج التتار من دمشق وسائر الأماكن، وأنهم قاصدون الديار المصرية لخدمة

стр. 1459

السلطان ويستعيذون مما صدر عنهم مما قدّره الله عليهم. فلما وقعت الأمراء على ذلك اقتضى رأيهم أن يقيم السلطان على الصالحية إلى أن يشبع الصيد والتفرج، ثم إن شاء يدخل مصر وإن شاء يقيم هناك، وأن الأمراء يرحلون ويلاقون الأمراء الذين يحضرون، ثم رحلوا طالبين دمشق، فلما وصلوا إلى أرض عسقلان لاقوا قفجق ومن معه بين غزة وعسقلان. فلما تلاقوا ترجلوا كلهم وتعانقوا وتباكوا، ولم يزالوا حتى دخلوا دمشق، وكان يوم دخولهم نهارا عظيما وكان فى مستهل شعبان، وخرجت (١) سائر أهل دمشق ولاقوهم، وكان يوما مشهودا، ثم كتبوا كتبا لسائر النواب وأهل القلاع، وسيّروا بين يديه لسائر نواحى الشام وطرابلس وحماة وحمص وحلب، وللقلاع التى فى بلاد حلب نحو كختا وكركر وبهسنى وعينتاب وسائر النواحى، وجلبت أهل الضياع الخيرات من سائر النواحى، وجلب التركمان الأغنام؛ وكان سعر الغلة قد تحسن فوصلت الغرارة من القمح إلى ثلاثمائة، ثم انحط قليلا قليلا إلى أن بقيت الغرارة بمائة وخمسين، وكان الرطل من اللحم بدرهمين (٢)، وكثر الجلب، وطابت قلوبهم، ووقفت الدماشقة للأمراء واستغاثوا من جماعة منهم وافقوا المغل فى أخذ أموال الناس والأذى، وكانوا يدخلون معهم بيوت السعداء والأكابر من أهل دمشق ويأخذون أموال لهم ويعاقبونهم، فرسم الأمراء لوالى المدينة ووالى البرّ أن يحصّلاهم وكانوا قد أخفوا أنفسهم، فأخرجوهم من المواضع التى اختلفوا فيها، فلما أحضروهم أمروا بإشهارهم فكان منهم الشريف القمى، فرسم بتسميره

стр. 1460

وتسمير ابن العوفى، وكانا برددارية (١)، ومنهم ابن خطليجا شنق وكان كاتب خطبه الولاية، وإبراهيم مؤذن بيت لهيا، ومنهم كجكن والحاج مندوه سمّرا، وقطع لسان ابن ظاعن، ثم يده ورجله، وقطع يد الشجاع همام، ثم كحل وتوفى فى ليلته، وقطعت أيدى جماعة وأرجلهم، وكحلت جماعة من المستصنعية بدار الولاية، ومن الحرافيش الذين عرفتهم الدماشقة وكانوا يؤذون الناس مع المغل ويأخذون أموالهم، ثم طلب الأمير سيف الدين أرجواش نائب القلعة وخلع عليه خلعة سنية، ورسم له بعشرة آلاف درهم إنعاما عليه، ثم عادوا طالبين مصر، فوصلوا إليها فى العشرين من شوال، وركب السلطان إلى ملاقاتهم، وصحبته الأمير سيف الدين قفجق [٢٢٤] وبكتمر السلحدار وفارس الدين ألبكى. ذكر ما تجدّد فى الشام من الحوادث: بتاريخ يوم الخميس النصف من شعبان أعيد القاضى بدر الدين بن جماعة إلى قضاء قضاة دمشق مع الخطابة بعد إمام الدين القزوينى، ولبس الخلعة، ولبس معه فى هذا اليوم أمين الدين العجمى خلعة الحسبة. وفى الحادى والعشرين من شعبان: تولى قضاء الحنفية شمس الدين بن الصفى، عوضا عن حسام الدين الرازى الذى فقد يوم المعركة، وباشر تاج الدين ابن الشيرازى نظر الدواوين.

стр. 1461

وفيها: ألزموا الناس بتعليق الأسلحة على الدكاكين، وعملوا لكل سوق مقدّما. وفيها: طلب المقدمون من قيس ويمن، وطلب منهم جميع ما اعتمده العربان من أصحابهم من الفساد وأخذ أموال الأجناد. واتفق نائب طرابلس مع نائب حماة أن يركب كل منهما بعسكره إلى جبل كسروان، ثم رسم بتجهيز عسكر الشام وعسكر صفد أيضا مع هؤلاء، فاجتمعت العساكر وجاءوا إلى جبل كسروان ووجدوا أهله كلهم مستعدين للقتال، وكان هذا الجبل حصينا قويا لا يمكن صعود الفرس إليه إلا بعد مشقة كبيرة مع عدم مانع منه، والراجل أيضا لا يمكن صعوده إلا إذا كان مخفا، وكان أهله من أعظم غلاة الروافض والزنادقة، وحصل لهم فى هذه السنة من الأموال من جهة العسكر لما انهزموا ما لم يحصل لأحد قبلهم، فإنهم كانوا يأخذون الأمير بطلبه عند ما يتوسط الجبل قبضا باليد، ولم يكن أحد يقدر أن يمانع عن نفسه، فإذا تعسر عليهم أحد منهم أرموا عليه حجرا يقتله أو يهشمه، وذكر أنهم كانوا فى هذا الجبل نحو اثنى عشر ألف رجل كلهم يرمون بقسى قوية، ولما نزلت الأمراء عليهم رتبوا أمرهم، وأصبحوا فى الزحف إليهم من كل جانب، ولم يقدروا على الثبات معهم إلى الظهر حتى رجعوا وتأخروا وخرجت من العسكر جماعة كثيرة، فلما عادوا إلى الوطاق استشاروا فيما بينهم، وقالوا القتال معهم صعب، والرجوع عنهم أصعب، ثم اتفقوا أن يكون الأمير سيف الدين أسندمر (١)

стр. 1462

نائب طرابلس بعسكره ومضافيه من ناحية من الجبل، وأن يكون الأمير زين الدين كتبغا نائب حماة ونائب حمص معه من ناحية أخرى، وأن يكون سيف الدين بهادر آص (١)، وكجك من ناحية أخرى، وأن يكون الأمير سيف الدين قطلوبك - الذى كان نائب طرابلس وعزل - من ناحية أخرى، وأن يكون نائب الشام من ناحية أخرى، واتفقوا أن تكون المواظبة على الزحف ستة أيام. وأهل الجبل أيضا قد تعرفوا على نواحى الجبل وجعلوا جانبا من الجبل للنساء والصبيان يرمون الأحجار. ولما ركبوا فى ذلك اليوم وزحفوا ترجل الأمير أسندمر الكرجى، ثم أرسل إلى الأمراء وأخبرهم أنه ترجل وليترجل الأمراء أيضا، فترجلوا كلهم فى ذلك اليوم، وكان أول من صعد قدام العسكر أسندمر المذكور وكان شجاعا مقداما، ولما رأى أهل الجبل هؤلاء قد ترجلوا وقع فى قلوبهم الرعب حتى ذكر عن [٢٢٥] بعضهم أنه قال: كنت أرمى على قوس أربعين رطلا بالدمشقى، وفى هذا اليوم لحقتنى رعدة فى يدى ولم أقدر على الرمى، فأوقع الله فيهم الذلة والرعب وانهزموا، وقتلوا منهم جماعة كثيرة، فلما رأوا ذلك أرموا أسلحتهم وطلبوا الأمان، فكفوا عنهم القتل وأسروا منهم جماعة كثيرة ثم حضرت مشايخ الجبل وأكابرهم والتزموا أن يحضروا جميع ما أخذوه من العسكر ولا يخلون عندهم شيئا يساوى درهما ولا يخفونه، فرضى العسكر بذلك، وأقاموا هناك إلى أن أحضروا جميع ما أخذوه من القماش والسلاح والعدد من السيوف والرماح والقرقلات وغير ذلك، ثم حلفوهم على اعتقادهم أنهم لا يخفون شيئا، وبعد

стр. 1463

ذلك قرروا عليهم مائتى ألف درهم، وأخذوا جماعة من مشايخهم وأكابرهم رهائن وأصحبوهم (١) معهم الى دمشق الى أن يحضروا بالمال الذى قرر عليهم، ثم كتبوا للسلطان والأمراء بذلك. ذكر الحرب الذى وقع بين الملك طقطا وبين نوغيه وأولاده، ومقتل نوغيه (٢): وفيها عزم الملك طقطا بن منكوتمر على حرب نوغيه للأخذ بثأره وإطفاء جمرة ناره. واتفق أن جماعة من أمراء نوغيه الذين كان يعتمد عليهم ويعتمدون عليه فارقوه وانحازوا إلى طقطا، فقويت بهم عزيمته واشتدت بهم شكيمته وهم: ماجى وسدن، واتراج، واقبغا، وطيطا، ومعهم ثلاثون ألف فارس، فعزم على المسير إليهم واتصل بهم أنه هاجم عليهم: وأنه قد جمع لهم من العساكر أعدادا، واستصحب من الجيوش أمدادا، وكان قد صحبته من الخانات ومقدّمى التمانات: مرتد طقطا، ومنجك، وجهركس، وينجى» وصلجوداى؛ ويبلق، وتلك تمر، وأقبغا، وألطنبغا، وقجماز، وإخوة الملك وهم: برلك، وصراى بغا، وتدان، والأمراء الذين انحازوا إليه من عسكر نوغيه: وقد ذكرناهم، وركب نوغيه وأولاده وهم: جكا، وتكا، وطراى وأمراؤه وعسكره وتأهبوا اللقاء.

стр. 1464

فلما صار بين العسكرين مسافة يوم واحد أرسل شخصا يسمى بغا ومعه مائة فارس ليكشفوا له الخبر؛ ويعلموا أين وصل طقطا ومن معه من العسكر، فسار لكشفهم، فلما أشرف عليهم أحاطوا به وقتلوا كل من معه وسلم هو بنفسه ورجع، فأخبر نوغيه بأنهم قد دهموه، فركب نوغيه وأولاده ومن عنده والتقى الجمعان على مكان يسمى كوكان تلك (١) واقتتلوا: فكانت الكسرة على نوغيه وقت المغرب، وانهزمت بنوه وعساكره وتفرقوا، وثبت هو على ظهر فرسه، وقد طعن فى السنّ وتغطت عيناه بشعر حواجبه وعلاه الكبر (٢) وضعفت به (٣) القدرة فوافاه روسىّ من عسكر طقطا فعرفه بنفسه وقال له: لا تقتلنى فأنا نوغيه وأحملنى (٤) إلى طقطا فإن لى به اجتماعا ولى معه حديث. فلم يصغ الروسى إلى مقاله، بل حزّ رأسه لوقته وحاله، وأحضرها إلى الملك طقطا وقال له: هذه رأس نوغيه، فقال له: وما الذى أعلمك أنه نوغيه؟ قال: إنه عرّفنى بنفسه واستوقفنى عن قتله، فلم أصغ إليه وأجهزت عليه، فغضب طقطا لذلك غضبا شديدا [٢٢٦] وأمر بالروسىّ فقتل لكونه تعدى على مثل هذا الرجل الكبير الشأن ولم يحضره إلى السلطان، وقال: إن السياسة توجب قتله حتى لا يعود أحد يفعل مثل (٥) ذلك، وعاد طقطا إلى مقامه وقد ظفر بمناه، وقرّت بنصرته (٦) على أعدائه عيناه.

стр. 1465

وأما أولاد نوغيه ومن سلم من عسكرهم فإنهم استتروا بجنح الليل واختفوا فى غمار عساكر طقطا، وتنادوا بشعارهم ليظنوا أنهم من أصحابهم، وكان شعارهم على ما حكاه من شهد الوقعة معهم: إتل بايق، فسلموا ليلتهم تلك، وساروا مغلّسين وعادوا راجعين، وكان الذى سبى من نسوانهم وذراريهم الخلق الكثير والجمّ الغفير، وبيعوا بالأقطار، وجلبوا إلى الأمصار، واشترى السلطان والأمراء منهم بالديار المصرية جماعة من الطوائف التى جلبها التجار، ودخلوا فى دين الإسلام بالرغبة، وأقاموا الصلاة باجتهاد ومحبة، وصاروا من أنصار الملة وأعوان الأمة (١). ذكر الخلف الواقع بين ولدى نوغيه وهما جكا وتكا (٢): وذلك أنهما لما عادا إلى مقامهما من الهزيمة، ورجع إليهما فلّ عسكرهما الذين سلموا من القتل والغنيمة، استقر جكا فى تقدمة أبيه وأستأثر بها دون أخيه، فأوغر صدره وغير ضميره، وأراد مفارقته واللحاق بطقطا هو وجماعته، ولله درّ القائل فى مثل ذلك: إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته … على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السيف من أن تضيمه … إذا لم يكن عن شفرة السيف مرحل واتصل بأخيه نفاره منه، وما أزمع عليه من الخروج عنه، فخشى غائلة ذلك، فجهز قوما - فى الباطن - إليه، فقصدوه ليلة من الليالى وهو راقد

стр. 1466

فى خركاته خلى البال، فأحاطوا بالخركاة من كل الجهات، وطعنوه بالرماح وهو فى الداخل (١) حتى ظنوا أنه مات، وتركوه وعادوا، وبه رمق الحياة، فثارت الضجة فى خيامه، وقام الصراخ بين أهله وألزامه، وسارعوا بإعلام أخيه إلى مصرعه (٢)، فبادر إلى نحوه سائلا عن أمره، وموهما أنه لم يشعر بقاصدى غدره، ودخل إليه فى صورة الزائر، [وأظهر له أنه متألم الخاطر (٣)]، وأخذ يسأله (٤) عن القوم الذين أتوه، ويستخبره هل عرفهم حين طعنوه؟ فقال له أخوه إن الذى قتلنى لن تطول مدته بعدى، وسيفقد عقيب فقدى، وإنك لتعرفه أكثر منى، وهو الذى جاءنى ليسأل عنى، فعلم أخوه أنه إليه يشير وله نسب تلك الحيلة والتدبير، فخرج من عنده ودسّ إليه من تمم قتله جهرا، فلما (٥) شاع ذلك بين عساكره وقومه أنكروه على أخيه (٦)، وتغيرت قلوبهم، وتشوشت خواطرهم، وفارقه كثير منهم (٧). وفيها: اشتهر فى آخر السنة قتل جماعة من المسلمين ممن أسروهم من المغل، وكان قتلهم سرا فى ديار بكر.

стр. 1467

وقال علاء الدين [على بن مظفر (١)] الوداعى: ما لبست الصوف من عبث … ولا الخلقات (٢) مجانا إنه زىّ لمن هو من … فقراء الشيخ غازانا وقال أيضا: أما دمشق فأهلها قد أصبحوا … بكرية جعلوا التستّر (٣) مذهبا [٢٢٧] سرّا وجهرا أنفقوا أموالهم … حتى تحلل كل شخص بالعبا وقال أيضا: شيخ غازان ما خلا … أحد من تجرده وغدا الكل لابسى … خرقة الفقر من يده وفيها: حج بالناس الأمير « ..... » (٤).

стр. 1468

ذكر من توفى فيه من الأعيان قاضى القضاة حسام الدين أبو الفضائل الحسن (١) بن قاضى القضاة تاج الدين أبى المفاخر أحمد بن الحسن بن أنو شروان الرازى الحنفى. ولى قضاء ملطية مدة عشرين سنة، ثم قدم من الروم مع الملك الظاهر سنة خمس وسبعين وستمائة إلى دمشق، فتولى القضاء بها مدة (٢)، ثم انتقل إلى مصر مدة، وتولى ابنه جلال الدين (٣) بالشام، ثم سار (٤) إلى الشام، فعاد إلى الحكم بدمشق، ثم لما خرج مع الجيش إلى لقاء غازان بوادى الخزندار عند سلمية، ففقد بين الصفوف، ولم يدر ما خبره وقد قارب السبعين. وقيل: إن مولده سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكان من سادات العلماء الأكابر الرؤساء النبلاء، محبوبا إلى جميع الناس، ولم يخيّب قصد من قصده، ويستقلّ الكثير فى حق من سأله، ورزق سعادة فى ولايته بالشام ومصر والروم، ولم يزل متقدما عند الملوك.

стр. 1469

وكان له نظم حسن، وكان مولده باقسراى (١) من بلاد الروم فى المحرم من السنة التى ذكرناها، وكان فقده (٢) يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول منها، وهو يوم الواقعة، وولى قضاء الحنفية بعده شمس الدين (٣) بن الحريرى. ويقال إن الجبلية أسروه وباعوه للفرنج، ولما وصل إلى قبرس جعل نفسه طبيبا، وكان صاحب قبرس مريضا فداواه فتعافى، وكان قد وعد له أنه إذا تعافى يطلقه ويبعثه إلى بلاد المسلمين، فلما تعافى الملك مرض حسام الدين مرض الإسهال فأقام أياما قلائل ومات إلى رحمة الله تعالى. قاضى القضاة الإمام العالم إمام الدين أبو المعالى عمر (٤) بن القاضى سعد الدين أبى القاسم عبد الرحمن بن الشيخ إمام الدين أبى حفص عمر بن أحمد بن محمد القزوينى الشافعى. قدم هو وأخوه جلال الدين (٥) فقررا فى تداريس، ثم انتزع إمام الدين قضاء

стр. 1470

القضاة بدمشق من يد بدر الدين بن جماعة (١)، كما تقدم فى السنة السابعة والتسعين (٢)، وناب أخوه عنه، وكان جميل الأخلاق كثير الإحسان قليل الأذى، ولما أزف قدوم التتر سافر إلى مصر، فلما وصلها لم يقم بها سوى أسبوع وتوفى، ودفن بالقرب من قبة الشافعى ﵁ عن ست وأربعين سنة، وعاد المنصب إلى ابن جماعة المذكور مضافا إلى الخطابة كما كان، ودرّس أخوه بعده بالأمينية (٣). قلت: وكانت وفاته يوم الثلاثاء الخامس عشر من ربيع الآخر، وحضر جنازته خلق كثير وترحموا عليه لغربته، ومولده فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة. المسند الرحله المعمّر شرف الدين أبو الفضل أحمد (٤) بن هبة الله بن أحمد ابن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الدمشقى. ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع الكثير وروى، وكانت وفاته فى الخامس والعشرين من جمادى الأولى منها عن خمس وثمانين سنة.

стр. 1471

الخطيب الإمام العالم الرئيس موفق الدين أبو المعالى محمد (١) بن محمد بن الفضل البهرانى (٢) [٢٢٨] القضاعى الحموى، خطيبها (٣)، ثم خطب بدمشق عوضا عن الفاروثى (٤)، ودرس بالغزالية (٥)، ثم عزل بابن جماعة وعاد إلى بلده، وقدم دمشق عام قازان، فمات بها فيها. الصدر شمس الدين محمد (٦) بن سلمان بن حمايل بن على المقدسى المعروف بابن غانم. كان من أعيان الناس وأكثرهم مروءة، ودرس بالعصرونية (٧) وجاوز الثمانين، وكان من الكتاب المشاهير المشكورين، وهو والد الصدر علاء الدين (٨) بن غانم.

стр. 1472

ومولده بالقدس الشريف سنة خمس عشرة وستمائة، ومات فى السادس عشر من شعبان، وكان قد حج هو ووالده فمات والده بمكة شرفها الله ودفن بالزاهر، وكان حجازى الأصل، وإنما مولده ببغداد بمحلة الجعافرة، وكان جعفريا، وكان من الأجواد الكرام، ﵀. الشيخ جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم (١) بن عمر بن عثمان الموصلى البآجر بقى (٢) الشافعى. أقام مدة بالموصل يشغل ويفتى، ثم قدم دمشق وأقام بها مدة كذلك، ودرس بالفتحية (٣) والدولعية (٤)، وناب فى الخطابة، ودرس بالغزالية نيابة عن الشمس الأيكى (٥)، وكان قليل الكلام، مجموعا عن الناس، وهو والد الشمس محمد (٦) المنسوب

стр. 1473

إلى الزندقة والإنحلال، وله أتباع ينسبون إلى ما ينسب إليه، ويعكفون على ما كان يعكف عليه. وقد حدث جمال الدين المذكور بجامع الأصول عن بعض أصحاب مصنف ابن الأثير، وله نظم ونثر حسن، ومات بالمدرسة الفتحية بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير. القاضى عماد الدين إسماعيل (١) بن تاج الدين بن الأثير الحلبى، كاتب السر بمصر. عدم فى وقعة قازان فى هذه السنة. القاضى علاء الدين أحمد (٢) بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بدر العلامى المعروف بابن بنت الأعزّ.

стр. 1474

كان فصيح العبارة، جميل الصورة، لطيف المزاج، فيه مكارم أخلاق وإحسان، تولى الحسبة بالقاهرة والأحباس، ودرس بالمدرسة الكهارية (١) والقطبية (٢)، وحج ودخل اليمن، وقدم دمشق متوليا نظر ديوان الأمير حسام الدين طرنطاى الخزندار المنصورى، ودرس بالظاهرية (٣)، والقيمرية (٤)، ولما تولى علم الدين الشجاعى نيابة السلطنة بدمشق باشر عنده مدة يسيرة، ثم أنه طلب منه دستورا للسفر إلى مصر خوفا منه، فأذن له فسافر، وأقام بالقاهرة إلى أن مات فى ربيع الآخر منها. وله نظم حسن، فمن ذلك قوله: إن أومض البرق فى ليل بذى سلم … فإنه ثغر سلمى لاح فى الظلم وإن سرت نسمة فى الكون عابقة … فانها نسمة من ربّة الخيم تنام عين التى اهوى وما علمت … بأن عينىّ طول الليل لم تنم إذا هدى الليل يطوينى وينشرنى … شوق أبيت به فى غاية الألم

стр. 1475

وترسل الدمع أجفانى محاكية … لفيض وبل من الوسمىّ منسجم لله عيش مضى فى سفح كاظمة … قد مرّ حلوا مرور الطيف فى الحلم أيام لا نكد فيها نشاهده … ولّت بغير الرضى منى ولم تدم (١) وحكى الشيخ (٢) أثير الدين (٣) أبو حيان قال: استدعانى القاضى علاء الدين بن بنت الأعزّ [٢٢٩] يوما لمأدبة صنعها لنا بالروضة تجاه مصر، وهو مكان يحفه الماء من جميع جوانبه، وحضر معنا القاضى فخر الدين بن صدر الدين الماردانى (٤)، فرأينا شابا مليحا يسبح، ثم يخرج من الماء فيتلطخ بالتراب. فقال لنا القاضى علاء الدين: لينظم كل منا فى هذا الشاب شيئا، فقام كل منا إلى ناحية وانفرد، فنظمنا نظما قريب الاتفاق، ولم يطلع أحد منا على ما نظم رفيقه، فكان الذى نظمه القاضى علاء الدين: ومترب لولا التراب بجسمه … لم تبصر الأبصار منه منظرا فكأنه بدر عليه سحابة … والترب ليل من سناه أقمرا (٥)
следующие страницы →