الخطيب الإمام العالم الرئيس موفق الدين أبو المعالى محمد (١) بن محمد بن الفضل البهرانى (٢) [٢٢٨] القضاعى الحموى، خطيبها (٣)، ثم خطب بدمشق عوضا عن الفاروثى (٤)، ودرس بالغزالية (٥)، ثم عزل بابن جماعة وعاد إلى بلده، وقدم دمشق عام قازان، فمات بها فيها.
الصدر شمس الدين محمد (٦) بن سلمان بن حمايل بن على المقدسى المعروف بابن غانم.
كان من أعيان الناس وأكثرهم مروءة، ودرس بالعصرونية (٧) وجاوز الثمانين، وكان من الكتاب المشاهير المشكورين، وهو والد الصدر علاء الدين (٨) بن غانم.
стр. 1472
ومولده بالقدس الشريف سنة خمس عشرة وستمائة، ومات فى السادس عشر من شعبان، وكان قد حج هو ووالده فمات والده بمكة شرفها الله ودفن بالزاهر، وكان حجازى الأصل، وإنما مولده ببغداد بمحلة الجعافرة، وكان جعفريا، وكان من الأجواد الكرام، ﵀.
الشيخ جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم (١) بن عمر بن عثمان الموصلى البآجر بقى (٢) الشافعى.
أقام مدة بالموصل يشغل ويفتى، ثم قدم دمشق وأقام بها مدة كذلك، ودرس بالفتحية (٣) والدولعية (٤)، وناب فى الخطابة، ودرس بالغزالية نيابة عن الشمس الأيكى (٥)، وكان قليل الكلام، مجموعا عن الناس، وهو والد الشمس محمد (٦) المنسوب
стр. 1473
إلى الزندقة والإنحلال، وله أتباع ينسبون إلى ما ينسب إليه، ويعكفون على ما كان يعكف عليه.
وقد حدث جمال الدين المذكور بجامع الأصول عن بعض أصحاب مصنف ابن الأثير، وله نظم ونثر حسن، ومات بالمدرسة الفتحية بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير.
القاضى عماد الدين إسماعيل (١) بن تاج الدين بن الأثير الحلبى، كاتب السر بمصر.
عدم فى وقعة قازان فى هذه السنة.
القاضى علاء الدين أحمد (٢) بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بدر العلامى المعروف بابن بنت الأعزّ.
стр. 1474
كان فصيح العبارة، جميل الصورة، لطيف المزاج، فيه مكارم أخلاق وإحسان، تولى الحسبة بالقاهرة والأحباس، ودرس بالمدرسة الكهارية (١) والقطبية (٢)، وحج ودخل اليمن، وقدم دمشق متوليا نظر ديوان الأمير حسام الدين طرنطاى الخزندار المنصورى، ودرس بالظاهرية (٣)، والقيمرية (٤)، ولما تولى علم الدين الشجاعى نيابة السلطنة بدمشق باشر عنده مدة يسيرة، ثم أنه طلب منه دستورا للسفر إلى مصر خوفا منه، فأذن له فسافر، وأقام بالقاهرة إلى أن مات فى ربيع الآخر منها.
وله نظم حسن، فمن ذلك قوله:
إن أومض البرق فى ليل بذى سلم … فإنه ثغر سلمى لاح فى الظلم
وإن سرت نسمة فى الكون عابقة … فانها نسمة من ربّة الخيم
تنام عين التى اهوى وما علمت … بأن عينىّ طول الليل لم تنم
إذا هدى الليل يطوينى وينشرنى … شوق أبيت به فى غاية الألم
стр. 1475
وترسل الدمع أجفانى محاكية … لفيض وبل من الوسمىّ منسجم
لله عيش مضى فى سفح كاظمة … قد مرّ حلوا مرور الطيف فى الحلم
أيام لا نكد فيها نشاهده … ولّت بغير الرضى منى ولم تدم (١)
وحكى الشيخ (٢) أثير الدين (٣) أبو حيان قال: استدعانى القاضى علاء الدين بن بنت الأعزّ [٢٢٩] يوما لمأدبة صنعها لنا بالروضة تجاه مصر، وهو مكان يحفه الماء من جميع جوانبه، وحضر معنا القاضى فخر الدين بن صدر الدين الماردانى (٤)، فرأينا شابا مليحا يسبح، ثم يخرج من الماء فيتلطخ بالتراب. فقال لنا القاضى علاء الدين: لينظم كل منا فى هذا الشاب شيئا، فقام كل منا إلى ناحية وانفرد، فنظمنا نظما قريب الاتفاق، ولم يطلع أحد منا على ما نظم رفيقه، فكان الذى نظمه القاضى علاء الدين:
ومترب لولا التراب بجسمه … لم تبصر الأبصار منه منظرا
فكأنه بدر عليه سحابة … والترب ليل من سناه أقمرا (٥)
стр. 1476
والذى نظمه القاضى فخر الدين:
ومترّب تربت يدا من حازه … كقضيب تبر ضمخوه بعنبر
وكأن طرته ونور جبينه … ليل أطلّ على صباح أنور
والذى نظمه الشيخ أثير الدين ﵀:
ومترّب قد ظن أن جماله … سيصونه منّا بترب أعفر
فغدا يضمخه فزاد ملاحة … أو قد حوى ليلا بصبح أنور
وكأنما الجسم الصقيل وتربه … كافورة لطخت بمسك أذفر (١)
وقال الشيخ أثير الدين: وحضرنا معه مرة أخرى بالروضة، ومعنا شهاب الدين العزازى، فأنشدنا لنفسه (٢):
تعطلت فابيضت دواتى لحزنها … ومذ قلّ مالى قلّ منها مدادها
وللناس مسودّ الثياب حدادهم … ولكن مبيضّ الدواة حدادها (٣)
ولعلاء الدين دو بيت:
للسمر (٤) … معان لا ترى فى البيض
تالله لقد نصحت فى تحريضى (٥)
стр. 1477
ما الشهد إذا طعمته (١) … كاللبن
يكفى فطنا محاسن التعريض
وله:
وقالوا بالعذار تسلّ عنه … وما أنا عن غزال الحسن سال
وإن أبدت لنا خدّاه مسكا … فانّ المسك بعض دم الغزال (٢)
وله فى دمشق:
إنى أدلّ على دمشق وطيبها … من حسن وصفى بالدليل القاطع
جمعت جميع محاسن فى غيرها … والفرق بينهما بنفس الجامع
وقال فى حماة:
حماة غزالة البلدان أضحت لها … من نهرها العاصى عيون
وقلعتها لها جيد بديع … ومن سود التلول لها قرون
مات علاء الدين فى هذه السنة بالقاهرة كما ذكرناه.
الشيخ الإمام الحافظ الزاهد البارع الورع بقية السلف شهاب الدين أبو العباس أحمد (٣) بن فرج بن أحمد بن محمد اللخمى الإشبيلى.
стр. 1478
مات داخل دمشق [بسكنه] (١) بتربة أم الصالح (٢)، وصلّى عليه فى الجامع، ودفن بمقابر الصوفية.
وله نظم حسن، فمن ذلك قوله (٣):
غرامى صحيح والرّجا فيك معضل … وحزنى ودمعى مرسل ومسلسل
وصبرى عنكم يشهد القلب أنه … ضعيف ومتروك وذلّى أجمل
[٢٣٠]
ولا حسن إلاّ سماع حديثكم … مشافهة تملى علىّ فأنقل
وأمرى موقوف عليك وليس لى … على أحد إلاّ عليك معوّل
ولو كان مرفوعا إليك لكنت لى … على رغم عذّالى ترقّ وتعدل
وعذل عذول منكر لا أسيغه … وزور وتدليس يردّ ويهمل
أقضّى زمانى فيك متّصل الأسى … ومنقطعا عما به أتوصّل
وها أنا فى أكفان هجرك مدرج … يكلّفنى مالا أطيق فأحمل
وأجريت دمعى بالدماء مدبجا … وما هى إلا مهجتى تتحلّل
فمتفق جفنى وسهدى وعبرتى … ومفترق صبرى وقلبى مبلبل
стр. 1479
ومؤتلف وجدى وشجوى ولوعتى … ومختلف حظى وما منك آمل
خذ الوجد عنى مرسلا ومعنعنا … فغيرى لموضوع الهوى يتحيل
غريب يقاسى البعد عنك وماله … وحقك من دار الفنى متحول
فرفقا بمقطوع الوسائل ماله … إليك سبيل لا ولا عنك معدل
فلا زلت فى عزّ منيع ورفعة … ولا زلت تعلو بالتحنى فأعزل
أروى بسعدى والرباب وزينب … وأنت الذى تعنى وأنت المؤمل
فخذ أوّلا من آخر ثم أولا من … النصف منه فهو فيه مكمّل
أبرّ إذا أقسمت إنى بحبّه … أهيم وقلبى بالصباية يشعل
مولده فى سنة خمس وعشرين وستمائة، وسمع الكثير، توفى فى التاسع من جمادى الأولى منها.
الشيخ الإمام العالم المفتى شمس الدين محمد (١) بن الشيخ فخر الدين عبد الرحمن ابن يوسف البعلبكى الحنبلى.
كان من فضلاء الحنابلة فى الفقه والأصول والنحو والحديث والأدب، درس وأعاد وأفتى، وأفاد وروى عن ابن عبد الدايم، وشيخ الشيوخ الحموى، وخطيب مردا، واليونينى، وغيرهم، مات فى تاسع رمضان، ودفن بمقابر باب توما.
стр. 1480
وله نظم حسن فمنه قوله:
الحسن أجمع جرء من محيّا … ريم تبارك من بالحسن حلاّه
حلو اللمى غنج فى طرفه دعج … كأنما كحلت بالسحر عيناه
مهفهف خنث الإعطاف ريقته … من الرحيق ومن در ثناياه
داجى الغداير لا يحنو على دنف … تذرى الدموع على خديه عيناه
الغصن قامته والمسك نكهته … والورد والندّخداه وريّاه
بدر بدا وظلام الشعر غيهبه … ظبى غدا وفؤاد الصبّ مرعاه
نهى رقادى فتور فى لواحظه … والخصر للجسم بالأسقام أعلاه
[٢٣١]
إن لم أنل منه وصلا حبذا شرف … بمهجتى إن غدت من بعض قتلاه
لله كم من صبابات حوت كبدى … ومن غرام بقلبى ظلّ مثواه
جار الحبيب على قلبى بجفوته … ولست أنسى طوال الدهر ذكراه
وشى الوشاة بأنى قد كلفت به … وكيف لا وفؤادى بعض أسراه
بالروح أفديه من ظبى تملّكنى … شفاء داء بقلبى قبلتى فاه
رمى فؤادى بسهم من لواحظه … عمدا فلم يحظ ذاك السهم مرماه
أمات قلبى بالهجران منه ولو … أراد بالوصل بعد الموت أحياه
نهى العواذل عن حبىّ له سفها … ولو رأوا حسنه يوما لما فاهو
يا سائلى ما اسم من أهوى لتعرفه … اجمع أوائل أبياتى لتلقاه
стр. 1481
قلت: اسمه أحمد بن الجوبرانى، كان صاحب جمال عظيم متفق على حسنه عند أهل دمشق، وكان محبوب الشيخ، وكل من فى دمشق من قضلاء عصره نظموا فيه، وتفاخروا بعشقه، وعند طلوع وقته عشقته زوجة الحميدى والى نوى - وكانت قرابته - وتزوجت به، وأعطت له ما لا كثيرا، فبقى معها قليلا ومات، وماتت بعده.
ومن نظم شمس الدين المذكور دو بيت:
أصبحت بسحر المقلة الكحلا … صبّا دنفا مقلقل الاحشاء
ما يطفئ نارا أضرمت فى كبدى … إلاّ لثمى للشفة اللعساء
وقال شمس الدين المذكور أنشدنى بدر الدين الصائغ لنقسه:
لى فى القدود وفى لثم الخدود … وفى ضم النهود لبانات وأوطار
فإن توافق فذاك السؤل يا أملى … وإلا فدعنى وما أهوى وأختار
وقال شمس الدين فعملت فى المعنى:
لى فى النحور وفى رشف الثغور … وفى ضمّ الخصور غرام ينقرض
فإن توافق فذاك السؤل يا أملى … وإلاّ فلاتك ممّن راح يعترض
قال: وأنشدت للشيخ عز الدين البابصرى خازن كتب الخانقاة الشميصاطيّة:
فى صدرها كوكبا نور كانهما … ركنان لم يدنيا من لمس مستلم
صانتها فى ستور من غلائلها … فنحن فى الحل والركنان فى الحرم
стр. 1482
وقال فأنشدنى لنفسه:
أهوى الغزال الذى قد نمّ عارضه … كانّه عنبر من فوق كافور
ولا أحبّ فتاة الحىّ قط … ولو كانت من الآنسات الخرد الحور
ولشمس الدين أيضا:
عرانى الهوى الممدود من بعد ما هوى … بجسمى الهوى المقصور حتّى أذابه
وبعضهما أعيى الأنام علاجه … فكيف بمن هذا وذا قد أصابه
وقال أيضا:
أأحبابنا إن رمتم فى مسيركم … مياها ترويكم فها فيض أدمعى
[٢٣٢]:
وإن شئتم نارا تأجّج وقدها … فما قدّ آثار البين ما بين أضلعى
وله دو بيت:
ما أصرف عن جنابكم آمالى … عمدا ؤارى التخفيف من أثقالى
إلا وتردّى إليكم طمعى … فى وصلكم وعلمكم بالحال
الشيخ الفاضل الأصيل شمس الدين أحمد (١) بن شرف الدين مفضل بن عيسى ابن إبراهيم بن مطروح، الكاتب الضرير، وهو ابن أخى الصاحب جمال الدين (٢) ابن مطروح.
стр. 1483
توفى بدمشق، ودفن بمقابر باب توما، كان كاتبا جيدا، وأضرّ فى آخر عمره، وكان شاعرا فاضلا، فمن شعره:
رويد الهوى كم ذا يراق (١) … دمى عمدا
ويغنى وجودى فى أهيل الحمى وجدا
ولى بالكثيب الفرد أنّه وامق (٢) … تذيب الحديد الصلب والحجر الصلدا
وكم وقفة لى بالغوير ورامة … أبثّ غراما جاوز الوصف والحدّا
وها جلدى عن حمل ما أنا واجد … وجار الهوى ظلما وكم نالنى جهدا
ألا فى سبيل الحبّ مهجة مغرم … قضى نحبه شوقا وما بلغ القصدا (٣)
الشيخ الإمام بهاء الدين أيوب (٤) بن أبى بكر بن إبراهيم بن النحاس، الحنفى الحلبى.
مات بدمشق فى شوال، ودفن بمقابر الصوفية، روى عن جماعة من البغداديين وغيرهم، وكان مدرسا بالمدرسة القليجية مدة طويلة، ومولده فى سنة سبع عشرة وستمائة.
الشيخ الإمام العالم العلامة بهاء الدين محمد (٥) بن يوسف بن محمد البرزالى.
стр. 1484
مات بدمشق ودفن بمقابر الباب الشرقى إلى جانب قبر والده بالقرب من أبىّ بن كعب رضى الله عنه، وهو والد الشيخ علم الدين البرزالى (١)، وكانت له إجازات من بغداد وديار مصر والشام، وكان من أكثر الناس مروءة وديانة وصيانة، وكان عفيفا نزها، ولم يكتب فى مكتوب فيه ريبة أو منازعة.
الشيخ الإمام العالم الفاضل جمال الدين عمر (٢) بن إبراهيم بن الحسين بن سلامة العقيمى الرسعنى.
مات بدمشق ودفن بسفح قاسيون، ومولده برأس العين سنة ست وستمائة، وكان فاضلا جيد الشعر، حسن النثر، جمع مقامات كثيرة فى فنون شتّى.
ومن نظمه قوله:
يا سائرا نحو الأثيل مبكرا … عرج على أكناف (٣) جلّق مسحرا
واحبس بوادى النيريين وبانه … يستحل أنفاس النسيم معطرا
والمح قلائد زهرها منظومة … والكلّ ينثر من نداه جوهرا
واجنح إلى الروض الأريض لتس … تمع لحن الغريض عن الهزار محرّرا
حرم إذا اعتلّ النسيم بأرضه … عبثت نعائمه بمسك أذفرا
ما ناوحت ريح الشمال رياضه … إلا حسبناها الشمول المسكرا
أو صافحت ريح الجنوب جنابه … إلا وجدنا كل ترب عنبرا
стр. 1485
وقال:
سقى الله أكناف الجزيرة ريّها … وحقّ لأرض تنبت الود أن تسقى
أناس متى استمسكت من حبل ودّهم … بأيسره استمسكت بالعروة الوثقى
[٢٣٣] وقال:
يا صبر لا تفعل فصبرك أجمل … ودع العذول بناره يتململ
ضنّوا وما أنا بالضنين على هوى … أنت الأخيريه وأنت الأوّل
وكلت طرفى بالسهاد وبالسهى … فإلى خيالك والكرا أتوسّل
فعلام طرفك طارق فى فترة … تدعو القلوب له وصدعك مرسل
وإلام تهجر مغرما هجر الكرى … حتى لقد جارت عليه العدّل
واعجب لعذرى فى عذارك إنّنى … أدعى به المجنون وهو مسلسل
وقال:
شبّهت بدرّ سمائها لما بدت … منه الثريّا فى قبض سندس
ملكا مهيبا قاعدا فى روضة … حيّاه بعض الزائرين بنرجس
وقال:
أغصن النقا ابن القدود الموايس … وابن الظبا النافرات الأوانس
لقد درست أطلالهنّ وهل ترى … يهيج الشجى إلا الطلول الدّوارس
وعندى دواعى جمّة لفراقهم … على أنّنى من ذلك الوصل آيس
مهاة كناس فارقته فمالها … شبيه سوى ما مثلته الكنائس
стр. 1486
فجفنى على آثارهم مطلق دمى … ودمعى وقلبى للصّبابة حائس
أبى بيننا إلاّ جماحا وقسوة … تذوب لملقاها نفوس نفائس
بهاء الدين يوسف بن الشيخ تاج الدين موسى بن محمد بن مسعود المراغى، عرف بابن الحيوان.
مات بالمارستان النورى، ودفن عند والده بمقبرة باب الصغير، وكان شابا صالحا ذكيا، فاضلا، له اشتغال بالعلوم وله شعر فمنه قوله:
أناشدكم بالله ألاّ وقفتم … ليقضى أوطارا من الوصل مغرم
أخو صبوة ما زال يكتم حبّه … فأظهر قانى الدمع ما كان يكتم
يقولون لى ما العشق والوجد … والأسى وما البعد حتى يشتكيه المتيّم
فوا حسرتا واطول حزنى ولوعتى … يهوّن أمر الحبّ من ليس يعلم
الشيخ الصالح الواعظ سيدى أبو محمد عبد الله (١) بن محمد المرجانى، شيخ المغرب وواعظه بتونس.
كان عالما متفنّنا مذكرا، حلو العبارة، كبير القدر، له شهرة فى الآفاق، قدم الإسكندرية ومصر ووعظ بهما، وكان عارفا بالحديث، وله قدم فى التصوف، وكان ربما فسّر فى الآية الواحدة ثلاثة أشهر، مات فى هذه السنة وخلّف كتبا كثيرة، وعدة أولاد، ﵀.
стр. 1487
الشيخ الإمام البارع العلامة نجم الدين أحمد (١) بن محسّن بن ملىّ الأنصارى البعلبكى، الشافعى الأصولى المتكلم.
مولده سنة سبع عشرة وستمائة ببعلبك، سمع من البهاء عبد الرحمن (٢) وابن الزبيدى وابن رواحة، واشتغل بدمشق، وأخذ العربية عن ابن الحاجب، والفقه عن ابن عبد السلام، والحديث عن زكى الدين المنذرى، والأصول عن جماعة، وقرأ القانون وكتبا كثيرة فى الطب، والأصول، واشتغل على عز الدين بن مقبل فى مذهب الشيعة، ودرس، وأفتى، وناظر، وتخرج به جماعة، وكان متبحرا فى علوم كثيرة، [٢٣٤] فصيح العبارة، ذكيا متيقظا، مقداما شجاعا، إماما فى مذهب الشيعة، يقتدى به، مات فيها بقرية نجعون من جبل الظنين (٣).
الشيخ الإمام العالم مفتى المسلمين شمس الدين محمد (٤) بن الشيخ الإمام العلامة شيخ المذاهب قاضى القضاة صدر الدين سليمان بن أبى العزّ بن وهيب الحنفى.
стр. 1488
كان فقيها كبيرا فى مذهبه، أفتى مدة أربعة وثلاثين سنة، ودرّس بالعذراوية (١)، والخاتونية البرانية (٢)، والنورية، وكان لا يتردد إلى أحد ولا يخالط الناس، مات فى النورية فى السادس عشر من ذى الحجة، ناب فى القضاء عن والده، وكان من خيار الناس.
الشيخ العارف سعد الدين محمد (٣) بن أحمد الكاشانى الفرغانى، شيخ خانقاة الطاحون (٤).
مات فى السابع عشر من ذى الحجة منها، ودفن فى مقابر الصوفية، وكان شيخا فاضلا عارفا بكلام الشيخ محيى الدين بن العربى، وشرح قصيدة ابن الفارض.
الشيخ الإمام العارف بدر الدين الحسن (٥) بن الإمام أبى الحسن على بن أمير المؤمنين أبى الحجاج يوسف بن هود المرسى.
стр. 1489
توفى عشية الإثنين السادس والعشرين من شعبان منها بدمشق، ودفن بقاسيون، ومولده سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمرسية (١)، وكان والده متوليها نيابة عن أخيه أمير المؤمنين المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود صاحب الأندلس (٢).
وكان يلبس الصوف، وعلى رأسه قبع صوف عسلى، وترك بلاده وهاجر إلى دمشق، وأقام بالخانقاه الشميصاتية وبالأندلسية وبخانقاة الطاحون.
وقال الذهبى: كان ابن هود قد حصل له زهد وفراغ عن الدنيا وسكرة عن ذاته، وغفلة عن نفسه، فسافر وترك الحشمة، وصحب ابن سبعين واشتغل عليه بعلوم الأوائل، وحج وقدم اليمن، ثم رحل إلى الشام، وكان فيه انقباض عن الناس، حمل مرة إلى والى البلد وهو سكران، أخذوه من حارة اليهود خبثا منهما ليقصوا منه بذلك، وكان أسلم على يده جماعة، وكان يمشى فى الجامع باهت الطرف، ذاهل العقل، وهو رافع أصبعه السبابة كالمتشهد.
ومن شعره:
فؤادى من محبوب قلبى لا يخلو … وسرّى على فكرى محاسنه يجلو
ألا يا حبيب القلب يا من بذكره … على ظاهرى من باطنى شاهد عدل
تجليت لى منى علىّ فأصبحت … صفاتى تنادى: ما لمحبوبنا مثل
стр. 1490
أورّى بذكر الجزع عنه وبانة … فلا البان (١) مطلوبى ولا قصدى الوبل (٢)
وأذكر سعدى فى حديثى مغالطا … بليلى ولا ليلى مرادى ولا جمل
ولم أر فى العشاق مثلى لأننى … تلذّ لى البلوى ويحلو لى العذل
مجانين إلا أنّ ذلّ جنونهم … عزيز على أبوابهم (٣) يسجد العقل
ومن شعره:
خضت الدجنة حتى لاح لى قبس … وبان بان الحمى من ذلك القبس
فقلت للقلب (٤) … هذا الربع ربعهم
وقلت للسمع لا تخلو من الحرس
وقلت للعين غضّى عن محاسنه … وقلت للمنطق هذا موضع الخرس
[٢٣٥] وله موشحه يصف دمشق:
أشاقك البرق سارى … أم راعك الطيف زائر
فما لدمعك جارى … وما لقلبك طائر
لا ذا ولا ذاك ذكرا … منى أثارت شجونا
أيام شربى يرعى … روض الأمانى أمينا
معنى به كل معنا … يفيد دنيا ودينا
فمن خليع عذارى … له من الحسن عاذر
стр. 1491
ومن حليف وقار … ذاكى الفؤاد وذاكر
حيّاك ربع الأحبّة … دمع الحيا المستهل
وأطلع السعد شهبه … بأفقك المستعل
وعرّس النجح ركبه … ما بين ماء وظل
لذى قرى وقرار … بمزهر وزاهر
عذب الجنا والنجار … سامى العلا والمفاخر
اشبهت جنة عدن … دمشق حسنا وطيبا
أبديت من كلّ فنّ … للحسن معنى غريبا
لا زلت منزل آمن … رحب الفضا خصيبا
بكل حامى الديار … وكامل الفضل وافر
طويل باع الفخار … بسيط كف المآثر
هل عائد لى عهد … بروضة النّيرين
انى وقد دان بعد … ما بين ذاك وبينى
لله ودق ووقد … بأضلعى وبعينى
فكم أجنّ بجارى … وحاكم البين جائر
وكم أوارى أوار … والدمع لى متواتر
الصبر دونك عجز … لا تحسبيه اختيارا
والذلّ عندك عزّ … ما آن أراه صغارا
стр. 1492
ترنّم الطير غمز … به إليك أشارا
معناه أنت اختيارى … واننى جد خابر
عليك يا خير دار … قطب السعادة دائر
عماد الدين يوسف (١) بن أبى نصر بن أبى الفرج الشقارى.
كان زمن الظاهر أمير الركب، وكان له حجّات كثيرة، ومولده سنة عشر وستمائة، مات فى هذه السنة، ودفن بالنيرب بتربته جوار الجامع.
الأمير جمال الدين أقوش (٢) المطروحى، وسيف الدين كرد، والأمير ركن الدين الجمالى، نائب غزّة، عدموا فى وقعه قازان فى هذه السنة.
الزين خضر بن دانيال الأنطاكى الزرّادى الضرير المقرئ.
كان عارفا بعلم النجم والرمل، وكان يخيط ويدخل الخيط فى خرت الابرة، وكانت خياطته فى غاية الجودة، ويوصل الأوصال ويرقع ما يفصّله فى مواضعه ترقيعا حسنا، وكان آية من آيات الله، وأصله من مسيحى أنطاكية وقع فى قسم الأمير عز الدين الزرّاد نائب قلعة دمشق فربّاه وأقرأه القرآن، فحفظ الكتاب العزيز وتلا بالسبع على المشايخ، مات بدمشق فى الثامن من شعبان منها، ودفن بمقابر باب الصغير.
الأمير عماد الدين حسن (٣) بن على بن محمد بن النشابى الحلبى.
стр. 1493
مات [٢٣٦] بالبقاع من أعمال بعلبك. ودفن بقاسيون بتربته، وكان قد ولى ولايات بالبرّ، ثم نقل إلى ولاية المدينة، ثم ولاية البرّ، ثم جعل أمير طبلخاناة، فمكث قليلا ومات، وكان مشكورا فى ولايته، وعنده شهامة ونهضة وكفاية.
الأمير الكبير العالم المحدث أبو موسى سنجر (١) الدوادارى التركى البرنلى.
مولده فى سنة نيف وعشرين وستمائة، وقدم من بلاد الترك فى حدود الأربعين وستمائة، وكان عبس الشكل، كبير الوجه، خفيف اللحية، صغير العينين، ربعة من الرجال، حسن الخلق والخلق، مهيبا فارسا شجاعا، دينا، عالما فاضلا، حسن الخط، حافظا لكتاب الله تعالى، قرأ القرآن على الشيخ جبريل الدلاصى وغيره، وحفظ الإشارة (٢) فى الفقه لسليم الرازى. وكتب بخطه، وحصّل الأصول، وكانت له عناية بالحديث وسماعه، سمع كثيرا، وخرج له المزّى جزأين عوالى، وخرّج له ابن الظاهرى، وحج ستّ مرات.
وكان من الأمراء الظاهرية، ثم نقل إلى حلب، ثم قدم إلى دمشق، وكان من أصحاب سنقر الأشقر، ثم مسك، ثم أعيد إلى رتبته، ثم أعطى تقدمة ألف، وزادت رتبته فى دولة لاجين المنصور، وقدّمه على الجيش فى غزوة سيس، وكان
стр. 1494
له معروف كثير وأوقاف بالقدس ودمشق، وروى عن الحافظ زكى الدين عبد العظيم المنذرى، والرشيد العطار، والكمال الضرير، وابن عبد السلام، وجماعة كثيرة، وشهد الوقعة وهو ضعيف، فالتجأ بأصحابه إلى حصن الأكراد، فمات به ليلة الجمعة الثالث من رجب الفرد منها، وكان المنصور لاجين قد فوّض إليه عمارة جامع ابن طولون فعمّره وعمّر أوقافه وقرّر فيه دروس الفقه والحديث والطب (١).
وله شعر حسن، فمنه قوله:
سلوا عن موقفى يوم الخميس … وعن كرات خيلى فى الخميس
شربت دم العدى فرويت منه … فشربى منه لا خمر الكؤس
وجاورت الحجاز وساكنيه … وكان البيت فى الليل (٢) أنيسى
وأتقنت الحديث بكل قطر … سماعا عليا ملء الطروس
أباحت فى الوسيط لكل خبر … وألقى القوم فى حرّ الوطيس
فكم لى من جلاد فى الأعادى … وكم لى من جدال فى الدروس (٣)
وقد ذكرنا طرفا من ترجمته فيمن استشهد من الأمراء فى وقعة قازان (٤).
стр. 1495
حسام الدين بلال (١) الطواشى المغيثى، خادم الملك المغيث صاحب الكرك.
مات فى هذه السنة، وخدم الملك الصالح، وكان معظما فى الدولة المصرية يجلس فوق الأمراء كلهم.
وقال صاحب النزهة: وعاينته يجلس فوق البيسرى وسنقر الأشقر على باب القبة، وكان السلطان الملك المنصور سلّم إليه الملك الصالح علاء الدين وقال له:
هذا ولدك ربّه، وكان مقيما فى القلعة بدار الملك الصالح أستاذه، وكان له أوقاف على تربة النبى ﷺ ، وأوقاف على عتقائه وأولادهم، ولما توفى أثبت مجد الدين بن الخشاب أن بعض الأوقاف التى أوقفها كان فى غير عقله وأنه كان مخبلا فى ذلك الوقت وأخذ منها ما اختاره، وكانت له مكارم، وقصده [٢٣٧] الشعراء ومدحوه، وكان يهب لهم ويعطيهم، وامتدحه فى وقت شرف الدين القدسى الكاتب بقصيدة مطولة منها:
ما رأيت الناس مثل حسنك لا لا … هكذا هكذا وإلا فلالا
فتبسم وقال: يا شرف الدين بعد الثمانين يكون الحسن، والله أسرفت فى التجمل. فقال له: يا سيدى أحسن الشعر ما كذب الشاعر فيه، فأعجبه ذلك ورسم له بخمسمائة درهم.
وكان قد خرج من مصر على نيّة الجهاد، فأدركه مرض منعه أن يحضر المصاف، وبقى إلى أن رجع العسكر فركّبه مماليكه إلى أن وصل منزلة السوادة، فتوفى بها ودفن هناك، ونقل بعد شقحب إلى مصر ودفن بتربته بالقرافة.
стр. 1496
الأمير سيف الدين جاغان مملوك السلطان لاجين، مات فى هذه السنة بمرض أصابه بدمشق.
الأمير علاء [الدين (١)] قطلوبرس (٢) العادلى، مات فى هذه السنة بعد شنقه فى سوق الخيل، وأقام ثلاثة أيام، ثم دفن وكان قد هرب فى نوبة الأويراتية واستخفى بمصر، ثم وجد عند مملوك له فيه هوى (٣).
стр. 1497
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السبعمائة من الهجرة (¬*)
استهلت والخليفة: الإمام الحاكم أبو العباس أحمد بن الأمير أبى على بن الإمام أبى بكر بن الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين العباسى.
وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية: الملك الناصر محمد بن قلاون الصالحى، ونائبه بمصر: سيف الدين سلار، وفى دمشق: جمال الدين أقوش الأفرم (١)، وفى حلب: شمس الدين قراسنقر المنصورى، وبطرابلس والسواحل:
سيف الدين قطلوبك، وبصفد: سيف الدين [بلبان (٢)] طرنا السلحدار، وبحماة: زين الدين كتبغا العادلى، وبالكرك: جمال أقوش (٣) الأشرفى.
والقاضى الشافعى بمصر: تقى الدين بن دقيق العبد، والحنفى: شمس الدين السروجى (٤)، والمالكى: زين الدين بن مخلوف، والحنبلى: شرف الدين الحرانى.
стр. 1498
وقاضى الشافعية بدمشق: بدر الدين بن جماعة، وقاضى الحنفية: شمس الدين ابن الحريرى، والمالكية: جمال الدين الزواوى، والحنابلة: تقى الدين سليمان بن مزة المقدسى، والخطيب: بدر الدين بن جماعة.
والوزير بمصر: شمس الدين سنقر الأعسر.
وصاحب المغرب: أبو عبد الله محمد بن أبى بكر بن يحيى بن محمد وأبو يعقوب المرينى.
وصاحب اليمن: الملك المؤيد هزبر الدين داود بن المظفر.
وصاحب ماردين: الملك المنصور نجم الدين غازى بن الملك المظفر الأرتقى.
وصاحب مكة: الشريف نجم الدين أبو نمى محمد بن أبى سعد بن على بن قتادة الحسينى.
وصاحب المدينة: عز الدين جماز بن شيحة الحسينى.
وملك التتار: محمود قازان، وصاحب المملكة الشمالية: طقطاى ابن أخى الملك بركة، والمتولى على الصين قان بن قان بن جنكز خان، ومن حد بلاد خراسان إلى خان بالق الملك قيدو.
وصاحب الحبشة: الأمحرى النصرانى.
وصاحب الهند إلى نجد إلى كنبايت: الملك المسعود ناصر الدين محمود ابن علم الدين سنجر عتيق شمس الدين أيتمش مملوك شهاب الدين الغورى.
стр. 1499
ذكر اختلاف عربان بحيرة:
قال بيبرس فى تاريخه: وفى سنة سبعمائة اختلفت عربان البحيرة، وهم طائفتان جابر ومرديس (١) اختلافا كثيرا (٢) أنشأ بينهم حربا، وأفنى بعضهم بعضا، [٢٣٨] وكانت مرديس (٣) هى المستظهرة على جابر، وقد كسرتها كسرا [أعتى على الجابر (٤)]، فاتصل ذلك بالأبواب السلطانية، فندبت (٥) لإخماد فتنتهم وإطفاء جمرتهم وردع المعتدين منهم، وجرّد معى من أمراء الطبلخاناة (٦) عشرون أميرا، وهم: الأمير شمس الدين سنقرجاه السلحدار، والأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير، والأمير سيف الدين بلبان الطغريلى، والأمير سيف الدين طشتمر الجمقدار، والأمير علاء الدين بن أمير مجلس، والأمير بدر الدين محمد الوزيرى، والأمير عز الدين أيدمر الشمسى القشاش، والأمير بهاء الدين قراقوش الصوابى، والأمير سابق الدين بوزبا الساقى، والأمير ناصر الدين محمد بن طرنطاى، والأمير ناصر الدين محمد بن أيتمش السعدى، والأمير علاء الدين على بن ددا التركمانى، والأمير جمال الدين أقوش الرومى، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار،
стр. 1500
والأمير سيف الدين قطز بن الفارقانى، والأمير علاء الدين مغلطاى المسعودى، وأصحاب الأمير مظفر الدين أمير موسى، وأصحاب الأمير جمال الدين الطشلاقى وغيرهم، وأنهى إلى الأبواب الشريفة أنهم صافون، وعلى القتال عاكفون، وذلك على ظاهر تروجة، فسرنا سيرا حثيثا، فوجدناهم قد اتفقوا وافترقوا، فتبعناهم فانهزموا، وقصدوا جهة الليونة وغربى الإسكندرية، فأخذنا مواشيهم من الجمال والأغنام، وسقنا (١) إلى الباب الشريف، وأحضرنا هؤلاء العربان بالأمان، وقررنا قواعدهم، ونظمنا الصلح بينهم، وعدنا إلى الأبواب الشريفة، فتواترت الأخبار بحركة التتار (٢).
ذكر ورود القصّاد من بلاد الشرق:
وردت القصاد فى أوائل هذه السنة من بلاد الشرق وأخبروا أن قازان ملك التتار قد بلغه أن قفجق التحق بمصر إلى السلطان بمن معه من الأمراء، وسلم إليه دمشق، وخطب للسلطان صاحب مصر، وأبطل اسمه، فعز عليه ذلك، ورسم أن يجمع جيشه للعبور إلى الشام، وكان قد حنق على قفجق، وجمع المغول واستشارهم، فمنهم من أشار عليه بالركوب، ومنهم من قال له: ياخوند الذى حصل لك ما حصل لأحد من ملوك المغول حيث نصرت على عسكر ما عرف قط أنه انهزم من المغول، وقد بقى لك فى نفوسهم هيبة، وما فى الاستعجال فى الركوب إليهم فائدة، فربما يكون بعد الربح الخسران، ولا تأمن أن ينصروا
стр. 1501
علينا، والمصلحة أن تبعث إليهم رسلا فى ذلك وتطالبهم أن يحملوا لك مالا ويكون ذلك راحة للعسكر وحرمة للملك.
ثم تواترت مطالعات نواب الشام بأن التتار قاصدون البلاد، ووقع الجفل فى أهل البلاد إلى الديار المصرية، وتتابعوا من جميع الأعمال حتى ملأوا الأقاليم والنواحى، وضاقت بهم الأماكن، وعجز أكثرهم عن المساكن، وظن الناس أنهم يعدمون الأقوات، فوضع الله البركة فى الغلال، وأنزل الرخاء فى الأسعار، فكانوا كلما تكاثروا انحطت الأسعار حتى أبيع الأردب من القمح بخمس عشرة درهما (١).
وقال ابن كثير: وفى مستهل صفر وردت الأخبار بقصد التتار (٢) بلاد الشام، [٢٣٩] [وأنهم عازمون على دخول مصر (٣)] وانزعج الناس، وازدادوا ضعفا على ضعفهم، [وطاشت عقولهم وألبابهم (٤)] وشرعوا فى الهروب إلى مصر والكرك والحصون المنيعة، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمائة درهم، وأبيع الجمل بألف، والحمار بخمسمائة، وبيعت الأمتعة بأرخص الأثمان وأبخسها، وجلس الشيخ تقى الدين بن تيمية فى ثانى صفر بمجلسه فى الجامع، فحرض الناس على القتال، وتلا عليهم الآيات والأحاديث الواردة فى ذلك، وهى عن التسرع فى الحركة، ونودى فى البلدان لا يسافر أحد إلا بمرسوم، فتوقف الناس عن السير، وسكن
стр. 1502
جأشهم، وتحدّث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر المنصورة، فبلغ السلطان ذلك، فقصد أن يجمع مالا من الناس لأجل العساكر (١).
ذكر عزم السلطان على السّفر وأمره بجمع الأموال من الناس:
لما جرى ما ذكرنا اجتمعت الأمراء عند السلطان وتشاوروا فيما بينهم، واتفقوا على تجهيز أمرهم، وخروج السلطان مع العساكر، وأن يجمعوا مالا يكون فى الخزانة برسم نفقات العساكر، وكتبوا لنائب الشام أن يدبّر أمره ويستخدم بطّالين إلى وقت حضور السلطان، وطلبوا ناصر الدين [محمد (٢) بن] الشيخى، وأمروه أن ينظر فى أمر التجار والمكارم والأكابر، ويتفقد أيضا من لم يخرج مع العسكر فى النوبة الأولى، فيأخذ منهم شيئا، ثم اتفق رأيهم أن يعرضوا الجيش، وذلك لأنهم استجدوا جماعة كثيرة من الجند، وكان فيهم جماعة كثيرة من أهل الصنائع والناس المجمعين، فطلب مقدمى الحلقة وأمروهم أن يحضروا الأجناد راكبين خيولهم وأرماحهم بأيديهم ويدخل كل واحد ويعرض نفسه لينظر الأمراء إلى حملة الرمح وسوقة الفرس، ويعرفون بذلك هل هو أصيل فى الجندية أو دخيل فيها، وأيضا يعرف المقدمون من كان منقطعا يوم الواقعة الأولى ومن كان حضرها، وكان الأمراء نصبوا لهم مخيما بميدان القبق (٣)، وأقاموا أياما
стр. 1503
يعرضون الجيش فى كل يوم عشر مقدمين من الحلقة بمضافيها.
وأما أمر المال فإن السلطان والأمراء قصدوا التوسع بشئ يعين على كلف العساكر، وسمّوا بتقدير مال على الأملياء والتجار وأرباب المعايش والأسباب بالقاهرة ومصر، فقرّر، وتولاّه الأمير سنقر المعروف بالأعسر، والأمير ناصر الدين محمد الشيخى متولى القاهرة، فاستخرجا منه نحو مائة ألف دينار، وسمّى مقرّر الخيالة.
وقال صاحب نزهة الناظر: لما تولى ناصر الدين الشيخى استخراج المال المقرّر على هؤلاء المذكورين عجز عن ذلك، وبلغه كلام كثير منهم، فاختار أن يشرك الوزير معه فى أمر الجباية، واتفق مع ذلك حضور بعض الجند وشكايته إليه ما قاسى من العامة ومن كلامهم الفاحش، وذكر أن الأجناد ما بقيت لهم حرمة عند العوام، وإذا وقف واحد منهم لشراء حاجته مما يتعلق بحال الجندية يسمعونه الكلام الفج ويقولون له: أما تستحون بالله تتحدثون اليوم وبالأمس كنتم هاربين، والآن تتشطرون علينا، وإذا هب واحد منهم على أحد من العامة بمقرعة فى يده، ينهض إليه ويمسكها من يده ويقول: إش معنى ما كانت هذه الحرمة على مثل الذين فعلوا بكم كذا وكذا وهربتم منهم، فصارت الأجناد فى ألم عظيم من مثل ذلك، [٢٤٠] وعرف ناصر الدين الشيخى ذلك للأمراء، وأختار أن يشرك معه فى هذا الأمر من هو أكبر وأكثر حرمة، فرسموا أن يكون شريكه فى ذلك الأمير شمس الدين الأعسر، فإنه كان ذا حرمة عظيمة وهيبة قوية بحيث أن أحدا من العوام إذا وقف بين يديه لم يقدر أن ينطق بكلمة واحدة، فاستقام حينئذ حال ناصر الدين المذكور، ثم نودى فى
стр. 1504
القاهرة بأن أىّ عامىّ يزيد فى الكلام على جندى كانت روحه وماله للسلطان (١)، فانقطعوا بعد ذلك عما هم فيه من تشويشهم على الأجناد.
قال الراوى: ثم جاء خبر من نائب الشام صحبة قاصد من عنده أن عسكر قازان يتواردون أولا فأولا، وهو يحثهم على عبور الشام، وأنه قد استخرج من الأملاك والأوقاف وأصحاب البساتين أجرة أربع شهور وأنه استخدم بها من التركمان وغيرهم نحو ثمانمائة فارس، ونفق على كل جندى منهم ستمائة درهم نقرة (٢)، ثم أعرضهم وهم منتظرون حلول الركاب الشريف، فعند ذلك تجهزت الأمراء والسلطان للخروج.
ذكر خروج السلطان من القاهرة متوجّها إلى الشّام لأجل حركة التتار:
كان خروج السلطان مع عساكره فى النصف من شهر صفر (٣) من هذه السنة، وتموا سائرين إلى أن وصلوا إلى غزّة وأقاموا عليها يومين، والثالث ورود خبر من نائب حلب ونائب الشام صحبة القصّاد أن قازان قد توجه بجيشه إلى نحو جبال أنطاكية وقد جفلت أهل السّواد بين يديه، فكتب السلطان الجواب بأن تكونوا على يقظة من أمره، وتعرفوا بحركاته كل وقت، فاقتضى رأيهم الرحيل من غزة إلى منزلة العوجاء، فضربوا الدهليز بها، وشرعت الأجناد فى
стр. 1505
تسفير جمالهم إلى تحصيل الشعير والتبن وما يحتاجون إليه، وجاءت الأمطار الكثيرة بإذن الله خارجة عن الحدّ والعادة، واستمرت ليلا ونهارا عشرة أيام، ثم أصبحت فى نهار واحد من بكرة النهار إلى الظهر، ثم شرعت وتزايدت إلى أن منعت المسافرين والجافلين عن جلب الأشياء، فضاقت بهم الأحوال، فصار كل أمير إذا أراد طبخ شئ من الطعام يستر مطبخه باللبابيد الكثيرة حتى يتيسر إيقاد النار، فأقامت المطر على منوال واحد أحدا وأربعين يوما بلياليها، لم يتلذذ فيها أحد بالنوم من شدة البرد والرّعد والمطر والثلج والبرد الذى يمنع الرجل عن القيام لمصلحته، وكذلك بلغت أحوال الخيول فلا يقدر أحدا منها أن يضع جنبه على الأرض ولا يشرب الماء إلا من النهر الذى يجرى بين يديه، فتحسنت أسعار التبن والشعير وغير ذلك.
قال صاحب النزهة: اشترينا الحمل من التبن بأربعين درهما، والعليقة الواحدة بثلاثة دراهم، والخبز كل ثلاثة أرغفة بدرهم، والرطل من اللحم بثلاثة دراهم، وانقطع الجلب من سائر الأماكن، ثم حصل بعد ذلك سيل عظيم من الأمطار والثلوج التى ذابت من الجبال وانحدر فى النهر إلى أن فاض من جوانبه وارتفع إلى أن علا من فوق القنطرة، وجاء عقيب ذلك برد عظيم جدا حتى مات من الغلمان جماعة كثيرة من البرد، وتلفت حال العسكر، وتلف جميع ما معهم من الثياب والقماش والخيام وأنواع [٢٤١] المأكولات بحيث أن أحدا ما كان يقدر على القعود فى الخيام من المياه من كثرة المطر، ثم أجمع رأيهم على الرحيل، فنودى فى العسكر بالركوب بكرة النهار، وأول من ركب وتقدم الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة، وقدّامه حزمة حطب على السرج ورماها فى الوحل، ثم
стр. 1506
الأمير ركن الدين بيبرس، ثم بقية الأمراء أولا فأولا ومماليكهم وغلمانهم، وكذلك أجناد الحلقة، وبيد كل واحد قفة أو مخلاة من التراب أو الحجر أو غير ذلك فيرميه فى الوحل حتى تمشى الدواب عليه.
وهم فى ذلك إذ وصل مملوك من نائب حلب ومعه اثنان من الناصحين، وأخبروا أن قازان ركب بجيشه إلى أنطاكية، ثم إلى جبل السماق ورجع إلى قرون حماة وأرض شيزر، ونهب وسبى خلقا كثيرا، وأخذ مواشى كثيرة للتركمان وأهل البلاد، وأن صاحب سيس بذل له مالا عظيما فى شراء أسرى كثيرة من المسلمين، وأنه صمّم على عبوره الشام، فأرسل الله على جيشه أمطارا عظيمة وثلوجا لم يعهدوا مثلها قبل ذلك، ومع ذلك وقع الفناء فى خيولهم، وكان الفرس منهم يصيبه البرد وينزل عليه الثلج فيقع على الأرض، ثم لا ينتفع به بعد ذلك، وحكوا أن قازان كان معه خصوصا اثنى عشر ألف رأس من الخيل دشار، فلم يبق منها إلاّ مادون الألف، وأنه لما رأى ذلك استشار أمراءه فى (١) الرجوع، فرجعوا فى أسوأ حال، وتفرق عسكره، ورآه يردف بعضهم بعضا، فلما سمع السلطان والأمراء ذلك اقتضى رأيهم أن يجردوا بعض المقدمين بمضافيهم إلى حلب لأجل تطمئن البلاد ولسمعة العدو بأن عسكر مصر قد وردوا للقائهم، فعينوا الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار ومضافيه، والأمير بهاء الدين يعقوب ومضافيه، وأشاروا برحيل بقية العساكر إلى مصر.
ذكر عود السلطان إلى مصر:
ثم رحل السلطان ببقية العسكر وتوجهوا إلى مصر، فوصل السلطان إلى
стр. 1507
قلعة الجبل فى عاشر جمادى الأولى (١)، وكان العود أحمد وأولى.
واستعفى الأمير سيف الدين كراى (٢) السلحدار من نيابة صفد، ورسموا بنيابتها للأمير سيف الدين بتخاص (٣)، وأنعم على الأمير كراى بإقطاع الأمير سيف الدين بلبان الطباخى بحكم وفاته.
وكان عند العسكر فرح عظيم من رجوع السلطان إلى القاهرة بسبب ما قاسوا من الشدة والقلة، وقال بعضهم فى ذلك:
أقمنا على العوجاء خمسين ليلة … ندبر أمرا قد حكاه انعواجها
وقال صاحب النزهة منشدا لنفسه:
يا سفرة العوجاء من سفرة … كادت بها أرواحنا تخرج
سماؤها ممطرة دائما … وغيثها من برده يثلج
والشمس فى أركانها ظلمة … وصبحها مع ليلها مدلج
لا برح الجندىّ من أرضها … إلاّ عليل الجسم أو أفلج
стр. 1508
وقال ابن كثير: ولما وصلت الأخبار إلى الشام بأن السلطان صاحب مصر قد رجع عائدا إلى مصر، كثر الخوف واشتد الحال، وكثرت الأمطار جدا، وخرج كثير من الناس خفافا وثقالا [٢٤٢] يتحملون بأهاليهم وأولادهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون (١)، ثم قويت الأراجيف بوصول التتار، وتحقق أهل الشام عود السلطان إلى مصر، ونادى ابن النحاس متولى دمشق فى الناس:
من قدر على السّفر فلا يقعد بدمشق، فتصايح النساء والولدان، وبقى على الناس ذلة وخمدة وزلزلوا زلزالا شديدا، وغلقت الأسواق، وتيقن الناس أن لا ناصر لهم، ودخل كثير من الناس إلى القلعة ولم يبق فى دمشق من الأكابر إلاّ القليل، وسافر قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة وشمس الدين بن الحريرى، ونجم الدين ابن صصرى، ووحيد الدين بن منجا، وقد كانت سبقتهم بيوتهم إلى ديار مصر.
وجاءت الأخبار بوصول التتار إلى سرمين، وخرج الشيخ نجم الدين بن القرافى، وإبراهيم الرقى، وابن قوام، وابن تيمية، وابن حبان إلى نائب السلطنة الأفرم، فقؤوا عزمه على ملاقاة العدو، واجتمعوا بمهنى أمير العرب، فأجابه إلى السمع والطاعة، وقويت نياتهم على ذلك، وخرج طلب الأمير سلار من دمشق إلى ناحية المرج، واستعدوا للحرب والقتال بنيات صادقة.
ورجع ابن تيمية من الديار المصرية فى السابع والعشرين من جمادى الأولى على البريد، وقد أقام بقلعة مصر ثمانية أيام، واجتمع بالسلطان والوزير وأعيان
стр. 1509
الدولة وحرضهم، فأجابوه، وكان الشيخ قد خرج من الشام مستهل جمادى الأولى، وقد غلت الأسعار بدمشق جدا حتى أنه بيع خروفان بخمسمائة درهم، واشتد الحال جدّا.
ثم جاءت الأخبار بأن ملك التتار قد خاض الفرات راجعا فى عامه ذلك لضعف جيشه وقلة مدده، فطابت الأخبار، وسكن الناس، ورجعوا إلى منازلهم منشرحين آمنين، ولله الحمد رب العالمين، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق من المرج، وكان فيه مخيما مدة أربعة شهور متتابعة، وكان هذا من أعظم الرباط، وتراجع الناس من الحصون حول دمشق إلى أوطانهم.
ذكر وصول الرسل من جهة قازان:
وفى أواخر شوال: جاء مملوك نائب حلب وأخبر بحضور الرسل من جهة قازان إلى السلطان، ورسم للأمير سيف الدين كراى المنصورى أن يتجهز إلى لقائهم، فتجهز وخرج، وقد كتبوا بالإقامات فى الطرقات، وتلقاهم الأمير كراى فأحضرهم، وهم: الأمير ناصر الدين [على (١)] خواجة، والقاضى كمال الدين يونس (٢) قاضى الموصل، ورفقيهما، وكانوا رسموا قبل تمثلهم بين يدى
стр. 1510
السلطان أن يلبس سائر الجيش الكلوتات الزركش والطرازات الذهب، وأن يلبسوا أفخر ما عندهم، ورتبوا من باب القلعة إلى داخل الإيوان صفّين، فدخلوا، وكان دخولهم فى النصف من ذى القعدة (١)، فلما وصلوا إلى مجلس السلطان رأوا ما أذهلهم من الحشمة والهيبة، ورأوا عسكرا كأنهم خلقوا من حسن ومهابة وجمال، وهم صور حسان ووجوه جميلة، وباسوا الأرض، واعطوا ما معهم من الكتب.
واجتمعت الأمراء، وقرئت الكتب بحضورهم، وفهموا ما فيها، ثم أنهم شافهوا السلطان بما حملهم قازان، فذكرها السلطان للأمراء، وأمر السلطان بإكرامهم واحترامهم، وأنزلوهم فى أحسن [٢٤٣] منزلة، ورتبوا لهم الرواتب السنية، ثم اجتمعت الأمراء بعد ذلك فتشاوروا فيما بينهم عند السلطان، وطلبوا كاتب السر وأمروه أن يكتب الجواب عن سائر الفصول التى يتضمنها كتاب قازان.
وقال القاضى شرف الدين بن الوحيد فى تاريخه: لما حضر الرسل من جهة قازان استحضرهم السلطان فى الليل، فلما وقعوا بين يديه أحسن إليهم وقربهم منه، ولما رأى قاضى الموصل ذلك خطب خطبة بليغة وذكر آيات فى فى معنى الصلح بين الفريقين، واتفاق الملكين والعسكرين، ثم بسط يده ودعى لمولانا السلطان، ثم بعده لمحمود قازان، ثم أوضح الرسالة التى بيده وأعاد الكلام فى معنى الصلح وقال: ودفع الكتاب للسلطان وهو مختوم بغير عنوان، فلم يفتحه السلطان فى تلك الليلة، ورسم بإعادة الرسل إلى مكانهم، ولما كانت