← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الأمير ركن الدين بيبرس، ثم بقية الأمراء أولا فأولا ومماليكهم وغلمانهم، وكذلك أجناد الحلقة، وبيد كل واحد قفة أو مخلاة من التراب أو الحجر أو غير ذلك فيرميه فى الوحل حتى تمشى الدواب عليه. وهم فى ذلك إذ وصل مملوك من نائب حلب ومعه اثنان من الناصحين، وأخبروا أن قازان ركب بجيشه إلى أنطاكية، ثم إلى جبل السماق ورجع إلى قرون حماة وأرض شيزر، ونهب وسبى خلقا كثيرا، وأخذ مواشى كثيرة للتركمان وأهل البلاد، وأن صاحب سيس بذل له مالا عظيما فى شراء أسرى كثيرة من المسلمين، وأنه صمّم على عبوره الشام، فأرسل الله على جيشه أمطارا عظيمة وثلوجا لم يعهدوا مثلها قبل ذلك، ومع ذلك وقع الفناء فى خيولهم، وكان الفرس منهم يصيبه البرد وينزل عليه الثلج فيقع على الأرض، ثم لا ينتفع به بعد ذلك، وحكوا أن قازان كان معه خصوصا اثنى عشر ألف رأس من الخيل دشار، فلم يبق منها إلاّ مادون الألف، وأنه لما رأى ذلك استشار أمراءه فى (١) الرجوع، فرجعوا فى أسوأ حال، وتفرق عسكره، ورآه يردف بعضهم بعضا، فلما سمع السلطان والأمراء ذلك اقتضى رأيهم أن يجردوا بعض المقدمين بمضافيهم إلى حلب لأجل تطمئن البلاد ولسمعة العدو بأن عسكر مصر قد وردوا للقائهم، فعينوا الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار ومضافيه، والأمير بهاء الدين يعقوب ومضافيه، وأشاروا برحيل بقية العساكر إلى مصر. ذكر عود السلطان إلى مصر: ثم رحل السلطان ببقية العسكر وتوجهوا إلى مصر، فوصل السلطان إلى

стр. 1507

قلعة الجبل فى عاشر جمادى الأولى (١)، وكان العود أحمد وأولى. واستعفى الأمير سيف الدين كراى (٢) السلحدار من نيابة صفد، ورسموا بنيابتها للأمير سيف الدين بتخاص (٣)، وأنعم على الأمير كراى بإقطاع الأمير سيف الدين بلبان الطباخى بحكم وفاته. وكان عند العسكر فرح عظيم من رجوع السلطان إلى القاهرة بسبب ما قاسوا من الشدة والقلة، وقال بعضهم فى ذلك: أقمنا على العوجاء خمسين ليلة … ندبر أمرا قد حكاه انعواجها وقال صاحب النزهة منشدا لنفسه: يا سفرة العوجاء من سفرة … كادت بها أرواحنا تخرج سماؤها ممطرة دائما … وغيثها من برده يثلج والشمس فى أركانها ظلمة … وصبحها مع ليلها مدلج لا برح الجندىّ من أرضها … إلاّ عليل الجسم أو أفلج

стр. 1508

وقال ابن كثير: ولما وصلت الأخبار إلى الشام بأن السلطان صاحب مصر قد رجع عائدا إلى مصر، كثر الخوف واشتد الحال، وكثرت الأمطار جدا، وخرج كثير من الناس خفافا وثقالا [٢٤٢] يتحملون بأهاليهم وأولادهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون (١)، ثم قويت الأراجيف بوصول التتار، وتحقق أهل الشام عود السلطان إلى مصر، ونادى ابن النحاس متولى دمشق فى الناس: من قدر على السّفر فلا يقعد بدمشق، فتصايح النساء والولدان، وبقى على الناس ذلة وخمدة وزلزلوا زلزالا شديدا، وغلقت الأسواق، وتيقن الناس أن لا ناصر لهم، ودخل كثير من الناس إلى القلعة ولم يبق فى دمشق من الأكابر إلاّ القليل، وسافر قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة وشمس الدين بن الحريرى، ونجم الدين ابن صصرى، ووحيد الدين بن منجا، وقد كانت سبقتهم بيوتهم إلى ديار مصر. وجاءت الأخبار بوصول التتار إلى سرمين، وخرج الشيخ نجم الدين بن القرافى، وإبراهيم الرقى، وابن قوام، وابن تيمية، وابن حبان إلى نائب السلطنة الأفرم، فقؤوا عزمه على ملاقاة العدو، واجتمعوا بمهنى أمير العرب، فأجابه إلى السمع والطاعة، وقويت نياتهم على ذلك، وخرج طلب الأمير سلار من دمشق إلى ناحية المرج، واستعدوا للحرب والقتال بنيات صادقة. ورجع ابن تيمية من الديار المصرية فى السابع والعشرين من جمادى الأولى على البريد، وقد أقام بقلعة مصر ثمانية أيام، واجتمع بالسلطان والوزير وأعيان

стр. 1509

الدولة وحرضهم، فأجابوه، وكان الشيخ قد خرج من الشام مستهل جمادى الأولى، وقد غلت الأسعار بدمشق جدا حتى أنه بيع خروفان بخمسمائة درهم، واشتد الحال جدّا. ثم جاءت الأخبار بأن ملك التتار قد خاض الفرات راجعا فى عامه ذلك لضعف جيشه وقلة مدده، فطابت الأخبار، وسكن الناس، ورجعوا إلى منازلهم منشرحين آمنين، ولله الحمد رب العالمين، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق من المرج، وكان فيه مخيما مدة أربعة شهور متتابعة، وكان هذا من أعظم الرباط، وتراجع الناس من الحصون حول دمشق إلى أوطانهم. ذكر وصول الرسل من جهة قازان: وفى أواخر شوال: جاء مملوك نائب حلب وأخبر بحضور الرسل من جهة قازان إلى السلطان، ورسم للأمير سيف الدين كراى المنصورى أن يتجهز إلى لقائهم، فتجهز وخرج، وقد كتبوا بالإقامات فى الطرقات، وتلقاهم الأمير كراى فأحضرهم، وهم: الأمير ناصر الدين [على (١)] خواجة، والقاضى كمال الدين يونس (٢) قاضى الموصل، ورفقيهما، وكانوا رسموا قبل تمثلهم بين يدى

стр. 1510

السلطان أن يلبس سائر الجيش الكلوتات الزركش والطرازات الذهب، وأن يلبسوا أفخر ما عندهم، ورتبوا من باب القلعة إلى داخل الإيوان صفّين، فدخلوا، وكان دخولهم فى النصف من ذى القعدة (١)، فلما وصلوا إلى مجلس السلطان رأوا ما أذهلهم من الحشمة والهيبة، ورأوا عسكرا كأنهم خلقوا من حسن ومهابة وجمال، وهم صور حسان ووجوه جميلة، وباسوا الأرض، واعطوا ما معهم من الكتب. واجتمعت الأمراء، وقرئت الكتب بحضورهم، وفهموا ما فيها، ثم أنهم شافهوا السلطان بما حملهم قازان، فذكرها السلطان للأمراء، وأمر السلطان بإكرامهم واحترامهم، وأنزلوهم فى أحسن [٢٤٣] منزلة، ورتبوا لهم الرواتب السنية، ثم اجتمعت الأمراء بعد ذلك فتشاوروا فيما بينهم عند السلطان، وطلبوا كاتب السر وأمروه أن يكتب الجواب عن سائر الفصول التى يتضمنها كتاب قازان. وقال القاضى شرف الدين بن الوحيد فى تاريخه: لما حضر الرسل من جهة قازان استحضرهم السلطان فى الليل، فلما وقعوا بين يديه أحسن إليهم وقربهم منه، ولما رأى قاضى الموصل ذلك خطب خطبة بليغة وذكر آيات فى فى معنى الصلح بين الفريقين، واتفاق الملكين والعسكرين، ثم بسط يده ودعى لمولانا السلطان، ثم بعده لمحمود قازان، ثم أوضح الرسالة التى بيده وأعاد الكلام فى معنى الصلح وقال: ودفع الكتاب للسلطان وهو مختوم بغير عنوان، فلم يفتحه السلطان فى تلك الليلة، ورسم بإعادة الرسل إلى مكانهم، ولما كانت

стр. 1511

الليلة الثانية طلب السلطان الأمراء المقدمين الأكابر وفتحوا الكتاب، وقرئ على السلطان فإذا هو بالخط المغلى، وهو فى قطع النصف البغدادى، أوله بسم الله الرحمن الرحيم. ذكر نسخة الكتاب: (١) بقوة الله تعالى، وميامين الملة المحمدية، فرمان السلطان محمود غازان، ليعلم السلطان المعظم الملك الناصر أنه فى العام الماضى بعض عساكرهم (٢) المفسدة دخلوا أطراف بلادنا وأفسدوا فيها، لعناد الله تعالى (٣) وعنادنا، كماردين ونواحيها، وجاهروا الله بالمعاصى فيمن ظفروا به من أهلها، وأقدموا على أمور بديعة (٤) وأحوال شنيعة (٥) من محاربة الله، وخرق ناموس الشريعة، فأنفنا من تهجمهم، وغرنا من تقحمهم، وأخذتنا الحمية الإسلامية، فحدتنا على دخول بلادهم ومقابلتهم على إفسادهم، فركبنا بمن كان لدينا من العساكر، وتوجهنا

стр. 1512

بمن اتفق منهم أنه حاضر، وقبل وقوع الفعل منا، واشتهار الفتك عنا، سلكنا سنن المرسلين، واقتفينا آثار المتقدمين، واقتدينا بقول الله ﵎: ﴿(لِئَلاّ يَكُونَ «لِلنّاسِ عَلَى اللهِ» ١ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)﴾ (٢) وأنفذنا صحبة يعقوب الكرجى جماعة من القضاة والأئمة الثقات، وقلنا: (هذا نذير من النذر الأولى، أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة) (٣). فقابلتم ذلك بالإصرار، وحكمتم عليكم وعلى المسلمين بالأضرار، وأهنتموهم وسجنتموهم، وخالفتم سنن الملوك فى حسن السلوك، فصبرنا على تماديكم فى غيكم وإخلادكم (٤) إلى بغيكم إلى أن نصرنا الله وأراكم فى أنفسكم قضاة، ﴿(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ)﴾ (٥)، وظننتا أنهم حيث تحققوا كنه الحال، وآل بهم إلى ما آل، أنهم ربما تداركوا الفارط من أمرهم، ورتقوا ما فتقوا بغدرهم، وأوجه إلينا وجه عذرهم، وأنهم ربما سيروا إلينا حال دخولهم إلى (٦) الديار المصرية رسلا لاصلاح تلك القضية، فبقينا بدمشق غير متحثحثين، وتثبطنا تثبط المتملكين المتمكنين، فصدّهم عن السعى فى صلاح حالهم التوانى، وعللوا نفوسهم بالأمانى (٧).

стр. 1513

ثم بلغنا بعد عودنا إلى بلادنا، أنهم ألقوا فى قلوب العساكر والعوام، وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام، أنهم فيما بعد يلتقونا (١) على حلب أو الفرات، وأن عزمهم مصر على ذلك لاسواه، فجمعنا العساكر وتوجهنا للقياهم، ووصلنا (٢) [٢٤٤] الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم، وقلنا لعلهم وعساهم، فما لمع لهم بارق، ولا ذرّ لهم (٣) شارق، فتقدّمنا إلى أطراف حلب، وتعجبنا من بطائهم (٤) غاية العجب، فبلغنا رجوعهم بالعساكر، وتحققنا نكوصهم عن الحرب. وفكرنا أنه متى (٥) تقدّمنا بعساكرنا الزاخرة (٦)، وجموعنا العظيمة القاهرة، ربما أخرب البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها، وعم ضرر (٧) العباد، وخراب (٨) البلاد، فعدنا بفتيا (٩) عليها، ونظرة لطف من الله إليها. وها نحن أيضا الآن مهتمون بجمع العساكر المنصورة، ومشحذون غرار عزماتنا المشهورة، ومستعملون (١٠) المجانيق وآلات الحرب، وعازمون بعد الإنذار، ﴿(وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)﴾ (١١).

стр. 1514

وقد سيّرنا حاملى هذا الفرمان الأمير الكبير ناصر الدين (١) بن على خواجا، والإمام العالم ملك القضاة كمال الدين موسى بن يونس، وقد حملناهما كلاما يشافهانهم بهن (٢)، فليثقوا بما تقدمنا به إليهما، فإنهما من الأعيان المعتمد عليهما، لنكون كما قال الله تعالى: ﴿(قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣)، فتعدّون (٤) لنا الهدايا والتحف، فما بعد الإنذار من عاذر، وإن لم تداركوا (٥) الأمر فدماء المسلمين وأموالهم مطلوبة بتدبيرهم، ومطلوبة منهم عند الله على طول تقصيرهم. فليمعن السلطان لرعيته النظر فى أمره، فقد قال ﷺ : «من ولاّه الله أمرا من أمور هذه الأمة واحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلّته وفقره (٦)». وقد أعذر من أنذر، وأنصف من حذّر، ﴿وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى﴾ (٧).

стр. 1515

كتب فى العشر الأول من شهر رمضان «سنة سبعمائة» (١) بجبال الأكراد، والحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد المصطفى وآله الطاهرين (٢). وسنذكر ما أجابه السلطان عن هذا الكتاب فى السنة الآتية إن شاء الله تعالى (٣). ذكر وقوع الفناء فى الأبقار: وفيها: أصاب الفناء الأبقار دون غيرها من المواشى حتى تعطلت الدواليب والسواقى، وغلت أسعارها غلوا لم يسمع بمثله، وبيع الرأس البقر بألف (٤) درهم وما يقاربها، واستعمل الناس الخيل والجمال والحمير عوضا عنها، فما أجدت فى الحرث والكرب ولا أغنت عنها، فتعذرت الأقصاب وتعطلت، وترك زراعة أكثرها وأبطلت، فارتفعت قيمة القنود وبلغت عشرة دنانير القنطار. ولقد حكى عن شيخ من أهل الفلاحة ببلد أشموم (٥) أنه كان يملك من الأبقار الخيسية السارحة فى تلك الجزائر ما جملته ألف وإحدى عشرة رأسا، فماتت فى هذا الفناء أولا فأولا حتى لم يبق له منها غير ثمانية (٦) لا سواها (٧).

стр. 1516

وقال صاحب نزهة الناظر: كان مبدأ فناء الأبقار فى أواخر سنة تسع وتسعين وستمائة، فلما دخلت سنة سبعمائة تزايد الأمر فى موتها، وتعطلت الدواليب وزراعات الأمصار، وتوقف حال أرباب السواقى، وتزايد الأمر على الناس فكان يكون فى الساقية عشرة أروس يصبح الستة منها موتى، ويأتى اليوم الثانى والثالث فلا ترى منها شئ، ويحتاج صاحبها إلى شراء غيرها بقيمة زائدة، فحصل الضرر البالغ لأصحاب البساتين، خصوصا لأهل دمياط وأشمون والمزاحميين والقليوبيين، [٢٤٥] وكذلك بلاد الصعيد ودواليب المعاصر، وقال: لقد بلغنى أنه كان بدمياط رجل من أكابرها وله عدة بساتين، وكان فيها مائة واثنى عشر رأسا مثمنة (١)، فما مضى عليها ثلاث شهور إلا وقد بقيت منها تسعة أروس لا ينتفع بها. وكتب الأمراء إلى سائر البلاد أن لا يذبح أحد شيئا من البقر ولا من العجول، وكتبوا إلى نائب الشام بأن يجهز إليهم أبقارا شامية من سائر البلاد للدواليب السلطانية، ثم وصلت أبقار كثيرة مع التجار، وأبيع الرأس منها بثلاثمائة، وبمائتين، وغلقت معاملة سوق البقر فى تلك السنة للمقطعين، وفاضت على ذلك مائة وستون ألف درهم. ذكر بقيّة حوادث مصر والشام: وفيها: اقتضى رأى السلطان والأمراء أن يخرج الأمير شمس الدين سنقر الأعسر مع جماعة من المماليك السلطانية إلى الوجه القبلى ليحصّل من عزبة الخيل

стр. 1517

والجمال وآلات السلاح، والسبب لذلك أنهم لما علموا بسفر السلطان مع العسكر لحقهم الطمع فى مغل الأمراء والجند، ومنعوا الحقوق، وعصوا على الولاة، وقطعوا الطريق، وأخافوا السبيل، فجرد لذلك سنقر المذكور وصحبته مائة نفر من المماليك السلطانية، فركب إلى أن وصل إليهم، وكان له فى نفوس الناس حرمة عظيمة ومهابة قوية، فكيس البلاد، وأتلف كثيرا من المفسدين، ولم يزل سائرا إلى أن وصل الأعمال القوصية، ولم يدع فرسا فى بلاد الصعيد من خيل العرب ولا خيل القضاة والفقهاء والمتعممين إلا أخذه، وأخذ سائر السلاح من الرماح والسيوف والدرق (١)، فكانت عدة ما حضر معه من الخيل ألف وستون فرسا، ومن الجمال ثمانمائة وسبعون رأسا، ومن الرماح ألف وستمائة رمح، ومن السيوف ألف ومائتا سيف، ومن الدرق تسعمائة درقة، ومن الغنم ستة آلاف رأس، فأصلح تلك البلاد حتى أخذ الناس مغلهم كاملا. وقال بيبرس فى تاريخه: جرّد الأمير سيف الدين سنقر الأعسر إلى الصعيد للكشف والتمهيد، [ورسم له بحسم مادة العربان، فانهم تظاهروا بالنفاق والعصيان] (٢) وتوجهنا إلى الوجه (٣) فاجتمعنا بمنفلوط وأحضرنا أعيانهم، وقررت عليهم جباية من المال والخيل والجمال والسلاح، وجبيت فكانت ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وألف رأس خيل، وألفى جمل، وعشرة آلاف (٤) رأس

стр. 1518

غنم، وحسمت مادتهم فى ذلك الوقت (١). وفيها: فى يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذى القعدة عزل شمس الدين ابن الحريرى عن قضاء الحنفية بالقاضى جلال الدين أبى حسام الدين على قاعدته وقاعدة أبيه من قبله، وذلك باتفاق من الأمير سنقر الأعسر والنائب جمال الدين أقوش الأفرم. وفيها: استقال الأمير كراى السلحدار من نيابة صفد، فأقيل، وجهز إليها عوضا عنه الأمير بتخاص المنصورى من دمشق (٢). وفيها: استعفى سيف الدين قطلوبك من نيابة الحصون، فأعفى، وجهّز إليها من دمشق سيف الدين أسندمر الكرجى، وأعيد قطلوبك إلى دمشق، فاستقر من أمرائها. (٣) وفيها: ولّى الأمير فارس الدين البكى الظاهرى نيابة السلطنة بحمص، وجهّز الأمير قفجق إلى الشوبك وأعطى بأعمالها إقطاعا (٤). وفيها: ألزمت السلطنة طائفتى النصارى واليهود بمصر والشام بلبس العمائم الغيار [٢٤٦]، فألبس النصارى عمائم زرقاء، واليهود عمائم صفراء، والسامرة بالشام عمائم حمراء، وغلقت كنائسها (٥)، ثم فتح بعضها أولا فأولا (٦)، ثم اتفق

стр. 1519

أن بعض أكابر النصارى سعى فى فتح كنيسة وفتحها، واشتهر ذلك بين العامة، فوقفت حرافيش كثيرة للنائب والأمراء بسبب ذلك. وقالوا أيضا: إن بعض النصارى تكبروا عن لبس الأزرق، وإن بعضهم احتمى ببعض أكابر الأمراء، فاقتضى رأيهم باشهار النداء، فأمروا والى القاهرة بالمناداة فى مصر والقاهرة بأن كل من لا يلبس الزرق من النصارى، أو الصفر من اليهود ينهبه العامّة، ويستحل ماله وحريمه، وأن لا يستخدم نصرانى عند أمير ولا فى شغل من أشغال السلطنة إلا إذا أسلم، فتسلطت عليهم العامّة من الحرافيش وغيرهم، فمن رأوا منهم ما عمل بموجب النداء ضربوه إلى أن كاد أن يقتلوه، وكذا إذا رأوا أحدا منهم راكبا على حمار من غير أن يثنى رجله عليها، فصار كثير منهم لا يجترئ على الركوب ويمشى فى الطريق وهو خائف على نفسه وأسلمت منهم جماعة كثيرة (١). وفيها: قصد الأمراء عزل الأمير شمس الدين سنقر الأعسر عن الوزارة، وذلك لكبره وشممه وزيادته عن الحدّ وعدم توقيره لمن يكون من جهة الأمراء حتى أنه مسك التاج بن سعد الدولة (٢)، وكان مستوفى الدولة وممن يلوذ بالأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وعرّاه وضربه بالمقارع ضربا مؤلما، فأسلم من حرارة الضرب وألزمه أن يشهد عليه بالإسلام، وبعد ذلك تحمل مال السلطان، فلما أطلقه دخل إلى زاوية الشيخ نصر (٣) وألزم نفسه أن لا يخرج منها،

стр. 1520

وأرسل الشيخ نصر إلى بيبرس الجاشنكير أن يتحدث فيه ليعفى من المباشرة، ففعل ذلك واستمر عليه إلى أن وقفت الأمراء لبيبرس وحسنوا له أن يطلب الأمير عز الدين أيبك البغدادى من نيابة الإسكندرية ويتولى الوزارة بالديار المصرية، عوضا عن شمس الدين سنقر المذكور، وأجمع بيبرس مع الأمير سلاّر على ذلك وولوا أيبك المذكور الوزارة، ثم اتفق رأيهم أن يكون شمس الدين سنقر كاشف القلاع الشامية بأسرها، فينظر فيها ويصلح أمورها ويرتب الرجال وما تحتاج إليه من سائر الأصناف، فخلع عليه بذلك (١). وفيها: أعرس السلطان على بنت الأمير كرتيه (٢)، وكانت تعرف بالأشرفية، فكانت زوجة أخيه الملك الأشرف، فعمل على ذلك مهما عظيما، وخلع على سائر الأمراء وأرباب الوظائف بخلع سنية. ذكر ما جرى فى بلاد الشمال: قد ذكرنا فى العام الماضى ما وقع بين ولدى نوغيه، وهما جكا وتكا (٣)، وأن جكا استقر موضع أبيه، وكان عند استيلائه على المملكة قد أقام له نائبا يسمى طنغر من أكابر الأمراء، فلما أقدم على قتل أخيه تكا نفرعنه واتفق مع طاز بن منجك - وهو صهر نوغيه زوج ابنته طغلجا - على التوجه للإغارة على بلاد أولاق والروس، فسارا بمضافيهما، ولما خلا أحدهما بالآخر تحادثا وتفاوضا فى أمر جكا وجرأته وسوء سيرته وقالا: إذا كان هذا لم يبق على أخيه، [٢٤٧]

стр. 1521

فكيف يبقى علينا؟، واتفقا على أن يعودا إليه ويقبضا عليه، فعادا نحو مقامه، فشعر واحد من عسكرهما أنهما اتفقا على إعدامه، فركب وساق مسرعا، وأعلمه بالحال تنصحا، فلما تيقن أنهما قد دهماه ركب من ساعته فى مائة وخمسين فارسا من جماعته ودخل بلاد آص، وكان بها مقدم وتمان من عسكره، فآوى إليهم وأقام بينهم. وحضر طنغر نائبه وطاز صهره إلى بيوته، فنهبوها واستولوا عليها، ووجدوه قد فاتهما. ولما أقام جكا ببلاد آص وتحقق عسكره أنه حى موجود باق تسلّل إليه كثير منهم، فكثرت بهم عدّته وعاد لحرب طنغر وطاز، والتقى الجمعان، فاستظهر عليهم وكسرهم، وفرق شملهم، وسبى وغنم ما شاء، واسترد بيوته وغنائمه منهم. ولقد حكى من شهد الوقعة أن أخته طغلجا - بنت أبيه نوغيه - ركبت الخيول وقابلته مع الفحول، فلما انكسر زوجها ومن معه كاتبوا طقطا يستمدونه ويلتمسون أنجادهم بعسكر يقاتلون به جكا ويعاودونه، فأمدّهم بجيش صحبة أخيه برلك بن منكوتمر، فلما جاءهم المدد من عند طقطا دعوا نزال وعادوا إلى القتال، فلم يكن لجكا بهم قبل، فهرب ولحق ببلاد أولاق، وكان ملكها والحاكم عليها متزوجا إحدى أقاربه، فتطلع إلى حصنه معتقدا أنه يمتنع عنده، فقال لذلك أصحابه: هذا الوارد إليك هو عدو لطقطا، وهو مجدّ فى طلبه، ومتى علم بمقامه عندنا سار إلى نحونا وأهلكنا، والصواب تعويقه وإعلامه بأمره، فقبض

стр. 1522

عليه وعوقه فى قلعته، واسمها ترنو، وطالع طقطا بأمره، فأمره بقتله، فقتل فى هذه السنة. وخلت مملكة طقطا ممن يناوئه، وبلغ من إبادة أعاديه أمانيه، ولم يبق من أولاد نوغيه إلا أصغرهم المسمى طرنه، ورتب ينجى بن قرمشى موضع أباجى أخيه، وجهز تكل بغا ويربصار ولديه إلى بلاد نوغيه، فأما تكل بغا فإنه استقر فى طقجى ونهرطنا وما يلى باب الحديد، وهى منازل نوغيه، وأقام ايربصار بنهر بيق، وتكملت بلاد الشمال للملك طقطا (١). ذكر ما جرى فى بلاد الغرب من الحوادث فيها: ومن الحوادث فيها أن جزيرة جربة كانت قد خرجت عن أيدى المسلمين، كما ذكرناه فى سنة ثمانين وستمائة (٢)، وأقامت بيد المزاليا نائب الإفرنسى بصقلية يجبى إليه خراجها كل عام، فهلك فى هذه السنة، أعنى سنة سبعمائة، فاغتنم أهلها الفرصة بهلاكه فأرسلوا إلى صاحب تونس يعلمونه بذلك ويستنجدونه، فجهّز إليهم ابن عمه أبا زكريا يحيى وجهز معه تقدير عشرين قطعة من المراكب، وثلاثة آلاف فارس، وعشرة آلاف راجل، فتوجه إليها ونزل عليها، وبلغ ذلك ولد المزاليا صاحب صقلية، فتجهز فى طواعيته، وجاءهم بجماعته، فلما أقبلت شوانيه خرجت شوانى تونس عنها، وأقلعت منها، وعاد أبو زكريا اللحيانى ولم ينل مراما ولا شفى أواما، فدخلها ابن المزاليا وتملكها وأمن أهلها، وأقام بها إلى سنة ست وسبعمائة، والله أعلم.

стр. 1523

وفيها: كان وفاء النيل [٢٤٨] المبارك على سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبع، وكانت السنة من السنين المقبلة على الناس من كثرة الغلال ورخص الأسعار. وفيها: حج بالناس الأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار، وصنع لفقراء الحرمين معروفا، وفرق من الأموال ألوفا، قيل: إنه قد فرق من ماله خمسة وثمانين ألف دينار مصرية. «وقال (١) صاحب « .... » (٢) أن الأمير بكتمر هذا جهز سبعة مراكب « .... » (٣) قمحا وشعيرا ودقيقا وسكرا « .... » (٤)، وزيتا وحلواء وقاووتا سوى ما حمله معه على الجمال، وعند وصوله إلى ينبع قد وجد ثلاث مراكب قد وصلت قبله بيومين، فأخرج جميع ما فيها وجعل كل صنف من الأصناف المذكورة كوما بمفرده، وأمر مناديا ينادى فى الركب أن أى من كان محتاجا إلى مؤنة أو حلواء أو شيئا من ذلك، فليحضر إلى خيمة الأمير، فحضرت الناس وفرق عليهم، ثم فرق على الأمراء والجند من الحجاج وعلى أرباب البيوت كذلك، وما فضل من ذلك فرق على أهل ينبع، وعند الرحيل بقيت بقايا من الدقيق والشعير (٥).

стр. 1524

ولم يحج أحد فى هذه السنة من الشام، والذى حج راح إلى غزة ولحق بالمصريين عند عقبة أيلا (١).

стр. 1525

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح حسن الكردى (١) المقيم بالشاغور فى بستان يأكل من غلته، ويطعم من ورد عليه، وكان يزار، وكانت له كرامات وأحوال، ولما احتضر اغتسل وأخذ من شعره، واستقبل القبلة وركع ركعات، ثم توفى يوم الإثنين الرابع من جمادى الأولى منها وقد جاوز المائة، وصلى عليه بجامع جراح، ودفن بمقابر باب الصغير. الشيخ يعقوب بن محمد بن حسن الزرزارى الكردى العدوى، توفى فى هذه السنة. الشيخ الإمام العالم العلامة محمود (٢) بن أبى بكر بن أبى العلاء الكلاباذى (٣) البخارى الفرضى، الملقب شمس الدين، أحد السادات الحنفية. له المصنفات الفائقة فى الفرائض وغيرها (٤)، وكان محدثا متقنا فاضلا، حسن الأخلاق، سمع ببخارى وقدم بغداد، فأقام بها يسمع وصنف وكتب، ثم رحل إلى دمشق والقاهرة وسمع بها من أصحاب ابن طبرزد والكندى، وحدّث.

стр. 1526

قال الذهبى: هو رأس فى الفرائض، عارفا بالحديث والرجال، جم الفضائل، مليح الكتابة، واسع الرحلة، سوّد كتابا كبيرا فى (١) مشتبه النسب (٢) ونقلت منه كثيرا، وسمع منه الحافظ المزّى وابن سيد الناس وغيرهما. ومولده ببخارى فى مستهل جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وستمائة. وفى تاريخ ابن كثير: توفى بدمشق فى العشر الأول من ربيع الأول سنة سبعمائة (٣). وذكر غيره: أنه مات بماردين. الشيخ الصالح المسند عز الدين أحمد (٤) بن عبد الحميد بن عبد الهادى بن يوسف بن قدامة المقدمى. كان شيخا مباركا كثير الصلاة والذكر، حسن الخلق، متوددا إلى الناس، سمع جماعة، وحدّث بجميع مسموعاته، مات فى هذه السنة (٥) بجبل الصالحية، ودفن بتربة الشيخ موفق الدين بقاسيون. الشيخ عماد الدين القصاص (٦)، الفقيه الأحمدى المزمزم.

стр. 1527

مات فيها (١) بزاويته بميدان الحمصى، ودفن بمقابر الصغير، وكان فقيرا حسنا، مليح الشيبة، معروفا مشهورا. الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن أبى بكر عبد الرحمن بن عبد الله الكنجى. جاور بجامع بنى أمية بدمشق أكثر من ستين سنة، وسمع من الزين خالد، والحرستانى، وابن عبد الدايم، وابن البرهان، وكان من الصلحاء الأخيار، كثير الذكر والعبادة، مات فى هذه السنة، وكان قد بلغ تسعين سنة، ودفن بمقابر باب الصغير. الشيخ يوسف (٢) بن أحمد بن أبى بكر الغسولى الصالحى الحجار (٣). كان قد انفرد بالرواية عن موسى (٤) بن الشيخ عبد القادر وبأشياء، ومولده فى سنة اثنتى عشرة وستمائة، ومات فى هذه السنة. الشيخ الصالح عبد الله، المعروف بالفانولة. كان من عقلاء المجانين، وله كرامات ومكاشفات وكان على حاله مسفة من خشونة العيش، مات بمسجد الرفاعة (٥) [٢٤٩] العتيقة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون بتربة المولّهين.

стр. 1528

الشيخ عمار المشرقى المولّه. كانت له كرامات ومكاشفات، وكان يعلق فى رقبته عظام الجمال، مات فى هذه السنة. الشيخ الكبير المعمّر شمس الدين أبو إسحاق إبراهيم (١) بن أبى بكر بن عبد العزيز الجزرى الكتبى، المعروف بالفاشوشة، ويعرف أيضا بابن سمعون. كان مشهورا بالكتب ومعرفيها والتجارة فيها، وكانت عنده فضيلة تامّة، ومذاكرة حسنة، ومروءة كثيرة، وكرم نفس، كثير السعى فى حوائج أصحابه. وعلى ذهنه قطعة جيدة من التاريخ وأيام الناس وماجراياتهم. وله نظم حسن، فمنه قوله: وما ذكرتكم إلاّ وضعت يدى … على حشاشة قلب قلّ ما بردا وما تذكرت أياما بكم سلفت … إلا تحدّر من عينى ما بردا (٢) وله مخمّس: ولما وقفنا بالقوير وعينه … من الربع قد بانوا وبان قرينه وقد كاد من حزن تدكّ حرونه … بكيت على الوادى ففاضت عيونه ونحت على النادى فمالت غصونه

стр. 1529

زمانا تذكرت الحمى وأحبتى … ولذة عيش معهم لى تولّت سقيت رياه من سحائب مقلتى … وأحرقت بان الجروع من حرّ رذى فأسهله مسوده وحزونه وكيف يطيق الغمض أو يعرف الكرى … محبّ جرى من جفن عينيه ما جرى ويؤلمه مسّ النسيم إذا سرى … وإنى امرء أضحى من السقم لا يرى ولا يعرفون الناس إلاّ أنينه سألتكم بالله يا ساكنى قبا … صلوا مغرما أمسى حزينا معذّبا سوى حبكم لم يتخذ قط مذهبا … يحنّ اشتياقا كلما هبّت الصبا وتبكيه شجوا سرب سلع وعينه له مهجة ذاب بطول عنائها … وأجفانه قد فرّجت من دمائها رحلتم فأضحى ذاهب العقل تائها … وما جادت السحب العوادى بمائها سل الذى جادت عليكم جفونه لقد شمتت من بعد بعدكم العدا … وقد بان يوم البين طرفى مسهدا فرقوا الصبّ بالسقام قد ارتدى … تهيّجه نوح الحمام إذا شدى ويعلقه وجدانه وحنينه غدا يوم وشك البين فى زىّ حابر … يسائل عنكم كل عاد سائر حكمتم عليه فى الهوى حكم جائر … ولولاكم ما هاجه نوح طاير ولا فاض من أجل الظبا عيونه

стр. 1530

ألا أيها الحادى المحث لركبه … إذا جزت فى وادى الأواك وكثبه فقل للظبا الراتعات بسربه … لكل محبّ فنّ وجد يحبّه وصبّكم فيكم كثير فنونه مات بدمشق فى التاسع عشر من رجب منها، ودفن بسفح قاسيون، ومولده سنة اثنتين وستمائة بالجزيرة العمريّة. الشيخ أبو جلنك أحمد (١) بن أبى بكر الحلبى، الشاعر المشهور. كان بقلعة حلب أيام وصول التتار إليها، فنزل هو وجماعة للكشف والإغارة على التتار، فوقعت نشابة فى فرسه فمات وبقى راجلا، فأسروه وأحضروه بين يدى المقدم، فسأله عن عسكر المسلمين فكثّرهم ورفع شأنهم، فأمر بقتله، فقتل. ومن نظمه قوله: أتى العذار بماذا أنت معتذر … وأنت كالوجد لا تبقى ولا تذر [٢٥٠] لا عذر يقبل إذ نم (٢) … العذار ولا ينجيك من شرّه خوف ولا حذر (٣) كأننى بوحوش الشعر قد أنست (٤) … بوجنتيك وبالعشاق قد نفروا

стр. 1531

وكلما مرّ بى مرد أقول لهم … قفوا (١) انظروا وجه هذا الحرّ و (٢) اعتبروا هذا الذّى قد سرت يا صاحبىّ له … بقبح سيرته بين الورى سير قد كان شكلا نقى الخد معتدلا … كأنه غصن بان فوقه قمر ذا حمرة وبياض فوق وجنته … لها اجتماع بطرف زانه الحور وحكمه نافذ فى عاشقيه فلا … يخالفون له أمرا إذا أمروا فعاد لحيان فانفلّ الجماعة إذ … رأوا طريقا إلى السلوان وانتصروا وعاد فى قبضهم لا شكر (٣) … جودلة الأفراح والدمع من عينيه منهمر يبكى على ما مضى من حسنه اسفا … وعسكر الشعر من خدّيه معتكر لا يستطيع له ردّا وكم حرصوا … بردّ ذلك أقوام فما قدروا فهذه الموتة الأولى تجرّعها … فصار أولى من الدنيا به الحفر فاقرأ على نعشه آخر سبأ فلقد … جاءت بما يقتضى أحواله السور إذ كان حاحبه نونا وناظره صادا … وعشّاقه من حوله زمر إذا رأى عاشقا فى النازعات غدا … ما بعدها وهو قد أودى به الضرر فعاد والليل يغشى نور طلعته … وزال عن عاشقيه الهم والحصر هذا جزاؤك يا من لا وفاء له … والعاشقون لهم طوبى بما صبروا (٤)

стр. 1532

وله: جعلتك المقصد الأقصى وموطنك ال … بيت المقدّس من روحى وجثمانى (١) وقلبك الصخرة الصّماء حين قست … قامت قيامة أشواقى وأشجانى أما إذا كنت ترضى أن تقاطعنى … وأن يزورك ذا زور وبهتان فلا تغرك (٢) … نار فى حشاى فمن وادى جهنم تجرى عين سلوان ولآخر ألطف من هذا: أيا قدس حسن قلبه الصخرة التى … قست فهى لا ترثى لصبّ متيّم ويا سولى الأقصى عينى باب رحمة … ففى كبد المشتاق وادى جهنم ولأبى جلنك المذكور فى مليح يصفع عاشقه: وشادن يصفع مغرى به … براحة أندى من الوابل فصحت فى الناس: ألا فاعجبوا … بحر غدا يلطم فى الساحل (٣) الأمير عز الدين أيدمر (٤) الظاهرى، الذى كان نائب الشام فى الأيام الظاهرية.

стр. 1533

مات برباطه بالجبل (١) ودفن به، وكان رجلا كبير للقدر، شجاعا مقداما، كريم النفس، وكانت له جماعة من المماليك [٢٥١] أمراء، فمن جملتهم الأعسر وأيدمر النقيب وآخرون. الأمير عز الدين محمد (٢) بن أبى الهيجاء الهمدانى الإربلى متولى دمشق. كانت لديه فضائل كثيرة فى التاريخ والشعر، وربما جمع شيئا من ذلك، قيل: جمع مجلدا ابتدأ فيه من النبى ﵇ إلى وقعة قازان، وكان يسكن درب سعود فعرف به. فيقال: درب بن أبى الهيجاء. وقال ابن كثير: وهو أول منزل نزلناه حتى قدمنا دمشق فى سنة ست وسبعمائة (٣). وكانت وفاة ابن أبى الهيجاء فى طريق مصر بالسّوادة، ونقل إلى جبل قاسيون، فدفن به، ومولده سنة عشرين وستمائة بإربل، ومات وله ثمانون سنة، وكان مشكور السيرة، حسن المحاضرة. الأمير جمال الدين أقوش (٤) الشريفى، والى الولاة بالبلاد القبلية. وتولى نيابة الصلت أيضا، توفى فى شوال منها، وكانت له هيبة وسطوة.

стр. 1534

الأمير الكبير سيف الدين بلبان (١) السلحدار المنصورى، المعروف بالطباخى. مات بالعسكر على الساحل وهو البيكار الذى خرج فيه السلطان إلى جهة الشام، ودفن عند قبر بنيامين بن يعقوب ﵇، فورثه الملك الناصر بالولاء وصارت إليه أمواله ومماليكه، وكان من أعيان الأمراء وشجعانهم، وأكثرهم مماليك وأصحاب، ولى نيابة السلطنة بحلب مدة، وكانت سيرته فى ولايته حميدة، وكان قليل الأذى، كان إذا غضب على أحد يكون عقوبته البعد عنه من غير ضرب ولا مصادرة. وفى النزهة: كان بلبان هذا اشتراه الحاج إبراهيم أخو جاشنكير الملك المنصور، فرباه وهو صغير، وكان يدخل مع أستاذه يحمل سرموحته عند قلاون وهو أمير، فرآه فطلبه منه وأخذه، وعوضه عن ثمنه ثلاثة آلاف درهم، واستمر عنده إلى أن تسلطن قلاون وكان من أمره ما كان. الطواشى صفى الدين جوهر (٢) التفليسى المحدث. اعتنى بسماع الحديث وتحصيل الأجزاء، وكان رجلا جيدا، مباركا صالحا، ووقف أجزاءه (٣) التى ملكها على المحدثين، مات فى هذه السنة، ﵀.

стр. 1535

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الحادية بعد السّبعمائة (¬*) استهلّت هذه السنة: والسلطان هو: الملك الناصر، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسى، ونوّاب البلاد والقضاة وهم المذكورون قبلها. ذكر جواب السّلطان عن كتاب قازان: قد ذكرنا كتاب قازان إلى الملك الناصر فى السنة الماضية، وذكرنا نسخته (١). وفى أول هذه السنة حصل الاهتمام بإعادة جواب كتاب قازان وإرسال الرسل إليه، فجهز إليه الأمير حسام الدين أزدمر المجيرى أحد الأمراء (٢)، والقاضى عماد الدين بن السكرى (٣) من أعيان القضاة والكبراء، وكتب الجواب على يدهما، وأنشأ الكتاب وكتبه القاضى علاء الدين (٤) بن محيى الدين بن عبد الظاهر.

стр. 1536

ذكر نسخة الكتاب (١) بسم الله الرحمن الرحيم: بقوة الله وميامين الملة المحمدية. أما بعد حمد الله الذى جعلنا من السابقين الأولين الهادين المهتدين، التابعين لسنة سيد المرسلين بإحسان إلى يوم الدين، والصلاة (٢) على سيدنا محمد، والسلام على آله وصحبه الذين فضل الله من سبق منهم إلى الإيمان فى كتابه المكنون. فقال : ﴿(وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)﴾ (٣). بإقبال دولة السلطان الملك الناصر، كلام محمد بن قلاون. فليعلم السلطان المعظم محمود غازان أن كتابه ورد، فقابلناه [٢٥٢] بما يليق بمثلنا لمثله من الإكرام، ورعينا له حق القصد فتلقيناه منا بسلام، وتأملناه تأمل المتفهم لدقائقه، والمستكشف عن حقائقه، فألفيناه قد تضمن مؤاخذة بأمور، هم بالمؤاخذة عليها أحرى، معتذرا فى التعدى بما جعله ذنوبا لبعض طالب بها الكل، والله تعالى يقول: ﴿(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)﴾ (٤).

стр. 1537

أما حديث من أغار على ماردين فمن (١) رجّالة بلادنا المتطرفة، وما نسبوه إليهم من الإقدام على الأمور البديعة، والأحوال الشنيعة. وقولهم إنهم أنفوا من تهجّمهم، وغاروا من تقحمهم، واقتضت الحمية ركوبهم فى مقابلة ذلك، فقد تلمّحنا هذه الصورة التى أقاموها عذرا فى العدوان، وجعلوها سببا إلى ما ارتكبوه من طغيان، فالجواب (٢) عن ذلك أن الغارات من الطرفين، لم يحصل من المهادنة والموادعة ما يكف يدها الممتدة، ولا يغير هممها المستعدة، وقد كان آباؤكم وأجدادكم على ما علمتم من الكفر والنفاق، وعدم المصافاة للإسلام والوفاق، ولم يزل ملك ماردين ورعاياه منفذين ما يصدر من الأذى للبلاد والعباد، عنهم متوليّين، كبر مكرهم، والله تعالى يقول: ﴿(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)﴾ (٣). وحيث جعلتم هذا ذنبا موجبا للحمية الجاهلية، وحاملا على الانتصار الذى زعمتم أن هممكم به مليّة، فقد كان هذا القصد الذى ادعيتموه يتم بالانتقام من [أهل (٤)] تلك الأطراف التى أوجب ذلك فعلها، والاقتصار على أخذ الثأر ممن ثار، اتباعا لقوله تعالى: ﴿(وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)﴾ (٥) لا أن تقصدوا الإسلام بالجموع الملفقة على اختلاف الأديان، وتطأوا البقاع الطاهرة بعبدة الصلبان، وتنتهكوا حرمة البيت المقدس الذى هو ثانى بيت [الله (٦)] الحرام، وشقيق مسجد

стр. 1538

رسول الله ﵊، وإن احتججتم بأن زمام تلك الغارة (١) بيدنا، وسبب تعدّيهم من سببنا، فقد أوضحنا الجواب عن ذلك، وأن عدم الصلح والموادعة أوجب سلوك هذه المسالك. وأما ما ادعوه من سلوك سنن المرسلين، واقتفاء آثار المتقدمين فى إنفاذ الرسل أولا، فقد تلمحنا هذه الصورة، وفهمنا ما أوردوه من الآيات المسطورة، والجواب عن ذلك أنهم (٢) ما وصلوا إلا وقد دنت الخيام من الخيام، وناضلت السهام عن السهام، وشارف القوم القوم، ولم يبق للقاء إلا يوم أو بعض يوم، وأشرعت الأسنة من الجانبين، ورأى كلّ خصمه رأى العين، ولا نحن (٣) ممن لاحت له رغبة راغب، فتشاغل عنها ولها، ولا ممن يسالم فيقابل ذلك بجفوة النفار والله تعالى يقول: ﴿(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها)﴾ (٤). كيف والكتاب بعنوانه، وأمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول: ما أضمر الإنسان شيئا إلا أظهره (٥) الله فى صفحات وجهه وفلتات لسانه. ولو كان حضور هؤلاء الرسل والسيوف وادعة فى أغمادها، والأسنة مستكنة فى أعوادها، والسهام غير مفوقة، والأعنة غير مطلقة، لسمعنا خطابهم، وأعدنا جوابهم. وأما ما أطلقوا به لسان قلمهم، وأبدوه من غليظ كلمهم فى قولهم: فصبرنا على تماديكم [٢٥٣] فى غيّكم، وإخلادكم إلى بغيكم، فأىّ صبر ممن أرسل

стр. 1539

عنانه إلى المكافحة، قبل إرسال [رسل (١)] المصالحة، وجاس خلال الديار، قبل ما زعمه من الإنذار والإعذار، وإذا فكروا فى هذه الأسباب، ونظروا فيما صدر عنهم من خطاب، علموا الغدر فى تأخير الجواب، وما يتذكر إلا أولوا الألباب (٢). وأما ما يتحججوا به مما اعتقدوه من نصرة، وظنوا (٣) من أن الله جعل لهم على حزبه الغالب فى كل كرة الكرّة، فلو تأملوا ما ظنّوه ربحا لوجدوه هو الخسران المبين، ولو أمعنوا (٤) النظر فى ذلك لما كانوا به مفتخرين، ولتحققوا أن الذى اتفق لهم كان غرما لا غنما، وتدبّروا معنى قوله تعالى: ﴿(إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً)﴾ (٥). ولم يخف عنهم ما أبلته السيوف الإسلامية منهم، وقد رأوا عزم من حضر من عساكرنا التى لو كانت مجتمعة عند اللقاء لما ظهر خبر عنهم، فإنا كنا فى مفتتح ملكنا، ومبتدى أمرنا، حللنا بالشام للنظر فى أمور البلاد والعباد، فلما تحققنا خبركم، وقفونا أثركم، بادرنا نقدّ أديم الأرض سيرا، وأسرعنا لندفع عن المسلمين ضررا وضيرا، ونؤدى من الجهاد السنة والفرض، ونعمل بقوله تعالى: ﴿(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ)﴾ (٦).

стр. 1540

فاتفق اللقاء بمن حضر من عساكرنا المنصورة، وثوقا بقوله تعالى: ﴿(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً)﴾ (١)، وإلا فأكابركم يعلمون وقائع الجيوش الإسلامية التى كم وطئت موطئا يغيظ الكفار، فكتب لها به عمل صالح، وسارت فى سبيل الله يفتح الله عليها أبواب المناجح، وتعدّدت أيام نصرتها التى لو دققتم الفكر فيها لأزالت ما حصل عندكم من لبس، ولما قدرتم أن تنكروها، وفى تعب من يجحد ضوء الشمس، وما زال الله لها نعم المولى ونعم النّصير، وإذا راجعتموهم قصّوا عليكم نبأ النصرة: ﴿(وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)﴾ (٢). وما زالت تتفق الوقائع بين الملوك والحروب، وتجرى المواقف التى هى بتقدير الله فلا فخر فيها للغالب ولا عار على المغلوب، وكم من ملك أستظهر عليه ثم نصر، وعاوده التأييد فجبره بعد ما كسر، خصوصا ملوك هذا الدين، فإن الله تكفّل لهم بحسن العقبى فقال سبحانه: ﴿(وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)﴾ (٣). وأما إقامتهم الحجة علينا، ونسبتهم التفريط إلينا، كوننا لم نسيّر إليهم رسولا عند حلولنا بدمشق، فنحن عندما وصلنا إلى الديار المصرية لم نزد على أن اعتددنا وجمعنا جيوشنا من كل مكان، وبذلنا فى الاستعداد غاية الجهد والإمكان، وأنفقنا جزيل الأموال فى جمع العساكر والجحافل، ووثقنا بحسن الحلف لقوله تعالى ﴿(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ)﴾ (٤).

стр. 1541

ولما خرجنا من الديار المصرية بلغنا خروج الملك من البلاد، لأمر حال بينه وبين المراد، فتوقفنا عن المسير توقف من أغنى رغبة عن حث الركاب، وتلبثنا تلبث الراسيات، ﴿(وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ)﴾ (١) وبعثنا طائفة من العساكر لمقابلة من أقام بالبلاد، فما لاح لهم منهم بارق ولا ظهر، وتقدمت فلحقت (٢) من حمله على التأخير الغرر، ووصلت الفرات فما وقعت للقوم على أثر. [٢٥٤] وأما قولهم إنا ألقينا فى قلوب العساكر والعوام أنهم فيما بعد يلتقوننا على حلب أو الفرات. وأنهم جمعوا العساكر ورحلوا إلى [الفرات وإلى] (٣) حلب مرتقبين وصولنا، فالجواب عن ذلك أنه من حين بلغنا حركتهم جزمنا، وعلى لقائهم عزمنا، وخرجنا وخرج أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ابن عم سيدنا رسول الله، [ ﷺ (٤)]، الواجب الطاعة على كل مسلم، المفترض المبايعة والمتابعة على كل معترض (٥) ومسلّم، طائعين لله ولرسوله فى أداء فرض الجهاد، باذلين فى القتال (٦) بما أمرنا الله غاية الاجتهاد، لا يتم أمر دين ولا دينا إلا بمتابعته (٧)، ومن والاه فقد حفظه الله وتولاه، ومن عانده أو عاند من أقامه فقد أذلّه الله،

стр. 1542

فحين وصلنا إلى البلاد الشامية تقدّمت عساكرنا تملأ السّهل والجبل، وتبلغ بقوة الله فى النّصر الرجاء والأمل، ووصلت أوائلها إلى أطراف بلاد حماة وتلك النواحى، فلم يقدم أحد عليها، ولا جسر أن يمدّ حتى ولا الطرف إليها، فلم نزل مقيمين حتى بلغنا رجوع الملك إلى البلاد، وإخلافه موعد اللقاء، والله لا يخلف الميعاد (١)، فعدنا لاستعداد جيوشنا التى لم تزل تندفع فى طاعة الله تعالى اندفاع السيل، عاملين بقول الله تعالى: ﴿(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ)﴾ (٢). وأما ما جعلوه عذرا فى الإقامة بأطراف البلاد وعدم الإقدام عليها، وأنهم لو فعلوا ذلك [ودخلوا بجيوشهم (٣)] ربما أفسد (٤) البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها، فقد فهم هذا المقصود، ومتى ألفت البلاد والعباد منهم هذا الإشفاق؟، ومتى اتصفت جيوشهم بهذه الأخلاق؟، وها آثارهم موجودة، ودعاوى خلافها بمشاهدة الحال مردودة، وهل هذا اعتماد من رمق شخص الإسلام بإنسانه؟، كيف ورسول الله ﵇ (٥) يقول (المسلم من سلم

стр. 1543

الناس من يده ولسانه (١)، وأسارى المسلمين عندهم فى أشدّ وثاق، فى يد الأرمن والتكفور منهم ما يخالف ما أدعوه من الإشفاق (٢). وقد كان المسلمون غزوا عسكر أبغا وقتلوا من قتلوا من التتار، وحصل لهم التمكن فى البلاد والاستظهار. واستولوا على ملك آل سلجوق ولا (٣) تعرضوا لدار ولا جار، ولا عفوا أثرا من الآثار، ولا حصل لمسلم منهم ضرر، ولا أوذى فى ورد ولا صدر، وكان أحدهم يشترى قوته بدرهمه وديناره، ويأبى أن يمتد إلى أحد من المسلمين يد أضراره، هذه سنة أهل الإسلام، وفعل من يريد لملكه الدوام. وأما ما أرعدوا به وأبرقوا، وأرسلوا فيه عنان قلمهم وأطلقوا، وما أبدوه من الاهتمام بجمع العساكر، وتهيئة المجانيق إلى غير ذلك مما ذكروه من التهويل، فالله تعالى يقول: ﴿(الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)﴾ (٤). وأما قولهم وإلا فدماء المسلمين مطلولة، فما كان أغناهم عن هذا الخطاب، وأولاهم بأن لا يصدر عن ذلك جواب، ومن قصده الصّلح والإصلاح، كيف يقول هذا القول الذى عليه فيه من جهة الله وجهة رسوله [٢٥٥] أى جناح؟

стр. 1544

وكيف يضمر هذه النية، وينجح بهذه الطوية، ولم يخف مواقع هذا القول وخلله؟، والنبى ﷺ يقول: (نية المرء أبلغ من عمله) (١). وبأىّ طريق تهدر دماء المسلمين التى (٢) من تعرض إليها يكون الله له فى الدنيا والآخرة مطالبا وغريما، ومؤاخذا بقوله تعالى: ﴿(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً)﴾ (٣). وإذا كان الأمر كذلك فالبشرى لأهل الإسلام بما نحن عليه من الهمم المصروفة إلى الاستعداد وجمع العساكر التى يكون لها الملائكة الكرام إن شاء الله [تعالى (٤)] من الإمداد (٥)، والاستكثار من الجيوش الإسلامية المتوفرة العدد، المتكاثرة المدد، المدعوة بالنصر الذى يحفها فى الظعن والإقامة، الواثقة بقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على عدوهم إلى يوم القيامة (٦)، المبلغة فى دين الله آمالا، المستعدة لإجابة داعى الله إذ قال: ﴿(انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً)﴾ (٧).

стр. 1545

وأما رسلهم وهم فلان وفلان فقد وصلوا إلينا، ووفدوا علينا، فأكرمنا وفادتهم، وعززنا لأجل مرسلهم من الإقبال مادتهم، وسمعنا خطابهم، وأعدنا جوابهم، هذا مع كوننا لم يخف علينا انحطاط قدرهم، ولا ضعف أمرهم، وأنهم ما دفعوا لأفواه الخطوب، إلا لما ارتكبوه من ذنوب، وما كان ينبغى أن يرسل مثل هؤلاء لمثلنا من مثله، ولا يندب لهذا المهم إلا من يجمع على فصل خطابه وفضله. وأما ما التمسوه من الهدايا والتحف، فلو قدموا من هداياهم حسنة لعوضناهم بأحسن منها، ولو أتحفونا (١) بتحفة لقابلنا [هم] (٢) بأجل عوض عنها، وقد كان عمه الملك أحمد (٣) راسل والدنا السلطان الشهيد، وناجاه بالهدايا والتحف من مكان بعيد، وتقرب إلى قلبه بحسن الخطاب، فأحسن له الجواب، وأتى البيوت من أبوابها بحسن الأدب، وتمسك من الملاطفة بأقوى سبب. والآن فحيث انتهت الأجوبة إلى حدها، وأدركت الآنفة من مقابلة ذلك الخطاب غاية قصدها، فنقول: إذا (٤) جنح الملك للسلم جنحنا لها، وإذا دخل فى الملة المحمدية ممتثلا ما أمر الله به مجتنبا ما عنه نهى، وانضم فى سلك الإيمان، وتمسك بموجباته تمسّك المتشرف بدخوله فيه لا المنّان، وتجنب التشبه بمن قال الله فى حقهم: ﴿(قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ)﴾ (٥)،
следующие страницы →