ولما خرجنا من الديار المصرية بلغنا خروج الملك من البلاد، لأمر حال بينه وبين المراد، فتوقفنا عن المسير توقف من أغنى رغبة عن حث الركاب، وتلبثنا تلبث الراسيات، ﴿(وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ)﴾ (١) وبعثنا طائفة من العساكر لمقابلة من أقام بالبلاد، فما لاح لهم منهم بارق ولا ظهر، وتقدمت فلحقت (٢) من حمله على التأخير الغرر، ووصلت الفرات فما وقعت للقوم على أثر.
[٢٥٤] وأما قولهم إنا ألقينا فى قلوب العساكر والعوام أنهم فيما بعد يلتقوننا على حلب أو الفرات. وأنهم جمعوا العساكر ورحلوا إلى [الفرات وإلى] (٣) حلب مرتقبين وصولنا، فالجواب عن ذلك أنه من حين بلغنا حركتهم جزمنا، وعلى لقائهم عزمنا، وخرجنا وخرج أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ابن عم سيدنا رسول الله، [ ﷺ (٤)]، الواجب الطاعة على كل مسلم، المفترض المبايعة والمتابعة على كل معترض (٥) ومسلّم، طائعين لله ولرسوله فى أداء فرض الجهاد، باذلين فى القتال (٦) بما أمرنا الله غاية الاجتهاد، لا يتم أمر دين ولا دينا إلا بمتابعته (٧)، ومن والاه فقد حفظه الله وتولاه، ومن عانده أو عاند من أقامه فقد أذلّه الله،
стр. 1542
فحين وصلنا إلى البلاد الشامية تقدّمت عساكرنا تملأ السّهل والجبل، وتبلغ بقوة الله فى النّصر الرجاء والأمل، ووصلت أوائلها إلى أطراف بلاد حماة وتلك النواحى، فلم يقدم أحد عليها، ولا جسر أن يمدّ حتى ولا الطرف إليها، فلم نزل مقيمين حتى بلغنا رجوع الملك إلى البلاد، وإخلافه موعد اللقاء، والله لا يخلف الميعاد (١)، فعدنا لاستعداد جيوشنا التى لم تزل تندفع فى طاعة الله تعالى اندفاع السيل، عاملين بقول الله تعالى: ﴿(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ)﴾ (٢).
وأما ما جعلوه عذرا فى الإقامة بأطراف البلاد وعدم الإقدام عليها، وأنهم لو فعلوا ذلك [ودخلوا بجيوشهم (٣)] ربما أفسد (٤) البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها، فقد فهم هذا المقصود، ومتى ألفت البلاد والعباد منهم هذا الإشفاق؟، ومتى اتصفت جيوشهم بهذه الأخلاق؟، وها آثارهم موجودة، ودعاوى خلافها بمشاهدة الحال مردودة، وهل هذا اعتماد من رمق شخص الإسلام بإنسانه؟، كيف ورسول الله ﵇ (٥) يقول (المسلم من سلم
стр. 1543
الناس من يده ولسانه (١)، وأسارى المسلمين عندهم فى أشدّ وثاق، فى يد الأرمن والتكفور منهم ما يخالف ما أدعوه من الإشفاق (٢).
وقد كان المسلمون غزوا عسكر أبغا وقتلوا من قتلوا من التتار، وحصل لهم التمكن فى البلاد والاستظهار. واستولوا على ملك آل سلجوق ولا (٣) تعرضوا لدار ولا جار، ولا عفوا أثرا من الآثار، ولا حصل لمسلم منهم ضرر، ولا أوذى فى ورد ولا صدر، وكان أحدهم يشترى قوته بدرهمه وديناره، ويأبى أن يمتد إلى أحد من المسلمين يد أضراره، هذه سنة أهل الإسلام، وفعل من يريد لملكه الدوام.
وأما ما أرعدوا به وأبرقوا، وأرسلوا فيه عنان قلمهم وأطلقوا، وما أبدوه من الاهتمام بجمع العساكر، وتهيئة المجانيق إلى غير ذلك مما ذكروه من التهويل، فالله تعالى يقول: ﴿(الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)﴾ (٤).
وأما قولهم وإلا فدماء المسلمين مطلولة، فما كان أغناهم عن هذا الخطاب، وأولاهم بأن لا يصدر عن ذلك جواب، ومن قصده الصّلح والإصلاح، كيف يقول هذا القول الذى عليه فيه من جهة الله وجهة رسوله [٢٥٥] أى جناح؟
стр. 1544
وكيف يضمر هذه النية، وينجح بهذه الطوية، ولم يخف مواقع هذا القول وخلله؟، والنبى ﷺ يقول: (نية المرء أبلغ من عمله) (١). وبأىّ طريق تهدر دماء المسلمين التى (٢) من تعرض إليها يكون الله له فى الدنيا والآخرة مطالبا وغريما، ومؤاخذا بقوله تعالى: ﴿(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً)﴾ (٣).
وإذا كان الأمر كذلك فالبشرى لأهل الإسلام بما نحن عليه من الهمم المصروفة إلى الاستعداد وجمع العساكر التى يكون لها الملائكة الكرام إن شاء الله [تعالى (٤)] من الإمداد (٥)، والاستكثار من الجيوش الإسلامية المتوفرة العدد، المتكاثرة المدد، المدعوة بالنصر الذى يحفها فى الظعن والإقامة، الواثقة بقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على عدوهم إلى يوم القيامة (٦)، المبلغة فى دين الله آمالا، المستعدة لإجابة داعى الله إذ قال: ﴿(انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً)﴾ (٧).
стр. 1545
وأما رسلهم وهم فلان وفلان فقد وصلوا إلينا، ووفدوا علينا، فأكرمنا وفادتهم، وعززنا لأجل مرسلهم من الإقبال مادتهم، وسمعنا خطابهم، وأعدنا جوابهم، هذا مع كوننا لم يخف علينا انحطاط قدرهم، ولا ضعف أمرهم، وأنهم ما دفعوا لأفواه الخطوب، إلا لما ارتكبوه من ذنوب، وما كان ينبغى أن يرسل مثل هؤلاء لمثلنا من مثله، ولا يندب لهذا المهم إلا من يجمع على فصل خطابه وفضله.
وأما ما التمسوه من الهدايا والتحف، فلو قدموا من هداياهم حسنة لعوضناهم بأحسن منها، ولو أتحفونا (١) بتحفة لقابلنا [هم] (٢) بأجل عوض عنها، وقد كان عمه الملك أحمد (٣) راسل والدنا السلطان الشهيد، وناجاه بالهدايا والتحف من مكان بعيد، وتقرب إلى قلبه بحسن الخطاب، فأحسن له الجواب، وأتى البيوت من أبوابها بحسن الأدب، وتمسك من الملاطفة بأقوى سبب.
والآن فحيث انتهت الأجوبة إلى حدها، وأدركت الآنفة من مقابلة ذلك الخطاب غاية قصدها، فنقول: إذا (٤) جنح الملك للسلم جنحنا لها، وإذا دخل فى الملة المحمدية ممتثلا ما أمر الله به مجتنبا ما عنه نهى، وانضم فى سلك الإيمان، وتمسك بموجباته تمسّك المتشرف بدخوله فيه لا المنّان، وتجنب التشبه بمن قال الله فى حقهم: ﴿(قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ)﴾ (٥)،
стр. 1546
وطابق فعله قوله، ورفض الكفار الذين لا يحل له أن يتخذهم حوله، وأرسل إلينا رسولا من جهته يرتل آيات الصلح ترتيلا، ويروق جوابه وخطابه حتى يتلو كل أحد: ﴿(يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)﴾ (١). صارت حجتنا وحجته المركبة على من خالف ذلك، وكلمتنا وكلمته قامعة أهل الشرك فى سائر الممالك، ومظافرتنا له تكسب الكافرين هوانا، والمشاهد لتصافينا يتلو قوله تعالى: ﴿(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً)﴾ (٢).
وينتظم إن شاء الله شمل الصلح أحسن انتظام، ويحصل التمسك من الموادعة والمصافاة بعروة لا انفصال لها [٢٥٦] ولا انفصام، وتستقر قواعد الصلح على ما يرضى الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام (٣).
قال صاحب النزهة: وختم الكتاب وأرسل على يد الرسل الذين ذكرناهم من جهة السلطان صحبة الرسل الواردين من جهة قازان فى العشرين من المحرم من هذه السنة.
ذكر ما جرى للأمير حسام الدّين المجيرى مع قازان:
قال القاضى جمال الدين بن الكرم فى تاريخه (٤): قال المجيرى لما حضرت بين
стр. 1547
يدى قازان أوقفنى بعيدا (١) منه وسألنى عن أمور كثيرة وتحدث مع الحجاب، فكان أول كلامه لى: ما اسمك؟ قلت: أزدمر. قال: لا أنتم تتسمون بأسماء ثلاثة، قلت: نعم. قال: وما هى أسماؤك أنت؟ قلت: حسام الدين أزدمر المجيرى. قال: وما معنى المجيرى؟ قال: فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان، نحن يشترينا التجار ونحن صغار، ثم يجلبوننا إلى البلاد، ينسب كل منا إلى اسم تاجره أو لقبه، وكان اسم أستاذى الذى اشترانى مجير الدين. فقالوا لى: المجيرى. قال: صدقت، ثم قال: ما جنسك؟ قلت: تركى. قال:
من أىّ الترك؟ قلت: من قفجاق. قال: صدقت.
قال المجيرى: لما سألنى قازان عن أشياء كثيرة، فجاوبته عنها، وعرف منى الصدق فى القول، قربنى إليه (٢)، ثم سألنى عن أشياء أخرى منها: أنه قال لى: ما محلك عند السلطان - يعنى الملك الناصر -؟ قلت: جندى. قال:
جندى؟ قلت: نعم. قال: فنظر إلى وأطال نظره، ثم قال: مثل ملك مصر يرسل إلى مثلى جنديا. قلت: نعم. قال: ما أنت أمير؟ قلت: نعم. قال:
على بابك طبلخاناة. قلت: نعم. قال: فكيف تقول: أنا جندى. قال:
فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان إنما الأمير هو جندى السلطان، والجندى هو جندى الأمير وكلنا جند الله، ثم قال لى: أنت مملوك هذا السلطان وشراء ماله. قلت: مملوكه ومملوك أبيه وأخيه، وهو الذى أحسن لى وأنشأنى وعمل
стр. 1548
معى خيرا، وعمل على بابى طبلخاناة، وإنما أنا مملوك الملك الظاهر البندقدارى، ثم قال لى: كم رأيت مصافا؟ قلت: فى نفسى ما للسكوت محل، فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان، إنى كنت مع جدك هلاون نوبة تمرقابو، قال: لما سمع هذا الكلام أطرق برأسه إلى الأرض، ثم التفت إلى شيخ من التركمان إلى جانبه وتحدّث معه، ثم قال: كيف هربتم منا؟ فقبلت الأرض وقلت: عسكرا كثيرا لهم سنون يهربون منا، ونحن هربنا منكم مرة واحدة، وما كان هروبنا منكم خوفا من كثرتكم ولكن احتقارا بكم. قال الملك:
كيف ذلك؟ قلت: يحفظ الله القان، نحن كسرنا التتر مرات عديدة مدة سنين من أيام جدك هلاون حتى صار ملتقاهم علينا أهون ما يكون، وإن عساكر مولانا السلطان الملك الناصر عساكر كثيرة وخلق عظيم لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وإن لنا أعداء كثيرة من سائر الأقاليم، ولنا إقليم يعرف ببلاد قوص، وهى تجاور بلاد السودان، تركنا فيها عشرة آلاف فارس، وتركنا أيضا بإقليم يعرف ببلاد دمياط مجاورة لأقاليم الإفرنج عشرة آلاف فارس، وكل هذا مع قلة اهتمامنا بالنثر، وكانت سعادة القان كبيرة، وكان فى ذلك فى الكتاب [٢٥٧] مسطورا.
قال المجيرى: وكلّ هذا جرى بينى وبينه ولم يكن بيننا غير حاجب واحد وهو يسمع كلامى مشافهة، ولم يحصل لى منه حرج إلا فى كلام واحد. قال:
ثم سألنى قازان فقال: كيف يترك أمراؤكم الرجال ويستخدمون الشباب، وأراد بذلك المردان.
قال المجيرى: فعلمت أنه يريد أذاى، فجاوبته بجواب أسخطه علىّ، فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان، إن أمراءنا ما كانوا يعرفون شيئا من
стр. 1549
ذلك، وإنما هذا استجدّ فى بلادنا لما جاء إلينا طرغاى، فإنه لما ورد كان معه شباب من أولاد التتر، فاشتغل الأمراء بهم عن النساء.
قال المجيرى: لما سمع قازان منى هذا الجواب أطرق إلى الأرض وعظم عليه كلامى» والتفت إلى جماعة من أعيان التتر، فنحدث معهم بلسان التتر، وأنا واقف بين يديه، ثم التفت إلى القاضى عماد الدين بن السكرى فقال: يا قاضى تشهد على صاحبك بما قال؟. قال: نعم (١)، والله منذ حضرنا بين يديه إلى حين خروجنا من عنده لم يتحدث مع القاضى عماد الدين غير هذا الكلام.
قال المجيرى: ثم سألنى قازان على لسان حاجبه ما تقول فى نسائنا ونسائكم؟ فقبلت الأرض وقلت: أيدّ الله الملك (٢)، إنه ملك عظيم، فيقبح أن نذكر النساء فى مثل هذا المجلس، إن نساءنا يستحين من الله ومن الناس، فيسترن وجوههن وأما نساؤكم فأنتم أخبر بحالهن. قال: فأطرق قازان رأسه إلى الأرض زمانا، ثم أمر لحاجبه أن يحطونا فى لفة منجنيق ويرمونها.
قال: فلما خرجنا من عنده توضأ للموت، وقام القاضى عماد الدين ليتوضأ وهو يرتعد وتطقطق أسنانه، فتبسمت، فالتفت إلى وقال: يا حسام الدين هذا وقت الضحك قلت له: يا قاضى لا تخف فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
قال المجيرى: كان قازان سألنى قبل أن أخرج من بين يديه كم يكون فى عسكركم مثلك تركى؟ قلت: عشرون ألف من الفرسان، فالتفت الملك غازان إلى أمير على بن بركنجان - وكان بعيدا منه - فأشار إليه، فدنا منه وقال: ما تقول
стр. 1550
فى حسام الدين؟ أصحيح ما يقوله أم لا؟ قال: والله يا خوند (١) ما قال صحيحا.
وحق رأس القان ما فى عسكر مصر مثله خمسة أنفس. قال: فالتفت نحوى وقال: يا حسام الدين تسمع ما قال ابن بركنجان. قلت: وما يقول أيدّك الله؟ قال: يقول إنك ما قلت الصحيح.
قال المجيرى: فقبلت الأرض وقلت: يحفظ الله القان هو والله ما قال الصحيح، وهو من جملة الذين ما رضى بهم السلطان أن يستخدمهم فى عسكر مصر وأعطاه أربعة آلاف درهم فى حلب، ولو وجد فى مصر أربعة آلاف ما هرب وجاء إليكم، فالتفت قازان إلى ابن بركنجان فقال له: أنت من عسكر الشام، فأطرق، فقال قازان: أنت لما جئت إلينا ما قلت أنا من عسكر مصر.
قال المجيرى: قلت وحق رأس القان هو أقل من فى عسكر الشام.
قال: ثم لما خرجنا من بين يدى قازان على أنهم يحطونا فى المنجنيق إذا بمرسوم ثان أتى بأن يحبسونا فى مدرسة هناك ولا يمكنوا أحدا من العبور إلينا لا المهمندار (٢) ولا غيره من الناس ممن نعرف وممن لا نعرف. قال: فعلمنا عند ذلك أنه غضبان علينا، وسنذكر ما جرى عليهم بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 1551
[٢٥٨]
ذكر عصيان عربان الوجه القبلىّ:
قال بيبرس فى تاريخه: وفى هذه السنة كثرت شكوى الولاة الذين بالوجه القبلى من فساد العربان، وما ظهر منهم من العصيان والنفاق والعدوان، وأنهم لم يزدجروا بالجباية التى أخذت منهم فى السنة الماضية، ولم يسيروا مع الرعية والجند السيرة الراضية، بل منعوا الحقوق واعتمدوا العقوق، وقطع أراذلهم الطريق، وهاشوا على الأجناد، وثاروا فى البلاد، وأكثروا من الفساد، فسار الأمير سيف الدين سلار، والأمير ركن الدين أستاذ الدار كفيلا المماليك ومشيراها وممهدا الدولة ومدّبراها إلى الأعمال المذكورة فى جموع من العساكر المنصورة (١)، وفرقا العساكر ثلاثة فرق ليحيطوا بهم برا وبحرا، ويأخذوهم حيث حلوا سهلا ووعرا، فتوجهت فرقة من البر الغربى، وفرقة من الحاجر، وفرقة من البر الشرقى (٢)، وضربوا على البلاد حلقة كحلقة الصيد، فبقى العربان جميعا فى حلقتهم، وحصلوا فى قبضتهم، فما أفلت منهم أحد من ربقتهم، وأخذوهم بنواصيهم وأقدامهم، وجاؤوهم من خلفهم وقدامهم، وأذاقوهم الوبال، ونكلوا بهم كل النكال، وأبادوا مفسديهم، وأهلكوا معتديهم، ومزقوهم تمزيقا، وفرقوهم بيد الحتوف تفريقا، وأوثقوا مشايخهم بالقيود، وملأوا من رهائنهم السجون، وأخذوا ما كان لهم من خيل وإبل وبقر وغنم، ومنعوا أن يركب أحد من العربان فرسا أو يحمل سلاحا، فانطفأت جمراتهم،
стр. 1552
وزالت مضراتهم، وتمهدت تلك الأعمال تمهيدا واضحا، وعاد من سلم من مفسدى العرب فقيرا صالحا، وحمل أكثرهم السواك والسبحة (١)، عوضا عن حمل الرماح والأسلحة، وكان الذى أخذ من موجودهم وسيق من خيولهم خمسة آلاف (٢) فرس، وعشرون ألف جمل، ومائة ألف رأس غنم (٣)، سوى الأبقار والأتن والأغنام (٤)، وتركوهم على الديار، وعادوا فى أواخر شعبان (٥) وقد فرغوا من أمر العربان وتمهيد البلدان، فخلع عليهم السلطان (٦).
وقال صاحب النزهة: وفيها كثر فساد العرب بالوجه القبلى، وقطعوا الطريق، وأوغلوا إلى أن كانوا يدخلون مدينة أسيوط ومنفلوط ويقتسمون تجارها، ويأخذون من كل واحد مبلغا على زى الجالية (٧)، وتسمى كل واحد منهم باسم أمير من أمراء البرجية، وأمروا من بينهم كبيرين، فسموا أحدهما بيبرس والآخر سلار، ومنعوا حقوق الجند والأمراء من المغل، وكانوا يهجمون على السجون ويخرجون منها المفسدين.
стр. 1553
ثم اتفق الأمراء على الخروج إليهم، وطلبوا ناصر الدين [محمد] (١) بن الشيخى متولى الجيزة، وقالوا له أن يمنع سائر المسافرين فى البر والبحر، وأى من خرج من مصر شنق (٢)، وأشاعوا بالتجهيز إلى الشام، وكتبوا الأوراق بأسماء المقدمين، كل مقدم بمضافيه من الأمراء والأجناد، فكانوا أربعة وعشرين مقدما بمضافيها، وافترقوا أربع فرق: فرقة فى البر الغربى، وفرقة فى البر الشرقى، وفرقة فى البحر بالحراريق (٣)، وفرقة فى الطريق السالك، واتفقوا أن يضعوا السيف فى الكبير والصغير والرضيع، [٢٥٩] والحقير والجليل، ولا يرحموا شيخا ولا صبيا، ولا يبقوا على أحد من الذين يظفرون به، ولا يقع لهم فى قلبهم رحمة.
وكان سفرهم من مصر فى نصف ربيع الآخر، ورسم للأمير شمس الدين الأعسر أن يكون فى جهة الواحات، وصحبته خمسة من الأمراء، وتفرقت عشرون من المقدمين الألوف بأمراء الطبلخانات، وتخلف مع السلطان أربع من المقدّمين، وكان أول أمرهم من الجيزة وانتهوا فى عمل قوص، واستقبلوا من وجدوه بسفك دمه، فمنهم من عف عن الحريم وعن الشيخ الكبير وعن الطفل، ومنهم من استحل الجميع، وكانوا إذا وجدوا رجلا ويريدون مسكر
стр. 1554
فيقول الرجل حضرى، فيقولون له قل: دقيق، فإذا قالها: دكيك يقتلونه (١)، وإذا قال: دقيق يتركونه، وأخذل الله العرب إلى أن ضاقت عليهم المسالك، ودماهم الله فى طريق المهالك، وما أحسوا بالعساكر إلا وقد دهموهم وأخذوا عليهم الطرقات، فأى موضع قصدوه وجدوا فيه طائفة من العساكر حتى إن الغلمان والجمالين يخرجونهم من الأماكن، أما الذين قصدوا جهة البحر فإن أكثرهم قتل بالنشاب والغرق، والذى سلم نفسه إليهم قتلوه، ولم يرفعوا عنهم السيف من الأعمال الجيزية إلى الأعمال القوصية من الشرق إلى الغرب حتى جافت سائر الطرق بالموتى، وأسروا منهم، فمن اختفوا بالفلاحة نحو ألف وستمائة نفر، وحصل للعسكر من الأموال والمواشى والخيل والسلاح ما لا يحصر، والذى فهم بالتقدير وأحيط به العلم من الغنم نحو ستة عشر ألف رأس، ومن الخيل نحو ألف وثمانمائة فرس، ومن الجمال نحو إثنى عشر ألف رأس، ومن الأبقار من المعاصير وغيرها نحو ثمانية آلاف رأس، وما يعلم أحد ما حصل من الكسب للجمالين والغلمان، وبيع خروف سمين بثلاثة دراهم وما دونه، وبيع الماعز بدرهم وأقل من ذلك، والجزة الصوف المرعزى بنصف، والكساء بخمسة دراهم، والرطل من السمن بربع درهم، وكذلك الرطل من العسل.
وكانوا يجدون مطامير القمح فلا يلتفت أحد إليها، ولا يجدون من يشتريها أو يحولها، وما رجعت العساكر من بلاد الصعيد إلا وقد تركوها كما قال الله
стр. 1555
تعالى: ﴿(قاعاً صَفْصَفاً، لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً)﴾ (١).
وكان شخص يمشى فى بلاد الصعيد بعد رجوع العسكر فلا يجد فى طريقه أحدا، وإذا بات فى بلد لا يجد من يحدثه فيه غير النساء أو الأطفال الصغار.
ولما وصلوا إلى القاهرة عرضوا الرجال الذين أحضروهم على السلطان، فاقتضى رأيهم أن يصفحوا عنهم ليذهبوا إلى البلاد لحفظ الزراعات والسواقى وغيرهما.
ذكر قضية الفتح أحمد بن البققى (٢):
بتاريخ يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول، قتل الفتح المذكور، وكان من أهل حماة، رمى بالزندقة، فمسك وسجن بالقاهرة ثم حكم فيه القاضى زين الدين (٣) بن مخلوف المالكى بما ثبت عنده من تنقيصه للشريعة المطهرة، واستهزائه بالآيات المحكمات، ومعارضته المشابهات، وذكر عنه أنه كان يحلّ
стр. 1556
المحرمات من اللواطة وشرب الخمر لمن يجتمع بهم من الفسقة من الترك وغيرهم من الجهلة، هذا وقد كان لديه فضيلة وله اشتغال وهيئة «جميلة» فى الظاهر، ولبسة [٢٦٠] جيدة، ولما أوقف عند شباك الكاملية ببين القصرين استغاث بالقاضى تقى الدين بن دقيق العيد وقال: ما تعرف منى؟ فقال: إنما أعرف منك الفضيلة، ولكن حكمك إلى القاضى زين الدين، فأمر القاضى للوالى أن يضرب عنقه، فضربت وطيف برأسه فى البلد، هذا جزاء من طعن فى الله ورسوله.
وفى نزهة الناظر: وكان هذا الرجل من أهل حماة، وله اشتغال، وحفظ كتبا كثيرة، وكان ذكيا مفرطا، وحفظ سائر كتب الفقه ودواوين الأشعار، وكان قليل الدين، سئ الاعتقاد، كثير الزندقة، وكان قد اشتغل بكتب المنطق والحكمة وهى التى أفسدت عليه نظامه، وكان له إدلال على القضاة وجرأة لسان من غير أن يهاب منهم.
وقال صاحب النزهة: حكى لى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس أنه دخل يوما على قاضى القضاة الشيخ تقى الدين، فسلم عليه ووقف بين يديه وسأله مسألة، وقصد الشيخ أن يجيبه عنها، فولى ظهره وهو يقول: وقف الهوى، وقف الهوى، فأجابه الشيخ تتمة البيت، فلم يعبأ به، وتتمته:
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى … متأخر عنه ولا متقدّم
أجد الملام على هواك يلذ لى … حبا لذكرى فليلمنى اللّوّم
قال: والتفت إلى الشيخ وقال لى: يا فتح الدين عقبى هذا الرجل إلى التلاف. قال: فو الله كان بين ذلك الكلام وقتله واحد (١) وعشرون يوما، فإنه
стр. 1557
صار يقع فى حق القاضى زين الدين بن مخلوف قاضى القضاة المالكية ويسبّه، ويبلغه ذلك عنه، وبلغ من أمره إلى أن شهدت عليه عنده جماعة كثيرة ممن حضروه: أنه كان عزم على جماعة فى بيته وأطعمهم طعاما، وأنه قام إلى رف عنده فى البيت يتناول منه شيئا فقصرت يده عنه، فوضع الكتاب العزيز تحت رجليه ليطول إلى الرف، فقاموا وأنكروا عليه، فشرع فى سبّهم بأنهم ناس حمير، ثم تلفظ بعد ذلك بالكفر، فشهدوا عليه عند القاضى زين الدين، وكتبوا محضرا بأمور، ثم أتوا بها إلى قاضى القضاة تقى الدين، فلما وقف عليها قال: ما المراد من هذا؟ قالوا: يا سيدى إثباتها. قال: ما أفتى فى رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ورماها من يده. فتوقف حال إثباتها.
وسعت جماعة كثيرة ممن كانوا يعنون بابن البققى (١) من جملتهم ناصر الدين الشيخى وجماعة من أكابر القبط وغيرهم وسألوا القاضى زين الدين فى أمره بأن يستتيبه، وسعوا فيه بشئ كثير حتى أرادوا أن يثبتوا له جنونا ليتخلص من هذه الورطة، فكتبوا محضرا وشهدت فيه جماعة كثيرة ممن يسمع قولهم، وأرادوا أن يثبتوه على قاضى القضاة الشيخ تقى الدين لما رأوا عنه الإعراض من إثبات كفره، وفهموا أيضا أن للشيخ به عناية، فأحضروا المحضر إليه، فلما وقف عليه رفع رأسه وقال: من يجعل المولى فتح الدين مجنونا؟ ما نعرفه إلا رجلا عاقلا، ثم لما أحضروا المحضر إلى القاضى زين الدين ونظر فيه خلاه إلى جانب منه وتفكر فى أمره، وأقتضى رأيه أنه يصلى تلك الليلة صلاة الاستخارة ويسأل الله فى أمره، فلما نام تلك الليلة رأى كأن جماعة جاءوا إليه وبينهم كلب أسود
стр. 1558
زوبرىّ قدر الكبش، وفى رقبته [٢٦١] طوق وزنجير وهم يقودونه إليه، ثم قتلوه وألقوه فى حفرة وهو يراه، فلما استيقظ حمد الله تعالى على تلك الرؤيا، وأصبح عازما على قتله.
ولما فتح بابه وجد شخصا من طلبته جالسا على الباب، فسلم عليه وناوله ورقة مكتوب فيها من شهاب الدين الأعزازى (١) الشاعر وأخبر أن شهاب الدين المذكور حضر إلى بيته وقت الأذان وأعطاه هذه الورقة وقال: عرّف قاضى القضاة ما انتظاره فى هذا الزنديق، وفيها من شعره:
قل للإمام [العادل (٢) …] المرتضى
وكاشف المشكل والمبهم
لا تمهل الكافر واعمل بما … قد جاء فى الكافر عن مسلم
فلما وقف عليها تبسم وقال: شاعر ومكاشف، هكذا عزمنا إن شاء الله.
وكتب وهو فى سجن المالكى إليه من شعره:
يا من يخادعنى باسهم مكره … بسلاسل نعمت كلمس الأرقم (٣)
اعتد لى زردا تضايق نسجه … وعلى فكى (٤) عيونها بالأسهم
стр. 1559
وأرسلها إليه، فوقف عليها وقال: نرجو أن الله لا يمهله لذلك، ثم اجتمع هو والقاضى زين الدين السروجى، وشاوروا السلطان، وعرفوه زندقته وكفره، وكان قد بلغ السلطان أمره، فتحدث السلطان بكلام فهم القاضى منه المهلة عليه، فانزعج القاضى لذلك وقال: هذا الرجل ثبت عندى كفره وزندقته، وقد وجبت عندى إراقة دمه، فلما رأى السلطان تصميم القاضى قال: إذا كان لا بدّ فاعقدوا له مجلسا بحضور الحكام، فإذا وجب عليه أمر شرعى افعلوه، ورسم لناصر الدين بن الشيخى والحاجب بأن يحضرا المجلس، فجلست القضاة والأمراء فى شباك الصالحية وطلبوه من السجن، وشقوا به بين القصرين. وهو بزنجير فى رقبته، مكشوف الرأس، وهو يستغيث: يا قوم أتقتلون رجلا يقول ربى الله ويعلن بالشهادة، إلى أن وصل إليهم، ووقعت الدعوى والإنكار، وأخرجوا الشهادة عليه والإثبات بكفره، فنهض القاضى السروجى وهو ينشد:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى … حتى يراق على جوانبه الدم
وأشار أن يخرجوه إلى ظاهر المدرسة إلى أن وقف مقابل الشباك وهو يصيح ويعلن بالشهادة ويقرأ القرآن، والتفت الحاجب وناصر الدين للقاضى زين الدين وقالا: يا سيدنا إش ثبت عندك فى هذا الرجل؟ قال: ثبت عندى كفره ووجب قتله، فنهض السروجى وقال: إضربوا رقبة الكافر ودمه فى عنقى، فأشار فى ذلك لعلاء الدين آقبرص بعض مقدمى الحلقة أن يضرب رقبته، وكان قوى اليد، ماضى السيف، فضربه ثلاث ضربات وأراد بذلك تعذيبه، ثم علق جسده على باب زويلة وطيف برأسه المدينة، وكان قد تكهل.
стр. 1560
وقال ابن دانيال (١) فيه لما ضربت عنقه:
لا نلم البق فى فعله … إن زاغ تضليلا عن الحق
لو هذّب الناموس أخلاقه … ما كان منسوبا إلى البق (٢)
[٢٦٢]
وقال فيه لما سجن ليقتل:
يظن فتى البققى (٣) … إنه
سيخلص من قبضة المالكى (٤)
نعم سوف بسلمه المالكى … قريبا ولكن إلى مالك (٥)
ولفتح المذكور شعر، فمنه قوله:
جبلت على حبى لها وألفته … ولا بدّ أن ألقى به الله معلنا
ولم يخل قلبى من هواها بقدر ما … أفول وقلبى خاليا فتمكّنا
وله أيضا:
أين المراتب فى الدنيا ورفعتها … من الذى جاز علما ليس عندهم
لا شك أن لنا قدرا رأوه … وما لمثلهم عندنا قدر ولا لهم
هم الوحوش ونحن الأنس … حكمتنا تقودهم حيث ما شئنا وتعم
стр. 1561
وليس شئ سوى الاهمال … يقطعنا عنهم لأنهم وجدانهم عدم
لنا المرتجان من علم ومن عدم … وفيهم المتعبان الجهل والحشم
قلت: عارض بهذه الأبيات الأبيات التى للقاضى تقى الدين بن دقيق العيد وهى:
أهل المراتب فى الدنيا ورفعتها … أهل الفضائل مرذولون بينهم
فما لهم فى توقى صبرنا نظر … ولا لهم فى ترقى قدرنا همم
قد أنزلونا لأنا غير جنسهم … منازل الوحش فى الإهمال عندهم
فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهم … مقدارهم عندنا أو لو درّوه هم
لهم مرتجان من جهل وفرط غنىّ … وعندنا المتعبان العلم والعدم
وله:
لحى الله الحشيش وآكليها … لقد خبثت كما طاب السلاف
كما تصبىّ كذا تضنى وتشقى … كما تشقى وغايتها انحراف
وأصفر دائها والداء جمّ … بغاء أو جنون أو نشاف
ذكر غزوة سيس:
وفيها كتب نائب حلب إلى السلطان والأمراء بأن تكفور صاحب سيس منع الحمل وتجاهر بالعصيان وادعى أن البلاد لقازان وأنه يحمل الحمل، فاقتضى رأيهم بتجريد الأمير بدر الدين أمير سلاح والأمير عز الدين أيبك الخزندار بمضافيهما أن يدخلوا بلاد سيس ومعهما نائب حلب وحماة وحمص ويخربوها
стр. 1562
وينزعوا زرعها، وأن لا يوغلوا فى عتورهم إلا إذا وجدوا فرصة، وألا يكونون فى أطراف البلاد.
وقال ابن كثير: وكان رحيلهم فى شهر رمضان، وفى ذى القعدة ضربت البشائر بقلعة دمشق أياما بسبب فتح أماكن من بلاد سيس عنوة، وفى الحادى والعشرين من ذى الحجة قدم الجيش إلى دمشق، فخرج نائب السلطنة والجيش إلى تلقيهم (١).
ذكر الجزيرة التى سكنها الفرنج مقابل طرابلس:
وفيها: كتب الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس إلى السلطان بأن الإفرنج قد أنشأوا جزيرة مقابل طرابلس (٢)، واتخذوها لهم حصنا ونقلوا إليها عددا ورجالا، وتزايد أمرهم إلى أن صاروا يركبون البحر ويتجرمون فيه ويأخذون المراكب، وأضر ذلك بحال أهل الساحل، وأنه قصد على تجريد عسكر فى مراكب تأتى إليهم مع جند طرابلس، [٢٦٣] ولعل الله أن يظفر المسلمون بها، وأخذ من فيها من الإفرنج قبل أن يشتدّ أمرها ويقوى حال العدو فيها، وهم يريدون أن يعمروا فيها قلعة، فإذا بنوها يصعب على المسلمين أمرها، فلما وقف السلطان على الكتاب أمر للوزير بالاهتمام فى تعمير أربع شوانى (٣).
стр. 1563
وفى المحرم من السنة الآتية: جهزت الشوانى وتكملت.
قال بيبرس فى تاريخه: وفى المحرم من سنة اثنتين وسبعمائة جهزت الشوانى للسفر إلى جزيرة أرواد، وهى جزيرة قبالة انطرطوس فى البحر المالح، وكان قد اجتمع فيها جمع من الفرنج الذين جلوا من الساحل وسكنوها، وأحاطوا بها سورا وحصنوها، فجهزت الشوانى لقصدها، وجرد فيها جماعة من الجند لأخذها، ولما تجهزوا وتكملوا ولم يبق إلا سفرهم ركب مقدم الأجناد الذين سفروا فيها فى الشينى الكبير وهو جمال الدين أقوش (١) العلائى المعروف بوالى البهنسا، ومعه جماعة، وخرجوا قبالة مقياس مصر (٢) ليلعبوا وينحدروا، فانقلب الشينى فى خروجه، فغرق المقدم المذكور وأكثر من كان فيه، فجهز عوضا عنه سيف الدين كهرداش (٣)، وسفر بالشوانى، فوصلوا إلى الجزيرة وأوقعوا بأهلها وأخذوا ما كان فيها، وأحضروا منها عدة أسرى (٤) وعبروا بهم عند وصولهم إلى القاهرة مصفّدين، وشقوا بهم المدينة مقيدين وبقوا (٥) فى الأسر مخلدين (٦).
وقال ابن كثير: وفى يوم الأربعاء الثانى من صفر من سنة ثنتين وسبعمائة فتحت جزيرة أرواد المذكورة، وقتلوا منها نحوا من ألفين، وكانت الأسرى قريبا من خمسمائة نفس (٧).
стр. 1564
وقال صاحب النزهة: وكانت الشوانى مشحونة بالعدد والسلاح والنفطيّة والزاد، وفيها جماعة من الحلقة، ومن كل مقدم نفران، ومن الطبلخانات والعشرات، وجرد أيضا من المماليك السلطانية جماعة من الّزرّاقين، وزينت الشوانى بأشياء من الآلات، وباتت الناس تلك الليلة، لم يبت أحد فى بيته، وغلقّت مصر والقاهرة يومين لأجل التفرج، وكان من أول بولاق إلى الصناعة (١) خلائق من البرين لا يحصى عددهم حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يضع قدمه إلى الأرض، وأما بقية مراكب البحر والشخاتير (٢) الصغار فإنها طبقت وجه البحر، والمركب الذى كان يكرى بعشرة أكروه بمائة درهم (٣).
ففى صبيحة يوم السبت الثانى عشر من محرم سنة ثنتين وسبعمائة: نزل السلطان والنائب وسائر الأمراء، ووقفت العساكر جميعهم على برّ بستان الخشاب، وعدّى الأمراء فى الحراريق إلى الروضة، ثم أمر بخروج الشوانى واحدة بعد واحدة، فخرج الشينى الأول ولعب ساعة ولعبوا فيه بالنفط، وصاحت الخلائق من الجانبين، ثم الثانى، ثم الثالث، ثم خرج الرابع وهو الذى كان فيه أقوش العلائى، ولعبت فيه الهوى، فمال ميلة، فانقلب فصار أعلاه أسفله، وصرخت الناس عن صوت واحد، وتكدر ذلك الصفاء، فتحيرت الأمراء والسلطان، وحزنوا حزنا عظيما، وأدركت المراكب إليه، وخلصوا منه خلقا وغرق آحرون، وممن غرق أقوش المذكور المقدم فيه (٤).
стр. 1565
ومن الغرائب أن أقوش هذا كان فيه من الكبر والحمق ما لا يوصف، ومن الظلم وقتل النفس ما لا يعد، وكان [٢٦٤] هو الذى زين هذا الشينى من عنده بأفخر زينة وأكمل عدة، وعند نزوله إليه قدمت له الاسقالة، فمشى عليها إلى أن جلس، ثم عند الخروج استعجل، فقال له الرئيس: طول روحك ياخوند، فانحرف وشتمه وقال: اخرج لا كتب الله علينا بالسلامة ولا أحيانا أن نرد إليهم.
قال الراوى: وأغرب من ذلك أن هذا الشينى انحدر إلى أن وقف عند بولاق وبقى هناك ثلاثة أيام مقلوبا إلى أن ركب والى الصناعة والرئيس ومعهم رجال، فجاءوا إليه وأقلبوه ووجدوا زوجة الرئيس وولدها وهى ترضعه وهما بالحياة، فسألوها عن حالها فقالت: إن الشينى لما انقلب لم يحصل عليها تشويش أصلا ولا بذل عليها من الماء، فتعجبوا من ذلك وقالوا: قدرة الله أعظم من هذا.
ثم رسم السلطان بأن يجهز شينى آخر عوض ذلك، فجهزوه وكانوا قد أحضروا رؤساء من الإسكندرية ودمياط، ثم سافروا إلى أن وصلوا إلى طرابلس ودقت بوقاتهم، ووجدوا أهل طرابلس أيضا قد تجهزوا كما ينبغى مما يحتاجون إليه من العدد والنفط وآلات الحصار، ثم ركبوا نصف الليل ورئيت لهم الجزيرة وجه الصبح، وصاحوا بالتكبير والتهليل، وزعقت البوقات والطبلخانات، وقاموا فى المقاديف قومة رجل واحد، فتوجه كل مركب بمقدمه على الميناء ونفر الفرنج أيضا، فبينما يركبون مراكبهم سبقت مراكب المسلمين بمقدميها (١).
стр. 1566
على الساحل، وتسابقت الفرسان من المقابلة إلى أن أحاطوا الساحل وتقاتلوا بالسيوف فى الوجوه والصدور وبالرماح بالطعن فى المحاجر والنحور، وانعزلت الجرخية نحية والأقحيّة ناحية، ولم تتعال الشمس صبيحة ذلك اليوم حتى خذلت الكفار، وانتصرت ملة الإسلام، وملأوا من قتلاهم الأرض، ورجع من بقى إلى قلعتهم وأغلقوها، وزحفت الرجال إليهم، وأرسلوا سهامهم إلى من فيها، فثبتوا ساعة مقاتلين، ثم وقع كلهم ما بين قتلى وجرحى، وصاحوا طالبين الأمان، وسلموا أنفسهم، وملك المسلمون القلعة أيضا، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة الثامن والعشرين من صفر عام ثنتين وسبعمائة، وأخذوا جميع ما فيها من حواصل وسلاح، ووجدوا فيها تجارا ومعهم تجارة.
وكانت هذه القلعة أعتنى بها وبعمارتها صاحب قبرس مع جماعة من أكابر الفرنج على أنهم يتخذونها سكنا لهم ويسمونها عكا الصغيرة، ثم هدّها المسلمون إلى أن صارت دكا دكا، فحصل للمسلمين بذلك السرور التام والشكر على دين الإسلام.
ذكر وفاة الخليفة:
الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أبى العباس أحمد (١) بن محمد بن الحسن بن أبى بكر بن الحسن بن على القبى بن الراشد بالله الهاشمى العباسى البغدادى ثم المصرى (٢).
стр. 1567
بويع بالخلافة فى الدولة الظاهرية فى أول سنة إحدى وستين وستمائة، فاستكمل أربعين سنة فى الخلافة، وكانت وفاته ليلة الجمعة الثامن عشر من جمادى الأولى منها [٢٦٥] بالمناظر المعروفة بالكبش (١) بمرض عراه، وصلى عليه العصر بسوق الخيل (٢)، وصلى عليه الشيخ كريم الدين عبد الكريم (٣) الآملى (٤) شيخ الصوفية، ودفن بجوار مشهد السيدة نفيسة (٥) رضى الله عنها، ومشى الأمراء والكبراء والقضاة والحكام والأعيان فى جنازته إكراما لمحله، وخلّف من الأولاد سليمان (٦)، وهو أول من دفن بمصر من الخلفاء العباسيين.
وقال صاحب النزهة: وصلّى عليه شيخ سعيد السعداء كريم الدين المذكور ومعه الصوفية كلهم، وحضر السلطان أيضا جنازته، وصلّى عليه بجامع ابن طولون.
стр. 1568
وقال بعض معاصرينا فى تاريخه: وتولى تغسيله والصلاة عليه شيخ الشيوخ كريم الدين عبد الكريم المذكور، وخلّف من الأولاد سليمان أبو الربيع، وإبراهيم أبو إسحاق.
ذكر خلافة الإمام المستكفى بالله أبو الربيع سليمان بن الإمام الحاكم بأمر الله:
بعهد من أبيه بويع له يوم وفاة أبيه (١)، وتقدير عمره عشرون سنة، وخطب له على المنابر، واستمر فى صحبة السلطان والركوب معه كانهما أخوان، وفى اللعب بالصوالجة فى الميدان، والسفر والتفرج فى الصيد، وأجرى له الإكرام والإحسان.
وقال ابن كثير: وكان أبوه عهد إليه وكتب له بذلك تقليدا، وقرئ بحضرة السلطان والدولة (٢) يوم الأحد العشرين من ذى الحجة منها، وكان يوما مشهودا (٣).
ذكر مجلس عقد فيه لليهود:
وفى شوال: عقد مجلس لليهود الخيابرة، وألزموا بأداء الجزية أسوة أمثالهم من اليهود، فأحضروا كتابا معهم يزعمون أنه من رسول الله ﷺ فيه وضع الجزية عنهم، فلما وقف عليه الفقهاء تبينوا أنه كذب مفتعل لما فيه
стр. 1569
من الألفاظ الركيكة والتواريخ المخبطة واللحن، وحاققهم عليه الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وبين لهم كذبهم، وخطأهم وأنه مزوّر مكذوب، فأنابوا إلى أداء الجزية، وخافوا من أن يستعاد عليهم بالسنين الماضية.
وقال ابن كثير: وقد وقفت أنا على هذا الكتاب، فرأيت فيه شهادة سعد بن معاذ عام خيبر، وقد توفى قبل ذلك «بنحو من ثلاث سنين، وشهادة معاوية بن أبى سفيان ولم يكن أسلم إذ ذاك وإنما أسلم بعد ذلك (١)» بنحو من سنتين، وفيه: كتب على بن أبى طالب (٢)، وهذا لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين على أنه يسند إليه علم النحو من طريق أبى الأسود الدؤلى عنه (٣).
قال ابن كثير: وقد جمعت فيه جزءا مفردا وذكرت فيه ما جرى أيام القاضى الماوردى وكبار (٤) أصحابنا فى ذلك العصر (٥).
ذكر بقية الحوادث:
وفيها: عزل شمس الدين الأعسر عن الوزارة (٦)، وسفّر إلى الشام لكشف القلاع، وقرّر عوضه نائب الإسكندرية الامير عز الدين أيبك البغدادى،
стр. 1570
وهو الرابع من الوزراء [الأمراء (١)] الترك أرباب السيوف والأقلام: أولهم علم الدين سنجر الشجاعى، ثم الأمير بدر الدين بيدرا قبل النيابة، ثم شمس الدين الأعسر، وهذا عز الدين أيبك.
وفيها: فى يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الآخر: شنق الشيخ على الحورانى (٢) بواب الظاهرية على بابها، بسبب أنه اعترف بقتل الشيخ زين الدين السمرقندى (٣).
وقال الشيخ علم الدين البرزالى [٢٦٦] فى تاريخه: وفى وسط ربيع الأول ورد كتاب من حماة يخبر فيه أنه وقع فى هذه الأيام ببارين من عمل حماة برد [كبار (٤)] على صور حيوانات مختلفة، منها سباع وحيات وعقارب وطيور ومعز وبلشون (٥)، ورجال فى أوساطهم حوائص، وأن ذلك ثبت بمحضر عند قاضى الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضى حماة (٦).
стр. 1571
وفيها: نقل ناصر الدين محمد الشيخى من ولاية القاهرة إلى الخاص السلطانى بالجيزية، وبقى فيها إلى أن نقل إلى الوزارة.
وفيها: ولى الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى نيابة غزة.
وفيها: فى شوال، حصل بالشام جراد عظيم أكل الزروع والثمار، وجرد الأشجار حتى صارت كالعصى، ولم يعهد مثل هذا.
وقال ابن كثير: وفيها ولد كاتبه - يعنى نفسه - إسماعيل بن عمر ابن كثير القرشى البصراوى الشافعى (١).
وفيها: ظهر بالقاهرة إنسان سمى نفسه المهدىّ وادعى أنه من ذرية الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وأنه ينذر بوقائع يعلم وقوعها، فاعتقل امتحانا لنقله (٢)، فلم يصح شئ من قوله، وظهر أن به فسادا فى عقله، فعزّر تأديبا له، ثم خلّى سهيله (٣).
وفيها: كان خروج بكتمر الحسامى من وظيفة الأمير آخورية، بسبب غيظ الأمراء عليه، لأنه نقل عنه أنه يكثر الحديث مع السلطان ويذكر الأمراء عنده، وكان الأمراء قد اتفقوا أنهم لا يدعون أحدا يجتمع بالسلطان أو يتحدث معه، مع ما كان فى نفوسهم منه من تكبره عليهم، فأخرجوه إلى الشام من غير إقطاع، وأقام مدة إلى أن توفى الأمير علاء الدين مغلطاى التقوى بدمشق
стр. 1572
وطالع نائب الشام بسببه، فرسم بإقطاع له، وتولى عوضه فى الأمير آخورية علم الدين سنجر الصالحى.
وفيها: وصل كتاب نائب الشام يخبر بحضور القاضى علاء الدين بن القاضى شرف الدين بن القلانسى، وشرف الدين بن الأثير من عند قازان، وذلك أنهما كانا مع الوزير نجيب الدين وزير قازان، فإنه كان أخذهما رهينة إلى أن يحضر أخوه عبد اللطيف الذى كان معوقا عند السلطان، والمذكوران قد تحيلا بحيل كثيرة حتى تخلصا، واختفى ابن القلانسى بتبريز، وتحيل وبذل ما لا إلى أن منّ الله عليهما بالخلاص.
ذكر تحرك طراى بن نوغيه لطلب ثأر أبيه وأخويه:
فشرع فى التحيل لإدراك مطلبه، فلحق بصراى بغابن منكوتمر، وقد ذكرنا (١) أن أخاه طقطا رتبه فى مقام نوغيه، فتوصل طراى إليه ولازمه، فلما آنس منه الميل إليه فاتحه فى أمر أخيه طقطا، وفاوضه فى أنه أحق منه بالمملكة وأقدر على تدبير السلطنة، فاستغواه فمال معه، وانصاع إلى خداعه، وركب فى تمانه وعبر على نهر إتل وهو جامد بفرسانه، وخطر بباله أن يستشير أخاه برلك ويستعينه، فنزل العسكر ناحية، وتوجه جريدة، فاجتمع ببرلك وشاوره فى أمره، فأظهر له الموافقة لهواه، ثم بادر لوقته بإعلام طقطا بما هم به صراى بغا أخوه وطراى بن نوغيه من الوثوب عليه، فركب طقطا لوقته فى خواصه وبطانته، وجهز إلى نحوهما من أحضرهما، فقتلا بين يديه [٢٦٧] وتفرق عسكرهما،
стр. 1573
وأرسل طقطا ولده إيل بصار إلى المكان الذى كان قد رتب صراى بغا، فاستقر به عوض أخيه (١).
وفيها هرب قراكسك بن جكا بن نوغيه، وهرب معه اثنان من أقاربه، وهما جركتمر ويلقطلو، وذلك أنه لما قتل طقطا أخاه صراى بغا وطراى بن نوغيه أرسل برلك فى طلب قراكسك، فانهزم هو وهذان المذكوران وطرحتهم الجفلة إلى بلاد ششمن إلى مكان يسمى بدول بالقرب من كزل، ومعهم نحو من ثلاثة آلاف فارس، فأواهم ششمن وأصحابه، وأقاموا عندهم يغيرون على الأطراف ويأكلون بالأسياف.
قال بيبرس فى تاريخه: إلى يومنا هذا (٢).
وفيها: حج الأمير ركن الدين بيبرس أستاذ الدار فى جماعة من ألزامه وخواصه، وكان رحيله من البركة مستهل ذى القعدة.
وقال بيبرس فى تاريخه: فندبت للتقدم على الركب المصرى وكان ركبا كبيرا، [وقد جمع خلقا (٣) كثيرا].
وحج فى هذه السنة ثلاثون أميرا، وجعلوا ركبانا ثلاثة يتعاقبون فى المنازل والمراجل.
قال: ولما حصل اجتماعنا فى الحرم الشريف حضر اثنان من أولاد الشريف نجم الدين بن نمى أحدهما يسمى عطيفة والآخر أبو الغيث، وشكوا إلى المقر
стр. 1574
المشار إليه بحضرة من حضر من الأمراء فى أخويهما الكبيرين، وهما أسد الدين رميثة وعز الدين حميضة، وذكرا أنهما لما اتفقت وفاة والدهم الشريف ابن نمى فى هذه السنة، وثبا عليهما وأساءا إليهما واعتقلاهما ظلما وبغضا، فتحيلا وهريا من مكان سجنهما، وتوجها إلى بنى عمهما أولاد إدريس بن قتادة، وأقاما عندهم، وسألا إنصافهما من أخويهما، [ومقابلتهما بما جنياه عليهما (١)] فاتفقت الآراء بإمساك رميثة وحميضة وتأديبهما بالسجن والعزل لإساءتهما على بنى أبيهما (٢)، [والجرأة عليهما (٣)] وغير ذلك من أمور نقلت عنهما، فأمسكا، [ونسبت إليهما (٤)] ورتب المشار إليهما (٥) عطيفة وأبا الغيث عوضا عنهما، وأحضرا هذان (٦) إلى الأبواب السلطانية واعتقلا مدة (٧).
وقال صاحب نزهة الناظر: لما فرغ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير من الوقوف بعرفة، ورجع إلى طواف الزيارة وطواف الوداع بعده، وقف له أبو الغيث وعطيفة (٨) وبقية إخوتهما من البنات، وشكوا من أخويهم حميضة ورميثة وبالغوا فى الشكوى، فأرسل الأمير ركن الدين وراءهما، فحضرا بالحرم
стр. 1575
الشريف فقال لهم: اسمع يا حميضة لأى شئ تفعل كذا حتى يشكو منك أخويك؟ فأجابه بقوة نفس وقال: يا أمير نحن نفتصل مع إخوتنا، وأنتم قد قضيتم حجكم وجزيتم خيرا، فلا تدخلوا بيننا. فغضب بيبرس لذلك غضبا شديدا، وأشار إلى الأمير سيف الدين طشتمر الجمقدار أن يلكمه، فلكمه فأرماه إلى الأرض، وما قام إلا وقد [وجد (١)] روحه مكّتفا هو وأخاه (٢)، ووقع الصوت فى الحرم بمسكهما، فتصايحت النسوان والعبيد، وطلعوا على البيوت وأسطحة الحرم بالأحجار، وركبت الأشراف والعبيد.
فلما رأت الأمراء ذلك أدركوا خيولهم وركبوها، وركّبوا الأميرين المذكورين مكتفين مزنجرين فى رقابهما، وهم يصيحون يا لبنى حسن، يا لبنى أولاد نمى، فخرجت البنات من مكة وسبقت خيل الشرفاء، ومسكوا طرق الأبواب والأزقة، وسمعت أيضا بقية الأمراء النازلين [٢٦٨] فى الوطاق، فركبوا بالقسى والرماح، واستعدوا، ولما رأى بنو الحسن الجند والأمراء من خلفهم ومن بين أيديهم أخذ كل منهم فى طريق، وخرج منهم نحو ثلاثة عشر نفرا، وقتل ستة نفر، وقيل ثمان رءوس من الخيل، وخرجت جماعة من الذين على الأسطحة إلى أن خرجوا إلى المخيّم وطلبوا أبا الغيث وعطيفة وولوهما مكة، وخلعوا عليهما ودخلوا بالممسوكين مصر مزنجرين وأودعا بالسجن مدة.
قال صاحب النزهة: وكان وصول الأمير ركن الدين بيبرس من الحجاز الشريف فى أول المحرم من سنة اثنتين وسبعمائة، وكان خروجه من مصر نصف
стр. 1576
ذى القعدة، ووصل إلى مكة فى التاسع والعشرين منه، فكان سفره أربعة عشر يوما.
قلت: بيبرس هذا هو بيبرس الجاشنكير أحد أركان الدولة بمصر، وليس هو بيبرس الدوادار، فإن بيبرس الدوادار كان أمير الركب على ما ذكرنا عنه الآن، وقد ذكرنا أيضا أنه ذكر أن بيبرس الجاشنكير قد رحل من البركة مستهل ذى القعدة، وهذا صاحب النزهة ذكر أنه رحل فى نصف ذى القعدة، وبينهما تفاوت كثير على ما لا يخفى.
стр. 1577
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ الإمام العالم العامل شرف الدين أبو الحسين على (١) بن الشيخ الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن أبى الحسين بن عبد الله بن عيسى ابن أحمد بن محمد بن محمد اليونينى البعلبكى.
وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين، وولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمائة (٢)، تفقه وسمع الكثير، وكان عابدا عاملا، كثير الخشوع، وكانت وفاته أنه دخل فى الخامس من رمضان إلى خزانة الكتب التى بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف وعنده خادمه الشجاع، فدخل عليه فقير اسمه مؤمن المصرى، فضربه بعصى على رأسه ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه فى رأسه، فاتقى بيده فجرحه فى يده، فدخل عليه الناس، وأمسك (٣) وحمل إلى متولى البلد وضرب، فصار يظهر الاختلال ويتكلم بكلام غير منتظم، فحبس بعد الضرب الكثير.
وأما الشيخ فإنه حمل إلى داره، وأقبل على أصحابه وتحدث معهم على جارى عادته، وأتم صومه، فحصل له حمى واشتد مرضه، فلما كان يوم الجمعه الثانى
стр. 1578
عشر من رمضان (١) مات، وصلى عليه بدمشق وغيرها صلاة الغائب.
وقال ابن كثير: ودفن بباب سطحا.
الصدر ضياء الدين أحمد (٢) بن الحسين، ابن شيخ السلامية.
والد القاضى قطب الدين موسى (٣) الذى تولى فيما بعد نظر الجيوش الإسلامية الشامية، وفى وقت المصرية أيضا، وكانت وفاته يوم الثلاثاء العاشر من ذى القعدة، ودفن بقاسيون.
المسند المعمر الشيخ الجليل بقية السلف شهاب الدين أبو المعالى أحمد (٤) بن إسحاق بن محمد بن المؤيد بن على بن إسماعيل بن أبى طالب الأبرقوهى الهمدانى، ثم المصرى.
ولد بأبرقوه (٥) من بلاد شيراز فى رجب أو شعبان سنة خمس عشر وستمائة، وسمع الكثير من الحديث على المشايخ الكثيرين، وخرجت له مشيخات، وكان شيخا حسنا متيقظا، وكانت وفاته بمكة بعد خروج الحجبج بأربعة أيام، ودفن بالمعلاّ، ﵀.
стр. 1579
الإمام العالم الكامل الأوحد العلامة شمس الدين أبو الندى معد [٢٦٩] ابن الشيخ الإمام العلامة زين الدين أبى الفتح نصر الله بن رجب، المعروف بابن الصيقل الجزرى.
مات بهرمز، وكان فقيها شافعيا، متفننا بعلوم كثيرة، صنف المقامات الزينية خمسين مقامة على منوال الحريرى.
الشيخ الإمام العالم الصالح الزاهد العابد مفتى المسلمين ركن الدين عبيد الله (١) ابن محمد بن عبد العزيز السمرقندى الحنفى.
مات بالمدرسة الظاهرية بدمشق، وجد بالبركة بها ميتا، ولم يعلم حاله، فغسل وكفّن، وصلّى عليه، ودفن بمقابر الصوفية، وكان كثير الصوم والصلاة والاجتهاد فى العبادة، وكان ورده كل يوم مائة ركعة، فلما اتفق له ذلك مسك يحيى قيم دار الحديث الظاهرية وضرب، فاعترف بقتل الشيخ ركن الدين، فشنق على باب الظاهرية فى عاشر ربيع الآخر.
الشيخ جمال الدين عثمان (٢) بن أحمد بن عثمان بن هبة الله بن أبى الحوافر، المتطبب بالقاهرة.
مولده سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان رئيس الأطباء بالديار المصرية، وإليه تنسب الحمام التى بمصر عند الجامع الجديد، مات فى هذه السنة.
شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ تاج الدين أبى بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن على بن محمد بن حموية الجوينى.
стр. 1580
مات فى ربيع الأول بالشميساطية، ودفن بسفح قاسيون عند أخيه، وله من العمر خمسون سنة، وتولى عوضه فى المشيخة قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة.
الخطيب علاء الدين على بن الحسن بن عبد الله الشافعى، المعروف بابن الجابى، خطيب جامع جراح ظاهر باب الصغير.
مات فى هذه السنة، وكان يقصد لسماع خطبته من حسن صوته، وكان مهووسا بعلم الكيمياء، وتولى مكانه الشيخ شرف الدين الفزارى.
الشيخ العالم الصدر وجيه الدين محمد (١) بن عثمان بن أسعد بن المنجى الحنبلى.
مات بمدرسته دار القرآن بدمشق، ودفن بقاسيون، ومولده سنة ثلاثين وستمائة بدمشق.
الشيخ الصالح الزاهد العابد العارف القدوة عيسى بن الشيخ ثروان بن الشيخ محمد بن الشيخ الكبير ثروان التدمرى البيانى.
مات بدمشق، ودفن بباب الصغير جوار قبر الشيخ أبى البيان، وكان شيخ البيان، وكان له صيت وقبول تام وكلمة مسموعة، وكان عمره جاوز تسعين سنة.
الصدر الكبير الفاضل مجد الدين يوسف (٢) بن محمد بن على الأنصارى، المعروف بابن القباقبى.