← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ذى القعدة، ووصل إلى مكة فى التاسع والعشرين منه، فكان سفره أربعة عشر يوما. قلت: بيبرس هذا هو بيبرس الجاشنكير أحد أركان الدولة بمصر، وليس هو بيبرس الدوادار، فإن بيبرس الدوادار كان أمير الركب على ما ذكرنا عنه الآن، وقد ذكرنا أيضا أنه ذكر أن بيبرس الجاشنكير قد رحل من البركة مستهل ذى القعدة، وهذا صاحب النزهة ذكر أنه رحل فى نصف ذى القعدة، وبينهما تفاوت كثير على ما لا يخفى.

стр. 1577

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العامل شرف الدين أبو الحسين على (١) بن الشيخ الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن أبى الحسين بن عبد الله بن عيسى ابن أحمد بن محمد بن محمد اليونينى البعلبكى. وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين، وولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمائة (٢)، تفقه وسمع الكثير، وكان عابدا عاملا، كثير الخشوع، وكانت وفاته أنه دخل فى الخامس من رمضان إلى خزانة الكتب التى بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف وعنده خادمه الشجاع، فدخل عليه فقير اسمه مؤمن المصرى، فضربه بعصى على رأسه ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه فى رأسه، فاتقى بيده فجرحه فى يده، فدخل عليه الناس، وأمسك (٣) وحمل إلى متولى البلد وضرب، فصار يظهر الاختلال ويتكلم بكلام غير منتظم، فحبس بعد الضرب الكثير. وأما الشيخ فإنه حمل إلى داره، وأقبل على أصحابه وتحدث معهم على جارى عادته، وأتم صومه، فحصل له حمى واشتد مرضه، فلما كان يوم الجمعه الثانى

стр. 1578

عشر من رمضان (١) مات، وصلى عليه بدمشق وغيرها صلاة الغائب. وقال ابن كثير: ودفن بباب سطحا. الصدر ضياء الدين أحمد (٢) بن الحسين، ابن شيخ السلامية. والد القاضى قطب الدين موسى (٣) الذى تولى فيما بعد نظر الجيوش الإسلامية الشامية، وفى وقت المصرية أيضا، وكانت وفاته يوم الثلاثاء العاشر من ذى القعدة، ودفن بقاسيون. المسند المعمر الشيخ الجليل بقية السلف شهاب الدين أبو المعالى أحمد (٤) بن إسحاق بن محمد بن المؤيد بن على بن إسماعيل بن أبى طالب الأبرقوهى الهمدانى، ثم المصرى. ولد بأبرقوه (٥) من بلاد شيراز فى رجب أو شعبان سنة خمس عشر وستمائة، وسمع الكثير من الحديث على المشايخ الكثيرين، وخرجت له مشيخات، وكان شيخا حسنا متيقظا، وكانت وفاته بمكة بعد خروج الحجبج بأربعة أيام، ودفن بالمعلاّ، ﵀.

стр. 1579

الإمام العالم الكامل الأوحد العلامة شمس الدين أبو الندى معد [٢٦٩] ابن الشيخ الإمام العلامة زين الدين أبى الفتح نصر الله بن رجب، المعروف بابن الصيقل الجزرى. مات بهرمز، وكان فقيها شافعيا، متفننا بعلوم كثيرة، صنف المقامات الزينية خمسين مقامة على منوال الحريرى. الشيخ الإمام العالم الصالح الزاهد العابد مفتى المسلمين ركن الدين عبيد الله (١) ابن محمد بن عبد العزيز السمرقندى الحنفى. مات بالمدرسة الظاهرية بدمشق، وجد بالبركة بها ميتا، ولم يعلم حاله، فغسل وكفّن، وصلّى عليه، ودفن بمقابر الصوفية، وكان كثير الصوم والصلاة والاجتهاد فى العبادة، وكان ورده كل يوم مائة ركعة، فلما اتفق له ذلك مسك يحيى قيم دار الحديث الظاهرية وضرب، فاعترف بقتل الشيخ ركن الدين، فشنق على باب الظاهرية فى عاشر ربيع الآخر. الشيخ جمال الدين عثمان (٢) بن أحمد بن عثمان بن هبة الله بن أبى الحوافر، المتطبب بالقاهرة. مولده سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان رئيس الأطباء بالديار المصرية، وإليه تنسب الحمام التى بمصر عند الجامع الجديد، مات فى هذه السنة. شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ تاج الدين أبى بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن على بن محمد بن حموية الجوينى.

стр. 1580

مات فى ربيع الأول بالشميساطية، ودفن بسفح قاسيون عند أخيه، وله من العمر خمسون سنة، وتولى عوضه فى المشيخة قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة. الخطيب علاء الدين على بن الحسن بن عبد الله الشافعى، المعروف بابن الجابى، خطيب جامع جراح ظاهر باب الصغير. مات فى هذه السنة، وكان يقصد لسماع خطبته من حسن صوته، وكان مهووسا بعلم الكيمياء، وتولى مكانه الشيخ شرف الدين الفزارى. الشيخ العالم الصدر وجيه الدين محمد (١) بن عثمان بن أسعد بن المنجى الحنبلى. مات بمدرسته دار القرآن بدمشق، ودفن بقاسيون، ومولده سنة ثلاثين وستمائة بدمشق. الشيخ الصالح الزاهد العابد العارف القدوة عيسى بن الشيخ ثروان بن الشيخ محمد بن الشيخ الكبير ثروان التدمرى البيانى. مات بدمشق، ودفن بباب الصغير جوار قبر الشيخ أبى البيان، وكان شيخ البيان، وكان له صيت وقبول تام وكلمة مسموعة، وكان عمره جاوز تسعين سنة. الصدر الكبير الفاضل مجد الدين يوسف (٢) بن محمد بن على الأنصارى، المعروف بابن القباقبى.

стр. 1581

مات بالقاهرة، ودفن بتربة ابن عبد الظاهر، كان فاضلا فى صناعة الترسّل وحساب الديوان، ولّى كتابة الدرج بالفتوحات الطرابلسية (١). وله نظم حسن، فمن ذلك قوله فى زهر الباقلاء: عطّر زهر الباقلا الرّبى … فنشره فى الروض منشور لا يعجب الناشق من ريحه … فإنه مسك وكافور وقال وقد وقع بدمشق ثلج عظيم: طمت الثلوج على الوهاد مع الربى … فالكون يعجب منه وهو مفضض فانهض لتجمع شمل أنس مقبل … بلذاذة فاليوم يوم أبيض [٢٧٠] وكتب إلى الأمير علم الدين الدوادارى: يا من كفانى وحرب الدهر قائمة … بنصرة شمتها من فضله الخدم حللت من بابك العالى بذى سلم … فليهنى (٢) أننى من جيرة العلم الشريف الكبير أبو نمى محمد (٣) بن الأمير أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى، صاحب مكة منذ أربعين سنة، توفى فى هذه السنة وكان حليما وقورا ذا رأى وسياسة وعقل ومروّة، وخلف من الأولاد أحدا وعشرين ولدا ذكرا، ومن البنات عشرة.

стр. 1582

وقال بيبرس: ويكنى أبا مهدى أيضا، وساق نسبه، وهو محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم. الأمير الكبير المجاهد المرابط علم الدين أرجواش (١) بن عبد الله المنصورى، نائب قلعة دمشق. كان ذا همة وشهامة وقصد صالح، قدّر الله على يديه حفظ معاقل الشام لما ملكت التتار أيام قازان، وكانت وفاته بقلعة دمشق ليلة السبت الثانى والعشرين من ذى الحجة، وأخرج منها ضحوة يوم السبت، فصلّى عليه، وحضر نائب السلطنة فمن دونه، ثم حمل إلى قاسيون ودفن فى تربته. وقال صاحب النزهة: ولم يخلف غير أربع بنات، ووجد له من تركته من الذهب خمسة عشر ألف دينار، ومن الفضة خمسين ألف درهم، وأوصى بعتق مماليكه وجواريه، وأوقف عليهم وقفا، ووجد له فى زردخاناته ثمانمائة قوس حلقة ومائتا عدة كاملة. وقال: حكى لى من كان خصيصا بمنادمته، ولم يعرف أنه اجتمع بأحد غيره، أنه لحقه فى بعض الأيام قولنج، فأحضر له طبيب يهودى، فوصف له حقنة ولم يجسر أحد يصف له صفة الحقنة غير ذلك النديم، فلما رآها قال: ما هذه؟ قال: هى الحقنة، فنهض وقعد، وأراد أن يشربها، فقال له الرجل:

стр. 1583

ياخوند هذا ما يشرب. فقال: وما يعمل به. فقال له: كذا وكذا، فحين سمع ذلك تغيّر لونه، ثم توجه إلى اليهودى فقال: ويلك يا ملعون، أنا اشترانى الملك المنصور بعشرة آلاف درهم وما قدر أن يعيّر فى دبرى شيئا، وأنت جئت فى آخر عمرى تحط فى دبرى عظما، ثم أشار لمماليكه أن يسقوا اليهودىّ تلك الحقنة، فكتّفوه وأسقوها إياه، فلما شربها مات فى اليوم الثانى. الأمير عز الدين أيبك (١) بن عبد الله النجيبى الدوادار، والى البر (بدمشق)، وأحد الأمراء الطبلخانات بها. مات بدمشق يوم الثلاثاء السادس عشر من ربيع الآخر منها، ودفن بسفح قاسيون، وكان مشكور السيرة، ولم تطل مدته. قنجى (٢) بن أردنو بن دوشى خان بن جنكز خان صاحب غزنة وبامبان. توفى فى هذه السنة، واختلف بنو عمه وأولاده وهم: بيان، وكبلك، وطقتمر، وبغاتمر، ومنفطاى، وصاصى، وافترق بعضهم من بعض، وكان كبلك قد استقر فى الملك بعد أبيه، وسار أخوه بيان إلى طقطا مستنجدا ومستمدا على أخيه، فأمدّه وعضده، وسار كبلك إلى قيدو مستغيثا ومستعينا، فأعانه وأيّده، ثم التقى الجمعان واقتتل الأخوان، فكسر كبلك وأدركه أجله، فهلك، واستقر بيان أخوه فى المملكة الغزنوية.

стр. 1584

[٢٧١] فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثّانية بعد السبعمائة (¬*) استهلّت هذه السنة: والخليفة المستكفى بالله أمير المؤمنين بن الحاكم بأمر الله العباسى. وسلطان البلاد: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونائبه بمصر الأمير سيف الدين سلاّر، ونائب الشام الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، ونائب حلب شمس الدين قراسنقر، وقضاة مصر والشام هم المتقدم ذكرهم. وفيها: وصلت رسل من جهة قازان، ولم تعد معهم رسل السلطان، وقد ذكرنا أن السلطان جهز إليه الأمير حسام الدين أزدمر المجيرى أحد الأمراء، والقاضى عماد الدين بن السكرى من أعيان القضاة والكبراء (١). وقال ابن كثير: ولم يعد رسل السلطان هؤلاء المذكورون إلاّ بعد هلاك قازان فى أيام خربندا، وكان وصول رسل قازان يوم الأحد الثامن من محرم هذه السنة (٢). وقال بيبرس فى تاريخه: وتواترت الأخبار بحركة التتار، ثم وردت كتب

стр. 1585

النواب بالبلاد الحلبية مخبرة بأن قطلوشاه نائب قازان قد تحرك إلى جهة الفرات، ويخشى من تقدمه إلى هذه الجهات، وأنه قدّم بين يدى قدومه كتابا محشوا من خبثه ولؤمه مضمونه ما معناه أن بلادهم فى هذه السنة قد أمحلت، وأراضيهم من الأعشاب والمراعى خلت، وأن التتار على عزم الانتشار لارتياد المروج والأماكن التى توجد بها المرعى ويروج، وربما وصلت منهم طائفة إلى صوب الفرات لأجل قصد الأعشاب، فيحصل بهم الإرتياب، وليس قصدهم سوى الانتجاع والنزول بهما صادفوا به خصبا من تلك البقاع، فإذا سمع أهل البلاد الحلبية وسكان الأعمال الفراتية باقترابهم لا يبرحون من أماكنهم ولا ينزحون من مواطنهم، فلا بأس عليهم وليس ثمّ تعرض إليهم، فعلم أن هذا الكلام عين الخداع، ولم يلج القلوب ولا الأسماع. ثم تواترت الأخبار بقدوم التتار، وأنهم جاسوا خلال الديار، وقدمت طائفة منهم من جهة الرحبة، ووصلت إلى دير بسير، وجاءت طائفة على مرعش، فجفلت الرعية من البلاد الحلبية، وحصل التأهب والاهتمام، وبرزت المراسيم السلطانية بالاستخدام، وأن كل أمير [من الأمراء (١)] بمصر والشام يستخدم نظير الربع من عدته ويضيفهم إلى جماعته، وقرّر على أهل البلاد من الحواضر والبواد خيّاله يقومون بها من أموالهم، ويقيمونها من أحوالهم، واتفقت الآراء عند الاجتماع فى المشاورة على تجريد مقدّمة من العساكر تقوية لجأش أهل الشام، وتثبيتا لجيوشه على المقام إلى أن يتضح الحال ويزول الإشكال (٢).

стр. 1586

وقال صاحب النزهة: لما وصل القاصد إلى السلطان والأمراء، وأخبرهم بأن قازان مجتهد على دخوله البلاد، وقع انفاق الأمراء مع السلطان على أنه لا بدّ من تجريد عسكر ويكون صحبتهم أمير كبير يشار إليه فى الأمور، فإن فيه إرداعا للعدو وتطمينا للإسلام وأهل القلاع والنواب، ويكونون مقيمين فى دمشق، فإن وجدوا حركة قازان صادقة كتبوا إلى مصر فيخرج السلطان بمن بقى من الأمراء والعساكر، وإن كان قازان يبعث من يختاره من جنسه، ورأى نائب الشام والأمراء أن يلاقوهم بجميع عسكر الشام، فالرأى رأيهم [٢٧٢] فى ذلك، وإن بلغهم أن عسكر قازان كثيرون يتأخرون قدامهم منزلة بمنزلة إلى أن يدركهم السلطان مع العسكر، وما نهضوا من المشورة حتى وقع اتفاقهم على تعيين أمراء للتجريدة. ذكر من جرد من الأمراء ومن مضافيهم إلى الشام: قال بيبرس فى تاريخه: جرّد الأمير ركن الدين بيبرس أستاذ الدار، والأمير حسام الدين لاجين الرومى أستاذ الدار، والأمير سيف الدين طغريل الإيغانى، والأمير سيف الدين كراى المنصورى السلحدار، والأمير شمس الدين سنقرجاه المنصورى، وجامع هذا التأليف - وأراد به نفسه بيبرس الدوادار - قال: فكنا ستة من مقدمى الألوف، وجماعة المضافين من الأمراء والمقدمين، فرحلنا من مسجد التبر فى الثامن عشر من رجب الفرد من هذه السنة، وسرنا على (١) «النبن» فى زبدة الفكرة. مسجد النبر: يقع هذا المسجد خارج القاهرة قريبا من المطرية، ويعتبر موضعه المنزلة الأولى فى الطريق إلى الشام، وتسميه العامة مسجد التبن، وهو خطأ، وتبر هذا أحد الأمراء الأكابر فى أيام الأستاذ كافور الإخشيدى - المواعظ والاعتبار ج ٢ ص ٤١٣.

стр. 1587

اسم الله وبركته، فلما وصلنا قاقون تواترت الأخبار بصحة وصول التتار، وأن قازان كان فيهم، وعبر الفرات معهم، وبلغ إلى الرحبة، فقصد منازلتها ورام محاولتها، وبها يومئذ نائب يسمى علم الدين سنجر الغتمى، فأرسل إليه الإقامات صحبة ولده، فتلطف به واستوقفه عما أزمعه من المحاصرة والمنازلة، وأرسل يقول له: الملك الآن سائر إلى الشام لقصد المدن العظام، وهذا بلد سهل المرام، فإذا أخذت البلاد التى قدامك وحويت تلك الممالك التى هى أمامك، فهذا البلد بين يديك وما يتعّسر أمره عليك، وخاطبه بهذا ومثله، فاستوقفه عن التعرض إليها، ثم أنه رحل ولم بعج عليها، وأخذ ولد علم الدين الغتمى المذكور صحبته إلى بلاد الشرق، ثم لم يلبث أن عاد راجعا وعبر الفرات قاطعا، وعدّى نحو بلاده مسارعا، وجرّد من العسكر الذى وجهه نحو الشام قطلوشاه نائبه، ومعه اثنى عشر تومان، لقصد هذه البلدان، وأخبروا أنه لما عاد عن الرحبة كتب منها كتابا إلى أهل الشام يستغويهم ويستميلهم عن مضافرة أهل مصر ويخدعهم، [وجعله ملطفا (١)]، ودسه (٢) إلى من يوصله إليهم (٣). ذكر نسخة الفرمان الذى سطّره قازان من رحبة الشام (٤): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فرمان السلطان محمود غازان ليعلم الأمير أفرم وأكابر الأمراء، ورعاء العساكر، والأجناد، والقضاة

стр. 1588

والسادات، والأئمة والصدور، والأكابر، والمشاهير والرؤساء، وعوام الرعايا من أهل دمشق، أنه حيث خصنا الله تعالى بالعناية الأزلية، والسعادة الأبدية، وشرح صدرنا للإسلام، ونوّر قلبنا للإيمان، وأورثنا سلطنة (١) الآباء والأجداد، وأمدنا بالنصرة المتواترة الأمداد، تصدينا لإثابة الشكر على نعمائه حسب الإمكان، فعاهدنا الله تعالى على ملازمة البر والإحسان، ودفع الرزايا عن الرعايا، وإيصال البرّ إلى البرايا، سيّما طوائف المسلمين، وطبقات المؤمنين، وأن لا نرخص فى القتال، ما لم يبدأنا به الجهال، فكل لبيب يعلم أن البادى أظلم، والذى يحقق ذلك ما عرفه الدانى والقاصى، من طريقتنا المسلوكة مع المطيع والعاصى، وما ترتب بيننا وبين أنسابنا [٢٧٣] الأصاغر والأكابر، وتركنا المقاتلة إلا مع باد مكابر. وحيث كان أهل مصر والشام، يحبّون ويؤدّون قوة الإسلام، كان الواجب عليهم إظهار السرور، وإبداء الحبور بإسلام ذرارى جنكز خان، وعساكرهم التى لا غاية لأواخرهم وتؤمن غلبة المتسلطين فى تلك البلاد، وإنفاذ الرسل إلينا عن الوداد، وإرسال التحف والهدايا، والشكر لله ولنا على تلك المزايا، فما أبصرنا منهم فى (٢) عموم الأوقات إلا ما لا يحسن من الحركات حتى أنهم عمّوا (٣) على ماردين وديار بكر طغيانا، وأقدموا على القتل والنهب فيها عدوانا، فدعتنا الحمية على الإسلام إلى الفساد بالإنتقام، وهممنا بأن نجر إليهم العساكر، ونبيد

стр. 1589

البادى منهم والحاضر، فصادفتهم المراحم العميمة التى لم تزل لنا خلقا وشيمة، فتوقفنا مقتدين بقوله تعالى: ﴿(وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)﴾ (١) فأنفذنا الإيلجية (٢) مع قضاة ثقات، لعلهم فى أمرهم يتفكرون، وإلى الإنابة يهتدون، فأتوهم بصرائح النصائح، وهدوهم إلى جدد المصالح، فعصى سلطان مصر عتوا ونفورا، وأودعهم السجن تجبرا وغرورا، فأفضت حركاتهم الذميمة إلى أن هال عليهم الجنود، وحل عليهم ما حل بعاد وثمود، ولولا رفقنا المجبول بنا لأضحت شام خالية الديار. وأما ما أصاب (٣) من لاحقه بعض العساكر من بعض الرعية فما كان أحد بذلك مأمورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا. وجرم جرّه سفهاء قوم … فحلّ بغير جانيه العقاب ولما ثنينا عنان العزيمة ترحمّا (٤) على البراء من الجريمة، ثنينا لتركيب الحجة الرسالة، لعلهم ينتهون عن التمادى فى الجهالة، فما سمعوا من الرسول قيلا، وحبسوه زمانا طويلا. وأما فى الإعادة، فقد خالفوا الذاهبين فى العادة، لأنهم لم يصحبوه واحدا من رسلهم، ليتداركوا ما فرط من زللهم، ويا ليت ما حملوه من الجواب، كان

стр. 1590

متضمنا لوجه من الصواب، فإن كتابهم دلّ على فساد آرائهم، وتعمقهم فى متابعة أهوائهم، فقد ضمنوا مهذين المقال مطواه، وكتبوا اسم سلطانهم بالألقاب البليغة بالذهب أعلاه، واسم (١) الله [تعالى (٢)] ورسوله عليه [الصلاة و] (٣) السلام بالمداد، واسمنا بعد عدّة سطور للعناد، فحملنا ذلك على عدم معرفتهم بالرسوم والآداب، وقلة ممارستهم مراسيم الخطاب والجواب. وحيث أردنا [أن (٤)] لا يتأذّى بذلك المسلمون، «صفحنا عنهم وتلونا» (٥): ﴿(فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)﴾ (٦) وعاودنا إرسال (٧) الإيلجيّة مع أكابر القضاة، وحملنا إليهم الخلع والموهبات، ليسلكوا مسالك الموافقات، ويجتنبوا جوانب المخالفات، فوصل الخبر عقيب توجه الإيلجية أن القوم قصدوا ديار بكر، وحلّوا حبى الكيد والمكر، فأمرنا بركوب العساكر وإهلاك الباغين بالسيوف البواتر، فانتهى خبر ذلك إليهم، وفزعوا من سطواتنا عليهم، فأخذوا عن ديار بكر جانبا، وأصبح صحيح أملهم كاذبا، لكنهم عموا على خرت برت وملطية وسيس، وأخربوا أطرافها وحواليها بالحيلة والتلبيس، ولا شبهة لأحد إن خرت برت وملطية من ولايتنا [٢٧٤] وصاحب سيس من الداخلين فى

стр. 1591

شريعة طاعتنا، وقد كانوا أظهروا للإيلجية الألية (١)، واستلزم (٢) إقدامهم على ذلك كذب القضية، وأيضا كاتبوا الأكراد والروم بخطاب الأخ مرارا، ودعوهم إلى إثارة الشر والفتن سرا وجهارا، وما علموا أن صحارى بلادنا مملوءة من أمثال أولئك، ولا التفات لأحد إلى ذلك، وكتبوا أيضا إلى ملك الكرج بار بن داود، وأثبتوا البرّ والعبودية، (٣) مع أنه عندنا خالص النية والطوية، وحرضوه على العصيان، والبغى والكفران، وأرسلوا الرسل إلى طقطا وسائر أنسابنا بدست قفجاق، وأغروهم على إظهار الخلاف والشقاق، فوقفنا واطلعنا على ما يمكرون، وتوقفنا النظر بم يرجع المرسلون، فلما أتوا وقصوا العجب بما رأوا، وذكروا أنهم أمسكوا فى البيوت إلى حين الإعادة، وقالوا هذه عادتنا وبئست العادة، وقد أتوا بمكتوب مسطور، على الوضع المذكور، فأفصح ذلك أنهم يتكبرون، وحيث يناسب التواضع يتجبرون، وإلا كيف يسوغ أن تكون مكاتباتهم مع المذكورين كذلك، والكتاب الذى أنفذ إلينا بذلك، لا سيما إذا زعموا الألية وخلوص النية، فما عساه أفضى إلى هذا الندا، كما أفضى مرارا فيما مضى، لكنه وصل الخبر حالته أنهم أنفذوا بيبرس بشبهة الحج مع جمع وافر، وعموا على ملوك مكة - شرفها الله تعالى - وأخذوهم بأنهم دعوا لنا فى المواسم الشريفة، والمقامات المنفية، وأى مسلم يقصد بيت الله الحرام، الواجب تعظيمه على كافة الأنام، وهو البيت المطهر للطائفين والعاكفين والركع السجود، ويستوى فيه الأمير والمأمور، والسلطان والجنود.

стр. 1592

فحيث لم يبق من وجوه العدد شئ، تبيّن أن آخر الطبّ الكىّ، فشحذنا عرار العزم متوكلين واثقين، بما عودنا الله من النصر العزيز والفتح المبين، ونهضنا من قرب منا من الجنود، ورفعنا على السماك الألوية والبنود، عازمين على الإقامة هذه الصيفية بالشام، منتقمين لما فى الضمير من الانتقام، والله المستعان وعليه التكلان. وإنما المراد من تسطير هذا الفرمان الرّابع: أنّا حيث نعلم أن أهل الشام من أهل الدهاء والفطنة، فلا يشاركون المصريين فى الشر والفتنة، ولا يرون بما يؤول إلى وقوع المصريين فى العذاب والمحنة، أردنا أن ننبّههم من رقدة الغفول، ونوضح لهم طرف الود والقبول، بيّنا لهم أنهم هل وجدوا فى قواعد الأصول والفروع، وصحائف المعقول والمشروع، وجها يقتضى أن يتبع من ليس إتباعه ضرورة، ولا نزلت فى وجوبه آية ولا سورة، ويخالفوا من لا تعارض شوكته، ولا تطاق سطوته، فتصيبهم المحن والفناء، وينزل بساحتهم الجهد والبلاء، وها نحن قد وردنا بالجنود المجندة، والجيوش المؤيدة، وسيصل إلينا من الروم والكرج، وتكفور والإفرنج، عساكر لا تحصى، [٢٧٥] كالنجوم فى موعد مقرّر ووقت معلوم، ويكون مصيف الجميع ببلاد الشام وحواليها، وجبالها وصحاريها، فكشفنا القناع وركبنا الحجة، وقدمنا الوعيد وأظهرنا المحجة، وعقدنا النية بأنه كل من سلك سبيل مخالفتنا، ولم ينتهج طريق طاعتنا، فإنا نأمر برعى غلاتهم (١)، وسبى أزواجهم وبناتهم، وبقطع أشجارهم، وبقتل صغارهم وكبارهم،

стр. 1593

ونحرق مساكنهم، ونتبع مخافيهم ومكامنهم، ونجعل أطلالهم ممحوة بالطمس، وأجسادهم كأن لم تغن بالأمس. وإن لاح لهم الاحتراز فليستدركوا فارطهم، وليرحموا أنفسهم وأزواجهم وأولادهم وأموالهم، وليبادروا إلى ما هو السبب للخلاص، ويدخلوا فى طاعتنا عن صدق وإخلاص، وليتحققوا أنا لا نريد منهم خزائن ولا أموالا، فإن الله تعالى قد أتانا من المال (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة (١)، أغنانا بما أعطانا، عما هو فى أيدى من سوانا، وفيما منحنا من المملكة العريضة، والسلطنة المستفيضة، والعساكر والجيوش غير المحصورة، والألوية والأعلام المنصورة، متسع وكفاية، بل يخطبون باسمنا، ويضربون (٢) الدينار بسكتنا حتى نقرر الجمهور على أمورهم، من أميرهم ومأمورهم، زائدين فى الإقطاعات والمشاهرات، والمرتبات والإقرارات. ولا يخفى عليهم أن الشام كان فى الأعوام الماضية، والأيام الخالية، تارة مع الروم وأخرى مع العراق، وعن مصر لا زال منقطع العلاق، إلى زمان تغلب طائفة من أهل الخروج والفتن، فكما كانوا يتصورون أن الثغر هو العراق وديار بكر، فليتصوروا بعد اليوم أنه غزّة وحدود الرمل، وكما كانوا يستمدون منهم علينا، يستمدون منا عليهم، ولا يعتمدوا على القلاع، فإنهم بالمحاصرة يعجزون، ومن الاضطرار يسلّمون، ومهما تركوا الوساوس (٣) والخيالات، وأطاعونا بصدق النيات، فهم فى أمان الله الملك العلام، وأمان الرسول ﵇، وأماننا فى النفس والأهل والمال، ولا تصيبهم فى عساكرنا أذية فى عموم الأحوال.

стр. 1594

وكتب فى رابع شعبان سنة اثنتين وسبعمائة. والحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وآله الطيبين (١) الطاهرين أجمعين وسلم تسليما (٢). وفى نزهة الناظر: كتب ونحن بأرض (٣) الرحبة، على عزم الركوب، فى مستهل شعبان المبارك، وقال أيضا: واتفق قبل وصول رسله حضور البطائق من حلب، تخبر عن نائب الرحبة ما أخبره. وكان قد وصل إلى دمشق الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بمن معه من الأمراء المجردين، ووقفوا على سائر الأحوال، واتفق أمرهم على أن يكتبوا للسلطان وللنائب يعرفونهم بالحال، ويستحثوهم على الخروج، ثم توارد خيل حلب وحماة أولا فأولا. وكان أهل دمشق عند حضور عسكر مصر اطمأن أمرهم، وطابت نفوسهم، فلما وصلت جفال حلب، أخذ كل أحد لنفسه الخلاص، واعتدوا للرحيل، واشتروا الدواب للسفر، فوقع اتفاق الأمراء مع نائب الشام أن ينادى بدمشق أن أى من خرج من بيته حلّ ماله ودمه، ثم وقع اتفاق الأمراء أن يجردوا عسكرا من الشام، ويقيمون بين حماة وحمص [٢٧٦]، فيكون فى ذلك قوة وطمأنينة لأهل البلاد، فجردوا الأمير سيف الدين بهادر آص، والأمير سيف الدين قطلوبك المنصورى، وآنص الجمدار، وكتبوا لنائب حماة وطرابلس وحلب أن

стр. 1595

يركبوا بالعسكر، ويكون الجميع مقيمين بين حماة وحمص، وركبوا إلى أن وصلوا. وفى بكرة ذلك النهار حضرت جماعة من العربان وأخبروا أن طائفة من المغل قد طرقت نحو القريتين للغارة، فاجتمع الأمراء بنائب حلب وقالوا: ينبغى أن يركب بعض العرب على الهجن ويكشف خبر هذه الطائفة وهم فى مثل ذلك، وإذا قد حضر الأمير ثابت بن يزيد وعرفهم أن الخبر صحيح، وطائفة من المغل كبست على القريتين وأخذت وتركمانها (١) وجيمع ما فيها من المواشى، ولم يدعوا فيها أحدا، وساقوا أموالا عظيمة، وأنهم عازمون العود، وبكرة النهار يكونون بالقرب من عرض. ذكر إغارة التّتار على القريتين: قال بيبرس فى تاريخه: وعند دخولنا دمشق استبشر أهلها وفرحوا، واتصل بنا اجتماع عسكر حلب صحبة الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، نائب السلطنة بها، وعسكر حماة صحبة الأمير زين الدين كتبغا المنصورى الملقب بالعادل، وعسكر طرابلس صحبة الأمير سيف الدين أسندمر الكرجى نائب السلطنة بها، ومن كان قد جردّ إليهم من العساكر الدمشقية وهم: الأمير سيف الدين بهادر آص، والأمير سيف الدين آنص الجمدار وغيرهما، واتفق وصول مقدمة التتار إلى قريب القريتين (٢) فأغاروا عليها فى خمسة آلاف فارس، وبها جمع كثير من التركمان الجافلين (٣) بحريمهم وأولادهم وأغنامهم، فوقع التتار

стр. 1596

عليهم وحووهم وما فى يديهم، فاتصل بهؤلاء [الأمراء (١)] الخبر، فركبوا على الأثر، وجردوا سيف الدين أسندمر، وسيف الدين بهادر آص، وسيف الدين آنص، وسيف الدين تمر الساقى، وشجاع الدين غرلو (٢) الزينى مملوك الأمير زين الدين كتبغا، وهو يومئذ من أمراء حماة، وناصر الدين محمد ولد الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، فى ألف وخمسمائة فارس إلى نحو هؤلاء التتار الذين شنوا هذه الغارة (٣)، فساقوا خلفهم إلى مكان يسمى عرض (٤)، فوجدوهم قد نزلوا بما كسبوا، واطمأنوا بما غنموا، وفرحوا بما أوتوا، فأشرفوا عليهم وأقبلوا من أمامهم، فظن هؤلاء أنهم من عسكرهم قد جاءوا فى أثرهم، فما تحركوا من أماكنهم حتى خالطوهم واتصلوا بهم، فتحققوا أنهم من العساكر الإسلامية والعصابة المحمدية، فاعتزلوا ناحية وتركوا المواشى والغنائم مهملة ليتشاغل العسكر بالنهب وينهمكوا على الكسب، فينالوا منهم الغرض إذا تشاغلوا بالعرض، ففطن الأمراء بمكائدهم، وعرفوا أن المكر عادتهم، فما عرجوا على الغنائم، بل تفرقوا على القوم أربع فرقات، وجاؤوهم من أربع جهات، ورتبوا أن الفرقة الواحدة تحمل عليهم وتتقدم إليهم، فإذا اشتغلوا بقتالها واستعدوا لنزالها

стр. 1597

يحيط بهم الفرق الثلاث من سائر الجهات، ففعلوا كذلك وأخلطوا بهم فدهكوهم [٢٧٧] بهذا التدبير، وغلب القليل من المسلمين جمعهم الكثير، وكسروهم، واستنقذوا التركمان الذين كانوا أسروهم، وخلصوا النسوان والولدان، واقتلعوا منهم المواشى والأموال، وأبلوا بلاء حسنا، وفازوا بالأجر والثناء، وتفاءلوا بهذه البداية المباركة، وأيقنوا النصرة المتداركة، وكانت هذه مقدمة لنتيجة الظفر، وقضية موجبة للتأييد المنتظر، سالبة ما استلبه فراط التتر، ولم يستشهد فى الوقعة إلا الأمير سيف الدين آنص الجمدار، وناصر الدين محمد بن باشقرد الناصرى. وقال صاحب النزهة: كان السبب لغارة المغل على القريتين أن قطلوجا لما عدّى الفرات طلب بعض أمراء التوامين وقال له: اركب بمن معك من عسكرك، وأغر على طريقك أى جهة رأيتها قريبة منك، واقتل وانهب واسب وسق ما تجده وما تقدر عليه من أسرى المسلمين، وكان قصد بذلك إيقاع هيبته فى قلوب الرعية والعساكر، ثم أنه أول ما جاءت طريقه على القريتين رأى بها بيوت التركمان والعرب والخلق الكثير، وقد سرحوا مواشيهم إلى أن سدت تلك تلك الأرض، فضربوا عليهم حلقة ووضعوا فيهم السيوف، فلما رأوهم صاحوا بالأمان، وأقاموا ذلك اليوم وتلك الليلة، إلى أن ساقوا جميع أموالهم، وأخذوا مواشيهم، وشرعوا فى أخذ الرجال والنساء والأطفال، وربطوا الجميع أسرى، وساقوهم بين أيديهم، والرجال تبكى، والنساء يصحن، والأطفال يتصاعون. فلما جاء الخبر بذلك إلى الأمراء عينوا جماعة من الأمراء وهم الذين ذكرناهم ومعهم يزيد بن ثابت بجماعة من عربه، وكلهم بالهجن راكبون، وفرس كل

стр. 1598

واحد منهم جنيبا على يده، وساروا ذلك اليوم إلى أن دخل عليهم الليل فاستراحوا ساعة واحدة، وجاء فى ذلك الوقت بعض العرب وأخبرهم أن العدو يكونون فى نصف الليل نازلين على عرض بمن معهم من الكسب والأسرى، فركبوا وساروا الليل كله إلى أن انبثق الفجر، وجاء فى ذلك الوقت بعض العرب أيضا وأخبروا أن العدو قد نزلوا فى الليل وإنكم قربتم منهم، ثم أن الأمراء نزلوا واستراحوا، وتوضؤوا لصلاة الفرض، ثم بعدها صلاة الموت، وودّع بعضهم بعضا، ثم ساقوا على نفس واحد إلى أن طلع قرص الشمس، فتراءت مضارب العدو، وكانوا تحت تل من تلك الأرض، فساق الأمراء بمن معهم إلى أن ركبوا التلّ، ثم قال لهم سيف الدين بهادر آص: إعلموا يا أمراء أن هذه الوقعة هى وقعة الانفصال بيننا وبينهم، فإن كانت النصرة لنا فهى بشارة تستمر بنا، وإن كان غير ذلك فنعوذ بالله. وقال الأمير سيف الدين أسندمر: كل زوجة لى طالق وكل جارية ومملوك لى حرّ إن ولّيت ظهرى حتى أبلغ قصدى، وإن مت فما يكون لى موتة أكرم منها، ثم شرع كل واحد منهم يقول بمثل هذه المقالة، وكانت العدو فى المقام، وكان يحرسهم أمير ومعه خمسمائة فارس، وأول من حمل بمن معه الأمير سيف الدين أسندمر، وصاح الله أكبر، فجاوبه العسكر بصوت واحد حتى الأسرى: الله أكبر، الله أكبر [٢٧٨]، وكانت الأسرى نحوا من ستة آلاف نفس. وكانت هذه الساعة ساعة عظيمة، وقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا، وأفنوا أكثرهم على السيف، وأسروا منهم نحو مائة وثمانين أسيرا، ومن وجد مجروحا قتلوه، ثم كتبوا بهذا الفتوح لنائب حلب ونائب حماة، ورفعوا بعد ذلك طالبين الأمراء.

стр. 1599

وكانت الوقعة فى الحادى عشر من شعبان من هذه السنة، واستشهد فيها الأمير آنص، وناصر الدين بن الباشقردى الناصرى، ونحو ستة وخمسين من الجند ومماليك الأمراء، وجرحت (١) نحو ثمانين نفرا، وقتلت خيول كثيرة. ولما سبق البشير إلى الأمراء، ركب الأمير شمس الدين قراسنقر نائب حلب، والأمير زين الدين كتبغا نائب حماة، وبقية الأمراه والعسكر، والتقوهم ودعوا لهم، وفرحوا. ولما نزلوا الخيم اجتمع رأيهم على أن يكتبوا لنائب الشام والأمراء المصريين ويبشّرونهم بما فتح الله من النصر على الأعداء، وخلاص أسرى المسلمين، فكتبوا كتابا، وخلّقوا عنوانه، وأول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم «إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» (٢)، «وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً»﴾. (٣) ثم عرفوهم بما اتفق من لطف الله تعالى ونصره، فاستبشرت الأمراء بذلك، وضربت البشائر، وفرح أهل دمشق وشكروا الله على ذلك، وتيقن كل أحد منهم أنهم منصورون على عدوهم. ثم فى ذلك الوقت وصلت جماعة من العرب وأخبروا أن قطلو شاه جاس خلال الديار، وقد سارت خيوله سيرا غير حثيث ينتظر قازان يأتى من بعده، فاتفق رأى الأمراء على أن يكتبوا للسلطان ويستّحثوه على الخروج بالعسكر، ويعرفوه بما اتفق من النصر، فلما وصل الكتاب إلى السلطان فرح فرحا عظيما، وأمر بعرض العساكر والخروج سريعا.

стр. 1600

وقال ابن كثير: قدمت الأسارى دمشق يوم الحميس منتصف شعبان، وكان يوم خميس النصارى، ثم لما قوى خبر التتار خافت الأمراء والعسكر أن يدهمهم التتار لإقتراب محنتهم، فرحلوا ونزلوا المرج يوم الأحد الخامس والعشرين من شعبان، ودخل التتار إلى حمص وبعلبك، وعاثوا فى تلك الأرض فسادا، وقلق الناس قلقا عظيما وخافوا خوفا شديدا، واختبطت دمشق لتأخير قدوم السلطان ببقية الجيش. وقال الناس: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء العدو لكثرتهم، وتحدث الناس بالأراجيف، فاجتمع الأمراء يوم الأحد المذكور بالميدان الأخضر وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم، ونودى فى البلدان لا يجفل أحد، فسكن الناس، وجلس القضاة بالجامع، وحلفوا جماعة من الفقهاء والعامة على حضور الغزاة، وتوجه الشيخ تقى الدين بن تيمية ﵀ إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم فى القطيعة فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك، وحلفوا معه. وكان الشيخ ابن تيمية يحلف للأمراء وللناس أنكم لمنصورون فى هذه الكرة على التتار، ثم يقول إن شاء تحقيقا لا تعليقا، وكان يتأوّل فى ذلك أشياء [٢٧٩] منها قوله تعالى: ﴿(ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)﴾ (١). ولما كان يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان (٢): خرجت العساكر الشامية فخيمت على الجسور ومعهم القضاة.

стр. 1601

ولما كان ليلة الخميس: ساروا إلى ناحية الكسوة، وقد وصلت التتار إلى القطيعة، فانزعج الناس لذلك، ولم يبق حول دمشق من القرى والحواضر أحد، وامتلأت القلعة، وازدحم الناس فى المنازل والطرقات، وخرج تقى الدين بن تيمية صبيحة يوم الخميس المذكور من باب النصر بمشقة كبيرة، وفى صحبته جماعة ليشهد القتال بنفسه ومن معه، وبقى البلد ليس فيه حاكم، وعاثت اللصوص والحرافيش فى بساتين الناس يخربون وينهبون، وانقطعت الطريق إلى الكسوة، وظهرت الوحشة على البلد، ويتعجبون من أمر الجيش مع كثرتهم أين ذهبوا، ولا يدرون ماذا فعل الله بالناس، فانقطعت الآمال، وألحّ الناس فى الدعاء والابتهال (١). ذكر ما جرى لعسكر الشام وما فعل التّتار القادمون: ولما كان الناس فى الحيرة والدهشة من قدوم التتار وتأخر السلطان، وعدم علمهم بأمر عسكر الشام، جاء فخر الدين إياس - أحد أمراء دمشق - آخر نهار يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان يبشر بوصول السلطان واجتماع العساكر المصرية والشامية، وقد أرسل ليكشف هل طرق البلد أحد من التتار، فوجد الذين يكشفون الخبر أن التتار قد عرجوا عن دمشق إلى ناحية العساكر، ولم يشتغلوا بالبلد، لأنهم كانوا يقولون: إن غلبنا فالبلد لنا وإن غلبنا فلا حاجة لنا به، فعند ذلك نودى فى البلد بتطييب الخواطر لأن السلطان قد وصل وإن التتار غير متوجهين إلى البلد، فسكنت قلوب الناس، والله المستعان (٢).

стр. 1602

وقال بيبرس فى تاريخه: ولما عاد التتار الذين انهزموا من القريتين اجتمعوا مع بقية عساكرهم وتحدثوا فى مشاورهم وقالوا: إن السلطان لم يتحرك من الديار المصرية فى هذه الأيام، وما ثم إلاّ بعض العسكر المصرى وعسكر الشام، واتفقوا على المبادرة ليغتنموا الفرصة - على زعمهم - وأقبلوا مسرعين بطمّهم ورمهم، فكثرت الأراجيف لمفاجأتهم والإنذار بمهاجمتهم، هذا والسلطان ومن معه لم يتحقق حالهم، ولا علم قبالهم، فتقسمت الأفكار والظنون، وتطلعت لقدومه العيون، واجتمعنا للاستخارة، واقتدحنا زناد الاستشارة، فأجمعنا على استطلاع الحال قبل العزم على الترحال. قال: فتوجهت مستكشفا، وللأخبار متعرفا، فلما وصلنا القطيعة (١) صادفنا عسكر حلب وحمص وحماة قد تقدموا جائين، وأقبلوا متواترين، وأخبروا بأن العدو سائر سير المجدّ فى الرواح والغدو، وقد اقترب الإقدام من الأقوام، ودنت الخيام من الخيام، فرجعنا إلى مرج راهط، وخرج الأمير ركن الدين الأستادادار، والأمير جمال الدين أقوش الأفرم، ومعهما الأمراء المصريون والشاميون، فاقتضت الآراء التأخر عن المرج قليلا والنزول من دونه ولو ميلا، ريثما يحصل التوثق من وصول السلطان واجتماع العساكر قبل أن يلتقى الجمعان، فلما رجعوا إلى خلف شيئا [٢٨٠] يسيرا ولّت الأطلاب، وعادت العساكر على الأعقاب حتى إن أكثرهم ترك حماله، ورمى أثقاله، وأهمل قماشه وماله، ولم يتهيّأ ردّهم ولا أمكن صدّهم، وعبروا على مدينة دمشق بهذه الصورة، فتصدعت قلوب أهلها المكسورة، وعجوا وضجوا واستصرخوا ولجوّا، وحملهم ما دهموه

стр. 1603

من انتقاض العزائم على أن صرحوا بالشتائم، وبادر أكثرهم بالجفل لينجو، وقالوا: إذا رجعت عنا العساكر فأىّ حياة نرجو، فحصل بلطف الله التوقف والتثبط والتمسك بالمرج والتضبط، فما كان إلا كلمح شرارة أو وحى إشارة حتى أتى البريد مخبرا بإقبال الملك الناصر وأطلاب العساكر، فزال البأس وغلب الرجاء اليأس، ثم أقبل السلطان فى جيوشه، وأسوده الكاشرة ووحوشه، فقويت القلوب، وانحلت الكروب، واجتمعت العساكر المصرية والشامية وتكتبت الكتائب المحمدية (١). وقال صاحب النزهة: وقد كان السلطان كتب إلى نائب الشام والأمراء وعرفهم بأنه خرج من مصر وصحبته الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، فلما وصل إليهم الخبر فرحوا واستبشروا بذلك وطابت خواطر العامة بكون العسكر مقيمين عندهم، وكون السلطان فى الطريق وهو جاى. وفى ثالث اليوم من ذلك: جاءت الأمراء المقيمون بمصر وهم: نائب حلب، ونائب حماة، ونائب طرابلس، فلاقتهم الأمراء الذين بدمشق واجتمعوا، فلما نزلوا للمشورة تحققوا أن قطلوبغا نائب قازان بمن معه من العسكر قد وصل إلى قرون حماة طالبا دمشق طلبا لقلعتها، فإنه بلغه ما برى على السرية التى غارت على أهل القريتين، وبلغه أن نائب الشام متوجها للقائه بعسكر الشام، فعند ذلك اجتمعت سائر الأمراء: نائب حلب قراسنقر، ونائب حماة كتبغا العادل، ونائب طرابلس أسندمر، ونائب الشام الأفرم، والأمير ركن الدين

стр. 1604

بيبرس الجاشنكير، والأمير حسام الدين الرومى، ومبارز الدين بن قرمان، وكراى المنصورى، وتغريل النوغاى، وسائر أمراء مصر والشام، على أنهم يخرجون إلى مرج دمشق ويلاقون العدو فيه، ولا يدعونهم يدخلون دمشق. فلما انتظم الحال على هذا لم يعجب هذا الرأى الحسام الأستاذ الدار ولا تحدث معهم فى هذا الرأى. فقال له بيبرس: مالك لا تتكلم مع الأمراء؟ فهذا ليس وقت السكوت، وأنت رجل كبير ورأيت ما لا رأيناه، وجرت عليك التجاريب، فلا يحل لك أن تسكت، فإن رأيت خيرا من هذا الرأى تكلم، حتى نوافقك على هذا إن رأيناه مصلحة، وإلا فأنت تعلم شيئا فيه مصلحة وتسكت عنه تطالب به يوم القيامة. فقال يا أمراء: أنا أقول ما أعلم أنه يخلّصنى عند الله تعالى، ولكن ما يعجب ذلك بعض الأمراء. قال له بيبرس: قل حتى نسمع. فقال: إعلموا أن هذا عدوّ ثقيل، وهو قاصدكم وطامع فيكم لكون أنكم نواب البلاد، ولا يعلم أن عسكر مصر مع السلطان، قد قربوا منكم، فمتى لاقيناهم يجرى علينا ما لا نحبه من غلبة العدو علينا، فيتفرق شمل العسكر الذين تجمعوا، ويحضر السلطان والعسكر على حال الفساد، ويكون العدو خلفنا، فيتوهم عسكر السلطان، وتنكسر قلوب الناس، [٢٨١] ويقع العتب علينا أيضا من السلطان حيث يقول: كنتم صبرتم حتى اجتمعنا كلنا جملة، والحال أنكم سمعتم بقدومى، فلا يفيد بعد ذلك الندم، وهذا السلطان قد قرب وبقى بيننا وبينه يوم أو يومان، والمصلحة عندى أن نرجع إليه، ونجتمع بين يديه، وتكون الآراء رأيا واحدا، واللقاء جملة واحدة، ويعطى الله النصر لمن يشاء.

стр. 1605

فلما سمع بيبرس هذا الكلام التفت إلى الأمراء فقال: والله أنا لا أخرج عن إشارة هذا، فإن الذى قاله وأشار إليه ما عليه فيه جناح عند الله، ثم قال نائب الشام للحسام الأستاذ الدار: يا أمير أنت إذا خرجت الساعة يغير العدو على دمشق من بعدك، ويضع السيف فى أهلها، فماذا يكون عذرك عند الله؟ فقال له الحسام: يا أمير إن العدو إذا علم بخروج العسكر من دمشق لا يلتفت إليها، ولا يكون عزمه إلاّ على اللحوق بالعسكر ويقول: إن دمشق فى يدنا، ومع هذا يتوهم عن خروج العسكر. فلما سمع الأمراء هذا الكلام منه أمروا ساعتئذ بقلع الخيام والركوب، ونادى المنادى بالرحيل، فوقع الصوت فى دمشق، فتحير أهلها ودهشوا بحيث لا يغفل الوالد على ولده، ولا الولد على والده، وسيّبت النساء والبنات، وغلت أسعار الجمال والحمير، فبلع كل حمار كان يساوى مائة بخمسمائة وستمائة، وكل جمل كان يساوى ثلاثمائة بيع بألف وأكثر، وفى الناس من نجا بنفسه وخلّى حريمه، ومن كان ظهره ثقيلا طلع القلعة، وما جاء الليل إلا ودمشق يبكى عليها ويندبها النوادب. وأما الجند والعسكر فإن أحدا منهم لا يلتفت إلى رفيقه ولا إلى خشداشه، ولا ينظر المملوك إلى أستاذه، وخرجت الغلمان والحمالة على وجوهها، والصناديق التى فيها الأكل والحلواء يرمونها لأجل الخفة، وكان يوما عظيما، وأما فقراء دمشق ومشايخها وصلحاؤها وفقهاؤها وقضاتها، فقد اجتمعوا بالجامع الأموى، ووطنوا أنفسهم على الموت، وكشفوا رؤوسهم يتضرعون إلى الله تعالى ويبكون، ولم يزالوا كذلك إلى أن طلع الفجر، ولاحت للناس مواكب العدو وجحافله،

стр. 1606

وقد رجعوا عن دمشق وركبوا أعالى الغوطة، ففرحت الناس لذلك وعلموا أن الله قد استجاب دعاءهم ورحمهم. وكان سبب عدولهم عن دمشق أن جواسيس قطلوشاه قد حضروا إليه فى الليل، وعرفوه أن النواب مع عساكرهم، لما سمعوا بوصولك إليهم، وتحققوا أن عسكرك عظيم، وأنهم ليس لهم طاقة للملاقاة، اتفقوا على أن يخلوا لك دمشق حتى تدخل إليها وتشتغل بأهلها، وينجون هؤلاء بأنفسهم، مع أنا سمعنا أن لهم عسكرا خرجوا من مصر وهم مقبلون، فهؤلاء قد ذهبوا إليهم حتى يعتضدون بهم، ثم يرجعون جملة واحدة ويعملون شيئا وأنتم مشغول فى المدينة، فلما سمع قطلوشاه ذلك أعلم أمراءه بذلك وأكابر عسكره، واتفق رأيهم أن لا يدخلوا دمشق، فإنه إن دخلوا يفسد أمرهم ويشتغل العسكر بالكسب، فيحصل الفساد إن عاد عسكرهم علينا، ومع هذا يمكن أن يكون هذا مكيدة من نائب الشام، فعند ذلك ركبوا وقصدوا الطريق التى من وراء المرج حتى ينزلون من خلف دمشق على الكسوة، ثم يتتبعون آثار [٢٨٢] عسكر الشام، فحيثما يتلاقون بهم يحطمونهم. فلما رأت أهل دمشق ذلك حمدوا الله تعالى. واستمروا مقيمين فى الجامع، مشتغلين بالدعاء والقنوت فى الصلوات. قال الراوى: وكان يوم خروج الشاميين من دمشق يوم نزول السلطان الملك الناصر بعساكره على رأس العقبة، وكان يوم استهلال شهر رمضان المعظم. ذكر خروج السلطان من القاهرة ووصوله إلى شقحب: كان خروج السلطان من مصر فى الثالث من شعبان من هذه السنة، وأسرع

стр. 1607

فى السير إلى أن وصل إلى رأس العقبة مستهل رمضان كما ذكرنا، والتقى الأمراء بالسلطان وترجلوا وباسوا الأرض، وما لحقوا أن يقفوا إلا وأجناد العدو قد وصلت بوصوله، فوقف السلطان وأمر للنقباء والحجاب أن يدوروا على الجيش ويأمروهم بلبس الأسلحة والاستعداد للملاقاة، وبقى السلطان والأمراء راكبين فى الموكب سائرين، واستعد العساكر باللبس والتجهيز. وفى ذلك الوقت وقع كلام فج بين الأمير شمس الدين سنقر العلائى - أحد الأمراء البرجيّة - وبين الأمير حسام الدين الأستادار، وكان هذا سنقر من جمرة البرجية التى تتعد وكان مدلا بشبابه وقوة ساعده وفروسيته، ولما رأى الأمراء سلّم عليهم، ورآهم على تلك الصورة، أنكر عليهم، فصار كل أحد منهم يحكى له حكاية، ومال بعضهم فيها على حسام الدين الأستادار حيث أنه منع العسكر عن ملاقاة العدو، وترك دمشق وأخذ العسكر وأخلاها، وأشار إليهم أن الملاقاة تكون بحضور السلطان، وأن الأمير ركن الدين بيبرس وافقه على هذا الرأى، فتبعته الأمراء، فما سمع سنقر هذا الكلام إلاّ وقد ركض فرسه وسط الموكب وقال للأمير بيبرس: يا أمير إش هذا الرأى الذى فعلته بالناس حتى أفسدت حال العسكر، وكسرت قلوب أهل دمشق، ونهبت أموالهم، وسمعت من واحد قد كبر وخرف وما يشتهى الموت، والأمير حسام الدين إلى جانب السلطان يتحدث معه ويسمع كلامه، ثم التفت بيبرس إليه وقال له: اسكت، ما هذا الكلام؟، ثم قال حسام الدين: يا أمير - يخاطب سنقرا - أما أنا فإنى أشرت إليهم، فالله يطالبنى بها يوم القيامة إن كان قصدى فساد المسلمين، وأما أنى كبرت فصحيح، ولكنى ما خرفت، فوقع بينهما كلام كثير، ثم غضب بيبرس وصاح على سنقر العلائى وأخرجه من مكان كان واقفا فيه.

стр. 1608

قال الراوى: سمعت من قال: إنى رأيت حسام الدين تخرج الدموع من عينيه، وقد بلّت شيبته، وهو يتمثل بأبيات من شعر الطغرائى: تقدّمنى رجال كان سوطهم … وراء خطوى إذا أمشى على مهل هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا … من قبله فتمنى فسحة الأجل ذكر وقعة شقحب: قال صاحب النزهة: هذه الوقعة عرفت بين الناس بوقعة شقحب، ثم بغباغب، فإنها كانت مشتملة على طرف شقحب وغباغب والضمين. قلت: هذه أسماء قرى هناك، وهى فى أراضى وعرة ذات أحجار سود. [٢٨٣] قال بيبرس فى تاريخه: ذكر كسرة التتار على مرج الصفّر فى غرّة الشهر الأزهر: لما انتظم شمل العسكر انتظام الجمان، واصطفت صفوفه كأنها (١) بنيان، أضحوا كما قال أبو الطيب المتنبى: وإذا رأيت (٢) … إلى السهول رأيتها تحت العجاج فوارسا وجنائبا وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها … فوق السهول عواسلا وقواضبا فكأنما كسى النهار بها دجى … ليل واطلعت الرماح كواكبا أسد فرائسها الأسود يقودهم … أسد تصير له الأسود ثعالبا (٣)

стр. 1609

وقال النويرى: لما وصل الملك الناصر رتب العساكر الإسلامية ميمنة وميسرة وقلبا، والتقى الفريقان بمرج الصّفر نصف النهار. وقال صاحب النزهة: وكما قدر الله تعالى وصول السلطان والعسكر وجدوا قطلوشاه ومن معه من المغل قد وصلوا، ووقف على أعلا النهر وقد نظروا العساكر من علوه، فظنوا أنها عسكر الشام، فتباشروا، وأخذت الحجاب فى ترتيب المواكب والأمراء والمقدّمين، واجتمع الجميع قدام السلطان، وحضر الخليفة أبو الربيع، ووقفت أكابر الأمراء والنواب، وأجمعوا على تعيين أمراء للميمنة، وأمراء للميسرة. ووقف السلطان فى القلب بلوائة، والخليفة بإزائه، والأمير سيف الدين سلار، والأمير ركن الدين أستادار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، والأمير جمال الدين أقوش نائب الشام ومن معه من عساكر الشام، وبلرغى، وأيبك الحموى، وبكتمر الأبو بكرى، وقطلوبك، ونوغيه السلحدار، وأغرلو الزينى. وفى الميمنة: الأمير حسام الدين الرومى أستاذ الدار، والأمير جمال الدين أقوش الموصلى، والأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزورى، والأمير مبارز الدين بن قزمان، ومبارز الدين سوارى أمير سنجار. وفى الميسرة: الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب حلب ومن معه من العسكر الحلبى، والأمير سيف الدين بتخاص المنصورى نائب صفد، والأمير سيف الدين طغريل الإيغانى، والأمير بكتمر السلحدار، والأمير بيبرس الدوادار صاحب التاريخ.

стр. 1610

وفى الجناح الأيمن: الأمير سيف الدين قفجاق نائب حماة ومعه العسكر الحموية، وجماعة العربان فيهم مهنى وآل فضل. وقال صاحب النزهة: وفى الجناح الأيمن شمس الدين قراسنقر نائب حلب مع مهنى وآل فضل، والأمير بهاء الدين أولياء بن قزمان، وفى الجناح الأيسر: سيف الدين برلغى، وعلم الدين الجاولى، وشمس الدين سنقر الكمالى. وقال صاحب النزهة: كانت الأمراء قصدوا أن يعزلوا السلطان مع جماعة بناحية عن المصاف، فأبى ذلك ولام الأمراء وقال: والله أنا أول من يحمل قدامكم. فقال له أسندمر كرجى نائب طرابلس: ياخوند نحن ما نريد منك أن تحمل، ولا للملوك عادة بالجملة، ولكن إثبت أنت مكانك، فإذا ثبت السلطان [٢٨٤] ثبت العسكر. فقال له: يا أمير إن اخترتم هاتوا قيدا فقيّدوا فرسى به حتى أموت وهو واقف، فأعجب ذلك الأمراء ودعوا له. وقال ابن كثير: ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتا عظيما، ويقال: إنه (١) أمر بجواده فقيد حتى لا يهرب، وبايع الله تعالى فى ذلك الموقف (٢). وقال صاحب النزهة: ولما تكامل ما رتبوا وقف كل أحد مكانه، والخليفة إلى جانب السلطان يتلو كتاب الله ويذكر ما أعدّ الله للمجاهدين من الثواب والأجر، ويقول: أيها المجاهدون لا تقاتلوا لأجل سلطانكم، فقاتلوا لأجل حريمكم، فعند ذلك ما كنت ترى إلا أدمعا على الخدود تترادف، وزعقات من صميم

стр. 1611

الأكباد تتضاعف، وعاينت جماعة من الجند وقع بهم الاختلال فى عقولهم فى ذلك الوقت ووقعوا إلى الأرض، وبقى الأمير سيف الدين سلار فى حفدته ومضافيه، والأمير ركن الدين فى حفدته من البرجية ومضافيه، يترددان بين القلب والميمنة، وكان هؤلاء جمرة الإسلام، وعليهم العمدة فى الأحكام، وكل منهما فى نحو أربعين طبلخاناة. قال الراوى: وبلغنى من أحد الأمراء أنه سمع بيبرس يقول: أنا عاهدت نفسى الموت، وذلك حين قال له سلار: يا أخى أنت تعلم أن الحديث فينا كثير، وأنا نسبونى إلى التتار لكونى من جنسهم، وأنت نسبوك إلى أنك تبغض الجند، فبالله أوص لأصحابك بالثبات وإلا لا يبقى لنا وجه عند أحد بعد هذا اليوم، وتعاهدوا، ووثق بعضهم بكلام بعض، ثم نشروا السناجق والأعلام الخليفتية والسلطانية، وسيروا النقباء فداروا على الركبدارية والغلمان والجمالة، وجمعوا الجمع، وأوقفوهم صفا واحدا خلف أستاذيهم ليكثر بهم السواد، ونادى منادى: أى جندى خرج من المصاف بغير عذر أو جرح، فدمه حلال، وعدته وفرسه لهم، وكذلك الجمالة والغلمان. ذكر ما اعتمد عليه قطلوشاه فى ذلك اليوم: ولما تناهى ترتيب المسلمين، عاين ذلك قطلوشاه مقدم المغل وهو أعلى الخيل، وهو فى جيش قد سدّ السهل والوعر، ثم شرع فى ترتيب أمره، فقصد أن يرتب مقابل كل موكب موكبا، وجمع الأمراء على ذلك، فلم يجد فى أمرهم فسحة، ووجد ميسرة المسلمين قد انتشرت، وبينهم وبين التتار النهر الكبير هناك فلا يمكن الوصول إليهم، فمشوا إلى آخر النهر إلى أن وصلوا إلى

стр. 1612

رأس الميمنة، فوجدوا النهر رائجا مديدا، ولكن وجدوا مخافا للجبل، فتشاوروا فى أمر نزولهم، واتفق رأيهم على أنهم لا يجدون مكانا للنزول أسهل من هذه المخاضة، وأنهم ينزلون جملة واحدة. وأنهم إذا كسروا هذه الطائفة التى بين أيديهم يدورون خلف الذين يبقون، فإنهم لما رأوا ميمنة المسلمين ورأوا عسكرهم أمثال هؤلاء استحقروهم. وقال بيبرس: وفى الوقت الحاضر أقبلت كراديس التتار كقطع الليل، لا يبين فيها الرجل من الخيل، وقد علاهم القتام والغبار، وفيهم من مقدميهم الكبار: قطلوشاه، وسوتاى [٢٨٥] أقطاجى، وجوبان بن تداون، ومولاى، وقرمشى بن الناق (١)، [وطوغان] (٢)، وسبوشى بن قطلوشاه، وطغريل ابن آجاى، وآبشقا، وأولا جغان، والكان، وطيطق فى مائة ألف من المغول والكرج والأرمن وغيرهم (٣). ذكر كيفيّة الوقعة: قال صاحب النزهة: لما رأت التتار عسكر الإسلام وهم على الجبل صاحوا وضربوا الطبول، ونزلوا وقد أحاطوا النهر، ووقفوا عند المخاضة، وكان مقابلهم من ذلك الجانب الأمير حسام الدين الأستادار. والأمير بهاء الدين أوليا بن قزمان، ولما رآهم حسام الدين قال: بسم الله نية الغزاة، فجذب سيفه ومشى، وقال بعض مماليكه: ياخوند ارجع قليلا عن يمينك أو عن شمالك، فلم يلتفت

стр. 1613

إليهم إلى أن صدمته الحيل، وصدمت ابن قزمان أيضا، فكان الإثنان بينهم كالواحد فى ألف، فإن الجميع اجتمعوا على مخاضة واحدة، وطلعوا طلوع رجل واحد، وكان الأمير الجاولى رديفهم، وبرلغى رديف الجاولى، والأمراء متصلون بعضهم ببعض، وارتفع الغبار، ولم يشعر الناس إلا وقد اندق الجاولى وبرلغى على الكمالى، ورأى بيبرس وسلاّر ذلك، فصاح سلار: هلك والله الإسلام، وصاح على بيبرس والأمراء البرجية، فنهض الأمراء المنهزمون وصدموا جيش المغل، فرّجعوها قهرا، ورموا منهم جماعة كثيرة إلى أن كشفوهم عن المسلمين. وكان جوبان وقرمشى ومن معهما قد ساقوا يعينون مولاى وهو خلف المسلمين، فرأوا قطلوشاه وقد انكسر، فعادوا إليه، ووقف فى وجه بيبرس وسلار. وكان السلطان والأمراء قد رأوا سلار وبيبرس قد خلى مكانهما، ورأوا أطلاب العدو تتواتر، فخرج أسندمر وقطلبك وقفجق والمماليك السلطانية وردفوهما، ولما رأى سلار السلطان والأمراء أخذ على جانب وتمكن من العدو، وطعن فيهم وأبادهم، ولم يبق أمير إلا وقد ألقى نفسه للموت، فلما رأى المغل ذلك أخذوا جهة وتمكنوا منها، وكان الأمير سيف الدين برلغى بين أيديهم، فصدموه ومزّقوا طلبه وفرقوه، ثم صاروا أىّ جهة مالوا إليها فرقوها، وتم الحرب بين سلار بمن معه من الأمراء والسلطان وبين قطلوشاه تارة تارة، وكل من الفريقين قد ثبت. ولم يعلم سلار والأمراء أن الجانب الذى نزلوا عليه قتلت أمراؤهم وانهزم من كان معهم، وأن طائفة من المغل ساقت وراء المنهزمين، وفى ذلك نهبت

стр. 1614

خزائن السلطان، فإن الكسرة حيث انتهت بالمسلمين على تلك الطريق جعلت الناس بين أيديهم، وتفرق من كان حول الخزائن، ولما رأى السواد الأعظم ذلك صاروا يتركون جمال الخزائن البخاتى ويكسرون الصناديق، ويخرجون أكياس الذهب والفضة، فيأخذ كل أحد ما يقدر عليه. وما زالت الحرب بينهم إلى أن مالت الشمس للغروب، وكان الملتقى بينهم بعد الظهر، ثم مال قطلوشاه بمن معه إلى جانب جبل [٢٨٦] إلى جانبه، وطلع عليه وفى نفسه أنه منصور، ورجع جماعة منهم كانوا وراء المنهزمين، ومعهم جماعة من أسراء المسلمين وفيهم الأمير عز الدين أيدمر النقيب من المماليك السلطانية، فلما اجتمعوا قال قطلوشاه: هذا عسكر كثير وليس الأمر كما ظننا فلا بد أن نعلم خبرهم، فاقتضى رأيهم أن يحضروا أسيرا من الأسرى ويستخبروا منه خبر العسكر، وقالوا لقطلوشاه: إن فى الأسرى رجلا وهو أمير، وهو عز الدين أيدمر المذكور، فأمر بإحضاره، فأحضروه بين يديه وقال: أنت من أمراء الشام؟ قال: لا أنا من أمراء مصر. فقال له: وما جاء بك ههنا؟ فقال: جئت مع السلطان. قال: مع الملك الناصر. قال: نعم. قال: وأين السلطان وعسكر مصر؟ قال: الكل واقفون. قال له: وعسكر مصر جميعهم الساعة ههنا حاضرون والملك الناصر حاضر. قال له: نعم. قال: فأى وقت وصلتم إلى ههنا، فأخذ يعرفه ويخبره بجميع أمور السلطان من يوم خرج من مصر إلى هذا اليوم. ومن جملة ما قال له: هذا الذى كسرتموه من الميمنة فقط، وعسكر الملك الناصر كثير، فلم يصدقوه حتى أحضروا غيره، فسألوه فأخبره نحو ما أخبره عز الدين أيدمر، ثم سألوا غيره وغيره إلى أن سألوا جماعة كثيرة، فالكل أخبروا بخبر واحد، ولما تحققوا صدق مقالهم وقعوا فى بحر زخار، فقال لهم مولاى:

стр. 1615

تحققتم أن هذا هو الملك الناصر قالوا: ما بقى شك فى أمره. فقال: ألم تعلموا أن الخان قازان قد كتب يغلق (١)، وعاهدنا أننا إذا رأينا أو سمعنا أن الملك الناصر حاضر بعسكره أو بغير عسكره لا نضرب معه مصافا؟ فقال له قطلوشاه: لو علمنا من الأول أن الملك الناصر حاضر ههنا ما ضربنا معه رأسا، ولكن اعتقادنا أنه نائب الشام مع عسكر الشام، والآن فقد وقعنا كلنا فى فم السبع فما بقى إلاّ الموت جميعا أو الحياة جميعا، وهم فى مثل ذلك الكلام إذا بالكوسات قد دقت والبوقات قد زعقت، حتى ملأت الأرض وأزعجت القلوب، وكان ذلك برأى الأمراء حيث رأوا التتار قد تجمعوا فوق الجبل حتى تقع الهيبة فى قلوبهم، وحتى يسمع المنهزمون فيرجعون. ولما سمعوا حسّ الكوسات، قال مولاى لقطلوشاه: هذا الطبل ما يدق إلاّ للسلطان، وأنا ما أخالف يسق الخان، فضرب طبله وخرج من قدام قطلوشاه بتومانه، ونزل من الجبل بين العشائين، ولم يزل إلى أن طلع من المخاضة التى نزلوا منها، وعلم به بعض العسكر، فلم يجسر أحد أن يقربه ولا أن يتبعه. وبات الأمراء والناس فى هذه الليلة والنيران قد ملأت الأرض، والمشاعل توقد، وكذلك التتار قد اوقدوا النيران وباتوا محترسين على أنفسهم، ولم يزل فى تلك الليلة النقباء والحجاب ومعهم سلار وبيبرس وأسندمر وقبجق وأكابر الأمراء دائرين على الأمراء والأجناد يوصونهم بأن يكونوا على يقظة من أمرهم، فعرفهم الأمير سيف الدين قفجق أن التتار لو قتلوا عن [٢٨٧] آخرهم فى هذا المكان ما ينزل أحد منهم فى الليل ولا يقاتل، وإنما لا بد لهم من النزول غدا.
следующие страницы →