الأكباد تتضاعف، وعاينت جماعة من الجند وقع بهم الاختلال فى عقولهم فى ذلك الوقت ووقعوا إلى الأرض، وبقى الأمير سيف الدين سلار فى حفدته ومضافيه، والأمير ركن الدين فى حفدته من البرجية ومضافيه، يترددان بين القلب والميمنة، وكان هؤلاء جمرة الإسلام، وعليهم العمدة فى الأحكام، وكل منهما فى نحو أربعين طبلخاناة.
قال الراوى: وبلغنى من أحد الأمراء أنه سمع بيبرس يقول: أنا عاهدت نفسى الموت، وذلك حين قال له سلار: يا أخى أنت تعلم أن الحديث فينا كثير، وأنا نسبونى إلى التتار لكونى من جنسهم، وأنت نسبوك إلى أنك تبغض الجند، فبالله أوص لأصحابك بالثبات وإلا لا يبقى لنا وجه عند أحد بعد هذا اليوم، وتعاهدوا، ووثق بعضهم بكلام بعض، ثم نشروا السناجق والأعلام الخليفتية والسلطانية، وسيروا النقباء فداروا على الركبدارية والغلمان والجمالة، وجمعوا الجمع، وأوقفوهم صفا واحدا خلف أستاذيهم ليكثر بهم السواد، ونادى منادى: أى جندى خرج من المصاف بغير عذر أو جرح، فدمه حلال، وعدته وفرسه لهم، وكذلك الجمالة والغلمان.
ذكر ما اعتمد عليه قطلوشاه فى ذلك اليوم:
ولما تناهى ترتيب المسلمين، عاين ذلك قطلوشاه مقدم المغل وهو أعلى الخيل، وهو فى جيش قد سدّ السهل والوعر، ثم شرع فى ترتيب أمره، فقصد أن يرتب مقابل كل موكب موكبا، وجمع الأمراء على ذلك، فلم يجد فى أمرهم فسحة، ووجد ميسرة المسلمين قد انتشرت، وبينهم وبين التتار النهر الكبير هناك فلا يمكن الوصول إليهم، فمشوا إلى آخر النهر إلى أن وصلوا إلى
стр. 1612
رأس الميمنة، فوجدوا النهر رائجا مديدا، ولكن وجدوا مخافا للجبل، فتشاوروا فى أمر نزولهم، واتفق رأيهم على أنهم لا يجدون مكانا للنزول أسهل من هذه المخاضة، وأنهم ينزلون جملة واحدة. وأنهم إذا كسروا هذه الطائفة التى بين أيديهم يدورون خلف الذين يبقون، فإنهم لما رأوا ميمنة المسلمين ورأوا عسكرهم أمثال هؤلاء استحقروهم.
وقال بيبرس: وفى الوقت الحاضر أقبلت كراديس التتار كقطع الليل، لا يبين فيها الرجل من الخيل، وقد علاهم القتام والغبار، وفيهم من مقدميهم الكبار: قطلوشاه، وسوتاى [٢٨٥] أقطاجى، وجوبان بن تداون، ومولاى، وقرمشى بن الناق (١)، [وطوغان] (٢)، وسبوشى بن قطلوشاه، وطغريل ابن آجاى، وآبشقا، وأولا جغان، والكان، وطيطق فى مائة ألف من المغول والكرج والأرمن وغيرهم (٣).
ذكر كيفيّة الوقعة:
قال صاحب النزهة: لما رأت التتار عسكر الإسلام وهم على الجبل صاحوا وضربوا الطبول، ونزلوا وقد أحاطوا النهر، ووقفوا عند المخاضة، وكان مقابلهم من ذلك الجانب الأمير حسام الدين الأستادار. والأمير بهاء الدين أوليا بن قزمان، ولما رآهم حسام الدين قال: بسم الله نية الغزاة، فجذب سيفه ومشى، وقال بعض مماليكه: ياخوند ارجع قليلا عن يمينك أو عن شمالك، فلم يلتفت
стр. 1613
إليهم إلى أن صدمته الحيل، وصدمت ابن قزمان أيضا، فكان الإثنان بينهم كالواحد فى ألف، فإن الجميع اجتمعوا على مخاضة واحدة، وطلعوا طلوع رجل واحد، وكان الأمير الجاولى رديفهم، وبرلغى رديف الجاولى، والأمراء متصلون بعضهم ببعض، وارتفع الغبار، ولم يشعر الناس إلا وقد اندق الجاولى وبرلغى على الكمالى، ورأى بيبرس وسلاّر ذلك، فصاح سلار: هلك والله الإسلام، وصاح على بيبرس والأمراء البرجية، فنهض الأمراء المنهزمون وصدموا جيش المغل، فرّجعوها قهرا، ورموا منهم جماعة كثيرة إلى أن كشفوهم عن المسلمين.
وكان جوبان وقرمشى ومن معهما قد ساقوا يعينون مولاى وهو خلف المسلمين، فرأوا قطلوشاه وقد انكسر، فعادوا إليه، ووقف فى وجه بيبرس وسلار.
وكان السلطان والأمراء قد رأوا سلار وبيبرس قد خلى مكانهما، ورأوا أطلاب العدو تتواتر، فخرج أسندمر وقطلبك وقفجق والمماليك السلطانية وردفوهما، ولما رأى سلار السلطان والأمراء أخذ على جانب وتمكن من العدو، وطعن فيهم وأبادهم، ولم يبق أمير إلا وقد ألقى نفسه للموت، فلما رأى المغل ذلك أخذوا جهة وتمكنوا منها، وكان الأمير سيف الدين برلغى بين أيديهم، فصدموه ومزّقوا طلبه وفرقوه، ثم صاروا أىّ جهة مالوا إليها فرقوها، وتم الحرب بين سلار بمن معه من الأمراء والسلطان وبين قطلوشاه تارة تارة، وكل من الفريقين قد ثبت.
ولم يعلم سلار والأمراء أن الجانب الذى نزلوا عليه قتلت أمراؤهم وانهزم من كان معهم، وأن طائفة من المغل ساقت وراء المنهزمين، وفى ذلك نهبت
стр. 1614
خزائن السلطان، فإن الكسرة حيث انتهت بالمسلمين على تلك الطريق جعلت الناس بين أيديهم، وتفرق من كان حول الخزائن، ولما رأى السواد الأعظم ذلك صاروا يتركون جمال الخزائن البخاتى ويكسرون الصناديق، ويخرجون أكياس الذهب والفضة، فيأخذ كل أحد ما يقدر عليه.
وما زالت الحرب بينهم إلى أن مالت الشمس للغروب، وكان الملتقى بينهم بعد الظهر، ثم مال قطلوشاه بمن معه إلى جانب جبل [٢٨٦] إلى جانبه، وطلع عليه وفى نفسه أنه منصور، ورجع جماعة منهم كانوا وراء المنهزمين، ومعهم جماعة من أسراء المسلمين وفيهم الأمير عز الدين أيدمر النقيب من المماليك السلطانية، فلما اجتمعوا قال قطلوشاه: هذا عسكر كثير وليس الأمر كما ظننا فلا بد أن نعلم خبرهم، فاقتضى رأيهم أن يحضروا أسيرا من الأسرى ويستخبروا منه خبر العسكر، وقالوا لقطلوشاه: إن فى الأسرى رجلا وهو أمير، وهو عز الدين أيدمر المذكور، فأمر بإحضاره، فأحضروه بين يديه وقال: أنت من أمراء الشام؟ قال: لا أنا من أمراء مصر. فقال له: وما جاء بك ههنا؟ فقال: جئت مع السلطان. قال: مع الملك الناصر. قال: نعم. قال: وأين السلطان وعسكر مصر؟ قال: الكل واقفون. قال له: وعسكر مصر جميعهم الساعة ههنا حاضرون والملك الناصر حاضر. قال له: نعم. قال: فأى وقت وصلتم إلى ههنا، فأخذ يعرفه ويخبره بجميع أمور السلطان من يوم خرج من مصر إلى هذا اليوم. ومن جملة ما قال له: هذا الذى كسرتموه من الميمنة فقط، وعسكر الملك الناصر كثير، فلم يصدقوه حتى أحضروا غيره، فسألوه فأخبره نحو ما أخبره عز الدين أيدمر، ثم سألوا غيره وغيره إلى أن سألوا جماعة كثيرة، فالكل أخبروا بخبر واحد، ولما تحققوا صدق مقالهم وقعوا فى بحر زخار، فقال لهم مولاى:
стр. 1615
تحققتم أن هذا هو الملك الناصر قالوا: ما بقى شك فى أمره. فقال: ألم تعلموا أن الخان قازان قد كتب يغلق (١)، وعاهدنا أننا إذا رأينا أو سمعنا أن الملك الناصر حاضر بعسكره أو بغير عسكره لا نضرب معه مصافا؟ فقال له قطلوشاه: لو علمنا من الأول أن الملك الناصر حاضر ههنا ما ضربنا معه رأسا، ولكن اعتقادنا أنه نائب الشام مع عسكر الشام، والآن فقد وقعنا كلنا فى فم السبع فما بقى إلاّ الموت جميعا أو الحياة جميعا، وهم فى مثل ذلك الكلام إذا بالكوسات قد دقت والبوقات قد زعقت، حتى ملأت الأرض وأزعجت القلوب، وكان ذلك برأى الأمراء حيث رأوا التتار قد تجمعوا فوق الجبل حتى تقع الهيبة فى قلوبهم، وحتى يسمع المنهزمون فيرجعون.
ولما سمعوا حسّ الكوسات، قال مولاى لقطلوشاه: هذا الطبل ما يدق إلاّ للسلطان، وأنا ما أخالف يسق الخان، فضرب طبله وخرج من قدام قطلوشاه بتومانه، ونزل من الجبل بين العشائين، ولم يزل إلى أن طلع من المخاضة التى نزلوا منها، وعلم به بعض العسكر، فلم يجسر أحد أن يقربه ولا أن يتبعه.
وبات الأمراء والناس فى هذه الليلة والنيران قد ملأت الأرض، والمشاعل توقد، وكذلك التتار قد اوقدوا النيران وباتوا محترسين على أنفسهم، ولم يزل فى تلك الليلة النقباء والحجاب ومعهم سلار وبيبرس وأسندمر وقبجق وأكابر الأمراء دائرين على الأمراء والأجناد يوصونهم بأن يكونوا على يقظة من أمرهم، فعرفهم الأمير سيف الدين قفجق أن التتار لو قتلوا عن [٢٨٧] آخرهم فى هذا المكان ما ينزل أحد منهم فى الليل ولا يقاتل، وإنما لا بد لهم من النزول غدا.
стр. 1616
ذكر هزيمة التتار:
قال الراوى: وما أصبح الصباح إلا وقد انضم شمل عساكر السلطان، وأخذ كل أحد موضعه، وأما قطلوشاه فإنه شاور مع بعض الأمراء الكبار الذين معه فيما يفعله، وقد تحققوا فى أنفسهم الموت، فوقع رأيهم على أن يقيموا على الجبل ولا ينزلوا ويقاتلوا العسكر إلى أن يفنوا ولا يسلموا أنفسهم، وما زالوا محترسين على أنفسهم إلى أن طلعت الشمس وقوى نورها، فنظروا إلى عسكر قد ملأ الأرض، ولم يروا مثلهم فى أعمارهم، وأراهم الله فى عيونهم فى كثرة لا تحصى ولا تعد.
ثم شرع المسلمون يريدون أن يهجموا عليهم، فمنعهم الأمراء، وفرقوا العساكر حول الجبل على بعد.
وشرع قطلوشاه والأمراء ورتبوا عسكرهم، فجعلوا كل مقدم إلى جهة، ونزل منهم بعض ركاب وجماعة من الرجالة وقصدوا قتال العسكر.
ولما رأى السلطان والأمراء ذلك جعلوا قبالة كل مقدم مع طائفته أميرا من الأمراء، وأضافوا إليه من كان يناسبه، وخرج مماليك السلطان إلى مقابل قطلوشاه وجوبان، فشرعوا يقاتلون معهم تارة بالرمى وتارة بالهجوم عليهم، وقد لاح للإسلام وجه النصر على الأعداء، وصار كل مقدم من الأمراء يقاتل بالنوبة، يقاتل واحد ثم يذهب ويجئ غيره، وكذلك فعل المغل، والسلطان والأمراء واقفون ينظرون إليهم، فإذا قتل فرس واحد منهم أحضروا غيره فى الساعة حتى أن بعضهم كان يقتل له فرس وفرسان وثلاثة من النشاب.
стр. 1617
ولم يزالوا فى القتال إلى أن توسطت الشمس من نهار الأحد، وانفصل القتال بينهم، وطلع قطلوشاه ومن معه من التتار وقد قاسوا نهارا عظيما، وقتل منهم نحو ثمانين رجلا، وخرجت جماعة وركبتهم الذلّة، وقاسوا من قلة الماء أمرا عظيما لأنهم لم يحسنوا انحصارهم على الجبل، فما أخذوا من الماء إلا قليلا، ولما رأوا ذلك أجمعوا على النزول بكرة النهار، فمن مات مات ومن له أجل عاش، وذبحوا من خيولهم وشووا وأكلوا.
ولما أصبحوا اعتمدوا على النزول، وهرب منهم ناس من الأسرى وجاءوا إلى السلطان وأخبروه بما هم فيه من الذلة والعطش والخوف، وأنهم اتفقوا على أن يصدموا الجيش، وأنهم قد تحققوا الموت، فعند ذلك تشاور أكابر الأمراء، ووقع رأيهم على أن يفسحوا لهم طريقا ولا يتقرب إليهم أحد إلى أن ينزل الجميع قدام العسكر، ثم يركبون ظهورهم.
ولما أرادوا النزول رأوا جماعة من المغل قد عدمت خيولهم وبقوا رجالة، وما بقى مع أحد من الأمراء فضلة خيل، فاتفقوا أن يأخذوا خيول الأرمن الذين معهم، فأخذوا منهم نحو مائتى فرس وأعطوا هؤلاء، ثم شرعوا فى تجهيز حالهم إلى الساعة الرابعة من النهار، ثم ضربوا طبولهم ونزلوا، وكل منهم قد أعدّ نفسه للموت وتموا سائقين إلى أن وصلوا إلى النهر، ورموا خيولهم فيه، فمن كان فرسه قويا طلع، ومن كان فرسه قليل القوة وقف فيه، ولما طلعوا [٢٨٨] منه تبعتهم خيول المسلمين، وأنزل الله عليهم الذلة والمسكنة، ومزّقت جموعهم، وتفرقوا بحيث لم يلتفت أحد إلى أحد.
وكانت تلك الأراضى وعرة كما ذكرنا لا يتمكن الفرس من حط رجلها إلا على حجر، فقاست خيول المسلمين من ذلك شدة.
стр. 1618
وأما التتار فإن راكبا منهم ما يهرب مقدار رمية نشاب إلا وقد وقع على الأرض.
ولو عاينت ما كنت ترى غير رؤوس ترمى بالسيوف، ورجال يقبض عليهم بالأيادى والكفوف، وتمت خيل المسلمين تابعة أثرهم إلى أن صار وقت العصر، فرجعت الأمراء واجتمعوا عند السلطان، واتفق رأيهم على تجريد أمراء يتبعونهم، فجردت جماعة منهم بمضافيهم من أصحاب الخيول الجياد، فتزودوا وساروا وراءهم، ورسم للعرب أيضا أن يتبعوا آثارهم، فأىّ موضع أدركوا منهم جماعة يقبضون عليهم ويقتلونهم ويأسرونهم.
وقال النويرى: التقى الفريقان بمرج الصفر نصف النهار، فاضطربت ميمنة المسلمين، واستشهد جماعة من الأمراء، وانهزم بعضهم إلى دمشق، وأردف القلب الميمنة فردّت التتار عنها، وأما الميسرة فثبتت وحملت على ميمنة التتار كان مقدمهم مولاى، فولى منهزما وتبعهم المسلمون، وحجز الليل بينهم، والتجأ التتار إلى الجبل وأحاطت العساكر الإسلامية بهم وضايقوهم أشد مضايقة إلى الصباح، ثم أفرج لهم الأمير أسندمر فرجة من رأس الميسرة، فخرجوا منها هاربين على أعقابهم، وتبعتهم العساكر الإسلامية فأبادوهم قتلا وأسرا وغنموا منهم خيلا عظيمة حتى بيع الأكديش بخمسة دراهم.
وقال ابن كثير (١): وأصبح الناس يوم الجمعة أول رمضان فى هم شديد وخوف أكيد لا يعلمون ما خبر الناس، فبينما هم كذلك إذ جاء الأمير غرلو العادلى، فاجتمع بنائب القلعة، ثم عاد سريعا ولم يدر أحد ما الخبر، ولم يفهم أحد من العامة فيم جاء غرلو.
стр. 1619
وأصبح الناس يوم السبت على ما كانوا عليه من شدة الحال، فرأوا [من المآذن (١)] سوادا وغبرة من ناحية العسكر والعدوّ، فغلب على الظنون أن الوقعة فى هذا اليوم، فابتهلوا إلى الله بالدعاء فى الجامع والبلد، وطلعت النساء والصغار على الأسطحة، وكشفوا رءوسهم وضج البلد ضجة عظيمة، ووقع فى ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس.
فلما كان بعد الظهر قرئت بطافة بالجامع تتضمن أن فى الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش، ووصل الركاب السلطانى إلى مرج الصفّر، وفيه طلب الدعاء من الناس، والأمر بحفظ القلعة والتحرّز على الأسوار، فدعى الناس فى المأذنة والجامع والبلد، وانقضى النهار، وكان يوما مزعجا هائلا.
وأصبح الناس يوم الأحد يتحدثون بكسر التتار، وخرج ناس إلى ناحية الكسوة، فرجعوا ومعهم شئ من المكاسب [٢٨٩] ورءوس التتار، وصارت أدلة الكسر تقوى قليلا قليلا، ولكن الناس مما عندهم من شدة الخوف لا يصدقون.
فلما كان بعد الظهر قرئ كتاب السلطان إلى متولى القلعة يخبر باجتماع الجيش ظهر السبت بشقحب وبالكسرة، ثم جاءت بطاقة بعد العصر من النائب جمال الدين الأفرم إلى نائب الغيبة مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، وأن السيف كان يعمل فى رقابهم ليلا ونهارا، وأنهم وهنوا وركنوا إلى الفرار، وأنه لا يسلم منهم إلا القليل، فأمسى الناس وقد استقرت خواطرهم ودقت البشائر بالقلعة.
стр. 1620
وفى يوم الإثنين الرابع من رمضان: رجع الناس من الكسوة، ودخل ابن تيمية وأصحابه البلد، ففرح الناس به ودعوا له، وذلك لأنه ندب العسكر الشامى إلى أن يسير إلى ناحية السلطان، وحرّض السلطان وبشره وجعل يحلف له بالله الذى لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم فى هذه الكرة، ويقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وأفتى للناس بالفطر يومئذ، وكان يدور على الأطلاب فيأكل من شئ معه من يده فيأكل الناس ويناول فى الشاميين قوله ﵇: (إنكم تلاقوا العدو غدا والفطر أقوى لكم (١)، يعزم عليهم فى الفطر عام الفتح، كما فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه.
وأما السلطان فإنه رجع مع الأمراء إلى مكان الوقعة، فوجدوا المجاهدين قد ملأوا تلك الأرض، وهم بين تلك الأحجار مطروحين، وكل من رأوه وجدوه مستقبل القبلة، وسبابته تشير بالشهادة، ووجهه يتقد نورا، فكأنه فى حال الحياة، وكل من رأوا من قتلى المغل وجدوه ملقى على وجهه، ثم أمر السلطان بأن يروح بدر الدين الفتاح مبشرا إلى مصر، وكتب معه كتاب البشارة، وكان النائب فى مصر عز الدين البغدادى، وكتب إلى غزة أيضا بالبشارة، وأمر النائب فيها أن لا يمكن أحدا من المنهزمين من التوجه إلى مصر،
стр. 1621
وكتب أيضا إلى سائر القلاع والحصون بالبشارة والتهنئة بما فتح الله على الإسلام بالنصر على الأعداء، وأقام السلطان إلى يوم الثلاثاء، ثم ركب إلى نحو دمشق.
ذكر دخول السلطان دمشق مؤيدا منصورا:
قال ابن كثير: ثم دخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان، وبين يديه أبو الربيع سليمان الخليفة ونزل بالقصر الأبلق، ثم تحول إلى القلعة يوم الخميس، وصلى بها الجمعة، وخلع على النواب وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم، واستقرت الخواطر، وذهب الناس، وطابت قلوب الناس.
ولما دخل السلطان دمشق خرجت إليه سائر الدماشقة من الصلحاء والمشايخ والحكام والكتاب والعامة حتى لم يبق بدمشق مخلوق، وتلقوه بالدعاء والثناء، وازدحموا عليه حتى لم يبق لفرسه مكان يمشى عليه من كثرة العامة، وضربت البشائر والكوسات، وسيقت الأسارى بين يدى موكبه مقرنين فى الأصفاد، وسناجقهم بأيديهم منكوسة، وطبولهم معكوسة.
وكان السلطان لما دخل دمشق ولى وعزل، وأمر ونهى، وقطع ووصل، [٢٩٠] وعزل ابن النحاس عن ولاية المدينة، وعوض عنه بالأمير علاء الدين أيدغدى أمير علم، وعزل صارم الدين إبراهيم والى الخاص عن ولاية البر، وعوّض عنه بحسام الدين لاجين الصغير ﵀ (١).
ذكر ما جرى للتتار بعد انهزامهم:
وقال صاحب النزهة: لما انكسرت التتار انتشروا فى الأرض، فكان
стр. 1622
الرجل منهم يقع من نفسه، وآخر يقف فرسه فينزل ويمشى ساعة، ثم يقطع من لباده الذى عليه قطعة فيلفها على رجليه، هذا هم الذين غفل عسكر الإسلام عنهم، وأما الذى يصادفه أحد منهم فإما يقتله أو يأسره ويقوده مثل الكلب، وقد ملئت الأرض من دمائهم ومن أجسادهم، فأوقع الله عليهم الذلة والصغار حتى يقبض على واحد منهم فلا يمد يده ولا يقاتل، وإذا كان فى يده قوس أو سيف يرميه إلى الأرض، وإذا رأى الرجل طالبه يمدّ رقبته إليه ويسلم نفسه من غير قتال، وقتلت منهم الغلمان والحرافيش خلقا كثيرا، وكانت الجند ومماليك الأمراء يتذاكرون فى قتلاهم، فمنهم من يقول: قتلت عشرين، وآخر يقول: قتلت ثلاثين، وآخر يقول: قتلت عشرة، ونحو ذلك، وأما العرب فقد فعلوا بهم من النهب والقتل ما لا يحصى، ومنهم خلق كثير ماتوا عطشا فى البرارى، وكذلك دوابهم، ومنهم ناس التجأوا ببساتين دمشق فدخلوا فيها، فكان الرجل يجئ إلى بستانه فيجد فيها اثنين وثلاثة فيقتلهم، ولا يقدر أحد منهم على منعه من الخوف والجوع والتعب، ولما علم الأمراء بذلك نادوا فى دمشق إن من وجد أحدا من المغل أو الأرمن ولم يحضره إلى نائب الشام فقد حل دمه. فصار من يظفر بواحد منهم أو أكثر يأتى به إلى النائب، فالنائب إما يقتله وإما يستخلصه لنفسه.
وقال بيبرس فى تاريخه (١): لما حصل التظافر (٢) على التتار أسرع (٣) مولاى أحد
стр. 1623
مقدميهم فى الفرار، وفر معه منهم زهاء عشرين ألفا، ثم افترق التتار ثلاث فرق: الأولى فرقة فيها جوبان فى زهاء ثلاثين ألفا، والثانية فرقة فيها قطلوشاه ومعه تقدير ثلاثين ألفا، والفرقة الثالثة كانت مع طيطق تقدير عشرين ألفا، فحملت العساكر عليهم فصيروهم رميما، وركبوا أكتافهم فغادروهم هشيما.
ولما كان من غد يوم الوقعة يوم الإثنين ثالث رمضان: جرد خيل الطلب فى الآثار، فكان فيها الأمير سيف الدين سلار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار وتتابعت العساكر تقفو قفى التتار، وتأخذ من حماتهم وكماتهم الثأر بالبتّار، فامتلات من قتلاهم القفار، وأمسوا حديثا فى الأمصار، وعبرة لأولى الأبصار:
مضوا متسابقى (١) … الأعضاء فيهم
لأرجلهم بارؤسهم (٢) عثار
إذا فاتوا (٣) … السيوف تناولتهم
بأسياف من العطش القفار (٤)
وسرح السلطان واحدا من أسراهم ليخبرهم بماتم، وأرسل على يده كتابا تحدث فيه بنعمة ربه وما منحه من نصرة حزبه.
стр. 1624
ذكر نسخة الكتاب الصادر [٢٩١] من السلطان من مرج الصفّر إلى قازان فى رابع شهر رمضان (١):
الحمد لله على ما جدّد لنا من النعمة التامة، وسمح به من الكرامة العامةّ حين أعاد النعيم إلى كماله، والسرور إلى أتم حاله، فاستأنست النفوس إلى استمرار عوائدها، وارتاحت القلوب إلى معجز فوائدها، وأضاءت شمس المعالى، وطلعت بدورها بالسعد المتوالى، إذ كانت غلطة من الدهر فاستدركها، وسقطة بدت عنه فما تركها، فقرّت بذلك العيون، وتحققت فى بلوغ الآمال الظنون، فلله الشكر الجزيل ما أومض فى الجو بارق، وسرى فى الآفاق نجم طارق.
وبعد: فليعلم الملك الجليل محمود، جامع الجيوش وحاشد الجنود، أنه تظاهر بدين الإسلام، وأشهر ذلك بين الأنام، وأبطن خلاف ما ظهر، وتظاهر بالباطل والحقّ ستر، ثم فعل ما قدره الله وما حكم به القدر، فحملنا ذلك على أنه تقدير، وأن ليس يجدى فيما أراد الله تدبير، فما لبث الملك إلا أيسر مدّة، وأرسل رسله إلينا مجدّه، وهو يطلب الصلح ويحرّض عليه، ويذكر الإسلام ويندب إليه، وزعم أنه ليس يختار الفساد فى الأرض، فإن الواجب علينا وعليه إصلاح ذوى الدين وأنّ ذلك فرض، فعلمنا مقصده فى مقاله، وتستر منا بستر يلوح وجه القدر من خلاله، فأكرمنا رسله كرامة تليق بفعالنا، وسمعنا رسالتهم وجاو بناهم على مقتضى حالهم لا مقتضى حالنا، وأعدناهم إليه بما هم مصروّن عليه، فعاد رسوله يطلب رسولا يسمع
стр. 1625
كلامه، وليس يخفى عنا مقصده ومرامه، فأرسلنا إليه ما طلب، وركبناه فرس البغى فيابئس ما ركب.
فما كان إلا عند وصول رسلنا إليه، فجهز عسكره وأظهر من الغدر مالم يكن يخفى عليه، وأمرهم بما عاد وباله عليهم، وحرضهم على ما وجدوه حاضرا لديهم، ثم تقدّم معهم وعدى بهم ماء الفرات، وجهزهم ورجع، وعلم أن الغلبة من قراه، فما كان إلا أن دخلوا البلاد، وعملوا بما أمرهم من الفساد، وتفرقت خيولهم فى الأطراف والأوقاف، وقطعوا أيدى الأشجار وأرجل الزروع من خلاف، ونزلوا بالقرب من حلب، وشنوا الغارات وجدوا فى الطلب، وجيوشنا الشامية لهم بالمرصاد، قد أخلصوا لله تعالى نية الجهاد، وهم يتقدمون إليهم كل وقت ويظهرون لهم الضعف والتأخير ليتوسطوا البلاد ويحصل هناك التدبير، فعاد منهم تومان إلى القريتين، فجهز من جيوشنا إليهم ألفان، فوجدوهم قد أخذوا أغنام التركمان، فوافوهم بالقرب من عرض فكانا كفرسى رهان، فلم يلبث الباغون ﴿ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ (١)، حتى عجل الله بأرواحهم إلى النار، وبقيت أجسادهم ملقاة بأرض عرض إلى يوم العرض، ولم يفلت منهم إلا من يفعل الخير إنهم قد صاروا أخيارا، ثم أخذ منهم جماعة أسارى: كرج، وأرمن، ومغل، ونصارى.
فما أقنعهم ذلك، ولا اكتفى بأرواحهم مالك، [٢٩٢] وهموا طالبين الغوطة، ولم يعلموا أن من دونها رماحا مشروعة وجيادا مربوطة، وعساكر يتأخرون عنهم قليلا بعد قليل، وجيوشنا ترصدهم بالغداة والأصيل، فلما عاينوا دمشق المحروسة ظنوا أنهم بدخولها يستبشرون، وما علموا أنهم من حولها إلى
стр. 1626
جهنم يحشرون، فعبروا عليها وطلعوا إلى جبل يعرف بالمانع، فأخذ الرعب من قلوبهم بالمجامع، وتحققوا أن نتيجة الغدر الهلاك، وأن مصرع البغى ليس لهم منه فكاك، فمالوا إلى جانب البرية للفرار، وطلبوا أطراف الميمنة للذلة والانكسار، فضربت عليهم جيوشنا حلقا، وسلبوهم أثواب الحياة والبقاء، ودارت بهم الخيول وبثت سنابكها سماء من العجاج نجومها الأسنة، فطارت إليهم عقبان من الجياد قوادمها القوادم وخوافيها الأعّنة، وتصوّبت عيون السمر إلى قلوبهم كأنها تطلب سويداها، وقصدت أنهار السيوف أكبادهم فكأنها أرادت تروى صداها، فشربوا كأس المنون لما تبلجت صفحات الصفاح، وعانتهم عيون الرماح، وأنشأت لهم الحوافر غمامة من الغبار، ونزلت عليهم أمطار من السهام كمطار الشرار، وأخذتهم رعود من الصّهيل، وأبرقت فى جوانبها بروق من كل سيف صقيل، ولم تغب الشمس حتى افترشوا أديم الأرض والوعر والسهل، والتجأ من بقى منهم إلى جبل يعصمهم من القتل، وباتوا عليه ليلة الأحد، وأيقنوا أن ليس ينجو منهم أحد، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، وأيسوا من الخلاص وقنطوا من السّلامة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وظنوا أن أرواحهم من أجسادهم قد ذهبت، ونادوا بلسان حالهم، وقد قربت مدّة آجالهم، اعتقنا أيّها الملك الرحيم، واعف عنا أيها الملك العظيم، فإننا جميعنا مسلمون ولا تؤاخذنا بما جناه كفارنا المسرفون، فإننا منهم بريئون، فأردنا أن يطلب النصر من حيث عوّدنا من العفو، فأمرنا جيوشنا أن تفتح لهم طريقا ليذهبوا، وتركناهم من فعالنا يتعجبوا، ففروا فرار الشاة من الأسد، ولم يلتفت منهم والد إلى ولد
стр. 1627
فلو رأيت أيها الملك ذلك اليوم، لبقيت زمانا يروعك رؤياه فى النوم، وما كنت ترى من جيشك إلا قتيلا أو أسيرا ﴿وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ (١) فلله درّه من يوم تصاحب فيه الذئب والنسر، والقيد والأسر، وهلك الذين هم ديوية الفرسان، قد قادهم الذل والصغار ورعاة العربان، والكرج قد لحقت بقية آثارهم، وعجل الله بدمارهم، والأرمن وقد سيق من سلم منهم فى القيود إلى خزانة البنود (٢).
ولو نظرت عيناك ما جرى من أرض حوران إلى الفرات، لراعك وأرعبك من الهول ما كنت تراه، ولو رأيت أصحابك كيف بقوا طعم الرخم والذباب، لقلت من هول ما شاهدت: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٣)، وكيف لك بالتراب؟ ولكن روعك من السماع أسهل عليك من العيان، [٢٩٣] فنظرك إلى من عاد إليك من أصحابك يكفيك فى البيان، وإنما لو حضرت لرأيت ذلك المقام مشهود، الذى فيه الملائكة شهود.
ولقد نصحنا لك أيها الملك فما ارعويت، وبذلنا من القول فما رعيت، وركبت من خيل البغى أجرى كميت، وقلنا لك إن من جرد سيف البغى كان به المقتول، فلم تع القول ولم تصغ لمن يقول، فاستيقظ لنفسك، وتلق هذه المصيبة التى تدخل بها إلى رمسك، ولا يغرك بالله الغرور، واعلم أن ذلك فى
стр. 1628
الكتاب مسطور، واندك المين بالإيمان، ودع عنك ما يسوله الشيطان، فإنه ما يأمرك إلا بما جنيت ثماره، ولا تحصد إلا ما زرعت بذاره.
وأنت تزعم أن الإسلام شريعتك وبه تدين، فنجتمع نحن وأنت على كلمة الإيمان، ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١) وتخرج عن بغداد والعراق ونعيدها إلى خليفة رسول الله ﷺ ، الذى شرق به ظلام الآفاق، ونتبع نحن وأنت أمره ونؤيد به هذا الدين، ومن فعل غير هذا فعليه اللعنة إلى يوم الدين، لتعلم أنك كما تزعم متمسك بشريعة المسلمين، وإن أنت سولت لك نفسك خلاف ذلك، فأنت لا محالة هالك، وعن قليل تخلو منك العراق والعجم، ويصير وجودك إلى العدم، وقد أوضحنا لك القول لكيلا تميل، وهديناك إلى أقوم سبيل، ثم تتقدم بإرسال رسلنا المسيّرة إليك فى أتم الكرامة، وتسيّر معهم من يوصلهم إلينا فى حرز الأمن والسلامة، وترتحل بمن بقى من جيشك إلى طبرستان، وتخلى لمالكها هذه الأوطان.
وبلغنا أنك قلت إن خيلك ورجلك تدخل الديار المصرية، فقد صدقت أنت لكن المنجميّن غلطوا فى القضية، أما الخيل فإنها دخلت مجنونة، وأما الرجال فكان فى حلوقهم الطبول وبأيديهم الصناجق مقلوبة، فقد صدقت منهم المقال، وتباركت بهذا الفأل، وعن قليل نأتيك برجال تميد من تحتها الأرض وتزحف، فترى ما يهولك حتى تتمنى أن تنجو ولو على بطنك تزحف، فتيقظ من رقدة المنام، وبادر الرحيل، والسلام.
стр. 1629
ذكر من استشهد من أمراء المسلمين:
الأمير حسام الدين الأستادار، والامير مبارز الدين أوليا بن قرمان، والأمير شمس الدين سنقر الكافرى، والأمير عز الدين أيدمر الشمسى القشاش، والأمير جمال الدين أقوش الشمسى الحاجب، وعز الدين أيدمر الرفا المنصورى، وعز الدين أيدمر النقيب، وعلاء الدين على [بن] (١) ددا التركمانى، وحسام الدين على بن باخل، واستشهد من أجناد الأمراء وغيرهم تقدير ألف فارس (٢).
وقال صاحب النزهة: وكان ولد الأمير حسام الدين الأستادار قد حمل والده فى تابوت وأحضره إلى دمشق على أنه يدفنه بها، فشاور الأمراء، فأنكر عليه الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير والأمير سيف الدين سلار وقالا:
إحضره، فأحضره، وكشفوا التابوت ورأوا تلك الشيبة الحسنة وقد تخضبت بالدماء [٢٩٤] وفى وجهه أثر ضرب السيوف وقد أصاب نحره النشّاب، وقد ملئ سلاحه دما، فلما رأوا ذلك تباكوا، وتمنى كل منهم أن يموت هذه الموتة، وأشاروا لبعض أمراء دمشق ووالى البر أن يركبوا ويذهبوا إلى موضع الوقعة ويجمعوا من يجدونه من الموتى من الأمراء وغيرهم، ويدفنون الجميع - من غير أن يغسلوهم - فى مكان واحد، ثم تبنى عليهم قبة، وأمروا أن يدفنوا الجند والمماليك الذين قتلوا مع أستاذهم خارج القبة.
وقال الراوى: أخبرنى من حضر دفنهم أنه شاهد الأمير أوليا بن قرمان وعليه من الأنوار والجلالة والمهابة ما لا رآه على أحد غيره، وأخبر عن بعض
стр. 1630
العسكر الذين أسروا من عدة جوبان أنهم لما قصدوا للقتال كان ابن قزمان هذا راكبا حصانا أشهب، وأنه كان يعرف أستاذهم جوبان، فما جعل دأبه إلا هذا، وكان يحمل إلى أن يكاد يقرب منه، فتردّه جماعته، فينعطف، فيأتى من مكان آخر، وعلم جوبان أيضا قصده إياه، قصده فى جماعته ولم يبق بينهما إلا القليل، فرماه سلحدار جوبان بياسج فى خاصرته، فمال عن فرسه، ثم استوى، ثم قصده ثانيا، فقتل فرسه بسهمين متواليين ووقع إلى الأرض، ونهض ابن قزمان قائما، فرماه ذلك السلحدار فى وجهه وفى صدره إلى أن وقع واستشهد. فقال جوبان:
هذا أمير كبير، عرفه بلبسه وفرسه.
وأما الأمير حسام الدين الأستادار فإنه من حين وقع بينه وبين سنقر العلائى قدام الأمراء والسلطان لم يسمع أحد عنه كلاما غير وصيته لولده على بناته ومماليكه، ثم قال: كنت أنتظر هذا اليوم، والله لا عشت بعد هذا اليوم، وقد عشنا سعداء، ونرجو أن نلقى الله ونحن شهداء، ثم إنه من حيث جذب سيفه وتقدم لم يلتفت إلى أحد بوجهه، ولا سمعوا منه غير الله أكبر، فقاتل حتى قتل.
ذكر رحيل السلطان من دمشق ودخوله القاهرة:
أقام السلطان بدمشق مع العسكر إلى يوم عيد الفطر، وقد ذكرنا أنه قد دخلها فى الخامس من رمضان (١)، وكان عيدا عظيما لما اتفق فيه من نصرة أهل الإسلام واجتماع شملهم بالأمن والطمأنينة، ثم رحل السلطان من دمشق فى الثالث من شوال، فوصل فى ذلك اليوم شمردل الركاب، وأخبر السلطان والعسكر أن القاهرة قد صنعوا فيها زينة عظيمة وقلاعا، والناس فى أرعد عيش وأطيبه.
стр. 1631
وقال ابن كثير: عاد السلطان إلى مصر مع العسكر فى يوم الثلاثاء (١) الثالث من شوال، ودخل القاهرة يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال مؤيدا منصورا، وزين له البلد، وكان يوما مشهودا (٢)، ويوم دخوله القاهرة كانت الأسارى بين يديه مقرنين فى الأصفاد، وسناجق بأيديهم منكوسة، وطبولهم معكوسة، وشق المدينة، ولما وصل السلطان إلى تربة والده الشهيد الملك المنصور قلاون ترجل ودخل إلى ضريحه وزاره ثم [٢٩٥] ركب والأمراء فى ركابه يمشون إلى أن طلع القلعة، وتحت حوافر فرسه شقق حرير مبسوطة.
وقال بيبرس فى تاريخه: وكانت مدة هذه السفرة السافرة عن وجه النجاح، المشرقة إشراق الصباح منذ استقلال ركابه وإلى حين إيابه تمانين يوما، وصل فيها إلى الشام وكسر عدوّ الإسلام، ورتب أحوال البلاد وأعاد النازحين بين الربى والوهاد (٣).
وقال صاحب النزهة: لما قدم السلطان إلى القاهرة خرج إليه سائر من كان فى مصر من الجند والعامة وسائر المتعيشين والحرافيش، ولم يبق فى البيوت من النساء والأطفال أحد، وبلغت بيوت الأرباع التى على طريقه كل بيت منها بمائة درهم وأكثر، وأقلها خمسون درهما (٤)، وكان عبوره من باب النصر
стр. 1632
لأجل ما اتفق من نصب القلاع التى صنعها الأمراء وتباهوا فيها لما حضر الأمير بدر الدين الفتاح بالبشارة بنصرة المسلمين وهزيمة العدو كما ذكرنا.
وكانوا قد قرأوا كتاب البشارة بحضور نائب الغيبة الأمير أيبك البغدادى، وكان من إنشاء القاضى علاء الدين بن عبد الظاهر.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١)، خصه الله من البشائر بأحسنها وأجملها، ومن التهانى بأتمها وأكملها، ومن المسرات بأوفرها وأجزلها.
نعلمه أن التتار المخذولين كانوا قد امتدوا إلى البلاد المحروسة ووصلوا إلى حمص، وتعدوا جهة دمشق، وكانت العساكر المنصورة بحلب وحمص قد انضموا إلى دمشق، وعند وصولنا إلى مرج شقحب ساق التتار المخذلون، ووصلوا إلى المنزلة التى نحن بها، وكانوا فى العدد الذى لا يحصى، وذكر عدتهم عن مائة ألف أو يزيدون، وللوقت قابلناهم بالعزائم الصادقة، والنيات الخالصة وركبنا بالجيوش المؤيدة، وصدمناهم بالعساكر المنصورة الصدمة العظمى، ومازال الحرب إلى أن نصر الله تعالى عليهم، وقتل منهم ما لا يحصى عددهم إلا الله، ثم بعد ذلك استند من بقى منهم إلى جبل واجتمعوا به، فأحاطت عساكرنا المنصورة بهم، ومازلنا راكبين بأنفسنا وخيولنا، مجاهدين فى الليل والنهار، والحرب قائمة على أوزارها، وفى كل وقت يتناقص عددهم حتى امتلأت من قتلاهم الأرض، واتهزموا من بين أيدينا، وكسبت العساكر المنصورة من أموالهم وخيولهم ما فتح الله، وبقينا يومين وليلة فى مضايقتهم فى الجبال التى تحصنوا بها
стр. 1633
إلى ظهورهم ثانى شهر رمضان، فنزلوا على حمية وساقت عساكرنا المنصورة فى إثرهم إلى أن قتلوهم عن آخرهم بقوة الله تعالى.
وسطرت هذه المكاتبة، ونحن نحمد الله تعالى طيبون سالمون، نحن وأمراؤنا وعساكرنا المنصورة، وقد رحلنا إلى دمشق، وكتهنا للجناب أن يشيع خبر هذه البشارة ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١).
ولما وقف عليها، وفرحت قلوب الناس، واطمأنت أهل البلاد. واتفق رأيه مع الأمير بدر الدين الفتاح أن يصنعوا زينة مفتخرة، يراها السلطان والعسكر، وذكروا زينة السلطان الملك الأشرف عند أخذ عكا، وطلب سائر مباشرى الأمراء [٢٩٦] وعرفهم أن مرسوم السلطان برز: يعمل كل أمير قلعة وتزيينها بأفخر ملبوس، ويكون من باب النصر (٢) إلى باب السلسلة (٣)، وعرفهم أنه متى فرغ شهر رمضان وتأخر عمل ذلك كانت روحه وماله للسلطان، وكتب مراسيم لسائر الأقاليم أنهم لا يدعون فى بلاد الأمراء من مغانى العرب ولا من أرباب الملهى أحد إلا ويرسلوه إلى المدينة، وكل أمير فى بلده مغانى تأتى وتكون فى قلعة ذلك الأمير، وطلب ناصر الدين الشيخى متولى المدينة وعرفه أن يأخذ أستادرية الأمراء ويرتب لكل أحد مكانا ويسلمه إليه، ثم شرع المباشرون فى طلب الصناع بحيث أنه نودى على أرباب الصنائع أن أحدا منهم لا يعمل عند أحد وأن أحدا لا يستعمل أحدا منهم حتى يفرغ العمل الذى عينوه، ثم وقع الاهتمام فى أمر
стр. 1634
العمل، وتحسنت معيشة التجار سيما تجارة الخشب والقصب وآلة النجارة، واستعملت الحرافيش بالأجرة، وشرع كل أحد يفتخر بصنعه على غيره من أرباب جنسه، وعملوا قلاعا حسنة عظيمة، ووضعوا فيها آلات الحرب والحصار وجعلوا فيها من الصور المضحكة والوحوش والخيالة والفرسان، وزين كل أحد قلعته بأفخر ما يقدر عليه من الفصوص واللآلى والحرير والزركش والأشياء المفتخرة.
وما فرغ شهر رمضان إلاّ وجميع القلاع قد تكامل عملها وزينتها.
وكان أول القلاع على باب النصر، صنعه متولى المدينة، ودخل على النائب بهذا السبب، وصنع فيها من كل شئ من الهزل والجدّ، وعمل حيضانا (١) برسم السكر والليمون، وعين هنالك مماليك بأيديهم كاسات يسقون الجند والأمراء.
وعند وصول السلطان إلى باب النصر ترجلت أرباب الوظائف، وأول من ترجل على كبر سنه كان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، وأخذ السلاح (٢)، فطلبه السلطان وسأله أن يركب ويحمل السلاح وهو راكب، فأبى ذلك، وحمل الأمير مبارز الدين الرومى أمير شكار القبة والطير (٣)، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار العصاة (٤)، والأمير سيف الدين سنجر الجمقدار الدبّوس، ومشت سائر الأمراء فى منازلها، وكان كل أمير من أصحاب القلاع بسط شققا
стр. 1635
أطلس كل واحد من حد قلعته إلى قلعة صاحبه، وكان السلطان يمشى هوينا والأسراء بين يديه مقيدين، والأرقاب المضروبة معلقة فى أرقابهم، ونحو ألف رأس على الأرماح مشتالة، ونحو ألف وستمائة أسير وطبولهم مخرقة فى حلوقهم.
وكانت الثانية من القلاع للأمير علاء الدين مغلطاى أمير مجلس (١)، وبعده لابن أيتمش السعدى، ثم للأمير علم الدين الجاولى، ثم للأمير سيف الدين تغريل الأيغانى، ثم للأمير سيف الدين بهادر اليوسفى، ثم للأمير سيف الدين سودى، ثم للأمير بدر الدين بيليك الخطيرى، [ثم برلغى] (٢)، ثم للأمير مبارز الدين أمير شكار، ثم للأمير عز الدين أيبك الخزندار، ثم للأمير شمس الدين سنقر الأعسر، ثم للأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، ثم للأمير شمس الدين سنقر الكمالى (٣)، ثم للأمير مظهر الدين موسى بن الملك الصالح، [٢٩٧] ثم للأمير سيف الدين آل ملك، ثم للأمير علم الدين الصوابى، ثم للأمير جمال الدين الطشلاقى، ثم للأمير سيف الدين آدم، ثم للأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة، ثم للأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ثم للأمير بدر الدين أمير سلاح، ثم للطواشى شهاب الدين مرشد الخزندار على باب المنصورية وبعده للأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار، ثم للأمير عز الدين أيبك البغدادى، ثم لابن الأمير سيف الدين أمير سلاح، ثم للأمير بكتوت الفتاح، [ثم تباكر التغريلى] (٤)، ثم للأمير قلّى
стр. 1636
السلحدار، ثم لبكتمر السلحدار (١)، ثم للاجين زيرباج (٢) الجاشنكير، ثم لطيبرس الخردارى (٣) نقيب الجيش، ثم لبلان طرنا، ثم لسنقر العلائى، ثم لبهاء الدين يعقوبا، ثم للأمير الأبوبكرى، ثم لبهادر العزّى، [وكوكاى بعده (٤)]، ثم لقرا لاجين، ثم لكراى المنصورى، ثم للأمير جمال الدين الموصلى قتال السبع على باب زويلة، ومنه اتصل القلاع إلى باب السلسلة، وأولها من باب النصر كما ذكرنا، وكانت عدة القلاع سبعين قلعة.
ذكر ما استجد فى هذه السنة من الولايات:
وفيها استعفى الأمير سيف الدين بتخاص من نيابة صفد، وتولاها الأمير شمس الدين سنقرجاه المنصورى، وأقام بتخاص بمصر، ورسم بنقل الأمير سيف الدين قفجق من مدينة الشوبك إلى نيابة حماة بحكم وفاة نائبها، ورسم للأمير سيف الدين بلبان الجوكندار بنيابة حمص بحكم وفاة نائبها الأمير سيف ألبكى، وكان بلبان المذكور نائب قلعة دمشق تولاها عوضا عن الأمير سنجر المعروف بأرجواش بحكم وفاته، ثم تولى نيابة قلعة دمشق عوضا عن بلبان المذكور الأمير ركن الدين بيبرس التلادى، ثم استعفى الأمير بلبان المذكور عن نيابة حمص، وتولاها الأمير عز الدين الحموى الظاهرى.
وفوض قضاء القضاة الشافعية بالشام للقاضى نجم الدين أبى العباس أحمد ابن صصرى الشافعى، عوضا عن بدر الدين بن جماعة، وطلب بدر الدين
стр. 1637
للقاهرة، فتولى قضاءها، عوضا عن تقى الدين ابن دقيق العيد بحكم وفاته، وفوضت خطابة جامع بنى أمية لزين الدين عبد الله (١) بن مروان الشافعى الفارقى، وفوضت مشيخة الشيوخ بالشمبساطيّة للقاضى جمال الدين الزّرعى (٢)، ثم عزل، وفوضت للشيخ أبى عز الدين بن عبد السلام، ثم عزل، وفوضت للشيخ صفى (٣) الدين محمد الأرموى (٤) المعروف بالهند بسؤال من الصوفية، وباشر الشيخ شرف الدين الفزارى مشيخة دار الحديث الظاهرية، عوضا عن الشيخ شرف الدين (٥) الناسخ.
ذكر الزلزلة الكائنة بالبلاد المصرية:
قال بيبرس فى تاريخه (٦): وفيها فى يوم الخميس الثالث والعشرين من ذى الحجة:
حدثت زلزلة عظيمة بكرة النهار بالقاهرة ومصر وسائر أعمال الديار المصرية، وخاصة فى ثغر الإسكندرية، وكانت عظيمة حتى أن الجدر (٧) تساقطت، والجبال
стр. 1638
تشققت، والمبانى تهدمت، والصخور تقطعت، والمياه من خلال الأرضين تفجرت، ومادت الأرض بمن عليها، وماجت المساكن بساكنيها، وتشعثت الأسوار والأركان، وثار الصراخ بكل مكان، وخرجت النساء حاسرات إلى الطرقات، وظن الناس أنها إماتة الأحياء وقيامة الأموات، وابتهلوا إلى رب السموات لما عراهم من المخافات، فأدركتهم رأفته، وأنقذتهم رحمته بأن سكّن [٢٩٨] زلزالها، وخفّف أهوالها، ولو دامت ثلث ساعة من النهار لم يبق على الأرض دار ولا ثبت بها جدار، فكان تقصير مسافتها وتخفيف آفتها لطفا من الله بعباده، ومنّة على ساكنى بلاده، وأثرت فى البحرين العذب والأجاج، وأثارت فيهما الأمواج، وارتج كل منهما غاية الارتجاج، وكان تأثيرها قويا جدا بالإسكندرية والنواحى الغربية، وهدمت بالثغر أكثر الأبراج والأسوار، ورمت جانبا وافرا من المنار، وفاض البحر المالح وطمىّ، وتعطمط الماء وأغرق قماش القصارين، وكسر قوارب البحارين، وقطع مراسى المراكب الفرنجية وطرح أكثرها إلى الأسوار والشعاب.
ولما عاين أهل الثغر هيجان البحار، وانهدام المنار، وتساقط المآذن والأسوار وتناثر الأحجار من الجدران، وتداعى الأركان المشيدة البنيان، بادروا مسرعين وخرجوا من باب السدرة هاربين، ولما سكّن الله حركتها، وأذهب رجفتها، تراجعوا إلى أماكنهم، وعادوا إلى مساكنهم.
وتواترت الأخبار، فإن الزلزلة المذكورة كانت قوية الأثر فى البلاد الغربية والجزائر البحرية، وجهات الفرنجية، وأنها أيضا حدثت فى تلك الساعة وذلك النهار ببلاد الكرك والشوبك والسواد وتلك الأقطار.
стр. 1639
وحكى أن شخصا من الباعة يبيع اللبن فى بعض الحوانيت بالقاهرة سقط فى الزلزلة حانوته عليه، وظنه الناس قد مات وأقام ثلاثة أيام ولياليها تحت الردم، ثم نظف التراب ووجد الرجل سالما وأخرج حيّا سويا، لأنه تشبكت عليه الأخشاب، وحملت عنه الطوب والتراب، وسلمت له من حانوته جرة لبن، فكان يقتات منها إلى أن نظف عنه الردم.
وفيها: سقط جانب من قلعة صفد وأسوارها، وبرج الباب، عند حدوث هذه الزلزلة، فرممت فى السنة القابلة.
وفيها: تهدّم جانب من جامع بنى أمية وأعيد ترميمه، وأقام الناس أياما وهم خائفون وجلون، ومن مكان إلى مكان ينتقلون، ولمعاودة الزلزلة متوقعون وكان ذلك فى الصيف فتوالت بعدها سموم تلفح فتشوى الوجوه حين تنفخ، ولم يمت مع ذلك إلاّ نفر قليل بالقاهرة ومصر وثغر الإسكندرية.
وقال النويرى: وجزر البحر باسكندرية، ثم رجع فأتلف أموالا عظيمة للتجار، وغرق جماعة كثيرة، وانكشف البحر بساحل عكا، فظهر فى قاعه شئ كثير مما ألقاه أهل عكا فى مدّة حصارها، فتبادر الناس لأخذه، فرجع البحر عليهم فغرّقهم عن آخرهم.
وقال صاحب النزهة: قد تقدم ذكر الاهتمام بعمل القلاع والتفاخر فى زينتها، وكان ابتداء ذلك خامس رمضان وانتهاؤه فى العشر الأخير، وتهتكت الخلائق على التفرج عليها، ولم يخشو الله تعالى، واستمروا على ذلك إلى [أن (١)] استهل شوال، ومشى فيهم المنكر والأمور القبيحة، وصار لكل قلعة أهل يحمل إليها من
стр. 1640
المحرمات، ويتجاهرون بالمعاصى، وتهتكت بسبب ذلك مخدّرات النساء، وافتضح من كان يخشى الفضيحة من كل مستور، ولم يبق فى المدينة من أكابر البيوت من الأمراء وغيرهم من الأعيان إلا من خرج من بيته مع غلمان أو خدام أو قهرمانات (١)، وكان يرى ما يذهله ويروع به عقله، حتى كان يطرح الحشمة ويستحسن الفضيحة.
وطمس الله على قلوبهم، لقضائه السابق وأمره اللاحق، حتى أرسل الله عليهم زلزلة [٢٩٩] عظيمة يوم الخميس الثالث والعشرين من ذى الحجة عند صلاة الصبح، فتزلزلت الأرض بأركانها، وسمعت للحيطان قعقعة ورعدة، وكذلك السقوف، ومالت الأرض بالماشى وأخرجته عن طريقه، وأرمت الراكب، وقيل للخلق إن السماء انطبقت على الأرض، فكان الماشى يهرب من الخوف إلى زقاق آخر فيجد فيه من الرعد والقعقعة أكثر مما هرب منه، وخرجت النساء مستبيّات حاسرات، فما قدرت من الخوف أن تأخذ شيئا تستتربه، وكذلك البنات والأطفال، وخرجت الفقراء من المساجد والزوايا، وأسقطت كثير من النساء الحبالى حملها، وورد على البحر ريح بموج عاصف متلاطم، ففاض البحر فيضا حتى طلع بالمراكب التى على ساحل البحر وحدفهم من البحر مع الريح مقدار رمية نشاب، ثم لما عاد الماء إلى حاله بقيت المراكب على اليبس، فتقطعت مراسها، وكذلك مراكب المسافرين اقتلعها الريح من وسط البحر إلى ساحل البر.
وقد ضرب كثير من الأمراء خياما فى الفضاء وأخرجوا حريمهم إليهم، وكذلك خرجت خلق كثير نحو بولاق والجزيرة والروضة وغير ذلك،
стр. 1641
وأصبحت المدينة إذا نظر إليها إنسان لا يجد فيها بيتا صحيحا، إما هدم منه حائط أو وقع منه جانب، أو اشتق بناؤه، وهدمت الأزربة (١) التى على البيوت، وبقيت الأتربة والطوب أكواما أمام البيوت، وقنتوا فى صبح الجمعة وفى ليلتها فى سائر الجوامع والمساجد، وأقاموا ليلتهم ويومهم إلى حين صلاة الجمعة واقفين يبتهلون إلى الله تعالى ويتضرعون.
ثم جاءت الأخبار من إقليم الغربية أن بعض بلادها وهى تعرف بسخا هدم جميعه حتى لم يبق فيه حائط، فصار كوما، وكذا جرى على قريتين أخريتين وكذا وقع بإقليم الشرقية.
ثم شرع الأمراء والسلطان فى افتقاد الأعمال الضرورية التى لا بد منها ومن إصلاحها.
وقد أفلح الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ما هدم من الجامع العمرى بمصر، وأصرف عليه مالا جزيلا.
وتصدى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير لعمارة جامع الحاكم بأمر الله، وقد كان هدم منه حائط كبير ووقعت مأذنته، ولما نزل إليه ومعه المهندسون والمباشرون قال لهم: اجعلوا بالكم فى هدم ما يستحق الهدم، فإنى سمعت أن فى ركن من أركان هذه المأذنة ذهبا كثيرا ادخره الحاكم بأمر الله، وربما أحاط بحكمته أن يعرض على هذا الجامع عارض من أمر الله يكون ذلك الذهب برسمه وعمارته، فإنه كان رجلا حكيما، ثم إنه عمّره كما ينبغى وزاد فيه زيادة واسعة
стр. 1642
للمصلين، وجددّ المأذنة وعمر فيها زيادة، وأوقف عليه أوقافا حسنة، ووضع فيه مدرسا، وحديثا، وصدقة، ومؤذنين، وقراء، وفقهاء، ورتب لهم الرواتب والصدقات، وأوقف وقفا يكفى ذلك كله (١)، وعند هدم المأذنة وجدوا فى ركن منها كفا بزنده ملفوفا فى قطن، وعليه أسطر مكتوبة لم يعلم أحد ما هى، والكف طرية، وعجزوا عن قراءة الكتابة.
وتصدى الأمير سيف الدين سلار لعمارة الجامع الأزهر وإصلاحه، وإصلاح مأذنته، وإصلاح الواجهة التى وقعت، وجدّد فيه جميع أماكنه، وبلّطه وبيّضه، وأنفق عليه نفقات كثيرة، وكان للأمير شمس الدين سنقر الأعسر مشاركة له فى الجامع الأزهر.
وعمر جامع الصالح الذى خارج باب الزويلة من مال بيت المال، وكان الأمير علم الدين سنجر مشده، وأرصدوا لعمارة مأذنة [٣٠٠] المنصورية الأمير سيف الدين كهرواس الزرّاق، وأصرف على عمارتها من مال الوقف، ورسم للأمير ركن الدين بيبرس بالسفر لثغر إسكندرية ليكشف (٢) ما هدم من المنار وغيره، وأن يرمم جميع ما يحتاج إلى الترميم، وكان نائب إسكندرية كتب إلى السلطان أن الذى هدم من المنارستا وأربعين بدنة (٣)، ومن السور خمس عشرة بدنة، ورسم السلطان أن يعمر جميع ذلك من مال السلطان.
стр. 1643
ذكر ظهور دابّة عجيبة من النيل:
بتاريخ يوم الخميس الرابع من جمادى الآخرة: ظهرت دابة عجيبة الخلق (١) من بحر النيل إلى أرض المنوفية، وهذه صفتها: لونها لون الجاموس بلا شعر، وآذانها كآذان الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، يغطى فرجها ذنب طوله شبر ونصف طرفه كذنب السمك، ورقبتها مثل غلظ الكيس (٢) المحشوّ تبنا، وفمها وشفتاها مثل الكربال، ولها أربعة أنياب اثنان من فوق واثنان من أسفل طولها دون شبر وعرض أصبعين، وفى فمها ثمانية وأربعون ضرسا وسنا مثل بنادق الشطرنج، وطول يديها من باطنها إلى الأرض شبران ونصف، ومن ركبتها إلى حافرها مثل أظافير الجمل، وعرض ظهرها مقدار ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما (٣)، وفى بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر، وزفرته مثل السمك، وطعمه كلحم الجمل، وغلظ جلدها أربع أصابع ما تعمل فيه السيوف، وحمل جلدها على خمسة جمال (٤) فى مقدار ساعة من ثقله على جمل بعد جمل، وأحضروه إلى القلعة المعمورة بحضرة السلطان، وحشوه تبنا، وأقاموه بين يديه، ذكر هذا الشيخ علم الدين البرزالى فى تاريخه.
وقال النويرى: وهى التى تسمى فرس البحر، كانت تطلع ترعى فى البرّ، ثم تعود إلى البحر، فرصدها الصيادون وصادوها بالمنوفية، وهى سوداء قدر
стр. 1644
البغل، بأظلاف كأظلاف البقر، وذنب قصير، وسلخت وحمل جلدها إلى القاهرة وحشّى تبنا، وتعجب الناس منه.
قال صاحب النزهة: وكانت هذه الدابة تأتى من نحو جزيرة مقابل شبرا، وتنتقل فى الأماكن، وتؤذى كثيرا من الزرع والمواشى، ولا يجسر أحد على أن يقربها، وبلغ ذلك الأمراء، وطلبوا متولى الجزيرة وأمروه أن يجمع عليها أهل البلاد ويتحيلون على مسكها، فجمعوا خلقا كثيرا، وتتبعوا آثارها أياما، وهى كلما رأت الرجال تحيد عنهم، وإذا غلبت تنزل إلى البحر، إلى أن أرموها فى مكان وحل وتكاثروا عليها إلى أن قتلوها.
ذكر ما أبطله الأمير بيبرس ﵀ من الأمور المنكرة:
منها: كتب إلى مكة أن لا يمكنوا الزيدية من الآذان الذى كانوا يجهرون فيه بقولهم: حىّ على خير العمل، وأن لا يقتدوا بإمام منهم، ولا يدعوا أهل السنة أن يصلوا معهم.
ومنها: ما كانت أهل مكة تربط الحاج بالصعود إلى التمسك بالعروة الوثقى، فكان الحاج يقاسى من الصعود إليها أمرا عظيما حتى يصل إليها، [٣٠١] وكان أكثر الشدة على النساء، وربما كان ينكشف عوراتهم (١)، وكان كثير من الحرامية يقفون ويعاينون الناس عند انكشاف ما عليهم من نفقة مربوطة على وسطه من ذهب أو فضة فيتحيلون على أخذها.
ومنها: أن النصارى كانوا يزعمون أن كبراءهم من علمائهم كانوا يزعمون أن إصبعا من أصابع أحد الحواريين موضوعا فى تابوت، فإذا جاء أوان
стр. 1645
احتياجهم إلى زيادة النيل يرمون ذلك الأصبع فى البحر فيزداد، ومتى لم يرموه لم يزد شيئا، وكان يجتمع فى ذلك اليوم الذى يرمى الأصبع فيه خلق من سائر الأقاليم من أهل الملة النصرانية ويركبون الخيل فى ذلك اليوم ويلعبون عليها، وكان أهل مصر والقاهرة يرحلون إليهم فى المراكب والخيل، ويضربون الخيام على جانبى البحر وفى وسط الجزائر، ولا يبقى شئ من الملاهى وأرباب الطرب إلاّ ويكون هناك فى ذلك اليوم، ويجتمع هناك نساء خواطى، وربما يقتل فيه قتيل، وتقوم فيه فتن، وتباع فيه الخمور بنحو مائة ألف درهم.
قال صاحب التاريخ: حكى لى بعض النصارى أنه باع فى ذلك اليوم خمورا بإثنى عشر ألف درهم، ولما جاء أوان عيده سيّر الأمير ركن الدين بيبرس متولى المدينة وجماعة من الحجاب ومنعوهم عن ذلك، وكتب للولاة أن ينادوا فى النصارى أن لا يخرج أحد فى ذلك اليوم، ولما بلغ ذلك النصارى اجتمعوا بالتاج بن سعد الدولة ودخلوا عليه على أن يتحدث مع الأمير بيبرس، لما كانوا يعلمون من منزلته عنده، فشرع فى الحديث معه من طريق الأموال، وأن هذا يحصل منه مال عظيم، والعادة جارية به، فلم يلتفت إلى كلامهم وقال: إن كان النيل ما يزيد إلا بهذا الأصبع لا يزيد ولا يطلع، وإن كان الله يتصرف فيه كيف يشاء فهؤلاء يفشرون، فأبطله (١).
ومنها: أن القمامة (٢) التى بالقدس الشريف كان فى وسطها قنديل كبير، صنعته أكابر النصارى، وفى كل سنة يوم معلوم عندهم يجتمع إليه النصارى من
стр. 1646
سائر الأجناس، ولا يوقد ذلك القنديل فى كل السنة إلا فى ذلك اليوم، ولا يظهر نوره إلا فى الرابعة من ذلك اليوم، ومتى أبطأ فى ذلك الوقت يقولون:
إن نيل مصر فى هذه السنة شحيح، وكانت عادة السلطان يبعث إليها قرب هذا اليوم من يثق بأمانته. فيحصّل شيئا كثيرا من الذهب والفضة وسائر التحف، ثم يحضره إلى السلطان، وينقل من زيت ذلك القنديل إلى سائر نصارى البلاد من الملوك وغيرهم على سهيل التبرك عندهم، وكان هذا القنديل يشتعل من ذاته، وهو أمر عظيم عندهم، فهو الذى يكون سببا لضلال النصارى وثباتهم على دينهم الباطل، واتفق أن نجم الدين بن الحباب سافر إليه فى الدولة المنصورية حتى يتحقق أمر هذا القنديل، فلما حضر فحص عن ذلك واجتهد فيه إلى أن انكشف له أنه مصنوع من أدوية بحكمة مذكورة عندهم، وأن الشمس فى الرابعة من النهار يقوى جرمها فيقع شعاعها من طاقة قريبة من القنديل المذكور، فإذا وقع يطلقون موضع وقوع جرم الشمس شيئا من القلفونية المصنوعة بالحكمة فتصل قوتها إلى فتيلة ذلك [٣٠٢] القنديل فيشتعل، فلما ظهر له ذلك كتب إلى الوزير والسلطان فى ذلك فتهاونوا فى أمره، فأمر الأمير بيبرس بمنعه وتبطيله، فأنكروا عليه من حيث أنه يحصل من ذلك كل سنة جملة من المال لبيت المال، ولم يزل يسعى فيه إلى أن كتب السلطان بإبطال ذلك القنديل، وكان آخر ذلك فى صحيفته.
وفيها: كان صاحب سيس جهز مركبا من مراكب الإفرنج وفيه أصناف كثيرة مقدار ما يساوى قيمتها مائة ألف دينار، على أنه يدخل بلاد قبرس والجزائر، فاتفق أن الله أراد أن يجعلها غنيمة لأهل الإسلام (١)، فأرسل
стр. 1647
ريحا عاصفا أتى (١) به إلى ميناء دمياط، فأخذه المسلمون وغنموه.
وفيها: كان الجدب والقحط والغلاء ببلاد الشمال - بلاد طقطاى - لأنهم زرعوا ثلاث سنين فلم ينبت لهم شئ، فهلك الخفّ والحافر، وبلغت حالهم من القحط إلى أن صاروا يبيعون أولادهم ونسوانهم فى الأسواق، فاشتراهم الفرنج والتجار وجلبوهم إلى سائر البلاد خصوصا إلى مصر.
ذكر القصائد الّتى مدح بها السلطان فى هذه الغزوة:
وأول من نظم فى ذلك القاضى علاء الدين بن عبد الظاهر، نظم فيها مجلدا صغيرا وسماه: الروض الزاهر فى غزوة السلطان الملك الناصر (٢)، وتوصل إلى أن قرأه عليه، وأنعم عليه بمائة دينار، من غير أن يعلم بها بيبرس وسلار.
ومن نظمه قوله:
هم زعموا بأنك ليس تأتى … ركبت إلى لقائهم البريدا
ولاذوا بالفرار فلم تدعهم … وأعددت السلاسل والقيودا (٣)
ومنها: قصيدة من نظم الشيخ شهاب الدين أحمد (٤) بن عبد الملك العزازى الشاعر:
стр. 1648
لقد تمت النعمى وضوعفت البشرى … وأظهر هذا الفتح فى الأوجه البشرا
فمن كان ذا ندر فهذا أوانه … ومن كان ذا وتر فقد أدرك الوترا
هناء هناء أيّها الناس فالهدى … علا الشرك والإيمان قد غلب الكفرا
ولما غزا غازان عقر ديارنا … وأعطاه من يعطى ومن يمنع النصرا
تمرّد طغيانا وتاه تجبرا … ولم يستبن نصحا ولم يستفق سكرا
وظنّ بأن لا غالبا لجنوده … ولا قاهرا حتّى فتكنا بهم قهرا
وراسلنا فى الصلح مكرا وخدعة … وأىّ امرئ يرضى الخديعة والمكرا
فسار له منّا رسول مذكّر … يحذّره العقبى فلم تنفع الذكرا
وعاودنا بغيّا وللبغى مصرع … فشاهد من إقدامنا الآية الكبرى
وأنصفت الأيام فى الحكم بيننا … وكانت له الأولى وكانت لنا الأخرى
هو الدهر لا يبقى على فرد حالة … فطورا يرى حلوا وطورا يرى مرا
رعى الله يوم المرج للترك أنفسا … تدرّعت الإقدام والبأس والصبرا
[٣٠٣]
غداة يرون القتل فى الله طاعة … صيام يودّون الحمام لهم فطرا
إذا ذكروا أحدا تمنّوا بأنهم … رأوا أحدا أو شاهدوا قبله بدرا
تنادوا وقالوا فى الثبات حياتنا … ومن ههنا نلقى النجاة أو الخسرا
وجاءت جيوش المغل كالرمل كثرة … وقد ملأت سهل البسيطة والوعرا
وأقبل سلطان الزمان محمد … يقود العتاق (١) الجرد والعسكر المجرا
فطارت قلوب المارقين مخافة … وذعرا ويا ما أقبل الخوف والذعرا
стр. 1649
رأت سيّفا شهبا وبيضا قواضبا … وخطية سمرا وألوية صعرا
وحزبا من الأتراك شوسا ضراغما … يذودن عن مصر وعن ساكنى مصرا
وكان نهار السبت بالنصر شاهدا … صدوقا وكان الوقت قد زاحم العصرا (١)
فكّرت وكرّ المسلمون فلا تسل … لدى الروع عن بحر غدا صادما (٢) بحرا
ومدّ سواد النقع ليلا فأطلعت … ذبال القنى فى كل داجية فجرا
ولله (٣) … درّ الترك كم سفكت دما
وكم فلقت رأسا وكم طعنت نحرا
وكم طعنت بالسمر حتى تقصّفت … وكم ضاربت بالبيض حتى انثنت حمرا (٤)
أمالوا عروش الكافرين وكافحوا … عن الدّين يرجون المثوبة والأجرا
فذلّت وكان العزّ ملء رؤوسها … وقد أوطأتها الترك من بأسها جمرا
وولّت ولاذت بالجبال تحصّنا … ولولا تخاف القتل لاختارت الأسرا
وجافت رحاب الأرض من قتلائها … ولكنها طابت لنا شقها نشرا
ولمّا أتى الفتّاح بالفتح نحونا … شكرنا الذى يستوجب الحمد والشكرا
فحمدا لمن أعلى منار نبيّه … وشكرا لسلطان أباد العدى قسرا
أجلّ الملوك النّاصر بن قلاون … وأبركهم وجها وأرحبهم صدرا
لقد خلّف المنصور هديا وهيبة … ومنقبة طولى ومنقبة بكسرا
فلا زالت (٥) … الأقدار طوع مراده
ولا زال يعلو فوق هام السهى قدرا (٦)
стр. 1650
وقال الفقيه عبد الواحد التبريزى - الخطيب (١) بعجلون - قصيدة منها:
الله أكبر: جاء النصر والظفر … والحمد لله، هذا كنت أنتظر
وأبرز القدر المحتوم بارئه … سبحانه بيديه النفع والضرر
وهوّن الصعب بالفتح المبين لكم … ربّ يهون عليه المقفل العسر
أين النجوم وتأثير القران وما … تخرّصوا فيه من إفك وما زجروا
قد دبّر الله أمرا غير أمرهم … وخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا
[٣٠٤]
وأقبل العسكر المنصور يقدمه … من الملائك جند ليس تنحصر
كنانة الله مصر جندها ثبتت … لا ريب فيه وجند الله تنتصر
ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهم … وهجّروا فى طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينا فى الله ما رقدوا (٢) … أكرم بقوم إذا نام الورى سهروا
وأوجفوا نفرا بالخيل ملجمة … وبالركاب وما ملّوا ولا فتروا
حتى أتوا جلّقا (٣) … فى يوم ملحمة
فيه الأسود أسود الغاب تهتصر
والجو أغبر والتتار راجفة … مثل الجراد على الدنيا قد انتشروا (٤)
حتّى إذا عبّ مثل البحر جحفلنا … ومدّ قبضا على أعدائنا جزروا
لاذوا بشمّ شماريخ الجبال فما … حمتهم قلل منها ولا مغر (٥)
ومزّقوا شذرا بين الزحام فكم … شلو تنازع فيه الذئب والنّمر