سائر الأجناس، ولا يوقد ذلك القنديل فى كل السنة إلا فى ذلك اليوم، ولا يظهر نوره إلا فى الرابعة من ذلك اليوم، ومتى أبطأ فى ذلك الوقت يقولون:
إن نيل مصر فى هذه السنة شحيح، وكانت عادة السلطان يبعث إليها قرب هذا اليوم من يثق بأمانته. فيحصّل شيئا كثيرا من الذهب والفضة وسائر التحف، ثم يحضره إلى السلطان، وينقل من زيت ذلك القنديل إلى سائر نصارى البلاد من الملوك وغيرهم على سهيل التبرك عندهم، وكان هذا القنديل يشتعل من ذاته، وهو أمر عظيم عندهم، فهو الذى يكون سببا لضلال النصارى وثباتهم على دينهم الباطل، واتفق أن نجم الدين بن الحباب سافر إليه فى الدولة المنصورية حتى يتحقق أمر هذا القنديل، فلما حضر فحص عن ذلك واجتهد فيه إلى أن انكشف له أنه مصنوع من أدوية بحكمة مذكورة عندهم، وأن الشمس فى الرابعة من النهار يقوى جرمها فيقع شعاعها من طاقة قريبة من القنديل المذكور، فإذا وقع يطلقون موضع وقوع جرم الشمس شيئا من القلفونية المصنوعة بالحكمة فتصل قوتها إلى فتيلة ذلك [٣٠٢] القنديل فيشتعل، فلما ظهر له ذلك كتب إلى الوزير والسلطان فى ذلك فتهاونوا فى أمره، فأمر الأمير بيبرس بمنعه وتبطيله، فأنكروا عليه من حيث أنه يحصل من ذلك كل سنة جملة من المال لبيت المال، ولم يزل يسعى فيه إلى أن كتب السلطان بإبطال ذلك القنديل، وكان آخر ذلك فى صحيفته.
وفيها: كان صاحب سيس جهز مركبا من مراكب الإفرنج وفيه أصناف كثيرة مقدار ما يساوى قيمتها مائة ألف دينار، على أنه يدخل بلاد قبرس والجزائر، فاتفق أن الله أراد أن يجعلها غنيمة لأهل الإسلام (١)، فأرسل
стр. 1647
ريحا عاصفا أتى (١) به إلى ميناء دمياط، فأخذه المسلمون وغنموه.
وفيها: كان الجدب والقحط والغلاء ببلاد الشمال - بلاد طقطاى - لأنهم زرعوا ثلاث سنين فلم ينبت لهم شئ، فهلك الخفّ والحافر، وبلغت حالهم من القحط إلى أن صاروا يبيعون أولادهم ونسوانهم فى الأسواق، فاشتراهم الفرنج والتجار وجلبوهم إلى سائر البلاد خصوصا إلى مصر.
ذكر القصائد الّتى مدح بها السلطان فى هذه الغزوة:
وأول من نظم فى ذلك القاضى علاء الدين بن عبد الظاهر، نظم فيها مجلدا صغيرا وسماه: الروض الزاهر فى غزوة السلطان الملك الناصر (٢)، وتوصل إلى أن قرأه عليه، وأنعم عليه بمائة دينار، من غير أن يعلم بها بيبرس وسلار.
ومن نظمه قوله:
هم زعموا بأنك ليس تأتى … ركبت إلى لقائهم البريدا
ولاذوا بالفرار فلم تدعهم … وأعددت السلاسل والقيودا (٣)
ومنها: قصيدة من نظم الشيخ شهاب الدين أحمد (٤) بن عبد الملك العزازى الشاعر:
стр. 1648
لقد تمت النعمى وضوعفت البشرى … وأظهر هذا الفتح فى الأوجه البشرا
فمن كان ذا ندر فهذا أوانه … ومن كان ذا وتر فقد أدرك الوترا
هناء هناء أيّها الناس فالهدى … علا الشرك والإيمان قد غلب الكفرا
ولما غزا غازان عقر ديارنا … وأعطاه من يعطى ومن يمنع النصرا
تمرّد طغيانا وتاه تجبرا … ولم يستبن نصحا ولم يستفق سكرا
وظنّ بأن لا غالبا لجنوده … ولا قاهرا حتّى فتكنا بهم قهرا
وراسلنا فى الصلح مكرا وخدعة … وأىّ امرئ يرضى الخديعة والمكرا
فسار له منّا رسول مذكّر … يحذّره العقبى فلم تنفع الذكرا
وعاودنا بغيّا وللبغى مصرع … فشاهد من إقدامنا الآية الكبرى
وأنصفت الأيام فى الحكم بيننا … وكانت له الأولى وكانت لنا الأخرى
هو الدهر لا يبقى على فرد حالة … فطورا يرى حلوا وطورا يرى مرا
رعى الله يوم المرج للترك أنفسا … تدرّعت الإقدام والبأس والصبرا
[٣٠٣]
غداة يرون القتل فى الله طاعة … صيام يودّون الحمام لهم فطرا
إذا ذكروا أحدا تمنّوا بأنهم … رأوا أحدا أو شاهدوا قبله بدرا
تنادوا وقالوا فى الثبات حياتنا … ومن ههنا نلقى النجاة أو الخسرا
وجاءت جيوش المغل كالرمل كثرة … وقد ملأت سهل البسيطة والوعرا
وأقبل سلطان الزمان محمد … يقود العتاق (١) الجرد والعسكر المجرا
فطارت قلوب المارقين مخافة … وذعرا ويا ما أقبل الخوف والذعرا
стр. 1649
رأت سيّفا شهبا وبيضا قواضبا … وخطية سمرا وألوية صعرا
وحزبا من الأتراك شوسا ضراغما … يذودن عن مصر وعن ساكنى مصرا
وكان نهار السبت بالنصر شاهدا … صدوقا وكان الوقت قد زاحم العصرا (١)
فكّرت وكرّ المسلمون فلا تسل … لدى الروع عن بحر غدا صادما (٢) بحرا
ومدّ سواد النقع ليلا فأطلعت … ذبال القنى فى كل داجية فجرا
ولله (٣) … درّ الترك كم سفكت دما
وكم فلقت رأسا وكم طعنت نحرا
وكم طعنت بالسمر حتى تقصّفت … وكم ضاربت بالبيض حتى انثنت حمرا (٤)
أمالوا عروش الكافرين وكافحوا … عن الدّين يرجون المثوبة والأجرا
فذلّت وكان العزّ ملء رؤوسها … وقد أوطأتها الترك من بأسها جمرا
وولّت ولاذت بالجبال تحصّنا … ولولا تخاف القتل لاختارت الأسرا
وجافت رحاب الأرض من قتلائها … ولكنها طابت لنا شقها نشرا
ولمّا أتى الفتّاح بالفتح نحونا … شكرنا الذى يستوجب الحمد والشكرا
فحمدا لمن أعلى منار نبيّه … وشكرا لسلطان أباد العدى قسرا
أجلّ الملوك النّاصر بن قلاون … وأبركهم وجها وأرحبهم صدرا
لقد خلّف المنصور هديا وهيبة … ومنقبة طولى ومنقبة بكسرا
فلا زالت (٥) … الأقدار طوع مراده
ولا زال يعلو فوق هام السهى قدرا (٦)
стр. 1650
وقال الفقيه عبد الواحد التبريزى - الخطيب (١) بعجلون - قصيدة منها:
الله أكبر: جاء النصر والظفر … والحمد لله، هذا كنت أنتظر
وأبرز القدر المحتوم بارئه … سبحانه بيديه النفع والضرر
وهوّن الصعب بالفتح المبين لكم … ربّ يهون عليه المقفل العسر
أين النجوم وتأثير القران وما … تخرّصوا فيه من إفك وما زجروا
قد دبّر الله أمرا غير أمرهم … وخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا
[٣٠٤]
وأقبل العسكر المنصور يقدمه … من الملائك جند ليس تنحصر
كنانة الله مصر جندها ثبتت … لا ريب فيه وجند الله تنتصر
ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهم … وهجّروا فى طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينا فى الله ما رقدوا (٢) … أكرم بقوم إذا نام الورى سهروا
وأوجفوا نفرا بالخيل ملجمة … وبالركاب وما ملّوا ولا فتروا
حتى أتوا جلّقا (٣) … فى يوم ملحمة
فيه الأسود أسود الغاب تهتصر
والجو أغبر والتتار راجفة … مثل الجراد على الدنيا قد انتشروا (٤)
حتّى إذا عبّ مثل البحر جحفلنا … ومدّ قبضا على أعدائنا جزروا
لاذوا بشمّ شماريخ الجبال فما … حمتهم قلل منها ولا مغر (٥)
ومزّقوا شذرا بين الزحام فكم … شلو تنازع فيه الذئب والنّمر
стр. 1651
أين المفرّ وقد حام الحمام بهم … هيهات لا ملجأ يرجى ولا وزر
جاءوا وقد حفروا من مكرهم قلبا … ألقاهم الله قسرا فى الذى حفروا
أتوا فراة (١) … وقد راموا النجاة فكم
حلّت بهم عبر فيها وما اعتبروا
جميعهم قتلوا صبرا وقد جعلت … عظامهم (٢) بنواحى جلّق صبر
لم يقبروا فى نواويس ولا جدث … وإنما فى بطون الوحش قد قبروا
والطير ترعى نهارا لحمهم فإذا … ما الليل جنّ ففى إقحافهم تكر
ملك أعيد به عصر الشباب لكم … مسترغدا صافيا واستوقف العمر (٣)
إنا انرجوه من بغداد ينهلها … بماء دجلة ريّا ثم تصطدر (٤)
نؤمّها (٥) … وإمام المسلمين معا
ثقوا بقولى فهذا منه منتظر
فدام للدّين والدنيا يسوسهما … فكر له فيه سرّ الله مستتر (٦)
وعمره الجمّ أعيادا مجدّدة … وأشهرا بعزيز النصر تشتهر (٧)
وقال الشيخ بدر الدين محمد (٨) بن عمر البزار، المعروف بالمنبجى، الشاعر فى ذلك أيضا قصيدة:
стр. 1652
وافى على قدر ما يختاره (١) … القدر
وجاء عمّا جناه الدهر يعتذر (٢)
وإن أساءت لياليه التى سلفت … ظلما فقد أحسنت أيامه الأخر
وبعد إدراكك الثارات منتصرا … فكل ذنب جناه قبل مغتفر
بشائر طار بالإقبال طائرها … لمثلها كانت الآمال (٣) تنتظر
فتح على جبهة الأيّام أسعده … بالجدّ والسعد والتأييد مستطر (٤)
ما شاهد الناس فتحا مثله أبدا … إلاّ فتوحا تولّى أمره (٥) عمر
سارت بأخبارها الركبان واقعة … لم تحوّ أمثالها الأخبار والسير
[٣٠٥]
وفى الّليالى إذا عدّت محاسنها … السمّار (٦) فى كل ناد ذكرها سمر
عم السرور بها كلّ النفوس فما … للنّاس فى لّذة من بعدها وطر
إن البغاة بنى خاقان (٧) … أقدمهم
على هلاكهم الطغيان والأشر (٨)
راموا وقد حشدوا غلبا فما غلبوا … وحالوا النصر تضليلا فما نصروا
أتوا وقد مكر الله الخبير بهم … فردّ كفارهم (٩) بالغيظ إذ مكروا
стр. 1653
وطبّقوا الأرض من سهل ومن جبل … كأنما هم جراد فيه منتشر
داسو بلادك لا يثنى أعنتّهم … عن قصدها جهلهم والتيه والبطر
غرتهم فلتة فى الدهر عن غلط … منه (١) فحلت بهم من بعدها الغير
وأمّلوا أنّها مثل التى ذهبت … فغودروا (٢) ودماهم فى الفلا غدر
قابلتهم بجيوش ما لهم قبل … ببأسها فلقد قلّوا وإن كثروا
قاموا وأقعدتهم عن قصدهم بشبا … البيض الرقاق فقد غابوا وإن حضروا (٣)
أفنيتهم بليوث منك باسلة … وهل تقاوم آساد الشرى الحمر
فكم قتيل لهم (٤) … من بعد صولته
تحت السنابك أمسى وهو منعقر
عصابة لم تزل بالحق ظاهرة … فى الحرب بالله والأملاك تنتصر
من سيّد الرسل بالتأييد قد وعدت … فالنصر يخدمها ما زال والظفر
يا وقعة المرج مرج الصفر افتخرت … بك الوقائع فى الآفاق والعصر
رفعت بالنصر أعلام الهدى ولقد … جرّدت للشرك كسرا ليس ينجبر
يوم تدارك جمع المسلمين به … من لم يزل فى يديه النفع والضرر
يا من أوامره والله يعضده … بها الليالى مع الأيام تأتمر
لولا يثبّتك الله العزيز بعدة (٥) … لم يبق للدين (٦) لا سمع ولا بصر
стр. 1654
قرّت به أعين الإسلام وابتهجت … به القلوب وكادت فيه تنفطر
نامت عيون الرعايا فى ذرى ملك … فى رعيهم طرفه عاداته السهر (١)
المخجل السيف (٢) … عزما وهو منصلت
والمرعب الليث بأسا وهو مهتصر
والثابت الجأش والإقدام فى دحض … فيه التثبّت إلاّ عنده عسر (٣)
يا ناصر الدين يا من حسن دولته … أمست على دول الماضين تفتخر
فأوقدت (٤) … نيران حرب أصبحوا حطبا
للجمر منها لها شوك القنى شرر
دارت عليهم رحى الحرب الزيون فما … لجمعهم بعدها عين ولا أثر (٥)
وضاقت الأرض مذ ولّوا بما رحبت … عليهم فهم بالخوف قد حصروا
وألبسوا الذلّ حتى أنّ أشجعهم … يأتى إليك بألف منهم نفر (٦)
[٣٠٦]
وأصبحوا بعد ذاك الكبر يحسد … قتلاهم من الذلّ والتقريع من أسروا (٧)
وبعد قد أمنا من كل حادثة … فما لنائبة منه ناب ولا ظفر (٨)
стр. 1655
بالسيّد (١) … الناصر المنصور جحفله
زهت برونقها (٢) الآصال والبكر
هزّت معاطفها الدنيا به فرحا … وطاب (٣) بالأمن فى أيامه العمر
أزال عنّا مخافات النفوس فما … يدور بالخوف أوهام ولا فكر
يا من به راقت الأوقات وابتسمت … بعد العبوس فما فى صفوها كدر
لا زال ملكك ملكا لا نفاذ له … ما شق شقّة جلباب الدجى سحر (٤)
وقال الشيخ تقى الدين عبد الله بن تمام الحنبلى قصيدة طويلة، منها قوله:
كرّر علىّ فمالى بعدها وطر … بشارة كنت أرجوها وأنتظر
هبّت علينا بنصر الله هاتفة … لم ترو أخبارها الأخبار والسير
نتلو أحاديثها دأبا وندرسها … كأنها بيننا الآيات والسور
وقال صاحب نزهة الناظر:
لمثل ذا اليوم كان الدهر ينتظر … فليهنك اليوم هذا النصر والظفر
يا يوم شقحب لو عاش الألى سلفوا … من الملوك لهذا اليوم ما ذكروا
لله درّك والأعداء قد بسطت … خيولهم سربا فى الأرض تنتشر
صدمتهم بخيول لو صدمت بها … صرف الزمان لولىّ وهو منذعر
يأتوا بليل تمنّوا أنه لهم … ليل الضرير وصبح ليس ينتظر
стр. 1656
وجاوزوا النهر خوضا من دمائهم … محمّرا وصفاه منهم كدر
ولّوا ظهورهم والسيف حاكمها … كأنّهم حمر استنفروا نفروا
وأصبح الدين منصورا بناصره … والكفر يخذل والإسلام منتصر
وشتّت الله شملا كان مجتمعا … وضرب الله أرقاب الألى كفروا
فإن تكن زلّة للدهر واحدة … فقد أتاك « … » (١) وهو يعتذر
فليهنك اليوم هذا الفتح يا ملكا … وافى لك الفتح ما وافى به عمر
وافت لغازان أخبار معنعنة … فصدّق الخبر لمّا عاين الخبر
وأصبح النوح تترى فى منازلهم … بالحزن والويل والتعديد والفكر
كل يؤمل أن يلقى لصاحبه … حتى يراه فلا عين ولا أثر
وأحسن ما قيل فى هذه الوقعة قصيدة شمس الدين (٢) الطيبى، وهى هذه:
برق الصوارم للأبصار (٣) … تختطف
والنقع يحكى سحابا بالدما تكف
[٣٠٧]
أحلا وأغلا وأعلا قيمة وسنا … من ريق ثغر الغوانى حين يرتشف
وفى قدود الفنى معنى شغفت به … لا بالقدود التى قد زانها الهيف
ومن غدا بالخدود الحمر ذا كلف … فإنّنى بخدود البيض لى كلف
стр. 1657
ولامة الحرب فى عينى أحسن من لام … العذار الذى فى الخدّ منعطف (١)
كلاهما زرد هذا يفيد وذا يردى … فشأنهما فى الفعل مختلف
والخيل فى طلب الأوتار صاهلة … ألذّ لحنا من الأوتار تختلف (٢)
ما مجلس الشرب والأقداح دائرة … كموقف الحرب والأبطال تزدلف
والعزّ من تحت طلّ الرمح مقترن … بالعزّ والذلّ يأباه الفتى الصلف
لا عيش إلاّ لفتيان إذا انتدبوا … ثاروا وإن بذلوا (٣) فى غمّة كشفوا
يقى بهم ملة الإسلام ناصرها … كما يقى الدرّة المكنونة الصدف
قاموا لقوة دين الله ما وهنوا … لما أصابهم فيه ولا ضعفوا
وجاهدوا فى سبيل الله فانتصروا … من بعد ظلم ومما ساءهم أنفوا
لمّا أتتهم جيوش الكفر يقدمهم … رأس الضلاّل الّذى فى عقله جنف
جاءوا وكل مقام ظل مضطربا … منهم وكل مقام بات يرتجف
فشاهدوا علم الإسلام مرتفعا … بالعدل فاستيقنوا أن ليس ينصرف
لا قاهم الفيلق الجرار فانكسروا … خوف العوامل بالتأنيث فانصرفوا
يا مرج صفّر بيّضت الوجوه كما … فعلت من قبل فالإسلام يؤتلف
أزهر روضك أزهى عند لفحته … أم يانعات رءوس فيك تقتطف
غدران أرضك قد أضحت لواردها … ممزوجة بدماء المغل تغترف
زلّت على كتف المصرىّ أرجلهم … فليس يدرون أنّى يؤكل الكتف
стр. 1658
آووا إلى جيل لو كان يعصمهم … من موج فوح المنايا حين يختطف
دارت عليهم من الشجعان دائرة … فما نجا سالم منهم وقد زحفوا
ونكّسوا منهم الأعلام فانهزموا … ونكوصهم على الأعقاب فانتصفوا
ففى جماجمهم بيض الطلا زبروا … وفى كلاكلهم سمر القنا قصفوا
فروّا من السيف ملعونين حيث سروا … وقتّلوا فى البرارى حيث ما ثقفوا
فما استقام لهم فى أعوج بهج … ولا أجارهم من مانع كثف
ومّلت الأرض قتلاهم بما قذفت … منهم وقد ضاق منها المهمه القذف
والطير والوحش قد عافت لح … ومهم ففى مراح الضوارى منهم قذف
[٣٠٨]
ردوا (١) … فكل طريق نحو أرضهم
يدل جاهلها الأشلاء والجيف
وأدبروا فتولى قطع دابرهم … والحمد لله قوم للوغى ألفوا
ساقوهم فسقوا شط الفراة … وما وطمهم بعباب السيف فانحرفوا
وأصبحوا بعد لا عين ولا إثر … غير القلاع عليها منهم شعف
يا برق بلغ إلى غازان قصتهم … وصف فقصتهم من فوق ما تصف
بشّر بهلكهم ملك العراق لكى … يعطيك حلوانها حلوان والنجف
وإن يسل عنهم قل تركتهم … كالنحل صرعى فلا تمر ولا سعف
ما أنت كفؤ عروس الشام مخطبها … جهلا وأنت إليها الهائم الدنف
قد مات قبلك آباء بحسرتها … وكلهم مغرم مغرس بها كلف
إنّ الذى فى جحيم النار مسكنه … لا يستباح له الجنان والغرف
стр. 1659
وإن تعودوا تعد أسيافنا لكم … ضربا إذا قابلتها رضب الحجف
ذوقوا وبال تعديكم وبغيكم فى … أمركم ولكأس الخزى فارتشفوا
فالحمد لله معطى النصر ناصره … وكاشف الضرّ حيث الحال منكشف (١)
ذكر ما اتّفق لقطلوشاه ومن معه من التتار:
قد ذكرنا عند نزولهم من الجبل اتبعهم العسكر وجردوا خلفهم الأمراء وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وكذلك العرب قتلوا منهم، ومات أكثرهم من العطش والجوع، والذى سلم منهم أو خرج قتل فى الطريق، وقتلت أهل المدن والضياع منهم خلقا عظيما، وما وصل قطلوشاه إلى الفرات إلا فى نفر يسير، ولم يعد الفرات سالما إلاّ مولاى فإنه ما عدم له إلاّ نفر يسير من الذين انقطعوا منه فإنه خرج أولا وذهب كما ذكرنا، ولم يقابل العسكر، وبلغ الخبر إلى غازان، وإلى همدان، ووقعت الضجات، واستقبلهم أهل البلاد بالبكاء والعويل، وخرجت أهل تبريز وغيرها، وركبت النساء والخواتين لسماع أخبارهم، لينظرن من قتل ومن بقى، ونظر الخلائق إلى عسكر مبدد ما بين ماش وراكب، ومحمول ومجروح، ونادب على ولده وعلى أخيه.
قال الراوى: وحكى لى من حضرهم من تجار تبريز أنه أقام مدة شهرين لم يسمع غير بكاء ونياحة وتعديد بلسان المغل، ولما وصف لقازان كيفيّة انكسارهم، وما جرى عليهم، خرج من منخريه دم كثير إلى أن كاد يقتله،
стр. 1660
ودخل إلى حركاته (١)، ولم يجتمع بأحد من الأمراء، ولا من الخواتين إلى أن أخبروا له أنّ مولاى وصل، وحكى له طرفا من أمره، وأقام إلى أن وصل قطلوشاه وعسكره، وملك مسامعه من البكاء والتعديد، وخرجت نساء المغل وأهل العسكر لملتقى رجالهم وأولادهم فلم يجدوا من كل عشرة واحدا، فركب الأردو عن بكرة أبيهم، فهنّى بعضهم باللقاء. وقيل لبعضهم: خلّفناه فى ماردين أو غيرها. وقيل لبعضهم: [٣٠٩] جرح. وقيل لبعضهم: أسر، ومثل هذا الكلام.
فلما علم غازان بذلك خرج وجلس على التخت (٢)، وطلب أمراء التوامين الذين كانوا قد تأخروا عنده، والخواتين، فأجلسهم على العادة، ورسم بحضور قطلوشاه وجوبان وسوتاى، ومن كان معهم من الأمراء، وأوقفهم بين يديه موقف الذلّ، وقال للحاجب: قل لهم كيف خالفتم يسق (٣) السلطان حتى كسرتم عسكره؟ فقالت الأمراء: نحن كنا مع نائبك ويسقك أن لا نخالفه فيما يفعله. فقال لقطلوشاه: كيف خالفت يسقى ولاقيت الملك الناصر صاحب مصر وعسكره. فردّ عليه الجواب بما اتفق له من سوقه خلف عسكر الشام وكيف أدركهم وكسرهم، وأن سلطان مصر وصل فى ذلك الوقت على غفلة منه، فلم يقبل له عذرا، ورسم أن يقيد بالكلاليب، فقامت الأمراء والخواتين وشفعوا فيه، وقالوا له: إن له على الخان خدمة كثيرة،
стр. 1661
وأنه اجتهد غاية الاجتهاد. ولكن أتاه الأمر بغير ما حسبه، وما زالوا به وهم واقفون بين يديه، والخواتين قد كشفن رءوسهن إلى أن عفى عنه، ورسم أن يوقفوه على بعد من بين يديه وهو ممسوك بين الحجاب، ويقوم كل من حضر بين يدى الخان فيخرج إليه ويتفل فى وجهه، وهذه حدّ الإهانة عندهم للكبير إذا لم يقتلوه، ثم رسم أن يخرج مع جماعته وعسكر آخر إلى كيلان ولا يوريه وجهه إلى أن يملكها، وكان من أمره ما سنذكره إن شاء الله، وطلب بعدها مولاى ورماه وضربه تسع عصا وقال: كنت متّ معهم. وأهانه الإهانة البالغة.
وفيها. كان النيل أو فى على ستة عشر ذراعا، وكان كسر الخليج خامس المحرّم.
وقال صاحب النزهة: الصحيح أن النيل غلّق ثمانية عشر ذراعا.
وفيها: حج بالناس سيف الدين برلغى.
стр. 1662
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ الإمام شيخ الإسلام بقية المجتهدين قاضى القضاة تقى الدين محمد (١) بن الشيخ [ال (٢)] صالح بقية السلف مجد الدين أبى الحسن على بن وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرى المصرى، المعروف بابن دقيق العيد.
ولد يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بساحل مدينة ينبع من أرض الحجاز، وتوفى يوم الجمعة الحادى عشر من صفر ببستان عند باب اللوق، وصلّى عليه تحت القلعة، وحضر جنازته: نائب السلطان، والأمراء، وأعيان الدولة، وخلق كثير من الناس، ودفن بالقرافة.
وكان أجل من بقى من علماء المسلمين علما وديانه وعملا، وكان من علماء الحديث، وكان إماما متقنا، متفننا، أصوليا، فقيها، أديبا، نحويا، شاعرا، ناثرا، مجتهدا، وافر العقل، كثير السكينة، تام الورع، شديد التديّن، مديم السهر، مكبا على المطالعة والجمع، قلّ أن ترى العيون مثله.
وكان قد قهره الوسواس فى أمر المياه والنجاسات، وله فى ذلك حكايات عجيبة، وكان كثير التسرى والتمتع، وكان مهوّسا بعلم الكيمياء، معتقدا صحتها،
стр. 1663
وكان له عدة أولاد بأسماء الصحابة العشرة، تفقه بأبيه وبالشيخ عزّ الدين بن عبد السلام وغيرهما، واشتهر اسمه فى حياة مشايخه، وتخرج به أئمة، وكان عارفا بمذهبى مالك والشافعى، كان مالكيا أولا، ثم صار شافعيا.
وقال [٣١٠] ابن كثير: سمع الحديث الكثير، ورحل وخرّج، وصنّف فيه إسنادا ومتنا بمصنفات عديدة (١) مفيدة فريدة: وانتهت إليه رئاسة العلم فى زمانه، وفاق جميع أقرانه، ودرس فى أماكن كبار كثيرة، ثم ولى قضاء مصر سنة خمس وتسعين وستمائة، ومشيخة دار الحديث الكاملية (٢).
وقال بيبرس: وكانت مدة ولايته ست سنين وسبعة أشهر وأياما.
وقال النويرى: وكان نشوه بمدينة قوص، وتفقه على أبيه، وعزل نفسه عن القضاء، وسئل فى العود: فامتنع، فألحّ عليه، فعاد، وهو الذى نقل خلع القضاة من الحرير إلى الصوف، وكان يخلع على القضاة قبله الحرير الكنجى، وتولى بعده القضاء بدر الدين بن جماعة.
وقال صاحب النزهة: وصلى عليه السلطان وسائر الأمراء والأكابر. وهو آخر من ولى القضاء من المجتهدين الذين لم ير فى دولة الترك من ولى منصب القضاء مثله.
قال: ويذكر له نكتة غريبة، وهى: أنه اتفق أن شخصا أحضر إليه فتيا فكتب عليها، فلما فارقه تذكر أنه كتب فيها ما لا يجوز، فقلق لذلك قلقا عظيما ولم يحكم ذلك النهار. فلما كان بكرة اليوم الثانى حضر الرجل ومعه الفتوى، وسأل الشيخ أن يكتب له عليها بخط مفسّر وذكر أنه من حين خرج من عند
стр. 1664
الشيخ بالفتوى عرضها على الناس، فكل من أخذها لم يحسن قراءتها لكون حروفها مخبطة ولم يظهر منها شئ ولا حرف واحد. فأخذها فكتب عليها بما يجوز.
وروى عنه الشيخ فتح الدين بن سيد الناس شيئا كثيرا من لطافته وكرمه واحتمال نفسه، ومن أشعاره الرائقة، ومن ذلك قوله:
أفكّر فى حالى وقرب منيّتى … وسيرى حثيثا فى مصيرى إلى القبر
فينشئ لى فكرى سحائب للأسى … تسحّ هموما دونها وابل القطر
إلى الله أشكو من وجودى فإننى … تعبت به مذ كنت فى مبدء العمر
تروح وتغدو للمنايا فجائع … تكدّره والموت خاتمة الأمر
وله:
سحاب فكرى لا يزال هاميا … وليل همّى لا أراه راحلا
قد أتعبتنى فكرتى وهمّتى (١) … فليتنى كنت مهينا جاهلا (٢)
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن نباتة، أنشدنى الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد لنفسه:
أتعبت نفسك بين ذلّة كادح … طلب الحياة وبين حرص مؤمل
وأضعت عمرك لا خلاعة ما جن … حصلت فيه ولا وقار مبجّل
وتركت حظ النفس فى الدنيا … وفى الأخرى ورحت عن الجميع بمعزل
стр. 1665
وله دو بيت:
الجسم تذيبه حقوق الخدمة … والقلب عذابه (١) علو الهمّة
والعمر بذاك ينقضى فى تعب … والراحة ماتت فعليها الرحمة
ومن العجب أن هذين البيتين حفظهما الشيخ تاج الدين أحمد أخو الشيخ تقى الدين، فاتفق له أنه قال: بينا أنا وقت الهاجرة بمسجد الجوارى بالحسينية؛ إذ غلبتنى عيناى فنمت ورأيت والدى الشيخ مجد الدين، فسلم علىّ وسألنى عن حالى فقلت يا سيدى بخير. فقال: كيف محمد أخوك؟ [٣١١]- يعنى الشيخ تقى الدين - فقلت: بخير، الساعة كنت عنده وأنشدنى دو بيت، وأنشدته البيتين المذكورين. فقال: سلم عليه وقل:
الروح إلى محلّها قد تاقت … والنفس لها مع جسمها قد عاقت
والقلب معذّب على جمعهم … والصبر قضى وحيلتى قد ضاقت
فانتبه تاج الدين، وقد حفظ الدو بيت المذكور.
وله أيضا:
يا معرضا عنى ولست (٢) … بمعرض
يا ناقضا عهدى ولست (٣) بناقض
أتعبتنى بخلائق لك لم (٤) … تفد
فيها وقد جمحت - رياضة رائض
أرضيت أن تختار رفضى مذهبا … فيشيع (٥) للأعداء أنك رافضى
стр. 1666
وقال شهاب الدين بن الكويك التاجر الكارمى: اجتمعت به مرة فرأيته فى ضرورة شديدة. فقلت له: يا سيدى ما تكتب ورقة لصاحب اليمن وأنا أقضى فيها الشغل. فكتب ورقة لطيفة فيها:
تجادل أرباب الفضائل إذا رأوا … بضاعتهم موكوسة الحظّ فى الثمن
وقالوا (١) … عرضناها فلم نلف طالبا
ولا من له فى مثلها نظر حسن
ولم يبق إلاّ رفضها وإطراحها … فقلت لهم لا تعجلوا السوق باليمن
وأرسلها إليه. فأرسل له مائنى دينار، واستمرّ يرسلها له فى كل سنة إلى أن مات صاحب اليمن، ﵀.
الشيخ برهان الدين إبراهيم (٢) بن فلاح بن محمد بن حاتم السكندرى.
سمع الكثير وتفقه، ودرس بالقوصية، وأعاد وأفتى، وناب فى الخطابة مدة، وفى الحكم عن ابن جماعة، وكان دينا فاضلا، ولد سنة ست وثلاثين وستمائة، ومات يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شوال، عن خمس وستين سنة، ودفن بالقرب من الصندلاوى بباب الصغير.
الشيخ المحدث شرف الدين (٣) عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن خواجا إمام الفارسىّ، شيخ الحديث بدار الحديث الظاهرية.
مات بها وقد ناهز التسعين سنة، ودفن عند مسجد القدم، وكان قد أوصى به، وأوصى أيضا أن يشترى بخمسمائة درهم حلاوة صابونية وتفرق على قبره بعد
стр. 1667
دفنه على من يشيع جنازته، ففعلوا ذلك، فأكل الناس وترحموا عليه، وكان مشكور السيرة، حسن المخالطة.
الشيخ محيى الدين عثمان (١) بن الشيخ أحمد بن عثمان ابن إمام الكلاّسة، إمام مشهد عروة.
مات فى هذه السنة فى عاشر شوال (٢)، ودفن بقاسيون، وكان من القراء الصيّتين.
الشيخ الإمام شمس الدين محمد (٣) بن إبراهيم بن يحيى الصنهاجى، إمام المالكية بجامع دمشق.
مات بالمارستان النورى ودفن بباب الصغير، وكان فقيها فاضلا من أهل العلم والصلاح، وتولى مكانه أبو الوليد بن الحاج الإشبيلى.
الصدر الكبير العالم الفاضل كمال الدين أبو العباس أحمد (٤) بن أبى الفتح محمود ابن أبى الوحش أسد بن سلامة بن سلمان بن فتيان الشيبانى. المعروف بابن العطار، كاتب الدرج الشريف منذ أربعين سنة.
стр. 1668
مات بباب البريد، وحمل إلى قاسيون فدفن فى تربة له فى نواحى الكهف، وكان فيه تلاوة قرآن، وذكر، وملازمة للصلوات مع الجماعة. واقتنى كتبا كثيرة جليلة، [٣١٢] وله ترسّل ونظم، فمن نظمه:
قل يا نسيم فإن رجعت مخبرا … برضاهم ومبشرا بقبول
فلك الهناء لأمنحنك رقتى … ولأخلعنّ عليك ثوب نحول
الأمير فارس الدين ألبكى (١) الساقى المنصورى نائب حمص.
كان أميرا كبيرا مقدّما. مات فى هذه السنة يوم الثلاثاء الثامن من ذى القعدة، وهو الذى توجه إلى قازان ملك التتار وعاد إلى الشام. وولى مكانه عز الدين أيبك (٢) الحموى، وكان نائبا بصرخد، فنقل إلى حمص، كذا قال النويرىّ.
وقال بيبرس: تولى عوضه الأمير بلبان (٣) الجوكندار المنصورى، وكان نائبا بقلعة دمشق.
الأمير شمس الدين سنقر العينتابى. توفى فى هذه السنة بدمشق، وكان من أمرائها.
стр. 1669
الأمير سيف الدين بكش رأس النوبة الجمدارية، توفى فى هذه السنة.
الأمير ناصر الدين بن باشقرد (١) [الناصرى الأيوبى (٢)].
تقنطر به فرسه فى سوق الخيل، فوقع ميتا، ودفن بجبل قاسيون عند والده.
وكان شابا حسنا جميلا.
الأمير حسام الدين (٣) الأستادار، استشهد فى الوقعة المذكورة وكان يعرف بالرومى.
وكان مملوك السلطان الملك المنصور قلاون، اشتراه من تاجر، وذكر أنه رومى ولقبه بلاجين، وكبّره عنده، وترقى إلى أن عمله أستاذالدار، وحكى عنه أنه قال: ما أنا من الروم، وإنما جنسى وبيتى من التركمان، وكان أبى وأمى مسلمين، وكان اسمى خليلا واتفق أن زوقنا (٤) كبست وأغير عليها، فأسر كل من فيها، وباعونى فى بلاد الروم، ثم اشترانى تاجر وجلبنى إلى مصر، وكان له تلاوة وسماع حديث.
الأمير أولياء (٥) بن قرمان، وقد ذكرناه من المستشهدين فى الوقعة المذكورة.
стр. 1670
وكان قد وفد إلى مصر فى الدولة الظاهرية، وكان يقال ابن قرمان، ولم يكن كذلك وإنما كان ابن أخت قرمان.
الأمير عزّ الدين أيدمر الرفا، ذكرناه فى المستشهدين.
وكان من الأمراء المنصورية المشهورين بالفروسية والشجاعة، وحكى من أكابر مماليكه أنه أخذه التركمان. ثم وصل إلى بيت الملك الناصر صاحب حماة.
الأمير عز الدين أيدمر (١) القشاش (٢). قد ذكرناه فى المستشهدين أيضا.
وكان له تقدم وسمعة فى الولايات، وحرمة كبيرة، وآخر ولايته ولاية الغربية، وأضيفت له ولاية الشرقية، وكان يتحدث فى الإقليمين، وكانت له اختراعات فى الأعمال من جملتها: كان يضرب فى الأرض خوازيق ويضع على علوها صارى ببكرة، فإذا علق عليه أحد من المفسدين يجذبونه (٣) إلى فوق جدا، ثم يرخونه إلى أن يقع على خازوق من تلك الخوازيق، فيخرج من جسده حيث يقع منه، وكانت له مهابة فى النفوس ولم يجسر أحد فى أيام ولايته أن يلبس مئزرا أسودا، ولا يتقلد بسيف، ولا يحمل عصى، ولا يركب فرسا. ورئى فى المنام بعد موته راكبا حصانا أشهب. وعليه عدة الحرب، وبيده رمحه، وعليه مهابة عظيمة، فقيل له: بم نلت هذه؟ فقال: غفر الله لى بعمارتى جسر السقفى،
стр. 1671
وهو جسر كان أنشأه بين ملقة صندفا وبين أرض سمنّود. وكان فى آخر عمره عرض له وجع المفاصل، فدخل على الأمراء أن يعفوه عن الولايات. فأعفى وأقام فى بيته إلى أن خرج السلطان إلى لقاء العدو، فتجهّز للسفر. فقيل له:
إنك ما تحمل على الركوب على الخيل، فلم يسمع كلامهم [٣١٣] وما زال راكب المحفّة إلى أن قامت الحرب، فركب فرسه وهو فى غاية ما يكون من الألم ورجلاه متورمتان. فقيل له: أنت ترمى نفسك للموت. فقال. ويلكم لمثل هذا اليوم كنت أنتظر، وإلا كيف يخلّص القشاش نفسه من ربّه. فرفص فرسه وحمل عليهم ورمحه فى يده. ووصل إلى صدر العدوّ وكأنه ليس به ألم، فلم يزل يقاتل حتى قتل، ووجد فيه نحو من ست جراحات، ﵀.
الشيخ نجم الدين أيوب (١) الكردى، قتل فى هذه الوقعة.
وكان قد ورد من البلاد فى سنة سبع وثمانين وستمائة، ومعه جماعة من الأكراد، وأقام بدمشق مدة سنتين، ونال من أمرائها حظا كبيرا. وظهرت له أمور من المكاشفات والصلاحية. وكان لا يدخل إليه أمير إلاّ ويطالبه بالهدية، ولا بد أن يحمل له شيئا من الدنيا، واتبعوا أمره فى ما يأخذه، فوجدوه يتصدق به ولا يدخره. ثم رحل إلى مصر ويوم عبوره حصلت له معرفة مع ابن قرمان المذكور. فأخذه إلى بيته. ثم بنى له زاوية بجوار بيته. وأقام فيها إلى أن خرج السلطان للقاء العدو، فخرج معهم. ولما التقوا بالعدو كان راكبا بآلة الحرب، واقفا إلى جانب ابن قرمان، فقتل معه، ثم دفنا جملة واحدة،
стр. 1672
الأمير عثمان بن يغمراس بن عبد الوادّ صاحب تلمسان.
توفى فى هذه السنة على فراشه. وجلس بعده ولده محمد بن عثمان بن يغمراس.
قال بيبرس فى تاريخه: وقد أمضهم الحصار ومسهّم الجهد. فأقام أربع سنين والمحاصرة مستمرة والمضايقة متضاعفة، وعدمت الأقوات وغلت الأسعار، فبلغ الحمل من الملح إلى مائة دينار، والحمل من القمح إلى ستين دينارا كبارا، ولحم الفرس الواحد إلى مائة دينار، والشاة إلى عشرة دنانير، والثور إلى ستين دينارا. والدجاجة إلى ثلاثة دنانير. وورد على المحاصرين خبر من بلاد العدو فأوجب رحيلهم.
الملك العادل زين الدين كتبغا (١). توفى بحماة نائبا عليها بعد صرخد كما ذكرناه.
وكانت وفاته يوم عيد الأضحى ونقل إلى تربته بسفح قاسيون غربى الرباط الناصرى، وله عليها أوقاف دارّه على وظائف قراءات وغيرها، وكان من كبار المنصورية، وقد تملك بعد مقتل الأشرف خليل بن المنصور قلاون، ثم عزله عنها لاجين وحوله إلى صرخد، فكان بها حتى قتل لاجين وعاد الملك إلى الملك الناصر محمد بن قلاون فاستنيب بحماة، وكانت وفاته بها.
وكان من خيار الملوك وأعدلهم، وأكثرهم برا.
стр. 1673
ورتب بحماة عوضه الأمير قفجق، فتوجّه إليها وولى النيابة فيها، وكان نائبا بالشوبك.
وقد تقدم فى ترجمته أنه أخذ فى نوبة حمص هو وبيدرا عقيب كسرة المغل على عين جالوت، وحكى أنه لما فتح هلاون الشام أحضر منجما حاذقا يقال له: نصير الطوسى، فقال: أبصر من يملك مصر من مقدمى عسكرى فقد قيل إنى لا أملكها. فنظر فلم يجد من الأسماء من يملكها إلا كتبغا، وكان صهر هلاون يسمى كتبغا نوين، فظنه هلاون إياه، فأنفذه على العسكر الذى خذله الله على عين جالوت على يد الملك المظفر قطز، وكان بين ذلك وبين ملك كتبغا هذا مصر خمسة وثلاثين سنة، وملك صاحب هذا الاسم لكنه ليس من أصحاب هلاون. والذى اتفق لهذا ما اتفق لأحد من الملوك فى دولة الترك، فإنه خرج من السلطنة إلى نيابة بلد [٣١٤]، ثم حضر إلى مصر وجلس مع الأمراء، وصار يرمّل على ما يكتبه نائب السلطان، ويمشى فى خدمته، ويخاطب بالأمير، وهذا لم يتفق لأحد أصلا والله أعلم.
стр. 1674
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثّالثة بعد السبعمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، وخليفة الوقت: المستكفى بالله بن الحاكم العباسى.
وسلطان البلاد: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونائبه محمد بمصر الأمير سلاّر، وقاضى الشافعية بدر الدين بن جماعة، ونائب الشام جمال الدين أقوش الأفرم، وقاضى الشافعية بدمشق نجم الدين بن الصصرىّ.
ذكر المدرسة الناصرية التى بين القصرين:
قال ابن كثير (١): وفى هذه السنة كمل عمارة المدرسة الناصرية (٢) ببين القصرين.
وكان الملك العادل زين الدين كتبغا قد شرع فى عمارتها وابتدأ فى إنشائها، فلم تطل مدته لتمام بنائها، فعند عود الملك الناصر إلى مملكته ثانيا أمر بتكميلها، ورسم بترتيبها، ورتب الدروس على المذاهب الأربع، فللحنفيّة شمس الدين السروجى (٣)، وللمالكية زين الدين على (٤)، وللحنابلة شرف الدين عبد الغنى (٥) الحرانى،
стр. 1675
وللشافعية الشيخ الفاضل صدر الدين محمد (١) بن المرحل المعروف بابن الوكيل، ونقل الملك الناصر والدته من التربة المجاورة لمشهد السيّدة نفيسة إلى قبة المدرسة المذكورة، ودفنت بها، وعيّن لها أوقافا جارية (٢).
وفى النزهة: وكانت هذه المدرسة دارا تعرف بدار الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى. ولما تسلطن الأمير زين الدين كتبغا وتلقب بالملك العادل اختار أن يجعل له مدرسة ومكانا يدفن فيه، فسعى له جماعة ودلّوه على هذا المكان لأنه مجاور لمدرسة (٣) السلطان قلاون أستاذه، وفى وسط المدارس، ففرح بذلك واشتراه من ورثته، وشرع فى عمارته، وجلب إليه سائر الصناع، وعمل لها بابا عجيبا، وهو رخام أبيض قطعة واحدة، وكذلك واجهة الباب وأعتابه (٤)، وأصل ذلك أن الملك الأشرف خليل بن قلاون لما أخذ حصن عكا (٥) وجد فيها بناء عظيما من أيام السنين من العمائر العجيبة جدا (٦)، وكان هذا الباب فى هذا البناء، وكان الأشرف قد رتب علم الدين الدوادار الصالحى على تخريب سور عكا وسور
стр. 1676
عثليث وغيرهما من القلاع التى فتحها الله على يديه، ولما سمع الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة بهذا الباب أرسل إلى الأمير علم الدين المذكور وطلب منه هذا الباب، وسأله أن يحمله إلى مصر، ويكون ذلك إحسانا منه إليه، ولما انتهى شغل الأمير علم الدين حمل هذا الباب إلى مصر، وقدمه له، وكان عند بيدرا إلى أن جرى عليه ما جرى فى قضية الأشرف، وقتل كلاهما وتسلطن كتبغا، وشرع فى عمل هذه المدرسة، فأخبره من كان يعرف هذا الباب أنه عند ورثة بيدرا وأنه معدوم المثل، فسأل كتبغا ورثة بيدرا عن ذلك. فأحضروه إليه وأمر بوضعه بابا للمدرسة، ولما اتفق لكتبغا ما اتفق، وقدم [الناصر محمد (١)] إلى مصر اشتراها القاضى زين الدين المالكى بطريق الوكالة عن السلطان الناصر، وشرع فى استكمال عمارتها [٣١٥]، وشرع فى شراء أملاك ليوقفها عليها، فمن جملتها فيساريّة أمير على بالشّرابشيّين. والربع المعروف بالدهشة (٢)، وحوانيت بباب الزهومة، والحمام المعروف بالفخرية بجوار السيفية، ودار والدة السلطان قلاون، والحمامان اللتان تعرفان بالشيخ خضر، وخان الطعم بظاهر دمشق. (٣)
ذكر الإفراج عن الشريفين أسد الدين رميثة وعزّ الدين حميضة ولدى الشريف نجم الدين بن نمى:
ولما اتفق وصول الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى من الحجاز الشريف،
стр. 1677
أخبر عن أميرى مكة أبى الغيث وأخيه عطيفة بأنهما عاجزان وليست لهما حرمة، وأن عبيدهما يشوشون على الحاج وأن الحال تقطع من مكة، اتفق رأى الأمراء بين يدى السلطان على إخراج الشريفين رميثة وحميضة من الاعتقال فى الإسكندرية، وكان قد سبق سؤالهما فى الإفراج عند حضور الأمراء والسلطان من الغزاة، وأن يقيما بمصر فى خدمة السلطان، ولما ذكر سيف الدين برلغى ما ذكر، أمر السلطان بإخراجهما، وسيّروا أمير جندار إليهما، فأحضرهما، ولما قدما اقتضى رأى الأمير بيبرس والأمير سلار أن يخلع عليهما وأن يلبسا الكلوتات الزركش، فامتنع حميضة من ذلك، وقالوا له: متى خالفت ذلك رجعت إلى السجن، فعند ذلك لبس، وأجلسوهما فوق الأمراء لشرف نسبهما، ثم أرسل إليهما سائر الأمراء ما يحتاجان إليه من سائر الأشياء، وخصوصا - أحسن إليهما غاية الإحسان - سلار وبيبرس، وكانا يركبان مع السلطان فى الميدان، وألزموا حميضة أن يلعب الأكرة مع السلطان والأمراء تلعب، واتصل بهم اتصالا حسنا.
وقال بيبرس فى تاريخه: وأنعم عليهما وأعيدا إلى منصبهما، وعزل أخواهما عطيفة وأبو الغيث، وسيّر صحبتهما الأمير عز الدين أيدمر الكوندكى، فرتبهما فى الإمرة (١).
ذكر تجريد العساكر إلى سيس:
قال ابن كثير: وفى هذه السنة أمر السلطان بتجريد العساكر إلى سيس، وسبقه أن طائفة من العسكر الحلبى دخلت بلاد الأرمن غارة، فكبستهم التتار
стр. 1678
ببلاد سيس وسلموا، فجرد السلطان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى ومعه عدّة من العسكر المصرى ثلاثة آلاف، فتوجهوا إلى دمشق، ووصلوها ثانى عشر رمضان (١)، وأضيف إليهم ألفان من دمشق صحبة الأمير بهادر آص، وساروا، فأخذوا معهم نائب حمص الأمير بلبان الجوكندار، ووصلوا إلى حماة، فصحبهم الأمير قفجق نائب حماة، وجاء إليهم الأمير أسندمر (٢) نائب طرابلس، وانضاف إليهم الأمير قراسنقر (٣) نائب حلب، وانفصلوا كلهم عنها، فافترقوا فرقتين: فرقة سارت صحبة قفجق إلى ناحية ملطية وقلعة الروم، والفرقة الأخرى صحبة قراسنقر ودخلوا الدربندات (٤)، وحاصروا تلّ حمدون، فتسلموه عنوة فى الثالث عشر (٥) من ذى القعدة، بعد حصار طويل، ووقع الاتفاق مع صاحب سيس على أن تكون للمسلمين من نهر جهان إلى حلب، وللأرمن من النهر إلى ناحيتهم، وأن يعجلوا حمل سنتين، ووقعت الهدنة على ذلك بعد [٣١٦] ما قتل خلق كثير من أمراء الأرمن ورؤسائهم (٦).
стр. 1679
وقال النويرى: وتأخر بدر الدين بكتاش فى حلب (١) عن هذه الغزوة لمرض عرض له. وإن تلّ حمدون لما فتحوها كان بها جماعة من نواب القلاع المجاورة لها لقبض مال، فلما أطلقهم المسلمون وصل رسول صاحب سيس يقول:
إن هؤلاء الذين بتلّ حمدون هم ملوك القلاع، وكلما أردت بذل الطاعة وإرسال الحمول للسلطان خالفونى وعصونى، فإن أنتم مسكتموهم سلموا إليكم القلاع والأموال. فأرسل الأمراء من أدركهم قبل وصولهم إلى مأمنهم وكانوا ثمانية (٢)، فقتلوهم إلا واحدا (٣) اسمه السرماق صاحب قلعة نجمية، فإنه لما شاهد الموت أسلم وقال: أنا لى أخ فى خدمة السلطان الملك الناصر، وأنا أسلّم قلاعى إلى السلطان، والتزم له فتح سيس بألفى فارس، فعادت العساكر إلى مصر ووصولها فى المحرم سنة أربع وسبعمائة.
وقال صاحب النزهة: ولما تأخر بدر الدين أمير سلاح فى حلب لمرض عاقه عن الذهاب مع العسكر أرسل طلبه صحبة ولده، ودخلت العساكر إلى بلاد سيس وأخربوا الضياع، وأحرقوا جميع المزارع، وأسروا أهلها، وبلغهم أن قلعة تلّ حمدون قد تجمع فيها جماعة كثيرة من الأرمن، فنزلوا عليها وأقاموا أياما فى حصارها إلى أن فتح الله وتسلموها بالأمان، وكان فيها ثمانية من ملوك الأرمن أصحاب القلاع، وكانوا قد أتوها على سبيل زيارة كنيسة فيها، فبلغهم وصول العسكر، فخافوا النزول منها واستأمنوا، فأعطاهم الأمراء أمانا وأمهلوهم يومين، فبلغ ذلك صاحب سيس، فصعب عليه ذلك لكون مثل هذا الحصن
стр. 1680
يخرج من يده بمكيدة فعلها الأرمن، فأرسل قاصده إلى نائب حلب، وجرى ما ذكرناه آنفا.
ذكر وفود جنكلى بن البابا أحد مقدمى التتار إلى السلطان:
قال ابن كثير: وفى هذه السنة ورد إلى الأبواب الشريفة الأمير سيف الدين جنكلى (١) بن شمس الدين المعروف بابن البابا، أحد مقدّمى التتار ومعه حريمه وألزامه عدتهم أحد عشر (٢) نفرا منهم أخوه فيروز، فأقبل عليه السلطان وأمّره طبلخاناة، ثم نقله إلى أمير مائة، وكان مقام المذكور ببلاد آمد، وكان يكاتب السلطان بالنصيحة، فلهذا عظم شأنه (٣).
قال صاحب النزهة: وفيها ورد مملوك نائب حلب وعرف السلطان أن جنكلى ابن البابا نائب رأس العين سير إليه وكاتبه فى الدخول إلى مصر، فكتب السلطان إلى نائب حلب بالركوب إليه وتلقيه والإكرام إليه، وكذلك كتب لنائب دمشق وأن يجهز له الإقامات.
وفى ثالث ذى الحجة منها: قدم جنكلى المذكور، وكان قد جهز حاله وهو فى بلاده إلى أن اتفق موت قازان وبلغه ذلك، فوجد الفرصة فركب بمن معه من ألزامه وأقاربه، وأخذ كلّ ما عز عليه، وركب على نية افتقاد ما حوله
стр. 1681
من البلاد التى يتولاها وقصد الفرات وعدّى، وبلغ ذلك نائب حلب، فكتب إلى بهسنى وكختا وسائر النواب بالركوب إليه وإكرامه، وعند وصوله إلى حلب تلقّاه نائبها وأكرمه، وكذلك نائب دمشق إلى أن [٣١٧] وصل إلى مصر، وركب الأمير ركن الدين بيبرس إلى لقائه ومعه سائر الأمراء إلى قبة النصر، وأحضروه بين يدى السلطان، وباس الأرض ثم يده، فقرّبه وتحدّث معه، ووعده بكل خير، ورسم له أن يسكن فى القلعة، وعند استقراره رسم للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى أن يذهب ثانيا إلى صفد ورسم بإقطاعه لجنكلى المذكور، وكتب له زيادة على ذلك مائة ألف درهم، ورسم لأمير على أخو قطلوبك بعشرة، ولنيروز الذى جاء معه تقدمة.
قال ابن كثير: وفيها وصل أيضا الأمير بدر الدين بأهله من آمد ومعه جماعة إلى مصر، فأقبل عليهم السلطان وأحسن إليهم (١).
ذكر وصول الرسول من جهة البرشونى الفرنجى:
قال ابن كثير (٢): وفيها وصل رسول من جهة الريداكون البرشونى (٣)، أحد ملوك الفرنج، برسالة تتضمن الشفاعة فى النصارى الذين بمصر ليجروا على عوائدهم، وينعم عليهم بفتح كنائسهم، فقبل شفاعته وفتحت لهم كنيستان بالقاهرة:
كنيسة لليعاقبة بحارة زويلة، وكنيسة بالبندقانيين للملكية، وعاد الرسول إلى بلاده، وسيّر صحبته فخر الدين عثمان الأفرمى، فلما وصلا إلى إسكندرية وركبا
стр. 1682
منها فى البحر تفاوضا مفاوضة أدّت إلى أن رسول البرشونى طرح عثمان من المركب إلى القارب الذى خرج من الميناء، فشيعهم هو وغلمانه، فأقلع من فوره، فرجع فخر الدين عثمان إلى مصر.
وفى النزهة: وصل رسول البرشونى وصحبته هدية حسنة خارجة عن عادته، فإن تناهى فى التحف والأشياء المفتخرة من المصاغ والبلور والذهب للسلطان وأرباب الوظائف من الأمراء وغيرهم، فأعجب السلطان والأمراء ذلك، وكان فى كتابه سأل أن يحضر إليه رسول من جهة السلطان فإنه اختار أن يشافهه، فرسم بتجهيز فخر الدين عثمان استادار الأمير عز الدين الأفرم، وكان قد تأمر وولى ولاية القاهرة أياما وعزل، فتجهز وأولع فى الطمع حتى اقترض على ذمته نحو ستين ألف درهم غير ما كان فى حاصله، واشترى أصنافا كثيرة من أصناف صالحة لتلك البلاد، ولما فرغ الرسل من التجهيز تمثلوا بين يدى السلطان وباسوا الأرض، وأخرجوا فى ذلك الوقت ملطفا صغيرا وقالوا للترجمان: إن الملك كان أوصى إليهم أن السلطان إذا قضى حاجته فى الكنائس نخرج هذا الملطف ونعطيه، وإن لم يجب إلى ذلك فلا تعطوه، فلما قرئ على السلطان وجد فى ضمنه أنه طلب بعض الأسرى المحبوسين فى مصر، وذكر أن أباه وأمّه قد توفيا ولم يبق غير أخته، وأنها قد دخلت على زوجته أن تسأل صدقات السلطان أن يجمع بينها وبين أخيها، فرسم السلطان أن يفك قيد هذا الأسير المطلوب ويسلم إليهم، ثم كتب لمتولى الإسكندرية بإكرامهم وتسفيرهم، ولما وصلوا إلى إسكندرية باتوا تلك الليلة على نية السفر، وعند طلوع الشمس تغيّر الهواء وأعاقهم عن الخروج من الميناء، وعندما تضاحى النهار وقعت بطاقة: إن كانت الرسل قد سافروا تحيلوا
стр. 1683
على ردهم [٣١٨] إلى إسكندرية إن أمكن ذلك، وإن كانوا ما سافروا عوّقوهم وخذوا منهم ذلك الأسير الذى فكّ قيده وسلم إليهم، وأحضروه إلى مصر، ويأذن السلطان بعد ذلك للسفر.
وكان الموجب لذلك أن هذا الأسير لما طلب من بين الأسراء كان قد حصل بينه وبين أحد منهم كلام أوجب التباغض بينهما، اجتمع بمشدّ الأمراء وعرّفه أن له نصيحة يريد أن يبديها للسلطان، فعرّف المشد بذلك للأمراء وبلغوا السلطان فطلبه، فلما حضر قال: إن هذا الأسير الذى شفع فيه صاحب برشونة وأجاب إليه السلطان ابن ملك كبير فى البلاد، وله مال عظيم، ولو طلب السلطان منه ملء مركب ذهبا أعطاه وأعطى أضعافه. فقيل له: كيف أصل أسر هذا وما جرى عليه؟ فقال: هذا كان قد حضر بمركب تجارة إلى مدينة طرابلس وأخذ منها متجرا عظيما، وتردد إليها مرات، وكان يتردّد أيضا إلى جزيرة أرواد لما كانت عامرة، وجعل له فيها حواصل (١) كثيرة، ولما أخذت جزيرة أرواد واستولى عليها المسلمون كان هو مقيما فيها، وأخذ مع جملة الأسراء وقال:
أنا أعرف بلده وأعرف أباه وأمه وما هو عليه من الدنيا الواسعة وأنا أسرت معه، وتم الأمر علينا إلى هذه الأيام، ولما بلغ والده أن ابنه فى قيد الحياة وأنه أسير عندكم، فتحيل ودخل على صاحب برشونة وقدم له هدية عظيمة، وهو الذى أقام بجميع ما جهزه إلى للسلطان من عنده ما قيمته أربعون ألف دينار، وكتب صاحب برشونة إلى السلطان بسبب الكنائس وما كان قصده إلا خلاص هذا الأسير، وإنما جعل ذكر الكنائس حجّة وسلّما إلى وصول قصدهم.
стр. 1684
فعند ذلك كتب بطائق إلى متولى الإسكندرية، وسيروا بعدها البريد، فسبقت البطاقة، وأراد الله أن لا يبلغهم آمالهم، وفسدت الريح إلى أن أدركهم الأمر، فركب متولى إسكندرية فى الحال وأخذ الأسير منهم وأعاده للقيد، وسيره صحبة البريد إلى مصر، وعرف رسول صاحب برشونة أن السلطان علم خبر هذا الأسير ورسم أن يرجع إلى مكانه، وسافروا أنتم، فلم يمكنهم الكلام بعد ذلك، وعلموا أن الذى جاءوا بسببه لم يتم لهم، وخشيوا عاقبة أمرهم، فأقلعوا من وقتهم وسافروا.
ولما بعدوا عن إسكندرية تشاوروا فيما بينهم فى أمر الرسول الذى معهم من جهة السلطان، فاتفقوا على أن يأخذوا جميع ما معه من جهة السلطان، ثم يقتلوه ويسافروا، فتصدى شخص من عقلائهم فقال: قتل الرسول ليس بجيّد وأيضا إذا قتلناه نخشى عاقبة ذلك، وربما يصعب ذلك على الملك أيضا، وصاحب مصر لا يعاند، فعند ذلك اقتضى رأيهم أن يأخذوا جميع ما معه ويردّوه إلى إسكندرية، ولما انتظم الأمر بينهم على ذلك قاموا إليه وأخذوه وحده ووضعوه فى قارب، وكان رجلا ضخما وقالوا له: رح إلى مكان جئت منه، فلو كان قتل الرسول جائزا لقتلناك ورميناك فى البحر، فسألهم أن يردوا عليه شيئا من ماله فإنه أخذه بالدين، فأبوا أن يردوا عليه شيئا، وقالوا: هذا بعض ما جبناه إلى ملككم، وأقلعوا، ورجع هو بالقارب إلى [٣١٩] الإسكندرية وليس معه سوى ما عليه من القماش، فجهزّه متولى الإسكندرية إلى القاهرة، وكتب إلى السلطان وعرفه بخبره، ولما وصل إلى مصر دخل إلى الأمراء وشكى حاله فقال: إنى تداينت أموالا كثيرة على ذمتى وأخذ جميعها، وبكى بين أيديهم، فكان جواب سلاّر: نحن سيرنا رسولا ما سيرنا تاجرا، وأرسلوا إلى متولى
стр. 1685
الإسكندرية وأمروا له بأن يحتاط على من عنده من الإفرنج التجار وغيرهم من برشونة، وإن لم يكن عنده أحد منهم يترقب حضورهم، فإذا حضر أحد منهم يعرف الأبواب الشريفة بذلك.
ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السّنة:
منها: أنه ولد للملك الناصر ولد من زوجته أردكين خاتون بنت الأمير سيف الدين نوكيه السلحدار الظاهرى، وسماه عليّا ولقبّه علاء الدين، ثم لقبّ بعد ذلك بالملك المنصور، وكانت هى زوجة أخيه الملك الأشرف ﵀.
وقال صاحب النزهة: وعملت له الأمراء مهما كبيرا وفرحوا به، وقصد السلطان أن يقيم عنده المغانى سبعة أيام فلم يوافقه الأمراء على ذلك وعملوه يوما واحدا.
ومنها: أنه ارتفع سعر الغلال بالديار المصرية فبلغ الأردب من القمح إلى أربعين درهما فما فوقها، ثم أخذ فى الانحطاط.
ومنها: أنه وقع الموتان فى الحيوان بحلب والشام وأعمالهما، فقيل: إن الذى نفق منها يناهز ثمانين ألف رأس.
قال بيبرس: ووصلت ريح الوباء التى أصابتها إلى الديار المصرية، فنفق من خيول العسكر شئ عظيم.
ومنها: أنه وقع ببلاد قاقون وغزة والساحل وما حولها جراد لا يحصى كثرة فجمع الفلاحون منه شيئا كثيرا، ولم يؤذ الزروع وغيرها.