← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ذلك مانعًا عن مسيرهم (١). وذكروا أيضًا أن خَرْبَندا جَرْد جوبان (٢) نائبه بمن معه من التوامين رديفًا لقراغوله لما بلغه ما كان منه، وكانت هذه الوقعة المذكورة في ربيع الآخر، من هذه السنة. ذكر غارة التتار على مدينة كركر قال ابن كثير: وفي جمادى الآخرة جاءت جماعة من التتار الذين في شرقي الفرات فأغاروا على بلاد كركر (٣)، وكان هناك أحد مماليك الأمير قرا سنقر نائب حلب يدعى بتخاص، فندبه [نائبا للقلعة] (٤)، وتوجه بجماعة من الرجال وكبسوا على التتار، وأوقعوا بهم بعد قتال شديد، واستظهروا عليهم، وأخذوا عدة من خيولهم، وأسروا بعضهم (٥)، وعادوا سالمين غانمين، وحضر بتخاص المذكور إلى الباب العزيز بهذا الإعلام، فشمله التشريف بالإكرام والإنعام (٦). قلت: كان السبب في تحريك التتار وهجومهم على بلاد الشام وصول الأمير أحمد (٧) بن عميرة إلى خَرْبَندا، فلما سمع بذلك التتار طمعوا في بلاد الشام واستضعفوا عسكرها حتى أغار منهم جماعة على بلاد كركر.

стр. 1892

ذكر قضية أحمد بن عميرة كان أحمد بن عميرة هذا ابن عم مهنا (١) بن عيسى ملك العرب، وأنه نفر من الشام إلى بلاد التتار خارجًا عن طاعة السلطان الملك الناصر. وكان هذا من فرسان العرب، وكان أبوه عميرة كذلك، ولأحمد هذا وقائع مشهورة في العرب وإغارات وكان [لأبيه] (٢) صيت عظيم، وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان الملك الناصر، وكان الناصر يعظمه لأجل شجاعته وشهامته وكل وقت يُنعم عليه ويُحسن إليه، وكان من كِبره ونخوته ما يجاور مهنا بن عيسى، وكانت له منازل معروفة ومواضع مشهورة ما ينزلها غيره، ولا يدانيها أحد سواه، ومع هذا كان مهنا هو ملك العرب والحاكم عليهم. واتفق أن عميرة خَطَب أخت مَهنا، فأنعم له بها وأجاب إلى سؤاله، ولكن بعد ما طلب منه مهرًا عظيمًا، فسمع بذلك ثابت بن يزيد، فأرسل إلى عميرة يعتب عليه، ثم أرسل إلى مَهنا فخطبها، فقال للذي جاء من عنده: قل له إني قد أنعمت بها لعميرة على: خمسمائة جمل، وعشرين رأسًا من الخيل، وعشرين عبدًا، وعشرين أمةً، ومائة ثوب، وخمسمائة [ألف] (٣) دينار، فأرسل إليه ثابت وقال: قبلت أنا ذلك، بل إنما أعطى زيادة على هذا، فمهما طلب مهنا من المهر أنا أقوم به، وكان غرضه أن [لا يعطيها] (٤) لعميرة. وكان ثابت هذا صاحب مال عظيم ومواش كثيرة، ثم إنه تحيّل في ذلك، فقدَّم لإخوة مَهنا ولأولاده ولمن يلوذ به - ممّن كلامه لا يردّ عنده - أشياء كثيرة من سائر الأصناف إلى أن انصلح كلهم وصاروا حزبًا لثابت.

стр. 1893

فقالوا لمهنا: إن ثابت بن يزيد أولى بإجابة سؤاله وأحق بمصاهرته، وهو أحب إلينا من عميرة، وفيما رأينا مصلحة أخرى وهي أنك إذا أجبت إلى سؤال ثابت وزَوَّجْت أختك منه تكون هي مالكة رقبة ثابت حاكمة في ماله، لأنه يراعي حقك ويحفظ غيبتك ويقيم حرمتك، فلا جرم يطيع لأختك لأجلك حتى لا يبلغ عنه شيئًا فيه سوء إليك، وأما عميرة فإنه لا يراعي حرمتك ولا يعرف مقدارك فكيف يمسك الحرمة مع إمرأة؟ والمرأة هي محل الازدراء والاستخفاف، وتكون هي عنده مثل الأسير، فيبلغ إليك ذلك فيسوءك، فتندم على ما فعلت ولا ينفعك الندم في ذلك الوقت، فتوكل على الله تعالى وزوجها من ثابت فإنه أهل لذلك. فقال مهنا: كيف أفعل وعميرة قد سبق في ذلك؟ فلم يزالوا به حتى أنعم بها لثابت. ثم سير مهنا إلى أخته يقول لها: مَنْ تختارين: ثابتًا أو عميرة؟ فأرسلت إليه تقول له: يا أمير المؤمنين، تخلى [أحدًا] (١) يتخير؟ لأجل عشاة بعير أو تصاهر لمن يأتي بمنسف، فإن خيّرتني فلا أريد سوى عميرة، [فاغتاظ] (٢) مهنا من كلامها وقال: أذلّ الله من يشاور النساء، ثم أعطى يده لثابت، وكان بتَلّ [اعزاز] (٣)، وهي قريبة من بلد سَلَمْية (٤) خاص له، فقال لثابت: أريد أن أهتم في أمر العرس، فقال: افعل ما بدا لك، فأخذ في إصلاح شأنه، وأحضر لهم جميع ما طلبوا من المال، وأولم وليمة عظيمة نحر فيها النوق والجمال، وعبر على أهله وسار إلى البرية. وبلغ الخبر إلى عميرة، فقامت عليه القيامة، وسير إلى مهنا: يقول له: غدرت بي

стр. 1894

وزوجت امرأتي لغيري، فرد عليه مهنا يقول له: ما اخترنا غيرك، ولكن لما رأيناك قد قصرت في الطلب زوجناها لغيرك، لأن المرأة لا تبقى بلا زوج، فبقي ذلك في قلب عميرة. ثم في يوم من الأيام جاءه بعض عبيده وقال له: يا مولاي، إن ثابتًا قد نزل على جُنِيجْل - اسم موضع - وهو غوطة، فقام وركب بأربعمائة فارس، وسار وكبس على ثابت وكان معه أربعة آلاف بدوي، فهرب كلهم وهرب ثابت أيضًا، وتبعه هلال بن عثمان وأدركه، فقال له: يا هلال أنا في جيرتك. فقال له: قد أجرتك، وإذا بعميرة قد أدركه، فقال له هلال: يا أبا أحمد أجرتُه اليوم، فقال له: لا تفعل. فقال: قد كان ذلك، فقال عميرة لثابت: أغدوة يا طنجير، عليك يوم غيره، فولي ثابت وهو لا يصدق بالنجاة، وأخذ عميرة من بيته عشرة آلاف جمل، وكانت امرأته عند مهنا، فلو كانت حاضرة لأخذها. وسمع نائب دمشق هذه القضية، وهو الأمير جمال الدين الأفرم، فسيّر إلى عميرة يقول له: أحضر عندنا حتى نعرف حقيقة هذه القضية، فأرسل عميرة ولده أحمد ومعه نوق وجمال وخيول، وقال له: يا أمير، أنت ما تعرف ما بيننا، ونحن عرب يوم لنا ويوم علينا، وبيننا مؤاخذات وتارات، فلما وصل أحمد مسكه النائب، ورسَّم عليه في الزردخانة (١)، وأقام هناك أيامًا، ثم أخرجه. فبقى عميرة لا يدخل دمشق، ورحل من منزله ذلك. وجاء ثابت إلى نائب الشام، وقال له: يا مولاي، أنت نائب دمشق وعميرة يأخذ جمالى من تحت كنفك. ثم إنه (٢) خلع على أحمد بن عميرة وسيره إلى أبيه، وقال له: لأجلى ردّ على ثابت

стр. 1895

جماله، فلما حضر إلى أبيه وبَلَّغه ما قال له نائب الشام، قال: ترد عليه جماله لأجل خاطر نائب الشام، ولكن لا يعود ينزل أرضًا ننزل فيه، ولا يقر بها، فرد عليه خَمْسة آلاف جمل. فقال: وأين الباقي؟ قال: نهبتها العربان والبعض مات. وبقى في قلب عميرة من مهنا نار. ثم إن مهنا أرسل ابنه موسى (١) إلى مصر بالتقادم للسلطان، وهي شيء كثير من الخيل والجمال وغير ذلك، فسأله السلطان عن أبيه فقال: هو معزول. فقال: مَنْ عزله؟ فقال: كيت وكيت وأخبر بجميع ما جرى، فاغتاظ (٢) السلطان، ثم شرع موسى يذكر أن قصاد عميرة لا ينقطعون عن التتار وأنه مائل إليهم، فعند ذلك أمر السلطان أن يكتب كتاب إلى نائب الشام بطلبه (٣)، فقال الأمير سلار نائب السلطان: فأيّ وقت طلبناه يهرب، ولكن أمراء العرب يحضرون في هذه الأيام بالتقادم، وأظن أنه يحضر معهم، فإذا حضر نمسكه بلا تعب، واتفق أنه حضر ومعه تقدمة هائلة، فأمر السلطان بالقبض عليه، وحُبس في البرج، فهرب العرب والعبيد الذين كانوا معه، ووصلوا إلى أبياته وأعلموا ولده أحمد بذلك، فرحل من غوطة دمشق وسار إلى حلب، فأقام بها أيامًا، ثم بلغه أن عميرة مات في الحبس، فرحل وطلب بلاد الشرق، ونزل على بلد الموصل وتقدم إلى نوين (٤) الذي بها، وكان يسمى إيْليا حميش وتدرَّك بحران، ففرح إيْليا حميش بذلك ووعده بكل جميل، فخلى أبياته وعبر إلى الشام، وأغار على تدمر وأخذ من حولها أغنامًا كثيرة وألفي جمل، ورجع بها طالبًا الشرق، وهو يقول: خرجنا من بلاد الإسلام وكذلك من الدين، سوف يَعْلم مهنا من هو غريمه.

стр. 1896

ثم إنه سَيَّر إلى مهنا يقول مع بعض العربان: والله، يا طنجير لأقصدنك ولو كنت في تخوم الأرض، فالذي يكون ملك يهرب إذا سمع أنني قاصده، فإذا جمع الله بيننا نعرف ذلك الوقت من يصلح للإمرة، ثم اشتغل بالغارات في بلاد عانة والحديثة أيامًا، ثم رجع وقال: هذه النَّوْبَة ما أقصد إلا مهنا أينما كان. وكان جواسيس مهنا في سنجار وأعلموه، وقالوا: ابنُ عميرة قاصد إليك في ألف فارس، وكان قد رجع من البريّة إلى قريب الرحبة، فرحل ورجع طالبًا تدمر، ولم يزل سائرًا حتى نزل أرض تدمر. وأما ابن عميرة فإنه لحق العرب من خلف مهنا وأخذ منهم ألف جمل، وأخذ المغالي التي لمهنا وكانت خمسين جارية، وعاد طالبًا بلاده، وهو فرحان بذلك، ومعه جماعة من خدم مهنا عبيد وجوارٍ، فكتب كتابًا إلى مهنا، وفيه هذه الأبيات: ألا مخبرًا عنّي صبيحًا وسالمًا … وموسى وسلمانًا وعمرًا وفائِد بفضل بن عيسى مع مهنا وآله … وأولاده إني لها غير عائِد قصدنا كموا في كل شهم غضنفر … جَسُور إذا صار الغبار يعاقد على كل زياف من الخيل أعْضبٍ … سليل من الخيل العتاق المكابد فيا ملك الأعراب يا مير أهله … إذا كنت في الكرام معاند وأنت ذليل لا ترد طريدة … تفر إذا عاينت ليثًا لمجالدي أنا ابن عروس الخيل أحمد فارس … بضرب اليمانيات كم لي عوائدي تعودت خوض [الحرب] (١) طفلًا فصار لي … قرين ومألوفُ وكيدُ وكائد

стр. 1897

قال الراوي: وسلم الكتاب إلى عبد من عبيد مهنا، فرجع إليه بالكتاب، فقرأه مهنا وأوقف عليه إخوته، وقال لهم: ما أفعل؟ فقالوا له: اركب إليه واطلبه حيثما كان ولا تبقى تحت الذل والهوان ثم إن ابن عميرة حضر إلى خرْبَندا وهو على ظاهر تبريز ومعه ألفا جملٍ وعشرون رأسًا من الخيل، فأكرمه خربندا وأحسن إليه، وحكى لخربندا جميع ما جرى عليه، فقال له خربندا: طيّب خاطرك فلك كل ما تريد، فقال: يا مولاي، مكنِّي من عشرة آلاف فارس حتى أخرب لك الشام. فقال: كيف تعمل؟ فقال: أواظب على الغارة ليلًا ونهارًا. فقال خربندا: أما تخاف من العساكر؟ فقال: يا مولاي، والله إن [البلاد] (١) سائبة، وحال الأجناد ضعيف، ولو أنك توجهت إليها لأخذتها من غير حرب. فلما سمع خربندا هذا الكلام منه فرح وخلع عليه، وَوَعده بأن يقدمه على عشرة آلاف فارس، ثم طلبه بعد أيام وولاه حاكمًا على جيش العراق وديار بكر، وقال لهم: لا تخالفوه إن طلبكم ليلًا أو نهارًا، فأجابوه بالسمع والطاعة. قال لخربندا: أعطني دستورًا حتى أروح وأجمع عرباني، ولا يدري بنا أحد إلا وقد أغرت على أطراف الشام لأنهم آمنون من جهتي، فأذن له، وخرج في الليل من غير أن يعلم به أحد، وطلب أمراء العرب وكبار عشيرته وأخبرهم بخبره وما فعل به خريندا من الخير وما وعد له، فأجابوا له. ثم سار معهم يطلب بلاد الرحبة (٢)، فنزل على منهل من المناهل يقال له: المقرون، [وإذ] (٣) قد طلع غبارٌ، فقال لمن معه: استفيقوا، وكان (٤) أكثر من ألف وخمسمائة فارس، وانكشف الغبار عن خمسمائة فارس مقدمهم يسمى عبد الرحمن، وكان

стр. 1898

من الشجعان المشهورين، فلما رآهم عبد الرحمن صاح على من معه وقال: البلاد غافلة، مَنْ هؤلاء الكلاب؟ والآن يُهلكون الناس، ثم بعث خمسمائة فارس من عسكره إلى البيرة (١)، وأخذ خمسمائة أخرى معه وسار يطلب الرحَبَة، وتلاقى مع ابن عميرة، فحمل عليه عبد الرحمن وفرق شمل، ثم رماه بسهم فأصاب فخذه، فولّى هاربًا من بين يديه، ولما رآه عربه حملوا على عبد الرحمن وأشغلوه عن ابن عميرة إلى أن ركب حجرة (٢) دهماء كانت خلفه مع عبد من عبيده، ولما رأى عبد الرحمن ذلك ترك ابن عميرة واشتغل بعربه أطلق فيهم السهام فأقلب واحدًا، ثم آخر، ثم آخر، ثم آخر، وكان أرمى أهل زمانه. وانكسرت العرب، فولوا هاربين طالبين النجاة وتبعتهم خيل المسلمين إلى آخر النهار، فأسروا منهم خلقًا كثيرًا، وأخذوا خيلًا كثيرة، وعادوا منصورين غانمين، وطلبوا البيرة، وساروا ليلًا ونهارًا إلى أن أشرف عبد الرحمن على [قلعتها] (٣)، وقد علموا بقدومه، فركب نائب البيرة، وكان يومئذ طوغان [المنصوري] (٤)، فتلقى عبد الرحمن بأحسن ملتقى، ونزل هناك، ثم قدَّم عبد الرحمن النائب البيرة أشياء مما غنمه من العرب. ثم سار يطلب حلب، وقد سبقت أخباره إلى نائبها الأمير قرا سنقر، فتلقاه مع عسكره وشكره على فعله، ثم حكى له عبد الرحمن بجميع ما جرى في الوقعة، فقال له قرا سنقر: كيف فات عليك ابن عميرة بعد وقوع هذه الكسرة عليه؟ فقال له: يا مولاي، له في الحياة نصيب، والآن ما انقطع، ولكن أرجو من الله أن يجعل هلاكه على يديَّ، والله

стр. 1899

على كل شيء قدير. وأمر خربندا فإنه عزل إيْليا حميش من الحكم من أطراف بلاده، وقد ذكرنا أنه كان نازلًا على الموصل، وكان يحكم في تلك البلاد نيابة عن خربندا، ولما عزله خربندا ولي عوضه شخصًا من أمرائه يقال له سُوتَاي، وكان من أمكر المغل وأخبثهم وأفرسهم، ثم قال لخربندا: أنا الآن حاكم جديد ولا بد من أن أعمل شيئا أرعب به المسلمين وإلا ما استقر معهم، فقال له خربندا: ماذا تصنع؟ قال: أريد عشرين ألف فارس، فأول ما أنزل أغير بهم على أطراف البلاد، فقال له: افعل ما بدا لك، فجرد معه عشرين ألف فارس، ثم أضاف إليه عشرين ألف فارس أخرى مع شخص من المغل يقال له ثُوكال بُغَا، فسار بهم سُوتَاي أولًا إلى [خِلاطُ] (١)، وكان ابن عميرة لما هرب من عبد الرحمن وصل إلى [خلاط] (٢)، فاجتمع بسوتاي هناك وأخبره بجميع ما جرى عليه مع عبد الرحمن، ثم سار سوتاي ومعه ابن عميرة وجاءوا إلى البشيرية (٣)، فأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم رحلوا طالبين سنجار (٤). وكان في سنجار قصاد من حلب، فلما سمعوا بهم خرجوا مسرعين وأتوا إلى حلب وأعلموا الأمير قرا سنقر بذلك، وقال عبد الرحمن: أخاف أن [يغيروا] (٥) على قلعة الروم، فعند ذلك سَيَّر قرا سنقر إلى جميع القلاع وأعلمهم بأن يكونوا على حذر. وأما سوتاي فإنه جاء بمن معه إلى نصيبين، ثم عاد منها يطلب قلعة الروم، وكان في تلك البلاد تركمان فأعلموا بذلك أهل البلاد، فإذا هو قد عدّى بمن معه من مخاضه

стр. 1900

[سُمَيْساط] (١) وأغار على حصن منصور، ثم أغار على [بهَسْنا] (٢) إلى قلعة الروم، وكان تركمانٌ كثيرٌ نازلين في هذه البلاد ومعهم أغنام كثيرة وجمال، فساق سوتاي جميعها، وسبى حريم التركمان وأولادها، وبلغ الخبر إلى نائب قلعة الروم، فأرسل إلى نائب حلب وأعلمه بذلك، فجمع نائب حلب أمراء حلب وأعلمهم بذلك، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا من يُعْلم بذلك: نائب الشام، ونائب حماة، ونائب طرابلس، ليجتمعوا على حلب، فإن سوتاي هذا ملعون وله شوكة لا ترد من هذه البلاد. ثم قال [نائب] (٣) حلب لعبد الرحمن: مالك ساكت لا تتكلم؟ فقال: تسمعون منّي؟ قال: نعم، فقال: اجمعوا هؤلاء العساكر جميعهم، فنجتمع كلنا على نهر الساجور (٤)، ثم [نكشف] (٥) أخبار سوتاي، فإن كان قصده التوجه إلى ديار بكر سرنا خلفه، وإن كان معولًا على سنجار قطعنا عليه الطريق ونأخذه إن شاء الله تعالى، فاستصوبوا رأيه، ثم خرجوا إلى ساجور، وخيموا هناك، واجتمع عندهم عساكر القلاع، وأتوا أولًا فأولًا. وجاء إلى نائب حلب بعض الجواسيس وأخبر أن سوتاي لما أغار على تلك البلاد عاد بمن معه راجعين، ولما سمع بذلك عبد الرحمن قال: يا مولاي، أقول إن شاء الله ما يفوتنا هؤلاء لأنهم لا غنى لهم عن الرواح إلى سنجار، ونحن الآن أقرب إلى سنجار منهم، وهم في هذا، فإذا جماعة أقبلت من ناحية قلعة الروم وهم خمسمائة فارس يقدمها على شير، وأتت جماعة أخرى من ناحية البيرة وهم أيضًا خمسمائة فارس يقدمها سليمان بن اسْبَاسالَار، وأتت جماعة أخرى من ناحية عينتاب (٦) وهم سبعمائة

стр. 1901

فارس يقدمهم جمال الدين بن قرا على، ولما اجتمع الجميع قالت الأمراء: نُعدى من البيرة، ثم نسير إلى سُروج، فإن رأينا أثر العدو تبعناه، فقال لهم عبد الرحمن: إن كان لكم غرض في خلاص ما أخذه [سوتاي] (١) اللعين من الغنائم وحريم التركمان وأولادهم وغير ذلك فاسمعوا مني، فقالوا: ها نحن نتبعك فيما تريد، فرحلوا، وعبد الرحمن أمامهم وهو ينشد: أيا قلب دع ذكر الغوير ونعمان … وعَيش تَقَضّى مع سراةٍ وغلمان ودع ذكر سُعْدى والرباب وزينب … وهندٍ وسلمَى في اثيل وكثبان وساروا إلى أن عدوا من الفرات إلى أن نزلوا على جُبَ يُسمَّى أمّ جرن، فرووا خيولهم وعلقوا عليها واستراحوا وأراحوا، ثم رحلوا في الثلث الأخير إلى الصبح، فنزلوا على البليخ (٢)، فتقدم عبد الرحمن إلى قرا سنقر وقال له: يا مولاي، ما للعدوّ طريق إلا من هاهنا، فكونوا مكانكم حتى أسير وأكشف لكم طريق حران وأعود، فقال له قرا سنقر: اذهب واحترس، فركب ومعه سليمان وعشرون فارسًا، وساروا آخذين ناحية حران وكشفوا، فإذا هم قد نزلوا على حران، ثم رحلوا منها طالبين ناحية المشهد وعَين الذّهب، فعلم عبد الرحمن أنهم سائرون إلى البليخ، فلم يزل يشارفهم وهو [على] (٣) رؤوس الجبال والتلال، وكلما طلعوا من شعب عبر هو من غيره إلى المساء، ثم نزل اللعين على عين الذهب لأن معهم ثقل كثير لا يقدرون على الاستعجال. فلما نزلوا واستقروا وجاء عليهم الليل، قال عبد الرحمن لأصحابه: إنا قد جئنا لكشف الأخبار، فلا يتم ذلك إلا بأخذ أحد منهم نذهب [به] (٤) إلى الأمير قرا سنقر ليأخذ منه الخبر الصحيح، فقالوا له: صدقت، ثم قاموا ونزلوا على تل عال، ثم نزل

стр. 1902

عبد الرحمن ومعه ناصر بن قرا سنقر وقشتمر وإبراهيم ابن أخت عبد الرحمن، وأوصوا لرفقتهم أن لا يتحركوا من موضعهم ولو سمعوا صياحًا إلى أن يصبح الصباح، ثم سار عبد الرحمن بهؤلاء إلى ناحية عين الذهب، وكانت عينًا تطلع وسط المشهد وتنزل في وسط البرية، وهي رأس البليخ وعليها أقصاب وأشجار، ثم قال عبد الرحمن لمن معه: لا بد أن يَجئ هاهنا أحد وحده لأخذ ماء أو حطب، فنأخذه، فأقاموا هناك إلى نصف الليل والتتار يجيئون عشرة عشرة وعشرين عشرين يملأون الماء ومضى عليهم الليل وانقطع الناس، وهَمَّ عبد الرحمن بالرواح قبل أن يُعلَم مَكانه، فإذا بإنسان جاء وحده ومعه قربة يريد الماء، فقال عبد الرحمن: هذا نأخذه، ولكن اجعلوا بالكم وقت مسكه، فليجعل واحد منكم يده على فمه حتى لا يصيح فيسمعه الناس فيجتمعون فلا نخلص بعد ذلك، فقال قشتمر: دعوني لأجل هذا ولو كان مَنْ كان، فتقدموا ومسكوه، فأراد أن يصرخ، فضرب قشتمر يده على فمه وحلقه وكاد أن تخرج روحه ورماه إلى الأرض، ثم ربطوا يديه وساقوه، ثم ساروا يطلبون رِفقَتهم، فأتوا إلى مكانهم، ثم ركبوا وساروا، وقد ستر الله عليهم وأعمى أبصار العدو عنهم إلى أن وصلوا إلى قرا سنقر. وكان قرا سنقر قد ضاق صدره بسببهم حتى أنه كان ركب مع اليزك (١)، فلما رآه فرح به وقال: ما معكم من أخبار؟ فقدّموا إليه ذلك التتريَّ، فسأله قراسنقر عن حال عسكر سوتاي وعن عددهم وإلى أين طلبهم، وقد كان ناصر الدين بن قراسنقر قد قال له في الطريق: متى قلت إن التتار أكثر من ثلاثة آلاف فارس ضربت رقبتك، فلما رآه أنه يسأل قال: هم ثلاثة آلاف فارس ومع هذا هم ضعاف وخيولهم تَعَابى هَلكى، فلما سمع الأمراء بذلك زاد طمعهم واشتد قلبهم، ثم قال عبد الرحمن: رأيت رأيًا، قالوا: ما هو؟ فقال: آخذ خمسمائة فارس وأكمن بهم في هذه الدخلة، فإذا أشرف عليكم العسكر وتصاففتم وزحفوا عليكم انقلعوا من بين أيديهم، ثم انظروا العجب مني ومنهم. فقال له الأمير قرا سنقر: لا يكون لهم طريق غير هذا يذهبون منها، فقال عبد الرحمن: ما لهم

стр. 1903

طريق غير هذا، فقال: أفعل بما تريد، فأخذ خمسمائة فارس من الصناديد وكمنوا في جانب البليخ. وركب قرا سنقر ورتب أصحاب ميمنةً وميسرة، وما تَضَاحى النهار حتى طلع لهم غبار من ناحية حران، فإذا هو معسكر عظيم ومعهم نساء وأطفال يضجون ويصيحون، فلما رأوهم استكثروهم وداخلهم الرعب، فقال لهم قرا سنقر: لم يبق إلا القتال والثبات ونحن في مكان لا ملجأ فيه إلا إلى الله تعالى، ثم قال: يا معشر المسلمين، انظروا إلى نساء إخوانكم المسلمين وأولادهم كيف يُساقون وهم في الذلة؟ وهذه أبواب السماء قد فُتحت فبيعوا أنفسكم لله تعالى. ولما رأى التتار المسلمين، قال سوتاي لثوكال بُغا: مَنْ هؤلاء قدامنا؟ قال: هذه عسكر المسلمين ولا نعرف من أين جاءوا فاستقلوهم واستحقروهم، ثم رتب سوتاي عسكره ميمنة وميسرة وقلبًا، ثم زحف على المسلمين، فكبر المسلمون وهللوا وصلوا على النبي ﷺ ، ثم حملوا حملة صادقةً، ووقع بينهم قتال عظيم إلى أن ولّت المسلمون إلى ورائهم، ولما رأت التتار ذلك صرخوا من كل جانب وطلبوا المسلمين، وأبعد المسلمون أنفسهم، ولما علم عبد الرحمن بذلك خرج من خلفهم من الكمين هو وناصر الدين بن قرا سنقر وجمال الدين بن قرا على وسيف الدين كشكل وعلاء الدين الكبّشي، وعبد الرحمن ينادي إلى أين يا حزب النار؟ وهجم عليهم ناصر الدين بن قرا سنقر، وقاتلوا قتالًا لا يوصف، ولما رأت التتار ما حل بهم من المسلمين وَلُّوا وطَلَبوا النجاة، وطلبتهم المسلمون في ذلك البرّ، وكان برًّا واسعًا وليس فيه ملجأ، ولم يسلم منهم إلا مَنْ كان له عُمر في الأزل، وتبعهم المسلمون مسافة كبيرة، ثم عادوا واجتمعوا ومعهم من الأسرى خلق كثير، ونزلوا على البليخ، [وأقاموا] (١) هناك يومين واستراحوا وأراحوا، ثم نادى قرا سنقر: إن مَنْ وجد شيئًا مع أسير من هؤلاء الأسرى فليأخذه، ثم فرق عليهم ما غنموا من التتار، ثم أمر بقتل الأسرى وحمل رؤوسهم، فكانت حمل جملين، وذلك

стр. 1904

غير الذي قتل في المعركة. وساروا يطلبون حلب، ولما دخلوها كان يومًا عظيمًا، وفي الحال أرسل إلى السلطان يُعرفه بذلك، وأرسل حملًا من جلود رؤوس التتار المحشوة تبنًا، ولما وصل قاصد نائب حلب إلى دمشق "اجتمع بالأفرم وحكى له بجميع ما جرى، وخلع عليه الأفرم، وفرح بذلك فرحًا عظيمًا، ثم جهزه إلى السلطان، وكان الأفرم قد جهز عسكر دمشق" (١) مع الأمير سيف الدين بلبان البدري (٢) والأمير سيف الدين بهادر (٣) المعزى فأخّر هذه التجريدة إلى مُهِمّ آخر سلطاني. وأنشد بعضهم في هذه الوقعة: سلوا هند عن يوم البليخ وما جَرَى … لسوتاي بن الكلب مع ثوكال مع قرا وطغْريل مع مَنْكُود مُرجى وطغرق … وابن هلاون اللّعين وبَيْدَرَا أتونا بأصناف طُغاة وأرْمنٍ … جموعٌ تكل العين فيها تَحيُّرا فَفَرّق شمْلهم وبدَّد جَمْعهُم … خيول من الإسلام قهرًا مُصَغّرا بمن كان رأسهم هدير (٤) غَضَنْفَرٌ … يكل لسان الوصف عنه مُخبرا هو الشهم شمس الدين أوحد عصره … قَرا سنْقُر المعروف في ألسن الورا ولما وصل مملوك قرا سنقر إلى مصر ومعه رؤوس القتلى، وتمثل بين يدي

стр. 1905

السلطان الناصر وحدثه بما جرى، سُرّ السلطان بذلك سرورًا عظيمًا، وخَلع عليه خُلْعة عظيمة، وأعطاه خمسة أروس من الخيل المسومة، وحياصة (١) من ذهب فيها عشر قطع من الجوهر، وسيفًا من سيوفه الخاص، وكتب إلى قرا سنقر كتابًا وشكر فيه شكرًا عظيمًا. ذكر ما جَرَى على صاحب سيس من التتار ولما رجع مملوك قرا سنقر من مصر، وبَلَّغ كتاب السلطان إليه، ومعه الخُلَع له ولمن كان معه من الأمراء في تلك الغزاة مع التتار، قال للأمراء: أبعثُ إلى صاحب سيس وأطلب منه الحمل المقرر عليه لأنه قد عوّقه وأنه سمع ما جرى على سوتاي مع التتار وربما داخله الرعب، فاستصوبوا ذلك، وطلب الشهروزي [وأرسله] (٢) إلى صاحب السيس. ولما وصل إليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه، وسأله عن قرا سنقر وعن الوقعة التي كانت بينه وبين سوتاي، فأخبره الشهروزي، فأظهر صاحب سيس فرحًا في الظاهر، وفي الباطن خلاف ذلك، ثم سأله الشهروزي عن سبب تأخير الحمل، فقال: ما كان التأخير تسويفًا منا ولكن عذرنا واضح، وذلك أنه قد وصل إلى قيسارية الروم أمير من أمراء التتار، فأرسل إليّ وطلبني أن أحضر عنده، فحصل لي من ذلك تشويش كبير، وما أرضيت رسوله إلا بالغصب، واجتهدت على تشييعه لما سمعت بقدومك، وقدمت له الخيل والأموال، وقلت له: ما أقدر على الحضور إليه لأني سمعت أن قرا سنقر كسر سوتاي، وربما يغيرون على بلادي، وكان الرسول أيضًا قد بلغه خبر سوتاي، قبل مني العُذر، فسافر والآن ما بقى لنا إلا تجهيز الحمل في أسرع ما يكون، ثم أرسل إلى

стр. 1906

سائر قلاعه وطلب من نوابه ما يجهز به الحمل، فشرع في تجهيز الخيل والبغال والقماش الفاخر، وفرح بذلك الشهروزي، وأقام هناك مقدار عشرين يومًا. ثم قال صاحب سيس له: لا تخلّ أحدًا من أصحابك يبرز إلى الناس، فقال له: لم؟ قال: لأنه وصل رسول من الروم وذكر أن أميرًا من أمراء التتار يسمى [قازان] (١) جوق واصل إليكم، فأخشى أن يرى أحدًا منهم أحدًا من حاشيتك فلا يجرى علينا خير، ثم في ثاني اليوم جاء رسول من قازان جوق يطلب صاحب سيس إليه، وأنه نازل على قلعة تسمى بطرسية لأن تحتها مرج واسع ومياه كثيرة، فلما سمع بذلك طلب أمراءه وقاله لهم: هذا أمر قد رابني وما لي عادة بالرواح إلى أحد، وما في قلبي أن أروح إليه، ونفسي تحدثني عنه بكل شرّ، فقالوا له: اخْرِج هذا من خاطرك، [أتريد] (٢) أن تخرب بلادك بيدك؟ ولا بُدّ من الرواح إليه على كل حال، فلم يزالوا عليه إلى أن أجاب إلى الرواح. ثم طلب الشهروزي وأصحابه وأطلعهم إلى قلعة سيس، وقال له: تعلم أن هؤلاء الكلاب [دخلوا] (٣) بلادنا ولا غنى لي عن الرواح إليهم وأرضيهم، فإذا جئت من عندهم نجهز الحمل، ثم سار وأخذ معه جميع أمرائه وعسكره وإخوته، وكان له أخ يسمى قرياقس، وقد بلغ التتار منه أنه كان يقول لناس من جهة التتار: إن أموال بلادنا كلها تُحمل إلى مصر وأن التكفور ومن عنده لا يريدون إلا صاحب مصر، وإن لم يدركوا إلى البلاد وإلا راحت من أيديهم، وهذا قاصد صاحب حلب عند التكفور لطلب الحمل المقرر عليه. وكان قازان [جوق] (٤) لما سمع بهذا الكلام قال لمن معه: إن لم ندبّر حيلة على صاحب سيس وإلا تغلب، لأن بلاده (٥) قلاع وربما تعصى علينا، ولا نأمن أن يجئ إلينا

стр. 1907

قرا سنقر صاحب حلب ويجري بيننا وبينه أحس مما جرى على سوتاي، فقالوا له: افعل ما تريد، وكان فيه من المكر والخيل والخداع ما لا يوصف، فلذلك نزل على قلعة البطرسية وأرسل إلى صاحب سيس وطلبه، ثم أرسل قاصده أيضًا إلى قرا سنقر وقال له: إني قد عولت على خراب سيس وأُقيل التكفور، ثم آجئ إليك لأتمثل بين يدي السلطان وأدخل تحت طاعته، غير أني خائف فأريد أن تطلب لي أمان السلطان يكون بيدي. ولما ذهب رسوله إلى حلب حضر صاحب سيس عنده، فتلقاه قازان جوق بأحسن ملتقى وتيقن إليه، ففرح بذلك صاحب سيس وزال عنه ما كان في قلبه من الخوف، ثم قدم له ما كان معه من التقادم، ثم التفت قازان جوق ورأى خلف صاحب سيس أخاه قرياقس، وكان معه خمسمائة من الأرمن، وكلهم واقفون، وكان وصاه صاحب سيس أن لا يجلس مع التتار وأن يكون على يقظة منهم، [فقال] (١) قازان جوق الصاحب سيس: قل لأخيك وأصحابه يقعدون. فقال: لا يمكن ذلك لأنكم أضياف ونُريد أن نكون كلنا في خدمتك، ولم يزالوا في ذلك اليوم في الشرب والملاهي إلى الليل. ولما جاء الليل أمنت الأرمن إلى التتار لأنهم رأوا منهم بشاشة وخدمة، ثم قام قازان جوق وأخذ بيد قرياقس وأجلسه إلى جانبه وملأ كأسًا وناوله إياه، وأقسم عليه بأن لا يقوم، جلس واختلطت الأرمن بالمغل، فشربوا إلى أن ولّى أكثر الليل. وكان قازان جوق اتفق مع المغل أنهم إذا رأوه أجلس قرياقس بحذاه، فيختلطون هم بالأرمن، وإذا رأوه قتل صاحب السيس يسرعون هم بالقتل في الأرمن، ثم بقى قازان جوق ينتظر غفلة من صاحب سيس، وإذا بقرياقس قد خرج ليقضي حاجته، فاغتنم قازان جوق وجذب سيفه وضرب رقبة صاحب سيس وأفصلها عن بدنه، فوقع الصياح

стр. 1908

في الأرمن، وسمع قرياقس الصراخ فرجع فتلقاه الأرمن وأخبروه بقتل أخيه، فطلب أن يركب فحالوا بينه وبين الخيل، فارتفعت (١) الأصوات تحت الظلام، وكان قرياقس من الشجعان فهجم على قازان جوق وحصل مركوبًا فركبه، واجتمع [معه] (٢) عَصَبة من الأرمن فلم يزل يقاتل معهم إلى أن قتل منهم جماعة ومَا أصبح الصبح إلا وقرياقس معه مائة من أصحابه قد أسندوا ظهورهم إلى جبل هناك وقتلوا من المغل كثيرًا، فلما رأى ذلك قازان جوق قال: إن تخلص هذا ودخل (٣) قلعة من القلاع لا يحصل لنا خير، فإنه يُعَرِّف بذلك أصحاب القلاع وما يمسكون الدربندات، وما يمكنوننا من الخروج فنهلك، فحمل هو بنفسه على قرياقس، وكان من فرسان الخيل، فتلقاه قرياقس وجعل قازان جوق نفسه هاربًا بين يديه، ثم أخرج سهمًا وأرسله إليه فأصاب صدره وخرج من ظهره ووقع ميتًا، ثم عمل السيف في الأرمن وأفنوهم عن آخرهم. ثم سار قازان جوق ونزل على قلعة سيس ورأس التكفور ورأس أخيه قرياقس على رماح المغل، وأمر أن ينادي بأنكم رأيتم هذا، فإن أردتم السلامة فأَنْزِلُوا رسولَ (٤) صاحب مصر حتى آخذه وأروح وإلا حاصرتكم وأخربت بلادكم وأسبي الحريم والأولاد، وتحيرت الأرمن وتشاوروا فيما بينهم، فاتفقوا على أن يسلموا إليه الشهروزي وأصحابه، فأخذهم قازان جوق ورحل يطلب ناحية الروم، وكانت الأرمن قد اجتمعوا مع أمير من أمراء القلاع يقال له: زنجفري، وكان من جبارة الأرمن، وساروا ومسكوا عليهم درب الروم، فلا سمع المغل بذلك لامُوا قازان جوق على فعله. فقال لهم: لا تذلوا أنفسكم يأخذونا، فأشار إليهم أن يخرجوا من دربند مَرى إلى عينتاب، فقال بُرْغلي، وهو أمير أيضًا: نخاف من عسكر حلب، فقال له قازان جوق: لا تخافوا، أنا أصلحت قرا سنقر وعملت معه مكيدة.

стр. 1909

ثم لم يزالوا سائرين حتى خرجوا من المري، فجفل فيهم أهل عينتاب وأعزاز والراوندان وأهل تلك البلاد، ثم أرسل قازان جوق إلى أمراء التركمان في تلك البلاد أن لا تخافوا فإنا من جملة غلمان مولانا السلطان، وقد أخربت بلاد سيس وقتلت التكفور وجئت هاربًا إلى السلطان، ثم أركب جماعة من عنده وأرسلهم إلى الأمير قرا سنقر نائب [حلب] (١) [بأنه] (٢) أخرب سيس وقتل تكفور وأخاه وجماعة كثيرة من الأرمن، وأنه وصل إلى عينتاب ومعه عشرة آلاف من المغل وأنه يريد أمان السلطان، فلما وقف قرا سنقر على خبره فرح وأرسل في الحال بريديًا إلى مصر يعلم السلطان بما جرى لقازان جوق ونزوله على عينتاب وأنه يطلب الأمان. وأقام قازان جوق على عينتاب، ووصلت إليه الإقامات والعلوفات، واستراح هو وأصحابه من التعب، وبقى قرا سنقر ينتظر البريدي الذي أرسله إلى مصر، فإذا به وقد حضر ومعه أمان السلطان والخُلع السنية لقازان جوق وللأمراء الذين معه، ووعد لهم بالإقطاعات والأخباز، فأرسل قرا سنقر جميع ذلك إليه مع مملوك من مماليكه يقال له: كيكلدي [الخازندار] (٣). فلما وصل إليه كيكلدي قرأ عليه كتاب السلطان، وكان التركمان الذين هناك قد تراجعوا من الجفل واطمأنوا، ولما فرغ [من] (٤) قراءة الكتاب وأخذ قازان جوق الأمان والخلع قبض على كيكلدي، وركب في الحال بمن معه، وأغار على التركمان، ثم طلب ناحية أغجا دَرَبند وعبر منها إلى ملطية. وكان صاحب سيس قد أرسل أخاه هَريُنْد إلى خَرْبَنْدا في الأردو، قبل أن يجري لقازان جوق ما ذكرناه من الأمور، وكان معه تقادم لخَرْيندا، وكان في كتابه أن حكام

стр. 1910

الروم يطلبون بلادهم كل وقت ويشوشون عليهم، والقصد أن تكون بلادهم تحت حكم الملك، فالذي يعطون لهم ولغيرهم من حكام الشام يُعطون للملك خَرْبنْدا، فكتب له خربندا يَزْلَق (١) بأن لا يحكم عليهم أحد من حكام الروم ولا يعترض إليهم أحد، وإذا دهمهم عدو يركب عسكر الروم إليهم ويُساعدونهم، ثم خلع على هَريُنْد (٢)، فلما وصل إلى سيواس سمع [بما] (٣) جرى على أخويه وبما حصل للبلاد من التشويش، وأسرع في الرواح حتى وصل إلى سيس، فرآهم في حالة عجيبة، ثم جمع أمراء الأرمن وأكابرهم والقسيسين والرهبان وقرأ عليهم يزلق خرْبندا وتشاوروا فيما بينهم، فكل واحد رأى برأي، فقال هَريُنْد: يا قوم اعلموا إن بلادنا ما يخربها إلا الشام، ولا سيما الذي جرى في هذا الوقت من أخذ رسول قرا سنقر، وهو الذي مسكه قازان جوق وتأخير الحمل المقرر علينا ولا نأمن من إغارتهم علينا ويخربون بلادنا ونخسر من الجهتين، فملكُنا قد راح وتخرب بلادنا أيضًا، فقالت الأرمن جميعهم: اعمل بما ترى فيه من المصلحة لأنك اليوم ملكنا والأمر أمرك. وكان هَريند رجلًا عاقلًا، ففي الحال كتب كتابًا إلى قرا سنقر يُعلمه بصورة ما جرى عليهم من أوله إلى آخره، وذكر فيه: إنا نحن عبيدكم في هذه البلاد ونوابكم، والأمر أمركم، وقد كنا في تجهيز الحمل المقرر علينا، فجرى ما جرى حتى تأخر الحمل، ولا نأمن من شرهم، وربما يرجعون إلينا، فإن جاءوا إلينا فاكتشفوهم عنا لأن البلاد بلادكم وإلا أخليناها لكم والأمر أمركم. فأرسل كتابه مع [مهمندار] (٤) سيس يقال له: عيسى، ووصوا لعيسى أيضًا أن

стр. 1911

يقول لقرا سنقر بأنه يبعث إلينا مَنْ يقبض المال، فلما وصل عيسى إلى قرا سنقر وقرأ كتابه تحير فيه لأجل ما فعل قازان جوق، فآخر الأمر أرسل إليهم مملوكًا من مماليكه يُقال له: علاء الدين ايدغدي ليقبض الحمل، وقال له: إذا وصلت إليهم اقبض المال واكشف خبر خشداشك - يعني الذي قبض عليه قازان جوق. وكتب كتابا إلى هريند وذكر فيه: ما أعرف خلاص مملوكى إلا منك. ولما وصل ايدغدى إلى هريند، وقرأ كتابه، طلب ابن خالته [يقال] (١) له جرجس، وهو شيطان في زي إنسان، وكان مقدامًا على الأهوال، وقال له: تروح بكتابي هذا إلى خربندا وتقول له: إن هَريند لما رجع من عندك بِيَزْلق وجد قازان [جوق] (٢) وقد قتل أخاه وأخرب بلاده وعصت أهل القلاع ولا يأمنون إلى أحد، فإن لم تبعث يَزْلق بسبي وفيه تطيب قلوب الناس تُخرب البلاد ولا يَسمع أحد من أحد، ولا يخفى على علمه أن سيس وبلادها ملك آبائي وأجدادي، فإذا كان بيدي يزلق من الملك لا يطمع فيّ أحدٌ، وهذا الذي فعله قازان جوق ما كان مصلحة، وكان الأمراء الذين كانوا قبله يقدرون على أعظم من ذلك، ومع هذا ما صدر منهم ما صدر من قازان جوق، لأنهم كانوا يعلمون أن غيرنا ما يقدرون أن يقيموا في بلادنا، وكذا الملك الناصر صاحب مصر لو أراد خراب بلادنا كان أخربها، غير أنا نداريهم على كره منا، وإن كان الملك يحتج علينا برسول صاحب مصر الذي جاء إلينا لأجل أخذ المال، فالملوك من قديم الزمان كانوا يفعلون ذلك، ويراسل بعضهم بعضًا، ونحن بأيدينا يزلق من أبيك بأن نصالح المسلمين ونداريهم، فإن كانت لك قدرة أن تردهم عنا فيا حبذا ذلك فنحن نريد أن نعطى الجزية [للمسلمين] (٣) لا، وحق ما نعتقده، ولا نعطي الذي نعطى إلا على رغم أنفنا، لأن بلادنا متصلة ببلادهم ونحن مجاورون [لهم] (٤)، وهم في كل سنة يغيرون علينا

стр. 1912

مرات ويخربون بلادنا فما يسعنا إلى مصالحتهم ومداراتهم، فإن [رددتموهم] (١) عنا فنحن نحمل إليك الذي نحمله إليهم وأكثر من ذلك، فيكون ذلك أقوم لجاهنا وأقوى لحرمتنا، وأنتم أحق منهم بذلك. وكتب كتابًا آخر لرشيد الدولة وزير خربندا وذكر فيه: أن يقول لخربندا أن بلاد الأرمن ما برحت على هذه الصورة من قديم الزمان، وتساعدنا عند الملك بكل وجه، ثم وصَّى لجرجس أن يكشف خبر الشهروزي وكيكلدي وما جرى لها مع خربندا. وأما [قازان جوق] (٢) فإنه لم يزل سائرًا من ملطية حتى وصل إلى الأرْدو، ومعه أموال وغنائم أخذها من بلاد الأرمن وبلاد عينتاب ومن التركمان، فقدَّم جميع ذلك لخربْندا، وحدثه بما جرى له مع صاحب سيس وكيف قتله بالحيلة، وكيف أخذ الشهروزي من قلعة سيس، وكيف احتال على قرا سنقر حتى أرسل إلى السلطان وأحضر له الأمان والخلع، فتحير خربندا من ذلك، ثم قال له: هل تقدر أن تقيم في بلاد سيس؟ فقال له: نعم، فإذا تقررت هناك أخرب بلاد حلب إلى حمص ولا أُمكن أحدًا يستقر في دمشق في راحة، ففرح بذلك خربندا، فأمر أن يكتب له يزلق بذلك بشرط أن يكون الأرمن على حالهم مع ملكهم، فكتبوا له بذلك، وعول هو على الرواح. فبينما هو في التجهيز فإذا جرجس قد وصل بكتب من عند هَريُنْد الذي تولى سيس، فلما قرأها خربندا طلب رشيد الدولة الوزير وأوقفه على [الكتب] (٣)، وحكى له ما جرى لقازان جوق مع صاحب سيس وأنهم قد مَلَّكُوا عليهم هريند. وكان جرجس حين قدم إلى الأردو اجتمع أولًا برشيد الدولة وقدم له ما أرسل به هريند من التقدمة الهائلة ليساعده عند خربندا، فقال رشيد الدولة لخربندا: يا خوند إن

стр. 1913

بلاد هؤلاء الأرمن مجاورة لبلاد المسلمين وكل وقت (١) يغير عليهم المسلمون، فلو أرسلنا كل مَا يُغيرون عسكرًا كان يتعب عسكر المغل وينالهم مشقة، فبلادهم بين بلادنا وبلاد المسلمين، بل هي أقرب إلى بلاد المسلمين، [فما] (٢) يسعهم إلا المداراة معهم، فإن كنت تريد أن لا يأخذ المسلمون منهم الجزي والمال الذي قرروه عليهم، فجهز العساكر واعتد للمصاف، فقال خربندا: هذا شيء غير طائل، فقال رشيد الدولة: المصلحة أن يُكتب يَزْلق باستقرار هَرْيُنْد على ما قرره الأرمن عليهم، فيكون نائبًا هناك عن الملك، فيحصل بذلك الخير في هذا الوقت إلى [أن] (٣) تتمكن مما تريد غير ذلك، فعند ذلك كتب خربندا يزلق لهريند وسير [٥] (٤) له ومعه خُلعَةٌ وسيف. وكان قازان جُوق قد قدم معه الشهروزي وكيكلدي كما ذكرنا، [فَأُحضرا] (٥) بين يدي خربندا، فقال: ما جاء بكما إلى بلادى؟ فقال الشهروزي: أيد الله القان، نحنُ رُسل، وما جرت عادة الملوك بقتل الرسل، فالملك لا يجعل هذا سنةٌ تذكر في سير الملوك، فلما سمع خربندا بذلك، قال: هؤلاء ما لهم ذنب، ولكن احبسوهم في موضع إلى أن يرسل صاحب مصر إليَّ بطلبهم، فأُرسلهم إليه، ثم أمر خربندا لقازان جوق أن لا يروح إلى بلاد سيس فإني أعطيتها لهريُند، ثم شيع جرجس إلى بلاده، فلما وصل إلى هَريُند أعطى له اليزلق والخلعة والسيف، وأخبره بما قال خربندا، وأن الشهروزي وكيكلدي معوقان عنده إلى وقت طلب السلطان الملك الناصر إياهما، ففرح هَريُند بذلك. وكان قد جهز حمل سيس، [فطلب] (٦) علاء الدين أيدغدى وسَلَّم الحمل إليه،

стр. 1914

وأرسل أيضًا لقرا سنقر مثله، وأرسل جماعة من أصحابه صحبة عيسى المهماندار وسأل تقليد السلطان الملك الناصر بالنيابة عنه في بلاده، وذكر أن الشهروزي ما عليه شيء ولكن في هذا الوقت ما يمكنني الحديث فيه، وخَلَاصه عليَّ، ثم لما وصل أيدغدي إلى حلب، وأُحضر قصاد هريند إلى قرا سنقر وسمع كلامهم، جهزهم بالحمل إلى السلطان، فلا وصلوا إلى مصر وحضروا قدام السلطان وتحدثوا أمرَ السلطان بكتابة تقليد بنيابة سيس وبلادها، وخلع عليهم، وردهم، فلما حضروا إلى هَريند طاب خاطره بذلك. ذكر اهتمام السلطان على خروجه من مصر وتركه السلطنة ورواحه إلى الكرك بتاريخ العاشر من جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الجيزة وخيم بمنزلة الأهرام، ولم يزل مخيّما بها مترددًا في الصيد إلى الحادي والعشرين من شعبان (١)، وكان قد نوى أن يخرج من مصر ويُخلى السلطنة لما فيها من التشويش والضجر من تغلب المتغلبين، وجعل إظهار قصده الحج وسيلةً إلى ما (٢) نواه في ضميره، فسأله الأمراء تأخير الحركة فلم يسمع، وشرع في التجهيز وتعيين مَنْ يسافر معه. وقال بيبرس في تاريخه: لما شرع السلطان في إعداد الأهبة وتعيين من يسافر معه أعلم الأمير سيف الدين سلَّار والركن بيبرس الاستادار بما أضمره، فاجتمعا ذات يوم في الإيوان بدار النيابة في شهر رمضان (٣). قال بيبرس: فحضرت أنا والأمير علاء الدين بن البرواناه عنده، فقال لنا في معرض

стр. 1915

ما دار بيننا من الحديث: إن السلطان قد قوي عزمه على السفر قاصدًا الحجاز، ولا بد له من التوجه إلى الكرك في طريقه، وربما أنه نوى الإقامة بها، فإذا جرى الأمر على هذا فكيف التدبير؟ وما عندكما من الإشارة للمستشير؟ (١) قال بيبرس: فقلت: إن رسول الله ﷺ كانت إقامته بمدينة يثرب عامة الأيام، وهي وإن عظمت ذكرًا وكرمت قدرًا من أصغر المدن وفي جانب من الحجاز، وكان الناس على طاعته، ولم يمنع [إقامته] (٢) بها مِنْ متابعته، ثم خلفاؤه من بعده: الإمام أبو بكر الصديق ﵁، والإمام عمر بن الخطاب ﵁، كان مقامهما بها واحدًا بعد واحد، وكانت عمالهما بالعراقين وخراسان ومصر والمغرب والشام وبعوثهما تفتح البلاد، وكل هذه الأقطار وشاسع الأمصار يؤدون إليها الطاعة ويحملون إليهما الأخماس والأفياء على بعد المسافة، وأمرهما نافذ بالرسائل والرسل، ولم يتوقف شيء من أمور الخلافة لبعد الشُّقة. ولا تعذَّر رسم من رسوم الإمامة لصغر موضع الإقامة، فلو فرضنا إقامة [الملك الناصر] (٣) بالكرك في مملكته، وأنتما وسائر نوابه مستمرون على طاعته وامتثال إشارته واستمرار خطبته لجاز ذلك والنظام مستمر، والحال مستقر، وانقضى الخطاب بيننا في هذا الباب (٤). وفي نزهة الناظر: استولى الأمير سلار والأمير بيبرس الجاشنكير على الملك، وطمعت الناس في الأجناد، وأيّ أمير لا يطاوعهما على ما يريدان شيعاه إلى الشام، وهلكت أجناد الحلقة، وسَلَّما الشام للأمير أفرم، فاشتغل هو ليلًا ونهارًا [بشرب] (٥) الخمر والصيْد ولا يفكر في مصلحة الناس، ولم يكن عنده ديانة من الله ولا

стр. 1916

حرمة للسلطان يخاف منه، فكتب أهل [الشام] (١) إلى السلطان مرارًا عديدة يشكون حالهم، فلم يُزل أحدّ شكواهم، فمتى كان الناصر يقول لسلار وبيبرس أن ينظرا في هذا ويعملا بمصالح المسلمين، كانا يقولان مَنْ يقدر على رضى الناس؟ ولا يقدر على ذلك إلا الله، وكانا يراعيان الأفرم ويتركان جانب الله تعالى، وكان الناصر كلها يقول لهما اكتبا إلى الأفرم بأن يُقلّل ركوبه إلى الصيد وشرب الخمر وينظر في مصالح الرعية ويخلص أموال الجند وحقوق الناس، كانا يقولان نعم، فإذا خرجا من عنده لا يفكران ولا يذكران، فبقى السلطان يسمع كل وقت منهما ما يضيق به صدره. فبينما هو كذلك فإذا قد حضر إليه سليمان (٢) بن مهنا أمير العرب ومعه تقادم جليلة وخيل، وكان الناصر مغرمًا بالخيل السبق، فاستعرض الخيل فما لقى شيئًا يرضيه ولا يعجبه، فقال: اش هذا الخيل؟ قال سليمان: يا مولاي نحن نجيب الخيل الملاح التي تعجب السلطان ولكن بيبرس وسلارا يأخذانها، فتقدم عثمان الركاب، وكان خصيصًا بالسلطان، ويكشف أخبار الخيل من العرب وغيرهم، وقال: يا مولانا السلطان، عند سليمان حصان أخضر [ما ملكه] (٣) كسرى ولا قيصر، فلما سمع به السلطان طار فؤاده وقال: يا سليمان هات هذا على كل حال، فقال: يا مولاي، هذا الحصان أنا اشتريته من أهل البحرين، ولكن إلى الآن ما وزنت ثمنه، فقال: بكم اشتريته؟ فقال: بعشرين ألف وخمسين بعيرًا وخمسين ثوبًا من ثياب بعلبك وخمسين شاشًا وخمسين وصيفة وخمسين منسفًا، فقال له السلطان: أحضر الحصان وأنا أعطيك ما تريد، فأرسل سليمان في الحال نجابًا إلى ابنه بأن يُسَير له الحصان، فلما وصل الحصان إلى مصر وأحضره سليمان إلى السلطان ورآه أعجبه وفرح به غاية الفرح، وأعطاه كل ما طلب وأطلق له قرية في بلد حلب مغلها كل سنة خمسون ألف درهم

стр. 1917

وبقى السلطان في ذلك اليوم طول النهار في الاصطبل من فرحه بهذا الفرس، فسمع سلار وبيبرس بقضية الحصان، فامتلأ غيظًا على سليمان، وبقى الحصان عند السلطان ثلاثة أيام ومات، فحزن عليه السلطان حزنًا عظيمًا. ولما سمع سلار وبيبرس بموت الحصان حضرا إلى السلطان، وقالا له: اش هذه الأعمال؟ فكل من سمّن فرسًا وأتى به إليك تصرف عليه جملة من بيت المال، ثم أمرا بأن يؤخذ جميع ما أعطاه لسليمان، فبلغ السلطان ذلك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، إش لي أنا في الملك؟ إذا كنت أعطى شيئًا ثم يُسترد منه، والله ما أرضى بهذا لنفسي ولا غنى لي أن أعمل شيئًا يعجز عنه فحول الرجال ويتحدثون به من بعدي، ثم كتم ما به وأخفاه. ثم بعد أيام قال لسلار وبيبرس: اعلموا إن البلاد ما تحفظ إلا بالجند، والجند ما تنصلح إلا بالمال، والمال لا يحصل إلا بالعدل، وقد بلغني أن جند الشام هلكى وأحوالهم فاسدة، وقد عولت أن أخرج إلى الشام ونُصَيّف فيه ونكشف أحوال البلاد، فقالا: حركة السلطان ما هي هينة، فإذا تحركت ارتجت البلاد [ويخلو] (١) بيت المال، فمالك أمر ضروري يحوجك إلى الخروج، فقال لهما السلطان: كل هذا شفقة على بيت المال، ولي عشر سنين أسمع تقولان: نجمع شيئًا في بيت المال لمصالح المسلمين، وهذا بيت المال فارغ، فقالا: لا يَسمع السلطان كلام مماليكه فينحل نظام ملكه. ثم خرجا من عنده وتشاورا في ماذا يُصنع، وكذلك السلطان طلب الأمير بكتمر (٢) الجوكندار وقال له: قد عولت على أمر، فقال: ما هو؟ قال: غدًا إذا جاء سلار وبيبرس اقبضوا عليهما، فإن امتنعا اضرب رقابهما، ثم إنه طلب مماليكه كلهم ورتبهم بين

стр. 1918

الأبواب والدهاليز وأخفاهم في داره. وفي تلك الليلة سير الأمير بكتمر الجوكندار إلى سلار وبيبرس يقول لهم: إذا جزتما غدًا إلى القصر مسككما السلطان، وقد رتب مماليكه بين الأبواب. فلما سمعا بذلك طلبا أمراء مصر في الليل، وحَلَّفاهم بأن يكونوا معهما على ما يريدان ولا يخون بعضهم بعضًا، ثم قال لهم سلار: يا أمراء ما يعرف هذا السلطان أحد أكثر مني، فوالله، فأي وقت تمكن منكم ما يخلى منكم أحدًا لا كبيرًا ولا صغيرًا، فحلف كلهم أنهم مع سلار وبيبرس يدًا واحدة. فلما أصبحوا لبس سلار الزردية (١) تحت ثيابه وكذلك بيبرس، وألبسا مماليكهما أيضًا الزرديات تحت الثياب، وجاءوا وقعدوا على باب القُلَّة (٢)، وجاءت الأمراء إلى الخدمة وبقى السلطان ينتظر أن يعبر إليه أحد، فما عبر إليه أحد إلى الظهر، فأرسل أرغون (٣) الدوادار وطلب الأمراء أن يعبروا عنده، فقال سلار: ما لنا عبور إليه ما دام هو على هذه الفعال الذي قد عول عليه، ولكن هذا جزاؤنا منه، خدمناه وحفظنا له الملك وهو يطلب هلاكنا، فعبر أرغون، وقال: قد بلغهم ما عولت عليه، وأنهم قد أخذوا حذرهم، فقال له السلطان: رُوح إليهم وقل لهم: إن الذي سمعتم هو كلام الأعداء، فلا تسمعوا ذلك، فاعبروا حتى نحرّر هذا الأمر ونبصر من قال هذا الحديث، فخرج أرغون إليهم وقال لهم ما قال السلطان، فقالوا: ما بقي يروج علينا هذا. ثم إنهم قاموا ونزلوا من باب القُلَّة إلى سوق الخيْل، وأمر سلار بضرب كوساته (٤)، ونفخ بوقاته، فاجتمعت إليه الأمراء من كل ناحية، فعند ذلك أمر السلطان بغلق باب القلعة، ودارت الأمراء مع سلار وبيبرس حول القلعة.

стр. 1919

القلعة، ودارت الأمراء مع سلار وبيبرس حول القلعة. وكان لسلار أخ يُقَال له: سُمُك، وهو أعرج، شيطان، عريض الأكتاف، فساق هو وجماعة من مماليك سلار وأخوته إلى اصطبل السلطان وأخذوا كل ما فيه من الخيل، وطلع السلطان إلى الطارمة (١) وأخرج رأسه لينظر، فرماه سُمُك بسهم كاد أن يصيبه، فعند ذلك تقدمت مماليك السلطان ورموا، وسُمُك أيضًا رمي بمن معه، فعظم الأمر، وقتل من مماليك السلطان جماعة، وطلب مماليك السلطان أن يفتحوا باب القلعة وينزلوا، فمنعهم السلطان، وقال: لا يخرج أحدٌ، فجميع الأمراء مع سلار والدنيا منقلبة علينا، ودام الحصار على القلعة ثلاثة أيام. ثم اجتمعت فقهاء مصر وقضاتها وصلحاؤها، وقالوا لسلار وبيبرس: هذا ما يحل لكم من الله تعالى أن تعملوا مع ابن أستاذكم هذا، ارجعوا إلى الله تعالى، فقال سلار: يا قوم نحن معذورون وهو الذي يطلب هلاكنا، وحققنا ذلك، من غير جريمة جرت منّا، ثم طلعوا عند السلطان، فرحب بهم السلطان وقالوا له: سألناك بالله أن تحقن دماء المسلمين. فقال: ما جرى مِني، هم الذين حاصروني وأخرقوا بناموسي وضيعوا ما كان بيني وبينهم، فقالوا: هم قالوا: إنك قد طلبت هلاكهم. فقال السلطان: هذا ليس بصحيح وإلا فتقولون لي مَنْ قال هذا القول؟ فقالوا: ما قال إلا الأمير بكتمر الجوكندار، فقال ما عندي من هذا علم فأنكر. ثم لم [يزل] (٢) هؤلاء بينهم حتى أنهم اتفقوا على أن يُخرجوا الجوكندار من مصر إلى الشام والمماليك الذين كانوا سبب هذه الفتنة، فوافقهم السلطان على ذلك، لأنه رأى من نفسه عجزًا وتقصيرًا في دفع هذا الشر، فأخرجوا الأمير بكتمر إلى قلعة صفد، وفرقوا هؤلاء المماليك من حول السلطان، ثم حلف السلطان أنه لا يسمع فيهم كلام أحد من

стр. 1920

الناس، ولكن في قلبه نار بعدم تمكنه منهم. ثم جاء إليه سلار وبيبرس وغيرهما، فقبلوا الأرض ووقفوا بين يديه، فخلع عليهم ولم يحدثهم بما كانوا فيه، بل قال لهم: على كل حال ما أعرف أحدًا رباني إلا أنتم، فجزاكم الله عني خيرا، فباسوا الأرض وخرجوا، وفي قلبه منهم شيء عظيم. ثم إن السلطان بقى في الفكر ليلًا ونهارًا فيما يريد ويصنع حتى إنه اصفر لونه وتغير ذاته، فقال له مملوكه أرغون الدوادار: لا يحمل مولانا السلطان على قلبه همًا ففي أضيق ما يكون يأتي الله بالفرج، فقال: يا أرغون والله الموت أهون عليّ من هذا، فأين السلطنة؟ فلا أقدر على إعطاء ومنع، ولا على [كشف] (١) ظلامة أحد، فإش يكون أعظم من هذا؟ ثم أنشد: ألَا موت يُباع فأشتريه … فهذا العيش ما لا خير فيه ولو أبصرت قبرًا في فلاةٍ … وددت بأن أكون مما يليه فقال: يا أرغون اكتم ما معك، فسوف ترى ما يكون. ثم إن السلطان كل قليل يخلع على سلار وبيبرس ويُريهما أنه وَطَّن نفسه على كل ما يريدانه، فقال في يوم من الأيام لسلار: قد عولت على الصيّد، فقال سلار: [المرسوم] (٢) مرسوم مولانا السلطان، فقال له السلطان: أنا من اليوم ما بقيت أعمل شيئًا حتى أشاورك، فإن رأيته مصلحة وإلا تركته، لأني تحققت ما تريد لي إلا خيرًا، فباس الأرض وخرج من عنده واستجمع بالأمير بيبرس وهو يضحك. فقال له: مالك؟ [فحكى] (٣) له الحكاية، فقال بيبرس: ما أخوفني منه فإنه صاحب

стр. 1921

مكر وخداع، ثم قال له ما ذكر [السلطان له] (١) من أمر الصيد، فقال بيبرس: مصلحة، لأنه محصور في هذه القلعة، فأخذوا في إصلاح أمورهم للصيد، وفي اليوم الثاني جاء سلار وأعلم السلطان بأنه تجهز أمرهم للصيد. فقال: اخرجوا بنا إلى ناحية الصعيد فإن في قلبي منه، فساروا وطلبوا نحو الصعيد، ولما توسطوا البلاد اشتغلوا بالصيد، وجاءتهم التقادم من العربان وانفرد السلطان بمماليكه، فبينا هو سائر إذ مرّ بقرية خراب، فخرج إليه منها عشرة أنفس من الفلاحين وقدامهم شيخ كبير، فلما رأوا السلطان باسوا الأرض ودَعوا له واشتكوا من الجور والظلم، فوقف لهم السلطان وقال لهم: مَنْ ظلمكم؟ فقالوا: يا خوند، ظلمنا سلّار. فقال: وكيف؟ فقالوا: هذه القرية خاصّ للسلطان، وعمّر هو إلى جانبنا قريةً ورمى علينا من السخر والكُلَف ما لا طاقة لنا به، ثم إنه نادى في البلاد بحماية قريته، فهرب جميع فلاحى هذه القرية إليها، وخربت أملاكهم، وبقي الخراج علينا بالكلف والسخر مثلما كان في أيام عمارتها، ونحن عاجزون عن ذلك، وكنا نستنظر هذا اليوم، إما تكشف ظلامتنا أو نحتمي نحن مثل هؤلاء، فطيب السلطان خاطرهم وانصرف عنهم وهو حائر ما يدري ما يصنع. ثم إنه كلما مر على قرية عامرة كأنها مدينة يسأل عنها هي لمن؟ يقولون: هي لسلار أو لبيبرس، وكلما مر على قرية خراب يسأل عنها هي لمن؟ يقولون: هي للسلطان. فقال السلطان: أنا خرجت حتى أزيل عني الهم، وقد حملت فوق همي هما آخر، والله لقد أحزنني ما رأيت وبقى في صيده أيامًا، ثم رجع. ولَمَّا دخل شهر رجب من هذه السنة طلب سلارا وبيبرس وقال لهما: إني قد عولت على الحجاز الشريف والحج إلى بيت الله الحرام، فماذا تقولان؟ فقالا: إذا رُحْتَ

стр. 1922

مَنْ يَخْلُفك في المُلْك؟ فقال: لا تنكدُوا عَلَيّ، ولا غنى لي عن هذا الأمر، فأجاباه إلى ما أراد، فانفصل الأمر على هذا. ذكر خروجه من مصر قال ابن كثير: لما كان الخامس عشر من رمضان جمع السلطان الأمراء أرباب المشورة وأوصاهم بالاتفاق والانتظام، وخلع على نوابه وماليكهم الذين حضروا إليه، ثم ركب يوم السبت الخامس (١) والعشرين من رمضان من قلعته، وركب أعيان العساكر والأمراء الأكابر لتوديعه، فسار من فوره وأذن لهم في الرجوع فرجعوا. وتوجه معه: عز الدين أيدمر الخطيرمي أستاذ الدار، وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس، وسيف الدين آل ملك الجوكندار، وسيف الدين بلبان المحمدي أمير جاندار، وعز الدين أيبك الرومي، وركن الدين بيبرس الأحمدى، وسيف الدين طقطاي (٢) الساقي، وعلم الدين مسنجر الجمقْدار، وزين الدين مبارك أمير آخور، وشمس الدين سنقر السعدي النقيبب، وبعض الخاصكية والخدم والغلمان، (٣) فسار إلى الصالحية وعيّد بها عيد الفطر، ثم سار (٤). وفي نزهة الناظر: لما تحدث السلطان بالسفر إلى الحجاز اشتاع الخبر بين الناس بأن السلطان رائح إلى الحجاز، ولما عزم على الخروج، قال له بيبرس وسلار: أنت الساعة متوجه إلى الحجاز، فإذا أحدث عندنا أمر أو في البلاد واحتجنا إلى كتب كيف نعمل؟ قال: اكتبوا كتابًا. قالا: كيف نكتب بلا علامة (٥) السلطان؟ فقال: كيف العمل؟

стр. 1923

قالا: عَلِّم لنا على ورق أبيض بعض [العلامات] (١) نخليه عند نائبك، فإذا احتجنا إلى كتاب بعلامة السلطان كتبنا عليه، فعلّم لهم على درج أبيض، وكان قد استناب موضعه الأمير بيبرس (٢) الخطائي، فسلم الدرج إليه، ثم إنه ركب، وركب الأمراء معه إلى مرحلتين، ثم رجعوا، وأخذ معه خمسمائة مملوك وبعض الأمراء. وكان الأمير سلار قد أوصى للأمراء الذي معه أنهم يُعلمونهم بالنجاب كل ما يفعله السلطان ساعة فساعة ويومًا فيومًا، ثم إنه لَمَّا عبر البرية قال للأمراء الذين معه: قد عولت على أنني أخلّى الركب يسيرون على الطريق الجادة وبيتي وحريمي معهم وأنا آخذكم وأسير بكم على الكرك، فيكون أروح للركب، فنحن نتفرج ونصطاد، فقالوا: الرأي رأي مولانا السلطان. ولما سار إلى جهة الكرك أرسل الأمراء نجابًا إلى مصر يُعَرِّفُون سلارًا (٣) وبيبرس، ولما وصل النجاب وسمع الأمراء رواحه إلى الكرك، قال سلار: أخاف أن يطلع إلى الكرك ولا يعود بعد هذا، ثم إنه يُعد الشام فيحتاج إلى صداع عظيم. وقال بيبرس أيضًا: هذا هو محل النظر. ثم اتفق الأمراء على أن يكتبوا كتابًا إلى الأمير جمال الدين (٤) نائب الكرك بأن السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف، وقد بلغنا أنه رجع من الطريق طالبًا الكرك، فإذا جاء إليك لا تمكنه من الطلوع إلى القلعة، إلا إنك أخرج إليه كل ما يطلبه، وعلم

стр. 1924

بيبرس على الكتاب الذي كُتب إلى نائب الكرك لأنه كان بينه وبين نائب الكرك علامة، ثم إنهم قالوا: من يؤدي الكتاب؟ اطلبوا لنا نجابا، فقال بيبرس: ما هذا وقت النجاب. فقال سلار: عندي مَنْ يروح بالكتاب، ثم أحضر واحدًا من خشداشيته (١) يُقال له: الطنبغا، وكان سلار يعتمد عليه في المهمات، وقال له: يا علاء الدين نحن ما نعتمد إلا عليك، ونريد منك أن تجرد عزمك وتسير في أسرع وقت إلى الكرك، فإن صادفت السلطان في الطريق فإياك أن تحضر عنده، وإذا جئت نعطى لك إمرةً ويُرفع قدرك عندنا وأعطوا له خمسمائة دينار، فخرج وسار. وكان هذا المملوك من أكبر مماليك المنصور، وكان أكبر من بيبرس وسلار، ولكن الله رفع قدرهما عليه، وافتكر وهو سائر، فإن وصيَّة بيبرس وسلار لي بأن أحترز عن الاجتماع بالسلطان لا يدل على خير، فإنها ربما جعلا مكيدة عليه فيطالبنى الله به "لأني قد أكون ساعدتهما وأنا من مماليكه، ثم لم يزل يدعو الله على أن يرزقه الاجتماع به" (٢) ولم يزل سائرًا إلى أن أشرف على وطاق (٣) السلطان في البرية، ثم اجتمع بأرغون الدوادار، فذهب أرغون وأعلم السلطان به فأحضره، فقال له: ما حاجتك في هذا الوقت؟ فقال: يا مولانا السلطان إن الأمير سلار والأمير بيبرس أعطياني كتابًا وقالا لي: سر به إلى الكرك، فإن رأيت السلطان في الطريق لا تجتمع به، وحرّضاني على ذلك، وأعطياني خمسمائة دينار، [ووعداني] (٤) بإمرة، وأنا من بعض مماليك السلطان، فخشيت أن يكون في الكتاب بعض مكائد على مولانا السلطان، فقلت: والله، لا أعصي على مولانا السلطان، فأخذ الكتاب وفتحه، فإذا فيه:

стр. 1925

إلى جمال الدين نائب الكرك، إذا وصل إليك السلطان، إياك أن تمكنه من الطلوع إلى القلعة، وأيّ شيء يطلبه احمله إليه. فلما سمع السلطان ذلك أطرق رأسه ساعة، ثم قال لأرغون: اكتب كتابًا مثله إلى نائب الكرك عن لسانهما، وقل: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، انزل ولاق السلطان، ثم أطلعه إلى القلعة، وقف في خدمته بكل ممكن، وكل ما يطلبه احضره بين يديه، فكتب أرغون بذلك، وعَلَّم عليه السلطان علامة سلار وبيبرس، ثم ناوله [لألطنبغا] (١). وقال له: صنيعك [ما يضيع] (٢) عندى، وأمر له بألف دينار، فإذا بلَّغت كتابي ارجع إلى بيتك، فإن مكنني الله من الملك فسوف ترى ما أصنع معك إن شاء الله تعالى. ثم سار إلى أن وصل إلى الكرك، واعلموا نائب الكرك بمجيئه فأحضره عنده، فلما رآه نائب الكرك عرفه وأجلسه إلى جانبه وأكرمه، فناوله الكتاب، فلما قرأه قال: السمع والطاعة، فأين فارقت مولانا السلطان؟ فقال: في الموضع الفلاني، فوصف موضعًا، فعند ذلك أمر نائب الكرك الأمير جمال الدين بتجهيز الإقامات والعلوفات وأخلى القلعة وما خَلّى فيها أحدًا، وفرش دار السلطان وأصلح شأنه، وأمّا السلطان فإنه أسرع في المسير خوفًا على أن يكون كتابًا آخر مع شخص آخر غير الطنبغا المذكور، فيسبقه إلى الكرك ويحصل لنا توقف الحال. ذكر وصول السلطان إلى الكرك وطلوعه قلعتها قال بيبرس: وصل السلطان إلى الكرك يوم الأحد عاشر (٣) شوال، فلما مر على جسر الممشى الذي على الخندق داخلًا إلى القلعة، ومماليكه ماشون في ركابه، انكسرت أخشاب الجسر من تحت أرجلهم، بعد أن تقدمت يدا فرس السلطان وصارتا على سفح

стр. 1926

الجبل، فسلمه الله من الزلل والخلل، وسقط بعض من كان في الركاب من المماليك، ولم يمت أحد، "وربما انصدع المماليك فصح بالجبار" (١). وقال النويري في تاريخه: وسقط أكثر الخاصكية في الخندق، وسلموا كلهم إلا اثنين وهما الحاج عز الدين أزدمر رأس نوبة الجمدارية، انقطع نخاعه وبطل نصفه، وعاش "كذلك لسنة ستة عشر، فمات فيها" (٢)، والآخر مات لوقته (٣). وقال ابن كثير في تاريخه: ولما توسط السلطان الجسر انكسر، فسلم مَن قدامه، وقفز به الفرس فسلم، وسقط (٤) مَنْ [كان] (٥) وراءه، وكانوا خمسين، فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي الذي تحته (٦). وقال صاحب النزهة: لما انقطعت سلسلة الجسر وتمزق الخشب صرخ السلطان على فرسه، وكان قد [نزلت] (٧) رجله في الخشب، فوثب إلى داخل الباب، ووقع كل من كان على الجسر، وكانوا أكثر من مائة مملوك، فوقعوا في الخندق، فمات منهم سبعة واتهشم منهم خلق كثير، فضاق صدر السلطان، وقال في نفسه: هذه شدة يكون عقيبها خيرٌ إن شاء الله تعالى (٨)، ولما استقر به الجلوس وقف نائب الكرك في خدمته، فقال له: ما سبب انقطاع الجسر في هذا الوقت؟ فباس الأرض وقال: أيد الله مولانا السلطان، هذا الجسر عتيق، فثقل بالرجال فما حَمل، فقال له: صدقت وأمره

стр. 1927

بالانصراف. وقال ابن كثير: وبقي نائب الكرك، وهو جمال الدين أقوش، خجلًا متوهمًا أن يكون هذا [يظنه السلطان] (١) عن قصد، وكان قد عمل ضيافة للسلطان غرم عليها أربعة عشر ألفًا، فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان بهمّة وما جرى له [ولأصحابه] (٢)، ثم خلع على نائب الكرك وأذن له بالانصراف (٣). ذكر ما وقع من السلطان بعد دخوله الكرك قال ابن كثير: لما جرى على السلطان ما جرى واستقر في القلعة خلع على النائب وأذن له بالتوجه إلى مصر فسافر (٤). وفي النزهة: لما بات السلطان تلك الليلة في القلعة وأصبح طلب نائب الكرك فقال له: يا جمال الدين سافر إلى مصر واجتمع بخشداشيتك، فباس الأرض وقال: السمع والطاعة، ثم إنه في تلك الساعة صرخ بمماليكه وكل من يلوذ به، ثم بعد ثلاثة أيام نادى السلطان في القلعة والكرك: لا يبقى هنا أحد لا كبير ولا صغير حتى يخرج، فيجيب ثلاثة أحجار من خارج البلاد، مخرج كل من في القلعة والبلد، ثم أمر السلطان أن يُغلق باب الكرك، فرجعت الناس ومعهم الأحجار فرأوا الباب مغلوقًا، فقيل لهم: كل من له أولاد أو حريم يخرج إليه ولا يبقى أحد بحوز الكرك، وما أمسى المساء وقد بقي في الكرك من أهلها دَيَّار، فَمِنْهم من تفرق في البلاد، ومنهم من سكن في مؤتة، ولم يبق في القلعة إلا مماليك السلطان لا غير، واستقل السلطان بتدبير المملكة بالكرك وحدها، فيحضر دار العدل ويباشر الأمور بنفسه، ثم طلب أرغون الدوادار وضم إليه مائتى

стр. 1928

مملوك، وقال له: سِرْ إلى عقبةُ أيلا، فاحضر بيتي وأولادي وحريمي من الحجاج، فخرج وسار إلى أن وصل العقبة، فأخذهم ورجع بهم إلى السلطان (١). وقال ابن كثير: وكان السلطان قد قرّر سفر حُرمَه وولده مع الركب المصري صحبة جمال الدين خضر بن سيف الدين نوكيه، وعاجوا (٢) من العقبة إلى نحو الكرك، فوصلوها ودخلوا القلعة، فعند ذلك تقدم إلى الأمراء الذين معه بالعود إلى مصر، وأعاد خمسمائة هجين من الهجن التي استصحبها، وحضر سيف الدين آل ملك الجوكندار وركن الدين بيبرس الأحمدى وزين أمير آخور على الهجن إلى الباب السعيد، وأحضروا كتابًا صادرًا عن السلطان إلى الموالى الأمراء يتضمن رغبته عن الملك وتركه إياه والإقامة بالكرك والإذن لهُم بإقامة مَنْ يصلح لهذا الأمر من بينهم إلى غير ذلك من كلام طويل، فوردت مكاتباته بذلك إلى القاهرة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال، وذكر أنه وجد في الكرك من الأموال سبعة وعشرين ألف دينار عينًا وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم (٣)، وأما نائب الكرك فإنه سار ووصل إلى مصر، ولما تمثل بين يدي سلار وبيبرس قالا له: مَنْ أمرك [بتمكين] (٤) السلطان من الطلوع إلى القلعة؟ فقال: كتابَكم وصل إليَّ يأمرني بأن أنزل إليه وأطلعه إلى القلعة، فقالا: وأين الكتاب؟ فأخرجه، فقالا: هذا غير الذي كتبناه، اطلبوا الطنبغا، فطلبوه، فهرب إلى الكرك عند السلطان (٥). وقال بيبرس في تاريخه: لما كان يوم السبت الثالث والعشرين من شوال ركبنا جميعًا للتسْيير في سوق الخيل كجاري العادة، فأجرى الأمير سيف الدين سلار والركن أستاذ الدار ذكر ذلك مع الأمراء وقالا: إن السلطان سيّر يتنصل من الملك ويلتمس الإعفاء منه

стр. 1929

وأن يقيم بالكرك (١). قال بيبرس: فقلت ينبغي مراجعته واستعطافه وترضيه ومراسلته إلى أن يذعن لعوده ويستمر في سلطنته، ويتوجه إليه من له صورة من كبار الأمراء في هذه الرسالة، فقالا: متى حصل التردد والمراجعة والتعييد والمعَارضة تخشى من اضطراب الأمور وعبث الجمهور ونفاق العربان وثورة أهل العصيان، فلا بد من اجتماعنا بالإيوان، فظهر لي النفس واتضح، ورأيت أن الإناء بما فيه نضح، فأمسكت عن الجواب، وقلت: الله الموفق للصواب (٢). وقال صاحب النزهة: لما وجّه الناصر الأمراء الذين معه إلى مصر أمر لوكيله ابن عبادة أن يكتب كتابًا، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حرس الله تعالى نعمة الجنابين العاليين الكبيرين الغازيين المجاهدين، [وفقهما] (٣) الله تعالى توفيق العارفين، أما بعد: فقد طلعتُ إلى قلعة الكرك وهي من بعض قلاعي ومُلْكي، وقد عولت [على] (٤) الإقامة بها (٥)، فإن كنتم مماليكي ومماليك أبي فأطيعوا نائبي ولا تخالفوه في أمر من الأمور ولا تعملوا شيئًا حتى تشاوروني، فأنا ما أريد لكم إلا الخير، وما طلعت إلى هذا المكان إلا لأنه أروح لي وأقلّ كلفة، وإن كنتم ما تسمعون منى فأنا متوكل على الله، والسلام (٦). ثم سلم الكتاب للأمراء المتوجهين إلى مصر، فلما حضروا إلى مصر استجمعوا بيبرس وسلار ودفعوا الكتاب إليها، وقرأوه وتشاوروا ساعة، ثم قاموا من باب القلعة وذهبوا إلى دار بيبرس، واتفقوا على أن يرسلوا إلى السلطان كتابًا، فكتبوه وأرسلوه مع

стр. 1930

البَرواني (١) على البريد، فسار البرواني إلى أن وصل إلى الكرك، فاجتمع بالناصر وناوله الكتاب، وأعطاه لأرغون [الدوادار] (٢) فقرأه، فتبسم السلطان وقال: لا إله إلا الله، وكان في الكتاب: ما علمنا ما عولت عليه، وطلوعك الكرك وإنزالك (٣) أهلها وتشييعك نائبها، وهذا أمل بعيد، فخل عنك شغل الصبي وقم واحضر إلينا، وإلا بعد ذلك تطلب الحضور ولا يصح لك، وتندم ولا ينفع الندم، فيا ليت لو علمنا ما كان وقع في خاطرك وما عولت عليه، غير أن لكل [مُلْك] (٤) انصرام، [ولإنقضاء الدولة] (٥) أحكام، ولحول الأقدار إسهام، فلأجل هذا أمرك غيّكُ بالتطويل، وحَسَّن لك زخرف الأقاويل، فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب يكون الجواب حضورك بنفسك ومعك [مماليكك] (٦)، وإلا تعلم إنا ما نخلّيك في الكرك، ولو كثر شاكروك، ويخرج [المُلْكُ] (٧) من يدك، والسلام. فقال السلطان: لا إله إلا الله، لقد أظهروا ما في صدورهم، ثم أمر بإحضار آلة الملك مثل العصائب والسناجق والكوسات والهجن، وكل ما كان معه من آلات الملك وسلمها للبرواني، وقال له: قل لسلار، ما أخذت لكم شيئًا من بيت المال، وهذا الذي أخذته قد سيرته لكم، وافتصلوا بحالكم، فأنا ما بقيت أعمل سلطانًا وأنتم على هذه الصورة، فدعوني أنا في هذه القلعة منعزلًا عنكم إلى أن يفرج الله تعالى إما بموت أو غيره.
следующие страницы →