← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الجبل، فسلمه الله من الزلل والخلل، وسقط بعض من كان في الركاب من المماليك، ولم يمت أحد، "وربما انصدع المماليك فصح بالجبار" (١). وقال النويري في تاريخه: وسقط أكثر الخاصكية في الخندق، وسلموا كلهم إلا اثنين وهما الحاج عز الدين أزدمر رأس نوبة الجمدارية، انقطع نخاعه وبطل نصفه، وعاش "كذلك لسنة ستة عشر، فمات فيها" (٢)، والآخر مات لوقته (٣). وقال ابن كثير في تاريخه: ولما توسط السلطان الجسر انكسر، فسلم مَن قدامه، وقفز به الفرس فسلم، وسقط (٤) مَنْ [كان] (٥) وراءه، وكانوا خمسين، فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي الذي تحته (٦). وقال صاحب النزهة: لما انقطعت سلسلة الجسر وتمزق الخشب صرخ السلطان على فرسه، وكان قد [نزلت] (٧) رجله في الخشب، فوثب إلى داخل الباب، ووقع كل من كان على الجسر، وكانوا أكثر من مائة مملوك، فوقعوا في الخندق، فمات منهم سبعة واتهشم منهم خلق كثير، فضاق صدر السلطان، وقال في نفسه: هذه شدة يكون عقيبها خيرٌ إن شاء الله تعالى (٨)، ولما استقر به الجلوس وقف نائب الكرك في خدمته، فقال له: ما سبب انقطاع الجسر في هذا الوقت؟ فباس الأرض وقال: أيد الله مولانا السلطان، هذا الجسر عتيق، فثقل بالرجال فما حَمل، فقال له: صدقت وأمره

стр. 1927

بالانصراف. وقال ابن كثير: وبقي نائب الكرك، وهو جمال الدين أقوش، خجلًا متوهمًا أن يكون هذا [يظنه السلطان] (١) عن قصد، وكان قد عمل ضيافة للسلطان غرم عليها أربعة عشر ألفًا، فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان بهمّة وما جرى له [ولأصحابه] (٢)، ثم خلع على نائب الكرك وأذن له بالانصراف (٣). ذكر ما وقع من السلطان بعد دخوله الكرك قال ابن كثير: لما جرى على السلطان ما جرى واستقر في القلعة خلع على النائب وأذن له بالتوجه إلى مصر فسافر (٤). وفي النزهة: لما بات السلطان تلك الليلة في القلعة وأصبح طلب نائب الكرك فقال له: يا جمال الدين سافر إلى مصر واجتمع بخشداشيتك، فباس الأرض وقال: السمع والطاعة، ثم إنه في تلك الساعة صرخ بمماليكه وكل من يلوذ به، ثم بعد ثلاثة أيام نادى السلطان في القلعة والكرك: لا يبقى هنا أحد لا كبير ولا صغير حتى يخرج، فيجيب ثلاثة أحجار من خارج البلاد، مخرج كل من في القلعة والبلد، ثم أمر السلطان أن يُغلق باب الكرك، فرجعت الناس ومعهم الأحجار فرأوا الباب مغلوقًا، فقيل لهم: كل من له أولاد أو حريم يخرج إليه ولا يبقى أحد بحوز الكرك، وما أمسى المساء وقد بقي في الكرك من أهلها دَيَّار، فَمِنْهم من تفرق في البلاد، ومنهم من سكن في مؤتة، ولم يبق في القلعة إلا مماليك السلطان لا غير، واستقل السلطان بتدبير المملكة بالكرك وحدها، فيحضر دار العدل ويباشر الأمور بنفسه، ثم طلب أرغون الدوادار وضم إليه مائتى

стр. 1928

مملوك، وقال له: سِرْ إلى عقبةُ أيلا، فاحضر بيتي وأولادي وحريمي من الحجاج، فخرج وسار إلى أن وصل العقبة، فأخذهم ورجع بهم إلى السلطان (١). وقال ابن كثير: وكان السلطان قد قرّر سفر حُرمَه وولده مع الركب المصري صحبة جمال الدين خضر بن سيف الدين نوكيه، وعاجوا (٢) من العقبة إلى نحو الكرك، فوصلوها ودخلوا القلعة، فعند ذلك تقدم إلى الأمراء الذين معه بالعود إلى مصر، وأعاد خمسمائة هجين من الهجن التي استصحبها، وحضر سيف الدين آل ملك الجوكندار وركن الدين بيبرس الأحمدى وزين أمير آخور على الهجن إلى الباب السعيد، وأحضروا كتابًا صادرًا عن السلطان إلى الموالى الأمراء يتضمن رغبته عن الملك وتركه إياه والإقامة بالكرك والإذن لهُم بإقامة مَنْ يصلح لهذا الأمر من بينهم إلى غير ذلك من كلام طويل، فوردت مكاتباته بذلك إلى القاهرة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال، وذكر أنه وجد في الكرك من الأموال سبعة وعشرين ألف دينار عينًا وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم (٣)، وأما نائب الكرك فإنه سار ووصل إلى مصر، ولما تمثل بين يدي سلار وبيبرس قالا له: مَنْ أمرك [بتمكين] (٤) السلطان من الطلوع إلى القلعة؟ فقال: كتابَكم وصل إليَّ يأمرني بأن أنزل إليه وأطلعه إلى القلعة، فقالا: وأين الكتاب؟ فأخرجه، فقالا: هذا غير الذي كتبناه، اطلبوا الطنبغا، فطلبوه، فهرب إلى الكرك عند السلطان (٥). وقال بيبرس في تاريخه: لما كان يوم السبت الثالث والعشرين من شوال ركبنا جميعًا للتسْيير في سوق الخيل كجاري العادة، فأجرى الأمير سيف الدين سلار والركن أستاذ الدار ذكر ذلك مع الأمراء وقالا: إن السلطان سيّر يتنصل من الملك ويلتمس الإعفاء منه

стр. 1929

وأن يقيم بالكرك (١). قال بيبرس: فقلت ينبغي مراجعته واستعطافه وترضيه ومراسلته إلى أن يذعن لعوده ويستمر في سلطنته، ويتوجه إليه من له صورة من كبار الأمراء في هذه الرسالة، فقالا: متى حصل التردد والمراجعة والتعييد والمعَارضة تخشى من اضطراب الأمور وعبث الجمهور ونفاق العربان وثورة أهل العصيان، فلا بد من اجتماعنا بالإيوان، فظهر لي النفس واتضح، ورأيت أن الإناء بما فيه نضح، فأمسكت عن الجواب، وقلت: الله الموفق للصواب (٢). وقال صاحب النزهة: لما وجّه الناصر الأمراء الذين معه إلى مصر أمر لوكيله ابن عبادة أن يكتب كتابًا، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حرس الله تعالى نعمة الجنابين العاليين الكبيرين الغازيين المجاهدين، [وفقهما] (٣) الله تعالى توفيق العارفين، أما بعد: فقد طلعتُ إلى قلعة الكرك وهي من بعض قلاعي ومُلْكي، وقد عولت [على] (٤) الإقامة بها (٥)، فإن كنتم مماليكي ومماليك أبي فأطيعوا نائبي ولا تخالفوه في أمر من الأمور ولا تعملوا شيئًا حتى تشاوروني، فأنا ما أريد لكم إلا الخير، وما طلعت إلى هذا المكان إلا لأنه أروح لي وأقلّ كلفة، وإن كنتم ما تسمعون منى فأنا متوكل على الله، والسلام (٦). ثم سلم الكتاب للأمراء المتوجهين إلى مصر، فلما حضروا إلى مصر استجمعوا بيبرس وسلار ودفعوا الكتاب إليها، وقرأوه وتشاوروا ساعة، ثم قاموا من باب القلعة وذهبوا إلى دار بيبرس، واتفقوا على أن يرسلوا إلى السلطان كتابًا، فكتبوه وأرسلوه مع

стр. 1930

البَرواني (١) على البريد، فسار البرواني إلى أن وصل إلى الكرك، فاجتمع بالناصر وناوله الكتاب، وأعطاه لأرغون [الدوادار] (٢) فقرأه، فتبسم السلطان وقال: لا إله إلا الله، وكان في الكتاب: ما علمنا ما عولت عليه، وطلوعك الكرك وإنزالك (٣) أهلها وتشييعك نائبها، وهذا أمل بعيد، فخل عنك شغل الصبي وقم واحضر إلينا، وإلا بعد ذلك تطلب الحضور ولا يصح لك، وتندم ولا ينفع الندم، فيا ليت لو علمنا ما كان وقع في خاطرك وما عولت عليه، غير أن لكل [مُلْك] (٤) انصرام، [ولإنقضاء الدولة] (٥) أحكام، ولحول الأقدار إسهام، فلأجل هذا أمرك غيّكُ بالتطويل، وحَسَّن لك زخرف الأقاويل، فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب يكون الجواب حضورك بنفسك ومعك [مماليكك] (٦)، وإلا تعلم إنا ما نخلّيك في الكرك، ولو كثر شاكروك، ويخرج [المُلْكُ] (٧) من يدك، والسلام. فقال السلطان: لا إله إلا الله، لقد أظهروا ما في صدورهم، ثم أمر بإحضار آلة الملك مثل العصائب والسناجق والكوسات والهجن، وكل ما كان معه من آلات الملك وسلمها للبرواني، وقال له: قل لسلار، ما أخذت لكم شيئًا من بيت المال، وهذا الذي أخذته قد سيرته لكم، وافتصلوا بحالكم، فأنا ما بقيت أعمل سلطانًا وأنتم على هذه الصورة، فدعوني أنا في هذه القلعة منعزلًا عنكم إلى أن يفرج الله تعالى إما بموت أو غيره.

стр. 1931

فأخذ البرواني الكتاب الذي أعطاه السلطان إياه، وجميع ما أعطاه السلطان أيضًا، وسار إلى أن وصل مصر ودفع الكتاب لسلار وبيبرس، فلما قُرئ الكتاب قالوا: ولو جاء هذا الصبي ما بقى يصلح للسلطنة، وأيّ وقت عاد إلى السلطنة لا نأمن غدره واتباعه عثراتنا (١). ذكر سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير وهو السابع (٢) من سلاطين الترك، لأن أولهم هو الملك المُعز أيبك التركماني، ثم الملك المظفر قطز، ثم الملك الظاهر بيبرس، ثم الملك المنصور قلاوون، ثم الملك العادل كتبغا، ثم الملك المنصور لاجين، ثم الملك المظفر بيبرس الجاشنكير. قال ابن كثير: ولما وصلت كتب السلطان الناصر بذلك اجتمع الأمراء على الأمير سلار، فخاف سلار وخشي العاقبة، واختار الأمراء ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وكانت البرجية تختاره، وبويع له بعد أن أُثْبت كتاب الملك الناصر على القضاة بديار مصر. وكانت البيعة له بالسلطنة في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر بدار سيف الدين سلار، اجتمع أعيان الدولة من الأمراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالملك المظفر، ثم ركب إلى القلعة ومشوا بين يديه وجلس على سرير المملكة، ودُقت البشائر، وسارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان (٣)، وحضر الخليفة المستكفى بالله فقلده السلطنة، وكتب له عهد شمله خَطه.

стр. 1932

وفي نزهة الناظر: ولما بلغ أمراء مصر إقامة الملك الناصر في الكرك وتركه السلطنة طلبوا بيبرس الخطائي الذي كان نائب الناصر وطلبوا منه الدرج الذي فيه علامة الملك الناصر، فأحضره لهم فكتبوا على بعضه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أخيهم محمد بن قلاوون الذي يُعْلَم به الأمراء المقدمون والنواب والأجناد والقضاة والعلماء والعامَّة وأهل السواد أنني قد نزلت عن السلطنة لعجزي عن القيام بمصالحها وشروطها وسلوك واجباتها، والمسلمون بلا سلطان لا يكون، فليختاروا لهم سلطانًا وأنا لهم موافق على ذلك. ذكر إرسال المظفر إلى نواب الشام ثم طلب بيبرس أميرين من أمراء مصر أحدهما يسمى أيبك البغدادي والآخر يقال له [ساطي] (١)، فكتب معهما كتابا وأمرهما أن يذهبا إلى الشام ويُحلِّفان نائبه الأمير جمال الدين أقوش الأفرم وسائر الأمراء، فأخذا الكتاب وسارا إلى أن وصلا إلى دمشق (٢)، خرج نائب الشام [ولقيهما] (٣)، ثم أنزلها في داره، فلما قرأ الكتاب كاد أن يطير من الفرح، وذلك لأنه كان خشداش بيبرس (٤). وفي الحال طلب الأمراء والقضاة والعلماء، ثم أخرج كتاب بيبرس يذكر فيه أن السلطان الناصر عزل نفسه من السلطنة، وأن أمراء مصر وعلماءها وقضاتها قد عاقدوني على السلطنة، وقد سيّرت لك خط الملك الناصر الذي كتبه بيده الذي عزل فيه

стр. 1933

نفسه، وعليه خطوط علماء مصر، فحال وقوفكم على هذا الكتاب تحلفون جميعكم وتبعثون إلينا نسخة الإيمان، فأجاب جميع الأمراء بالسمع والطاعة، وسكت منهم أربعة أنفس ولم يتحدثوا بشئ، وهم: بيبرس العلائي (١)، وبهادر آص (٢)، وأقجبا (٣) الظاهري، وبكتمر (٤) حاجب الحجّاب، فقال لهم الأفرم: يا أمراء كل الناس منتظرون كلامكم، فتكلموا، فقال بهادر آص: نريد الخط الذي كتبه الملك الناصر بيده وفيه عزل نفسه، فأخرج النائب خطه، ثم قال بهادر آص: يا مولانا ملك الأمراء، لا تستعجل، فالشام فيها أمراء غيرنا مثل قرا سنقر وقفجق وأسندمر وغيرهم، فنرسل إليهم ونتفق معهم على المصلحة، فإذا شاورناهم تطيب [خواطرهم] (٥)، وربما يرون من المصلحة ما لا نرى نحن. ثم قام بهادر آص وخرج، وخرجت الأمراء وراءه، فقال أيْبَك البغدادي للأفرم: لو مسكت بهادر آص لنصلح الأمر على ما تريد. فقال: والله العظيم لو قبضت عليه لقامت فتنة عظيمة، فطوّل روحك وتغيير الدول ما هو هيّن، وأنا ما أخاف من أحد من أمراء الشام إلا من قفجق لأنه ربما يقيم فتنة من خوفه على روحه. ولما كان اليوم الثاني طلب الأفرم هؤلاء الأمراء الأربع واختلى بهم، وقال لهم: اعلموا أن هذا الأمر قد انفصل، ولم يبق لنا ولا لغيرنا فيه مجال، وأنتم تعلمون أن كل من يجلس على كرسي مصر هو السلطان ولو كان عبدًا حبشيًا، فما أنتم بأعظم من أمراء مصر، وربما يبلغ هذا إليه فيغلظ قلبه عليكم، ولم يزل يلاطف حتى حَلفوا، ثم حلف

стр. 1934

باقي الأمراء. وخلع الأفرم على جميع الأمراء والقضاة بخُلع سنيَّة، وكذلك خلع على أيبك البغدادي وساطي وأعطاهما ألفي دينار، ورَدّهما في أسرع وقت، لأن بيبرس كان عينه في الطريق لأجل خبرهما، وكتب معهما كتابًا إلى بيبرس يهنئه بالملك ويقول: فعن قليل تأتيك نسخة الإيمان من الشام كلها، وسار أيبك وساطي فوصلا إلى مصر، وأعلما الملك المظفر بما جرى، فانشرح صدره. وأما الأفرم فإنه جهز بهادر الجاغاني إلى حلب ليُعلم الأمير سيف الدين قراسنقر بما قد جَرى، فلما وصل إليه وقرأ كتابه قال لبهادر: آش الحاجة إلى مشاورة أستاذك إيانا بعد أن حَلف؟ وكان ينبغي أن يتأنى في ذلك. وكذلك أرسل الأفرم إلى قفجق، فلما قرأ كتابه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أي شيء يجري من ابن أستاذنا حتى عزل نفسه، فوالله لقد دبرتم أشأم التدبير، هذه والله نوبة لاجين، ثم قال لمملوك الأفرع: اذهب إلى أستاذك وقل له: الآن بلغت مرادك وسوف تبصر من يصبح نَدْمان وفي أمره حيران، آش كانت العجلة في هذا الأمر؟ وكذلك أرسل الأفرم إلى أسندمر، فلما قرأ كتابه أطرق رأسه إلى الأرض، ثم قال: قم واذهب وقل لأستاذك: يا بعيد الذهن وقليل العلم بعد أن دبرت أمرًا فما الحاجة إلى مشاورتنا؟ فوالله ليكونن عليكم أشأم التدبير، وسيعود وباله عليكم، ولم يكتب له جوابًا. وأما قرا سنقر تائب حلب فإنه أرسل إلى قفجق وإلى أسندمر يعلمهما بأن الأفرم حَلَّف عسكر دمشق، لأنه مع بيبرس عضو واحد، ولا نأمن بعد أن وصل إلى المُلْك، أن يعمل الأفرم علينا، فهلموا نجتمع في موضع واحد ونتشاور في أمر يكون فيه الصلاح، فاتفقوا كلهم على أن يجتمعوا في حلب عند قرا سنقر وعينوا ليلة يكون اجتماعهم فيها.

стр. 1935

وأما قفجق فإنه ركب إلى الصيد بمماليكهـ خاصةً وصيّد إلى الليل، ثم رجع عنه وسار في الليل طالبًا حلب، وأما أسندمر فإنه أظهر أنه ضعيف وأمر أن لا يخلى أحدًا يدخل عليه، وفي الليل ركب بمماليكهـ الذين يعتمد عليهم وقد غيّروا ملابسهم وسار يطلب حلب. فاجتمع كلهم في دار قرا سنقر، فقال لهم قرا سنقر: ما تقولون في هذه القضية التي جرت؟ فقال قفجق: والله لقد جرى أمر عظيم، وإن لم نحسن التدبير نقع في بحر المقادير، فهذه دولة سُلِبت من ابن أستاذنا وأخذها بيبرس ويكون الأفرم مدبر الدولة، وهو على كل حال عدونا ولا نأمن شره. قالوا: فما نفعل؟ فقال: الرأي أن نكتب إلى ابن أستاذنا في الكرك ونطلبه إلى حلب ونركب معه، فإما نأخذ له الملك وإما نموت على خيولنا، فقال اسندمر: هذا هو الكلام، فحلف ثلاثتهم أنهم على هذا كلام واحد ولا يقطع أحدًا أمرًا إلا بمشورة أصحابه وإنهم يموت بعضهم على بعض، ثم أنهم تفرقوا في الليل، وكل واحد راح إلى بلده. وبعد قليل وصل أميران من مصر إلى دمشق حتى يحلفان قرا سنقر وقفجق واسندمر، فقال لهما الأفرع: أنا أرسلت إليهم مملوكي وردوا عليه جوابًا لا يرضى به مولانا السلطان، وكان الأفرم قد حَلّف عسكر دمشق وقلاعها وسير نسخة الإيمان مع مملوكه مغلطاي، وأعطاه الملك المظفر إمرة أربعين وخلع عليه وأرسل للأفرم خُلعة بألف دينار وأطلق له كل شيء كان له في الشام من الحواصل وكان شيئًا عظيمًا، ففرح الأفرم غاية الفرح. قال الأميران اللذان وصلا إلى الأفرم: ما تشير به علينا؟ فقال لهما: ارجعا إلى مصر فلا تذهبا إلى هؤلاء فإن رؤوسهم قوية وربما يثيرون فتنة، فقالا: وغنى لنا من أن نسمع كلامهم، ثم إنهما ركبا وسارا إلى حماة ودخلا على قفجق ودفعا له كتاب الملك المظفر، فقرأه، ثم قال: وأين كتاب الملك الناصر؟ فأخرجا له الكتاب، فلما وقف عليه بكى وفاضت عيناه بالدموع وقال: من قال إن هذا خط الملك الناصر، والله، يكون في قرية

стр. 1936

ذكر إرسال قرا سنقر ولده إلى الملك الناصر بالكرك ولما خرج الأميران المذكوران أيبك وسَاطِي من عند قرا سنقر على وجه غير مرضٍ كتب كتابًا إلى الملك الناصر وهو بالكرك يلومه على نزوله عن الملك وكيف وقع ذلك ولم يشاوره في أول الأمر، ووعد له برجوع المُلْك إليه عن قريب، وإنه هو والأمير قفجق نائب حماة والأمير أسندمر نائب طرابلس ما حلفوا للمظفر وأنهم مقيمون على أيمانهم له، وأرسل إلى قفجق (١) وأسندمر نظير ما كتب ليكتبا مثله إلى الملك الناصر، ثم عين ولده ناصر الدين محمد أن يأخذ كتابه وكتاب نائب حماة ونائب طرابلس ويذهب إلى الملك الناصر، فأخذ كتب الثلاثة وسار مسرعًا ومعه نجاب يسمى [مَعَن] (٢)، وكان خبيرًا بتلك الأراضي ومنازلها ومناهلها من جهة البرّ، فلم يزالا سائرين في البراري والمفاوز إلى أن وصلا إلى الكرك وناصر الدين عليه زي النجابة. ولما وقفا على باب قلعة الكرك، وسألوهما من أين أقبلتما؟ فقالا: من مصر، فدخلوا وأعملوا الملك الناصر بأن على الباب نجابين من مصر، وهما يطلبان الحضور، فقال: أحضروهما، فلما تمثلا بين يديه كشف ناصر الدين لثامُه عن وجهه فعرفه السلطان الملك الناصر، فقال له: محمد، فقال: لبَّيك، فقبل الأرض وقال: يا مولانا السلطان، لابّد من خلوة، فأمر السلطان لمن حوله بالانصراف، فعند ذلك حَدَّث ناصر الدين بما جرى لأبيه وقفجق وأسندمر، وأنهم اجتمعوا في حلب وتحالفوا بأنهم على قلب واحد، [وبأنهم] (٣) مقيمون على الأيمان التي حلفوها للملك الناصر، ثم دفع الكتب الثلاثة إليه فقرأها، ثم قال: يا محمد، فما لهم قدرة على ما اتفقوا عليه لأن كل مَنْ في مصر والشام قد اتفقوا على سلطنة المظفر بيبرس، ولما سمع بذلك ناصر الدين حلف بأن كل واحد من هؤلاء الثلاثة كفؤ لأهل مصر والشام ومولانا السلطان أخبر بذلك مني، فتبسم

стр. 1937

السلطان الملك الناصر وقال: صدقت يا محمد، ولكن القائل يقول: كن جريًا إذا رأيت جبانًا … وجبانًا إذا رأيت جريًّا لا تقاتل بواحد أهل بيتٍ … فضعيفان يغلبان قّويًّا وهذه البلاد كلها دارت مع بيبرس ولا يتم لنا الحال إلا بحسن التدبير والمداراة والصبر على الأمور، ثم إنه أنزله في موضع وأحسن إليه، وقال له: استرح اليوم وغدًا، ثم سافر. فأقام عنده يومين، ثم طلبه الناصر في صبيحة اليوم الثالث وأعطاه جواب الكتب وقال له: سلّم على أبي وقل له: اصبر، ثم خلع على ناصر الدين خُلْعة سَنية وأعطاه ألف دينار مصرية، وخلع على مَعَن النجاب أيضًا وأعطاه ألف درهم، فخرج ناصر الدين والنجاب معه وأسرعا في السير إلى أن وصلا إلى حلب، قيل: إنهما وصلا في ثلاثة أيام، فدخل على أبيه ودفع له كتاب الملك [الناصر] (١)، ففتحه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، حرم الله تعالى نعمة المقر العالى الأبوي الشمسي ومتعنا بطول حياته، فقد علمنا ما أشار به وما عوّل عليه، وقد علمنا قديمًا وحديثًا [أنه] (٢) لم يزل على هذه الصورة، وأريد منك أن تطول روحك عَلَىّ فهذا الأمر [ما ينال] (٣) بالعجلة، فإنك قد علمت انتظام أمراء مصر والشام في سلك واحد، ولاسيما الأفرم ومن معه من اللئام، فهذه عقدة لا تنحل إلا بالصبر، وإن حضر إليك أحد من جهة المظفر ويطلب (٤) منك اليمين [له] (٥)، فقدّم النيّة بأنك مجبور [و] (٦) مغصوب واحلف، ولا

стр. 1938

تقطع كتبك عني في كل وقت، وعرفني بجميع ما يجري من الأمور قليلها وكثيرها. وكذا كان كتب في كتاب قفجق وأسندمر. ثم بعد قليل جاء تقليد قرا سنقر بحلب وبلادها دّرْبَسْت على يد أمير من أمراء مصر. ومن مضمون الكتاب الذي معه من الملك المظفر إلى قرا سنقر: أنت خشداشي لو علمت أن هذا الأمر صعب عليك ما عملت شيئًا حتى أرسلت إليك وأعلمتك به لأن ما في المنصورية أحد أكبر منك، غير أنه لما نزل ابن أستاذك عن الملك اجتمع الأمراء والقضاة وكافة الناس واتفقوا، وقالوا: ما لنا سلطان إلا أنت، وأنت تعلم أن البلاد لا تكون بلا سلطان، فلو لم أتقدم أنا كان غيري تقدم، وقد وقع ذلك، فاجعلني واحد منكم فدبّرني برأيك، وهذه حلب وبلادها دربست لك وكذا لخشداشيتك الأمير قفجق والأمير أسندمر فحماة وبلادها دربست للأمير قفجق، وطرابلس مع سواحلها دربست للأمير أسندمر. وسَيَّر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة خُلْعة بألف دينار، وفرسًا بقماشه بألف دينار، وحياصة بألف دينار، فأرسل قراسنقر إلى قفجق وأسندمر وأعلمهما بأمر التقليد والخُلع والخيل وطلب الأيمان، فاتفقوا على أن يحلفوا وهم مُكرهون على ذلك، فحلفوا بهذه النية ثم أعطى قرا سنقر للأمير الذي جاب له التقليد خُلعة وعشرة أروس من الخيل وألف دينار، وكذا عمل قفجق وأسندمر، ثم رجع الأمير إلى مصر بنسخة الأيمان، فلما وقف عليها الملك المظفر فرح غاية الفرح، وقال: الآن تم لى الملك، فخلع عليه وأعطى له شيئًا كثيرًا، ثم شرع في كشف أحوال البلاد وإزالة المظالم والنظر في أحوال الرعية.

стр. 1939

ذكر طلب المظفر الشيخ تقي الدين بن تيميّة وهو في حبس إسكندرية ولما تمكن المظفر في السلطنة، قال: نحن قد كنا جبنا من الشام فقيها يقال له ابن تيمية (١)، وهو في حبس إسكندرية، فأحضروه حتى يوافق علماء مصر على مبايعتنا، فأرسل قاصدًا إلى إسكندرية وأحضره، فلما اجتمع بالسلطان الملك المظفر طلب العلماء والقضاة، ثم قال له المظفر: هل تعلم لأي شيء طلبناك؟ فقال: الله أعلم، قال: لأن السلطان الملك الناصر خلع نفسه من السلطنة واتفق المسلمون بأجمعهم وبايعوني على السلطنة وقد بقيت أنت، فقال له: ومن يشهد على الملك الناصر بأنه نزل عن السلطنة؟ فقال: عندنا [كتاب] (٢) بخط يده، فقال: أين الكتاب؟ فأحضروا له الكتاب، فقرأه من أوله إلى آخره، ورفع رأسه وقال: مَنْ يشهد بأن هذا خط الملك الناصر. فقال: [عندنا] (٣) مَنْ يشهد بأن هذا خطه بيده بعزل نفسه، وهم عدول، فقال: أحضروا من يشهد، فأحضروا علاء الدين (٤) بن عبد الظاهر فقال له الشيخ: يا علاء الدين أنت تشهد بأن هذا خط الناصر، فقال: بل أعلم بأن هذا علامته، فقال لهم: نحن نطلب مَنْ يشهد بأن هذا خطه بيده بعزل نفسه. فقال المظفر، وقد امتلأ غيظًا: عندي مَنْ يشهد على لسان الملك الناصر بأنه خلع نفسه عن السلطنة، فقال: أطلبوهم، فطلبوا بلبان الدمشقي والبرواني، فلما حضرا قدام الشيخ تقي الدين قال لهما: أتشهدان؟ فقالوا:

стр. 1940

نشهد على الملك الناصر بأنه خلع نفسه من السلطنة لعجزه عن القيام بواجبها، فقال الشيخ تقي الدين: من أين أنتما؟ قالا: نحن من أمراء مصر من مماليك الملك المنصور، فقال: هل [لكما] (١) عتاقة من المنصور؟ قالا: لا. فقال: لا تجوز شهادة العبد على مولاه، وأنتما في العبودية فلا تجوز شهادتكما على ابن أستاذكما، فاغتاظ الملك المظفر، وقال: ودوه إلى موضع كان فيه، فردوه إلى حبس إسكندرية. قلت: وكذلك لم يوافق قاضي قضاة الحنابلة بدمشق بقية القضاة والعلماء في إثبات الكتاب الذي فيه عزل الناصر نفسه. فقال ابن كثير: وفي مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدين البغدادي إلى دمشق، فاجتمع نائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان بالقصر الأبلق، فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى مصر، وأنه قد ترك المُلك وأعرض عنه، فأثبته القضاة، وامتنع الحنبلي من إثباته وقال: ليس أحد يترك الملك اختيارًا ولولا أنه مضطهد ما تركهـ، فَعُزل وَوُلِّى غيره، ثم استحلفهم للسلطان المظفر، وكُتبت ألقابه على القلعة ومحال المملكة، ودُقت البشائر، وزَيَّن المدينة، ولما قُرئ كتاب السلطان على الأمراء بالقصر: "أني صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقام بالكرك، تباكى جماعة من الأمراء، ثم بايعوا مُكرهين (٢). وخُطب للمظفر بدمشق يوم الجمعة السادس من ذي القعدة، وحضر النائب في تاسع عشر ذي القعدة، وقرأ تقليد النائب كاتب السر القاضي محيي الدين بن فضل الله بالقصر بحضرة [أرباب] (٣) الدولة وعليهم الخُلَع كلهم، والله أعلم.

стр. 1941

ذكر بقية الحوادث منها: أن الفرنج ملكت جزيرة رودس (١) من يد الأشكري صاحب مدينة قسطنطينية، واستقر بها الاسبتار وتعطل لذلك ورود مراكب البحار إلى مصر. وفيها: وردت الأخبار باشتغال البحر الملح وحركة الفرنج المخذولين وانقطعت مراكبهم عن الثغور، فخشى أن يكون ذلك الأمر من الأمور، فحصل الاهتمام بجسر السبيل السلطاني الواصل إلى ثغر دمياط وعمارة قناطره، وقد ذكرناه في أوائل الفصل (٢). ومنها: أنه كان الخلف بين بيان ومُنُغطاي أخيه ولدي قُبْجي بأقصى خوارزم بالمشرق، وتنازعا الملك بينهما بعد مسير بزلك عنهما، وانحاز إلى كل منهما فئةٌ، فاستظهر منغطاي على بيان بكثرة مَنْ انحاز إليه، فانهزم بيان قدامه لقلة من كان معه وتوجه هاربًا إلى بلاد فكمرين وهي على أطراف حدودهم، واستقر منغطاي المذكور في المنصب. ومنها: أنه ورد الخبر بأن علاء الدين التلِيلي ورفيقُه واصلان (٣) من المغرب، وخشي عليهما وعلى من معهما في الطرقات، فجرد جماعة من الجند [لإحضار] (٤) المذكورَيْن، واستدعى الأمير بدر الدين أمير شكار وسُيِّر معهم مقدمًا عليهم، فساروا في أواخر ذي الحجة. ومنها: أن الشيخ أبا إدريس [عبد الحق] (٥) ابن عم أبى يعقوب المرينى لما وصل إلى تونس عازمًا على الحج أنزله الأمير أبو حفص عمر صاحب تونس وأكرمه، وقال له: إن

стр. 1942

الطريق إلى ديار مصر مجدبة والمسالك إليها في هذه السنة مستصعبة، وعرض عليه أن يجعل الجهاد في هذا العام والحج قابلًا، فأطاعه، وجهزه إلى جزيرة جربه، وهذه الجزيرة من عمل قابس، ومشى فيها يوم واحد، وهي في وسط البحر، ولها مخاضة متصلة ببرها السالك إليها، ودَوْرُها ستة وسبعون ميلًا، وكانت في يد المسلمين إلى سنة ثمانين وستمائة، فخرجت عن أيديهم واستولى عليها الفرنج كما قد ذكرناه فيما مضى (١)، فلما كان في هذه السنة أرسل أهلها يسألون صاحب تونس إنجادهم ويلتمسون إمدادهم، فجهز إليهم أبا إدريس المذكور، وجهز معه قائد البحر واسمه ابن يعقوب ومعه اثنتي عشرة قطعة مشحنة بالرجال، فوصولها في أوائل هذه السنة، وشرعوا في حصارها ومضايقتها، وكان محمد بن السُّمُوّ من أحد شيوخها، قد توجه يستنجد فرنج صقلية كما ذكرنا، فمات بصقلية، وقام أخوه أبو نوح مقامه، فأقام أبو إدريس ومن معه على حصارها حتى أدركهـ الشتاء، فرجع قائد البحر بقطائعه إلى تونس، وبقي أبو إدريس على جربه إلى أن (٢) بلغه أن شواني (٣) صقلية قد أقبلت إليها من جهة ابن المزاليا (٤)، فانصرف عنها لقلة مَنْ كان معه من المسلمين وعاد إلى تونس، فصادف رسل الأبواب الشريفة علاء [الدين] (٥) التليلي وعلاء الدين الخوارزمي ومن معها قد عادوا من المغرب وهم في تونس سائرون إلى الديار المصرية، فسار معهم ووصل إلى الأبواب السلطانية، ودخلت شواني صاحب صقلية إلى جربة واستولت عليها. ومنها: أنه وقعت الوحشة بين الملك الناصر والملك المظفر وذلك أن الناصر لما دخل الكرك سأل عن الأموال الحاصلة بها، فأحضر جمال الدين أقوش بها أوراقًا

стр. 1943

بمائتي ألف درهم لا غير، خوفًا أن يطلعه على المال، فيأخذه كله، وأخرج الأمير جمال الدين منها كما ذكرنا وقنع بالكرك، وخطب للملك المظفر بجامع الكرك، وتأدب معه حتى إذا كان كاتبه يكتب الملك المظفري، وقصد بذلك سكون الأحوال، فلما كان بعد استقراره بالكرك بقليل أرسل المظفر وطلب من الناصر إنفاذ الخيل والمماليك [الذين] (١) استصحبوه والأموال التي بالكرك، فبعث إليه الناصر بمائتي ألف درهم وقال: ما عندي إلا هذا القدر، فأعاد المظفر الجواب بطلب الخيول والأموال والتهديد، فأهان الناصر الرسول وأمر بإخراجه ماشيًا إلى الغور، وأخذ من هذا الوقت في التحفّل، وكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ومنها: أن في ربيع الأول أخرج السلطان الأمير نجم الدين الخضر بن الملك الظاهر بيبرس الملقب بالملك المسعود من البرج بقلعة الجبل، وسكن مصر على شاطئ النيل بدار الأمير عز الدين أيبك الأفرم [الكبير] (٢)، وكانت اشْتُريت له، ولم تطل مدته، فإنه توفي في خامس رجب بالقاهرة بدار الحلبي (٣)، وتوفي ولده قبل وفاته بيوم. ومنها: إن الشيخ كريم الدين نزل من مشيخة خانقاه سعيد السعداء وتولاها قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة (٤). وفيها: بلغت زيادة النيل إلى ثمانية عشر ذراعًا وأصبع واحد من تسعة عشر (٥). وفيها: حج بالناس الأمير سيف الدين قطلوتمر صهر جَالق.

стр. 1944

ذكر من توفي فيها من الأعيان • الشيخ الصالح الحلبوني (١) [عثمان بن عبد الله الصعيدي] (٢). أصله من صعيد مصر، فأقام بقرية حَلْبون وغيرها من تلك الناحية، ومكث مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعة من المريدين. مات بقرية بَرْزة في أواخر المحرّم ودفن بها. • الشيخ شمس الدين محمد (٣) الحَيْدري. مات في تاسع عشر جمادى الأولى بزاويته (٤) ظاهر دمشق في طرق العُقيبة، ودفن بسفح قاسيون. وكان ضخمًا، نبيل القطعة، وله رواية كثيرة. • الشيخ مجاهد المنبجي (٥). مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بقاسيون، جوار تربة المولهين، وقد جاوز الستين. • الشيخ الصالح أبو الحسن علي (٦) بن محمد بن كثير الحراني الحنبلي، إمام مسجد عطية (٧)، ويعرف بابن المقرئ.

стр. 1945

ومولده بحران سنة أربع وثلاثين وستمائة، ومات بدمشق في العشر الأخير من رمضان، ودفن بسفح قاسيون • وتوفي قبله الشيخ أمين الدين بن شقير (١) الحراني بغزة، قاله ابن كثير. قلت: هو الشيخ العدل أمين الدين عبد الله (٢) بن عبد الأحد بن عبد الله بن سلامة بن خليفة بن شقير الحراني، مات بغزة (٣) وحُمِل إلى القدس الشريف ودفن هناك. وكان رجلًا مشكور السيرة محمود الطريقة، وهو من أكبر بيت في حران، وله في حران أملاك تساوي ألف ألف درهم وبضائع كثيرة في أيدي [التجار] (٤)، فترك الجميع وسافر إلى الشام، ثم خرج من دمشق مع جماعة من أقاربه وأولاده [بقصد القاهرة] (٥) في أول رمضان لأسباب له، فأدركه أجله في الطريق. • السيد الشريف زين الدين أبو علي الحسين (٦) بن محمد بن عدنان الحسيني، بقية الأشراف. كان فاضلًا، بارعًا، فصيحًا، متكلمًا، يعرف طريقة الاعتزال، وصاحب الإمامية، وتناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر

стр. 1946

الجامع [الأموي] (١) ونظر ديوان الأفرم. ومات يوم الخميس السادس (٢) من ذي القعدة عن خمس وخمسين سنة، ودفن بتربتهم بباب الصغير. وله شعر جيد، فمنه قوله: عامل الناس بالصفاء تجدهم … مثل ما يُشتهى وفوق المراد ودع المكر والخداع جميعا … فقلوب الأنام كالأجناد (٣) • الشيخ الجليل ظهير الدين أبو عبد الله محمد (٤) بن عبد الله بن أبي الفضل البغدادي، شيخ الحرم الشريف بمكة، بعد عمه عفيف الدين منصور (٥) بن مَنَعَة. وقد سمع الحديث وأقام ببغداد مدة طويلة، "ثم سار إلى مكة بعد موت عمه" (٦)، فولى المشيخة إلى أن توفي فيها، ﵀. • الشيخ الصالح أحمد (٧) بن أبي القاسم المراغي. مات ليلة السبت ثاني المحرم بمصر، ودفن بالقرافة.

стр. 1947

• القاضي برهان الدين إبراهيم (١) بن أحمد بن ظافر [البرلسي] (٢)، ناظر بيت المال بالديار المصرية. مات في خامس صفر منها. • الشيخ شمس الدين محمد (٣) بن عبد الرحمن بن [سامة] (٤) الطائي، المحدث بمصر. مات يوم الثلاثاء الرابع [و] (٥) العشرين من ذي القعدة، ودفن بالقرافة. سمع [الحديث] (٦) ورحل في طلبه، ومولده سنة اثنتين وستين وستمائة. • الشيخ عبد الغفار (٧) بن [أحمد بن عبد المجيد الدوري المعروف بابن] (٨) نوح القوصى. مات بجامع مصر ليلة الجمعة سابع ذي القعدة. وكان فصيحًا لسنا، وله في الطريق وترتيب السلوك كلام مستحسن، وكان له قدم

стр. 1948

في التجريد، وصحب الشيخ عبد العزيز المنوفى (١)، وبنى في آخر عمره رباطًا (٢). وفي السنة الماضية (٣)، جرى ببلد قوص حديث في أمر كنائس النصارى، فأطمع العامة فيها، فهدموها بأيديهم وهي ثلاثة عشر كنيسة، فأُنكر عليه، وطُلب إلى القلعة، فحضر وعُوِّق بها أيامًا في المسجد، ثم [خُلى] (٤) سبيله، فأقام بجامع مصر فأدركته منيته به وبيعت أثوابه التي مات فيها بخمسين دينارًا وفرقت على الزوايا والفقراء، والذي اشتراها بعض الأمراء. • الشيخ كمال الدين يوسف (٥) بن محمد بن إسماعيل المنشد. كان ينشد ديوان الصرصري (٦) ويحفظه، وكان صوته شجيًا، وهو الذي أشهر ديوان الصرصري بالشام، مات بدمشق، ودفن بتربة الشيخ رسلان. • الحكيم علم الدين إبراهيم (٧) بن الرشيد بن أبي الوحش، المعروف بابن أبي حُلَيْقة رئيس الأطباء بالديار المصرية والبلاد الشامية.

стр. 1949

مات في هذه السنة، قيل [تصدق بمائتي] (١) ألف دينار، وهو أول حكيم ركَّب بدمشق شراب الورد الطريّ ولم يكن يُعرف بدمشق قبل ذلك، ﵀. • الصدر الكبير عماد الدين سعيد (٢) بن ريَّان بن يوسف بن ريَّان الطائي العجلوني. مات في الرابع والعشرين من رجب (٣) منها بداره بدمشق، ودفن من يومه بتربة بني صصري. وكان حسن السيرة، سمح الكف، باشر مناصب جليلة، [ولديه] (٤) فضيلة، ﵀. • الشيخ الحافظ العدل بقية المسندين عماد الدين أبو البركات إسماعيل (٥) بن الشيخ الزاهد أبي الحسن علي بن أحمد بن إسماعيل بن حمزة، المعروف بابن [الطَّبال] (٦) الأزجي (٧)، شيخ الحديث بالمستنصرية (٨) ببغداد. مات في هذه السنة (٩)، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، ومولده في سنة إحدى

стр. 1950

وعشرين وستمائة. سمع البخاري من ابن كرم وابن القُطيعي وابن رُوزبة، وحدث بالكثير، وله إجازات كثيرة، ولم يخلف بالعراق مثله. • الشيخ صفي الدين (١) أبو نصر (٢) بن الرشيد بن أبي نصر، ناظر الجيوش بدمشق. مات بها، ودفن بسفح قاسيون بتربة الشيخ موفق الدين، ومولده سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان موته في الحادي والعشرين من رمضان. وكان أولًا سامريًا (٣)، ثم أسلم في زمن الملك المنصور قلاوون وحسن إسلامه، وكان مواظبًا على الصلوات في الجامع، ويحب أهل الخير، واشترى ملكًا وأوقفه على من يقرأ في المصحف بعد صلاة الصبح تحت قبة النسر، وكان يتصدق كثيرًا على فقراء كل ملة من المسلمين والسمرة واليهود والنصارى، وكان عفيفًا متواضعًا، لين الجانب، قاضي حوائج الناس، انقطع في آخر عمره لمرض لحقه، وعجز وشاخ، ولم يزل متمرضا إلى أن مات. • الشيخ المسند الرحلة بقية المشايخ شمس الدين أبو جعفر محمد (٤) بن على بن حسين الموازيني السلمي الدمشقي. كان شيخًا مسندًا، له ثروة، وعنده ديانة، وكان قد قسم ميراثه في حياته وبقى

стр. 1951

فقيرًا، وسكن في آخر عمره بقرية تلتيانة من (١) [٧٩] غوطه دمشق، ومات فيها في مستهل (٢) ذي الحجة منها، ودفن بمقابر الباب الصغير. وكان حج ثلاثين حجة، وانفرد بالرواية عن الحسين بن صصري (٣)، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة (٤). • العدل الفاضل محيي الدين أحمد (٥) بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين. مات بالقاهرة (٦)، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة. وكان في أول عمره يعاني الخِدم وكان أديبًا حُلْو المفاكهة. وله شعر حسن فمنه قوله: يا جفن مقلته سَكرْتَ فَعرْبد … كيف اشتهيت "على فؤاد المُكمَد" (٧) ورميت عن قوس الفتور فأصبحت … غَرضًا لأسهمك القلوب فسدِّد من لم يبت بعذاب حبك قلبُه … متنعمًا لا فاز منك بِمَوعِد للصب أسوة خال خَدَّك إنه … متنعم في جمره المُتَوقدِ

стр. 1952

أهوى قوامَ الغُصن تعطِفُه الصبا … فِعْلَ الصِّبا (١) بقوامك المتأوّدِ لاموا على ظمائي عليك (٢) وما دروا … [٨٠] في ماء خدك ما حلاوةُ موردِي طورا أُخيَّا بالأقداح (٣) وتَارةً … في الخدّ بالريحان والوَرْد النَّدى وجه كما سفر الصباح وحوله … حسنا بقايا جنح ليل أسود وكأنما خاف العيون فألبست … وجناته زَرَدًا مخافة مُعْتَدِ أنى يخاف مَنْ استجار بحبِّه (٤) … محمد بن علي بن محمد (٥) وأراد به الصاحب فخر الدين (٦) بن الصاحب بهاء الدين. وكتب إليه [أبو الحسين] (٧) الجزار: وما شئٌ له نَقْشٌ ونفس … ويؤكل عظمه ويُحك جِلدُه يَوَدَّ به الفتى إدراك سُؤْل … وقد يلقى به ما لا يودُّه ويأخذ منه أكثره بحق … ولكن عند آخره يرُدّه فأجابه محيي الدين المذكور:

стр. 1953

أمولاي الأديب دُعاء عبد … ودود لا يَحُولُ الدهر وُدَّه يرى محض الثناء عليك فرضًا … ولا يثني عنان الشكر بُعْدُه لقد أهديت لي لغزًا بديعًا … يَضِلُ عن اللبيب لديه رُشْدُه وقد أحكمتَه دُرًا نضيدًا … يشنف مسمعي بالدر عِقْدُه فشطر اللغز أخماسٌ ثلاثٌ … للغُزْك "إن تُرِدَ يومًا أحُدُّه" (١) وباقيه مع التصحيف ست (٢) … إذا ما زدته حرفًا تعدُّه هما ضدّان يقتتلان وَهْنا … ويضطجعان في فرش يمدُّه هما جيشان من زنج وروم … يقابل كل قرن فيه (٣) ضدُّه تقوم الحرب فيه كل وقت (٤) … ولا تَدْمي من الوقعات جُنده ويشتد القتال به طويلًا … ويحكم بالأصاغر فيه عَقْدُه ويُقتِل ملكه في كل حين … ويبعثه النشاط فيسترده وما ينجي الهمام به حسام … وقد ينجي من الإتلاف بَنْدُه ونصر الله في الهيجاء سجال … فمن شاء الإله به يُمدُّه وهذا كله حسب اجتهادي … وغاية فكرة الإنسان جهده (٥)

стр. 1954

• الأمير الفقير علاء الدين أَلْطِبْرس (١) المنصوري، من قدماء المماليك المنصورية. وكان أميرًا بطبلخاناه، فنزل عن الإمرة وسلك الطريق وأدركه التوفيق، فلبس المرقعة والزيق، وأعتق المماليك والرقيق، وترك الإقطاع، وعكف على الصلاة والقيام إلى أن ناداه داعي الحمام، وتوفيت زوجته ليلة وفاته، [فدفنا] (٢) في يوم واحد، فكانا كما قيل: فكأنما كانا على ميعاد. • الأمير عز الدين أيبك (٣) الشجاعي (٤)، مشد الدواوين. توفي بمدينة قوص فيها، وتوفي أولاده وأهل بيته في زمن متقارب. • الأمير عز الدين أيدمر (٥) الرشيدي، استادار الأمير [٨٢] سلار. مات في تاسع عشر شوال منها بالمالخوليا، وكان عاقلًا ذا ثروة وجاه. • الملك المسعود نجم الدين خضر (٦) بن الملك الظاهر بيبرس. مرض أيامًا قليلة في هذه السنة، بعد ما سكن في دار الأفرم على شاطئ النيل، ومات على فراشه، ودفن بتربتهم بأقصى القرافة. وقد ذكرنا أنه كان محبوسًا فأفرج عنه الناصر (٧).

стр. 1955

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة وخليفة الوقت المستكفى بالله. وسلطان البلاد الملك المظفر بيبرس الجاشنكيري. ونائبه بمصر الأمير سلار. وبالشام الأمير جمال الدين أقوش الأفرم. وبحلب الأمير سيف الدين قراسنقر. وبحماة الأمير سيف الدين قفجق. وبطرابلس الأمير سيف الدين اسندمر. وقضاة مصر والشام على حالهم. ذكر ما تجدد في أيام المظفر وفي ليلة (١) سلخ صفر: وُجِّه ابن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبة أمير مقدم (٢) فأدخله دار السلطان بها، وأنزله في برج منها في مكان فسيح، وكان الناس يدخلون عليه ويبحثون معه، ثم كان بعد ذلك [يحضر] (٣) الجُمْعَات ويعمل المواعيد بها

стр. 1956

على عادته في الجوامع (١)، وقد ذكرنا في السنة الماضية (٢) أنه كان في الإسكندرية وأن المظفر طلبه، ثم جرى بينهم وبينه ما ذكرنا فأعاده إلى الإسكندرية. وقال ابن كثير: وكان سبب ذلك أن الشيخ نصر (٣) المنبجي، شيخ الجاشنكير، كانت تمكنت عداوتُه من الشيخ تقي الدين بن تيمية بسبب أنه كان ينال من الجاشنكير ويقول: زالت أيامه وانتهت رئاسته وقَرُب انقضاء أجله، [ويتكلم] (٤) فيه، فأرادوا أن يسيروه إلى إسكندرية كهيئة المنفى لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة فيستريحوا منه، فما زاده ذلك إلا محبة الناس وحُنُوَّا عليه (٥). وفي جُمادى الأولى: برزت المراسيم السلطانية المظفرية إلى نواب البلاد الساحلية بإبطال الخمور وتخريب [الحانات] (٦) ونفى أهلها، ففعل ذلك، ففرح المسلمون فرحًا كثيرًا (٧). وفي مستهل جمادى الآخرة: تولى قضاء الحنابلة بدمشق الشيخ شهاب الدين [أحمد] (٨) بن شرف الدين حسن بن الحافظ جمال الدين بن أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي، عوضًا عن القاضي علم الدين سليمان (٩)، بسبب أنه كان يتكلم في نزول الناصر عن الملك وأنه مضطهد في ذلك وليس بمختار، وقد صدق فيما

стр. 1957

قال (١). وفي جُمادى الآخرة: باشر بدر الدين (٢) بن جماعة مشيخة سعيد السعداء (٣) بطلب الصوفية له، ورضوا بالحضور منه عندهم في الجمعة مرة واحدة، وعُزل كريم الدين [الآملي] (٤) لأنه عَزَل منها الشهود، فثاروا عليه وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة، فانصرف عنهم، وعُومل بنظير ما كان يُعامِل الناس به (٥). وفيها: وردت الأخبار بغارة بعض التتار على الأطراف، وأوقعوا بالتركمان الذين بعينتاب وغيرهم ونهبوهم، فأمر بتجريد أقوش [قتال السبع] (٦) الموصلي، وحسام الدين لاجين (٧) الجاشنكير، ومُضَافوهما، فتوجهوا إلى حلب بألفي فارس وجماعة من أمراء [الطبلخانات] (٨) والعشرات. وقال بيبرس في تاريخه، وفي أوائل هذه السنة كَثُر الإرجاف بأن العدو المخذول قد تحرك في البلاد الشرقية، فبرز الدهليز المنصور إلى ظاهر الريدانية وذلك في شهر ربيع الأول (٩). وفي الشهر المذكور: خُسَف القمر خُسوفًا كاملًا.

стр. 1958

وفيها: بنى الأمير سيف الدين برلغي الصغير القفجاقى ببنت الركن الجاشنكير ودخل بها. وفيها: وصل علاء الدين أيدغدي (١) التَّلِيلي وعلاء الدين أيدغدي (٢) الخوارزمي رسولا الباب الشريف من بلاد المغرب، ووصل صحبتهما الشيخ أبو يحيى زكريا (٣) المعروف باللحياني، نائب صاحب تونس بطرابلس، قاصدًا الحج، والشيخ أبو إدريس عبد الحق ابن عم أبي يعقوب المريني ومَنْ معهما، وأخبر الرسولان المذكوران بما اتفق لهما في هذه السفرة وهو أنهما لما توجها من الباب العزيز في شهور سنة ست وسبعمائة سارا على المنازل التي تذكر، وهي: من الإسكندرية إلى طَلميثا (٤) ببلاد برقة، ومنها إلى سِرْت، ومنها: إلى مزانة (٥)، ومنها: إلى طمجورة، ومنها: إلى طرابلس الغرب، ومنها: إلى قَابِس، ومنها: إلى سفاقّس، ومنها: إلى المَهْدِية، ومنها: إلى سُوسَة، ومنها: إلى تونس، ومنها: إلى باجه، ومنها: إلى بُونَه وهي آخر بلاد إفريقية. ومنها: إلى [قُسنطِينة] (٦) الهوى وهي أول أعمال بجاية، ومنها: إلى أول أعمال تلمسان وهي [المديَّة] (٧)، ومنها: إلى مِلْياية، ومنها: إلى البقيعة، ومنها: إلى تلمسان، وأقاموا بها أيامًا وخرجوا منها إلى وَجْدَهَ، ومنها: إلى تازة، ومنها: إلى فاس، ومنها: إلى مكناسة، ومنها: إلى سَلا، ومنها: إلى أُزُمُّوره، ومنها: إلى آسَفى، ومنها: إلى مراكش،

стр. 1959

ومنها: إلى أغْمَات، ومنها: إلى جبال ذرني، وهي آخر عمارة المغرب (١)، جملة المسافة التي ساروها إلى تلمسان مائة يوم وستة أيام (٢). قال المُخبر منهما: ووصلنا إلى تلمسان في ربيع الآخر سنة سِت وسبعمائة [واجتمعنا] (٣) بأبي يعقوب (٤) المريني، وأوصلنا إليه المماليك والهدايا، فَوسَّع لنا في العطايا، وأرسلنا إلى فاس، فتفرجنا فيها وفي أعمال مراكش، وأقمنا بمدينة فاس أربعة عشر يومًا ننتظر إذنه لنا بالعودة، فبينا نحن على ذلك، إذ جاءنا خبر وفاته، وقام أبو ثابت (٥) ابن ابنه مقامه، فخرجنا من فاس، وصحبنا منها ركبٌ عظيم كانوا قد تجهزوا لقصد الحج من تجار وأعيان وطبقات الناس، واستصحبنا معنا ما جهزناه من الهدايا وما معنا من الموجود الذي لنا، فلما سرنا صادفنا أبا ثابت وهو سائر نحو فاس، فاجتمعنا به وتجهزنا من عنده، وأرسل برسم الأبواب الشريفة خيلًا وبغالًا وجمالًا سبعمائة، ولما وصلنا تلمسان (٦) وجدنا صاحبها محمد (٧) بن عثمان بن يغمراسن قد مات وجلس بعده أخ له

стр. 1960

اسمه أبو حَمُّو (١) فلم [نجد] (٢) منه إكرامًا، وأولانا غِلظة وإحجامًا، وكانت الأعراب قد اهتاجت ببلاد الغرب منذ [قتل] (٣) المريني، فسألنا ابن يغمراسن المذكور أن يُجهز معنا من يوصلنا إلى حد بلاده، فلم يعبأ بناء فكررنا عليه السؤال حتى جهز معنا ثلاثة أشخاص من العرب لا يغنون غناء، ولا يدفعون عناء. فسرنا بالرغم، وتزودنا الغم، نتوقع الإيقاع، ولا نهتدي في تلك البقاع، وسارت صحبتنا الركبان إلى أن تجاوزنا تلمسان، فما تعديناها قليلًا، [ولا بُعدنا عنها] (٤) إلا ميلًا، حتى خرجت علينا طوائف من العربان كالجراد الناشر والسيل الجارف من عرب حُصين وغيرهم، فأحاطوا بالركب من كل جانب، على موضع يقال له المُديّه، فتمكنت هنا لكم الأذية، ووضعوا أيديهم في الرجال والنسوان، والرحال والركبان، فقاتلناهم ما استطعنا، ودافعناهم حتى اندفعنا، ونفذ ما في الجعاب من السهام، وكاد يدركنا الظلام، فأعيينا من الكفاح وجلاد الصفاح، وتمزق ذلك الركب [بين] (٥) مقتول ومنهوب ومطروح ومسلوب، وحَوَتْ العربان كلَّ ما كان معنا ومعهم (٦) من الأموال والخيل والبغال والدواب والجمال والكِسَى والنفقات، وتركونا في تلك [الصحراء] (٧) منبوذين بالعراء، قد أشْفينا من الظمأ، وليس فينا من يهتدى إلى الماء، فقصدنا شخصًا نازلًا بالقرب من تلك الأرض اسمه أبو بكر بن زَغْلى، فسرنا دون ثلاثة أيام حتى أشرفنا عليه، ودخلنا إليه، فأقمنا في مثواه ريثما استرجعنا رمقًا قليلًا، وارتدنا لنا دليلا، ثم سرنا من

стр. 1961

عنده فوصلنا بجاية على غاية من الإقتار، والإدبار، والمشقة والبوار، وبها الأمير خالد المؤمنى فتلقانا، وأكرم مثوانا، وأنزلنا، وجهزنا، وزودنا، وكسانا أثوابًا وسرحنا، فلما وصلنا تونس وجدنا بها أبا عبد الله المؤمنى (١)، فجهز معنا أدلاء أوصلونا إلى طرابلس الغرب، فوصلنا وبها الشيخ أبو زكريا يحيى اللحياني ابن عمه، فسار صحبتنا إلى الديار المصرية مظهرًا أنه يقصد الحج، وكان ذلك بسب جرى بينه وبين ابن عمه صاحب تونس المذكور، أوجب له [النفور] (٢). قال بيبرس ﵀: فأنزل بمناظر الشرف الأعلى، وأوسع طولًا وفضلًا، وكان وصول بدر الدين أمير شكار إلى الرسل، إلى مكان يقال له: سُوسه، وقد حصلوا في حدود الأرض المأنوسة، وعاد صحبتهم بمن معه من الأجناد، فكانت إقامة التُّليلى ورفقته (٣) في هذه السفرة ثلاث سنين وستة أشهر (٤). وفيها: كان الوباء بالقاهرة ومصر، ومات خلق كثير، وكان الموت كثيرًا في مماليك الأمراء. وفيها: وصلت رُسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة وبالهدايا، فأكرموا وأعيدوا إلى مرسلهم.

стр. 1962

ذكر اضطراب دولة الملك المظفر بتاريخ الخامس عشر من جُمادى الأخرى: قفز جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية بالقلعة والقاهرة، مائة وستة وثلاثون نفرًا. وقال بيبرس في تاريخه: تسحب من الديار المصرية إلى الكرك المحروس: سيف الدين انغيه (١) قفجاق أحد المماليك السلطانية، وسيف الدين طقطاي البساقى، وعلاء الدين مغلطاي القازاني، وتوجه معهم من المماليك السلطانية السكان بالقلعة والقاهرة مائة وستة وثلاثون نفرًا، وخرجوا طُلبًا واحدًا بخيلهم وهجنهم وغلمانهم، وتركوا بيوتهم وأولادهم وراءهم (٢). وفي نزهة الناظر: لما ولى المظفر الملك بقي سلار هو الملك الظاهر بين الناس، والمظفر بيبرس من وراء حجاب، ففي يوم من الأيام دخل على المظفر أميران من أمراء مصر، أحدهما يسمى نُغَيْة والآخر مغلطاي، فباسا الأرض بين يديه وشكيا من ضعف أخبازهما، فقال لهما المظفر: اشكيا حالكما إلى سلار فهو أعلم بحالكما، فقالا: خلد الله ملك مولانا السلطان، أهو مالك البلاد أم مولانا السلطان؟ فقال: اذهبا إلى سلار، فخرجا من عنده وجاءا إلى سلار وأعلماه بما قال المظفر، فقال: والله يا أمراء بهذا الكلام أبعدكما، وأنتما تعلمان أن النائب ماله كلام مثل السلطان، وكان الأمير نُغيه فارسًا لا يُطاق، ومُرا لا يُذاق، فأقسم بالله لئن لم تغيروا خبزه ليقيمن شرًا يهرق فيه الدماء، ويُقام فتنة تهيج بين الأرض والسماء، ثم خرج من عند الأمير سلار وهو يدمدم، وفي الحال ركب سلار وطلع إلى المظفر بيبرس وحدثه بما جرى له مع نغيه ومغلطاي القازاني، وقال: هذا نُوغيه يصدق فيما يقول لأنه قادر على إثارة الشر، والمصلحة قبضه وحبسه في

стр. 1963

السجن، فاتفقوا على قبضه، وكان هناك في ذلك [الوقت] (١) أمير يقال له: أبتر، سمع بهذا الحديث، فلما خرج أعلم نُوغيه (٢) بذلك، ولما سمع نُوغيه بذلك طلب مغلطاي وجماعة من مماليك الملك الناصر، وقال لهم: يا جماعة هذا الرجل قد عوّل على قبضنا، وأما أنا فما أسلم روحي إلا بعد حرب تضرب فيه الرقاب، فقالوا له: على ماذا عولت؟ فقال: عوّلت على أن أسير إلى الكرك إلى الملك الناصر أستاذنا، فقالوا له: نحن معك، خلف كلهم على ذلك، قال نُوغيه - وكان بيته خارج باب النصر (٣): كونوا عندي وقت الفجر الأول راكبين وأنتم لابسين، ثم إنه جهز حاله في تلك الليلة، وركب بعد الثلث الأخير مع مماليكهـ وحاشيته ومن يلوذ به، ثم جاءه مغلطاي القازاني بمماليكهـ ومعه جماعة من مماليك السلطان الناصر، والكل ملبسون على ظهر الخيل، ثم أن نغيه حرك الطبلخاناة حربيًا وشق في الحُسينية (٤) وهو خارج (٥). قال الراوي: فماجت الناس، وركبت الخيل من الحسينية، وساروا، وأعلموا الأمير سلار، فركب سلار وطلع إلى القلعة وأعلم السلطان المظفر بأن نُغية راح هو ومغلطاي القازاني، فقال: على أي شيء راحا؟ فقال: على نباح الجراء في بطون الكلاب، وأنا خبير بنُوغيه، والله ما ينظر في عواقب الأمور، ولا يخاف آثار المقدور (٦). وقال ابن كثير: ومن خرج معهم سيف الدين طقطاى الساقي، وذلك بمباطنة الأمير سلار، وعند ذلك اتفقوا على تجريد عسكر وراء المتسحبين (٧).

стр. 1964

ذكر تجريد العسكر وراء المتسحبين إلى الكرك طالبين الناصر ولما ظهر أمر المتسحبين جرد المظفر في آثارهم جماعة من الأمراء صحبة: الأمير علاء الدين مغلطاي (١) المسعودي، وسيف الدين قلي، فساروا سيرًا رقيقًا قصدا في عدم إدراكهم، وحفظًا لسلطانهم وابن سلطانهم، فلم يدركوهم، وأقاموا على غزّة أيامًا، وعادوا إلى القاهرة. وفي نزهة الناظر: وجردوا وراءهم خمسة آلاف فارس صحبة أخ سلار [سُمُك] (٢)، وقالوا له: لا ترجع إلا بهم ولو غاصوا في البحر المحيط، وكان فيهم: الأمير شمس الدين دباكُوز، وبجاس، وبشكاس، وجنكلي بن البابا، وكُري، وكَهَزداش، وأيبك البغدادي، وبلاط، وساروجا، والقرماني، وهم نقاوة عسكر مصر، فساروا، وكان نُغيه قد وصل إلى بلبيس وطلب واليها وقال له: إن لم تحضر لي في هذه الساعة خمسة آلاف دينار من مال السلطان لأسلخن جلدك من كعبك إلى أذنك، وحلف عليه، ففي الساعة أحضر الذهب، وكان نُغية قد رصد أناسًا يكشفون له الأخبار، فجاءوا وذكروا أن عسكرًا عظيمًا قد وصلوا من القاهرة وهم سائقون، فعند ذلك ركب نُوغيه بأصحابه وقال لوالى بلبيس: قل للأمراء الجَايِّين خلفي، ها أنا رايح على مهل حتى يلحقوا بي، وأنا أقسم بالله العظيم لأن وقعت عيني عليهم لأجعلن عليهم يومًا يذكره أصحاب التواريخ، ولم يبعد نُوغيه حتى وصل أخو سلار وهو سُمك مع العسكر، فلاقاهم والى بلبيس وأخبرهم بما جرى له مع نُغيه، وما ركب نُغيه إلا من ساعة، فلما سمعوا بذلك ساقوا إلى أن وصلوا إلى مكان بين الخَطَّارة وبين [السعيدية] (٣)، فإذا بنوغية واقف وقد صف رجاله ميمنة وميسرة، وهو واقف في القلب قدام الكل، فلما رآهم سُمُك

стр. 1965

أرسل إليهم فارس من كبار الحلقة، فاجتمع بنوغية وقال له: أرسلني سمك إليك وهو يقول: السلطان الملك المظفر يسلم عليك ويقول لك: سبحان الله، أنت كنت أكبر أصحابي فما الذي غيرك عليه، فإن كان لأجل الخبز فيما يأكل الخبز أحد أحق منك، فإن عدت إليه فكل ما تشتهي يحصل لك، فلما سمع نغية هذا الكلام ضحك وقال: اش هذا الكلام الكذب [في الأمس] (١) سألته أن يصلح خُبزى بقرية واحدة ما أعطاني وأنا تحت أمره، فكيف سمح لي اليوم ما أشتهي وأنا عدوه الآن، فخل عنك هذا الهذيان وما لكم عندي إلا السيف، فرجع الرسول وأعلم سُمُك بما قال نغيه، ثم إن نغيه [ركس] (٢) فرسه وتقدم إلى سُمُك وأصحابه، فقال له: اعلم أن هؤلاء [الذين] (٣) معي أنا الذي أخرجتهم من بيوتهم، وأنا المطلوب، فمن كان يريدني يبرز إلى وهذه الميدان، فنظرت الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قال: يا أمراء ما أنا باغي ولا عاصى على أحد، ولا خرجت من شيء عبثًا ولكنني مغبون وأنتم أغبن مني ولكن ما تظهرون، وها أنتم سمعتم منى الكلام، فمن أراد الخروج إلى فليخرج، وإلا احملوا علىّ بأجمعكم، وكان آخر النهار، فلم يخرج إليه أحد، فرجع إلى أصحابه، ونزل سُمُك في ذلك المكان. ولما أمسى الليل رحل نغيه بأصحابه، فسار طول الليل وثاني النهار إلى آخره، ثم نزلوا وأراحوا دوابهم وأكلوا شيئًا، ثم ركبوا وساروا، فما أصبح الصبح إلا وهم في قطيا (٤)، وكانوا قد أرسلوا البطاقة إلى [قطيا] (٥) بأن نغيه خرج هاربًا إلى الملك الناصر في الكرك
следующие страницы →