← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

عنده فوصلنا بجاية على غاية من الإقتار، والإدبار، والمشقة والبوار، وبها الأمير خالد المؤمنى فتلقانا، وأكرم مثوانا، وأنزلنا، وجهزنا، وزودنا، وكسانا أثوابًا وسرحنا، فلما وصلنا تونس وجدنا بها أبا عبد الله المؤمنى (١)، فجهز معنا أدلاء أوصلونا إلى طرابلس الغرب، فوصلنا وبها الشيخ أبو زكريا يحيى اللحياني ابن عمه، فسار صحبتنا إلى الديار المصرية مظهرًا أنه يقصد الحج، وكان ذلك بسب جرى بينه وبين ابن عمه صاحب تونس المذكور، أوجب له [النفور] (٢). قال بيبرس ﵀: فأنزل بمناظر الشرف الأعلى، وأوسع طولًا وفضلًا، وكان وصول بدر الدين أمير شكار إلى الرسل، إلى مكان يقال له: سُوسه، وقد حصلوا في حدود الأرض المأنوسة، وعاد صحبتهم بمن معه من الأجناد، فكانت إقامة التُّليلى ورفقته (٣) في هذه السفرة ثلاث سنين وستة أشهر (٤). وفيها: كان الوباء بالقاهرة ومصر، ومات خلق كثير، وكان الموت كثيرًا في مماليك الأمراء. وفيها: وصلت رُسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة وبالهدايا، فأكرموا وأعيدوا إلى مرسلهم.

стр. 1962

ذكر اضطراب دولة الملك المظفر بتاريخ الخامس عشر من جُمادى الأخرى: قفز جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية بالقلعة والقاهرة، مائة وستة وثلاثون نفرًا. وقال بيبرس في تاريخه: تسحب من الديار المصرية إلى الكرك المحروس: سيف الدين انغيه (١) قفجاق أحد المماليك السلطانية، وسيف الدين طقطاي البساقى، وعلاء الدين مغلطاي القازاني، وتوجه معهم من المماليك السلطانية السكان بالقلعة والقاهرة مائة وستة وثلاثون نفرًا، وخرجوا طُلبًا واحدًا بخيلهم وهجنهم وغلمانهم، وتركوا بيوتهم وأولادهم وراءهم (٢). وفي نزهة الناظر: لما ولى المظفر الملك بقي سلار هو الملك الظاهر بين الناس، والمظفر بيبرس من وراء حجاب، ففي يوم من الأيام دخل على المظفر أميران من أمراء مصر، أحدهما يسمى نُغَيْة والآخر مغلطاي، فباسا الأرض بين يديه وشكيا من ضعف أخبازهما، فقال لهما المظفر: اشكيا حالكما إلى سلار فهو أعلم بحالكما، فقالا: خلد الله ملك مولانا السلطان، أهو مالك البلاد أم مولانا السلطان؟ فقال: اذهبا إلى سلار، فخرجا من عنده وجاءا إلى سلار وأعلماه بما قال المظفر، فقال: والله يا أمراء بهذا الكلام أبعدكما، وأنتما تعلمان أن النائب ماله كلام مثل السلطان، وكان الأمير نُغيه فارسًا لا يُطاق، ومُرا لا يُذاق، فأقسم بالله لئن لم تغيروا خبزه ليقيمن شرًا يهرق فيه الدماء، ويُقام فتنة تهيج بين الأرض والسماء، ثم خرج من عند الأمير سلار وهو يدمدم، وفي الحال ركب سلار وطلع إلى المظفر بيبرس وحدثه بما جرى له مع نغيه ومغلطاي القازاني، وقال: هذا نُوغيه يصدق فيما يقول لأنه قادر على إثارة الشر، والمصلحة قبضه وحبسه في

стр. 1963

السجن، فاتفقوا على قبضه، وكان هناك في ذلك [الوقت] (١) أمير يقال له: أبتر، سمع بهذا الحديث، فلما خرج أعلم نُوغيه (٢) بذلك، ولما سمع نُوغيه بذلك طلب مغلطاي وجماعة من مماليك الملك الناصر، وقال لهم: يا جماعة هذا الرجل قد عوّل على قبضنا، وأما أنا فما أسلم روحي إلا بعد حرب تضرب فيه الرقاب، فقالوا له: على ماذا عولت؟ فقال: عوّلت على أن أسير إلى الكرك إلى الملك الناصر أستاذنا، فقالوا له: نحن معك، خلف كلهم على ذلك، قال نُوغيه - وكان بيته خارج باب النصر (٣): كونوا عندي وقت الفجر الأول راكبين وأنتم لابسين، ثم إنه جهز حاله في تلك الليلة، وركب بعد الثلث الأخير مع مماليكهـ وحاشيته ومن يلوذ به، ثم جاءه مغلطاي القازاني بمماليكهـ ومعه جماعة من مماليك السلطان الناصر، والكل ملبسون على ظهر الخيل، ثم أن نغيه حرك الطبلخاناة حربيًا وشق في الحُسينية (٤) وهو خارج (٥). قال الراوي: فماجت الناس، وركبت الخيل من الحسينية، وساروا، وأعلموا الأمير سلار، فركب سلار وطلع إلى القلعة وأعلم السلطان المظفر بأن نُغية راح هو ومغلطاي القازاني، فقال: على أي شيء راحا؟ فقال: على نباح الجراء في بطون الكلاب، وأنا خبير بنُوغيه، والله ما ينظر في عواقب الأمور، ولا يخاف آثار المقدور (٦). وقال ابن كثير: ومن خرج معهم سيف الدين طقطاى الساقي، وذلك بمباطنة الأمير سلار، وعند ذلك اتفقوا على تجريد عسكر وراء المتسحبين (٧).

стр. 1964

ذكر تجريد العسكر وراء المتسحبين إلى الكرك طالبين الناصر ولما ظهر أمر المتسحبين جرد المظفر في آثارهم جماعة من الأمراء صحبة: الأمير علاء الدين مغلطاي (١) المسعودي، وسيف الدين قلي، فساروا سيرًا رقيقًا قصدا في عدم إدراكهم، وحفظًا لسلطانهم وابن سلطانهم، فلم يدركوهم، وأقاموا على غزّة أيامًا، وعادوا إلى القاهرة. وفي نزهة الناظر: وجردوا وراءهم خمسة آلاف فارس صحبة أخ سلار [سُمُك] (٢)، وقالوا له: لا ترجع إلا بهم ولو غاصوا في البحر المحيط، وكان فيهم: الأمير شمس الدين دباكُوز، وبجاس، وبشكاس، وجنكلي بن البابا، وكُري، وكَهَزداش، وأيبك البغدادي، وبلاط، وساروجا، والقرماني، وهم نقاوة عسكر مصر، فساروا، وكان نُغيه قد وصل إلى بلبيس وطلب واليها وقال له: إن لم تحضر لي في هذه الساعة خمسة آلاف دينار من مال السلطان لأسلخن جلدك من كعبك إلى أذنك، وحلف عليه، ففي الساعة أحضر الذهب، وكان نُغية قد رصد أناسًا يكشفون له الأخبار، فجاءوا وذكروا أن عسكرًا عظيمًا قد وصلوا من القاهرة وهم سائقون، فعند ذلك ركب نُوغيه بأصحابه وقال لوالى بلبيس: قل للأمراء الجَايِّين خلفي، ها أنا رايح على مهل حتى يلحقوا بي، وأنا أقسم بالله العظيم لأن وقعت عيني عليهم لأجعلن عليهم يومًا يذكره أصحاب التواريخ، ولم يبعد نُوغيه حتى وصل أخو سلار وهو سُمك مع العسكر، فلاقاهم والى بلبيس وأخبرهم بما جرى له مع نُغيه، وما ركب نُغيه إلا من ساعة، فلما سمعوا بذلك ساقوا إلى أن وصلوا إلى مكان بين الخَطَّارة وبين [السعيدية] (٣)، فإذا بنوغية واقف وقد صف رجاله ميمنة وميسرة، وهو واقف في القلب قدام الكل، فلما رآهم سُمُك

стр. 1965

أرسل إليهم فارس من كبار الحلقة، فاجتمع بنوغية وقال له: أرسلني سمك إليك وهو يقول: السلطان الملك المظفر يسلم عليك ويقول لك: سبحان الله، أنت كنت أكبر أصحابي فما الذي غيرك عليه، فإن كان لأجل الخبز فيما يأكل الخبز أحد أحق منك، فإن عدت إليه فكل ما تشتهي يحصل لك، فلما سمع نغية هذا الكلام ضحك وقال: اش هذا الكلام الكذب [في الأمس] (١) سألته أن يصلح خُبزى بقرية واحدة ما أعطاني وأنا تحت أمره، فكيف سمح لي اليوم ما أشتهي وأنا عدوه الآن، فخل عنك هذا الهذيان وما لكم عندي إلا السيف، فرجع الرسول وأعلم سُمُك بما قال نغيه، ثم إن نغيه [ركس] (٢) فرسه وتقدم إلى سُمُك وأصحابه، فقال له: اعلم أن هؤلاء [الذين] (٣) معي أنا الذي أخرجتهم من بيوتهم، وأنا المطلوب، فمن كان يريدني يبرز إلى وهذه الميدان، فنظرت الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قال: يا أمراء ما أنا باغي ولا عاصى على أحد، ولا خرجت من شيء عبثًا ولكنني مغبون وأنتم أغبن مني ولكن ما تظهرون، وها أنتم سمعتم منى الكلام، فمن أراد الخروج إلى فليخرج، وإلا احملوا علىّ بأجمعكم، وكان آخر النهار، فلم يخرج إليه أحد، فرجع إلى أصحابه، ونزل سُمُك في ذلك المكان. ولما أمسى الليل رحل نغيه بأصحابه، فسار طول الليل وثاني النهار إلى آخره، ثم نزلوا وأراحوا دوابهم وأكلوا شيئًا، ثم ركبوا وساروا، فما أصبح الصبح إلا وهم في قطيا (٤)، وكانوا قد أرسلوا البطاقة إلى [قطيا] (٥) بأن نغيه خرج هاربًا إلى الملك الناصر في الكرك

стр. 1966

فلا تمكنوه من الجواز، وكان والى قطيا قد جمع عربانًا كثيرة قريب ثلاثة آلاف نفس، فلما رآهم نغيه قال لأصحابه: احملوا عليهم وبادروهم حتى لا يأخذهم الطمع فيكم وتأتي الخيل التي وراءنا، فحملوا عليهم، وكان مقدم القوم نوفل بن حايس البياضي، فحمل بخمسمائة فارس وعليهم اللبوس وحملت الأتراك، فوقع بينهم قتال عظيم، فترجحت الأتراك، عليهم وولت العرب هاربين، وطلبوا البراري والقفار، ولحق نُوغيه والى قطيا وطعنه برمح فألقاه في الأرض وأخذه أسيرًا، ثم رجعت الترك من خلف العرب بعد ما لّموا الخيل الشاردة، وأما سُمُك بعسكر مصر فلم يزالوا يتبعونهم منزلة بمنزلة حتى وصلوا إلى قطيا فرأوها خرابًا، وسمعوا ما جرى بين نُغيه وبين العرب، فقال للأمراء: الرأي عندي أن تسيروا إلى غزة وتشاوروا نائب غزة وتدبروا أمرًا يكون فيه المصلحة، [فساروا] (١) إلى غزة فلقاهم نائبها البدري (٢)، وأنزلهم على ظاهر غزة، ونقل إليهم جميع ما يحتاجون إليه، فقال له سُمُك: نحن ما جينا إلا لأجل نُغيه، وإنه من العريش سار يطلب الكرك، فما رأيك فينا؟ فهل نسير إلى الكرك أو نرجع من ها هنا؟ فقال لهم البدرى: رواحكم إلى الكرك ما هو مصلحة، وأنتم حين خرجتم من مصر سائرون وراءهم ورأيتموهم في الطريق فما قدرتم عليهم، وقد وصلوا إلى الكرك وانضموا إلى الملك الناصر، وازدادت قوتهم أكثر فأكثر، والرأي عندي أن ترجعوا إلى مصر وتقولوا للسلطان: ما كانت المصلحة في تغليظ الكلام على نُوغيه، والرأي عندي مداراته بكل ممكن وأنا أعرف الناس به، وينبغي أن لا [يتعرض] (٣) السلطان إلى خبزه ولا إلى بيته، فباتوا تلك الليلة في غزة، ولما أصبحوا ركبوا وساروا طالبين مصر. فلا تمثل سُمُك بين يدي المظفر أخبره بجميع ما جرى في الطريق، وأن نائب غزة أشار عليهم بالرجوع إلى السلطان، فلما سمع المظفر بذلك انزعج واحترق قلبه وأمر

стр. 1967

[ساعتئذ] (١) أن يُكتب كتاب إلى الملك الناصر وفيه: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، ومن قبل وضعه من يدك، ارسل لَنا نُغيه ومغلطاي ومماليكهما، وتبعث المماليك [الذين] (٢) عندك في الكرك، ولا تخل منهم عندك سوى خمسين مملوكًا والباقي أرسلهم فإني اشتريت الكل من بيت المال، وإن لم تسيرهم سرت إليك وأخذتك وأنفك راغم، وسير الكتاب مع بريدي إلى الملك الناصر. وأما نُغيه فإنه سار إلى الكرك فوجد السلطان في الصيد، فقال نُغيه لمغلطاي: أنزل أنت ها هنا وأنا أسير إلى السلطان، ثم إنه ركب هجينا وأخذ معه ثلاثة مماليك، وسار إلى ناحية عقبة أيلا، وإذا بالسلطان نازل في موضع وعنده خلق كثير من العرب والترك، فلما رأوا نُغيه وقد أقبل من صدر البرية أرسل إليه خيلًا ليكشفوا حاله وخبره، فلما قربوا منه عرفه مماليك السلطان، فرجعوا وأعلموا الناصر أنه نغيه، فقال السلطان: الله أكبر، ما جاء هذا إلا عن أمر عظيم، ولما حضر باس الأرض بين يدي الناصر ودعا له، فقال له السلطان: أراك جئت في مثل هذا الوقت إلى هذا المكان، حدثني بحقيقة أمرك، فأنشأ نُغيه يقول: أنت الملك وهذه أعناقنا … خضعت لِعز عُلاك يا سلطاني أنت المُرجَّى يا مليك فمن لنا … أسد سواك ومَالِكُ البُلْدَاني يا مرتجى عند الشدائد كلها … يا ناصرٌ منصور بالرحماني جئناك يا بطل همام فقم بنا … فالمُلك مُحتاج إليك عَيَاني ارحم بلادك والرعيةَ كلَّها … وعواتقُ الفتيان والنسياني ثم قال: يا خوند، لما توجه مولانا السلطان إلى الكرك ما كان يقدر المملوك على

стр. 1968

الركوب لأجل المرض، فلما أفاق المملوك من مرضه جمع خشداشيته وحلفوا لمولانا السلطان، فقلت لهم: قوموا بنا نروح إليه، فنحن ما يقوم لنا صورة لأن ما فينا رأس نتبعه، فسمع بذلك بيبرس وأراد أن يقبض علينا، فخرجنا من القاهرة على حمية، ثم سَيَّر خلفنا أخا سلار سُمُك ومعه أربعة آلاف فارس، فلحقونا في كورة العباسة (١) وجرى له معنا كذا وكذا، ولم يزالوا خلفنا إلى العريش، فقال له السلطان: ومن جاء معك؟ قال ملغطاي القازانى وثلاثمائة مملوك، فقال له السلطان: يا نُغيه كيف خلفت قلوب الأمراء والرعية؟ فقال: الناس كلهم داعون لمولانا السلطان ومنتظرون له. وفي تلك الساعة ركب السلطان وسار يطلب الكرك، ونُغيه إلى جانبه، وقد أركبه جنيبًا من جنائبه، وهو يحدثه ويبشره برجوع المُلْك إليه، إلا أن السلطان لما سمع أن أخا سلار جاء خلفهم داخله الريب، وقال في نفسه: لا يكون حيلة دبروها عَلَيَّ. ليحيلوا بيني وبين الكرك، فساق سوق المستعجل، ولما أشرف على الكرك ركب مغلطاي القازاني بمن معه، فلا عاينوا السلطان ترجلوا وباسوا الأرض، وجرى مغلطاي وباس يد السلطان، فأركبه جنيبا من جنائبه وطيب قلبه وقلوب مَنْ معه، ووعد الجميع بكل خير، ولم يزالوا قدامه حتى طلع السلطان إلى الكرك. ونزل نُوغيه ومغلطاي ومن معهما في وطاقاتهم وأمر السلطان بالإقامات والعلوفات لهم، وباتوا تلك الليلة، ولما أصبحوا طلبهم السلطان، فحضروا وباسوا الأرض ودعوا له، فأمرهم بالجلوس وخلع عليهم، ثم قَرَّب الأمراء والأكابر إليه، فشاورهم فيما يصنعون، فقال نغيه: من ذا الذي يعاندك ويقف قدامك والجميع مماليكك؟ والذي خلق الخلق إذا كنت معي ألتقى وحدى كل مَنْ في مصر والشام، فقال له السلطان: صدقت فيما قلت، ولكن مَنْ لم ينظر في العواقب ما الدهر له بصاحب. وقال ابن كثير: ووصل المتوجهون إلى الكرك إلى الملك الناصر في الحادي

стр. 1969

والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، فقبلهم الناصر أحسن قبول، وكان حين [دخلوا] (١) القاطيه أخذوا ما بها من المال، ووجدوا أيضًا في طريقهم تقدمة لسيف الدين طوغان (٢) النائب بقلعة البيرة، فأخذوها بكمالها، وأحضروا الجميع بين يدي الناصر محمد، ولما وصلت الأمراء أمر بالخطبة لنفسه، ثم كاتب النواب (٣). ذكر مُكاتبة الناصر محمد إلى النواب بالممالك الشامية قال ابن كثير: لما وصل المتسحبون من مصر إلى السلطان الناصر كاتب النواب بالممالك الشامية ومهنا أمير العرب، فوردت عليه أجوبتهم يبذلون له الطاعة ويعرضون أموالهم بين يديه، إلا أقوش الأفرم نائب دمشق فإنه امتنع من الطاعة وجرد من جهته على الطريق مَنْ يحفظها (٤). وفي النزهة: ولما وصلت الأمراء إلى الناصر طلب وكيله ابن عُباده، وأمره أن يكتب إلى: قراسنقر نائب حلب، وقفجق نائب حماة، واسندمر نائب طرابلس، وأعلمهم بصورة الحال، وذكر أن نُغيه ومغلطاي القازانى وجماعة من عسكر مصر [حضروا] (٥) إلَيَّ، فأجمعوا أنتم رأيكم وأعلموني بما تتفقون عليه، وربما نسير إلى دمشق في هذا الوقت، ولا يمكن التأخير بعد ذلك، ثم طلب نجابا يقال له: صخر، وقال له: سر ليلًا ونهارًا وأوصل هذه الكتب إلى أصحابها، وإياك أن تأوي إلى جدار أو يطلع عليك أحد، فأخذ الكتب وسار على هجين كأنه سهم مارق، فوصل إلى حلب في اليوم الرابع، واجتمع بقراسنقر ودفع إليه كتاب السلطان، فلما قرأه سِيَّر في الحال إلى قفجق واسندمر

стр. 1970

يطلبهما إليه للمشاورة، فلما وصل قصاده إليهما ركبا في الليل كأنهما سارحان للصيد، فسارا حتى وصلا إلى حلب، واجتمعا بالأمير قراسنقر بالليل وتشاوروا فيما بينهم، فقال لهم قفجق: بعد أن جاء الأمراء إلى السلطان من مصر اتضح الأمر، والتأخير لا يفيد، ونخشى أن يجئ عسكر من مصر إلى الكرك ويتحرك الأفرم بعسكر الشام فيتعذر وصولنا إلى الناصر، ثم يبعث الناصر ويطلبنا فلا نقدر، فيكون تهاون في حقه، فقالوا له: صدقت، ولكن تريد الآن أن نسير إليه أحدًا ويكون معولنا عليه، فقال اسندمر نائب طرابلس: أنا أسير إليه، فقال قراسنقر: إذا سرت أنت إليه ترتج البلاد، فقال اسندمر: أسير بحيث لا يعلم أحد بي، فإني أُظهر أني ضعيف وأمنع الناس الدخول عَلَيَّ، ولى عادة بمنع دخول الناس إلىّ، فاتفقوا على هذا، وكتبوا الكتب، وأخذها اسندمر، فلما وصل إلى الساحل أظهر أنه مريض، حصل له المرض في الصيد وأنه مشرف على الهلاك لقوة مرضه، وأرسل إلى الأفرم في دمشق يطلب منه حكيمًا حاذقًا من حكماء المارستان، فقام في تلك الليلة وركب هو ومعه نجاب واحد وثلاثة مماليك، وأوصى مملوكه سنقر إذا جاء الحكيم من دمشق صَبَّره يومًا بعد يوم، وتعلل عليه إلى أن أحضر، فسار في حندس (١) الظلام، فما أصبح الصبح عليهم إلا وهم على قرية من قرى حمص يقال لها: غُنْثُر، فنزلوا عليها حتى استراحوا، ثم ركبوا منها ودخلوا البرية. وقد ذكرنا أن المظفر كان قد سَيَّر البريدي إلى الناصر يطلب منه نغيه [ومغلطاي] (٢) ومن معهما، فوصل البريدي واسندمر في ساعة واحدة، كأنهما كانا على ميعاد، فأخذ السلطان الكتاب واسندمر إلى جانبه وعليه لبس العربان وقد ضرب اللثام، فقرأ السلطان الكتاب، ثم ناوله لأسندمر فقرأه وفهم معناه، ثم أمر الناس بالانصراف، ولم يخلّ عنده أحدًا، فقال السلطان: يا أمير ما يكون الجواب؟ فقال له: المصلحة أن تخادعهم بالكلام ونرق لهم في الخطاب حتى نُجهز أمرنا ونستظهر، فقال السلطان: فاكتب له الجواب مثل ما تختار، فكتب اسندمر:

стр. 1971

المملوك محمد بن قلاوون يقبل اليد العالية المولوية السلطانية المظفرية، أسبغ الله ظلها ورفع قدرها ومحلها، وينهي بعد رفع دُعائه وخالص ولائه وعبوديته وثنائه أنه وصل إلَىَّ المملوك نغيه ومغلطاي وجماعة مماليك، فلما علم المملوك بوصولهم أغلق باب القلعة ولم يُمكن أحدًا منهم يعبر إليه، وسَيَّرت إليهم ألومهم على ما فعلوه، وقد دخلوا على المملوك بأن يبعث ويشفع فيهم، فأخذ المملوك في تجهيز تقدمة لمولانا السلطان ويشفع فيهم، والذي يحيط به علم مولانا السلطان أن هؤلاء من مماليك السلطان - خلد الله ملكهـ - وأن الذي قيل عنهم غير صحيح، وإنما هربوا خوفًا على أنفسهم وقد استجاروا بالمملوك، والمملوك مستجير بظل الدولة المظفرية (١) أن لا يخيبه في سؤاله، ولا يكسر قلبه، ولا يرد ما قصده، بل يُسَير لهم أمانًا ومناشير إقطاعاتهم بزيادة عليها، ويكون ذلك من جملة صدقات الدولة المظفرية والمراحم الأعظمية، وفي هذه الأيام يجهز المملوك تقدمته مع المماليك الذين طلبهم مولانا السلطان، وأنا مالي حاجة بالمماليك في هذا المكان، وإن رسم مولانا، مالك الرق، أن يسير إلى القلعة نائبًا له وينزل المملوك ويلتجئ بالدولة المظفرية ويحلق رأسه ويقعد في تربة الملك [المنصور] (٢)، والمملوك قد وطن نفسه على مثل هذا، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما أقرب الراحة من التعب، والبؤس من النعم، والموت من الحياة، وقد قال بعضهم: إياك وما يسخط سلطانك ويُوحش إخوانك، فمن أسخط سلطانه فقد تعرض للمنية ومن أوحش إخوانه تبرأ عن الحرية، لا تُحاجج سلطانك ولا تُلاجج إخوانك، والمملوك يسأل كريم العفو والصفح الجميل، والله تعالى قال في كتابه الكريم، وهو أصدق القائلين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). والمملوك ينتظر الأمان والجواب، أنهى المملوك ذلك والرأي العالى أعلاه (٤).

стр. 1972

وطوى الكتاب وسلمه إلى البريدي، فسار يطلب القاهرة بعد أن أعطاه مائة دينار، فلما حضر بين يدي المظفر أعطاه كتاب الناصر، فلما قرأه خف عليه ما كان عنده، وكان سلار حاضرًا فقال له: ما قلت لك إن الملك الناصر ما بَقيت له قُدرة على المعاندة، وقد أصبح مُلك الشام ومصر طوع يدك، ولكن عندي رأى أنا نُسَير إلى الأفرم بأن يجعل بالة من الأمراء، فإنهم ربما يهربون إلى بلاد التتار، واستصوب المظفر ذلك، ففي الحال أرسلوا البريدي إلى الأفرم، وقالوا له: أمسك طريق الرحبة، واجتهد غاية الاجتهاد، وإياك والإهمال، وعَرَّفني أخبارك ساعة بساعة. فلما وصل البريدى إلى الأفرم، وفهم مضمون الكتاب، أرسل في الحال وراء حمزة وأمير حسين بن جندر وجردهما إلى المرج، وأمرهما أن يتفقدا كل وقت طريق الرحبة، ولا يمكنا أحدًا من العبور على تلك الطريق، وأرسل معهما حمامًا [ليعرف] (١) أخبارهما كل وقت، ثم طلب الأفرم: أيدغدي شقير، والملك الكامل، وابن صبح، وجوبان، والطشلاقى، وقال لهم: ما تقولون في الأمراء الذين هربوا من مصر إلى الكرك؟ والله أنا خائف من الملك الناصر، فكثر بينهم الكلام، فإذا قد دخل عليهم الأمير [علم الدين] (٢) الجاولى (٣) فأطلعوه على أمرهم، فقال لهم: ما أخوفني أن يكون نغيه مفتاح الملك الناصر في أموره، فقال له الأفرم: والله صدقت، لأني أعرف أن ما في مصر والشام من يقوم مقامه، ولا أهجم منه على الأمور الصعاب، ولا سيما وقد قدم على الملك الناصر الذي ما على وجه الأرض أدرى منه ولا أكثر حيلة، وسوف ترون ما يجري، فقال الجاولى: والله لقد نظرت في موضع النظر. وأما الملك الناصر فإنه من بعد رواح البريدىَ من عنده قال لأسندمر: يا أمير قد اتضح الأمر، وانتهك الستر، وما بقى إلا تجهيز الجيوش وتجريد العزم والتوكل

стр. 1973

على الله تعالى، فقال له: صدقت، ثم طلب نُغيه وطلع إليهم، فأطلعوه على أمرهم، ورأى اسندمر قاعدًا عند السلطان، فقال: يا خوند، بعد هذا نخاف مِمن؟ فقم بنا نمشي، فوالله ما كنا نخاف إلا من قراسنقر وقفجق والأمير اسندمر، وبعد هؤلاء معنا فلا نبالي من أحد، فقال السلطان: فالأفرم لا يُهْمَل أمره، لأن كل مَنْ في الشام ممتثلون أمره، والمصلحة أن أُسير إليه بعض مماليكي وأدعوه إلى طاعتى، فقال نُغيه: خَلِّنا من الأفرم وغيره، فقم بنا نهجم على دمشق، نأخذها وقد مَلَكْتَ البلاد وأَطَاعتك العِباد، من هو الأفرم؟ والله ما بينك وبينه إلا قدر ما يسمع بأنك قد قدمت عليه، وقد خَلَّى دمشق وتسحب، فقال له السلطان: لا بد من التَّسَيُّر إليه حتى ننظر ما جوابه. ذكر تَسيُّر الناصر مملوكه دنكز إلى الأفرم نائب الشام ثم إن السلطان طلب دنكز (١) الخازندار، وكان مملوكا عاقلًا، لبيبا فاضلًا، وكتب معه كتابًا يذكر فيه هذه المكاتبة: إلى المقر العالى الجمالى، مدير الدول والممالك، الذي يحيط به علمه الكريم، أنه قد وصل إلَىَّ نغيه ومعه مغلطاي القازاني وصحبتهما جماعة، ومعهم كتب من أمراء مصر الأعيان، وهم يدخلون عَلَىَّ ويقولون: بالله ارجع إلى مُلْكك ومُلك أبيك ومُلك أخيك، فقد بَالغ بنا الضرر، ولا بقى لنا على ما نحن عليه مُصْطَبر، وإن لم ترحمنا ارحم المماليك الذين لك، فقد ضيقوا الحبوس وملأوا الأبراج، وشبع من لحومهم الكلاب، وهذا المظفر ما ينتظم له المُلكَ، وأنت أكبر مماليك أبي، فجهز أمرك وحلِّف الأمراء الذين عندك، فأنا قَادم إليك حتى تعبر معي إلى الديار المصرية، ويكون على يدك الفتح والنصر، وأنت تعلم شفقتي عليك، والتمامى إليك، ولولاك لم يصل المُلك إلَىَّ في القديم، وكُنتَ في قلعة الكرك وأعطيتك ما طلبته، وسلمتُ إليك نيابة الشام، وجعلتُك قسيمي

стр. 1974

في الملك، والسلام. والآن أريد منك ما عَلِمته منك في الأول، وعلى حقيقة هذا الأمر فعول، فأنا لا غني لي عن مُلك البلاد، ولو عاندتني فيها الفراعنة الشداد، فوالله الذي لا إله إلا هو إن لم تجب إلى سؤالي أخذتُك من دمشق وأنت صاغر، وتندبُ عليك الأكابرُ والأصاغرُ، وتندم حيث لا ينفعُك الندم إذا زلت (١) بك القدم، فهذي أمراء الشام (٢) مكاتبون لي وموافقون على ما أختار، ومنهم مَنْ هو واصل إلَىَّ في هذه الأيام، فتكون أنت أسبق فهو بك أليق، ولا تك جاهلًا بالأمور وترتكب بمخالفتك المحذور، فأقرب من هو إليك هو عَينُنا عليك. ثم طَوَى الكتاب وسلمه إلى دنكز، وسير معه عثمان الركاب. فلما ركب وراح، قال الناصر لاسندمر: يا عمي قد عولتُ على التوجه إلى دمشق، لأني ما دمت مقيمًا في الكرك تُهمل الناس جانبي، وإذا سَمعت الأمراء والناس أني برزتُ جاؤوني، وأيضًا أعرف في ذلك الوقت عدوى من صديقي، فقال له اسندمر: هذا هو الرأي السديد والأمر الحميد، ولكن تَأنَّ واصبر حتى أذهب وأجتمع بالأمراء وأتشاور معهم ونرسل إليك كتبنا، فكتب كتابًا إلى قراسنقر ووعد له بدمشق، ووعد لقفجق بحلب، وكتب خَطِّه لاسندمر بأنه يعطيه كل ما يطلب منه، واعلم في كتاب قراسنقر وقفجق بنزوله من الكرك، وحثهما على المجئ إليه، ثم إنه خلع على اسندمر وأعطاه ألفي دينار وسيره، ثم شرع في النزول. ذكر ما فعل المظفر بعد تسحب الأمراء المذكورين بمن معهم إلى الكرك قال بيبرس ﵀: ولما تسحب من ذكرناه، وعزم ولاة الأمر على إمساك من أمسكوا من المماليك السلطانية، أشرتُ أن لا يَفعلوا لأن في ذلك إجحافًا وإفسادًا

стр. 1975

للخواطر، فلم يقبل هذه الإشارة، [ولما] (١) تحقق وصولهم إلى السلطان، أشرتُ بأن المصلحة تقتضى التلطف، وأن يُعين لهم إقطاعًا يقوم بهم في خدمته، فلم يعرجوا على ذلك. ثم تواترت الأخبار بأن الأمراء الذين بالشام والعساكر قد حلفوا لمولانا السلطان الملك الناصر، فجمعونا للاستشارة في تجريد العساكر، فقلت: الصواب تسكين الثوائر وإغماد البواتر، ومكاتبة السلطان الملك الناصر، بأن الملك مُلكه ومُلك والده، وإنه يعود لمستقره آمنًا من مُعانده، فلم يُفد بعد الكلام، ولم يستبن لهم النصيحة في تلك الأيام، وجرد الأمير سيف الدين برلغي (٢) مقدمًا وصحبته ثلاثة من مقدمي الألوف وهم: الأمير جمال الدين أقوش الأشرفي نائب الكرك، والأمير عز الدين أيبك البغدادي، والأمير شمس الدين [الدكز] (٣) السلحدار، ومن معهم من الأمراء، فبرزوا يوم السبت التاسع من شهر رجب، وخيموا بمسجد التبن (٤) ولم يتقدموا، بل عادوا بعد أربعة أيام، وكان الباعث على عَودهم أن كتب أقوش الأفرم وردت على يد ألطنغش مملوكه تتضمن وصول السلطان إلى البرج الأبيض بالقرب من طفس (٥) وعودته راجعًا، فاطمأن وسكن، كقول الشاعر: نُهال للشيء الذي يروعنا … ونرتعي في غفلة إذا انقضى

стр. 1976

كثلة ريعت لليث فانزوت … حتى إذا غاب اطمأنت إن مضى وأرسل إلى برلغي ومن معه من المجردين يأمرهم بالعود فعادوا (١). ثم إنه أرسل علاء الدين مغلطاي أيتغلى وقطلوبغا برسالة إلى السلطان الناصر، [فاشتد] (٢) غضبه وقبض عليهما بعد أن أوجعهما بالضرب الشديد. ثم كتب إلى الأمراء بحلب ودمشق وصفد والساحل وحماة يقول لهم: إني لما اشتد الضنك عَلَىَّ خَرجتُ من مصر وتركت لهم الملك يتصرفون فيه كما يختارون وأقمت بالكرك متجنبًا عنهم، ورضيت بأحقر المساكن وأصغر الأماكن ليستريح خاطري من التشويش، فما رجعوا عني، ولا تركوا مشاكلتي ومطالبتي بالمال والخيل وغيرهما، وانتهى الحال إلى أن أغلظوا في المخاطبة، وأحنقوا (٣) في المراسلة، وأرسلوا يقولون لي: لئن لم تمتثل مراسيمنا وأوامرنا لجرى لك معنا ما جرى لولد الملك المعز وأولاد الملك الظاهر، وأمثال هذا الكلام الذي يقرح الخوطر ويقدح في الضمائر. وما أحقه حينئذ بالتمثل بأبيات سنان (٤) صاحب الحصون، إذ يقول: ياللرجال لأمر هال مقطعُه … ما مَرَّ قط على سمعي تَوَقُّعُه قام الحمام إلى البازي يُروِّعُه … وشُمِّرت لأسود الغاب أَضْبُعه يا الذي بقراع السيف هَدَّدَني … لا قام مَصْرع جَنْبى يوم تَصْرَعُه وقال السلطان في رسالته للأمراء: أنتم تعلمون ما لوالدى عليكم من حق التربية

стр. 1977

والعتق والإحسان من قديم الزمان، [وما] (١) أظنكم ترضون لي بهذا الهوان، فإما أن تكفوا عنى هؤلاء المتغلبين الأشرار، وإلا فأنا ألتجئ إلى بلاد التتار، فهو خير لي من النفي إلى بلاد الكفار. وأرسل بالكتب المذكورة جنديًا يسمى تاج [الدين] (٢) أوران، [وكان] (٣) يخدم مع النواب بالكرك، معى (٤) أولًا، ثم مع الأمير جمال الدين أقوش الأشرفي، وبقي مقيمًا هناك، وله إلمام بالصيد ومعرفة بمظانه، فألم بالركاب الشريف في أوقات التصيد، وصار له بين يديه ادلال التردد، فأنس به، فلما كان في شهر رجب من هذه السنة خرج السلطان إلى الصيد، وقد أضجرته الرسائل التي ترد من جهة الركن إليه، وأحنقه ما أظهره من الحكم عليه، وهجس بفكره أن يلحق ببلاد التتار لكثرة ما استولى عليه من الإضجار، فألقى إلى أوران المذكور بعض ما في نفسه من هذه المعاملة، ويقابله بهذه المقابلة، فقال له أوران: أَرْسِلْني إلى الأمراء سرًا وأنا أتوصل إلى إبلاغهم هذه الرسالة، وإعلامهم بهذه الحالة، ويكون في ذلك بلوغ الوطر والراحة من هذا الخطر، والتوفير من التوجه إلى بلاد التتر، وكان الأمر كما ذكر الشاعر: إذا اشتملَت على البأس القلوب … وضاق لما به الصدر الرحيب أتاك على قنوط منك غوث (٥) … يمنّ به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول (٦) بها الفرج القريب وصغى السلطان إلى مقاله، وأرسله بكتب يتضمن هذه الخطوب، فسار إليهم

стр. 1978

وتوصل للدخول عليهم، فلما وصلت كتبه ورسائله أخذتهم الحمية وعطفتهم النفوس الأبية والصدقات المنصورية، ولم يرضوا بما جرى من الأضداد، وأظهروا الأهبة للمساعدة على المراد، وأرسلوا يعرفونه بأنهم طوع يده، ووفق مقصده، ومتى أراد الحركة بادروا نحوه، وحذوا في كل ما يؤثر حذوه، فتحرك من الكرك برأي مشترك (١). ذكر (٢) حركة السلطان من الكرك في المرة الأولى سار السلطان الناصر إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء، وسمعت الناس من جميع الجهات بأن الناصر نزل من الكرك وطلب دمشق، وسمع والى حُسْبان (٣)، وكان الأفرم قد سير له حَمَاما، فأطلقه بالبطاقة التي جاءت من وإلى حسبان، فارتجت دمشق بساكنيها وماجت بقاطنيها، وقال الأفرم للأمراء: ما تقولون في نزول هذا الصبي من الكرك؟ فكل واحد منهم قال شيئًا، ووصل عثمان الركاب ودنكز وأعطيا كتاب الناصر (٤) للأفرم، فلما قرأه اسود وجهه من الغيظ، ودمدم على دنكز وقال: أنت وأمثالك الذين حَمَّقوا هذا الصبي حتى يكتب لي هذا الكتاب، ويلك، مَنْ هو الذي يوافقه على ما فعل؟ وما فعل إلا وقد حان أجله، وشتمه، ثم حبسهما في قاعة السلاح، ثم طلب الأمراء وأخرج كتاب الناصر وقرأه عليهم، فنظر الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قالوا له: ماذا عولت؟ فقال: إن كان يلعب بعقل الناصر ويجئ فأنا أقبضه وأبعثه إلى مصر فيحبس هناك إلى أن يموت، فقال بيبرس المجنون: ما هذا بمصلحة تجاوب لابن أستاذك بهذا الجواب، ولكن لاطفه وقل له: أنت تعلم أننا كلنا متبعون مصر وما يبرز منها، فإن أردت الملك فاطلبه من مصر ولا تبتلش (٥) بنا وارجع عنا، فإن انتظم

стр. 1979

لك أمر في مصر فكلنا تبع لك موافقون على كل ما تريد، فإذ سمع هذا الكلام فقد أرضيته وما عليك في هذا من ملام، فقال الأفرم: أنا ما أقول هذا الكلام، وليس له عندي إلا السيف إن جاء، ثم إنه طلب ثلاث مقدمين من الحلقة وأعطاهم مائة وخمسين فارسًا وقال لهم: سيروا إلى الزرقاء وطالعوني بكل ما يجري، ثم طلب دنكز وقال له: سر إلى أستاذك وقل له يرجع وإلا يسمع المظفر بما جرى فيمسكك ويحبسك فتبقى تتمنى أن تشبع الخبز ولا ينفعك حينئذ أحد، فإن كان لك رأي فاقبض على نغيه ومَنْ معه وسيرهم إلىّ حتى أسيرهم إلى المظفر، فإن فعلت ذلك فقد انصلح حالك ومشي، ولا تفعل غير هذا فتهلك، وكتب كتابًا مضمونه هذا، وأعطاه لدنكز ورده. في تلك الليلة: أرسل بيبرس المجنون خلف بيبرس العلمي وزين الدين بن دنداش وصلاح الدين يوسف بن الجوكندار وحلفوا كلهم للملك الناصر، ثم خرجوا تحت ظلام الليل، ولما وصلوا إلى الصنمين (١) رأوا الناس في رجيف شديد يقولون: الناصر نازل على أرحاب (٢)، وهي قرية في طرف البرية خراب، ففرحوا وساروا يطلبونه، فلا أشرفوا عليه وقع صائح جاءت الخيل، فركب السلطان، وركب نُوغيه قدامه كالأسد، والى جانبه مغلطاي، والمماليك حولهم، ثم قال نغيه: يا خوند: مُرني أن أذهب وأكشف هذا الخيل، فقال: افعل، فأخذ معه عشرة أنفس وساروا يطلبون ذلك السواد من الخيل، ولما قربوا منهم عرف نغيه بيبرس المجنون، "فسلم بعضهم على بعض، ثم أرسل نُوغيه شخصًا إلى الناصر يعلمه بقدوم بيبرس" (٣) ومَنْ معه، ثم رجعوا طالبين الناصر. ولما وقع نظر (٤) بيبرس على السلطان ترجل وباس الأرض، ثم تقدم وباس يده.

стр. 1980

فقال له السلطان: ما وراءك؟ فقال: مماليك السلطان: بيبرس العلمي وابن دنداش، وصلاح الدين بن الجوكندار، وتقدم كلهم وباسوا الأرض، ثم إن الناصر خلع عليهم ووعدهم بكل خير، وأعطى كل واحدٍ من الأمراء ألف دينار، ولكل مقدم من الحلقة خمسمائة دينار، ولكل جندي مائة دينار، ثم قال لهم: ما يقول الأفرم؟ لأن دنكز كان قد وصل قبلهم، وقرأ الكتاب الذي سيره الأفرم، وكان قد امتلأ غيظًا، ثم قال: لا غنى له أن يضرب معي مصافًا، فقال بيبرس المجنون: هو أقل وأذل من هذا، والله متى يتحقق الناس بقدوم مولانا السلطان جاء الكل بين يديه على رغم أنفه، ثم قال السلطان: بلغني أنه قد خرج من دمشق ثلاث مقدمين ليكشفوا أخبارنا، فقال: نعم، راحوا إلى الزرقاء ومعهم والى ولاة حَوْرَان. فطلب السلطان هلال بن ساعد الزبيدي، وقال: قم واكشف لي أخبار هؤلاء وعد سريعًا، فسار هلال وكشف، ثم عاد وقال: هم في ناحية ابن معبد، وبكتمر في حسبان، وخطاب وقطلوبك قد تقدما من الزرقاء، وكأنهم قد أخذوا أخبارنا، وهم خائفون، فأمر السلطان لنغيه أن يأخذ معه خمسين فارسًا ويذهب إليهم، فإن جاءوا طائعين [فيها] (١) وإلا فأرسل وأعلمنا بذلك، فقال نغيه: إن جاءوا فقد سلموا وإن امتنعوا ضُربت رقابهم، فسار ومعه هلال بن ساعد طول ذلك النهار، ونزلوا للاستراحة وأكل العليق، ثم ركبوا إلى أن أصبح الصباح فإذا بالقوم وهم نازلون، فضرب عليهم حلقة وصاح نغيه: أنا نغيه، سلموا أرواحكم وإلا فقد هَلَكَت، فتقدم قطلوبك وقال: يا أمير لا تستعجل، فنحن سائرون إلى الناصر، فقال نُوغيه: الآن لكم الأمان، سيروا قدامي. فساروا كلهم إلى أن وصلوا إلى السلطان، فقال لهم السلطان: إلى أين كنتم رايحين؟ فباس قطلوبك الأرض وقال: خلد الله ملك مولانا السلطان، نحن قد سَيَّرنا الأفرم لنكشف أخبار مولانا السلطان، ورأينا الناس كلهم مع مولانا السلطان، فاتفقنا على المجيء إليه، والمملوك والي ولاة حوران فإن رسم مولانا السلطان أخرج له

стр. 1981

الإقامات، وأي وقت قلَّ علينا الشيء ضربت رقبته، ثم رحل السلطان من أرحاب إلى أن نزل على أذرعات، فجاءت أهل حوران جميعها وهم يهللون ويكبرون وعلى رؤوسهم المناسف (١). وأما الأفرم فإنه بلغه وصول الناصر، فانقطع قلبه، وكتب في الحال إلى الملك المظفر بذلك، وأن أهل البلاد كلها معه، وأن بيبرس المجنون وبيبرس العلمي وجماعة من مقدمى الحلقة قد نفروا إليه، وكثير من الناس يريدون النفور إليه، وأنا خائف من الأمراء الذين عندي في دمشق، وإن لم ترسل نجدة هائلة من مصر وإلا راحت البلاد من يدك، ثم طلب مملوكه أقطوان وقال له: اذهب مسرعًا، فخرج على البريد، ففي اليوم الرابع: تمثل بين يدي المظفر وقدم كتاب الأفرم فقرأه المظفر، ثم طلب سلارا وأوقفه عليه، فكتب إلى الأفرم جوابه يستعجزه فيه ويقول: إش مع الناصر حتى تخاف منه، وكتب كتبًا أيضًا إلى الأمراء يأمرهم فيه بالمطاوعة للأفرم ويحذرهم من المخالفة. وكان الأمير جمال الدين قتال السبع مجردًا في حلب ومعه الحاج بهادر وبيبرس العلائي من دمشق، فأرسل خلفهم البريد وطلبهم إلى مصر، وكتب أيضًا كتابًا إلى الملك الناصر يقول له فيه: إنه قد وصل إلى كتابك بالشفاعة في نغيه ومغلطاي، وقد قبلنا شفاعتك فيها، ورددنا أخبازهما إليها وزدناهما إقطاعًا، وأمرنا أن يكون إقطاعهما في مصر، وهما مقيمان عندك، وقد تقدم أمرنا إلى نائب الشام بأن يسلم إليك البلقاء وبلد حوران جميعها لعلمنا بأن الكرك ما تقوم بحالك، وأما قولك بأن تسير إلينا تقدمة ومماليكًا فقد أعفيناك من ذلك، والتقدمة والمماليك لك، وأنت ابن أستاذنا على كل حال، وكل شيء تشتهيه في المأكول والمشروب والملبوس فابعث إلى الأفرم واطلبه منه، ولكن ينبغي (٢) أن لا تسمع كلام نغيه ولا كلام أمثاله فيحصل لك الضرر بسببهم، ثم طلب الأمراء جميعهم وقال لهم: ألا ترون ما جرى من الملك الناصر؟ فإنه قد خرج من

стр. 1982

الكرك، فطلب دمشق، وأن بعض أمراء دمشق راحوا إليه، "فتشاوروا في أمره. فقال بعضهم: جرد له عسكرًا وحاصره في الكرك" (١)، فما هو خير من ابن الملك الظاهر بيبرس، وقال بعضهم: هذا ما هو مصلحة، وربما يفسد الأمراء [الذين] (٢) يرجعون إليه، لأن أكثر الأمراء بل كلهم مماليك أبيه وأخيه، فنهض برغلى وقال: يا خوند، أرسل أحدًا إلى الشام يأتيك بالخبر الصحيح، وبعد ذلك أنا أروح إليه وأجيبه، ولو كان معه كل مَنْ في الأرض، فعند ذلك طلب السلطان شخصًا يُقال له: بلاط (٣)، وكان من خشداشيته ويعتمد عليه، وقال له: سر إلى الشام واكشف لي هذه الأخبار على حقيقتها، وكتب معه كتابًا إلى الأفرم وإلى أمراء دمشق، فركب [بلاط] (٤) وسار يطلب الشام. وأما البريدي الذي خرج قبله وهو مملوك الأفرم، فإنه وصل دمشق ورأى الدنيا منقلبة، والناس يقولون: غدا يعبر الملك الناصر أو بعد غد (٥)، والبريدي سار أولًا إلى أذرعات إلى الملك الناصر وأعطاه كتاب المظفر، فلما قرأه ضحك وطلب الأمراء وقال: المظفر يتناوم ويرى أنه ما سمع بما جرى في الشام، وأعطاني بلد البلقاء وحوران وقَبِلَ شفاعتي في نغيه ومغلطاي، وردّ إليهما أخبازهما في مصر، وهو يحتال عَلىَّ في هذا الوقت حتى أفرق الذين حولى ليبلغ مراده مني، وهذا ما له إليه سبيل، ثم إنه أعطى للبريدي مائة دينار، وقال له: سِرْ، فإذا طلعنا إلى الكرك اكتب جواب الكتاب. فمضى البريدي يطلب دمشق، لأنه كان رائحًا إلى حلب خلف قتال السبع، وأخذ الأفرم كتابه وقرأه على الأمراء، وإذا قد وصل بلاط فطلعت الأمراء قدامه، وأخرج كتب المظفر للأفرم فقرأها على الأفرم، فباسوا الأرض وقالوا: كلنا ممتثلون أوامر السلطان كما يحب ويختار، فقال لهم بلاط: ما خبر الملك الناصر عندكم؟ فقال الأفرم: هو

стр. 1983

نازل على أذرعات، وفي تلك الحالة جاءت الأخبار بأنه رحل من أذرعات قاصدًا دمشق، فارتاع الأفرم وقال: ما تقولون يا أمراء؟ هذا قد وصل، ما يكون عملنا معه؟ فقال بعض الأمراء: اخرج إليه بعسكر دمشق، فقال الأفرم: والله، لو طلعت إليه أخذوني برقبتي وودوني إليه، قالوا سَيَّر إليه أيدغدى شقير (١) وسيف الدين جوبان (٢) يقولان له: هذا الذي تفعله ما هو جيد لك، والبلاد ما هي بلا سلطان، غدا يأتي عسكر مصر فيمن تلاقيه، والمصلحة أن ترجع وتصبر علينا شهرًا حتى نرسل نكاتب الملك المظفر، وربما ينصلح الأمر بينكما فتكون الشام لك ومصر له. فسار أيدغدى شقير وجوبان، فاجتمعا بالملك الناصر وهو على الجمان نازل، فتمثلا بين يديه وبلغا ما قاله الأفرم، فضحك وقال: ما أقل عقله وعقولكم، هذا أمر ما بقي فيه اصطبار، اذهبا إليه وقولا له: إن كل مملوك يجيء إلىّ فهو أسوة مَنْ قد جاء، وإلا يروح إلى أي موضع يختار. فقال له أيدغدي: وأين نروح ونحن مماليك السلطان وقد جئناك بالكلية؟ فقال السلطان: هاتوا المصحف، فأحضروه وحَلَّف الاثنين، ثم خلع عليهما وأعطى لكل منهما ألف دينار، وقال: سِيرا إلى دمشق، وخَلِّفا الأمراء وَعِدَا لهم بكل جميل، فرجعا ووصلوا إلى الشام وأعلما الأفرم بأن السلطان واصل لا محالة، فتحير الأفرم في أمره وطلب بلاط، فأخبره بذلك، فقال: وعلى ماذا عولت؟ فقال: أهرب وأروح إلى السلطان المظفر من على الساحل، لأنه ما بقى لنا طريق إلا منه، ثم إنه أمر أن يُحَمِّلوا جماله، ولما رأى ذلك بلاط، فقال: ذهب والله الشام، فركب ودموعه تجرى وطلب مصر. وأما الناصر فإنه أقام على الجمان ينتظر قدوم قراسنقر وقفجق واسندمر لأن ميعادهم أن يجتمعوا كلهم على دمشق، ثم إن الناصر أراد أن يقتل قطلبك والي حوران،

стр. 1984

فاستجار بيبرس المجنون وهرب في الليل، ثم جاء أرغون وأعلم السلطان بأن مملوك قراسنقر قد وصل، فطلبه السلطان، خضر وباس الأرض، وسأله السلطان عن قراسنقر واش حال ولده ناصر الدين؟ فقال: أطال الله عمر مولانا السلطان، فضرب السلطان يده على يده، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)، فحزن عليه قويًا، ثم قال: ما كان سبب موته؟ فقال: يا خوند، كان عند أبيه استادار يقال له: الطنبغا، وكان رجلًا ظالمًا يشكو الناس منه، فأوعده ناصر الدين بالقتل، ففزع منه، فخدمه خدمة بالغة وأحضر له كُلَّ ما يريد حتى اطمأن إليه، فسقاه فقتله، فعلم بذلك مماليكهـ فقتلوه، ثم قال له: ما خبر الأمير؟ فأخرج كتابًا وناوله فقرأه سرا، فإذا بالسلطان قد تغير وانخطف لونه وشرست أحداقه وبقى يفرك يديه، وكان آخر النهار، ولما جاء الليل أمرهم أن يرموا الخيام والمضارب، وطلب ناحية الكرك، فتعجبت الأمراء من ذلك غاية العجب [ولم يقدر] (٢) أحد أن يكلمه، فنزل على أرحاب، فتقدم إليه نغيه وقال: أريد أن أعلم ما سبب رجوع مولانا السلطان بعد ما وصلنا إلى دمشق وجاء إلينا [أمراؤها]؟ (٣) فأخرج له كتاب قراسنقر، فقال له: اسمع ما فيه وقرأه عليه؛ فإذا فيه ساعة وقوفك على الكتاب، وقبل وضعه من يدك، ارجع إلى الكرك وامش ليلًا ونهارًا لأنه قد جاء لي قصاد وأخبروا أن المظفر قد جهز أربعة آلاف فارس مع [برلغي] (٤) وسَيَرهم على تيه بني إسرائيل، وأوصاهم أن يسيروا بالليل ويكتموا بالنهار، وأمرهم أن [يحولوا] (٥) بينك وبين الكرك، فارجع واحفظ القلعة فإننا واصلون إليك لأن مملوكك محمد قد مات، فاشغلنا في هذا الوقت عن الحركة، وكذلك قفجق واسندمر عرض لهما ما يشغلهما، ولا تحسب أن تأخير الأفرم بعسكر دمشق إنما كان خوفًا، وإنما العالم معهم من المصريين، وهم يريدون أن يستجروك عن الكرك ليحولوا بينك وبينها، فقال نغيه: والله هذا الكتاب زور، قد

стр. 1985

زوروه على لسان قراسنقر، وأنا أعرف أن ما في مصر مَنْ يخرج إليك ولو كنت على الصالحية. قال الراوي: فطلب السلطان مملوك قراسنقر، فقال له: مَنْ أعطاك هذا الكتاب؟ فقال: أعطاني الأمير شمس الدين من يده إلى يدي، ثم كتب جوابه لقراسنقر يقول: إني تأخرت من بعد ما كنت وصلت لأجل كتابك، فأريد من الأمير أن يجهز لي قصاده الذين أتوه بهذا الخبر من مصر، وكتب أيضًا كتابًا لقفجق، وكتابًا الأسندمر يعلمهم بتأخيره، وطلب مملوك قراسنقر، وقال له: سر مع مملوكي إليه فضم إليه مملوكًا يقال له: أقطاي، وأرسل معهما نجابًا وقال: سر بهما غير الطريق. وركب الملك الناصر من أرحاب، وخلى ثقله وأكثر الغلمان، وسار مسرعًا إلى أن أشرف على الكرك، فلما رآها وما عليها أحد شكر الله تعالى، ولم يطمئن قلبه حتى أنه دخل إلى القلعة، وبعد يومين وصل الثقل والغلمان، وكذلك الأمراء الذين كانوا معه، ونزلوا على ظاهر الكرك وفي قلوبهم نار، ولا سيما نغيه، وكان بعد أن سار السلطان إلى الكرك، قال نغيه للأمراء: يا أمراء هذا الصبي ما يجيء منه شيع، وإن جاءنا أحد من مصر لا غنى لي أن أعمل شيئًا تتحدث به الناس، فإذا غُلبت كل الغلبة أخرج من بينهم على حمية، وأطلب البر والقفار، وأسكن رؤوس الجبال، وأخرب البلاد بتواتر الغارات، ولا أسلم روحي إلى من يسوقني سوق البقر إلى المنحر، فحلف الأمراء كلهم معه على ما يحب ويختار، وما استقر نزولوهم على الكرك حتى سير السلطان فطلبهم، فجاءوا وباسوا الأرض، فقال لهم السلطان: يا أمراء قد أنكرتم علىّ لأجل رواحي وردودي، وكان في ذلك مصلحة، وجاءني الخبر بأن المظفر قد نفق في الناس، وأن ديار مصر مُخَبَّطَة. فبينما هو في هذا الحديث [إذ] (١) قد دخل أرغون وقال: يا خوند، قد وصل طرنطاي الأشرفي ومعه عشرون مملوكًا، فقال: أحضرهم، فلما حضروا قبلوا الأرض، فقال السلطان: يا طرنطاي ما أخبار مصر؟ فقال: يا خوند، أما ديار مصر فإنها

стр. 1986

مخبطة، فناس كانوا يقولون: الملك الناصر ملك دمشق، وناس يقولون: راح إلى حلب، وناس يقولون غير ذلك، فكثر الكلام بينهم، ولكن العوام خواطرهم عند مولانا السلطان، وداعون له ليلًا ونهارًا، ثم قال السلطان: واش خبر [برلغي] (١) مع العسكر الذي جرده المظفر؟ فقال طرنطاى: إن السلطان المظفر طلب [برلغي] (٢) وأعطاه عشرين ألف دينار، وجرد معه عشرة من الأمراء بأربعة آلاف فارس، وإلى الآن ما خرج أحد من ديار مصر، فخلع عليه السلطان، وعلى مَنْ جاء معه. وأما أقطاي مملوك الناصر ومملوك قراسنقر والنجاب فإنهم ساروا ليلًا ونهارًا حتى وصلوا إلى حلب، وأعطوا الكتب لقراسنقر، فلما قرأه اصفر لونه وضرب يديه على يده، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، خرب كل شيء عملناه، ثم التفت إلى مملوكه وقال له: كيف أعطيت كتابي لنائب دمشق حتى كتب بضد ما كتبت أنا. فقال المملوك: أعوذ بالله أن أخون استاذي وأعطى كتابه لغير من كتب له، ثم قال قراسنقر: احك الذي جرى عليك في دمشق وإلا أسلخ جلدك. فقال: لما حضرت قدام الأفرم فقال لي: إلى أين رايح؟ قلت له: إلى الكرك، لأن الأخبار قد وصلت إلينا بأن الناصر قد نزل من الكرك يطلب دمشق، فقال لي أستاذى: اذهب إليه وانصحه مني وقل له: البلاد ما هي سايبة ولا هي بلا سلطان، فاقعد ولازم موضعك والزم حرمتك، ولا تسمع من الذين حولك، فالذي أشار عليك بهذا أشار برأي غير صالح، قال: فلما سمع الأفرم بذلك فرح، وأمر بأن أنزل عند بعض مماليكهـ، ثم وداني إلى داره فأكلنا وشربنا، فقال له قراسنقر: المصيبة من هاهنا، فأكلت عنده وشربت وسكرت، فأخذ الكتاب الذي كتبته إلى الناصر من جرابك وأنت سكران لا تدرى، وكتب بضد ما كتبتُ أنا. فكان الأمر كما ذكر سواء بسواء، فإنه لما سكر ونام، فقام مملوك الأفرم وفتح جرابه وأخذ الكتاب الذي كتبته للناصر وأعطاه لأستاذه الأفرم، ففتحه، فإذا فيه حال

стр. 1987

وقوفك على هذا الكتاب إن كنت في الكرك فانزل، وإن كنت في الطريق فجد في السير إلى دمشق، فهذه خطوط أمراء دمشق وغيرها عندي، وأنا والأمير سيف الدين قفجق والأمير اسندمر قد تجهزنا وجهزنا العساكر، فترد لنا الجواب سريعًا، فلما سمع الأفرم بذلك داخله الرعب واصفر لونه وأرسل وراء ابن فضل الله وقال له: خذ هذا الكتاب وخذ الوصل الذي فيه علامة قراسنقر وأوصله بدرج أبيض واكتب ضد ما فيه، وقابل كل فصل بضده، فأخذه ابن فضل الله وكتب مثل ما قال، فلما سمع قراسنقر ذلك قال: الحرب والمسالمة لا يتفقان. وكان قتال السبع على حلب كما ذكرنا عن قريب، وهو مجرد معه ألفا فارس من عسكر مصر، والحاج بهادر وبيبرس العلائي ومعهما ألفا فارس من عسكر دمشق، فطلبهم قراسنقر وقال لهم: يا أمراء، الملك الناصر ما هو ابن أستاذكم؟ فقالوا: نعم. فقال: إذا نزل هو وطلب دمشق ما تساعدونه وأنتم أكابر الأمراء؟ فقالوا (١): الأمير جمال الدين قتال السبع أخبر منا وهو مقدمنا وكبيرنا. فقال لهم: وأنا ما أقدر أدخل بينكم وبين ابن أستاذكم، فأنا رجل غريب بينكم، وأنتم أخبر مني بهذا الأمر، وأي مَنْ حكم في المُلك كنت غُلامه، فقال قراسنقر: لا غنى عن الكلام، فقالت الأمراء: أنت أحق بالكلام، فقال قراسنقر: إن سمعتم مني تكلمت وإلا أنا ساكت، فقالوا: كلنا نسمع منك ولا نخالفك، فقال لهم: عندي أن ابن أستاذكم أحق بالملك من كل أحد، وأنتم تعلمون أنه ورث الملك من أبيه وأخيه، وأيضًا أنه فتح الشام بعد أن كان خرج من أيدي (٢) المسلمين، وأيضًا أنه مقدام عند الشدائد، ثابت عند تراكم الأهوال وتصادم الرجال، وما فيكم إلا مَنْ رآه يوم حمص وقد ولينا كلنا وثبت هو مع صغر سنه، فكيف إذا بلغ ما بلغ غيره من السنين، فقال قتال السبع: يا أمير، كلامك يدل على أن قلبك معه، فقال له قراسنقر: وكيف لا يكون ذلك؟ فوالله، إن ابن أستاذي أحب إلى من خشداشي، فقالوا: يا أمير، نوافقك على ما تختار، ثم خرج من عنده، فوصل إلى البريدي الذي

стр. 1988

سيره الملك المظفر، مجمع الأمراء المصريين وخرج بهم الأمير جمال الدين قتال السبع ورحلوا في الليل. وكان الحاج بهادر وبيبرس العلائي قد حلفا مع قراسنقر للملك الناصر، فقال لهم قراسنقر: ارحلوا ولا تنقطعوا عن المصريين، وإذا وصلتم إلى دمشق فحلفوا الأمراء الذين فيها، فنحن أيضًا واصلون وراءكم، فرحلوا. ولما وصل قتال السبع إلى دمشق ركب الأفرم إلى ملتقاه، وأنزله في ميدان الحصى، ونقل إليه كل ما يحتاج إليه، وأما بهادر وبيبرس فإنهما نزلا في بيوتهما، واختلى قتال السبع بالأفرم وحدثه بما سمع من قراسنقر، فقال: كل الشام مخامرون على السلطان المظفر، وقد عجزت مما أسير إليه، فما يأتيني منه خبر شاف أعتمد عليه، وأريد منك أن تجد في السير، فلعلك إذا وصلت تحدثت للسلطان بكل ما سمعت. وما أقام قتال السبع في دمشق إلا يوم دخوله، ثم رحل طالبًا مصر، فلما نزل إلى الغور هرب منه أمير يقال له: غانم بن أطلس خان، فسار إلى الكرك، وأما قتال السبع فإنه جد في السير حتى وصل إلى مصر وحضر بين يدي المظفر، فحدثه بحديث قراسنقر، فانقطع قلبه وقال: راح الشام ورب الكعبة، وطلب سلار وحدثه بالذي سمع، فقال له سلار: وماذا عولت؟ فقال له: اخرج إلى الشام بالعسكر وإلا راحت البلاد مني، فقال له سلار: أي وقت خرجت تتلف خيول الناس جميعها، لأنها كانت في الربيع (١) وتخرج وتقاسى الرمل، وربما صح اتفاق قفجق واسندمر وقراسنقر ويخرجون إلينا بخيول قوية وخيولنا مجاف ولم تشبع الربيع، فلا يحصل خير ولا نأمن على أنفسنا منهم، والناس كلهم يعلمون أن أي من كان صاحب مصر فهو صاحب البلاد، وأنت الآن قاعد على كرسي المملكة فلا تبال

стр. 1989

ثم إنه خرج من عنده، ولما وصل إلى باب داره وإذا قد أتى إليه نجاب من عند قطلوبك (١) المنصوري من الشام، فطلبه سلار وأخذ كتابه، وقال له: من أين جئت؟ فقال له: على غير الطريق السلطاني، فقال له: لا تظهر إلى السلطان ولا إلى أحد، ففتح كتابه وإذا فيه المملوك قطلوبك يقبل الأرض وينهى أن الملك الناصر قد توجه طالب البلاد، وهو قوي العزم، وربما الأمراء جميعهم معه، وقد سار إليه بيبرس المجنون وجماعة من أمراء دمشق، ولا سيما وقد وافقه وحلف معه قراسنقر وقفجق واسندمر وهم قوام الشام، والأفرم ما هو حجة، والناس كلهم مائلون إلى الملك الناصر، فأريد جواب هذا الكتاب سريعًا مع القاصد بما أعمله، فكتب إليه سلار جواب يقول: حال وقوفك على هذا الكتاب تروح إلى الملك الناصر أنت ومن وافقك من الأمراء، فتأخذونه وتعبرون به إلى دمشق وتُحَلِّفون عسكر الشام، ثم تتوجهون إلى مصر، فأُسَلِّم لكم البلاد، لأن المُلْك ما يدوم للمظفر، فأخذ النجاب الكتاب، وكان يقال له: شداد. فقال له: يا شداد، تأخذ معك هذا القاصد وتوصله إلى دمشق بحيث أن لا يراكم أحد في الطريق وتسلمه إلى قطلوبك، فركب من وقته وسار ليلًا ونهارًا إلى أن وصل إلى دمشق واجتمع بقطلوبك وأعطاه كتاب سلار، فقرأه وفهم مضمونه. ففي الحال ركب وجاء إلى نائب الشام، وكان عنده في منزلة عالية لأنه كان أكبر أمراء الشام، فقال له: جِئتَ في غير العادة فلا بد من ضرورة، فقال: أنت تعلم أني في كل سنة من هذه الأيام أخرج إلى الأغوار وأصيد فيها وأتنزه بعض شيء، فقال الأفرم: كيف تروح والملك الناصر في الحركة، وكيف تأمن من جهته؟ فضحك قطلوبك وقال له: يا أمير، والله لولا أن نغيه شيطان قد لعب بعقله ما كان يفعل شيئًا من هذه الفعائل، والآن هو قد رجع وندم على ما فعل، وربما الآن يهرب من عنده الأمراء الذين تجمعوا عنده إلى بلاد التتار، فقال له الأفرم: إذا كان ولا بد من رواحك إجمع أصحابك بالأسلحة

стр. 1990

والقماش، فقال له: وعلى هذا عوّلت، فقال له: متى تروح؟ فقال له: لو رسمت، غدًا، فقال: رُحْ، ولكن خذ معك حمام البلاد، وروح من هنا إلى أذرعات وتبصر المنزلة التي نزل عليها الملك الناصر وتعرفنا بجميع ما جرى له، ولا يبرح معك الحمام والبريد، فقال له: سمعًا وطاعة. وكان الحاج بهادر لما وصل من حلب كان قد اجتمع بقطلوبك وحدثه بحديث قراسنقر وقفجق وأسندمر، وكانا قد حلفا للملك الناصر، فلما كان هذا اليوم الذي طلب قطلوبك دستورًا للسفر، وكان الحاج بهادر حاضرًا، ولما خرج قطلوبك قال الحاج بهادر: والله، جيد تُسلِّم الريح لأبي زوبعة؟ فقال له الأفرم: وكيف أعمل؟ وهذا أكبر أمراء الشام ولا أقدر على منعه ولاسيما في هذا الوقت، فقال له الحاج بهادر: إذا كان ولا بد منه سَيَّر معه أحدًا من الأمراء يكون عينًا لك عليه، ويعرفك بكل ما يفعل، فقال له الأفرم: فما لهذا الأمر إلا أنت، فقال له: أريد من إحسانك أن تعفينى في هذه النوبة وسَيِّر معه غيري، فقال له الأفرم: لا غنى عن مسيرك معه، فقال له الحاج بهادر: إذا كان ولا بد من مسيري معه خلني أعمل شيئًا حتى لا يُنكر عَلَىَّ قطلوبك، فقال له: وكيف تعمل؟ فقال له أروح إليه وأقول له: إني أشتهي أن أكون معك في الصيد، وأريد أن تأخذ لي دستورًا من النائب، فإذا كان الأمر كذلك فلا ينكر على شيئًا ولا يُخْفِيني شيئًا، فقال له: افعل ما أردت، فخرج بهادر وأتى إلى دار قطلوبك، وإذا به قد فتح خزانة السلاح وأخرج العدد والجواشن (١) والقراقل والخُوذ، فلما رآه قطلوبك قام له، فقال: والله، ما جاء الأمر إلا مثل ما أشتهى، والله جاء وقت رواحنا إلى الملك الناصر، ثم حدثه الحاج بهادر بما جرى بينه وبين الأفرم، فقال: قم بنا إليه، فركبا وأتيا إلى الأفرم، فقال له: الأفرم: أراك جئت، فقال: جئتُ لآخذ دستورًا للحاج بهادر يكون معي، ونتفق على المصالح السلطانية، فقال لهما الأفرم: سيرا وتوكلا على الله، واحترزا لا يدخل عليكما دخيل، فودّعاه وخرجا.

стр. 1991

وفي تلك الليلة كتب الحاج بهادر إلى قراسنقر، وعرفه بأنه خرج هو وقطلوبك إلى الملك الناصر، ولما أصبحا خرجا بالخيل والجنائب وكلها ملبسة، وكذلك الرجال، فكثر كلام الناس فيهما، فمنهم من يقول: قطلوبك رايح إلى الملك الناصر، وقوم يقولون: هو سائر ليكشف الأخبار ويمسك الطرقات. ولما خرجا وسارا ونزلا على الجمان، وفي تلك الليلة كتبا كتابًا إلى الملك الناصر يُعلمانه بقدومهما، وسيرا الكتب مع خمس مماليك، فقالا لهم: وأي من لقيتم في الطريق فقولوا له: نحن كشافة قطلوبك، فساروا ليلًا ونهارًا إلى أن نزلوا على ظاهر الكرك. وأما الأمراء الذين كانوا نازلين على ظاهر الكرك فقد ضاقت صدورهم واجتمعوا مع نغيه، وقالوا له: يا أمير، إننا أصبحنا في هذا المكان، وما لنا من تلتجئ إليه وهذا الملك الناصر قد طلع إلى الكرك وما نظنه يبقى ينزل منها، وأمرنا قد انخرم مع صاحب مصر، وأي وقت وقعنا في يده أشهرنا على الجمال في مصر والشام. فقال لهم نغيه: طولوا أرواحكم، فإذا رأينا العجز من الملك الناصر وطلبنا صاحب مصر سرنا وطلبنا بلاد الشرق لأنها أوسع من هذه البلاد، فتفرقوا على هذا. وأما الملك الناصر فبينما هو مفتكر في أمر قراسنقر (١) [إذ] (٢) قد دخل إليه أرغون وقال: يا مولاي، إن على باب القلعة خمس مماليك وهم يقولون: إنهم من عند قطلوبك إلى مولانا السلطان. قال: فأمر بحضورهم، فحضروا وأعطوا الكتاب لأرغون، فقرأه على السلطان سرًا وفهم معناه، ثم رفع رأسه وقال لهم: أين خليتم الأمير قطلوبك؟ فقالوا: على أذرعات، وفي الحال أرسل السلطان وراء نغيه والأمراء الذين معه وقرأ عليهم كتاب قطلوبك والحاج بهادر، وفيه أنهما حلفا جميع أمراء دمشق، فصاحوا وباسوا الأرض، وقالوا: ما بقيت لنا عاقة عن الرواح، فقال لهم السلطان: نعم، غير أني منتظر جواب قراسنقر، وهم في الحديث فإذا قاصد من عند (٣) قراسنقر قد حضر فطلبه السلطان وأخذ كتابه

стр. 1992

وقرأه، فإذا فيه إن الكتاب الذي ردك إلى كرك عن طلب دمشق ليس منه، وإنما الأفرم قد زوره على لسانه، فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب انزل واطلب دمشق ورد إلينا الجواب، فقد جهزت عسكر حلب وطرابلس، ففرح السلطان، وقال: يا أمراء بعد ثلاثة أيام يكون المسير، فنزلت الأمراء إلى منازلهم، وسير لكل أمير ألف دينار، ونفق في الجند لكل واحد على مقداره، وأخذ في إصلاح أمورهم، وأعطى لأصحاب قطلوبك خُلعًا وذهبا، وقال لهم: أنا راحل من الكرك، فليأتي الأمراء إلى البرج الأبيض، فسارت المماليك الخمسة وأتوا إلى قطلوبك، وأخبروه بخبر السلطان الناصر وأنه نازل طلبًا دمشق. ثم نذكر ما جرى في مصر، وتعود بعده إلى أخبار الناصر. ذكر ما جرى في مصر بعد حركة الناصر الحركة الأولى قد ذكرنا أن السلطان الناصر لما سار إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء في حركته الأولى أرسل الأفرم إلى المظفر أن الأمراء والعساكر قد فسدت بواطنهم وتغيرت ظواهرهم، والملك الناصر قد تحرك من الكرك ووصل إلى الموضع الفلاني، ولا بأس أن تمدنا بعساكر وتعجل بإرسالهم لنستطيع على دفعه، فأظهر المظفر الاهتمام للتجريد عند وصول هذا البريد، وجرد الأمراء الذين ذكرناهم (١) وهم: الأمير سيف الدين برلغي، والأمير عز الدين البغدادي، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار، والأمير (٢) جمال الدين أقوش الأشرفي، ومعهم أربعة آلاف فارس (٣)، فبرزوا للوقت، وشرع في النفقة العامة للعساكر كافة، وتكملت في سبعة أيام، فقال أكثر الأجناد بعضهم لبعض: ادعوا لمولانا السلطان الناصر، فما سمحت نفس المظفر بهذه النفقة إلا بحركة الناصر، ولا

стр. 1993

حصل لكم هذا الخير إلا ببركته، فكان حاصل المظفر يخلو وذكر الناصر يعلو، وعين جماعة من مماليكه للإمرة بالطبلخانات والعشرات. ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين من شعبان نزلوا إلى المدرسة المنصورية (١) ليلبسوا خُلع الإمرة كجاري العادة، واجتمع لهم النقباء والحجاب والعامة بالأسواق والأبواب ينتظرون طلوعهم القلعة، وكل منهم لابس الخُلعة، فاتفق أن شخصًا من المنجمين كان بين يدي النائب يذكر أن الطالع غير موافق، وهذا الوقت لركوبهم غير لائق، والمصلحة تأخير ذلك، في وقت يستقيم طالعه ويزول عكسه ومانعه، فصادف كلامه محلًا للتأخير، وكان ذلك بما جرى به فأل المقادير، فلما تأخروا أوسعت العامة إرجافًا وقولا، وكثرت الأراجيف، إذ لم يلبس هؤلاء التشاريف. ثم ركب بعضهم يوم الاثنين الآتي، وهو مستهل شهر الصيام، فاستزراهم الأنام، واستبرد طلبهم العوام، وركب بقيتهم يوم الخميس ركوبًا ليست له حلاوة، ولا للأنفس منه طلاوة، وكانت عادتهم حول ثلاثين نفرًا (٢)، منهم أصحاب الطبلخانات سبعة عشر نفرًا، فيهم من مماليكهـ ستة وهم: صنقيجي، وصديق، وطومان، وقرمان، وغُرْلُو، وبهادر، ومن المماليك السلطانية سبعة هم: قراجا الحسامي، وطرنطاي المحمدي، وكيتمر الساقي، وبهادر قفجاق، وانكبار، وطشتمر أخو بتخاص، ولاجين أيتغلى، وممن عداهم: جرمك، وتمر، وبهادر، وحسن بن الردادي (٣)، وأصحاب العشرات من مقدمي الحلقة وغيرهم، وكثر الهرج بالمدينة وتهافت الناس على تحصيل العدد، وخشي من تسلل بعض المماليك السلطانية، فجردوا إلى البلاد القبلية: منهم قوم إلى بلاد البَهْنَسي، وقوم إلى منفلوط، وقوم إلى قوص، وجردت جماعة إلى البحيرة.

стр. 1994

وقال بيبرس في تاريخه: ولما وصل السلطان إلى البرج الأبيض كما ذكرنا رأى أن الرأي قبل الشجاعة، وأن في الأمثال السائرة: الشجاعة صبر ساعة، فخطر بباله أن يعود، فعاد، وكان ذلك من وجوه الحزم والسياسة التي دبرها بفكرته وما اهتدى إليها [الذين] (١) كانوا في خدمته، بل تتمت أفكارهم لرجعته وظنوا رجوعًا إلى التأخير أو جنوحًا إلى التقصير، فتبرموا وتندموا وتفاوضوا فيما بينهم، وتكلموا، وقالوا: إن السلطان قد عاد وعساكر مصر في التجهيز والاعتداد، ومتى ما جاءوا إلينا وقع الصلح علينا، ويسلمنا إليهم بأيدينا، والمصلحة أنَّا ننظر في أمرنا ونحتال في خلاص أنفسنا، فهذه أمور غير مرضية لنا (٢): غابت عواقبها عنهم وما علموا … ما يعلم الله في العُقْبى من الخير حتى بدا عن قليل وجه حكمتها … كما حكى الله عن موسى مع الخضر فاهوا بأشياء ما يدروا مغَّبتها … وكان ذلك من مستحكم الضَّجَر واتصل بالسلطان كلامهم، فبقي في باطنه كامنًا، وفي كمينه باطنًا، وأظهر المظفر العزم على تجهيز العساكر والجد في لقاء الملك الناصر، ونحن نلوح له إن هذا موقف الندامة، [ونشير] (٣) عليه بأن في المسألة السلامة، ولسان الحال ينشد قول أبي أسامة: فيا ابن أسيد لا تُسام ابن حاتم … فتقرع إن سَامَيْتَه كفَّ نادم هو البحر إن كلفت نفسك خوضه … تهالكت في آذيه المتلاطم وعَيَّن طائفة ثانية من بطانته للإمرة، يقصد بذلك الكثرة.

стр. 1995

وكتب السلطان إلى الأمراء بالديار المصرية كتبًا تذكرهم بما له ولأبيه الشهيد عليهم من الحقوق، وإعلامهم بأن تقاعدهم عنه من العقوق، ويطلعهم أن [أمراء] (١) الشام قد ألقوا [المعاداة] (٢) ووافقوا على الإرادة، وأرسلها على يد شخص من المماليك اسمه بهادر السرسماني، كان مبعدًا وبعزه مجردًا، فلما اتفقت هذه الأمور توجه إلى الكرك مهاجرًا، فانتدبه السلطان بالمكاتبات فحضر بها إلى القاهرة، واجتمع بأحد خشداشيته يسمى بكتمر، وأوصلا الكتب إلى أربابها، فمنهم من كتم الأمر وستره، ومنهم مَنْ أذاعه خيفة وأظهره، فلما غشي الخبر وبلغ المظفر، طلب بهادر وبكتمر الواصلين بالكتب، فأحُضرا وضُربَا ضربًا أليمًا وقُرِّرًا، فاستعاد بعض المكاتبات السلطانية من أربابها، وجَدّ في استدعائها وطلابها (٣). ثم جدد الناصر المكاتبات إلى الأمراء الشاميين، فأعادوا إليه جوابًا مرضيًا. وحرضوا على حركته. ذكر مسير السلطان من الكرك ثانيًا وفي شعبان منها: خرج السلطان الناصر محمد من الكرك طالبًا دمشق، وترك بها مملوكه سيف الدين أرغون الدوادار، وترادفت إليه الأمراء من دمشق أولًا فأولًا، ثم سار الناصر ونزل على البرج الأبيض، ويوم نزوله جاءت الكشافة وأخبروه أنهم رأوا مقدار مائتي نفر فرسان نازلين على الزرقاء، قال السلطان: هم قطلوبك والحاج بهادر، وما جاء الظهر حتى أشرف قطلوبك على البرج الأبيض، فإذا عليه السلطان، فقال لأصحابه: أقيموا مكانكم وأنا آخذ معي الحاج بهادر وثلاث مماليك وسار إلى السلطان، فركب السلطان وأمر [الأمراء] (٤) جميعهم أن يروحوا قدام قطلوبك، فلما

стр. 1996

وصلوا سلم بعضهم على البعض، فأخذوه وجاءوا به إلى السلطان، فلما وصلوا ترجلوا وباسوا الأرض، فهم أن يترجل لهم فمنعوه، وقبلوا ركابه، وساروا تحت ركابه إلى الدهليز، فنزل السلطان وجلس على كرسي من الحديد الصيني، ووقفت الأمراء بين يديه، فأمرهم بالجلوس فجلسوا، وتحدثوا في أمر العبور إلى دمشق، فقال السلطان: أنا ما رجعت في المرة الأولى إلا لأمر ذكرته في قلعة الكرك، وما كان غيري يقوم بذلك (١)، وما كان يمكن أن أخلى أصحابي على الخان وأروح أنا، والآن قد قَضَيتُ شُغلي بروحي ورجعت فتقدم قطلوبك وباس الأرض وقال: البلاد بلاد مولانا السلطان والمماليك مماليكهـ، ومن يمانع مولانا السلطان في بلاده، ثم تقدم وأخرج كتاب سلار وناوله السلطان، فقرأه وفرح، وقال: أرجو أَمْن سَبْقه [فهو] (٢) أكثر من هذا. ثم إن السلطان ألبس قطلوبك خُلعة سَنية، وشد في وسطه منْطقة (٣) مرصعة بالجوهر بألف دينار، وكلوتاه (٤) زركش، وشاش (٥) خليفتى، وأعطاه ألف دينار، وكذلك الحاج بهادر، وأمرهم أن ينزلوا بجنب خيامه، وأمر لقطلوبك بأن يعمل استادارا وبهادر حاجبًا. وفي اليوم الثاني رحلوا طالبين دمشق، وارتجت لهم الدنيا، وأرسلوا البطائق إلى دمشق من أذرعات ومن حسبان، يُعْلِمون الأفرم بأن الحاج بهادر وقطلوبك قد ذهبا إلى الناصر، وهم سائرون إلى دمشق، فلا سمع بذلك الأفرم لطم على رأسه وقال: والله، قد حسبت هذا الحساب، وطلب الأمراء وقرأ عليهم البطائق، وبقي متحيرًا ما يدري ما يصنع.

стр. 1997

فبينما هو كذلك فإذا قد وصل بلاط، وكان المظفر يعتمد عليه في جميع أشغاله، فلما رآه الأفرم فرح به، وأخرج كتاب السلطان وأعطاه للأفرم؛ فإذا فيه: قد تواترت علينا كتبك مع البريدية [تتضمن] (١) نزول الناصر من الكرك، وأن معه جماعة، وأنتم خائفون منه، وليس معه إلا مائتا نفس، ولا نعرف خوفك من أي شيء؟ فكيف لو جاءكم خربندا؟ وأنت وقطلوبك كفاية له ولمن معه، خل عنك بقية الأمراء، ولولا أن الخيل في الربيع سَيَّرنا لك جريدة كفت مؤونته، وذكر في كتابه للأمراء: بلغنا قلة نصحكم ومخالفتكم للنائب، فدعوا الباطل، وما سولت لكم أنفسكم، [فكونوا] (٢) لأمره سامعين، وإلا أصبحتم نادمين، فلما سمع الأمراء ذلك قالوا: السمع والطاعة لله تعالى، ثم لمولانا السلطان. ثم سير الأفرم وراء القضاة، وطلب المصحف، وأراد أن يُخَلِّف الأمراء، فإذا بجماعة من الحلقة كانوا في الكشف حضروا وأخبروا أن الناصر ومعه قطلوبك نزلوا على أذرعات، فاختبط القصر وماجت الناس، وتفرقت الأمراء، ولم يبق عند الأفرم إلا مماليكه وابن صبح، فأطرق رأسه إلى الأرض وهو يتفكر، فدخل عليه أيدغدي شقير وعز الدين الزردكاش وحمزة، وقالوا له: قعودك وحدك ما ينفع، فقال لهم: وماذا أصنع؟ فقالوا: ابعث أحد الأمراء الذي تعتمد عليه يأتى لك بالأمان من السلطان الناصر، وإلا أُخِذْت، فقال: والله، لا فعلت ذلك أبدًا ولو سُقِيت كأس الرَّدَى، غير أني أبعث [وأقول له] (٣): أمهلني عشرة أيام حتى أسير إلى الملك المظفر، فإن حضر ورد عن بلاده وإلا سلمت إليه البلاد من غير حرب ولا قتال، وأكون قد [أخمدت] (٤) هذه الفتنة، وربما يرجع المظفر وسمح له بالشام وبلادها، فقال بلاط: هذا هو الكلام الذي يُعتمد عليه، فاتفقوا على أن يرسلوا إلى الناصر علاء الدين أيدغدي والزردكاشي، فركبا البريد وذهبا إلى الناصر.

стр. 1998

وأما أمراء دمشق فإنهم بعد خروجهم من القصر تشاوروا في ماذا يصنعون؟ فقال لهم آقجبا الظاهري: يا قوم، إن الناصر قد وصل وأنتم تعلمون ما هو عليه من التهجم على الأمور الصعاب التي لا يقدر عليها أحد من الملوك، ولَتَعلمون عظم صبره على الأهوال ولا سيما إذا ظهر الحق وبأن الباطل من الصدق، وقد شاهدتموه يوم حمص وثباته، وقد هربت الأمراء والفرسان من بين يديه وهو واقف، وكذلك يوم مرج الصفر، وهذا كله (١) يدل على أن نفسه أبية وهمته علية، وأنه بعد ما شرع في هذا الأمر ما بقى يرجع عنه حتى تعض الخيل على لُجمها يَسيل نهر من الدم، فقالوا له: هذا كله صحيح، غير أننا انضرينا ولا ندري ما نفعل، و [هذه] (٢) كتب المظفر واصلة إلينا بأن التجاريد جائية إلى الشام، وهو اليوم صاحب البلاد، وهذا الناصر قد هجم علينا، فقال أقجبا: يا قوم خلو عنكم هذا الكلام، فإن الظاهر عنوان الباطن، والله، ما المظفر بخصم للناصر، ولا أمثاله، ولو كان ألفًا، والله، ليأخذن المُلك منه بعد أن يُوَلَّى هو صاغرًا ذليلًا، فالسعيد من والاه والشقي من عاداه، فقال كجكن: والله، لقد صدق أقجبا، ولكن يا أمراء على ماذا عولتم؟ فقال أقجبا وأقطوان الساقي: نروح إليه ونمتثل أمره. قال الراوي: فاتفق الجميع على الرواح إليه، ثم انصرف كل واحد إلى منزله ليأخذ ما يحتاج إليه، وتواعدوا على الاجتماع في ميدان الحصى، وكان آخر النهار، فبعد ساعة قد اجتمعوا في ميدان الحصى، ولم يبق أحد إلا آقجبا الظاهري، فبقى القوم في انتظاره. وسمع الأفرم بأن الأمراء راحوا إلى الملك الناصر، فطلب بكتمر الحاجب وقال: اذهب إليهم ورُدَّهم، فركب بكتمر بمماليكهـ ومماليك النائب وراح خلفهم، فلحقهم في ميدان الحصى، فقال: يا أمراء ما هو مصلحة تروحون بغير أمر النائب، فارجعوا إليه حتى تتفقوا معه، فهو خير لكم من رواحكم هكذا، فقالوا له: اذهب في حالك وما لنا أستاذ إلا الملك

стр. 1999

الناصر، فكلما خدعهم بكتمر بالكلام لم يسمعوا منه، فقال لهم واحد من مماليك الأفرم: إن لم ترجعوا بالطيبة رديناكم بالغصب وباليد القوية، فلما سمعوا كلامه شتموه وشتموا النائب، وحطوا أيديهم على قوائم سيوفهم، وهموا أن يبطشوا به، وقالوا: يا قدِّ القِرْد من هو الذي يردنا؟ والله، لو جاء المظفر إلينا ضربنا رقبته، وحملوا على المملوك وأرادوا قتله، فما ردهم عنه إلا بكتمر الحاجب، وقال: والله، يا أمراء ما جئتكم بغضًا لكم، غير أنكم تعرفون أني ما أقدر على أن أخالف النائب، ثم إنه رجع عنهم وهو لا يصدق بالنجاة، وبقي يلوم المملوك على ذلك الكلام. فلما وصل إلى باب الجابية لقى أقبجا الظاهري، فقال له: إلى أين؟ فقال: حتى ألحق الأمراء، وكان مع أقجبا [خمس] (١) مماليك، فقال له الحاجب: ارجع معي، فرجع معه إلى الأفرم، فتقدم بكتمر وحدث الأفرم بما جرى له مع الأمراء، وأنهم كلهم راحوا ولم يرجع إلا أقجبا، فطار عقل النائب وأيقن بزوال دولته، ثم إنه التفت إلى أقجبا وقال له: هذا فعل جيد؟ تفسد الأمراء وتروح معهم إلى الناصر، ولا بد لي أن أرسلك إلى الملك المظفر يفعل فيك ما يشاء، فضحك أقجبا وقال له نائبه: بهذا العقل تتكلم بهذا الكلام؟ فالملك المظفر بقى له ملك، فإن سمعت مني فأنا لك ناصح، فخذ مماليكك في هذه الساعة وسر إلى الملك الناصر أستاذك، ويكون لك الخير، وينالك منه كل ما طلبت، ويشكرك كل أحد، وإن لم ترح إليه، فهو جاء إليك ويأخذك أخذ المقتدر، فتصبح حائرًا نادمًا، فلما سمع الأفرم ذلك احترق قلبه من الغيظ، فقال له: يا شيخ النحس ما هذا الكلام؟ ثم أمر بأن يأخذوا سيفه ويضربوا رقبته، فمنعه بكتمر، وقال: لا تعجل فما ندري ماذا يكون أمرنا مع الناصر، فتعود تندم على فعلك، فأخرج أقجبا من عنده، وأمر به إلى الزرد خانة ورسم عليه خمس مماليك، ثم إنه جمع مماليكهـ الذين [يعتمد] (٢) عليهم، وطلب علاء الدين بن صبح وقال لهم: اعلموا أن الناصر يكون غدًا عندنا، وهذه عسكر دمشق كلهم معه، وكل واحد منهم قال شيئًا، فقال له ابن صبح: هذا كله ما ينفع، احترز لنفسك من قبل ما يقع العين

стр. 2000

على العين، فيبقى خلاصك بعيدًا، فقال له: صدقت، فإش يكون العمل؟ فقال له ابن صبح: قم حتى آخذك وأطلع بك إلى هذا الجبل، فلو اجتمع كل مَنْ في الدنيا ما قدروا عليك، ولا يقدر أحد أن يصل إلينا، فقال له: صدقت، خذوا أهبتكم قبل الصباح. وكان بلاط حاضرًا في هذا الكلام، فقال: إذا كان الأمر على هذا، فأنا الساعة أركب البريد وآخذ حصانًا من خيلك وأروح على الطريق الجادة، وأي مكان خرج علىّ أحد ركبت الحصان وسقت، فإذا وصلت إلى مصر حرضت عليهم بخروج العساكر، فقال له الأفرم: افعل ما تريد، فقام في الحال وتجهز وخرج، وحَمَّلوا جمال الأفرم، وركب، وكان الأمير بكتمر أمير جندار قد وصل في تلك الليلة من صفد، ونزل في دار الهاروني، فسار إليه الجاولى والطشلاقي، وقالوا له: هذا الأفرم هارب في هذه الساعة، فركب بكتمر بمماليكهـ، ومعه عسكر صفد، وجاءوا على باب القصر، وإذا بالأفرم طالع، فلما رأى بكتمر قال له: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال له: يا أمير، لا تفعل، فهذا الفعل لا يليق بك، ولا يخوفك أحد من الناصر، فوالله ما عنده أعز منك، وأنت أكبر مماليك أبيه، واعتماده عليك، فقال له: يا سيف الدين، كلكم تعملون عَلَىَّ، وصاح على مماليكهـ، فخرج وخرجوا معه، وكلهم غائصون في الحديد، ومعه ابن صبح وأجناده، وبقي بكتمر والجاولي والطشلاقي واقفين حائرين، وسار الأفرم طالبًا المزة (١). ذكر خروج الأفرم من الشام ولما سار الأفرم، وصار بين زقاقات المزّة، هرب من منه الطنبغا الخازندار ومعه أربعون مملوكًا، وطلبوا ناحية داريا وساروا إلى الناصر، ولما رأى ذلك أمير عمر، رأس النوبة للسلحدارية، قال للأفرم: الساعة هرب المماليك كلهم، دعني أكون في الأخير أسوقهم، وأي من هرب ضربت رقبته، ثم انقطع خلف المماليك ومعه عشرة من
следующие страницы →