وصلوا سلم بعضهم على البعض، فأخذوه وجاءوا به إلى السلطان، فلما وصلوا ترجلوا وباسوا الأرض، فهم أن يترجل لهم فمنعوه، وقبلوا ركابه، وساروا تحت ركابه إلى الدهليز، فنزل السلطان وجلس على كرسي من الحديد الصيني، ووقفت الأمراء بين يديه، فأمرهم بالجلوس فجلسوا، وتحدثوا في أمر العبور إلى دمشق، فقال السلطان: أنا ما رجعت في المرة الأولى إلا لأمر ذكرته في قلعة الكرك، وما كان غيري يقوم بذلك (١)، وما كان يمكن أن أخلى أصحابي على الخان وأروح أنا، والآن قد قَضَيتُ شُغلي بروحي ورجعت فتقدم قطلوبك وباس الأرض وقال: البلاد بلاد مولانا السلطان والمماليك مماليكهـ، ومن يمانع مولانا السلطان في بلاده، ثم تقدم وأخرج كتاب سلار وناوله السلطان، فقرأه وفرح، وقال: أرجو أَمْن سَبْقه [فهو] (٢) أكثر من هذا.
ثم إن السلطان ألبس قطلوبك خُلعة سَنية، وشد في وسطه منْطقة (٣) مرصعة بالجوهر بألف دينار، وكلوتاه (٤) زركش، وشاش (٥) خليفتى، وأعطاه ألف دينار، وكذلك الحاج بهادر، وأمرهم أن ينزلوا بجنب خيامه، وأمر لقطلوبك بأن يعمل استادارا وبهادر حاجبًا.
وفي اليوم الثاني رحلوا طالبين دمشق، وارتجت لهم الدنيا، وأرسلوا البطائق إلى دمشق من أذرعات ومن حسبان، يُعْلِمون الأفرم بأن الحاج بهادر وقطلوبك قد ذهبا إلى الناصر، وهم سائرون إلى دمشق، فلا سمع بذلك الأفرم لطم على رأسه وقال: والله، قد حسبت هذا الحساب، وطلب الأمراء وقرأ عليهم البطائق، وبقي متحيرًا ما يدري ما يصنع.
стр. 1997
فبينما هو كذلك فإذا قد وصل بلاط، وكان المظفر يعتمد عليه في جميع أشغاله، فلما رآه الأفرم فرح به، وأخرج كتاب السلطان وأعطاه للأفرم؛ فإذا فيه: قد تواترت علينا كتبك مع البريدية [تتضمن] (١) نزول الناصر من الكرك، وأن معه جماعة، وأنتم خائفون منه، وليس معه إلا مائتا نفس، ولا نعرف خوفك من أي شيء؟ فكيف لو جاءكم خربندا؟ وأنت وقطلوبك كفاية له ولمن معه، خل عنك بقية الأمراء، ولولا أن الخيل في الربيع سَيَّرنا لك جريدة كفت مؤونته، وذكر في كتابه للأمراء: بلغنا قلة نصحكم ومخالفتكم للنائب، فدعوا الباطل، وما سولت لكم أنفسكم، [فكونوا] (٢) لأمره سامعين، وإلا أصبحتم نادمين، فلما سمع الأمراء ذلك قالوا: السمع والطاعة لله تعالى، ثم لمولانا السلطان.
ثم سير الأفرم وراء القضاة، وطلب المصحف، وأراد أن يُخَلِّف الأمراء، فإذا بجماعة من الحلقة كانوا في الكشف حضروا وأخبروا أن الناصر ومعه قطلوبك نزلوا على أذرعات، فاختبط القصر وماجت الناس، وتفرقت الأمراء، ولم يبق عند الأفرم إلا مماليكه وابن صبح، فأطرق رأسه إلى الأرض وهو يتفكر، فدخل عليه أيدغدي شقير وعز الدين الزردكاش وحمزة، وقالوا له: قعودك وحدك ما ينفع، فقال لهم: وماذا أصنع؟ فقالوا: ابعث أحد الأمراء الذي تعتمد عليه يأتى لك بالأمان من السلطان الناصر، وإلا أُخِذْت، فقال: والله، لا فعلت ذلك أبدًا ولو سُقِيت كأس الرَّدَى، غير أني أبعث [وأقول له] (٣): أمهلني عشرة أيام حتى أسير إلى الملك المظفر، فإن حضر ورد عن بلاده وإلا سلمت إليه البلاد من غير حرب ولا قتال، وأكون قد [أخمدت] (٤) هذه الفتنة، وربما يرجع المظفر وسمح له بالشام وبلادها، فقال بلاط: هذا هو الكلام الذي يُعتمد عليه، فاتفقوا على أن يرسلوا إلى الناصر علاء الدين أيدغدي والزردكاشي، فركبا البريد وذهبا إلى الناصر.
стр. 1998
وأما أمراء دمشق فإنهم بعد خروجهم من القصر تشاوروا في ماذا يصنعون؟ فقال لهم آقجبا الظاهري: يا قوم، إن الناصر قد وصل وأنتم تعلمون ما هو عليه من التهجم على الأمور الصعاب التي لا يقدر عليها أحد من الملوك، ولَتَعلمون عظم صبره على الأهوال ولا سيما إذا ظهر الحق وبأن الباطل من الصدق، وقد شاهدتموه يوم حمص وثباته، وقد هربت الأمراء والفرسان من بين يديه وهو واقف، وكذلك يوم مرج الصفر، وهذا كله (١) يدل على أن نفسه أبية وهمته علية، وأنه بعد ما شرع في هذا الأمر ما بقى يرجع عنه حتى تعض الخيل على لُجمها يَسيل نهر من الدم، فقالوا له: هذا كله صحيح، غير أننا انضرينا ولا ندري ما نفعل، و [هذه] (٢) كتب المظفر واصلة إلينا بأن التجاريد جائية إلى الشام، وهو اليوم صاحب البلاد، وهذا الناصر قد هجم علينا، فقال أقجبا: يا قوم خلو عنكم هذا الكلام، فإن الظاهر عنوان الباطن، والله، ما المظفر بخصم للناصر، ولا أمثاله، ولو كان ألفًا، والله، ليأخذن المُلك منه بعد أن يُوَلَّى هو صاغرًا ذليلًا، فالسعيد من والاه والشقي من عاداه، فقال كجكن: والله، لقد صدق أقجبا، ولكن يا أمراء على ماذا عولتم؟ فقال أقجبا وأقطوان الساقي: نروح إليه ونمتثل أمره.
قال الراوي: فاتفق الجميع على الرواح إليه، ثم انصرف كل واحد إلى منزله ليأخذ ما يحتاج إليه، وتواعدوا على الاجتماع في ميدان الحصى، وكان آخر النهار، فبعد ساعة قد اجتمعوا في ميدان الحصى، ولم يبق أحد إلا آقجبا الظاهري، فبقى القوم في انتظاره.
وسمع الأفرم بأن الأمراء راحوا إلى الملك الناصر، فطلب بكتمر الحاجب وقال: اذهب إليهم ورُدَّهم، فركب بكتمر بمماليكهـ ومماليك النائب وراح خلفهم، فلحقهم في ميدان الحصى، فقال: يا أمراء ما هو مصلحة تروحون بغير أمر النائب، فارجعوا إليه حتى تتفقوا معه، فهو خير لكم من رواحكم هكذا، فقالوا له: اذهب في حالك وما لنا أستاذ إلا الملك
стр. 1999
الناصر، فكلما خدعهم بكتمر بالكلام لم يسمعوا منه، فقال لهم واحد من مماليك الأفرم: إن لم ترجعوا بالطيبة رديناكم بالغصب وباليد القوية، فلما سمعوا كلامه شتموه وشتموا النائب، وحطوا أيديهم على قوائم سيوفهم، وهموا أن يبطشوا به، وقالوا: يا قدِّ القِرْد من هو الذي يردنا؟ والله، لو جاء المظفر إلينا ضربنا رقبته، وحملوا على المملوك وأرادوا قتله، فما ردهم عنه إلا بكتمر الحاجب، وقال: والله، يا أمراء ما جئتكم بغضًا لكم، غير أنكم تعرفون أني ما أقدر على أن أخالف النائب، ثم إنه رجع عنهم وهو لا يصدق بالنجاة، وبقي يلوم المملوك على ذلك الكلام.
فلما وصل إلى باب الجابية لقى أقبجا الظاهري، فقال له: إلى أين؟ فقال: حتى ألحق الأمراء، وكان مع أقجبا [خمس] (١) مماليك، فقال له الحاجب: ارجع معي، فرجع معه إلى الأفرم، فتقدم بكتمر وحدث الأفرم بما جرى له مع الأمراء، وأنهم كلهم راحوا ولم يرجع إلا أقجبا، فطار عقل النائب وأيقن بزوال دولته، ثم إنه التفت إلى أقجبا وقال له: هذا فعل جيد؟ تفسد الأمراء وتروح معهم إلى الناصر، ولا بد لي أن أرسلك إلى الملك المظفر يفعل فيك ما يشاء، فضحك أقجبا وقال له نائبه: بهذا العقل تتكلم بهذا الكلام؟ فالملك المظفر بقى له ملك، فإن سمعت مني فأنا لك ناصح، فخذ مماليكك في هذه الساعة وسر إلى الملك الناصر أستاذك، ويكون لك الخير، وينالك منه كل ما طلبت، ويشكرك كل أحد، وإن لم ترح إليه، فهو جاء إليك ويأخذك أخذ المقتدر، فتصبح حائرًا نادمًا، فلما سمع الأفرم ذلك احترق قلبه من الغيظ، فقال له: يا شيخ النحس ما هذا الكلام؟ ثم أمر بأن يأخذوا سيفه ويضربوا رقبته، فمنعه بكتمر، وقال: لا تعجل فما ندري ماذا يكون أمرنا مع الناصر، فتعود تندم على فعلك، فأخرج أقجبا من عنده، وأمر به إلى الزرد خانة ورسم عليه خمس مماليك، ثم إنه جمع مماليكهـ الذين [يعتمد] (٢) عليهم، وطلب علاء الدين بن صبح وقال لهم: اعلموا أن الناصر يكون غدًا عندنا، وهذه عسكر دمشق كلهم معه، وكل واحد منهم قال شيئًا، فقال له ابن صبح: هذا كله ما ينفع، احترز لنفسك من قبل ما يقع العين
стр. 2000
على العين، فيبقى خلاصك بعيدًا، فقال له: صدقت، فإش يكون العمل؟ فقال له ابن صبح: قم حتى آخذك وأطلع بك إلى هذا الجبل، فلو اجتمع كل مَنْ في الدنيا ما قدروا عليك، ولا يقدر أحد أن يصل إلينا، فقال له: صدقت، خذوا أهبتكم قبل الصباح.
وكان بلاط حاضرًا في هذا الكلام، فقال: إذا كان الأمر على هذا، فأنا الساعة أركب البريد وآخذ حصانًا من خيلك وأروح على الطريق الجادة، وأي مكان خرج علىّ أحد ركبت الحصان وسقت، فإذا وصلت إلى مصر حرضت عليهم بخروج العساكر، فقال له الأفرم: افعل ما تريد، فقام في الحال وتجهز وخرج، وحَمَّلوا جمال الأفرم، وركب، وكان الأمير بكتمر أمير جندار قد وصل في تلك الليلة من صفد، ونزل في دار الهاروني، فسار إليه الجاولى والطشلاقي، وقالوا له: هذا الأفرم هارب في هذه الساعة، فركب بكتمر بمماليكهـ، ومعه عسكر صفد، وجاءوا على باب القصر، وإذا بالأفرم طالع، فلما رأى بكتمر قال له: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال له: يا أمير، لا تفعل، فهذا الفعل لا يليق بك، ولا يخوفك أحد من الناصر، فوالله ما عنده أعز منك، وأنت أكبر مماليك أبيه، واعتماده عليك، فقال له: يا سيف الدين، كلكم تعملون عَلَىَّ، وصاح على مماليكهـ، فخرج وخرجوا معه، وكلهم غائصون في الحديد، ومعه ابن صبح وأجناده، وبقي بكتمر والجاولي والطشلاقي واقفين حائرين، وسار الأفرم طالبًا المزة (١).
ذكر خروج الأفرم من الشام
ولما سار الأفرم، وصار بين زقاقات المزّة، هرب من منه الطنبغا الخازندار ومعه أربعون مملوكًا، وطلبوا ناحية داريا وساروا إلى الناصر، ولما رأى ذلك أمير عمر، رأس النوبة للسلحدارية، قال للأفرم: الساعة هرب المماليك كلهم، دعني أكون في الأخير أسوقهم، وأي من هرب ضربت رقبته، ثم انقطع خلف المماليك ومعه عشرة من
стр. 2001
السلحدارية، وهم يسوقون الناس، فلما وصلوا [العَرَّادة] (١) طلب الأفرم أمير عمر وإذا به قد هرب وراح إلى الناصر، فسأل عنه، فقالوا: ما رأيناه من وقت طلعنا من عقبة المزّة، فانقطع الأفرم وابن صبح معه في أواخر الناس يسوقانهم، ولم يزالوا كذلك إلى أن وصلوا إلى شقيف أرنون، فسمع الأسد الميداني، وكان بقرية يقال لها: جرين، وكان هذا رجلًا عاقلًا، رأس اليمن، فقال لأصحابه: هذا الأفرم ما جاء هنا إلا وقد وصل السلطان الناصر إلى دمشق، وربما تبعه أمراء وعسكر فينكرون علينا إن مَكَّنَّاهم من العبور إلى الساحل، وكان الأسد يحكم على خمسة آلاف راجل، فاستدعى بأخيه عز الدين [وأولاد] (٢) عمه، وقال لهم: في هذه الساعة خذوا معكم ألف راجل وأمسكوا هذه الدروب، ولا تمكنوا أحدًا من العبور فيها، ولو جئت أنا، فأجابوه بالسمع والطاعة، ثم إنه أخذ معه تقادم وأغناما وسار يطلب الأفرم، فسمع الأفرم بقدوم الأسد الميداني، وتلقاه بأحسن ملتقى، ثم أجلسه إلى جانبه، فقدم هو ما معه، وقال له: يا أمير، طيب قلبك فما ينالك إلا الخير، وبعد أن وصلت إلى هذا الموضع ما بقى أحد يصل إليك، وأنا وأولاد عمي وعشرة آلاف راجل كلنا في خدمتك في هذه البلاد وبين يديك، فشكره الأفرم وطاب قلبه بذلك.
وقال ابن كثير: ركب الأفرم ومعه جماعة من أتباعه في السادس عشر من شعبان ومعه ابن صبح إلى شقيف أرنون (٣).
وقال بيبرس في تاريخه: ولما تحقق أقوش الأفرم قدوم الناصر بالعساكر الوافرة والأمداد المتظافرة فر من دمشق هاربًا واعتصم بجبال الشقيف لائذًا، ولو رشد لكان [بعفو] (٤) السلطان عائذًا.
شعر:
стр. 2002
وما الفرار إلى الأحيال (١) من أسد … يمشي النعام به في مَعقل الوعل
ذكر دخول الناصر دمشق
ولما هرب الأفرم من دمشق، هُيئت بها أبهة السلطنة والإقامات اللائقة به، ثم دخل الناصر دمشق يوم الثلاثاء، وسط النهار، السابع (٢) عشر من شعبان، وصحبته الأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار، وهو خالصة الخلصان وواسطة الأنصار، ومعه العسكر الصفدي، والأمير سيف الدين أسندمر الكرخي ومعه العسكر الطرابلسي، وغيرهم ممن اجتمع إلى الدهليز المنصور، وشرع في [إنفاق] (٣) المال وبذل النوال، وكان يوم دخوله يومًا عظيمًا، ودخل في أبهة عظيمة، وبسط له من عند المصلى إلى القلعة، وتلقته الأمراء والقضاة وأعيان البلد.
وقال ابن كثير: وكنت ممن شاهد دخوله حال دخوله، وعليه أبهة [المُلْك] (٤)، والبسط تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، والجِتْر (٥) على رأسه، والأمراء السلحدارية عن يمينه وشماله وبين يديه، والناس يدعون له، وكان يومًا مشهودًا (٦).
وقال الشيخ علم الدين [البرزالي] (٧): وكان [على] (٨) السلطان يومئذ عمامة بيضاء، وكَلَوْنته حمراء، وقباء من عباءة أبيض وأسود أقلامي تحته فروة سنجاب، وتحت
стр. 2003
ذلك قباء أبيض، وكان الذي حمل الجتر على رأسه يومئذ الحاج بهادر، وعليه خُلعة عظيمة مذهبة بفرو فاقم (١).
قال: ولما وصل السلطان إلى باب القلعة صب له الجسر، وخرج إليه نائبها سيف الدين السنجرى، فقَبَّلَ الأرض بين يديه، فأشار إليه: أني الآن لا أنزل هاهنا، وسار بفرسه إلى جهة القصر الأبلق، والأمراء بين يديه، فنزل بالقصر، وخُطب له يوم الجمعة بالجامع، ودعى الناس له (٢).
وفي نزهة الناظر: ولم يبق في دمشق، يوم دخول الناصر، كبير ولا صغير إلا وقد خرجوا إلى ظاهر دمشق، وبأيديهم الشموع والمباخر، ولعبوا بين يديه بالسيوف، وضربت النسوان بالدفوف (٣).
ذكر عود الأفرم إلى الناصر
قال ابن كثير: وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من شعبان وصل الأفرم مذعنًا بالطاعة، وقبل الأرض بين يدي السلطان، فترجل له وأكرمه، وأذن له في مباشرة النيابة، ففرح الناس بوصوله (٤).
وقال بيبرس: أرسل السلطان إليه رسلًا بالأمان والأيمان، وهما: الأميران عز الدين أيدمر الزردكاش، والأمير سيف الدين جوبان، فحضر إلى الخدمة مستوثقًا من العفو والإحسان، فقبل السلطان وفادته وأجزل صلته (٥).
стр. 2004
وفي النزهة: لما جاء إليه الأميران المذكوران قالا له: رواحك من السلطان ما هو مصلحة، وأنت تعلم أن ما عنده أكبر منك، وقدرك كبير، ثم ناولاه أمان السلطان، فأخذه وباسه ووضعه على رأسه، وقال: بإسم الله سمعًا وطاعة لمولانا السلطان، غير أنه قد بغضوني إليه، وأنا خائف من سطوته، وإن كان أن يمكن أن أحلق رأسي وأقعد في بعض المساجد. فقالا له: طيب خاطرك واشرح صدرك، فما عند السلطان أعز منك، ثم سير الزردكاش مملوكًا من مماليكه يعرف السلطان بأن الأفرم قد أجاب إلى الطاعة وهذا هو واصل، فأمر السلطان [الأمراء] (١) بأن يركبوا إلى المزة ويلاقوه، وركب هو أيضًا بنفسه ولاقاه، فلما أشرف عليه أرمي نفسه إلى الأرض، فقبلها بين يدي السلطان، فأراد السلطان أن يترجل، فأقسم عليه بالله العظيم أن لا يفعل، وسار الأفرم قدامه إلى أن دخلوا القصر، ولما استقر به الجلوس خلع على الأفرم خُلعة من الأطلس الأحمر عليها طرازًا من الذهب، وأعطاه حياصة مجوهرة وسيفًا من سيوفه وحصانًا من خيله بسرج مغرق من الذهب، وقال له: أنت أكبر مماليك أبي، وما كنت أعتمد على أحد من أمراء الشام إلا عليك، فباس الأفرم الأرض، وقال: والله، ما كان رواح المملوك لأجل خروجه عن الطاعة، نعوذ بالله، غير أنه بلغه أن بعض مماليك السلطان نقل عن المملوك شيئًا لا فعله، فخشي على نفسه من سطوة السلطان فيروح بغير جناية عملها، فطيب السلطان خاطره، وقال له: دمشق لك مثل ما كانت أولًا، وما أغير عليك شيئًا يا أمير جمال الدين، فباس الأرض، فأمره بالانصراف، فخرج من عنده وبين يديه الأمراء والحجاب، فركب وسار إلى منزله (٢).
ذكر مجئ بقية النواب
قال ابن كثير: وصل الأمير قفجق نائب حماة، والأمير اسندمر نائب طرابلس
стр. 2005
يوم الاثنين الرابع والعشرين من شعبان، وخرج الأمراء لتلقِّيهما، وتَلَّقاهما السلطان كما تلقى الأفرم.
وفي اليوم الثامن والعشرين من شعبان: وصل الأمير سيف الدين قراسنقر المنصوري نائب حلب، وخرج السلطان لتلقيه أيضًا، ووصل جيش حلب يوم الأربعاء الثالث من رمضان (١).
وفي النزهة: وحين استقر ركاب السلطان بدمشق أرسل بريديًا خلف قراسنقر وقفجق واسندمر، فأول مَنْ حضر كان الأمير قفجق واسندمر، وبعد يومين وصل الأمير قراسنقر على الهجن ومعه خمسون مملوكًا وخيلهم على أيديهم مجنوبة، فسأله السلطان عن عسكر حلب، فقال: هم واصلون، غير أنا لما جاءنا البريدى أسرعنا، ثم تحدثوا مع السلطان في أمر الأفرم وقالوا: يا خوند، المصلحة أن تكتب له أمانًا بأنك لا تغيره من النيابة ولا يحصل له تشويش، فأجاب إليهم، وكتب وأرسل مع جوبان وزردكاش كما ذكرناه.
وقد ذكرنا أيضًا أن بيبرس ذكر في تاريخه: أن قدوم الأفرم إلى السلطان كان قبل قدوم هؤلاء النوّاب، والعمدة على ما ذكره، فإنه أدرى بحال هؤلاء من غيره.
ذكر ما جرى في مصر وما عزم عليه المظفر
قال ابن كثير: وأما المظفر فإنه جَرَّ جماعة يتفرقون ليحفظوا، المسالك ويمنعوا من بها من الجند المتسللين سالك، فمنهم قوم أقاموا على الجادة، وقوم على سويس (٢).
وقال بيبرس في تاريخه، وانقطع البريد في هذه المدة عن الديار المصرية، وعُميت الأخبار من البلاد الشامية، ولم يعد أحد يأتي بخير جلي، وعزم السلطان الناصر على إرسال شخص من الثقات إلى أمراء مصر بملطفات ليعلمهم بوصوله إلى مدينة دمشق،
стр. 2006
واجتماع العساكر إليه، وإطباقها عليه تقوية لعزائمهم وإنعاشًا لهممهم.
فسأل الأمير سيف الدين بكتمر السلاري وسيف الدين بكتمر الحاجب قائلًا: مَنْ هنا من مماليك الأمراء الذين نثق إليهم، ويُعول في المناصحة عليهم لنسيِّره إلى مصر في [هذا] (١) الأمر.
قال بيبرس: وكان لي بدمشق مملوك اسمه أيبك، مقيم منذ أعوام ببلاد الشام، فقالا له: إن ها هنا مملوكًا لفلان، يعنون به بيبرس الدوادار، فأمر به فأحضر بين يديه، وسلمت (٢) الملطفات الشريفة إليه، حفظها وأخفاها، وسار في تلك الأوقات المخيفة، فلما وصل إلى قطيا أُخذ وحُمل على البريد إلى القلعة، فسأله الركن الجاشنكير، يعني الملك المظفر، ما وراءه وما جاء به؟ فموه عليه، وقال: إن لي أيامًا في عجلون، ولما سمعت بتوجه السلطان حضرت إلى الديار المصرية إلى مخدومي، وبات ليلة جمعاء يسائله ويخايله، وهو على كلامه الأول لم تتغير أخباره ولم يتحول، فتمت الحجة، ووصلت الملطفات إلى أربابها، فنهضت عزائمهم وقويت هممهم، واتفقت آراؤهم على المهاجرة، واجتمعت على المبادرة، فسار الناس إلى الأبواب السلطانية (٣)، واضطربت أمور الجاشنكير، وتعكرت لجج أفكاره أي تعكير، وصار كل ما يبرمه من التدبير إيلاء إلى التدمير، فهو كما قيل:
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
وهذا شجه الخلاف
وتّمَّرة عدم الإنصاف
стр. 2007
ولقد كنت أعرض له بأن النزول عن المنصب
إلى الرأي الأصوب أقرب وأنسب
فيأبى وتأبي له بطانته الاستمرار
والتمادي على الإصرار
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني
فنفسك وَلِّ اللومَ إن كنت لائمًا
قال: وفي ليلة الجمعة الثاني عشر من شهر رمضان، خرجت جماعة من مماليك السلطان على الخيل والهجن واتصل أمرهم بالركن، فجرَّد في طلبهم بعض الأمراء الساكنين تحت القلعة ليدركوهم بسرعة، فساقوا خلفهم فأدركوهم وقد وردوا الماء بمراكع موسى (١)، [فناوشوهم] (٢) فكر أولئك عليهم كرة كانت عليهم فيها الكسرة، وأنكى المماليك السلطانية فيهم نكاية ظاهرة، وجرحوا شجاع الدين [سُمُك] (٣) أخا النائب، والصارم الجرمكي الحاجب، وقُتل بينهم قتلى من الفريقين، وعاد القوم خائبين، وتوجه أولئك ظاهرين، وكان ممن جُرد لحفظ الطرقات أقوش الرومي الحسامي، فلما أنفقت حركة هؤلاء ركب ليدركهم، فلم يصادفهم، لأنهم أخذوا على غير الجهة التي كان فيها، فنزل المذكور ليستريح، فوثب عليه جماعة من مماليكه فقتلوه وحزوا رأسه وتركوه طريحًا، وساروا نحو الدهليز المنصور، وحُملت جثته إلى القاهرة، وبلغ الجاشنكير خبره، فزاد خوره (٤).
стр. 2008
وتجمع تلك الليلة جموع من العامة والغوغاء والسوقة، وقصدوا باب الأصطبل السلطاني تحت القلعة، وأعلنوا أصواتهم بشتيمة الجاشنكير وسبه والتهكم به، فأخذ بعضُهم وأُدِّب وشُهر، فَطُوّف، على أنهم يرتدعون فما ازدادوا إلا تحاملًا وتعصبًا وبغضًا وتهكمًا، ولاح للمظفر ميل القلوب عنه ونِفَارها، وانقباض العكسر وازْوِرَارِها، فخطر بباله أن يتحيل على تجديد الحلف له، لعله يوثقهم بالأمان ويستوثق لنفسه فيما يحاوله من لقاء الأقران، كيف؟ وقد جرت الأقدار، فإنه كلما أراد تأنيس الخواطر وتأليف القلوب تزايد بها النفار (١).
فجلس في يوم الخميس الحادي عشر من الشهر جلوسًا عامًا بالإيوان، وأحضر الخليفة أبا الربيع سليمان الملقب بالمستكفى، وجدد له البيعة والتولية بحضور الحكام وكافة الأمراء، ورُتبت نسخة لتجديد البيعة، وأمر أن يقرأها الخطباء يوم الجمعة بالجوامع، فلما شرعوا في قراءتها بعد الصلاة وثبت العامة عمومًا وصاحوا جميعًا: كلَّا، لسنا لهذا الكلام سامعين، ولا لقول من قال طائعين، ولا نعرف لنا سلطانًا إلا الملك الناصر، وهموا برجم الخطباء وحصبهم والوثوب بهم، جرى ذلك منهم في الجوامع الثلاثة بمصر والقاهرة، كأنهم اتعدوا له، أو توافقوا عليه، فبطلت قراءة نُسخة البيعة، وأُخرت سدًا للذريعة، وانخرقت الحُرمة، وهتُك ستر الحشمة، وظهرت إمارات زوال النعمة، فصرف اهتمامه إلى بذل العطاء، فأطلق كثيرًا من أمواله وغلاله وخيله وبغاله وجماله، فكان في إنفاقها كما قال الله : ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (٢). وأعطى طائفة من أصحابه إقطاعات، ونقل جماعة من المفاردة إلى العشرات، قصدًا في الاستكبار، ورجاء للاستبصار بكثرة الأنصار، هيهات، وقد تمكن الإدبار، وجرت بعكسه الأقدار.
وحرضه أهل شُوراه على التجريد العام، والخروج بعامة الجيوش إلى الشام، ورتب أن يخرج كل يوم أربعة من مقدمي الألوف، فكان أول من خرج من الأطلاب،
стр. 2009
في يوم الاثنين الخامس عشر من شهر رمضان، الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح، والأمير سيف الدين بكتمر الأبوبكري السلحدار، وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس، وسيف الدين باينجار ومضافوهم، فلما كانت عشية النهار حضر إليه سيف الدين بلبان الطغريلي المعروف بتاكز، وكان ممن وجهه إلى صوب سيف الدين [برلغى] (١) لحفظ الطرقات، وهو على حالة من القلق وغاية من الانزعاج والفرق، وأخبره بمسير [برلغي] (٢) والأمراء، الذين معه والعساكر لأجل اللحاق بالملك الناصر، فزاد اضطرابه، ووهت أسبابه، وكانت حاله كما قال ثابت [قطنة] (٣):
كل القبائل بايعوك على الذي … تدعو إليه وتابعوك وساروا
حتى إذا اشتجر (٤) القنا وتركتهم … رهن الأَسِنَّة أسلموك وظَاهَرُوا (٥)
وبات تقلبه الأفكار، ولا يعلم الإيراد من الإصدار.
ذكر خروج الناصر من دمشق
لما اجتمع النواب في البلاد الشامية عند الملك الناصر في دمشق طلب قراسنقر وقفجق واسندمر وقطلوبك والحاج بهادر، وقال لهم: أقوش الأفرم حضر، وما بقى لنا إلا
стр. 2010
الرواح إلى مصر، لأنا إذا عاجلناهم أخذناهم، وإذا طاولناهم كشفونا، ولا نأمن أن يكون الأمر علينا، فقال له قفجق: صدقت، والمصلحة أن تجهز ألفي فارس إلى العريش وتقطع الطريق، ونحن نرحل خلفهم، ونجهز في هذا الوقت قُصادا إلى الديار المصرية، إلى أمرائها، وتبصر جوابهم، فقال قراسنقر: يا أمراء، كل مَنْ كان له صاحب يكتب إليه، فقال السلطان: أنا أكتب إلى الأمير سلار، وقال قراسنقر: أنا أكتب إلى [برلغي] (١)، وقال قفجق: أنا أكتب إلى أخوة سلار، وقال اسندمر: أنا أكتب إلى قتال السبع، فكتبوا الكتب.
وكتب السلطان مع كل كتاب كتاب أمان، ووعدهم بكل ما يريدون، ثم قال السلطان: أبصروا لنا قاصدًا خبيرًا، فقال اسندمر: عندي كرديّ، وهو خبير يروح ويقضي شغل السلطان كما يجب، فأحضره، وأعطاه السلطان خمسمائة درهم برسم النفقة، وكان يقال له: بهاء الدين الأزقي، فخرج من دمشق في الليل وسار يطلب مصر.
وفي صبيحة تلك الليلة جرد السلطان تمر الساقي بألفي فارس، وأمره بأن يمسك يزكًا (٢) على العريش، وقال له: إياك أن تمكن أحدًا من الرواح.
ثم خرج الملك الناصر من دمشق في الساعة الثانية من يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان، وقال ابن كثير: تاسع رمضان، وكذا قال بيبرس في تاريخه (٣)، وفي صحبته: نجم الدين بن صصري، والقاضي صدر الدين الحنفي، وهو إذ ذاك قاضى العساكر، قد باشرها من مدة قريبة، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين الزملكاني، والموقعون، وديوان الجيش، وجيش الشام بكماله من سائر مدنه وأقاليمه بنوابه وأمرائه، وندب إلى غزة: الأمير كراي المنصوري السلحدار، ونائب حمص تمر، ليحفظا الطريق، فوصلاها مقدمة للعساكر السلطانية، واجتمع إليها جموع من التركمان والعربان.
стр. 2011
وقال بيبرس في تاريخه: وأما السلطان الملك الناصر فإنه سار من مدينة دمشق بالعساكر بعد أن شملهم بالنفقات وأوسعهم بالصدقات، وأضرب حينئذ عن المكاتبات وأقصر عن المراسلات، فكان كما قال أبو الطيب المتنبي:
ولا كتبٌ إلا المشرفية عنده … ولا رسلٌ إلا الخُمَيْس العَرَمْرَم (١)
وأما القاصد الأزقي، فإنه لما سار أرسل الناصر إلى تمر يقول له: أوصل هذا إلى حد القاهرة على أي حال كان، فانتخب تمر من الألفين التي معه مائة فارس، وطلب نجابًا كان عنده يقال له: مقلزون، وكان خبيرًا بالبر، وقال له: إني أريد أن تأخذني من العريش، ولا تطلع بي إلا من العباسية على غير الطريق، فقال: سمعًا وطاعة، ثم إنه عمد إلى ناقة كانت لتمر تسمى الغيداء، فركبها مقلزون وسار بتمر الساقي وأصحابه خلفه، ولم يزالوا حتى توسطوا البر، وجاء الليل، فأنشأ يقول:
دعي النوم غيداء ثم جدي واجهدى … وصبرا على طول النهار مكررا
وكوني على خوض الفيافي جليدة … وخوضي سهولًا مع جبال توعُّرا
ودلي بنا نحو الشعيب وأثلةٍ … وبانات زيَّاد وسفح بن عكبرا
فحولك فتيان كرام ومعشر … طخام تثير النقع في الجو أغبرا
دعوا القال يا فتيان مصر ومن بها … وقولوا لمن أضحى عليها مظفرا
غداة يجئ ابن المليك ورهطه … وكل غلام كالقضيب مُثمرًا
ينادون اسم الناصر الملك الذي … له في سماء العلاء يناديك مخبرا
فدع عنك بيبرس البلاد وملكها … فبينكموا مثل الثُّريا إلى الثَّرى
стр. 2012
ثم إنهم جدوا السير في قفار وبراري ليس بها أنيس إلا النعام مع الغيلان، لا ينزلون إلا لأكل الدواب وقضاء الحاجة، وكلهم ركاب الهجن، وبعض الخيل مجنبة، وأما ناقة النجاب مقلزون فإنها أربعة أيام لا أكلت ولا شربت، فخاف عليها تمر، فقال النجاب: لا تخف يا أمير، فإن جنسها يسمى الصوامات، إذا أبصرن البرية لا يأكلن ولا يشربن حتى يقطعوا المفاوز، وفيها من تبقى سبعة أيام لا تأكل ولا تشرب.
وفي اليوم الخامس رحل النجاب بهم بعد غروب الشمس، فقال: يا أمير نحن في نصف الليل نكون في العباسة، ففرح تمر وأمرهم بالنزول، فنزلوا وعلقوا، ثم ركبوا فسار بعض شيء حتى قال له: هذه العباسة وأراضيها، فساروا إلى جانب ما هناك، فنزلوا فيه، وطلب تمر مقلزون وقال: خذ هذا الرجل وأوصله على هذا الهجين ولا يصبح الصباح إلا وأنت على المحرس، ثم تعود إلينا بالهجن، فركب، وركب بهاء الدين عمر الأزقي، وسارا طالبين المحرس، وقد جعل تمر الساق بينه وبين الأزقي علامة، وقال له: إذا وصلت إلى المحرس سَيِّر إلىَّ هذه العلامة، ثم أخذه مقلزون وسارًا، فلم يأت الثلث الأخير إلا وهما في المحرس، فنزل الأزقي عن الهجين، وسلمه إلى مقلزون، وأرسل العلامة معه.
قال الأزقي: وسرت أنا طالبًا للقاهرة سيرًا مجدًا، فساعة أمشي على هينتي وساعة أجرى وأنا خائف، فوصلت إلى القاهرة، ولَمَّا دخلت رحت إلى السوق، وبعت القماش الذي عَلَىَّ، واشتريت لبس الفقراء، وقلت في خاطري أول ما أروح إلى دار جمال [الدين] (١) قتال السبع لأنه شيخ كبير، وهو أهون عَلَىَّ من غيره، فسأل عنه، فقيل: هو في القلعة، قال: فقعدت على الباب وأنا متعلق، فتقدم إلىَّ البرددار وبعض المماليك فقالوا: يا فقير ما حاجتك بالأمير؟ قلت: لي به معرفة وله عَلَىَّ صدقات، وأنا من المجاورين بيت المقدس، فقالوا: اقعد الساعة يجئ.
قال: فأنا معهم في الحديث، فإذا بالأمير وقد جاء، فتقدم إليه البرددار وقال: يا
стр. 2013
خوند، قد حضر فقير من بيت المقدس يزعم أن له معرفة بالأمير، فقال: أين هو؟ فقال: هذا هو، فلما رآه الأمير عرفه بالفراسة، وقال إن [صدقت] (١) فراستي، فهذا من قصاد الملك الناصر، ثم قال له: أهلًا ومرحبًا بالشيخ يوسف، كيف خليت الفقراء؟ فقال يا خوند، بخير، وهم داعون للأمير في كل الأوقات، ويسألون من الله الاجتماع، قال: ثم دخل به الدار، وأحضر له شيئًا للأكل، ثم أخرج جميع مَنْ عنده، ثم قال له: هات حدثني بأخبار الملك الناصر وأصحابه وما هم [عليه] (٢)، فحدثه جميع ما معه من المشافهة، ثم أخرج الكتاب وناوله إياه، فأخذه وقرأه، ثم قال: هل معك كتاب إلى سلار؟ قال: نعم، فقال: قم بنا إليه، ثم أخذه وطلع به إلى القلعة ومضى إلى سلار، فدخل عليه، فقال له سلار: جئت في غير وقت العادة، قال جئت لأجل قاصد وصل من عند الملك (٣) الناصر وعلى يده كتاب إليكم، فاصفر وجه سلار، فقال: وأين القاصد؟ فقال له: على الباب، فقال: عَلَىّ به، فأدخلوه عنده، فلما حضر سَلَّم، فأبلغ في (٤) السلام، ثم قال له سلار: من أين الشيخ؟ فقال: من الشام. قال: وفيما أتيت؟ قال: أرسلني إليك الملك الناصر، فقال له: وكيف أرسلك إلىّ وهو جاء إلينا قاصدًا حربنا وأخذ بلادنا، فقال له: أنا رسول إليك، يقول لك السلطان: أنت أكبر مماليك أبي، وأنت الذي ربيتني، وأنت الذي سلمت إلى الملك، وأنت تعلم ما بيني وبينك في السر والجهر من الذي لا يطلع [عليه] (٥) أحد، ولقد حذرتني من بيبرس مرارًا فما قبلت، فأنا واصل بعساكر الشام، فأشر علىّ برأيك كما جرت عوائدك.
قال: ثم أخرج الكتاب ودفعه إليه، فأخذه سلار وفهم ما فيه، ثم التفت إلى قتال السبع، وقال: خل الفقير عندي ورُحْ أنت، فقال: السمع والطاعة، فأقام الأزقي
стр. 2014
عند سلار ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع: طلب منه الجواب. فقال: اذهب أنت وأنا أبعث الجواب بقاصد عن عندي، فأعطاه خمسمائة درهم وخرج من عنده وذهب.
ثم كتب سلار إلى [برلغي] (١) يقول فيه: إن الملك الناصر قد (٢) توجه إلينا بعساكر الشام ومعه أمراء كل واحد منهم يُخرب إقليمًا، وأنه قد كاتب إلى جميع أمراء مصر فغدًا لو جاء إليك ألف فارس من الشام هرب كل مَنْ معك إليهم، وربما أخذوك أسيرًا، وأنت أولى بطاعة ابن أستاذك، فإن سمعت مني، فحال وقوفك على هذا الكتاب حَلِّف الأمراء الذين معك واذهب إلى الناصر ليكون لك اليد البيضاء عنده، وأنت تعلم أن بيبرس ما تتم له السلطنة ولا هو خصم الملك الناصر، وقد نصحتك، والسلام.
وكتب كتابًا آخر وأرسله إلى الملك الناصر، مع مملوك له يقال له: زنكي، وقال له: إن رأيت برلغي قد أجاب إلى ما قلت إليه، فاذهب إلى الملك الناصر وإلا فارجع إلىَّ سريعًا، فخرج زنكي على الهجين، فما أمسى إلا وهو عند برلغي، فأعطاه كتاب سلار، فلما قرأه بقى مفتكرًا يتقدم ويتأخر، فبينما هو في ذلك، فإذا باستاداره قد حضر وأخبره بأن مماليك أقوش الرومي قتلوا أستاذهم على درب السويس، وراحوا إلى الملك الناصر، فلا سمع بذلك قوى عزمه على الرواح إلى الناصر، ثم قال لزنكي: اذهب وقل للأمير سلار، خرج زنكي من عنده وأخذ طريق غزة.
وأما الأمير سيف الدين تمر الساقي فإنه أصبح في أرض العباسة، وجاءته خفراء البلد وقالوا له: يا أمير، مِن أين جئت؟ فقال: من القاهرة، جئت لأحرس هذا الطريق، فقالوا: مرحبًا بالأمير، ولكنا خائفون عليك لأن جماعة من صيادينا كانوا في البرية جاءوا الساعة وأخبروا أنهم رأوا البارحة عند أبيار مسامة مائة رجل، وهم ركاب هجن ومعهم خيول مجنبة، فنخشى عليك من أن يدهموك على حين غفلة، فضحك تمر وقال: إنهم يأخذوننا من وسط بلادنا، فقالوا: لا تقل هكذا يا أمير، فاليوم فرسان الشام كلها مع
стр. 2015
السلطان الناصر، فقال تمر: ومن معه؟ قالوا يا مولاي، أولهم الأمير قفجق الذي زلزل الشاميين، والأمير قراسنقر، واسندمر، والحاج بهادر، وقطلوبك، وتمر الساقي، وبهادر آص، وبيبرس العلائي، وبيبرس المجنون، والجاولي الذي ما (١) على وجه الأرض أذرى منه، ولا أكثر حيلة، وبقى الأمير تمر يطول معهم في الحديث وهو ينتظر مقلزون الهجان، ولما أبطأ عليه (٢) قال لهم: ما تجيبون لنا شيئًا من المأكول لنا ولدوابنا؟ فقالوا: بلى والله، فأمر واحدًا من مماليكه وأعطاهم مائة درهم، فقال لهم: اشتروا لنا عليقًا يكفينا أربعة أيام، فذهبوا إلى قرية هناك بالقرب منهم، فاشتروا كل ما أراد تمر ورجعوا إليه، وقد مضى نصف النهار، واستراح هو وأصحابه، ثم ركب وقت العصر ولم يحضر مقلزون، خاف من أمر حدث عليه، فنظر يمينًا وشمالًا، فإذا بخيول الأمراء وهي مربوطة على البرسيم، فقال لأصحابه: لا بد لي من سوق هذه الخيول.
فبينما هو في ذلك الحديث فإذا بمقلزون قد حضر، فقال تمر لأصحابه: اركبوا، فركبوا، ثم ساقوا الحيل التي هناك، وكانت قريبًا من ألف [فرس] (٣)، فوقع الصياح وجاءت الخفراء إلى تمر وقالوا: ما هذا يا أمير؟ فقال لهم: أنا الذي كنت بالأمس على آبار [مسامة] (٤)، وأنا تمر الساقي، وأنا جاليش (٥) قفجق، وغدا يكون عندكم، ثم توجه هو وأصحابه نحو البرية، والخيل تُساق قدامه.
وقد ذكرنا أن الأمير برلغى على [بلبيس] (٦)، فجاءه الخبر، وركب وسار إلى أن وصل إلى العباسة، جاء إليه الخفراء وأخبروه بما جرى جميعه، وذكروا عن تمر أنه قال.
стр. 2016
غدا يكون قفجق عندكم بخمسين ألف فارس، فقال برلغي: هذا هو الصحيح، فما بات تلك الليلة إلا في قرين، ثم سير البريدي إلى المظفر يُعلمه بأن تمر الساقي وصل إلى العباسة وأخذ ما عليها من الخيل والدواب، فلما جاء هذا الخبر إلى القاهرة ارتجت ديار مصر، ووقع الخبر بأن الشاميين أغاروا (١) على خيل عباسة وعلى بلبيس، فحار المظفر في نفسه ولم يدر ما يفعل، ثم جهز لبرلغي عشرين ألف دينار يجهز بها حاله، وقال: أنا أيضًا واصل إليك في هذه الأيام، وفي تلك الساعة وصل قاصد من عند الملك الناصر إلى برلغي وهو يقول له: بالله، إذا كنت أنت الذي عليك الاعتماد، وأنت أكبر مماليك أبي خرجت عَلَىّ، فبالله، فعلى مَنْ أعتمد بعدك؟ ضاعت والله تربية الملك المنصور فيك، فدع ما أنت عليه وجل قدومك إلى غزة، فقد خرجت من دمشق، ونيابة مصر عينتها لك، وأطمعه بالعطايا الجزيلة، فلما سمع بذلك افتكر، ثم رأى الناس كلهم مائلون إلى الناصر، وكل ليلة يهرب منه جماعة إليه، وهو في ذلك، فإذا بقاصد من عند قراسنقر وصل إليه ومعه كتاب، وكذلك جاء إليه كتاب من اسندمر، وكان مجردًا على العريش من حين وصل الناصر، فعند ذلك طلب الأمراء الذين معه، وقال: ما تقولون؟ وهذا الملك الناصر قد وصل، وربما اليوم هو في العريش، وهذا الملك المظفر ما له قابلية للملاقاة، وقد تبين لنا عجزه، وما يكون التدبير؟
فقال كلهم: الذي تختار.
فقال: الرأي عندي أن نسير إلى الملك الناصر، ومماليك أقوش الرومي قد قتلوه [وذهبوا] (٢) إلى الملك الناصر، ولا نأمن أن تكون مماليكنا كذلك، فقالت الأمراء: الذي تقوله حق، فاتفق الجميع على الرواح، ثم قال لهم برلغي: كل منكم يروح ويجهز حاله، فخرجوا من عنده، ثم طلب الأمير برلغي الأمير دباكوز والأمير [بجاس] (٣)، ولم يكونا حضرا مع الأمراء لأنهما كانا عينًا للمظفر عليه، فلما حضرا قالا له: ما لخيلك
стр. 2017
مشدودة وجمالك محملة؟ فقال: جاء مرسوم المظفر بأنه خرج من القاهرة وأمرني أن أرحل إلى العريش، فصدقاه على ذلك وذهبا وحملا أيضًا جمالهما، ثم اجتمع الجميع وساروا، ثم شرع بعض الناس يتحدثون بأن هؤلاء رائحون إلى الملك الناصر، فسمع بذلك بعض مماليك دباكوز ويجاس وأعلموا أستاذيهم بهذا الخبر، ثم نهضا وجاءا إلى برلغي فقالا: يا أمير، إلى أين رائحون نحن؟ قال: إلى الملك الناصر. فقالا له: من وافقك على هذا؟ فقال: جميع الأمراء طوعًا وكرهًا، وأى مَنْ قال لا ضربت عنقه، ثم أنه أمر بأن يأخذوا سيوفهما، ورسم عليها، فبكى دباكوز، وكان أشد الناس حيلة، وقال: يا أمير سيف الدين، ذهبت الشفقة من بين الخشداشية؟ بالله عليك، لا تكن سبب هلاكنا، فنحن نعلم أن الملك الناصر لا يرحمنا دون الناس، ونريد من إحسانك أن تخلينا لنروح إلى القاهرة، وأنت تأخذ لنا أمانًا من السلطان الناصر، وترسله لنا، فقال: أطلقوهما، فأطلقوهما، وأخذا أطلابهما وعادا إلى القاهرة.
وأما برلغي فإنه سار بمن معه حتى وصلوا إلى العريش، وجاء الخبر إلى اسندمر وهو نازل على العريش كما ذكرنا، وقالوا له: إن برلغي واصل ومعه عشرة أمراء وعشرين من مقدمي الحلقة وخمسة آلاف فارس، ففرح اسندمر بذلك ولاقاهم، ونزل الجميع على العريش، ثم أطلق البطاقة إلى غزة يعلم بقدوم [برلغى] (١)، ثم إنه ركب مع اسندمر، وخليا الأثقال وغالب العسكر على العريش، وذهبا إلى السلطان في غزة، ولما وصلا إلى تل العجول لاقاهما الأمير الحاج بهادر والأمراء، ولما قربوا من غزة ركب السلطان إلى ملاقاة [برلغي] (٢) ومعه قراسنقر وقفجق واسندمر وقطلوبك وساروا بين يديه، فوصل برلغي وقبل ركاب السلطان ورجليه، وأمر السلطان أن يركب فرسًا من جنائبه، فركب وساروا إلى أن نزل السلطان في دهليزه، ثم طلب [برلغي] (٣) وأصحابه، فخلع عليهم.
وأما دباكوز وبجاس، فقد وصلا إلى المظفر، وأعلماه بما فعله برلغي، فضرب بيده
стр. 2018
على يده، وقال: الله أكبر، راح الملك منا، فمن كان يقول: إن برلغي يفعل هذا الفعل.
وأما تمر الساق فقد ذكرنا أنه ساق خيل العباسة، ثم وصل إلى العريش واجتمع بالأمير اسندمر، فلما رآه قال: هذا دليل النصر، ثم راح إلى الملك الناصر ومعه الخيل، ففرح الناصر بذلك، وقال له: حدثني بما جرى لك، فحدثه، فتعجب السلطان من حيلة تمر وحسن تدبيره، فخلع عليه.
ذكر ما جرى للمظفر بعد توجه الناصر من دمشق إلى مصر
وفي بكرة يوم الثلاثاء السادس عشر من شهر رمضان، وهو يوم خروج الملك الناصر من دمشق، دخل الأمير سلار، وبدر الدين بكتوت الجوكندار، وسيف الدين قجماس السلحدار، إلى الركن المظفر، وقالوا: إن الأمراء قد تسحبوا، إلى السلطان، والباقون منهم على مثل رأيهم، وقد أعجز الضبط، وما بقى يمكن المنع، والرأى أن تُسَير رسالة إلى السلطان مع أحد من الأمراء الأعيان يتوجه إليه وتسأله مكانًا تتوجه إليه أنت وعيالك ومماليكك وألزامك، فلعله يجيبك إلى المطلوب وتستريح من هذه الخطوب، ومتى لم تبادر بهذا أدركتك العساكر، وأحاطت بك المواكب، وتؤخذ كرهًا، وما من الهلكة قهرًا، فقال لهم: ومَنْ هو الذي نسيره إليه بهذه الرسالة، ويبلغه هذه المقالة، ويتلطف معه في تقرير هذه الحالة؟.
قال بيبرس في تاريخه: فأشاروا إلىّ أن أكون أنا الرسول إلى السلطان، والسفر في طلب الأمان، فاستدعيت أنا والأمير سيف الدين بهادر آص، وكان قد وصل من الشام منذ أيام، وأشار على الركن بالمسالمة فيما دار بينهما من الكلام، فحضرنا إليه معًا، فتحدث هو والأمراء المذكورون معنا في المسير، وأعلمونا بما وقع عليه التقرير وترتيب المشافهة، وعين المذكور ثلاثة أماكن، وطلب مكانًا منها: إما الكرك وأعمالها، أو حماة وبلادها، وإما صهيون ومضافاتها، ونزل عن المُلك في تلك الساعة، وأَشهد على نفسِه مَنْ حضر من الجماعة، فمن عجائب الاتفاق التي ينبغي تخليدها بطون الأوراق أن
стр. 2019
الساعة التي ركب فيها السلطان من دمشق هي الساعة التي خلع الركن الجاشنكير فيها من المملكة، ثم أنه قال لنا، لما أردنا الانصراف من عنده: لنسافر إلى الأبواب السلطانية، إنني أخشى أن أقيم بالقلعة ريثما تتهيأ لكم الرجعة، وعزمي الخروج منها والتحول عنها وأقيم قريب إطفيح (١) إلى أن تعودا بالجواب وترجعَا إلىّ بالأمان والكتاب، فسرنا ضحى يوم الثلاثاء المذكور على خيل البريد المنصور، قاصدين الاجتماع بمولانا السلطان ومطالعته بما قد كان، ومخاطبته في التماس الأمان (٢).
ذكر خروج المظفر من مصر وتوجهه إلى إطفيح
قال بيبرس: وفي عشية الثلاثاء المذكور اضطربت الأمور، وغير الله عليه قلوب الجمهور، فدخل إلى الخزائن السلطانية تلك الليلة واحتمل جميع أموالها، وخرج من القلعة وصحبته مماليكه كافة، وكانت عدتهم تزيد على سبعمائة مملوك، ومعه: الأمير بدر الدين الفتاح، والأمير عز الدين الخطيري، وقجماس، ومماليكهم، ونزل من باب القرافة، وأخذ ما كان في الاصطبلات من الخيول، وشعرت العامة، فتجمعوا وتألبوا وسبوا ورجموا، وكادوا يتعلقون بأتباعه لولا خوفهم من اتباعه، فقيل: إنهم اشتغلوا عنه بدراهم نثرها لهم في الطريق، فاشتغلوا بالتقاطها عن تألبهم عليه وتطرقهم إليه، وسار بمن معه إلى أطفيح، وأصبحت الديار منه مقفرة، والدنيا عنه مدبرة، ولم يستقر بمكان، بل خطر بباله قصد أسوان.
وقال الشاعر:
موكَّل ببقاع الأرض يَذْرَعُها … من خِفة الروع لا من خِفَّة الطرب (٣)
стр. 2020
وخرج من بقى في المدينة والعساكر طالبين [محمدهم] (١)، ودخلوا في دين طاعته أفواجًا، وأهرعوا إليه فُرادى وأزواجًا، وقطوا (٢) إليه المراحل تأويبًا، وإدلاجًا (٣)، وكيف لا يسعون إلى ملكهم وابن ملكهم وهو المعنى، بقول الشاعر:
أجرأ الورى إن صال، بل أعلاهم … إن طال، بل أوفاهم إن مالا
بمضائه وقضائه وعطائه … أمنوا الرَّدى والجور وإلا محالا (٤)
ولما فارق الجاشنكير القلعة، اهتم الأمير سيف الدين سلار بحفظها، ورتب [المماليك] (٥) السلطانية فيها، وأفرج عن الذين كان الركن سجنهم، وخَلَّص مَنْ كان في الاعتقال منهم، وكاتب السلطان يطالعه بما اتفق له من السعادة، والأمر جاء وفق الإرادة، وأرسل الطنبغا الجمدار، أحد مماليكه بذلك، وصَيَّح الداعون، ودعا المُصَيَّحون في القلعة باسم مولانا السلطان بكرة يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان، وخُطب له يوم الجمعة التاسع عشر منه على المنابر، فلم يكن في الناس إلا من يدعو بنصره ويتطرب لذكره، ويعلن بحمد الله تعالى فيه وشكره.
شعر:
قد نال بالحزم والتدبير ما عجزت … [عنه] (٦) الملوك بما نالوا وما جمعوا
وفاق أولهم عزمًا وآخرهم … فما رأوا مثله يومًا ولا سمعوا
ونصره الله بما قذفه من الرعب في قلوب أضداده، وأغناه بمناصرة ملائكته
стр. 2021
وأجناده، وزاده من لطفه وفضله، كما أراد إياه من قبله.
شعر:
أبوه الذي يستهزم الخيل باسمه … وإن كان فيها قيد شهرٍ مُطَّرِد
وقد علموا إذ شد حُقْويةِ أنه … هو الليث ليث الغاب لا بالمجرَّد (١)
وركب الناس إلى سوق الخيل، وسَيَّرُوا إلى تحت القلعة بالميدان الأسود، وطلع [الأمير سيف الدين سلار] (٢) إلى دار النيابة كعادته، والنظام مضبوط، والأمر مرتب، وجَهَّز الطُّلب السلطاني بالسناجق والعصائب وشعار السلطنة إلى الدهليز المنصور.
ذكر اجتماع الأمير بيبرس بالملك الناصر
قال بيبرس في تاريخه: وأما نحن فإذا تقدمنا على البريد، فوصلنا إلى السلطان يوم
نزوله على غزة، فمثلنا بين يديه، وأعدنا المشافهة عليه، وطالعناه بنزول الركن عن السلطنة، والتماسه مكانًا من بعض الأمكنة، فاستبشر لحقن دماء الإسلام، وخمود الفتنة بين الأنام، واتفق في ذلك النهار ورود الأمير سيف الدين برلغي والأمير عز الدين البغدادي ومَنْ معهما من الأمراء والمقدمين، واجتمعنا جميعًا بالدهليز المنصور، وقد شملنا الابتهاج، وزال عنا الانزعاج، وأفاض السلطان على الأمراء التشاريف الجميلة على طبقاتهم، والحوائص الذهب الثمينة لصلاتهم، فلم يترك أميرًا حتى وصله، ولا مقدمًا حتى شرفه بالخلع وجَمَّله، وجددنا استعطاف السلطان فيما سأله الركن من الأمان، وكل من الأمراء الحاضرين بين يديه يتلطف من سؤاله ويتضرع في مقاله حتى أجاب، وعُدْنا بالجواب (٣).
стр. 2022
ورحل السلطان على الأثر قاصدًا الديار المصرية، فوصلنا إلى القلعة يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان واجتمعنا بالأمير سيف الدين سلار، ووجدنا الجاشنكير قد تجاوز موضع الميعاد، وأخذ بمن الاصعاد، وحمله الإجفال على الإبعاد، ولم يدعه الرعب يستقر به القرار، ولا تلقيه معه أرض ولا دار، فاقتضى الحال أن أرسلنا إليه الكتب الشريفة الواردة على أيدينا، وعُدْتُ أنا وسيف الدين بهادر آص إلى الخدمة السلطانية، فوجدنا الدهليز على منزلة السعيدية (١).
ذكر دخول الناصر القاهرة وجلوسه على تخت مُلْكه على عادته
قال بيبرس ﵀: ثم رحل السلطان إلى بركة الحجاج سلخ شهر رمضان، ونحن في خدمته، وعَيَّد على البركة (٢)، وخرج الأمير سيف الدين سلار إلى لقائه، وقبل الأرض بين يديه، فأقبل مولانا السلطان عليه، وبرز السلطان للصلاة في الدهليز المنصور، واجتمع الأمراء الأكابر والمقدمون وأعيان العساكر لصلاة العيد، فأُنشدت بين يديه القصائد، وكان مما أُنشد أبيات نظمها شمس الدين محمد بن على بن موسى الداعي المؤذن:
الملك عاد إلى حماه كما بدا … ومحمد بالنصر سَرَّ مُحمدًا
وإيابه (٣) كالسيف عَادَ (٤) لغِمدِه … ومعادُه كالورد عاوده الندى
الحق مرتجع إلى [أربابه] (٥) … من كَفّ غاصبه وإن طال المدى
ومنها:
стр. 2023
يا وارث الملك [العظيم] (١) تهنه … واعلم بأنك لم تسد فيه سُدى
عن خير (٢) أسلاف ورثت سريره … فوجدت منصبه السرى (٣) ممهدا
يا ناصرًا من خير منصور أتى … كمهند خلف الغداة (٤) مهندا
آنست مُلكًا كان (٥) قبلك موحشًا … وجمعت شملًا كان منه تبددا (٦)
فتهن عيدا لم نجد مثلًا له … في الدهر خلق صام قبله (٧) وعيدا
فالناس أجمع قد [رضوك] (٨) مليكهم … وتضرعوا أن لا تزال مخلدا
وتباركوا بسناء غرتك التي … وجدوا على أنوار بهجتها هدى
الله أعطاك الذي لم يعطه مَلِكًا … سواك برغم أناف العدا
لازلت منصور اللواء مؤيد … العزمات ما هتف الحمام وغردا (٩)
وركب السلطان من البركة ظهر النهار، وطلع إلى قلعته في مستهل شوال، ولم يبق في مصر والقاهرة حتى خرجوا إليه ويدعون له من كل جانب، وكان يومًا مشهودًا.
ولما كان يوم الخميس الثاني من شوال جلس السلطان بالإيوان وقت الخوان،
стр. 2024
وحضرت العساكر ونواب الممالك والمقدمون وغيرهم، وحلفوا له على طبقاتهم ومراتبهم، الكبير منهم والصغير، والأمير والوزير، وأرباب الوظائف والأشغال، فلما تكامل الحلف واتسق النظام المؤتلف، وأُنشدَت هذه الأبيات (١):
تهنأت الدنيا بمقدمه الذي … أضاءت له الآفاق شرقًا ومَغْربَا
وأما سرير المُلك فاهتز رفعة … ليبلغ في التشريف قصدًا ومطلبَا
وتاق إلى أن يعلو المَلِك فوقه … كما قد حوى من قبله الأخ والأبا
ذكر ما جرى للأمير سلار
ولما تكامل الحلف سأل الأمير سيف الدين سلار دستورا بالتوجه إلى الشوبك، فإنها جارية في إقطاعه، فأعطاه الدستور، وخَلع عليه خُلعة العزل من النيابة، وكانت أسنى من خُلعة حال الولاية، وأعطاه حياصة من ذهب مرصعة، وأكرمه وودعه، وسار من فوره سريعًا، وكان نزوله من القلعة عصر يوم الجمعة ثالث شوال، فكانت مدته في نيابة السلطنة إحدى عشرة سنة، ورحل بكرة السبت رابع الشهر وتوجه معه الأمير نظام الدين آدم مؤنسًا له، واستقر ولده أميرًا على الباب العزيز، وأعطاه السلطان عشرة طواشية، وأقام عنده من تأخر عن والده من الألزام والحاشية (٢).
ذكر ما جرى للملك المظفر بعد قدوم الناصر
قال بيبرس في تاريخه: ثم إن السلطان رسم لي وللأمير سيف الدين بهادر آص بالتوجه إلى المظفر باستحلافه على ما تقرر من الأمور، فتوجهنا إليه إلى أعمال إخميم (٣)،
стр. 2025
وقد مسه ومن معه الشتات، وتقسمت به العزمات لاشتداد الأزمات، وامتلأ مماليكه حنقًا لما فارقوا من السعادات، وذاقوا من طعم الإمرة والطبلخانات، وما آل إليه أمرهم من ردى الحالات، ودبت الشرور في نفوسهم، وفرح إبليس في رؤوسهم، ولما علموا أنا عدنا في طلب الأموال والخيول أيقنوا بالخذلان والخمول، وهموا أن [يثبوا] (١) علينا ويوقعوا بنا، وباتوا ليلتهم تلك مشتورون فيما يفعلون، ويأتمرون فيما يأتون ويهمون، غاية يهمهمون، وقالوا: نقتل هذين الورادين علينا، ونأخذ مخدومنا وما معنا من الأموال، والأرض لدينا واسعة، فعكس الله أفكارهم، وأبطل اشتوارهم، وصاننا منهم، بأن أطلعنا بعض صبياننا على أمرهم، فأخذنا بالاحتراز وعجلنا بالنجاز، وأعلمناه بأمر أولئك الصبيان وما أرادوه من العدوان، فأظهر عدم الرضى بذلك ومنعهم من التطرق إلى هذا الفعل، وما زلنا نتلطف حتى استخلصنا الخزائن والأموال منه، وانفصلنا عنه، ونزلنا الحراريق من شرق أسيوط، وحضر هو ومَنْ معه في البر ومعه الأمير سيف الدين بهادر آص ليتوجه به إلى حيث زعم أنه يتوجه إليه (٢).
ثم قال بيبرس: وعاد المظفر من بلاد إخميم على أنه يُعطى صَهيون وأعمالها [ويتوجَّه] (٣) إليها ويقيم بها، ففارقه الأمَراء الذين معه من إطفيح وحضروا إلى الباب الشريف، وهما: بدر الدين الفتاح (٤)، وسيف الدين قجماز (٥)، وحضر صحبتهما أكثر مماليكه الذين تقرر أنه يعيدهم ولا يأخذهم معه، وكانوا أكثر من ثلاثمائة نفر، وأحضرا معهما الخيل والبغال التي كان أخذها من الاصطبلات الشريفة، فلما وصل الأميران المذكوران خلع عليهما، وفرقت مماليك الجاشنكير على الأمراء، وأخذ بعضهم وأضيف إلى المماليك السلطانية، ثم قبض على الأميرين المذكورين، وعلى عز الدين الخطيري عشية
стр. 2026
النهار.
وعند وصول الركن إلى إطفيح تقرر أنه يفوز منها إلى السويس، ومن هناك يتخرج إلى الصالحية ويتوجه إلى الشام، إلى حيث رُسم له، وصحبته: الأمير سيف الدين بهادر آص، والأمير عز الدين أيدمر الشجاعي، ثم حصل التروى في أمره والتفكر في عاقبته، والخيفة من اعتراض العوارض، وتقلب الحوادث، وأنه قد يحتمل أن عند توجهه إلى تلك البلاد يلتف عليه من له قصد في الفساد، ومَنْ في قلبه بقية من الأحقاد، فيحسنون له العصيان ويندمونه على ما كان، فيجنح إليهم، ويكون ذلك سببًا لإثارة ثائر [تتفرق] (١) بسببه الكلمة وتضطرب لأجله الأمة، فَتُسفك الدماء، وتقلق الدهماء، فظهر أن من الحزم حسم هذه المواد واستدراكها قبل التماد واستحكام الفساد، فلما وصل المذكور إلى قريب غزة، وكان الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار نازلًا بعد على الشريعة، والأمير سيف الدين بهادر الحاج، وقد خرجا معًا للصيد، فصادفا الجاشنكير في النفر الذي معه، فأحاطا به وقبضا عليه وعلى مَنْ معه (٢)، وأحضر إلى الخطارة صحبة الأمراء محتاطًا عليه، وعند وصوله إليها توجه الأمير سيف الدين اسندمر الكرخي من الباب العزيز ومعه مماليكه، فتسلموه، وأحضره إلى القلعة المحروسة يوم الخميس رابع عشر من ذي القعدة (٣)، فأودع الاعتقال، فكان آخر العهد به، وعاد الأمراء الذين أوصلوه من الخطارة إلى الشام، ومات، وسُلم إلى أهله ميتًا بعد أيام، فدفنوه بتربة كانت له قديمًا بالقرافة، وفرق بقية مماليكه على الأمراء، وأُوقعت الحوطة على أملاكه وأمواله وحواصله وتعلقاته، وفُوض الحديث في حصر تركته إلى الأمير جمال الدين أقوش الأشرفي نائب الكرك، بحكم أن السلطان يستحق نصيبه منها بالولاء والعتق، فبيعت حواصله وغلاله وتقسمت، بعد عينه، أمواله (٤)
стр. 2027
ذكر ترجمة المظفر وموته
وكان بيبرس (١) هذا من مماليك الملك المنصور قلاوون الصالحي، وكان جركسي الجنس، وتأمر في أيام أستاذه، ولم يزل كبيرًا إلى أن تسلطن، وكان من الأمراء المعدودين في أيام الملك (٢) الأشرف خليل بن قلاوون، ولما تسلطن الملك الناصر محمد بن قلاوون تقرر بيبرس هذا استادارا للناصر، وقد ذكرناه (٣)، وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ثم لما تولى كتبغا السلطنة عزله عن الاستادارية، (٤) وولي عوضه سيف الدين بتخاص، وكان من كبراء (٥) مماليكه، وكان بيبرس هذا حُبس وأفرج عنه كتبغا العادل وأعطاه إمرة بمصر، وعُدّ من الأمراء الكبار القاطنين بالقلعة، وكان مع الأمراء الكبار الذين أجمعوا على إحضار الملك الناصر من الكرك لأن يجلس في السلطنة حين قتلوا الملك المنصور لاجين وذلك في سنة ثمان وتسعين وستمائة، ولما حضر الناصر محمد واستقر في السلطنة تقرر بيبرس هذا على عادته استادارا، ولما انكسر الناصر في وقعة قازان (٦) كان بيبرس هذا معه، ووصل مع الناصر إلى القاهرة، ثم بعد ذلك أرسل الناصر بيبرس هذا ومعه الأمير سيف الدين سلار لتمهيد البلاد وإصلاح ما استحكم بها من الفساد، ووصلا إلى دمشق ورتبا أحوالها وسددا اختلالها، ثم عادا إلى مصر، وكان ذلك في سنة تسعة وتسعين وستمائة، ثم صار بيبرس هذا وسلار كفيلي (٧) الممالك الشريفة والمشيرين فيها، ثم عقد له بالسلطنة يوم السبت الثالث والعشرين من شوال من
стр. 2028
سنة ثمان وسبعمائة، وذلك بعد رواح الناصر إلى الكرك وعزله نفسه عن السلطنة كما ذكرنا (١)، وكانت البيعة بدار سيف الدين سلار، واستقر سلار على عادته نائب السلطان، ثم جرى عليه ما ذكرنا، وكانت مدة سلطنته التي نُسبت إليه ووقع اسمها عليه أحد عشر شهرًا، كما كانت دولة الملك المظفر قطز سَميَّه.
قال النويري في تاريخه: ولما وصلوا بالمظفر بيبرس إلى السلطان الناصر أوقفه بين يديه، وأمر بدخوله الحمام، وخنق في بقية يومه، ودفن بالقرافة، وعَفَّى قبره مدة، ثم أمر بانتقاله إلى تربته التي بالخاناقاه، فنُقل إليها (٢).
وكان بيبرس هذا ابتدأ بعبارة الخانقاه والتربة داخل باب النصر، موضع دار الوزارة، في سنة ست وسبعمائة، وأوقف عليها أوقافًا جليلة (٣)، ولكنه مات قبل فتحها، فأغلقها الملك الناصر مدة، ثم فتحها ورتب فيها جماعة من الصوفية وبعض الأوقاف التي كانت لها، وارتجع البقية، وأما التربة فاستقرت مغلقة إلى آخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
وبيبرس هذا هو الذي عَمَّر الجامع الحاكمي بالقاهرة، وكانت الزلزلة قد أخربته، وكان ذلك في سنة أربع وسبعمائة، وأنفق عليه من ماله جملة كثيرة، ورتب فيه أربعة دروس للمذاهب الأربعة، ورتب فيه درس حديث، ودرس نحو، ودرس القراءات السبعة، ووقف فيه خزانة كتب، وقد ذكرنا جميع ذلك مفصلًا (٤).
стр. 2029
ذكر ما حدث من الأمور بعد قدوم الناصر
منها: أن السلطان قلد الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نيابة السلطنة بالشام المحروس، عوضا عن الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، وولي أقوش الأفرم صرخد (١) وأعطاه مائة فارس وسفره إليها، وفوض إلى الأمير سيف الدين قفجق نيابة حلب، عوضًا عن قراسنقر، وإلى الأمير سيف الدين بهادر الحاج السلحدار طرابلس والفتوحات، عوضًا عن الأمير أسندمر، وعين لنغيه قفجاق إقطاع الأمير سيف الدين قطلوبك بدمشق، وقبل [المذكورون] (٢) الأرض، ولبسوا التشاريف الجميلة والمناطق النفيسة وسافروا أولًا فأولًا، فكان أول من سافر منهم الأمير سيف الدين قفجق، وجرد معه تجريدة من العسكر المنصور المصرى لحفظ الثغور والأطراف، وهم: الأمير سيف الدين جبا أخو سلار، والأمير حسام الدين طرنطاي البغدادي، وعلاء الدين أيدغدي التليلي، وسيف الدين بهادر الحموي، وسيف الدين بلبان الدمشقي، والأمير سابق الدين بوزبا الساقى، وركن الدين بيبرس الشجاعي، وسيف الدين كوري السلحدار، وعلاء الدين أقطوان الأشرفي، وسيف الدين بهادر الجوكندار، وسيف الدين بلبان الشمس، وعلاء الدين أيدغدى الزراق، وسيف الدين كهرداش الزراق، وسيف الدين بكتمر استادار، وعز الدين أيدمر الإسماعيلي، وفارس الدين أقطاي الجمدار، وجماعة من أمراء العشرات، فتوجهوا إلى حلب احترازًا من ثائر يثور، وطارق يطرق الثغور، فلما وصلوا إلى هناك رسم بإقامة جماعة منهم بالبلاد الشامية عدتهم ستة من أمراء الطبلخاناة وعادت البقية.
ومنها: أنه فوض نهاية السلطنة بالديار المصرية إلى الأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، مجلس في دست النيابة عوضًا عن الأمير سيف الدين سلار الذي توجه إلى شوبك وهى اقطاعه.
стр. 2030
ومنها: أنه في الخامس والعشرين من شوال أَمَّرَ السلطان جماعة من مماليكهـ، وهم عشرون نفرًا، منهم طبلخانات ومنهم عشرات، وهم: الأمير دنكز، وسيف الدين كستاي، رجال الدين خضر بن نوكيه، وبيبرس السلحدار، وسيف الدين أيتمش الساقى الظاهري، وغيرهم.
ومنها: أنه فوض الوزارة إلى الصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الخليلي، عوضًا عن ضياء الدين [النشائي] (١)، وحُملت إليه النواة والخلعة، وسيقت إلى بابه البغلة، وعَوق النشائي في القلعة أيامًا ولم يأخذ منه شيئًا، ثم أطلق سراحه.
واستقر الأمير شمس الدين سنقر الكمالي في الحجوبية على قاعدته، وخُلع عليه، والأمير سيف الدين بلبان الجمالي أمير جاندار، والأمير حسام الدين قرا لاجين أمير مجلس استادار العالية، بعد ذلك بأيام.
قال بيبرس في تاريخه: ورُسم لي بدار العدل الشريفة والنظر على الأحباس والأوقاف المبرورة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وكتب تقليد بذلك، قال: وكان ذلك في الخامس من ذي القعدة.
ومنها: أنه أعاد السلطان كريم الدين عبد الكريم الآملي العجمي شيخ الشيوخ لمشيخة الخانقاه الصلاحية المعروفة بدار سعيد السعداء على عادته.
ومنها: أنه أفرح [في] (٢) منتصف شوال عن جماعة كانوا معتقلين من أيام كتبغا، وهم: الشيخ على التتري، وجاورجي بن قنغر، وأخوه حمدان بن صلغيه، ومنكلي التتري، وأعطاهم إقطاعات بالشام.
ومنها: أنه في يوم الخميس السادس عشر من شوال جلس السلطان بالإيوان، وقبض على جماعة من الأمراء البرجية كانوا متهمين بخبث النية.
стр. 2031
وقال ابن كثير: وكانوا قريبًا من عشرين أميرًا (١)، وقبض على علاء الدين بن مغلطاي القازاني أحد الأمراء المتوجهين إليه إلى الكرك وسيره، فاعتقله باسكندرية، وأرسل إلى دمشق، فقبض على الأمير نُغيه وعلى ركن الدين (٢) بيبرس العلمي، واعتقلهما بقلعة دمشق.
ومنها: أنه في ثامن (٣) شوال طلب الشيخ ابن تيمية من الإسكندرية، فوصل إلى القاهرة في ثامن عشره (٤) يوم السبت، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة [رابع] (٥) عشرينه، فأكرمه، وتلقاه في مجلس حفل، فيه قضاة مصر والشام والفقهاء، وأصلح بينهم وبينه، ثم نزل إلى القاهرة وسكن بقرب، مشهد الحسين، والناس يترددون إليه: الأمراء والجند والفقهاء.
وقال ابن كثير: ولقد أخبرني جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس وما وقع فيه من إكرام الشيخ يومئذ، فذكر: أن السلطان نهض للشيخ أول دخوله، ومشى له إلى طرف الإيوان (٦)، واعتنقا هناك، ثم ذهبا إلى صفة (٧) فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس، وعن يمينه ابن جماعة والقضاة، وعن يساره ابن الخليلي الوزيري، وتحته ابن صصري، ثم الصدر على الحنفي، فجلس تقي الدين بين يدي السلطان على طرف الطراحة (٨)، فتكلم الوزير في
стр. 2032
إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبعمائة ألف في كل سنة زيادة على الخالية، فسكت الناس، وتكلم ابن تيمية كلامًا عظيمًا، ورد على الوزير مقالته، وجعل السلطان [يتلافاه] (١) ويسكته وهو يبالغ في التشنيع على من يوافق على ذلك، وقال للسلطان: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة، فذكر أن الجاشنكير هو الذي جدد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبًا لك، فأعجب السلطان ذلك، واستمر بهم على ذلك، وجرت [فصول] (٢) يطول ذكرها (٣).
وقال ابن كثير: وسمعت ابن تيمية يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام في الشباك الذي جلسا فيه حجرة عن الناس، وأنه حرضه على بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وهو يستفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقًا عليهم بسبب ما كانوا سعوا في عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ ذلك وأخذ يعظم القضاة والعلماء وينكر أن ينال أحد [منهم] (٤) بسوء وقال له: إذا أذهبت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فحلم عليهم وصفح عنهم. قال: وكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف (٥) يقول: ما رأيت مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر، وقدر علينا فصفح [وحاجج] (٦) عنا (٧).
ذكر ما جرى من الحوادث في البلاد
وفيها: أظهر خربندا ملك التتار الرفض في بلاده، وأمر الخطباء أن لا يذكروا في
стр. 2033
خطبهم إلا على بن أبي طالب وولديه وأهل البيت (١).
وفيها: ابتنى خربندا ببنت الملك المنصور نجم الدين غازي بن المظفر قرا أرسلان صاحب ماردين، وحملت إليه إلى الأردو، وجهز معها من الجهاز الثمين والجوهر النفيس والتحف اللائقة ببنات الملوك وقر ألف حمل.
وفيها: اتفق بالبلاد الشمالية أن بيان بن قبجي كان قد استنجد [طقطاي] (٢) على أخيه كبلك، فأنجده، وأرسل معه أخاه بُرلك في جيش، فقصد أخاه كبلك، فهزمه واستولى على بلاده وعساكره، ولما استقر أمره تركهـ برلك بن منكوتمر وعاد إلى بلاده، واتفقت وفاة أخيه كبلك بعد ذلك، وله ولد اسمه قوشاي، فتوجه إلى قيدو مستنجدًا به ومستصرخًا، فجرد معه جيشًا، فقصد بيان عمه، فالتقيا واقتتلا على نهر يبق [فهزمه] (٣) وتوجه نحو [طقطاي] (٤) لائذًا به، وتمكن قوشاي من بلاده، واستقر بها على قاعدة أبيه وحكمه.
وفيها: اجتمع الفرنج وقصدوا ابن الأحمر (٥)، فأرسل يستنجد سليمان بن أبي ثابت المريني، فأنجده بجيش، والتقى مع الفرنج ببر الأندلس، فكان ما قتلوا من الفرنج تقدير عشرين ألف فارس وراجل، وكانت القتلى من المسلمين أيضًا خلق كثير، ثم كانت الكسرة على الفرنج والهزيمة، وكانت الكسرة على مكان بالقرب من غرناطة.
стр. 2034
ذكر ركوب السلطان الناصر في موكب ملكه وبيان ما مدحه الشعراء
لما أثبت الله قواعد سعده، وأظفر الله بضده، آمرًا الخزائن ففتحت، وبالخُلع فأفيضت على الأمراء والمقدمين والكبراء، ركب موكبا عظيمًا ملوكيا، ارتجت له الأرض، واجتمعت له الخلائق كيوم العرض، فمن مستبشر بطلعته، ومستشرف لرؤيته، وداع بدوام دولته، ورافل في حلل مسرته بعود [سلطنته] (١)، فكان كما قيل:
كأني به ملء المواكب والحسنى … يباهي به أفراسه والمساند
فما هو إلا البدر بعد سراده … بدا وهو ملء العين والقلب صاعد
وقال الشاعر شهاب الدين العزازي (٢) من قصيدة أولها:
عاد للمُلْكِ صاحب المُلْك عادا … ثم أبدَى النعم لنا وأعادا
مرحبا مرحبًا بأوفى ملوك الـ … أرض عدلًا (٣) في ملكه وسادا (٤)
أي بشرى بعودة الملك النا … صر سَرَّت في الخافقين العبادا
عودة جددت لنا (٥) هناء وأفرا … حًا وردت أيامنا أعيادا
стр. 2035
عيد فطر وعيد فتح وعيد … بقدوم الذي على الناس (١) سادا
ملك شرَّف الممالك والعصـ … ــر وأوفى على الملوك وزادا
من أبوه قلاوون الملك الـ … أعظم كانت له المعالي تلادا (٢)
أسكن الخوف في قلوب أعاديـ … ـه فولت تطوى الربى والوهادا
قرن الرعب من (٣) محمد بالنصر … ولم يشرع القنا الميادا
وأذلت له المهابة أعدا … هـ فأعطوه صاغرين القيادا
وإذا العبد خان مولاه أو … عاداه فالله والملائكة عادا (٤)
كَم دعونا حتى رجعت إلينا … وصبرنا حتى [بلغنا] (٥) المرادا
هم أرادوا إخفاء (٦) نورك واللـ … ــه تعالى إظهاره قد أردا
زادك الله يا محمد في المـ … ــلك اقتدارا وفي الحياة امتدادا
وقال البدر محمد (٧) البزاز المنبجي الشاعر من [قصيدة] (٨) أولها:
قضت ظُباك على أعداك بالظفر (٩) … والحكم في الملك للهندية البتر