← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والمكتفى فى صحف العلياء سطر (١) … وبعده ساس الأمور المقتدر واستوسق (٢) … الملك بعزّ القاهر وبعده الراضى أخو المفاخر والمتقى من بعد والمستكفى (٣) … ثم المطيع ما به من خلف والطائع الطائع، ثم القادر … القائم الزاهد وهو الشاكر والمقتدى من بعده المستظهر … ثم أتى المسترشد الموقر وبعده الراشد، ثم المقتفى … وحين مات استنجدوا بيوسف والمستضئ (٤) … العادل فى أفعاله الصادق المصدوق (٥) فى أقواله والناصر الشهم الشديد البأس … ودام طول مكثه فى الناس ثم تلاه الظاهر الكريم … وعدله كلّ به عليم ولم تطل أيامه فى المملكة … غير شهور واعترضته (٦) الهلكه وعهده كان إلى المستنصر … العادل البر الكريم المغتفر (٧) دام يسوس الناس سبع عشرة … وأشهرا بعزمات بره ثم توفى عام أربعينا … وفى جمادى صادف المنونا وبايع الخلاثق المستعصما … صلى عليه ربنا وسلما

стр. 212

يبعث نجب الرسل فى الآفاق (١) … يقضون بالبيعة والوفاق وشرفوا بذكره المنابرا … ونشروا من جوده المفاخرا وسار فى الآفاق حسن سيرته … وعدله الزائد فى رعيته تمت الأرجوزة. وقال ابن كثير ﵀: وقلت أنا بعد ذلك: ثم ابتلاه الله بعد (٢) … بالتتار أتباع جنكز الخان (٣) الجبار صحبة ابن ابن له (٤) … هلاكو فلم يكن من أسره (٥) فكاك فمزقوا جنوده وشمله … وقتلوه نفسه وأهله ودمروا بغداد والبلادا … وقتلوا الأجناد والأولادا (٦) وانتهبوا المال مع الحريم … ولم يخافوا سطوة العظيم وغرهم إنظاره وحلمه … وما اقتضاه عدله وحكمه (٧) ***

стр. 213

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السابعة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وليس للمسلمين خليفة، والفتن قائمة، وبنو جنكز خان قد أظهروا الفساد، وأهلكوا العباد، وأخربوا البلاد. وسلطان الديار المصرية: الملك المنصور نور الدين على بن الملك المعز أيبك التركمانى، ونائبه ومدبر مملكته الأمير سيف الدين قطز. وصاحب دمشق وحلب وغيرهما: السلطان الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، والحرب قائمة بينه وبين المصريين، ولكنه رجع عن ذلك لكثرة الأراجيف بقصد التتار الديار الشامية، حتى أنّ هلاون أرسل إلى الناصر المذكور يستدعيه إليه، فأرسل الناصر ولده العزيز، وهو صغير، ومعه هدايا كثيرة وتحف سنية، فلم يحتفل به هلاون، وغضب على إبنه؛ إذ لم يقدم إليه أبوه، وقال: أنا الذى أسير إلى بلاده بنفسى، فانزعج الناصر لذلك، وبعث بحريمه وأهله إلى الكرك، ليحصنهم بها، وخاف أهل دمشق خوفا [٤١٨] شديدا حين بلغهم أن التتار قد قطعوا الفرات، وصار منهم (١) جماعة كثيرة إلى الديار المصرية فى زمن الشتاء، ومات كثير منهم، ونهب آخرون.

стр. 214

وأقبل هلاون بجنوده يقصد نحو الشام، ونازل حران وملكها، واستولى على البلاد الجزرية، وأرسل ولده شموط بن هلاون إلى الشام، فوصل إلى ظاهر حلب فى العشر الأخير من ذى الحجة من هذه السنة، وكان الحاكم فى حلب يومئذ الملك المعظم توران شاه (١) بن السلطان صلاح الدين نائبا عن ابن ابن أخيه الملك الناصر، فخرج فى عسكر حلب لقتالهم، ولم يكن من الرأى خروجه، وأكمن لهم التتار فى باب إلىّ المعروف بباب الله، وتقاتلوا عند بانقوسا، فاندفع التتار قدامهم حتى خرجوا عن البلد، ثم عادوا عليهم، وهرب المسلمون طالبين المدينة، والتتار يقتلون فيهم حتى دخلوا البلد، واختنق جماعة من المنهزمين فى أبواب البلد، ثم رحل التتار إلى عزاز فتسلموها بالأمان. وكان الملك الناصر قد أرسل قبل ذلك القاضى الوزير كمال الدين عمر بن أبى جرادة المعروف بابن العديم إلى الديار المصرية رسولا يستنجد المصريين على قتال التتار، فإنهم قد اقترب قدومهم إلى الشام، وأنهم قد استولوا على حران وبلاد الجزيرة وغيرها فى هذه السنة، وقد جاز شموط بن هلاون الفرات واقترب من مدينة حلب. فعقد لذلك مجلس بالديار المصرية بين يدى الملك المنصور بن الملك المعز أيبك التركمانى، وحضر قاضى القضاة بالديار المصرية بدر الدين السنجارى، وحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأفاضوا الكلام فيما يتعلق بأخذ شئ من أموال الناس لمساعدة الجند، وكانت العمدة على ما يقوله ابن عبد السلام، فكان

стр. 215

حاصل كلامه أنه قال: إذا لم يبق فى بيت المال شئ، وأنفقتم الحوائص (١) الذهب وغيرها من الزينة، وتساويتم والعامة فى الملابس سوى آلات الحرب، ولم يبق للجندى سوى فرسه التى يركبها، ساغ أخذ شئ من أموال الناس فى دفع الأعداء، إلا أنه إذا دهم العدوّ وجب على الناس كافة أن يدفعوهم بأموالهم وأنفسهم (٢). ثم أن الملك الناصر برز إلى وطاة برزة (٣) [٤١٩] فى جحافل كثيرة من الجيش والمطوعة والأعراب وغيرهم، ولما سمعوا ما فعل شموط بن هلاون على حلب، وعلموا ضعفهم عن مقاومة المغول انفض ذلك الجمع، ولم يصبر لا هو ولا هم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 216

ذكر سلطنة سيف الدين قطز النائب بالديار المصريّة ولما عقد المصريون المجلس، حين قدم إليهم رسول الملك الناصر صاحب دمشق، وهو كمال الدين بن العديم المذكور، قالوا: لابدّ من سلطان قاهر يقاتل التتار، وهذا صبى صغير لا يعرف تدبير المملكة (١)، يعنى السلطان الملك المنصور ابن الملك المعز، وكان كذلك فإنه كان يركب الحمير الغرّة، ويلعب بالحمام مع الخدام. واجتمع الأمراء الكبار وأعيان العساكر على أنه لا غنى للمسلمين من ملك يقوم بدفعه، وينتدب لمنعه، ويذبّ عن حوزة الدين، وذلك لما تحققوا قصد هلاون الديار الشامية، وامتداده إلى ممالك الإسلام، واتفقوا على إقامة الأمير سيف الدين قطز المعزى سلطانا لأنه كبير البيت، ونائب الملك، وزعيم الجيش، وهو معروف بالشجاعة والفروسية، ورضى به الأمراء الكبار فأجلسوه على سرير الملك، ولقبوه الملك المظفّر. وكان الأمير علم الدين العتمىّ، وسيف الدين بهادر، وهما من كبار المعزية غائبين فى رمى البندق حين تسلطن المظفر، ولما حضرا قبض عليهما واعتقلا.

стр. 217

وكان جلوس الملك المظفر على تخت السلطنة فى الرابع من ذى الحجة (١) من هذه السنة بقلعة الجبل. وكان ذلك كله بحضرة كمال الدين بن العديم، فأعاد قطز الجواب إلى الملك الناصر يوسف بأنه سينجده ولا يقعد عن نصرته، ورجع ابن العديم إلى دمشق بذلك. ويقال: إن الملك المظفر قطز لما قبض على الملك المنصور نور الدين على بعثه هو وأمه وأخاه قاقان إلى بلاد الأشكرى (٢). وفى تاريخ بيبرس: وأما المنصور على بن المعز فإنه اعتقل مدّة فى الأيام المظفرية، ثم سفّر فى الأيام الظاهرية هو وأخوه وأمهما إلى الإسكندرية، وسيّروا منها إلى القسطنطينية، وأمسك من الأمراء من خاف غائلته، وحذر مخالفته، وكانوا قد تفرقوا فى [٤٢٠] الصيد، فصادهم بمصائد الكيد [ولم ينجهم من يده أيد (٣)]، وانقضت دولة المنصور، فكانت مدة مملكته سنتين وستة أشهر، والله أعلم (٤).

стр. 218

ذكر ماجريّات هلاون: منها: أنه أرسل ابنه شمطو إلى حلب وقد ذكرناه. ومنها: أنه أرسل إلى ولدى صاحب الروم وهما عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، يستدعيهما إليه فسارا إليه، وذلك أن الرسل الذين كانوا قد توجهوا مع أخيهما علاء الدين كيقباذ إلى منكوقان أخى هلاون عادوا إلى الروم فى هذه السنة، فوجدوا بيجو فعل بقونية وغيرها ما فعل والسلطان عز الدين كيكاوس قد هرب إلى قلعة العلائية، وكان أخوه فى محبسه، فخلص وهو بقونية، فأحضروا إليهما يرليغ منكوقان، فاستقرت خواطرهما وتوطنا، وتراجع الناس إليهما، وتقررت قسمة البلاد بينهما، وإنحاز إلى كل منهما جماعة من الأمراء. فكان ممن إنحاز إلى السلطان عز الدين الأمير قرطاى الأتابك، وشمس الدين الحرمانى، وشمس الدين توتاش، وخواجه جهان، ووزيره عز الدين كل. وكان من أمراء السلطان ركن الدين قليج أرسلان الأمير أرسلان دغمش الأتابك، وقد ذكرنا انحرافه عن السلطان عز الدين، وأنه انهزم قدام بيجو غيظا من السلطان، وانحاز إلى السلطان ركن الدين، والأمير سيف الدين طرنطاى صاحب أماسية الملقب بكلر باكى، والأمير خطير الدين، والأمير معين الدين سليمان البرواناه، ووزيره الصاحب شمس الدين الطغرائى. ولما عزم هلاون على السير إلى حلب وعبر الفرات، استدعى السلطانين المذكورين كيكاوس وقليج أرسلان، فسارا إليه وحضرا معه فى أخذ حلب. (١) «شموط» - انظر ما سبق ص ٢١٨.

стр. 219

ومنها: أن هلاون وجه أرغون أغا - وهو من أكابر المقدمين - فى جيش إلى كرجستان، فغزا تفليس وأعمالها، وأغار ونهب، وعاد إليه وهو بالعراق. ذكر بقية الحوادث: منها: أن فى ليلة الأحد خامس عشر المحرم ولد الملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماة بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. وقال المؤيد فى تاريخه: وفى الساعة [٤٢١] العاشرة فى ليلة الأحد خامس عشر المحرم من هذه السنة، وثانى عشر كانون الثانى (١)، ولد محمود بن الملك المنصور، ولقبوه بالملك المظفر بلقب جدّه، وأم الملك المظفر محمود المذكور عائشة خاتون بنت الملك العزيز محمد صاحب حلب بن الملك الظاهر غازى بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهنأ الشيخ شرف الدين عبد العزيز المعروف بشيخ الشيوخ الملك المنصور صاحب حماة بقصيدة طويلة منها: أبشر على رغم العدى والحسّد … بأجلّ مولود وأكرم مولد بالنعمة الغراء بل بالدولة … الزهراء بل بالمفخر المتجدّد وافاك بدرا كاملا فى ليلة … طلعت عليك نجومها بالأسعد ما بين محمود المظفر أسفرت … عنه وما بين العزيز محمدّ (٢)

стр. 220

ومنها: أن الخواجا نصير الدين الطوسى صاحب التجريد وغيره عمل الرصد بمدينة مراغة (١)، ونقل إليها شيئا كثيرا من كتب الأوقاف التى كانت ببغداد، وعمل دار حكمة فيها فلاسفة لكل واحد فى اليوم ثلاثة دراهم، ودار طب فيها للحكيم درهمان، ومدرسة فيها لكل فقيه فى اليوم درهم، ودار حديث لكل محدّث نصف درهم فى اليوم (٢). ومنها: أنه حصلت بديار مصر زلزلة عظيمة جدا، وتسامع الناس بمجئ التتار لقصد الشام، فانزعجوا بسبب ذلك، وبالله المستعان. ومنها: أن فى شهر رجب تولى محيى الدين قاضى غزة تدريس المدرسة الناصرية بالقدس الشريف، وتولى شهاب الدين محمد بن القاضى شمس الدين أحمد ابن الخليل الخوى قضاء القدس الشريف، وسافرا من دمشق إلى ولايتهما. وفيها: « ............ (٣)» وفيها: حج بالناس. « ............ (٤)»

стр. 221

ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ الصالح المحدث أبو العباس أحمد (١) بن محمد بن تامتيت (٢) اللواتى، مات بمصر فى هذه السنة، وأصله من مدينة فاس بالمغرب، وكان رجلا صالحا مقصودا للزيارة والتبرك بدعائه. الشيخ فتح الدين بن أبى الحوافر (٣) رئيس الأطباء بمصر والقاهرة، توفى فى هذه السنة وكان شيخا فاضلا حسنا. القاضى أبو عبد الله محمد (٤) بن القاضى الأشرف بن القاضى الفاضل أبى على عبد [٤٢٢] الرحيم البيسانى وزير الإنشاء الصالحى، وقد تقدّم ذكر جدّه واقف الصدرية. الرئيس صدر الدين أسعد (٥) بن المنجى بن بركات بن مؤمّل التنوخى المعرّى، ثم الدمشقى الحنبلى. عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ١٥

стр. 222

أحد المعدّلين ذوى الأموال والثروة والصدقات الدارّة البارّة، وقف مدرسة للحنابلة بدمشق (١) مقابلة لتربة سيف الدين بن قليج (٢)، وقبره بها إلى جانب تربة القاضى جمال الدين المصرى (٣) فى رأس درب الريحان من محلة ناحية الجامع، وقد ولى نظر الجامع مدة، وقد استجدّ أشياء كثيرة منها: سوق النحاس قبلى الجامع، ونقل الصاغة إلى مكانها الان، وقد كان قبل ذلك حيث يقال الصاغة العتيقة، وعدد الدكاكين التى بين أعمدة الزيادة، وكانت له صدقات كثيرة. وذكر عنه أنه كان يعمل صنعة الكيمياء، وأنه صح عنده عمل الفضة، والله أعلم، مات فى مستهل رمضان من هذه السنة. الشيخ يوسف (٤) القمينى، كان يعرف بالقمينى لأنه كان سكن قمين حمام نور الدين الشهيد، وكان يلبس ثيابا طوالا تححف (٥) على الأرض، ويبول فى ثيابه، ورأسه مكشوف، وله أحوال وكشوف كثيرة.

стр. 223

وقال ابن كثير: وكان كثير من العوام وغيرهم يعتقدون صلاحه وولايته، وذلك لأنهم لا يعلمون أن الكشوف قد تصدر من المؤمن والكافر، ومن البر والفاجر كابن صياد (١)، فلا بدّ من اختبار صاحب الحال بالكتاب والسنة، فمن وافق حاله وطريقته الكتاب والسنة فهو رجل صالح سواء كاشف أم لا (٢)، ومن لم يوافق فليس برجل صالح سواء كاشف أم لا. قال الشافعى رضى الله عنه: إذا رأيتم الرجل يمشى على الماء ويطير فى الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. ولما مات دفن بتربة فى سفح جبل قاسيون، وهى مشهورة شرقى تربة أبى عمر المقدسى (٣)، وهو مزخرفة قد اعتنى بها من كان يعتقد فيه، وكانت وفاته فى سادس شعبان من هذه السنة (٤). ابن الفخر بن البديع (٥). قال أبو شامة: كان زنديقا يتعاطى علوم الفلاسفة، والنظر فى علم الأوائل، وسكن مدارس الفقهاء، وقد أفسد عقائد جماعة من المسلمين الشباب المشتغلين، وكان متجاهرا بانتفاص الأنبياء [٤٢٣] ﵈، كان معروفا بابن الفخر

стр. 224

ابن البديع البندهى، كان أبوه يزعم أنه من جملة تلامذة الفخر الرازى ابن خطيب الرى صاحب المصنفات (١). المعين المؤذن العادلى. مات فى سابع صفر منها، وكان معمما قد جاوز المائة سنة، وكان ممن أدرك دولة نور الدين الشهيد، وخدم صلاح الدين فمن بعده من الملوك إلى أن أقعد فى بيته زمنا قبل موته بسنتين. سيف الدين بن الغرس خليل. كان أحد حجاب السلطان، وكان مشكورا فى ذلك، وكان أبوه والى شرطة دمشق فى زمن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، مات فى أول شهر رمضان من هذه السنة. الأمير أبو بكر (٢) بن الملك الأشرف أبى الفتح محمد بن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. مات فى الثانى والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة بحلب، ودفن بالياروقية، ومولده فى النصف الأخير من شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بمصر، سمع بحلب وبغداد، وحدّث بدمشق وغيرها.

стр. 225

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، أولها يوم الخميس، وليس للمسلمين خليفة. وملك العراقين وخراسان وغير ذلك من بلاد الشرق هلاون بن طولى خان ابن جنكز خان ملك التتار، وأخوه منكوقان بن طولى خان ملك الأقاليم المتصلة ببلاد خطا وغيرها، وماوراء النهر وغيرها. وصاحب الديار المصرية، السلطان الملك المظفر قطز. وصاحب دمشق وحلب: الملك الناصر يوسف. وصاحب الكرك والشوبك: الملك المغيث بن الملك العادل أبى بكر بن الملك الكامل بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، وهو حزب مع الملك الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، وكان عزمهم قتال المصريين وأخذ البلد منهم، ولكن التتار أشغلوا كل أحد بنفسه، ووقع الجفل فى البلاد الشامية بمجئ هلاون إليها. ذكر منازلة هلاون مدينة حلب واخذها من الملك الناصر يوسف: وعبر هلاون الفرات من البيرة [٤٢٤] وأخذها، ووجد بها السعيد بن العزيز أخا الملك الناصر يوسف معتقلا، فأطلقه، وسأله عما كان فى يده من

стр. 226

البلاد فقال له: كانت فى يدى الصبيبة وبانياس، فكتب له بهما فرمان وأحسن إليه، ثم سافر ونزل على حلب فى ثانى صفر من هذه السنة، فحاصرها سبعة أيام، ثم افتتحها عنوة. وفى تاريخ النويرى: لما نزل هلاون على حلب فى التاريخ المذكور (١) أرسل إلى الملك المعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب نائب السلطنة بحلب يقول له: إنكم تضعفون عن لقاء المغول، ونحن قصدنا الملك الناصر والعساكر، فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنة وبالقلعة شحنة ونحن نتوجه إلى العسكر، فإن كانت الكسرة على عسكر الإسلام كانت البلاد لنا، وتكونون أنتم قد حقنتم دماء المسلمين، وإن كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين فى الشحنتين إن شئتم طردتموها وإن شئتم قتلتموهما. فلم يجب الملك المعظم إلى ذلك، وقال لهم: ليس لكم عندنا إلا السيف. وكان رسول هلاون إليهم فى ذلك صاحب آرزن الروم، فتعجب من هذا الجواب، وتألم لما علم من هلاك أهل حلب بسبب ذلك، فلما رد الجواب غضب هلاون، وأحاط التتار بحلب ثانى صفر وهجموا فى غد ذلك اليوم، وقتل من المسلمين جماعة كثيرة، منهم: أسد الدين [ابن الملك (٢)] الزاهر بن صلاح الدين، واشتدت مضايقة التتار لحلب، وهجموها من عند حمام حمدان فى ذيل القلعة يوم الأحد تاسع صفر، وبذلوا السيف على المسلمين، وصعد إلى القلعة خلق عظيم، ودام القتل والنهب فى حلب من يوم الأحد المذكور إلى يوم الجمعة رابع عشر

стр. 227

صفر، فأمر هلاون برفع السيف، ونودى بالأمان، ولم يسلم من أهل حلب إلا من إلتجأ إلى دار شهاب الدين [بن (١)] عمرون، ودار نجم الدين أخى مردكين، ودار بازياد، ودار علم الدين قيصر الموصلى، والخانقاة التى فيها زين الدين الصوفى، وكنيسة اليهود، وكذلك أصحاب دور كانت فرمانات بأيديهم، قيل: إنه سلم بهذه الأماكن ما يزيد على [٤٢٥] خمسين ألف نفس، ونازل التتار القلعة وحاصروها، وبها الملك المعظم توران شاه نائب الغيبة ومن التجأ إليها من العسكر، واستمر الحصار (٢). وقال بيبرس فى تاريخه: قتل من حلب خلق كثير لا يكاد يحصون (٣)، وسبى من النساء والذرارى زهاء مائة ألف نفس من الأشراف والأعيان، وبيعوا فى الجزائر الفرنجية والبلاد الأرمنية، وبقى السيف مبذولا، ودم الإسلام ممطولا، سبعة أيام وسبع ليال، ثم نودى برفع القتل والقتال (٤). ذكر مجئ أعيان أهل حماة إلى هلاون وهو على حلب: وكان صاحب حماة قد توجه إلى دمشق، وتأخر بحماة الطواشى مرشد، ولما بلغ أهل حماة فتح حلب توجه الطواشى مرشد من حماة إلى الملك المنصور صاحب حماة بدمشق، وجاء كبراء حماة إلى حلب ومعهم مفاتيح حماة، وحملوها

стр. 228

لهلاون وطلبوا منه الأمان لأهل حماة وشحنة تكون عندهم، فآمنهم هلاون وأرسل إلى حماة شحنة رجلا أعجميا كان يدعى أنه من ذرية خالد بن الوليد رضى الله عنه، يقال له خسرو شاه، فقدم إلى حماة وتولاها وأمن الرعية، وكان بقلعة حماة مجاهد الدين قايماز أمير جاندار، فسلم القلعة إليه، ودخل فى طاعة التتار (١). ذكر ما جرى للناصر صاحب حلب ودمشق: ولما بلغ الناصر فتح حلب، رحل بمن معه من العساكر إلى جهة الديار المصرية، وفى صحبته الملك المنصور صاحب حماة، فأقام بنابلس أياما، ورحل عنها، وترك فيها الأمير مجير الدين بن أبى زكرى، والأمير على بن شجاع وجماعة من العسكر، ثم رحل الملك الناصر إلى غزة، وانضم إليه مماليكه الذين كانوا قد أرادوا قتله، وكان قد اصطلح معه أخوه الظاهر غازى وانضم إليه. وبعد مسير الناصر عن نابلس، وصل التتار إليها، وكبسوا العسكر الذى بها، وقتلوا مجير الدين والأمير على بن شجاع، ومعهما جماعة من العسكر. وكانا أميرين جليلين فاضلين، وكانت البحرية قد قبضوا عليهما واعتقلوهما بالكرك، فأفرج المغيث عنهما لما وقع الصلح بينه وبين الناصر. ولما بلغ الناصر وهو بغزة ما جرى من كبسة التتار لنابلس رحل من غزة إلى العريش، وسير القاضى برهان الدين بن [٤٢٦] الخضر رسولا إلى الملك المظفر صاحب مصر يطلب منه المعاضدة، ثم سار الملك الناصر والمنصور صاحب

стр. 229

حماة والعسكر، ووصلوا إلى قطية، فجرى بها فتنة بين التركمان والأكراد الشهرزورية (١)، ووقع نهب فى الحال، وخاف الملك الناصر أن يدخل مصر فيقبض عليه، فتأخر فى قطية، ورحلت العساكر والملك المنصور صاحب حماة إلى مصر، وتأخر مع الملك الناصر جماعة منهم [أخوه (٢)] الملك الظاهر [غازى (٣)] الملك الصالح بن شيركوه صاحب حمص، وشهاب الدين القيمرى، ثم سار الملك الناصر من قطية بمن تأخر معه إلى جهة تيه بنى إسرائيل. فلما وصلت العساكر إلى مصر إلتقاهم الملك المظفر قطز بالصالحية وطيب قلوبهم، وأرسل إلى الملك المنصور صاحب حماة سنجقا، والتقاه ملتقى حسنا، وطيب قلبه، ودخل القاهرة (٤). وفى تاريخ النويرى: ولما كان الناصر بدمشق وبلغ إليه قصد التتار حلب برز من دمشق إلى برزة فى أواخر السنة الحالية، وجفل الناس بين يدى التتار، وسار الملك المنصور صاحب حماة إلى دمشق، ونزل مع الناصر ببرزة، وكان هناك مع الملك الناصر بيبرس البندقدارى من حين هرب من الكرك، وإلتجأ إلى الناصر يوسف، واجتمع مع الملك الناصر على برزة أمم عظيمة من العساكر، ولما دخلت هذه السنة والملك الناصر ببرزة بلغه أن جماعة من مماليكه قد عزموا على اغتياله والفتك به، فهرب من الدهليز إلى القلعة - يعنى قلعة دمشق -

стр. 230

وبلغ مماليكه الذين قصدوا ذلك علمه بهم هربوا على حمية إلى جهة، وكذلك سار بيبرس البندقدارى وجماعته إلى غزة، وأشاع المماليك الناصرية أنهم لم يقصدوا قتل الملك الناصر، وإنما كان قصدهم أن يقبضوا عليه ويسلطنوا أخاه الملك الظاهر غازى بن الملك العزيز بن الملك الظاهر غازى بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لشهامته، ولما جرى ذلك هرب الملك الظاهر المذكور خوفا من أخيه الناصر يوسف، وكان الظاهر المذكور شقيق الناصر، أمهما [٤٢٧] أم ولد تركية، ووصل الملك الظاهر إلى غزة، واجتمع عليه من بها من العساكر وأقاموه سلطانا. ولما جرى ذلك كاتب الملك المظفر قطز صاحب مصر بيبرس البندقدارى، وبذل له الأمان، ووعده الوعود الجميلة، ففارق بيبرس البندقدارى الشاميين، وسار إلى مصر فى جماعة من أصحابه، فأقبل عليه الملك المظفر قطز وأنزله فى دار الوزارة، وأقطعه قليوب وأعمالها. وأما الملك الناصر يوسف فإنه لما انفرد عن العسكر من قطية كما ذكرنا سار إلى تيه بنى اسرائيل، وبقى متحيرا إلى أين يتوجه، وعزم على التوجّه إلى الحجاز، وكان له طبردار كردى اسمه حسين، فحسّن له المضى إلى التتار، وقصد هلاون، فاغتر بقوله، ونزل بركة زيزا، وسار حسين الكردى إلى كتبغا نوين نائب هلاون، وهو نازل على المرج، وعرفه بموضع الملك الناصر، فأرسل كتبغا نوين إليه وقبض عليه وأحضره إلى مدينة عجلون، وكانت بعد عاصية، فأمر الملك الناصر بتسليمها، فسلمت إليهم فهدموها وخربوا قلعتها أيضا.

стр. 231

وكان بالصبيبة الملك السعيد بن الملك العزيز بن الملك العادل، سلّم الصبيبة إليهم وسار معهم وأعلن بالفسق والفجور وسفك الدماء. وأما الملك الناصر يوسف فإنه لما اجتمع بكتبغا نوين، بعث به كتبغا إلى هلاون، وهو على حلب بعد، فلما عاين الناصر حلب وما حل بها وبأهلها بكى وأنشد: سقى حلب الشهباء فى كل بقعة … سحائب غيث نوؤها مثل أدمعى فتلك مرامى لا العقيق ولا اللوى … وتلك ربوعى لا زرود وأملع ولما بعد عنها قليلا أنشد: ناشدتك الله يا هطالة السحب … إلا حملت تحيّاتى إلى حلب لا عذر للشوق أن يمشى على قدر …ماذا عسى يبلغ المشتاق فى الكتب أحبابنا لو درى قلبى بأنكم … تدرون ما أنا فيه لذ لى تعبى [٤٢٨] ثم بكى بكاء طويلا وأنشد: يعز علينا أن نرى ربعكم يبلى … وكانت به آيات حسنكم تتلى لقد مرّ لى فيها أفانين لذّة … فما كان أهنى العيش فيها وما أحلى أأحبابنا والله ما قلت بعدكم … لحادثة الأيام وقفا (١) ولا مهلا عبرت على الشّهباء وفى القلب حسرة … ومن حولها ترك يتابعهم مغلا ولقد حكموا فى مهجتى حكم ظالم … ولا ظالم إلا سيبلى كما أبلى

стр. 232

ثم سار إلى الأردو، فأقبل عليه هلاون ووعده بردّه إلى مملكته (١). وفى تاريخ بيبرس: بقى الملك الناصر عند هلاون (٢) هو وولده العزيز، وعزم هلاون على العود من حلب إلى العراق، فسأل الملك الناصر وقال له: من بقى فى ديار مصر من العسكر؟ فقال له: لم يبق بها إلا نفر قليل من العسكر وأقوام من مماليك بيتنا لا يبالى بهم (٣). قال: فكم يكفى التجريد لقتالهم (٤)؟ قال: يكفى القليل من الجيش، وحقّر (٥) عنده أمرهم وهونه، فجرد هلاون كتبغا نوين ومعه اثنى عشر ألف فارس وأمره أن يقيم بالشام، وحفزه العود لما اتصل به من اختلاف حصل بين إخوته، فعاد وأصحب (٦) معه الملك الناصر وولده العزيز (٧). ووصل كتبغا نوين إلى دمشق [وكانت قلعتها بعد ممتنعة، وبها وال إسمه بدر الدين بن قزل فعصى، وأبى أن يسلمها إلى نواب التتار، فحاصره كتبغا

стр. 233

أياما ففتحها عنوة، وأمر بقتل متوليها، فأخرج إلى مرج برغوث وقتل، وقتل معه نقيب القلعة وهو جمال الدين بن الصيرفى (١)]، ونزل [كتبغا (٢)] على المرج، فحضر إليه رسل الفرنج الذين بالساحل بالهدايا والتقادم، لأنهم خافوا على بلادهم من تطرق التتار إليها وغارتهم عليها، وشرعوا فى تحصين مدائنهم وحصونهم، وحضر إليه الملك الظاهر أخو الملك الناصر، وكان مقيما بصرخد، فأحسن إليه وأقره على حاله، وأعاده إلى مكانه، وأرسل رسلا (٣) إلى السلطان (٤) الملك المظفر قطز (٥) [يطالبه ببذل الطاعة أو تعبئة الضيافة، فلما وصلت رسله بهذه الرسالة أمر الملك المظفر (٦)] بقتلهم، فقتلوا وطيف برءوسهم (٧) الأسواق إلا صبيا واحدا كان معهم استبقاه (٨) المظفر وأضافه إلى مماليكه، وتجهز للمسير إلى الشام، وجرد العزم والإهتمام، [وأعد للقاء العدو الجيش الهمام (٩)]. وسنذكر بقية ما جرى على الملك الناصر يوسف فى موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 234

ذكر حال قلعة حلب: قال النويرى فى تاريخه: وثب جماعة من أهل قلعة حلب فى مدة الحصار على صفى الدين طرزه رئيس حلب، وعلى نجم الدين أحمد بن عبد العزيز [٤٢٩] ابن القاضى نجم الدين بن أبى عصرون فقتلوهما، لأنهم اتهموهما بمواطأة التتار، واستمر الحصار على القلعة، واشتدت مضايقة التتار لها نحو شهرين، ثم سلمت (١) بالأمان يوم الاثنين الحادى عشر من ربيع الأول. ولما نزل أهلها بالأمان، كان فيها جماعة من البحرية الذين حبسهم الملك الناصر يوسف، منهم: سكز وسنقر الأشقر وبرامق وغيرهم، فسلمهم هلاون هم وباقى الترك إلى رجل من التتار يقال له سلطان جق، وهو رجل من أكابر القفجاق هرب من التتار لما غلبت على القفجاق، وقدم إلى حلب، فأحسن إليه الملك الناصر فلم تطب له تلك البلاد، فعاد إلى التتار، وأما العوام والغرباء فنزلوا إلى أماكن الحمى التى قدمنا ذكرها، وأمر هلاون أن يمضى كل مسلم إلى داره وملكه وأن لا يعارض، وجعل النيابة فى حلب لعماد الدين القزوينى (٢)، وخربت أسوار البلد وأسوار القلعة، وبقيت كأنها حمار أجوف. وانقضت المملكة الناصرية، وبانقضائه انقضت الدولة الأيوبية من البلاد الشامية كما زالت من الديار المصرية. ووصل إلى هلاون بحلب الملك الأشرف صاحب حمص [موسى بن إبراهيم ابن شيركوه (٣)]، فأكرمه هلاون، وأعاد عليه حمص، وكان قد أخذها منه الملك

стр. 235

الناصر صاحب حلب (١) فى سنة ست وأربعين وستمائة وعوضه عنها تل باشر كما ذكرنا، فعادت إليه فى هذه السنة، واستقر ملكه بها (٢)، ولما حضر الأشرف بين يديه قال: تمنّ، فقبل الأرض وقال: البرج الذى فيه حريمنا وحريم الملوك، فغضب هلاون، فقالت له خاتون: ملك من الملوك يتمنى عليك شيئا يسيرا، وأنت أذنت له فى ذلك وتمنعه، فقال هلاون: إنما منعته لأجلك حتى أجعل بنات الملوك خدمك. فقالت: هم خدمى وقد وهبتهم له، فرسم له بالبرج، فقبل الأرض، وأراد النهوض فلم يقدر حتى أقاموه بإبطيه، ولم تزل به الخاتون حتى أعاد عليه مملكة حمص وأضاف إليه غيرها (٣). قال بيبرس فى تاريخه: وكتب له منشورا بنيابة دمشق وبلاد الشام، وعاد من عنده، وأقام بدمشق (٤). وقدم إلى هلاون وهو على حلب الشيخ محيى الدين [٤٣٠] بن الزكى من دمشق، فأقبل عليه ولبس خلعة هلاون، وكانت مذهبة، وولاه قضاء الشام، وعاد بن الزكى إلى دمشق ودخلها وعليه الخلعة، وجمع الفقهاء وغيرها من أكابر دمشق، وقرأ عليهم تقليد هلاون، واستمر فى القضاء (٥).

стр. 236

ذكر رحيل هلاون من حلب وإرساله جيشا إلى اخذ دمشق: ثم رحل هلاون إلى حارم وطلب تسليمها، فامتنعوا أن يسلموها لغير فخر الدين والى قلعة حلب، فأحضره هلاون وسلموها إليه، فغضب هلاون من ذلك وأمر بهم فقتلوا عن آخرهم وسبى النساء. ثم رحل هلاون بعد ذلك وعاد إلى الشرق، وأمر عماد الدين القزوينى بالرحيل إلى بغداد، فسار إليها، وجعل بحلب مكانه رجلا أعجميا، وأمر هلاون بخراب أسوار حلب، فأخرجت كما ذكرنا، وكذلك أمر بخراب أسوار حماة، فأخربت وأحرقت زرد خاناتها، وبيعت الكتب التى بدار السلطنة بقلعة حماة بأنجس الأثمان (١). وقال النويرى: لم تخرب سور حماة لأنه كان بها رجل يقال له إبراهيم بن الإفرنجية ضامن الجهة المفردة، فبذل لخسرو شاه جملة كثيرة من المال، وقال: الفرنج منا قريب بحصن الأكراد، ومتى خربت سور المدينة لا يقدر أهلها على المقام بها، فأخذ منه المال ولم يتعرض لخراب سور المدينة (٢). وكان هلاون قد أمر الملك الأشرف صاحب حمص بخراب قلعة حمص أيضا فلم يخرب منها إلا شيئا قليلا لأنها مدينته. وأما دمشق فإنهم لما ملكوا المدينة بالأمان لم يتعرضوا إلى قتل ونهب، وعصت عليهم قلعة دمشق، فحاصرها التتار، وجرى على أهل دمشق بسبب عصيان القلعة شدة عظيمة، وضايقوا القلعة، وأقاموا عليها المجانيق، ثم تسلموها

стр. 237

بالأمان فى منتصف جمادى الأولى من هذه السنة، ونهبوا جميع ما فيها، وجدوا فى خراب أسوار القلعة وإعدام ما فيها من الزردخانات والآلات، ثم توجهوا إلى بعلبك ونازلوا قلعتها (١). وقال ابن كثير: أرسل هلاون قبل أن يرحل من حلب جيشا مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغا نوين، فوردوا دمشق فى أواخر صفر، فأخذوها سريعا من غير ممانعة [٤٣١]، وتلقاهم أكابرها بالرحب والسعة، وقد كتب هلاون معهم فرمان أمان لأهل البلد، فقرئ بالميدان الأخضر، ونودى فى البلد بالأمان، فأمن الناس والقلعة ممتنعة، وفى أعاليها المجانيق منصوبة، والحال شديدة، فأحضرت التتار المجانيق على عجل، والخيول تجرها، وهم راكبون على الخيل، وأسلحتهم على الأبقار الكثيرة، فنصبوا المجانيق على القلعة من غربيها وهدموا غيطانا كثيرة وأخذوا أشجارها (٢)، وشرفاتها ورموا بها القلعة رميا متواليا كالمطر المتدارك، فهدموا كثيرا من أعاليها وشرفاتها وتداعت للسقوط، فأجابهم متوليها فى آخر ذلك النهار إلى المصالحة، ففتحوها وخربوا كل بدنة فيها وأعالى بروجها، وذلك فى المنتصف من جمادى الأولى من هذه السنة، وقتلوا المتولى بها بدر الدين بن قزل (٣)، ونقيبها كمال الدين (٤) بن الصيرفى الحلبى.

стр. 238

وسلموها إلى أمير منهم يقال له: إيل سنان، وكان معظما لدين النصارى، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم، فعظمهم جدا، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة وصولة بسببه، لعنهم الله، وذهبت منهم طائفة إلى هلاون بهدايا وتحف، وقدموا منه ومعهم فرمان أمان من جهته، ودخلوا البلد من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم ويقولون: ظهر الدين الصحيح دين المسيح، ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أوانى فيها خمر لا يمرون مسجدا إلا رشّوا عنده خمرا، وقماقمم فيها خمرا يرشون منها على وجوه الناس، ويأمرون كل من يجتازون به فى الأسواق والطرقات أن يقوم لصليبهم، ودخلوا من درب الحجر، فوقفوا عند رباط الشيخ أبى البيان (١) ورشوا هنالك خمرا، وكذلك على باب مسجد فى الحجر الصغير والكبير، واجتازوا فى السوق حتى وصلوا إلى درب الريحان أو قريب منه، فتكاثر عليهم المسلمون، فردوهم وعادوا إلى سوق كنيسة مريم، ثم توقف خطيبهم إلى دكته وكان فى عطفة السوق هنالك، فذكر فى خطبته مدح دين النصارى وذم دين الإسلام وأهله، ثم ولجوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم، وكانت بعد عامرة، ولكن كان هذا سبب [٤٣٢] خرابها (٢). وحكى الشيخ قطب الدين فى الذيل: أنهم ضربوا بالناقوس بكنيسة مريم، والله أعلم.

стр. 239

قال: وذكروا أنهم دخلوا الجامع بخمر، وكانت من نيتهم الفاسدة إن طالت التتار أن يخربوا كثيرا من المساجد وغيرها، فكفى الله شرهم. ولما وقع هذا فى البلد، اجتمع قضاة المسلمين والفقهاء، فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها إيل سنان، فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤوس النصارى عليهم، ف «إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (١). ذكر وقعة عين جالوت وكسرة التتار عليها يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان من هذه السنة: ولما استولت التتار على البلاد الشامية وضايقوا الممالك الإسلامية، ولم يبق من يدفعهم عن العباد والبلاد إلا عسكر الديار المصرية، اتفق السلطان الملك المظفر قطز مع الأمراء والأكابر على تجهيز العساكر، وصمموا على لقاء العدو المخذول، وجمعوا الفرسان والرجالة من العربان وغيرهم، وخرجوا من القاهرة بأعظم أبّهة. وكانت التتار فى أرض البقاع، فساروا صحبة مقدّمهم كتبغا نوين، فكان الملتقى بمنزلة عين جالوت فى مرج بنى عامر، فلما إلتقى الجمعان حمل السلطان الملك المظفر بنفسه، وألقى خوذته عن رأسه، وحملت الأمراء البحرية والعساكر المصرية حملة صادقة، فكسروهم أشد كسرة، وقتل كتبغا نوين فى المعركة.

стр. 240

وقتل بعده السعيد بن الملك العزيز لأنه وافقه فى هذه الحركة، وكان قد أخذ من هلاون فرمانا بإستمراره على ما بيده من البلاد وهى الصببية وأعمالها وزيادة عليها، وحضر مع كتبغا نوين الوقعة، فلما انكسر وأحضر إلى المظفر مستأمنا فقال له: كان هذا يكون لو حضرت قبل الوقعة، وأما الآن فلا، وأمر به فقتل صبرا. وقتل أكثر التتار، وجهزت خيل الطلب وراء من هم بالفرار، وكان المقدم عليها الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، فتبع المنهزمين وأتى عليهم قتلا وأسرا حتى استاصل شأفتهم، فلم يفلت أحد منهم، وصادفت طائفة من التتار جاءت من عند هلاون مددا لكتبغا، فلما وصلت هذه النجدة إلى بلد [٤٣٣] حمص صادفت التتار منهزمين على أسوأ الأحوال، والخيول تجول فى طلبهم كل مجال، فلم تمكنهم الهزيمة (١)، فكانوا للسيوف غنيمة، وكانت عدتهم ألفين، فلم يبق لهم أثر ولا عين. وكان أيضا فى صحبة التتار الملك الأشرف موسى صاحب حمص، ففارقهم وطلب الأمان من السلطان الملك المظفر، فآمنه ووصل إليه فأكرمه وأقره على ما بيده وهى حمص ومضافاتها. ومما اتفق فى هذه الوقعة أن الصبى الذى استبقاه السلطان الملك المظفر من التتار المرسلين إليه من عند كتبغا، وأضافه إلى المماليك السلطانية، كما ذكرناه، كان راكبا وراءه حال اللقاء، فلما إلتحم القتال كيز سهما وفوقه نحو المظفر، فبصر به بعض من كان حوله، فأمسك وقتل مكانه، فكان كما قيل:

стр. 241

واحذر شرارة من أطفات جمرته … فالثأر غض ولو بقّى إلى حين وفى تاريخ النويرى: ضرب ذلك الشاب السلطان بسهم فلم يخطئ (١) فرسه فوقعت، وبقى السلطان على الأرض، فنزل فخر الدين ما ماى (٢) عن فرسه وقدمه إلى السلطان فركب، ثم حضرت الجنائب (٣) السلطانية فركب فخر الدين منها. ثم لما فرغ السلطان من كسر التتار، وانقضى أمر المصاف، أحسن إلى الملك المنصور صاحب حماة، وأقره على حماة وبارين وأعاد عليه المعرة، وكانت فى أيدى الحلبيين من سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأخذ السلمية منه وأعطاها للأمير شرف الدين عيسى (٤) بن مهنى بن مانع أمير العرب. ذكر دخول السلطان الملك المظفر دمشق: ثم لما جرى ما ذكرنا أتم السير السلطان الملك المظفر بالعساكر، وصحبته الملك المنصور صاحب حماة حتى دخل دمشق، وتضاعف شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر، فإن القلوب كانت قد يئست من النصر على التتار لاستيلائهم على معظم بلاد المسلمين، ولأنهم ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه، وفى يوم دخوله دمشق أمر بشنق جماعة من المنتسبين إلى التتار

стр. 242

فشنقوا، وكان فى جملتهم حسين الكردى طبردار (١) الملك الناصر يوسف وهو [٤٣٤] الذى أوقع الملك الناصر فى أيدى التتار. وفى هذه النصرة، وقدوم الملك المظفر قطز إلى الشام يقول بعض الشعراء: هلك الكفر فى الشام جميعا … واستجد الإسلام بعد دحوضه بالملك المظفر البطل (٢) … الأر وع سيف الإسلام عند نهوضه ملك جاءنا بعزم وحزم … فاعتززنا بسمره وببيضه أوجب الله شكر ذاك علينا … دائما مثل واجبات فروضه (٣) وقال جمال الدين بن مصعب: إن يوم الحمراء يوم عجيب … فيه ولى جيش الطغاة البغاة دار كاس المنون لما مزجنا … عين جالوت بالدما للسقاة يا لها جمعة غدا الكفر فيها … مسجدا للسيوف لا للصلاة وقال شهاب الدين أبو شامة: غلب التتار على البلاد فجاءهم … من مصر تركى يجود بنفسه بالشام بددهم وفرق شملهم (٤) … ولكل شئ آفة من جنسه

стр. 243

ثم أعطى الملك المظفر قطز دستورا للملك المنصور صاحب حماة، فقدم الملك المنصور وأخوه الملك الأفضل ووصلا إلى حماة، ولما استقر الملك المنصور بحماة قبض على جماعة كانوا مع التتار فاعتقلهم. وهنأ (١) الشيخ شرف الدين شيخ الشيوخ الملك المنصور بهذا النصر العظيم وبعود المعرة بقصيدة منها قوله: رعت العدى فضمنت تل عروشها … ولقيتها فأخذت تل جيوشها نازلت أملاك التتار فأنزلت … عن فحلها قسرا وعن اكديشها فغدا لسيفك فى رقاب كماتها … حصد المناجل فى يبيس حشيشها فقت الملوك ببذل ما تحويه إذ … ختمت خزائنها على منقوشها ومنها: وطويت عن مصر فسيح مراحل … ما بين بركتها وبين عريشها حتى حفظت على العباد بلادها … من رومها الأقصى إلى أحبوشها فرشت حماة لوطئ نعلك خدّها … فوطيت عين الشمس من مفروشها [٤٣٥] وضربت سكتها التى أخلصتها … عما يشوب النقد من مغشوشها وكذا المعرة إذ ملكت قيادها … دهشت سرورا سار فى مدهوشها لا زلت تنعش بالنوال فقيرها … وتنال أقصى الأجر من منعوشها طربت برجعتها إليك كأنما … سكرت بخمرة جاشها أو جيشها (٢)

стр. 244

ذكر أحكام الملك المظفر فى دمشق: ولما استقر ركابه الشريف فى دمشق، جهّز عسكرا إلى حلب لحفظها، ورتب علاء الدين بن صاحب الموصل (١) نائب السلطنة بحلب، ورتّب بدمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبى الصالحى نائبا، وأمر لنجم الدين أبى الهيجاء بن خشتر بن الكردى أن يقيم بدمشق مع النائب، وأقر الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة بها على حاله، كما ذكرنا، وحضر إليه الملك الأشرف صاحب حمص، فأقبل عليه وأقره بما بيده ولم يؤاخذه، ورتب شمس الدين أقوش، البرلى العزيزى أميرا بالسواحل [وغزة (٢)]، ورتب معه جماعة من العزيزية، وكان شمس الدين أقوش المذكور من مماليك العزيز محمد صاحب حلب، وكان مع الملك الناصر، ولما هرب الناصر من قطيه، على ما ذكرنا، سار شمس الدين أقوش المذكور مع العساكر إلى مصر، فأحسن إليه الملك المظفر وولاّه الآن السواحل وغزة. وقال ابن كثير: كان علم الدين سنجر (٣) الحلبى المذكور أتابكا لعلى بن المعز أيبك، وابن صاحب الموصل هو الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان قد وصل إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام، ودخل مع العسكر إلى مصر، وصار مع المظفر قطز، ففوض إليه نيابة السلطنة بحلب،

стр. 245

وكان سببه أن أخاه الملك [الصالح إسماعيل (١)] بن لؤلؤ كان تولى الموصل بعد أبيه، فولاه حلب ليكاتبه أخوه بأخبار التتار، ولما استقر فى نيابة حلب سار سيرة ردية، وكان دأبه التحيل على أخذ مال الرعية. ونظر المظفر فى أحوال البلاد، وحسم مواد الفساد، وجدد الإقطاعات بمناشيره. ذكر ما فعل أهل دمشق عند ورود البشارة بكسر التتار [٤٣٦] على عين جالوت على يد السلطان الملك المظفر ﵀: قال أبو شامة: جاءنا كتاب قطز من طبرية بتاريخ الأحد السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة، وهو أول كتاب ورد منه إلى أهل دمشق يخبرهم بهذه الكسرة الميمونة وبوصوله إليهم بعدها. قال: ومن العجائب أن التتار كسروا وهلكوا بأبناء جنسهم من الترك، وقلت فى ذلك: غلب التتار على البلاد فجاءهم … من مصر تركى يجود بنفسه بالشام أهلكهم وبدد شملهم (٢) … ولكل شئ آفة من جنسه قال: وقد كانت النصارى بدمشق قد شمخوا بسبب دولة التتار، وتردد إيل سنان وغيره من كبارهم إلى كنائسهم، وذهب بعضهم إلى هلاون، وجاء من

стр. 246

عنده بفرمان لهم اعتنى بهم، وبوصية فى حقهم، ودخلوا به البلد من باب توما وصلبانهم مرتفعة، وهم ينادون حولها بارتفاع دينهم واتضاع دين الإسلام، فركب المسلمون من ذلك هم عظيم، فلما هرب التتار من دمشق ليلة الأحد السابع والعشرين من رمضان أصبح الناس إلى دور النصارى ينهبونها ويخربون ما استطاعوا منها، وأخربوا كنيسة اليعاقبة، وكنيسة مريم حتى بقيت كوما والحيطان حولها تعمل النار فى أخشابها، وقتل منهم جماعة واختفى الباقون، وجرى عليهم أمر عظيم اشتفى به بعض الاشتفاء صدور المسلمين، ثم هموا بنهب اليهود، فنهب قليل منهم، ثم كفوا عنهم لأنهم لم يصدر عنهم ما صدر من النصارى (١). وقال ابن كثير: وقتلت العامة وسط الجامع شيخا رافضيا، كان مصانعا للتتار على أموال الناس، يقال له: الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجى، كان خبيث الطوية [مشرقيا (٢)] ممالئا لهم على أموال المسلمين، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين الممالئين على المسلمين (٣). وكان هلاون أرسل تقليدا بولاية القضاء بجميع مدائن الشام والموصل وماردين وميافارقين والأكراد وغير ذلك للقاضى كمال الدين عمر بن (٤) بندار التفليسى، وقد كان نائب الحكم بدمشق [٤٣٧] عن القاضى صدر الدين أحمد بن يحيى بن

стр. 247

ابن هبة الله بن سنى الدولة من مدة خمس عشرة سنة، ووصل التقليد فى السادس والعشرين من ربيع الأول، وحين وصل قرئ بالميدان الأخضر (١)، فاستقل بالحكم من دمشق وكان من الفضلاء، فسار القاضيان المعزولان صدر الدين بن سنى الدولة ومحيى الدين بن الزكى إلى خدمة هلاون، إلى البلاد الحلبية، فخدع ابن الزكى لابن سنى الدولة وبذل أموالا كثيرة، وتولى القضاء بدمشق، ورجعا، فمات ابن سنى الدولة ببعلبك، وقدم ابن الزكى على القضاء ومعه تقليد به وخلعة بذهب، فلبسها وجلس فى خدمة إيل سنان تحت قبة النسر، وهو النائب الكبير، وبينهما الخاتون زوجة إيل سنان حاسرة عن وجهها، وقرئ التقليد هناك، وحين ذكر اسم هلاون اللعين نثر الذهب والفضة من فوق رؤوس الناس (٢). وذكر أبو شامة: أنه استحوذ على مدارس كثيرة فى مدته هذه القصيرة، فإنه عزل قبل رأس الحول، فأخذ العذراويّة والسلطانية والفلكية والركنية والقمرية والكلاسة مع المدرستين اللتين كانتا بيده وهما التقوية والعزيزية، وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية ومشيخة الشيوخ، وانتزع من الشمس الكردى الصالحية وسلمها إلى العماد بن العزى، ونزع الشومانية من الفخر النقجوانى وسلمها إلى الكمال بن النجار، ونزع الربوة من الجمال محمد بن اليمنى وسلمها إلى الشهاب محمود بن شرف الدين محمد بن القاضى شرف الدين بن زين القضاة عبد الرحمن ابن سلطان وهو من بنى عمه.

стр. 248

كل هذا مع ما عرف منه من التقصير فى حق الفقهاء فى المدرستين اللتين كانتا بيده من قديم الزمان وهما الحزيزية والتقوية، وعدم انصافه فيهما، [وولى ابنه عيسى مشيخة الشيوخ بخوانق الصوفية (١)] واستناب أخاه لأمه فى القضاء، ومعه من المدارس: الرواحية والشامية البرانية، مع أن شرط واقفها أن لا يجمع المدرس بينها وبين غيرها (٢). وقال ابن كثير: ولما رجعت المملكة إلى المسلمين سعى القاضى محيى الدين وبذل أموالا جزيلة ليستمر فى القضاء والمدارس التى استولى عليها فى مدة هذه الشهور، فلم يستمر إلا قليلا حتى جاء تقليد القضاء لنجم الدين أبى بكر [٤٣٨] ابن صدر الدين بن سنى الدولة، فقرئ يوم الجمعة بعد الصلاة الحادى والعشرين من ذى القعدة بالشباك الكمالى من مشهد عثمان بجامع دمشق (٣). ذكر عود الملك المظفّر قطز إلى الديار المصرية ومقتله: لما قرر السلطان الملك المظفر قطز أمور الشام على ما شرحناه سار من دمشق إلى جهة الديار المصرية، وفى نفوس البحرية منه ومن أستاذه قبله من قتلهما الفارس أقطاى واستبدادهما بالملك وإلجائهم إلى الهرب والهجاج والتنقل فى الفجاج إلى غير ذلك من أنواع الأهوان التى قاسوها، والمشقات التى لابسوها، وإنما

стр. 249

انحازوا إليه لما تعذّر عليهم المقام بالشام، وللتناصر على صيانة الإسلام، لا لأنهم أخلصوا له الولاء، أو رضوا له بالاستيلاء. وقد ثبت المرعى على دمن الثرى … وتبقى حزازات النفوس كماهيا فاتفق الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، والأمير سيف الدين أنص الأصفهانى، والأمير سيف الدين [بلبان (١)] الرشيدى، والأمير بدر الدين بكتوت الجوكاندارى، والأمير سيف الدين بيدغان، ومن معهم على قتله، وجعلوا يترصدون له وقتا لإنتهاز فرصتهم، وإمضاء عزيمتهم، فلا يجدون سبيلا إلى ما همّوا بفعله، ولا تمكنّا من الوثوب به وقتله، إلى أن أفضى بهم السير إلى منزلة القصير بطرف الرمل، بينه وبين الصالحيّة مرحلة، وقد سبق الدهليز إلى الصالحيّة وقالوا: متى فاتنا من هذه المنزلة وصل إلى القلعة وأعجزنا مرامه ولم نأمن انتقامه، واتفق أنه انفرد عن المواكب لصيد الأرانب، ساق خلف أرنب عرض له، وهم يرمقونه، فلما رأوه قد بعد عن الأطلاب، قالوا: الآن ندرك الطلاب، وساقوا فى إثره ركضا، وجاءوا يتلو بعضهم فتقدّم إليه أنص الأصبهانى كأنه يشفع عنده فى إصلاح حال الركن بيبرس البندقدارى لأنه أقام فى الخدمة مدّة ولم يعين له عدّه، وخرج إلى الغزاة برمحه، وبذل فيها غاية نصحه، فأجابه المظفر إلى سؤاله ووعده بإصلاح حاله فأهوى إلى يده كأنه يقبلهما، فأمسكها أنص وضبطها، فأيقن المظفر أنه قد ختل وخدع وأن ذلك [٤٣٩] الأمر قد أبرم ووضع، وأراد أن يجذب سيفه ليدفع عن نفسه، فعاجله البندقدارى بالسيف

стр. 250

وأخذته السيوف، فخر صريعا يمجّ دما ونجيعا، وذلك فى سابع عشر (١) ذى القعدة من هذه السنة (٢). ويقال: لما أجاب لمظفر إلى كلام أنص أهوى لتقبيل يده، فقبض عليها، وحمل عليه بيبرس البندقدارى حينئذ، وضربه بالسيف، واجتمعوا عليه ورموه عن فرسه، ثم قتلوه بالنشاب فى التاريخ المذكور (٣). ذكر ترجمة الملك المظفّر قطز: والكلام فيه على أنواع (٤):
следующие страницы →