← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عنده بفرمان لهم اعتنى بهم، وبوصية فى حقهم، ودخلوا به البلد من باب توما وصلبانهم مرتفعة، وهم ينادون حولها بارتفاع دينهم واتضاع دين الإسلام، فركب المسلمون من ذلك هم عظيم، فلما هرب التتار من دمشق ليلة الأحد السابع والعشرين من رمضان أصبح الناس إلى دور النصارى ينهبونها ويخربون ما استطاعوا منها، وأخربوا كنيسة اليعاقبة، وكنيسة مريم حتى بقيت كوما والحيطان حولها تعمل النار فى أخشابها، وقتل منهم جماعة واختفى الباقون، وجرى عليهم أمر عظيم اشتفى به بعض الاشتفاء صدور المسلمين، ثم هموا بنهب اليهود، فنهب قليل منهم، ثم كفوا عنهم لأنهم لم يصدر عنهم ما صدر من النصارى (١). وقال ابن كثير: وقتلت العامة وسط الجامع شيخا رافضيا، كان مصانعا للتتار على أموال الناس، يقال له: الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجى، كان خبيث الطوية [مشرقيا (٢)] ممالئا لهم على أموال المسلمين، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين الممالئين على المسلمين (٣). وكان هلاون أرسل تقليدا بولاية القضاء بجميع مدائن الشام والموصل وماردين وميافارقين والأكراد وغير ذلك للقاضى كمال الدين عمر بن (٤) بندار التفليسى، وقد كان نائب الحكم بدمشق [٤٣٧] عن القاضى صدر الدين أحمد بن يحيى بن

стр. 247

ابن هبة الله بن سنى الدولة من مدة خمس عشرة سنة، ووصل التقليد فى السادس والعشرين من ربيع الأول، وحين وصل قرئ بالميدان الأخضر (١)، فاستقل بالحكم من دمشق وكان من الفضلاء، فسار القاضيان المعزولان صدر الدين بن سنى الدولة ومحيى الدين بن الزكى إلى خدمة هلاون، إلى البلاد الحلبية، فخدع ابن الزكى لابن سنى الدولة وبذل أموالا كثيرة، وتولى القضاء بدمشق، ورجعا، فمات ابن سنى الدولة ببعلبك، وقدم ابن الزكى على القضاء ومعه تقليد به وخلعة بذهب، فلبسها وجلس فى خدمة إيل سنان تحت قبة النسر، وهو النائب الكبير، وبينهما الخاتون زوجة إيل سنان حاسرة عن وجهها، وقرئ التقليد هناك، وحين ذكر اسم هلاون اللعين نثر الذهب والفضة من فوق رؤوس الناس (٢). وذكر أبو شامة: أنه استحوذ على مدارس كثيرة فى مدته هذه القصيرة، فإنه عزل قبل رأس الحول، فأخذ العذراويّة والسلطانية والفلكية والركنية والقمرية والكلاسة مع المدرستين اللتين كانتا بيده وهما التقوية والعزيزية، وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية ومشيخة الشيوخ، وانتزع من الشمس الكردى الصالحية وسلمها إلى العماد بن العزى، ونزع الشومانية من الفخر النقجوانى وسلمها إلى الكمال بن النجار، ونزع الربوة من الجمال محمد بن اليمنى وسلمها إلى الشهاب محمود بن شرف الدين محمد بن القاضى شرف الدين بن زين القضاة عبد الرحمن ابن سلطان وهو من بنى عمه.

стр. 248

كل هذا مع ما عرف منه من التقصير فى حق الفقهاء فى المدرستين اللتين كانتا بيده من قديم الزمان وهما الحزيزية والتقوية، وعدم انصافه فيهما، [وولى ابنه عيسى مشيخة الشيوخ بخوانق الصوفية (١)] واستناب أخاه لأمه فى القضاء، ومعه من المدارس: الرواحية والشامية البرانية، مع أن شرط واقفها أن لا يجمع المدرس بينها وبين غيرها (٢). وقال ابن كثير: ولما رجعت المملكة إلى المسلمين سعى القاضى محيى الدين وبذل أموالا جزيلة ليستمر فى القضاء والمدارس التى استولى عليها فى مدة هذه الشهور، فلم يستمر إلا قليلا حتى جاء تقليد القضاء لنجم الدين أبى بكر [٤٣٨] ابن صدر الدين بن سنى الدولة، فقرئ يوم الجمعة بعد الصلاة الحادى والعشرين من ذى القعدة بالشباك الكمالى من مشهد عثمان بجامع دمشق (٣). ذكر عود الملك المظفّر قطز إلى الديار المصرية ومقتله: لما قرر السلطان الملك المظفر قطز أمور الشام على ما شرحناه سار من دمشق إلى جهة الديار المصرية، وفى نفوس البحرية منه ومن أستاذه قبله من قتلهما الفارس أقطاى واستبدادهما بالملك وإلجائهم إلى الهرب والهجاج والتنقل فى الفجاج إلى غير ذلك من أنواع الأهوان التى قاسوها، والمشقات التى لابسوها، وإنما

стр. 249

انحازوا إليه لما تعذّر عليهم المقام بالشام، وللتناصر على صيانة الإسلام، لا لأنهم أخلصوا له الولاء، أو رضوا له بالاستيلاء. وقد ثبت المرعى على دمن الثرى … وتبقى حزازات النفوس كماهيا فاتفق الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، والأمير سيف الدين أنص الأصفهانى، والأمير سيف الدين [بلبان (١)] الرشيدى، والأمير بدر الدين بكتوت الجوكاندارى، والأمير سيف الدين بيدغان، ومن معهم على قتله، وجعلوا يترصدون له وقتا لإنتهاز فرصتهم، وإمضاء عزيمتهم، فلا يجدون سبيلا إلى ما همّوا بفعله، ولا تمكنّا من الوثوب به وقتله، إلى أن أفضى بهم السير إلى منزلة القصير بطرف الرمل، بينه وبين الصالحيّة مرحلة، وقد سبق الدهليز إلى الصالحيّة وقالوا: متى فاتنا من هذه المنزلة وصل إلى القلعة وأعجزنا مرامه ولم نأمن انتقامه، واتفق أنه انفرد عن المواكب لصيد الأرانب، ساق خلف أرنب عرض له، وهم يرمقونه، فلما رأوه قد بعد عن الأطلاب، قالوا: الآن ندرك الطلاب، وساقوا فى إثره ركضا، وجاءوا يتلو بعضهم فتقدّم إليه أنص الأصبهانى كأنه يشفع عنده فى إصلاح حال الركن بيبرس البندقدارى لأنه أقام فى الخدمة مدّة ولم يعين له عدّه، وخرج إلى الغزاة برمحه، وبذل فيها غاية نصحه، فأجابه المظفر إلى سؤاله ووعده بإصلاح حاله فأهوى إلى يده كأنه يقبلهما، فأمسكها أنص وضبطها، فأيقن المظفر أنه قد ختل وخدع وأن ذلك [٤٣٩] الأمر قد أبرم ووضع، وأراد أن يجذب سيفه ليدفع عن نفسه، فعاجله البندقدارى بالسيف

стр. 250

وأخذته السيوف، فخر صريعا يمجّ دما ونجيعا، وذلك فى سابع عشر (١) ذى القعدة من هذه السنة (٢). ويقال: لما أجاب لمظفر إلى كلام أنص أهوى لتقبيل يده، فقبض عليها، وحمل عليه بيبرس البندقدارى حينئذ، وضربه بالسيف، واجتمعوا عليه ورموه عن فرسه، ثم قتلوه بالنشاب فى التاريخ المذكور (٣). ذكر ترجمة الملك المظفّر قطز: والكلام فيه على أنواع (٤):

стр. 251

الأول فى اصله ومبدا امره ونسبه: هو سيف الدين قطز بن عبد الله التركىّ، أخص مماليك الملك المعزّ أيبك التركمانى، أحد مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب. وحكى بن أبى الفوارس (١) قال: كان هذا قطز مملوكا لابن العديم، أو قال لابن الزعيم، رجل من دمشق، فضربه يوما وشتمه، فبكى بكاء كثيرا وامتنع من الأكل فى ذلك اليوم. فقال له الفراش: هذا البكاء كله من ضربة أو ضربتين، فقال يا خارج: والله ما أبكى للضرب، ولكن للعنته أبى وجدّى وهما خير من أبيه وجدّه فقال له الفراش: ومن أبوك وجدّك، وما كانا إلا كافرين؟ فقال: لا والله، بل أنا مسلم ابن مسلم إلى عشر جدود وأنا محمود بن مودود بن أخت جلال الدين خوارزم شاه السلجوقى، ولا بد أن املك مصر وأكسر التتار (٢). وحكى تاج الدين أحمد بن الأثير الحلبى قال: لما ملك الملك المظفر قطز قال لى حسام البركتخانى: والله لا يكسر التتار غيره، فقلت له: من أين لك هذا؟ فقال: إنى وإياه مملوكين صبّيين عند الهيجاوى، وكان على قطز قمل كثير، فكنت أسرح رأسه وآخذ له كل قملة بفلس أو بصفعة، فسرحت رأسه يوما وصفعته صفعا كثيرا، ثم تنهّدت فقال: ما بالك؟ فقلت: أتمنى على الله إمرة خمسين فارسا. فقال ورأسه فى حجرى: طيب قلبك، انا أعطيك إمرة

стр. 252

خمسين فارسا، فضحكت وصفعته صفعة قوية، وقلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت النبىّ ﷺ وقال لى: أنت تملك مصر وتكسر التتار. قال: فسكتّ، وكنت أعرف منه الصدق، وما أشك فى أنه يكسر التتار، فلم تمض إلا مدة يسيرة حتى خرج وكسر التتار (١). وقال القاضى تاج الدين: ثم رأيت حسام الدين البركتخانى المذكور بمصر بعد كسر [٤٤٠] التتار، وهو أمير خمسين فارسا. وقال ابن كثير: وقد حكى الشيخ قطب الدين اليونينى فى الذيل عن الشيخ علاء الدين [على (٢)] بن غانم عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير، كاتب السر فى أيام الملك الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع السلطان الناصر بوطأة برزة (٣)، كانت البريديّة يخبرون بأن المظفر قطز قد تولى سلطنة الديار المصرية، فقلت ذلك للسلطان. فقال: اذهب إلى فلان وفلان (٤) وأخبرهم بهذا، فلما خرجت من عنده لقينى بعض الأجناد (٥)، فقال لى: جاءكم الخبر من الديار المصريّة بأن قطز تملك. قلت: ما عندى من هذا علم، وما يدريك أنت هذا؟ فقال: بلى والله إنه سيلى المملكة ويكسر التتار. فقلت: من أين تعلم هذا؟ قال: كنت أخذته وهو صغير وعليه قمل كثير، فكنت أفليّه وأهينه. فقال لى: ويلك إش

стр. 253

تريد أن أعطيك إذا تملكت الديار المصريّة. فقلت: أنت مجنون. فقال: لا والله لقد رأيت رسول الله ﷺ فى المنام وقال لى: أنت تملك الديار المصريّة وتكسر التتار، وقول رسول الله ﵇ حق لا شك فيه. فقلت له حينئذ وكان صادقا: فأريد منك إمرة خمسين. فقال: نعم. قال ابن الأثير: فلما قال لى هذا قلت: هذه كتب المصريين بأنه تولى السلطنة. فقال: والله ليكسرنّ التتار، فكان كما قال. قال: ولما رجع الناصر يوسف إلى ناحية الديار المصريّة وأراد دخولها فلم يدخل ورجع عنها، ودخلها أكثر الجيوش، كان هذا الحاكى فى جملة من دخلها، فأمرّه المظفّر قطز إمرة خمسين فارسا، ووفّى له بالوعد، وهو الأمير كمال الدين البركختانى (١). قال ابن الأثير: فلقبنى بالديار المصرية بعد أن تأمّر فذكرنى بما كان أخبرنى عن المظفر، فذكرته، ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك (٢). وفى تاريخ النويرى: وحكى عز الدين بن أبى الهيجاء قال: حدثنى بلقاق عن بدر الدين بكتوت الأتابكى قال: كنت أنا وقطز وبيبرس البندقدارىّ خشداشيّة فى حال الصبا، فرأينا يوما منجما فى بعض الطرقات بالديار المصريّة فوقفنا عليه، فقال له قطز: أبصرلى، فضرب [بالرمل (٣)] وجعل يصوّب فيه النظر. وقال: إلى هذا العجب. فقال له: قل. فقال: أنت تملك مصر وتكسر التتار، فضحكنا

стр. 254

منه، ثم قال له بيبرس: أبصر [٤٤١] لى، فضرب وجعل يصوّب النظر إلى الآخر ويتعجّب. فقال له: قل. فقال: أنت أيضا تملك مصر ويطول ملكك، فضحكنا، ثم قلت له: فابصر لى، فضرب وقال: أنت يحصل لك إمرة كبيرة وهذا سهبها، وأشار إلى بيبرس البندقدارى، ويقتل هذا وأشار إلى قطز، فو الله ما خرم من قوله ذرة (١). وحكى ركن الدين الجزرى أستاذ الفارس أقطاى قال: كنا عند قطز فى فى أول دولة استاذه الملك المعزّ أيبك، وقد حضر عنده منجم مغربىّ موصوف بالحذق، فأمر من كان هناك بالإنصراف إلا أنا. وقال للمنجم: اضرب وانظر من يملك مصر بعد أستاذ المعزّ ويكسر التتار، فضرب وجعل يعدّ على أصابعه وقال: يطلع لى اسم فيه خمس حروف بلا نقط، وأبوه أيضا كذلك، وأنت فاسمك ثلاثة أحرف، فتبسّم قطز وقال له: لم لا تقول محمود بن مودود؟ فقال المنجم: هو والله هذا. قال قطز: أنا محمود بن مودود، أنا الذى أكسر التتار وآخذ بثأر خالى خوارزم شاه منهم. وأمّا مبدأ أمر قطز فإنّ السلطان الملك المعزّ أيبك اشتراه وهو أمير، فربّاه وأحسن تربيته، ولما قتل (٢) أستاذه قام فى تولية ابنه الملك المنصور نور الدين على ابن المعز، وكان حينئذ أتابك العساكر بالديار المصرية، ولما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة بسبب صغر ابن أستاذه، فعزله ودعا إلى نفسه، فبويع

стр. 255

له فى ذى القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة، فقدر الله على يديه نصرة الإسلام بعين جالوت كما ذكرنا. الثانى فى سيرته: كان شجاعا، بطلا، كثير الخير، محبّا للإسلام وأهله، وهم يحبّونه، وذكر عنه أنه لما كان فى المعركة يوم عين جالوت قتل جواده ولم يجد أحدا فى الساعة الراهنة من الوشاقيّة (١) الذين معهم الجنائب، فترجل، وبقى كذلك واقفا على الأرض، ثابتا فى محل المعركة وموضع السلطنة من القلب، فلما رآه بعض الأمراء ترجّل عن فرسة وحلف على السلطان ليركب، فامتنع السلطان وقال: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك، ولم يزل كذلك حتى جاءت الوشاقيّة، فركب، فلامه بعض الأمراء وقال ياخوند: لم لا ركبت فرس فلان؟ فلو كان رآك بعض الأمراء لقتلك وهلك الإسلام بسببك. فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة [٤٤٢]، وأما الإسلام فله ربّ لا يضيّعه، قد قتل فلان وفلان وفلان وعدد خلقا من الملوك، فلم يضيّع الله الإسلام (٢). وكان حين ساق من الديار المصرية كان فى خدمته خلق من كبار الأمراء من البحريّة وغيرهم، ومعه الملك المنصور صاحب حماة، وجماعة من أبناء الملوك، فأرسل إلى صاحب حماة يقول له: لا تعتنى بمدّ سماط فى هذه الأيام، وليكن مع الجندى لحمه فى سولقه يأكلها، والعجل العجل.

стр. 256

وكان اجتماعه بعدوه كما ذكرنا فى العشر الأخير من رمضان، يوم الجمعة، وهذه بشارة عظيمة، فإن وقعة بدر كانت يوم جمعة فى شهر رمضان، ولهذا نصر الله تعالى الإسلام نصرا عزيزا. وقال أبو شامة: وكان سيف الدين قطز هذا موصوفا بمواظبة الصلوات، والشجاعة، وتجب شرب الخمر (١). الثالث فى مدّة سلطنته: ذكرنا أنه قتل يوم السبت السادس (٢) عشر من ذى القعدة بين الغرابىّ والصالحيّة، ودفن بالقصير، وكان قبره يزار، فلما تمكن الظاهر بيبرس فى المملكة بعث إلى قبره فغيّبة عن الناس، وكان لا يعرف بعد ذلك، وكانت مدّة مملكته أربعة عشر شهرا وثلاثة عشر يوما. وقال الملك المؤيّد: وكانت مدّة سلطنته أحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما (٣).

стр. 257

ذكر سلطنة الملك الظّاهر وهو الأسد الضارى بيبرس البندقدارىّ. ولما وصل بيبرس، وهو والجماعة الذين قتلوا الملك المظفر المذكور إلى الدهليز، كان عند الدهليز نائب السلطنة فارس الدين أقطاى المستعرب، وهو الذى كان أتابكا لنور الدين على بن الملك المعزّ أيبك التركمانى بعد الحلبىّ، فلما تسلطن قطز أقرّه على نيابة السلطنة بالديار المصريّة، فلما وصل بيبرس البندقدارىّ مع الجماعة الذين قتلوه سأله أقطاى المستعرب. وقال: من قتله منكم؟ فقال بيبرس: أنا قتلته. قال أقطاى: ياخوند اجلس فى مرتبة السلطنة مكانه، فجلس واستدعيت العساكر للتحليف، فحلفوا له فى اليوم الذى قتل فيه قطز، [وهو سابع عشر ذى القعدة من هذه السنة، أعنى سنة ثمان وخمسين وستمائة (١)] واستقر بيبرس فى السلطنة، وتلقب بالملك القاهر، ثم بعد [٤٤٣] ذلك غيّر لقبه، وتلقّب بالملك الظاهر، لأنه بلغه أن القاهر لقب غير مبارك. وكان بيبرس هذا قد سأل من قطز نيابة حلب، فلم يجبه إليها، ليكون ما قدر الله تعالى، فكأنّ القدر قال له حين سأل نيابة حلب: لا تستعجل فإنك عن قريب تتولى السلطنة، ولما حلف الناس له بالصالحية، ساق فى جماعة من أصحابه وسبق العسكر إلى قلعة الجبل، ففتحت له ودخلها، واستقرّت قدمه فى المملكة.

стр. 258

وكانت مصر والقاهرة قد زينتا لقدوم الملك المظفر قطز، فاستمّرت الزينة للملك الظاهر بيبرس البندقدارى (١)، فسبحان الله الفعال لما يريد. وقال ابن كثير: ولما قتل الأمراء السلطان المظفر قطز حاروا فيما بينهم لمن يملكون عليهم، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأنه يقتل سريعا (٢)، ثم اتفقت كلمتهم على أن بايعوا الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، ولم يكن من أكابر المقدمين ولكن أرادوا أن يجرّبوا فيه، ولقبوه الملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لم يفلح من تلقب به، فقد تلقب به القاهر بن المعتضد، فلم تطل أيامه حتى خلع وسمل، وتلقب به القاهر بن صاحب الموصل، فسمّ فمات (٣). قلت: لما قتل الأمير بيدرا السلطان الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون على الطرانة، كما يجئ فى موضعه، تسلطن وتلقب بالملك القاهر، وضربت رقبته من يومه. ولما سمع بيبرس بذلك عدل عن القاهر إلى الملك الظاهر. وقال بيبرس فى تاريخه: استقرّ الملك الظاهر فى السلطنة يوم قتل المظفر وهو يوم السبت السابع عشر من ذى القعدة من هذه السنة (٤)، وطلع القلعة سحر يوم الإثنين التاسع عشر منه، وابتدأ بأخلاف الأمراء والأكابر وسائر العساكر والوزراء والحكام وأرباب الوظائف والأقلام على الإختلاف فى مراتبهم

стр. 259

وطبقاتهم، فحلفوا جميعا، وصرف همته إلى تدبير دولته وتمهيد مملكته واستمالة الخواطر واستجلاب قلوب الأكابر [٤٤٤] والتحيل على من تجب الحيلة عليه، والترغيب لمن تميّله الرغبة إليه، وانقضت هذه السنة ولم يركب موكب السلطنة حتى وكّد الأسباب، وسدّ ما يخاف فتحه من الأبواب (١). وقال بيبرس أيضا: لما قتلوا قطز كانت أوائل العسكر قد وصلت إلى المنزلة، ولم يشعروا بما كان، ولا علموا بعدم السلطان، ثم لما نزل الأمراء الذين قتلوه وتشاوروا فيمن يقوم بالأمر وتردّد الكلام بينهم، فمنهم من يظهر الامتناع ومنهم من يأبى الاستماع، فقال لهم الأمير فارس الدين أقطاى الأتابك المستعرب: من هو الذى علاه بسيفه وعاجله أولا بحتفه؟ فقالوا: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى. فقال: الضارب الأول أولى، ونحن نراه للملك أهلا، فأجمعوا رأيهم عليه وأجلسوه على الطراحة الملوكيّة، ووقفوا بين يديه، ورأوا أن المصلحة فى السرعة وطلوع القلعة قبل أن يفش الأمر، ويشعر به خوشداشية المظفر وإلزامه، فربما ينتقض ما أبرم أحكامه، فركبوا مسرعين، وساروا سابقين، وقدّموا الأمير عزّ الدين أيدمر الحلّى ليسبقهم إلى القلعة، فيستفتح لهم الأبواب ويستصلح النّواب، فسبق وطلع إليها، وتحدث مع الأمراء المقيمين بها، وأعلمهم أن المظفر قد قتل، والبندقدارىّ قد ملك، ووصل، وأن اتفقوا على الرضى به والحلف له، فاستحلفهم الأيمان المؤكّدة، وقرّر معهم القاعدة، وأقبل الركن البندقدارىّ، فتوقل غارب قلّتها (٢)، وتسنّم كاهل

стр. 260

ذروتها، بغير ممانع يمانعه، ولا معارض يعارضه، ورحل العسكر من تلك المنزلة على الإثر وقد تنسّموا أنفاس الخبر، فوصلوا إلى القاهرة والحل قد استتمّ، والظاهر قد استقرّ له الملك وانتظم (١).

стр. 261

ذكر سلطنة الملك المجاهد فى دمشق قد ذكرنا أن السلطان الملك المظفر قطز لما انتصر على التتار، ودخل دمشق ولّى عليها الأمير علم الدين سنجر الحلبى أحد الأتراك، ولما استقر فيها نائبا شرع فى العشر الأخير من ذى القعدة [٤٤٥] فى عمارة قلعة دمشق، وجمع لها الصناع وكبراء الدولة والناس، وعملوا فيها حتى عملت النساء أيضا، وكان عند الناس بذلك سرور عظيم، ثم فى العشر الأول من ذى الحجة من هذه السنة دعا الناس إلى نفسه ولقب نفسه بالملك المجاهد، وذلك لما بلغه مقتل المظفر قطز، ودخل القلعة، واستقرّ فيها زاعما أنه سلطان. قال ابن كثير: ولما جاءت البيعة للملك الظاهر بيبرس خطب له يوم الجمعة السادس من ذى الحجة، فدعى الخطيب للظاهر أولا ثم للمجاهد ثانيا (١)، وضربت السكة باسمهما معا أيضا، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين على ما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى. وفى تاريخ المؤيد: ولما بلغ علم الدين سنجر الحلبى الذى استنابه المظفر قطز على دمشق قتل قطز، جمع الناس وحلّفهم لنفسه بالسلطنة، وذلك فى العشر الأول من ذى الحجة من سنة ثمان وخمسين وستمائة، فأجابه الناس إلى ذلك، وحلفوا له، ولم يتأخّر عنه أحد، ولقّب نفسه بالملك المجاهد، وخطب له

стр. 262

بالسلطنة، وضربت السكة باسمه، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة فى ذلك فلم يجبه، وقال: أنا مع من يملك (١) الديار المصريّة كائنا من كان (٢).

стр. 263

ذكر عود التتار إلى الشّام وفى هذه السنة تحرك التتار، وتوجهوا إلى جهة الشام، وقربوا من البيرة على الفرات، ولما بلغ ذلك نائب حلب الذى ولاّه السلطان الملك المظفر قطز، وهو الملك السعيد بن صاحب الموصل، وكان قد جرّد جماعة (١) من العزيزية والناصرية، وأرسل إلى التتار جماعة قليلة من العسكر، وقدّم عليهم الأمير سابق الدين أمير مجلس الناصرىّ، فأشار عليه كبراء العزيزية بأن هذا ما هو مصلحة، فإن هؤلاء قليلون، ويحصل الطمع بسببهم فى البلاد، فلم يلتفت إلى ذلك وأصرّ على مسيرهم، فسار سابق الدين أمير مجلس بمن معه حتى قاربوا البيرة، فوقع عليهم التتار، فهرب منهم ودخل [٤٤٦] البيرة بعد أن قتل غالب من كان معه. فإزداد غيظ الأمراء على الملك السعيد بسبب ذلك، واجتمعوا وقبضوا عليه، ونهبوا وطاقه، وكان ردئ السيرة، وقد أبغضته العسكر، وكان قد برّز إلى باب اللالا المعروف بباب الله، ولما استولوا على خزائنه لم يجدوا فيها مالا طائلا، فهددوه بالعذاب ليقر لهم، فنبش من تحت أشجار حائر (٢) دار بباب اللالا جملة من المال قيل: كانت خمسين ألف دينار من الذهب المصرىّ ففرقت فى الأمراء،

стр. 264

وحمل الملك السعيد المذكور إلى الشغر وبكاش معتقلا فيها، ثم لما اندفع العسكر بين يدى التتار كما سنذكره، أفرجوا عنه. ولما جرى ذلك اتفقت العزيزية والناصريّة وقدموا عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزى، ثم سارت التتار إلى حلب، فإندفع حسام الدين الجوكندار والعسكر الذين معه بين أيديهم إلى جهة حماة، ووصلت التتار إلى حلب فى أواخر هذه السنة، وملكوها، وأخرجوا أهلها إلى قرنبيه واسمها مقرّ الأنبياء، ولما اجتمع المسلمون هناك بذلوا فيهم السيف، فأفنوا غالبهم، وسلم القليل منهم، ووصل حسام الدين الجوكندار ومن معه إلى حماة، فضيّفهم الملك المنصور محمد صاحب حماة، وهو مستشعر منهم، خائف من غدرهم، ثم رحلوا عن حماة إلى حمص، ولما قارب التتار حماة خرج منها صاحبها الملك المنصور وصحبته أخوه الملك الأفضل علىّ والأمير مبارز الدين، وباقى العسكر، واجتمعوا بحمص مع باقى العسكر إلى أن خرجت هذه السنة (١). وفى يوم الجمعة خامس المحرم من السنة الآتية وهى سنة تسع وخمسين وستمائة كانت كسرة التتار على حمص، وكانت التتار ساروا إليهم، فاجتمعت العساكر الحلبيّة والحماويّة والحمصية مع صاحب حمص الملك الأشرف، واتفقوا على ملاقاة التتار، فالتقوا بظاهر حمص فى نهار الجمعة المذكور، وكان التتار أكثر من المسلمين بكثير، ففتح الله على المسلمين بالنصر، [٤٤٧] وولت التتار منهزمين، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون منهم كيف شاءوا، ووصل الملك

стр. 265

المنصور إلى حماة بعد هذه الوقعة، وانضم من سلم من التتار إلى باقى جماعتهم، وكانوا نازلين قرب سلميّة، واجتمعوا ونزلوا على حماة، وبها صاحبها الملك المنصور، وأخوه الملك الأفضل والعساكر، وأقام التتار على حماة يوما واحدا، ثم رحلوا عن حماة إلى أفامية، ثم رحلوا عنها إلى الشرق (١). وقال ابن كثير: وكانت كسرة التتار على حمص قريبا من قبر خالد بن الوليد رضى الله عنه، وكانت أعظم من كسرة عين جالوت بكثير لكثرة التتار وقلة المسلمين، وكانت التتار فى ستة آلاف والمسلمون ألف وأربعمائة (٢). وحكى الأمير نور الدين القيمرى قال: كنت فى القلعة فرأيت بعينىّ طيورا بيضاء قد أقبلت، وجعلت تضرب وجوه التتار بأجنحتها. ثم بعد إنكسارهم ذهبوا إلى حماة، وبها صاحبها الملك المنصور، فأقاموا عليها يوما واحدا، ثم رحلوا عنها إلى أفامية، وكان قد وصل إليها سيف الدين الديبلى الأشرفى ومعه جماعة، فأقام بقلعة أفامية، وبقى يغير على التتار، فرحلوا عنها ونزلوا على حلب وأحاطوا بها وضربوا رقاب جماعة، ولم يتركوا أحدا يخرج منها ولا يدخل إليها، فأقاموا كذلك أربعة أشهر حتى غلت الأسعار بحلب، وأكلت الناس الميتات والجلود والبغال والحمير، وبلغ الرطل من اللحم إلى سبعين درهما، والرطل اللبن إلى خمسة عشر درهما، والرطل السكر إلى مائة درهم، والرطل من عسل النحل إلى خمسين درهما، والرطل من الشراب إلى سبعين درهما، وأبيع الجدى بمائة درهم، والدجاجة بعشرة دراهم، والبيضة بدرهم

стр. 266

ونصف، والبصلة بنصف درهم، وحزمة البقل بنصف درهم وبدرهم، والتفاحة بخمسة دراهم. وحكى بدر الدين الصرخدى التاجر قال: كانت عندى أربع بقرات، فكنت أحلب منها كل يوم كفايتى وأبيع الباقى بمائة وأربعين درهما، وأعطيت فيها ستة آلاف درهم فأبيت، [٤٤٨] وبعت خمسة تفاحات وثلاث خراف بتسعمائة درهم، والذى إشتراها منى إستفاد فيهم مائتى درهم. وبعد أربعة أشهر توجّه التتار من حلب إلى الشرق. ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السنة: منها: أن السلطان الملك الظاهر بيبرس كتب للناس مسموحا بما كان الملك المظفر قطز قد قرّره عليهم وهو ستمائة ألف دينار فى كل سنة تجئ من الناس بغير سبب (١). ومنها: أن جمعا من السودان اجتمعوا بالقاهرة والركبداريّة (٢) والغلمان (٣)، وخرجوا بليل فى وسط المدينة ينادون يا آل علىّ، وفتحوا دكاكين السيوفيين بين

стр. 267

القصرين، وأخذوا ما فيها من السلاح، وأخذوا خيل الجند من بعض الإصطبلات، وكان الباعث لهم على ذلك شخص يعرف بالكورانى تظاهر بالزهد والمشيخة، وعمل له قبّة على الجبل الأحمر وأقام بها، وتردّد بعض الغلمان إليه وأقبلوا عليه، فأجرى معهم هذا الأمر ووعدهم بالإقطاعات، وكتب لبعضهم رقاعا ببلاد معيّنة، فثاروا هذه الثورة، فركبت جماعة من العسكر وأحاطوا بهم، وأخذوا أخذا وبيلا، فأصبحوا مصلّبين على بابى زويلة، وسكنت الفتنة (١). قال القائل: معشر أشبهوا القرود ولكن … خالفوها فى خفّة الأرواح ومنها من الأمور العجيبة الغريبة: أن فى أول هذه السنة كانت الشام للملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم فى النصف من صفر منها: صارت لهلاون اللعين ملك التتار، ثم فى آخر رمضان: صارت للملك المظفر قطز، ثم فى أواخر ذى القعدة: انتقلت إلى مملكة السلطان الملك الظاهر بيبرس وقد شاركه فى دمشق الملك المجاهد علم الدين سنجر كما ذكرناه. وكذلك كان القاضى فى أول السنة بالشام صدر الدين بن سنىّ الدولة، ثم تولى الكمال عمر التفليسى، ثم تولى محيى الدين بن الزكى، ثم تولى نجم الدين بن سنى الدولة. وكذلك كان الخطيب بجامع دمشق فى أول السنة: عماد الدين بن الحرستانى، وكان من سنين متطاولة فعزل فى شوال من هذه السنة بالعماد الإسعردى، وكان

стр. 268

[٤٤٩] صيتا قارئا مجيدا، ثم أعيد العماد بن الحرستانى فى أول ذى القعدة منها. فسبحان الذى يغير ولا يتغير (١). ومنها: أن الناس فى دمشق ابتلوا بغلاء شديد فى سائر الأشياء من المأكول والملبوس وغيرهما، فبلغ الرطل من الخبز إلى درهمين والرطل من اللحم إلى خمسة عشر درهما (٢)، والأوقية من القنبريس إلى درهم، والأوقية من الجبن إلى درهم ونصف، والأوقية من الثوم إلى درهم، والرطل من العنب إلى درهمين، ومن أكبر أسبابه ما أحدثه الفرنح من ضرب الدراهم المعروفة باليافيّة وكانت كثيرة الغش. قال أبو شامة: بلغنى أنه كان فى المائة منها خمسة عشر درهما فضة والباقى نحاس، وكثرت فى البلد كثرة عظيمة وتحدث فى إبطالها مرارا، فبقى كل من عنده منها شئ كان حريصا على إخراجه خوفا من بطلانها، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك إلى أن بطلت فى أواخر السنة، فعادت تباع كل أربعة منها بدرهم ناصرى مغشوش أيضا بنحو النصف (٣). وفيها: « .............. (٤)». وفيها: حج بالناس « ........... (٥)».

стр. 269

ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة أحمد (١) بن يحيى بن هبة الله بن الحسن (٢) بن يحيى بن محمد بن على ابن يحيى بن صدقة بن الخياط، صدر الدين أبو العباس أحمد بن سنى الدولة الثعلبى الدمشقى. وسنىّ الدولة هو الحسن بن يحيى المذكور. كان قاضيا لبعض ملوك دمشق فى حدود الخمسمائة، وله أوقاف على ذريته، وابن الخياط الشاعر - صاحب الديوان - هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علىّ بن يحيى بن صدقة الثعلبىّ، عم سنى الدولة. ولد القاضى صدر الدين سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع ابن طبرزد، والكندى، وغيرهما، وحدّث ودرّس فى عدّة مدارس، وأفتى، وكان فاضلا عارفا بالمذهب، وقد ولى الحكم بدمشق استقلالا سنة ثلاث وأربعين، واستمر إلى هذه السنة، فسار حين عزل بالكمال التفليسىّ هو والقاضى محيى الدين بن الزكى إلى هلاون كما ذكرنا، ثم عادا من عنده، وقد تولى ابن الزكىّ، فاجتاز عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ١٨

стр. 270

ابن [٤٥٠] سنىّ الدولة ببعلبك، وهو متمّرض فمات بها، ودفن عند الشيخ عبد الله اليونينى. وكان الملك الناصر يثنى عليه، كما كان الملك الأشرف يثنى على والده قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدولة. ولما استقرّ أمر السلطان الملك الظاهر بيبرس ولىّ ولده القاضى نجم الدين أبا بكر بن قاضى القضاة صدر الدين القضاء بدمشق، وعزل ابن الزكىّ، ثم عزله بعد سنة، على ما سيأتى إن شاء الله. وقال ابن كثير: والقاضى صدر الدين بن سنى الدولة هذا هو الذى أحدث فى زمن المشمش بطالة التدريس لأنه كان له بستان بأرض السهم، فكان يشقّ عليه النزول منه فى ذلك الوقت إلى الدرس، ثم اتبعه الناس فى ذلك (١). شرف الدّين عبد الرحمن (٢) بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن ابن طاهر بن محمد بن الحسين بن علىّ، أبو طالب شرف الدين بن العجمى الحلبى الشافعى. من بيت العلم والرئاسة بحلب، درس بالظاهريّة، ووقف بها مدرسة، ودفن فيها، وكانت وفاته حين دخل التتار حلب فى صفر، فعذّبوه بأن صبّوا عليه ماء باردا فى الشتاء، فتشنّج حتى مات.

стр. 271

الشيخ الحافظ الحسين (١) أبو حامد الدمشقىّ الشافعى المعروف بابن عساكر. مات فى هذه السنة بنابلس، وهو متوجه من مصر إلى دمشق، وجدّه الإمام الحافظ أبو القاسم علىّ صاحب التصانيف المشهورة منها: تاريخ دمشق. الشيخ الفقيه عمر (٢) بن عبد المنعم بن أمين الدولة الحلبىّ الحنفى. استشهد فى الوقعة المذكورة بحلب فى هذه السنة. الشيخ أبو الفتح بن أبى المكارم الطرسوسىّ. استشهد فى الوقعة المذكورة بحلب فى هذه السنة. الشيخ محمد (٣) اليونينى الحنبلى البعلبكى الحافظ: هو محمد بن أحمد بن عبد الله ابن عبد الله بن عيسى بن أبى الرجال أبو عبد الله بن أبى الحسين اليونينى الحنبلى، تقى الدين الحافظ المفيد البارع العابد الناسك. ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع الخشوعى، والكندى، والحافظ عبد الغنى المقدسىّ وكان يثنى عليه، وتفقه على الشيخ الموفق ولزم صحبة الشيخ عبد الله اليونينى، [٤٥١] وانتفع به، وكان الشيخ عبد الله يثنى عليه ويقدّمه ويقتدى به فى الفتاوى الشرعيّة، وقد لبس الخرقة من شيخه عبد الله البطائحى، وبرع فى علم الحديث، وجمع الجمع بين الصحيحين بالفاء والواو، وقطعة صالحة

стр. 272

من مسند الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه، وكان يعرف العربيّة، أخذ ذلك عن تاج الدين الكندى، وكتب مليحا حسنا، وكان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، وحصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك وغيرهم. وكان ولده يقول: إن والدى لا يقبل شيئا من الصدقة، ويزعم أنه من ذرية جعفر الصادق رضى الله عنه بن محمد الباقر زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم، وذكر أنه مات فى التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة. وقال أبو شامة: وكان رجلا (١) ضخما، وحصل له قبول كثير من الأمراء وغيرهم، وكان يلبس قبعا صوفه إلى خارج (٢)، يعنى كما كان شيخه عبد الله اليونينى. قال: وصنف شيئا فى المعراج، فرددت عليه فى كتاب سميته: الواضح الجلى فى الردّ على الحنبلىّ (٣). الملك السّعيد نجم الدين إيل غازى (٤) بن المنصور أرتق بن أرسلان بن إيل غازى بن تمرتاش بن إيل غازى بن أرتق. مات فى هذه السنة وكان شيخا معظما.

стр. 273

الملك المعظّم توران شاه (١) بن الملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب. كان نائبا للملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر على حلب حين تملك دمشق، وقد حصّن حلب من أيدى المغول مدّة شهر، ثم سلمها بعد محاصرة شديدة صلحا، ثم كانت وفاته فى هذه السنة بحلب، ودفن بدهليز داره، وذلك بعد الوقعة بأيام. الملك السعيد حسن (٢) بن الملك العزيز عثمان بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب. صاحب الصبيبة وبانياس بعد أبيه، ثم أخذتا منه وحبس بقلعة البيرة، فلما جاءت التتار كان معهم، وردوا عليه بلاده، فلما كانت وقعة عين جالوت جاء بعد الوقعة أسيرا إلى حضرة الملك المظفر قطز، [٤٥٢] فضرب عنقه لأنه كان قد لبس سراقوج (٣) التتار، فناصحهم. الملك منكوقان (٤) بن طلو خان بن جنكز خان ملك التتار. هلك فى هذه السنة بمقام نهر الطاى من بلاد أيغور وهو قاصد غزو الخطا، وكان فيما يقال يتمذهب بمذهب النصرانيّة والفلاسفة ويميل إليها، فمات عليها، لعنة الله.

стр. 274

وكان (١) موته فتحا للإسلام، لأنه أوجب عود هلاون اللعين عن ديار الشام، وبذلك تمت للمسلمين النصرة، وطمّت المشركين الكسرة. وذلك أن أربيكا (٢) أخا منكوقان كان نائبه فى المملكة بكرسى قرا قروم، فلما مات أخوه منكوقان أراد الاستيلاء على المملكة، وكان أخوه قبلاى خان مجّردا ببلاد الخطا، جّرده إليها أخوه منكوقان من حين جلوسه فى الدست (٣)، وأرسل بركة يقول لأربيكا: أنت أحقّ بالقانيّة لأن منكوقان رتبك فيها فى حياته، وانضم إليه بنو عمّه مجئ بن أوكديه (٤) وإخوته، واتفق عود أخيه قبلاى من بلاد الخطا، وسار أربيكا لحربه والتقيا فاقتتلا، فكانت الكسرة على قبلاى، وانتصر عليه أربيكا، فأخذ الغنائم والسبايا واحتجزها لنفسه، ولم يسهم لبنى عمّه بشئ، فوجدوا عليه. ونفروا منه، ومالوا إلى قبلاى، فأعاد القتال معه، فاستظهر عليه وأخذ أربيكا أسيرا. واستقرّ قبلاى فى القانيّة (٥)، وسقى أخاه سمّا فمات، وطالت مدّة قبلاى فى المملكة، واستقرّ إلى سنة ثمان وتسعين وستمائة (٦).

стр. 275

فبلغ ذلك هلاون (١)، وهو نازل على حلب، فانزعج وعاد رجاء أن يكون له فى الأمر نصيب، فلما وجد أخاه قبلاى مستقرّا استقرّ بالأقاليم التى فتحها، فصارت فى يده ويد ذريته إلى يومنا هذا (٢). وكان عز الدين كيكاوس وأخوه ركن الدين قليج أرسلان سلطانا الروم فى خدمة هلاون لما فتح حلب، ولما رفع السيف من أهلها تقدّم إليه البرواناه وضرب الجوك (٣) وقال: إن أذن لى القان أقول كلمتين بين يديه، فقال له: قل. قال: من قصة عيسى [٤٥٣] ابن مريم ﵉ أنه أحيى الأموات، فأطاعه أهل الأرض وآمنوا به حتى تغالوا فى قصته، وقالوا بربوبيّته، والقان فى هذا الوقت أحيى هذه النفوس وصان هذه الرءوس، فلابدّ أن تطيعه البقاع والأقاليم والقلاع، وينفذ حكمه فى الشرق والغرب، ويثقون بعهده ووعده، فحسن موقع كلامه عنده وسأل عن حسبه ونسبه، فعرف به، وهو أن أباه فى أيام السلطان علاء الدين كيقباذ حضر إلى سعد الدين المستوفى بالروم، وكان نافذ الحكم فى الإطلاق وإجراء الأرزاق، فسأله أن يجرى عليه جاريا يقتات به من بعض المدارس يكون درهما فى اليوم؛ وكان شابّا جميلا وسيما من طلبة العلم، واسمه مهذب الدين على، وأصله من الديلم، فمال إليه المستوفى لما رآه من سمته وسمته فقال له: أريد أن أصيرك منى مكان الولد، وأجود لك بما

стр. 276

أجد، ثم قرّبه وأدناه، وأحبّه، وزوّجه من إبنته، وخوّله فى نعمته، واتفقت وفاة المستوفى بعد ذلك، فوصف مهذب الدين للسلطان علاء الدين بالفضيلة والمعرفة والكفاية والأهليّة للمناصب، فرشحه للوزارة وألقى عليه مقاليد الإمارة، فرزق معين الدين سليمان المسمّى برواناه (١)، فهو ابن وزير السلطان غياث الدين. ولما أخبر هلاون بأمره قال للسلطان ركن الدين: من الآن لا يتردّد إلىّ فى الأشغال أحد سواه، فترقت منزلته من يومه ذلك حتى صار فيما بعد حاكما على الممالك. وفارق المذكوران هلاون، وعاد كل منهما إلى مستقره، إلى أن كان منهما ما سنذكره إن شاء الله تعالى. الأمير كتبغا (٢) نوين: نائب هلاون على بلاد الشام، وقد فتح لأستاذه هلاون من أقصى بلاد العجم إلى الشام، وقد أدرك جنكز خان جدّ هلاون. وكان كتبغا نوين هذا يعمل للمسلمين ببلاد خراسان والعراق فى حروبه أشياء لم يسبقه إليها أحد، كان إذا فتح بلدا ساق المقاتلة منه إلى البلد الذى يليه، ويطلب من أهل البلد أن يأوا هؤلاء إليهم، فإن فعلوا حصل مقصوده فى مضيق الأطعمة والأشربة عليهم، فتقصر مدة حصارهم، وإن امتنعوا قاتلهم [٤٥٤] بهؤلاء حتى يفنى هؤلاء، فإن حصل، [يكون (٣)] الفتح، وإلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء، ثم

стр. 277

استأنف قتالهم بجنده حتى يفتحه، وكان يبعث إلى الحصن يقول لهم: إنّ ماءكم قد قلّ، فافتحوا صلحا قبل أن آخذه قسرا، فيقولون إن الماء عندنا كثير، فيقول: إن كان كثيرا انصرفت عنكم، فيقولون: ابعث من يشرف على ذلك، فيرسل رجالا من جيشه معهم رماح مجوّفة محشوّة سمّا، فإذا دخلوا قاسوا ذلك الماء بتلك الرماح، فيفسح ذلك السمّ ويستقرّ فى الماء، فيكون سبب هلاكهم ولا يشعرون. وكان لعنه الله شيخا كبيرا قد أسنّ، وكان يميل إلى دين النصارى ولكن لا يمكنه الخروج عن حكم جنكز خان من الياساق. وقال الشيخ قطب الدين اليونينى: وقد رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها، وكان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة رقيقة قد ظفّرها مثل الدبّوقة، وتارة يعلقها فى حلقة بأذنه، وكان مهيبا، شديد السطوة. قال: وقد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها، ثم خرج من الباب الغربى، فدخل دكانا خرابا فقضى حاجته، والناس ينظرون إليه وهو مكشوف العورة، ولما فرغ مسحه بعضهم بقطن ملبّد مسحة واحدة. قال: ولما بلغه بروز الملك المظفّر إليه بالعساكر المصريّة تلوّم فى أمره، ثم حملته نفسه الأبيّة على لقائهم، وظنّ أنه ينصر كما كانت عادته، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها، ثم أيّد الله المسلمين وثبّتهم، فحملوا حملة صادقة على التتار، فهزموهم هزيمة لا تنجبر أبدا، وقتل كتبغا نوين فى المعركة وأسر ابنه، وكان شابا حسنا، فأحضر بين يدى المظفر قطز فقال له: أهرب أبوك؟ فقال: إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه بكى وصرخ، فلما تحققه

стр. 278

المظفر قال، هذا كان سعادة التتار، وبقتله ذهب سعدهم، وكذا كان كما قال: لن تفلحوا بعده أبدا. وكان قتله يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، وكان الذى تولى قتله فى المعركة الأمير جمال الدين أقوش الشمسى (١). ونوين - بضم النون، وكسر الواو، وسكون الياء آخر الحروف، وفى آخره نون - ومعناه [٤٥٥] أمير عشرة آلاف، وكل اسم من أسماء ملوكهم فى آخره نوين معناه رأس عشرة آلاف، ويسمّى أيضا رأس تومان. الملك الناصر (٢): الكلام فيه على أنواع: الأول فى ترجمته: هو السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن نجم الدين أيوب صاحب دمشق وحلب. وكان مولده فى سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب، وكان قد تولى مملكة حلب بعد موت أبيه الملك العزيز وعمره سبع سنين، وأقامت جدّته ضيفة (٣) خاتون

стр. 279

بنت الملك العادل أبى بكر بن أيّوب بتدبير مملكته، واستقل بالملك بعد وفاتها فى سنة أربعين وستمائة، وعمره ثلاث عشرة سنة، وزاد ملكه على ملك أبيه وجدّه، فإنه ملك مثله (١) حرّان والرها والرقّة ورأس عين وما مع ذلك من البلاد، وملك حمص ثم ملك دمشق وبعلبك والأغوار والسواحل إلى غزة، وعظم شأنه، وكسر عسكر مصر، وخطب له بمصر وبقلعة الجبل كما ذكرنا، وكان قد غلب على الديار المصريّة لولا هزيمته، وقتل مدبّر دولته شمس الدين لولو الأمينىّ، ومخامرة مماليك أبيه العزيزيّة. الثّانى فى سيرته: كان ملكا جيّدا، حليما جدّا، وجاوز به الحلم إلى حدّ أضرّ بالمملكة، فإنه لما أمنته قطاع الطريق فى أيام مملكته من القطع والقتل تجاوزوا الحدّ فى الفساد، وانقطعت الطرق فى أيامه، وبقى لا يقدر المسافر إلا برفقة من العسكر، وكثر طمع العرب والتركمان، وكثرت (٢) الحرامية، وكانوا يكسرون أبواب الدور، ومع ذلك إذا حضر القاتل بين يديه يقول: الحىّ خير من الميت ويطلقه، فأدّى ذلك إلى انقطاع الطرقات وانتشار الحرامية، وكان على ذهنه شئ كثير من الأدب والشعر، ويروى له أشعار كثيرة منها قوله: فو الله لو قطّعت قلبى تأسّفا … وجرّعتنى كاسات دمعى دما صرفا لما زادنى إلا هوّى ومحبّة … ولا تخذت روحى سواك لها إلفا

стр. 280

وكان يطبخ فى مطبخه كل يوم أربعمائة رأس غنم، وكانت سماطاته وتجمله فى الغاية القصوى، وبنى بدمشق مدرسة (١) قريب الجامع وأوقف عليها [٤٥٦] وقفا جليلا، وبنى بالصالحية تربة (٢) غرم عليها جملا مستكثرة، فدفن فيها كرمون، وهو بعض أمراء التتار. الثالث فى مقتله وصورته: أنه لما بلغ هلاون كسرة عسكره بعين جالوت، وقتل كتبغا نوين نائبه ومقدم عساكره، غضب من ذلك، وأحضر الملك الناصر، وكان عنده كما ذكرنا، وكان وعده أن يردّه إلى ملكه، وأقام عنده مدة، فقال له: أنت ما قلت إن عسكر الشام فى طاعتك، فغررت بى وقتلت المغول، فقال الملك الناصر: لو كنت بالشام ما ضرب أحد فى وجه عسكرك (٣) بسيف، ومن يكن ببلاد التتار (٤) كيف يحكم على بلاد الشام، فاستوفى هلاون ياسجا (٥) وضربه به، وقال: يا خوند الصنيعة، فنهاه أخوه الظاهر غازى، وكان معه، عن ذلك، وقال: قد حضرت، ثم رماه بفردة ثانية فقتله، ثم قتل أخاه الظاهر، وأمر بضرب رقاب الباقين الذين كانوا معه، وقتل الملك الصالح ابن صاحب حمص، وكان معه أيضا، والجماعة الذين معهم من الألزام والأتباع والحواشى.

стр. 281

واستبقى الملك العزيز بن الملك الناصر لأنه كان صغيرا، فبقى عندهم مدة طويلة وأحسنوا إليه، ثم مات (١). وكان قتل الملك الناصر على جبال سلماس (٢). وقال بيبرس: وأمر هلاون بقتل ولده العزيز، فشفعت إليه طقز خاتون زوجته فيه، فعفا عنه (٣). وقيل: إنه كان أذن له هلاون فى العود إلى بلاد الشام ليستقرّ بها على عادته، فسار من عنده، وفى مسيره بلغ هلاون خبر كسرة كتبغا نوين، فأمر بأن يردّ الناصر من الطريق، فلما جاءه الأمر بالرجوع قال: أعلامهم على الحمى لى بانت … لما وصل الركب إليها بانت ما أعجل ما فى الحال عنى خفيت … يا سعد كأنّ فى منامى كانت ولما استحثّ فى السير قال: يا سائقها وجدا على الآماق … لا تعجل فى تفرّق العشّاق واحبس نفسا تحظ بأجر وثنا … منا ومن المهيمن الخلاق قال بيبرس: وكان قتله على جبال سلماس (٤). وقال ابن خلكان: كان قتله فى الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وستمائة بالقرب من [٤٥٧] مراغة من أعمال أذربيجان.

стр. 282

قال: وكان خروجه من دمشق فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة (١). وذكر ابن كثير وغيره: أن قتله كان فى سنة تسع وخمسين وستمائة، ولما بلغ خبر موته إلى دمشق عمل عزاؤه فى دمشق فى سابع (٢) جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين (٣).

стр. 283

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التاسعة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وأولها يوم الإثنين لأيام خلون من كانون الأول، وليس للمسلمين خليفة، وبغداد خراب، وبلادها غير آمنة تحت ظلم وجور من التتار طائفة جنكز خان. وسلطان الديار المصريّة والشاميّة: الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، وشريكه فى دمشق وبعلبك والصبيبة وبانياس الأمير علم الدين سنجر الحلبى الملقب بالملك المجاهد، وشريكه فى حلب الأمير حسام الدين لاجين الجوكندارى العزيزى. وصاحب الكرك والشوبك: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل الكبير سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وصاحب صهيون وبرزية: الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس. وصاحب حماة: الملك المنصور بن تقى الدين محمود. وصاحب حمص الملك الأشرف بن المنصور إبراهيم بن أسد الدين.

стр. 284

وصاحب الموصل الملك الصالح إسماعيل بن بدر الدين لولو وأخوه الملك المجاهد صاحب جزيرة ابن عمر. وصاحب ماردين: الملك السعيد نجم الدين إيل غازى بن أرتق. وصاحب بلاد الروم: ركن الدين قليج أرسلان بن غياث الدين كيخسرو السلجوقى، وشريكه فى الملك أخوه كيكاوس، والبلاد بينهما نصفان. وصاحب مكة أبو نمى إبراهيم بن أبى سعد بن على بن قتادة الحسنى وعمّه إدريس بن على شريكه. وصاحب المدينة: الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسينى. ذكر ماجريات الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، ﵀: منها: أنه فى سابع صفر من هذه السنة [٤٥٨] ركب بشعار السلطنة، وأظهر المهابة المتمكنة، وشقّ المدينة، وقد زخرفت بالزينة. ونثرت عليه الدنانير والدراهم، وأفيضت الخلع على الأمراء والمقدّمين والوزراء والمتعممين على تفاوت أقدارهم، وكتب إلى صاحب المغرب، وصاحب اليمن، وملوك الشام، وثغور الإسلام، بما قدّره الله له من القيام بأمر عباده وإيالة بلاده، واستبشرت به القلوب، وانجلت بدولته الكروب، واستمرّ بالصاحب زين الدين يعقوب (١) ابن الزبير برهة يسيرة، ثم عزله وولى الصاحب بهاء الدين على (٢) بن عماد الدين

стр. 285

محمد الوزارة، وهذا بهاء الدين هو المعروف بابن الحنّا، وولى القاضى تاج الدين عبد الوهاب (١) بن الأعز خلف الحكم، وقرّر قواعد الدولة على النظام، وأظهر عزما أرهف من حدّ الحسام، وراعى القواعد الصالحيّة، وتبع الآثار النجميّة. وقال ابن كثير: وفى يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى باشر القضاء بالديار المصريّة العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز أبى القاسم خلف ابن القاضى رشيد الدين أبى الثناء محمود بن بدر، وذلك بعد شروط ذكرها للملك الظاهر شديدة، فدخل تحتها الملك الظاهر، وعزل عن القضاء بدر الدين أبا المحاسن يوسف بن على السنجارىّ، ورسّم عليه أياما (٢). ومنها فى ربيع الآخر: قبض الملك الظاهر على جماعة من الأمراء بلغه عنهم أنهم يريدون الوثوب عليه. ومنها: أن الظاهر أمر ببناء مشهد على عين جالوت، لما شاهد من بركة ذلك المكان، فبنى هناك مشهد. ومنها: أنه كتب إلى بركة بن صاين قان، صاحب البلاد الشمالية، كتابا يغريه بهلاون، ويعرفه أن جهاده واجب عليه، لتواتر الأخبار بإسلامه، ويلزمه إذا دخل فى دين الإسلام أن يجاهد الكفار، فورد جوابه فيما بعد كما سنذكره إن شاء الله تعالى (٣).
следующие страницы →