← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

واستبقى الملك العزيز بن الملك الناصر لأنه كان صغيرا، فبقى عندهم مدة طويلة وأحسنوا إليه، ثم مات (١). وكان قتل الملك الناصر على جبال سلماس (٢). وقال بيبرس: وأمر هلاون بقتل ولده العزيز، فشفعت إليه طقز خاتون زوجته فيه، فعفا عنه (٣). وقيل: إنه كان أذن له هلاون فى العود إلى بلاد الشام ليستقرّ بها على عادته، فسار من عنده، وفى مسيره بلغ هلاون خبر كسرة كتبغا نوين، فأمر بأن يردّ الناصر من الطريق، فلما جاءه الأمر بالرجوع قال: أعلامهم على الحمى لى بانت … لما وصل الركب إليها بانت ما أعجل ما فى الحال عنى خفيت … يا سعد كأنّ فى منامى كانت ولما استحثّ فى السير قال: يا سائقها وجدا على الآماق … لا تعجل فى تفرّق العشّاق واحبس نفسا تحظ بأجر وثنا … منا ومن المهيمن الخلاق قال بيبرس: وكان قتله على جبال سلماس (٤). وقال ابن خلكان: كان قتله فى الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وستمائة بالقرب من [٤٥٧] مراغة من أعمال أذربيجان.

стр. 282

قال: وكان خروجه من دمشق فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة (١). وذكر ابن كثير وغيره: أن قتله كان فى سنة تسع وخمسين وستمائة، ولما بلغ خبر موته إلى دمشق عمل عزاؤه فى دمشق فى سابع (٢) جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين (٣).

стр. 283

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التاسعة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وأولها يوم الإثنين لأيام خلون من كانون الأول، وليس للمسلمين خليفة، وبغداد خراب، وبلادها غير آمنة تحت ظلم وجور من التتار طائفة جنكز خان. وسلطان الديار المصريّة والشاميّة: الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، وشريكه فى دمشق وبعلبك والصبيبة وبانياس الأمير علم الدين سنجر الحلبى الملقب بالملك المجاهد، وشريكه فى حلب الأمير حسام الدين لاجين الجوكندارى العزيزى. وصاحب الكرك والشوبك: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل الكبير سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وصاحب صهيون وبرزية: الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس. وصاحب حماة: الملك المنصور بن تقى الدين محمود. وصاحب حمص الملك الأشرف بن المنصور إبراهيم بن أسد الدين.

стр. 284

وصاحب الموصل الملك الصالح إسماعيل بن بدر الدين لولو وأخوه الملك المجاهد صاحب جزيرة ابن عمر. وصاحب ماردين: الملك السعيد نجم الدين إيل غازى بن أرتق. وصاحب بلاد الروم: ركن الدين قليج أرسلان بن غياث الدين كيخسرو السلجوقى، وشريكه فى الملك أخوه كيكاوس، والبلاد بينهما نصفان. وصاحب مكة أبو نمى إبراهيم بن أبى سعد بن على بن قتادة الحسنى وعمّه إدريس بن على شريكه. وصاحب المدينة: الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسينى. ذكر ماجريات الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، ﵀: منها: أنه فى سابع صفر من هذه السنة [٤٥٨] ركب بشعار السلطنة، وأظهر المهابة المتمكنة، وشقّ المدينة، وقد زخرفت بالزينة. ونثرت عليه الدنانير والدراهم، وأفيضت الخلع على الأمراء والمقدّمين والوزراء والمتعممين على تفاوت أقدارهم، وكتب إلى صاحب المغرب، وصاحب اليمن، وملوك الشام، وثغور الإسلام، بما قدّره الله له من القيام بأمر عباده وإيالة بلاده، واستبشرت به القلوب، وانجلت بدولته الكروب، واستمرّ بالصاحب زين الدين يعقوب (١) ابن الزبير برهة يسيرة، ثم عزله وولى الصاحب بهاء الدين على (٢) بن عماد الدين

стр. 285

محمد الوزارة، وهذا بهاء الدين هو المعروف بابن الحنّا، وولى القاضى تاج الدين عبد الوهاب (١) بن الأعز خلف الحكم، وقرّر قواعد الدولة على النظام، وأظهر عزما أرهف من حدّ الحسام، وراعى القواعد الصالحيّة، وتبع الآثار النجميّة. وقال ابن كثير: وفى يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى باشر القضاء بالديار المصريّة العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز أبى القاسم خلف ابن القاضى رشيد الدين أبى الثناء محمود بن بدر، وذلك بعد شروط ذكرها للملك الظاهر شديدة، فدخل تحتها الملك الظاهر، وعزل عن القضاء بدر الدين أبا المحاسن يوسف بن على السنجارىّ، ورسّم عليه أياما (٢). ومنها فى ربيع الآخر: قبض الملك الظاهر على جماعة من الأمراء بلغه عنهم أنهم يريدون الوثوب عليه. ومنها: أن الظاهر أمر ببناء مشهد على عين جالوت، لما شاهد من بركة ذلك المكان، فبنى هناك مشهد. ومنها: أنه كتب إلى بركة بن صاين قان، صاحب البلاد الشمالية، كتابا يغريه بهلاون، ويعرفه أن جهاده واجب عليه، لتواتر الأخبار بإسلامه، ويلزمه إذا دخل فى دين الإسلام أن يجاهد الكفار، فورد جوابه فيما بعد كما سنذكره إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 286

ومنها: أن الظاهر كتب منشور الإمرة على جميع العربان للأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا، وأحضر أمراء العرب وأجرى إقطاعاتهم، وسلم إليهم خفر البلاد، وألزمهم حفظها إلى حدود العراق. ومنها: أن الظاهر جهّز إلى الأنبرور (١) هدية من جملتها الزّراف، وأرسل إليه جماعة من التتار الأسارى المأخوذين فى نوبة عين جالوت بخيولهم التتريّة وعدّتهم. ومنها: أن السلطان [٤٥٩] كتب إلى علم الدين سنجر الحلبى الذى كان الملك المظفر قطز ولاه نيابة دمشق، ثم أنه ركب فى دمشق بشعار السلطنة، وخطب له على المنابر وتلقّب بالملك المجاهد، وذلك حين بلغه مقتل الملك المظفر كما ذكرنا، فكتب إليه الظاهر يقبّح هذا الفعل عليه ويتلطّف به فى الرجوع عنه، ثم جرّد إليه الأمير جمال الدين المحمّدى ليستميله (٢) ويردّه إلى الصواب، وأرسل إليه صحبته مائة ألف وخمسة وعشرين ألف درهم (٣) أنعاما وحوائص ذهب وخلعا نفيسة، فأشهد على نفسه بأنه قد نزل عن الأمر وأنه نائب من نواب السلطان. ثم لم يلبث أن رجع إلى ما كان عليه من الخلاف، وركب بشعار السلطنة، فجهز السلطان إليه جيشا صحبة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، وهو أستاذ

стр. 287

السلطان الملك الظاهر، فوصلوا إلى دمشق فى ثالث صفر من هذه السنة، فخرج إليهم سنجر الحلبى لقتالهم، وكان صاحب حماة، وصاحب حمص بدمشق، ولم يخرجا مع سنجر الحلبى، ولا أطاعاه لإضطراب أمره، ووقع القتال بينهم بظاهر دمشق فى ثالث عشر صفر (١)، فانهزم الحلبى، وولّى وأصحابه معه، ودخل إلى قلعة دمشق حتى أجنّه الليل، فهرب من قلعة دّمشق إلى جهة بعلبك، فتبعه العسكر، وقبضوا عليه، وحمل إلى الديار المصريّة، فاعتقله الظاهر بها، ثم أطلق. واستقرّت دمشق فى ملك الظاهر بيبرس وأقيمت له الخطبة بها وبغيرها من الشام مثل حماة وحمص وحلب وغيرها، واستقرّ أيدكين البندقدار الصالحى فى دمشق لتدبير أمورها، ولما استقرّ الحال على ذلك رحل الملك المنصور صاحب حماة والأشرف صاحب حمص وعادا إلى بلادهما، واستقرّا بها (٢). وقال بيبرس فى تاريخه: وقرر السلطان الظاهر أن يكون حديث القلعة بدمشق وأمر الأموال للأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى الحاج، ثم رتبه فى نيابة السلطنة (٣). وفى تاريخ ابن كثير: ثم بعد استقرار أيدكين البندقدارى فى دمشق ورد عليه مرسوم الملك الظاهر بالقبض على بهاء الدين بغدى الأشرفى، وعلى شمس الدين أقوش [٤٦٠] البرلى، وغيرهما من العزيزية والناصرية وبقى علاء الدين

стр. 288

أيدكين متوقفا فى ذلك (١)، فتوجه بغدى إلى أيدكين فحال دخوله عليه قبض على بغدى المذكور، فاجتمعت العزيزية والناصريّة إلى أقوش البرلى، وخرجوا من دمشق ليلا على حميّة ونزلوا بالمرج، وكان أقوش البرلى قد ولاه المظفر قطز غزة والسواحل كما ذكرنا، فلما جهز الملك الظاهر أستاذه أيدكين البندقدار إلى قتال سنجر الحلبى، أرسل إلى البرلى وأمره أن ينضمّ إليه، فسار أقوش البرلى مع أيدكين وأقام بدمشق. فلما قبض على بغدى خرج البرلى إلى المرج، وأرسل أيدكين إليه يطيّب قلبه ويحلف له، فلم يلتفت إلى ذلك وسار إلى حمص، وطلب من صاحبها الأشرف أن يوافقه على العصيان فلم يجب إلى ذلك، ثم توجه إلى حماة، وأرسل يقول للملك المنصور صاحب حماة: إنه لم يبق من البيت الأيوبى غيرك، فقم لنصير معك ونملكك البلاد، فلم يلتفت الملك المنصور إلى ذلك، وردّه ردّا قبيحا، فاغتاظ البرلى ونزل على حماة، وأحرق زرع بيدر العشر، وسار إلى شيزر ثم إلى جهة حلب. وكان أيدكين لما استقرّ بدمشق قد جهز عسكرا صحبة فخر الدين الحمصى للكشف عن البيرة، فإن التتار كانوا قد نازلوها، فلما قدم البرلى إلى حلب كان بها فخر الدين الحمصى المذكور، فقال له البرلى: نحن فى طاعة الملك الظاهر، فتمضى إلى السلطان وتسأله أن يتركنى ومن فى صحبتى مقيمين بهذا الطرف، ونكون تحت طاعته من غير أن يكلّفنى وطأ بساطه. فسار الحمصى إلى جهة مصر ليؤدّى الرسالة.

стр. 289

فلما سار عن حلب تمكّن البرلى واحتاط على ما فى حلب من الحواصل، واستبدّ بالأمر، وجمع العرب والتركمان واستعدّ لقتال عسكر مصر. ولما توجّه فخر الدين الحمصى، لذلك التقى فى الرّمل جمال الدين محمد الصالحى متوجّها بمن معه من عسكر مصر لقتال البرلى وإمساكه، فأرسل الحمصىّ، وعرّف الملك الظاهر بما يطلبه البرلى، [٤٦١] فأرسل الظاهر ينكر على فخر الدين الحمصىّ المذكور، ويأمره بالانضمام إلى المحمدى، والمسير إلى قتال البرلى، فعاد من وقته، ثم رضى الظاهر على علم الدين سنجر الحلبىّ وجهّزه وراء المحمدى فى جمع من العسكر، ثم أردفه بعز الدين الدمياطى فى جمع آخر، وسار الجميع إلى جهة البرلى، وساروا إلى حلب وطردوه عنها. وانقضت السنة والأمر على ذلك (١). ومنها: نصب السلطان الملك الظاهر الخليفة للمسلمين، وأصل ذلك، أن فى رجب من هذه السنة قدم إلى مصر جماعة من العرب ومعهم شخص أسمر (٢) اللون اسمه أحمد، زعموا أنه ابن الإمام الظاهر بالله بن الناصر لدين الله، وأنه خرج من دار الخلافة ببغداد لما ملكها التتار، فعقد السلطان الملك الظاهر بيبرس مجلسا حضر فيه جماعة من الأكابر منهم الشيخ عز الدين بن عبد السّلام والقاضى تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المعروف بابن بنت الأعز، فشهد أولئك العرب أن هذا الشخص المذكور هو ابن الظاهر محمد بن الإمام الناصر لدين الله،

стр. 290

فيكون عم المستعصم بالله الذى قتله هلاون، وأقام القاضى جماعة من الشهود واجتمعوا بأولئك العرب وسمعوا شهادتهم، فشهدوا بالنسب بحكم الإستفاضة، فأثبت القاضى تاج الدين نسب أحمد المذكور ولقبوه المستنصر بالله أبا القاسم أحمد بن الظاهر بالله محمد، وبايعه الملك الظاهر والناس بالخلافة. ثم اهتمّ الظاهر بأمره، وعمل له الدهليز، والجمدارية، والسلاح داريّة، وآلات الخلافة، واستخدم له عسكرا، وغرم على تجهيزه جملة طائلة، قيل كانت جملتها ألف ألف دينار، وكانت العامّة تلقب هذا الخليفة بالزراتيتى (١). وفى تاريخ بيبرس: وفى التاسع من رجب وصل الإمام أبو العباس أحمد بن الإمام الظاهر بالله بن الإمام الناصر لدين الله (٢) من العراق إلى الديار المصريّة، وركب السلطان الظاهر (٣) للقائه فى موكب مشهود، [ومحفل محفود (٤)]، وأنزله فى القلعة، وبالغ فى إكرامه، وقصد إثبات نسبته، وتقرير بيعته، لأن الخلافة كانت قد شغرت منذ قتل الإمام المستعصم بالله، [فسر السلطان باتصال أسبابها، وتجديد أثوابها، وإقامة منارها، وإظهار شعارها، لتكون ثابتة الأساس، متصلة فى بنى العباس، كما سبقت الوعود النبوية بأنها خالدة، تالدة فى هذه الذرية (٥)]، فأحضر الأمراء الكبار (٦) [٤٦٢] ومقدمى العساكر، والوزير، وقاضى القضاة،

стр. 291

ونواب الحكم، والفقهاء، والعلماء، والصلحاء، وأكابر المشايخ، وأعيان الصوفيّة، فاجتمع المحفل بقاعة الأعمدة بقلعة الجبل، وحضر الخليفة، وتأدّب السلطان معه فى الجلوس بغير مرتبة (١) ولا كرسىّ (٢)، وأمر بإحضار العربان الذين حضروا مع الخليفة من العراق، فحضروا وحضر خادم من البغاددة، فسئلوا عنه، هل هو الإمام أحمد بن الظاهر بن المستنصر؟ فقالوا: إنه هو، فشهدت جماعة بالاستفاضة وهم: جمال الدين يحيى (٣) نائب الحكم بمصر، وعلم الدين بن رشيق (٤)، وصدر الدين موهوب الجزرى، ونجيب الدين الحرّانى، وسديد الدين التزمتنى (٥) نائب الحكم بالقاهرة، عند قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب، فأسجل على نفسه بالثبوت، [فقام قاضى القضاة وأشهد على نفسه بثبوت النسبة (٦)]، وسمّى الإمام أحمد بالمستنصر بالله (٧)، وبايعه السلطان على كتاب الله وسنة رسوله ﵇، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد فى سبيل الله، وأخذ أموال الله بحقها، وصرفها فى مستحقها.

стр. 292

وبعد البيعة له قلّد الخليفة السلطان البلاد الإسلامية وما ينضاف إليها وما سيفتحه الله على يديه من بلاد الكفار، ثم بايع الناس الإمام على اختلاف طبقاتهم، فتمت له الخلافة وصحت له الإمامة، وكتب السلطان إلى البلاد بأخذ البيعة له، وأن يخطب له على المنابر، وتنقش الصكة باسمه واسم الملك الظاهر. ولما كان يوم الجمعة السابع عشر من رجب خطب الخليفة بالناس فى جامع القلعة (١). وفى يوم الإثنين الرابع من شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضربت له بالبستان الكبير بظاهر [القاهرة (٢)]، ولبس الأهبة العباسيّة، وهى الجبّة السوداء، والعمامة البنفسجيّة، والطوق، وتقلد سيفا، وجلس مجلسا عاما، وقد خلع على الأمراء والوزير وقاضى القضاة وصاحب ديوان الإنشاء، وقرئ التقليد [الشريف (٣)] السلطانى، قرأه فخر الدين بن لقمان (٤). وقال ابن كثير: وقد كان الإمام أبو العباس أحمد هذا معتقلا ببغداد، ثم أطلق، وكان مع جماعة الأعراب بالعراق، ثم قصد الملك الظاهر حين بلغه، فقدم عليه الديار المصرية مع جماعة من العرب فيهم عشرة من الأمراء [٤٦٣] منهم: الأمير ناصر الدين مهنّى (٥)، فتلقاه السلطان والوزير وقاضى القضاة تاج الدين

стр. 293

والشهود والمؤذنون، وخرجت اليهود والنصارى بإنجيلهم، ودخل من باب النصر فى أبّهة عظيمة، وكان يوما مشهودا. وهذا الخليفة هو الثامن والثلاثون من خلفاء بنى العباس، وبينه وبين العباس أربعة وعشرون أبا. وكان أول من بايعه يوم عقد المجلس القاضى تاج الدين عند ما ثبت نسبه عنده، ثم السلطان الملك الظاهر، ثم الشيخ عز الدين بن عبد السّلام، ثم الأمراء وأكابر الدولة. وكان منصب الخلافة شاغرا ثلاث سنين ونصفا، لأن المستعصم بالله قتل فى أوائل سنة ست وخمسين وستمائة، وبويع هذا فى يوم الإثنين الثالث عشر من رجب من هذه السنة، أعنى سنة تسع وخمسين وستمائة. وكان أسمرا، وسيما، شديد القوى، عالى الهمّة، ذا شجاعة وإقدام، وقد لقب هذا بالمستنصر، كما كان أخوه بانى المدرسة ببغداد لقب بهذا، وهذا أمر لم يسبق إليه أن خليفتين أخوين يلقب كل واحد منهما بلقب الآخر، وقد أنزل هذا الخليفة بقلعة الجبل فى برج هو وحشمه وخدمه. ولما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، ركب فى أبّهة السواد، وجاء إلى الجامع بالقلعة، فصعد المنبر، وخطب الناس، ذكر فيها شرف بنى العباس، ثم استفتح فقرأ عشرا من سورة الأنعام، ثم صلى على النبى ﷺ ، وترضى عن الصحابة، رضى الله عنهم، ودعا للسلطان، ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس، فاستحسن ذلك منه، وكان وقتا حسنا، ويوما مشهودا (١).

стр. 294

وقال ابن كثير: ولما كان يوم الإثنين الرابع من شعبان، ركب الخليفة والسلطان والوزير والقضاة والأمراء وأهل الحلّ والعقد إلى خيمة عظيمة قد ضربت بظاهر القاهرة، فألبس الخليفة السلطان بيده خلعة سوداء، وطوقا فى عنقه، وقيدا فى رجليه، وهما من ذهب (١)، وصعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان رئيس الكتاب منبرا، فقرأ عليه تقليد السلطان، وهو من إنشائه وبخط نفسه، ثم ركب السلطان بهذه الأبّهة، والقيد في رجليه والطوق فى عنقه، والوزير بين يديه على رأسه التقليد، والأمراء والدولة فى خدمته مشاه سوى الوزير، [٤٦٤] فشق القاهرة، وقد زينت له، وكان يوما مشهودا (٢). ونسخة التقليد المكتتب عن الخليفة للسلطان: الحمد لله الذى اصطفى [الإسلام (٣) ب] ملابس الشرف، وأظهر [بهجة (٤)] درره، وكانت خافية بما استحكم عليها من الصدف، وشيّد ما وهى من علائه، حتى أنسى ذكر ما سلف، وقيّض لنصره ملوكا اتفق على طاعتهم من اختلف. أحمده على نعمه التى رتعت (٥) الأعين منها فى الروض الأنف، وألطافه التى وفّقت للشكر (٦) عليها، فليس له عنها منصرف، وأشهد أن لا إلّه إلا الله، وحده لا شريك

стр. 295

له، شهادة توجب من المخاوف أمنا، وتسهّل من الأمور ما كان حزنا. وأشهد أن محمدا عبده (١) الذى جبر من الدين وهنا، ورسوله الذى أظهر من المكارم فنونا لافنّا، [صلى الله عليه (٢)] وعلى آله. الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى، وأصحابه الذين أحسنوا فى الدين (٣) فاستحقّوا الزيادة فى الحسنى (٤)، [وسلم تسليما كثيرا (٥)]. وبعد: فإنّ أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم ساجدا وراكعا (٦) فى تسطير مناقبه وبرّه، من سعى فأضحى بسعيه الجميل مقدّما (٧)، ودعا إلى طاعته فأجاب (٨) من كان منجدا ومتهما، وما بدت يد من المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه (٩) حمى وغى إلا أضرمه نارا وأجراه دما. ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى، شرّفه الله وأعلاه، ذكره (١٠) ذكره الديوان العزيز النبوىّ الإمامىّ المستنصرىّ، أعز الله سلطانه، تنويها بشرف قدره، واعترافا بصنيعه (١١) الذى

стр. 296

تنفذ العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره، وكيف لا؟ وقد أقام الدولة العباسيّة بعد أن أقعدتها زمانة الزمان، وأذهب (١) ما كان لها من محاسن وإحسان، وعتب (٢) دهرها المسئ لها فأعتب، وأرضى عنها زمانها (٣)، وقد كان صال عليها صولة مغضب، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، وصرف إليها اهتمامه فرجع كل متضايق (٤) من أمورها واسعا (٥) رحبا، ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوّا وعطفا، وأظهر له (٦) من الولاء رغبة فى ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الإهتمام بأمر [الشريعة و] البيعة أمرا (٧) لو رامه غيره لامتنع عليه، ولو تمسك بحبله متمسك لانقطع به [٤٦٥] قبل الوصول إليه، لكن الله [تعالى (٨)] ادخر هذه الحسنة ليثقل بها فى الميزان ثوابه (٩) ويخفف بها يوم القيامة حسابه، والسعيد من خفف حسابه، فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها فى صحيفة (١٠) صنعه، ومكرمة قضت لهذا البيت الشريف بجمعه (١١)، بعد أن حصل الإياس من جمعه.

стр. 297

وأمير المؤمنين يشكر لك (١) هذه الصنائع، ويعترف (٢) أنه لولا اهتمامك [بأمره (٣)] لا تسع الخرق على الراقع، وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية، والديار البكرية (٤)، والحجازية، واليمنية، والفراتية، وما يتجدّد من الفتوحات غورا ونجدا، وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت فى المكارم (٥) فردا، ولا جعل (٦) منها بلدا من البلاد، ولا حصنا من الحصون مستثنى (٧)، ولا جهة من الجهات تعد فى الأعلى ولا الأدنى (٨). فلاحظ أمور الأمة، فقد أصبحت لها (٩) حاملا، وخلص نفسك من التبعات اليوم (١٠) ففى الغد (١١) تكون مسئولا ولا سائلا (١٢)، ودع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا، وما رآها (١٣) أحد بعين الحق إلا رآها خيالا زائلا، فالسعيد من

стр. 298

قطع [منها (١)] آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى، فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة، وابسط يدك بالإحسان والعدل، فقد أمر الله بالعدل والإحسان (٢) [وكرر ذكره (٣)] فى مواضع من القرآن، وكفر به عن المرء ذنوبا [كتبت عليه (٤)] وآثاما، وجعل يوما واحدا فيه (٥) كعبادة العابد (٦) ستين عاما، وما سلك أحد (٧) سبيل العدل إلا واجتنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمر (٨) به يعد (٩) تداعى أركانه و (١٠) هو مشيد الأركان، وتحصن به من حوادث زمانه (١١)، والسعيد من تحصن من حوادث الزمان، وكانت (١٢) أيامه [فى الأيام (١٣)] أبهى من الأعياد، وأحسن فى العيون من الغرر فى أوجه الجياد، وأحلى من العقود إذا حلى بها عطل (١٤) الأجياد.

стр. 299

وهذه الأقاليم المنوطة بك (١) تحتاج إلى نواب (٢) وحكام، وأصحاب رأى من أصحاب (٣) السيوف والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم فى أمورك (٤) فنقب عليه تنقيبا (٥)، واجعل عليه فى تصرفاته رقيبا، وسل عن أحواله ففى يوم القيامة تكون عنه مسئولا، وبما أجرم (٦) مطلوبا، ولا تول [منهم (٧)] إلا من تكون مساعيه حسنات [٤٦٦] لك (٨) لا ذنوبا، وأمرهم بالإناة (٩) فى الأمور والرفق، ومخالفة الهوى إذا ظهرت [لهم (١٠)] أدلة الحق، وأن يقابلوا الضعفاء فى حوائجهم بالثغر الباسم، والوجه الطلق، وأن لا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية (١١) إخوانا، وأن يوسعوهم برا وإحسانا، وأن لا يستحلوا حرماتهم إذا استحل الزمان (١٢) لهم حرمانا، فالمسلم أخو المسلم (١٣) ولو كان أميرا

стр. 300

عليه أو سلطانا (١)، والسعيد من نسج ولاته فى الخير على منواله، واستنوا بسنته فى تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز عن حمل (٢) أثقاله. ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سئ السنن، وجدد من المظالم التى هى [على الخلائق (٣)] من أعظم المحن، وأن يشترى بإبطالهما المحامد، [فإن المحامد (٤)] رخيصة بأغلى ثمن (٥)، ومهما جبى منها (٦) من الأموال فإنما هى (٧) باقية فى الذمم، [وإن كانت (٨)] حاصلة، وأجياد الخزائن وإن (٩) أضحت بها خالية، فإنما هى على (١٠) الحقيقة (١١) منها عاطلة، وهل أشقى ممن احتقب إثما، واكتسب بالمساعى الذميمة ذما، وجعل السواد الأعظم يوم القيامة له خصما (١٢)، وتحمل ظلم الناس (١٣) فيما صدر عنه من أعماله، ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ (١٤).

стр. 301

وحقيق بالمقام الشريف، المولوى (١)، السلطانى، الملكى، الظاهرى، الركنى، أن تكون ظلامات الأنام مردودة بعدله، وعزائمه تخفف [عن الخلائق (٢)] ثقلا لا طاقة لهم بحمله، فقد أضحى على الإحسان قادرا، صنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم (٣) من المملوك وإن جاء آخرا، فاحمد الله على أن وصل إلى جنابك إمام هدى يوجب لك (٤) مزية التعظيم، وينبه (٥) الخلائق على ما خصك الله به من هذا الفضل العظيم (٦)، وهذه أمور يجب (٧) أن تلاحظ وترعى، وأن يوالى عليها حمد الله فإن الحمد [لله (٨)] يجب عليها عقلا وشرعا، وقد تبين أنك صرت فى الأمور أصلا وصار غيرك فرعا. ومما يجب أيضا (٩) تقديم ذكره، أمر (١٠) الجهاد الذى أضحى على الأمة فرضا، وهو العمل الذى يرجع به مسود الصحائف مبيضا، وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصهم بالجنة التى «لا لَغْوٌ فِيها﴾ عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - ٢٠

стр. 302

﴿وَلا تَأْثِيمٌ» (١)، وقد تقدمت لك فى الجهاد [يد (٢)] بيضاء أسرعت فى سواد الحساد، وعرفت منك عزيمة (٣) وهى أمضى مما تجنه ضمائر الأغماد، [٤٦٧] «واشتهرت لك مواقف فى القتال هى أشهر (٤)» وأشهى إلى القلوب من الأعياد، وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتدل (٥)، وبعزمك حفظ على المسلمين (٦) نظام هذه الدول، وسيفك أثر (٧) فى قلوب الكافرين قروحا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقر (٨) الخلافة (٩) إلى ما كان عليه فى الأيام الأول. فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان غافيا ولا هاجعا، وكن فى مجاهدة أعداء الله [إماما (١٠)] متبوعا لا تابعا، وأيد كلمة التوحيد فما تجد فى تأييدها إلا مطيعا سامعا. ولا تخل الثغور من اهتمام بأمرها، تبتسم (١١) له الثغور، وإحتفال يبدل ما دجى من ظلماتها بالنور، واجعل أمرها على الأمور مقدما، وشيد منها كل (١٢) ما غادره

стр. 303

العدو متهدما، فهذه حصون بها يحصل (١) الإنتفاع، [وبها تحسم الأطماع (٢)]، وهى على العدو داعية افتراق لا اجتماع، وأولاها بالإهتمام ما كان البحر له مجاورا (٣)، والعدو إليه ملتفتا ناظرا، لا سيما ثغور الديار المصرية، فإن العدو وصل إليها رابحا وراح (٤) خاسرا، واستأصلهم الله فيها حتى ما أفال منهم عاثرا. وكذلك [أمر (٥)] الأسطول الذى ترى حبله (٦) كالأهلّة، وركائبه سائقة (٧) بغير سائق مستقلة، وهو أخو الجيش السليمانى، فإن ذاك غدت الرياح له (٨) حاملة، وهذا تكلفت بحمله المياه السائلة (٩)، وإذا لحظها الطرف جارية فى البحر كالأعلام (١٠)، وإذا شبهها قال: هذه ليال تقلع بالأيام (١١).

стр. 304

وقد سنى لك الله (١) من السعادة كل مطلب، وآتاك من أصالة الرأى الذى يريك المغيّب، وبسط بعض القبض منك الأمل، ونشط بالسعادة ما كان من كسل، وهداك إلى مناهج الحق، وما زلت مهتديا إليها، وألزمك (٢) المراشد فلا تحتاج (٣) إلى تنبيه عليها، والله [تعالى (٤)] يمدّك (٥) بأسباب نصره، ويوزعك شكر نعمه، فإن النعمة تستتم بشكره (٦) [إن شاء الله تعالى (٧)]. وركب السلطان، وشق المدينة، وحمل التقليد الأمير جمال الدين النجيبى أستاذ الدار والصاحب بهاء الدين فى بعض الطريق، فكان السلطان فى موكبه هذا كما قيل: خلع خلعن من العداة قلوبهم … وملأن بالإشراق أبصار الملا [٤٦٨] لما طلعت بها بهرت فلم تطق … طرف إليك من الشجاع تأمّلا

стр. 305

وبدا عليك الطوق رصع درّه … فرأيت بدرا بالنجوم تكلّلا (١) واستخدم السلطان للخليفة ما يحتاج إليه من أرباب الوظائف والأشغال، فجعل الأمير سابق الدين بوزبا أتابك العساكر، وكتب له بألف فارس، وجعل الطواشى بهاء الدين صندل شرابيا، وكتب له بخمسمائة فارس، والأمير ناصر الدين بن صيرم خزندارا وكتب له بخمسمائة فارس، والأمير نجم الدين استادار الدار، وكتب له بخمسمائة فارس، وسيف الدين بلبان الشمسى دوادارا، وكتب له بخمسمائة فارس، وأمر جماعة من العربان بالطبلخانات، واشترى للخليفة مائة مملوك جمدارية وسلحدارية، وأعطى كلا منهم ثلاثة أروس خيل، وجملا لعدته، وإستخدم له أصحاب الدواوين، وكتاب الإنشاء، والأئمة، والغلمان، والحكماء، والجرائحية، وكمل البيوت، والخيول، والأسلحة (٢). ومنها: أن السلطان الملك الظاهر بيبرس ﵀ توجه إلى الشام خارجا من مصر فى السادس من شوال من هذه السنة، وصحبته العساكر، والخليفة، وحاشيته، والأخوة الثلاثة ملوك البلاد الشرقية أولاد صاحب الموصل: ركن الدين إسماعيل، وولده علاء الملك، وأخوه المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، وأخوهما الملك المظفر، وسنذكر مجيئهم إلى خدمة السلطان الظاهر، وكان قصد الظاهر تقرير ما تغير من القواعد، وإعادة الأحوال بدار السلام.

стр. 306

ولما وصل إلى دمشق نزل بقلعتها، وأنزل الخليفة فى تربة الملك الناصر بجبل الصالحية، ولما اجتمع على تجهيز الخليفة، والملوك المذكورين، جرد معهم الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، والأمير شمس الدين الرومى، وهما من أكابر الأمراء، وجرد معهما طائفة من العسكر، وأوصاهما أن يزالا مع الخليفة إلى أن يوصلاه إلى الفرات بالبر الغربى، وبجهة البلاد الحلبية، لانتظار ما يتجدد من جهة الخليفة حتى إذا احتاج إليهما وأرسل من يستدعيهما يبادران إليه بمن معهما من العسكر، ولا يدعان أحدا يتوقف عنه، ولا يتأخر، ثم ودعه ميلا، والخليفة مطاعا أمره، مسرورا قلبه. فكان جملة ما غرم السلطان على تجهيزه من الأموال ألف ألف دينار عينا مصرية وستين ألف دينار، [٤٦٩] فلله دره من ملك، ما أعظم همته، وما أكرم سجيته، وما أشدّ اجتهاده فى الله، رضى الله عنه. وقال ابن كثير: وكان سبب خروج السلطان إلى الشام أن البرلى (١) كما تقدم كان قد استحوذ على حلب، فأرسل [إليه (٢)] الأمير علم الدين سنجر الحلبى الذى كان قد تغلب على دمشق، فطرده عن حلب وتسلمها منه، وأقام بها نائبا عن السلطان، ثم لم يزل البرلى (٣) حتى إستعادها منه واستولى عليها كما كان، فاستناب السلطان على الديار المصرية عز الدين أيدمر الحلى (٤)، وجعل تدبير المملكة بها إلى

стр. 307

الوزير بهاء الدين بن حنا، واستصحب ولده فخر الدين بن الحنا وزير الصحبة، وجعل تدبير العسكر والجيوش معه إلى الأمير بدر الدين بيلبك الخزندار (١). وقال ابن كثير: وكان دخول السلطان إلى دمشق يوم الإثنين سابع ذى القعدة من هذه السنة وكان يوما مشهودا، وصلى هو والخليفة الجمعة بجامع دمشق، وكان دخول الخليفة إلى الجامع من باب البريد، ودخول السلطان من باب الزيادة وكان يوما مشهودا، ثم جهز السلطان الخليفة كما ذكرنا، وأصحبه أولاد صاحب الموصل، وقدم إليه صاحب حمص الملك الأشرف فخلع عليه، وأطلق له، وكتب له تقليدا ببلاده، ثم جهز جيشا صحبة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار إلى حلب لمحاربة البرلى المتغلب عليها المفسد فيها (٢). وقال أبو شامة: وفى يوم الخميس ثامن ذى الحجة عزل عن قضاء دمشق النجم بن الصدر بن سنى الدولة، وتولى الحكم القاضى شمس الدين أحمد بن بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلكان الذى كان نائبا فى الحكم بالقاهرة سنين كثيرة، وجلس مكان النجم وابنه (٣) بالمدرسة العادلية، ثم وكل على النجم وأمره (٤) بالسفر إلى الديار المصرية، وكان حاكما جائرا فاجرا ظالما متعديا، فاستراح منه البلاد والعباد (٥)، وهو الذى شاع عنه أنه أودع كيسا فيه ألف دينار، فردّ بدله

стр. 308

كيسا فيه فلوس، وذكر ذلك فى القصيدة التى هجى بها لما تولى الحكم، [ورفعت إلى الملك (١)] المظفر والمولى الأمير المجير، وابن وداعة. قال أبو شامة: وفى الجملة تولى الحكم فى زماننا ثلاثة مشهورين بالفسق: هذا الظالم، والرفيع الحنفى (٢) وابن الجمال المصرى، وكان نائبا عن أبيه، وقلت فى حصر [٤٧٠] القضاة ونوابهم: دمشق فى عصرنا مع فضلها بليت … من القضاة بجهّال وأوقاح بأعجميين ومصرى وصانعهم … وإربلى (٣) وخيّاط وفلاّح هم ضعف ستة والنواب كلهم … ضعفان أحزانهم أضعاف أفراح أى هم إثنا عشر: الزكى، [وأخوه (٤)] وابن الحرستانى، وإبنه، والجمال المصرى، [والخويى (٥)] والرفيع، والتفليسى، وبنو سنى الدولة ثلاثة؛ وابن خلكان (٦)؛ والنواب ثمانية عشر. ثم سافر القاضى المعزول إلى مصر تحت الحوطة يوم الخميس خامس عشر ذى الحجة، والدعاء عليه كثير، والتظلم منه شائع، والدعاوى عليه كثيرة (٧).

стр. 309

قال: وأنشدنى العماد داود الحموى لنفسه فى ذلك [القاضى المعزول (١)]: نجم أتاه ضياء الشمس فاحترقا … وراح فى لجج الأدبار قد غرقا ناحت عليه الليالى وهى شامتة … وعرفته صروف الدهر ما اختلقا وحدّثته الأمانى وهى كاذبة … بأنه لا يرى بعد النعيم شقا وجاد بالمال كى تبقى رئاسته … وفتق الشرع والتقوى وما رتقا فجاءه سهم غرب جل مرسله … فمات معنى وما أخطاه من رشقا وألقيت فى قلوب الناس بغضته … لكنهم قد غدوا فى ذمه فرقا ففرقة بقبيح الظلم تذكره … وفرقة حلفت بالله قد فسقا (٢) [وزدت أنا (٣)]: وفرقة وصفته بالخلاعة مع … خبث وكبر وكلّ منهم صدقا قال: وفى الغد يوم الجمعة: قرئ بالشباك الكمالى بجامع دمشق، وأنا حاضر فيه، تقليد القضاء للقاضى شمس الدين بن خلكان الإربلى، ويتضمن أنه فوض إليه الحكم فى جميع بلاد الشام من العريش إلى سلمية، يستنيب فيها من يراه،

стр. 310

وفوض إليه النظر (١) النظر فى أوقاف الجامع، والمصالح، والمارستان، والمدارس وغيرها (٢)، مما كان تحت يد الحاكم المعزول، وفوض إليه تدريس سبع مدارس كانت تحت يد المعزول أيضا وهى العذراوية، والعادلية، والناصرية، والفلكية، والركنية، والإقبالية، والبهنسية (٣). وفى تاريخ النويرى: ولما سار السلطان الملك الظاهر من مصر إلى الشام، أمر القاضى شمس الدين بن خلكان أن يسافر فى صحبته من [٤٧١] مصر إلى الشام فسافر، ولما دخل السلطان دمشق عزل عن قضاء دمشق نجم الدين بن صدر الدين ابن سنى الدولة وولى عوضه القاضى شمس الدين بن خلكان (٤). ذكر بقية الحوادث: منها: أن فى يوم الجمعة خامس المحرم من هذه السنة كانت كسرة التتار على حمص قريبا من قبر خالد بن الوليد رضى الله عنه، وقد ذكرناها مفصلة فى السنة الماضية لأجل تتميم الكلام (٥). ومنها: وصول الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ إلى الأبواب السلطانية، وكان وصوله فى شعبان، فأقبل الظاهر عليه وأحسن إليه، وأمر له ولمن معه بالإقامات والإنزال من دمشق إلى مصر، وتلقاه

стр. 311

وأنزله فى دار أخليت له، تليق بمثله، ووصل بعده أخوه المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، فتلقاه كما تلقى أخاه، وكان أخوهما الملك المظفر صاحب سنجار قد رتبه الملك سيف الدين قطز نائبا بحلب بعد كسرة التتار - كما ذكرنا - فوجد العزيزية أمراء حلب عليه، وكرهوا ولايته، فأمسكوه واعتقلوه فى بعض قلاع حلب لما قتل المظفر، فسأل إخوته السلطان تسييبه، فأفرج عنه، ووصل السلطان المذكورين بصلات جزيلة من المال والقماش والخيل والخلع والحوائص، لهم ولأصحابهم، وجهزهم ليعودوا إلى ممالكهم صحبة الخليفة المستنصر بالله، وكتب تقاليدهم بتفويضها إليهم. فكتب للملك الصالح ركن الدين إسماعيل: الموصل وولاياتها ورساتيقها، ونصيبين (١) وولاياتها: بالوصا [والجزيرة (٢)] ومدينة بوازيج (٣) وما يتعلق بها، وعقر (٤) [و] شوش (٥)، ودارا (٦) وأعمالها، والقلاع العمادية (٧) وبلادها، والكواشى (٨) وبلادها،

стр. 312

وأهرور (١) وبلدها، وجلصور (٢) وبلدها، وكنكور (٣) وبلدها. وكتب للملك المجاهد سيف الدين إسحاق بلاد الجزيرة وزيد عليها حمرين. وكتب للملك المظفر علاء الدين على سنجار وأعمالها التى كانت بيده. وأرسل إليهم الطبلخانات والسناجق، وتقدم بسفرهم صحبته إلى الشام ليجهزهم إلى مستقرهم صحبة الخليفة المستنصر بالله، فتجهزوا صحبته كما ذكرنا. ومنها: أنه جاءت الرسل من جهة جوان دلين كنديافا (٤)، وغيره من الفرنج الذين بالساحل، إلى السلطان الملك الظاهر، والسلطان فى منزلة ماء [٤٧٢] العوجاء يسألون السلطان الإذن لصاحبهم فى حضوره (٥) إلى الأبواب الشريفة، فأذن لكنديافا المذكور، فحضر، فأكرمه السلطان وأقبل عليه، وأجاب سؤاله، ورسم بتقرير الهدنة له، ولصاحب بيروت على حكم القاعدة التى كانت مقررة فى الأيام الناصرية، وكتب له منشورا بما فى يده من البلاد، فقبل الأرض شكرا على هذه النعمة، وعاد، وكثرت الأجلاب، وأمنت السبل، وترددت التجار، وسلكت السفار، واندفعت عن أهل السواحل المضار.

стр. 313

ومنها: أنه وصل إلى السلطان رسول الأشكرى (١) ببذل المودة والمساعدة. ومنها: أنه حضر إلى خدمة السلطان وهو فى الشام الملك المنصور والملك الأشرف صاحب حمص، فتلقاهما بالإكرام وحباهما بالإنعام، وأرسل إليهما شعار السلطنة، فركب كل منهما، وكتب لهما التقاليد بممالكهما، وزاد كل منهما على ما بيده، فزاد المنصور صاحب حماة بلاد الإسماعيلية، والملك الأشرف تل باشر، وأعادهما إلى مستقرهما. وحضر لخدمته الملك الزاهد أسد الدين شيركوه، والملك الأمجد بن العادل صاحب بعلبك، والمنصور والسعيد ولدا الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل الكبير، والملك الأمجد بن (٢) الملك الناصر [داود (٣)]، والملك الأشرف ابن الملك المسعود، والقاهر بن المعظم، فعاملهم بالجميل والإنعام الجزيل. وهؤلاء من أعيان الذرية الأيوبية، وفدوا إلى خدمته ومثلوا بحضرته ووطئوا بساطه، وأكلوا سماطه، فكان هذا من أمارات الإقبال، وسعادة جد دولته الآمنة من الزوال. ومنها: أن السلطان أفرج عن العزيز بن المغيث وأرسله إلى أبيه بالكرك، وذلك أن الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك كان قد أرسل ولده العزيز فخر الدين عثمان إلى كتبغا نوين، مقدم التتار، عند وصوله إلى دمشق، فبقى

стр. 314

مقيما بها إلى أن اتفقت الكسرة، ودخل السلطان المظفر دمشق، فأمسكه واعتقله، فلما دخل الظاهر دمشق أفرج عنه وأحسن إليه، وجهزه إلى والده، وجهز إليه شعار السلطنة، فركب بها فى الكرك. ومنها: أنه اتفقت واقعة بين الفرنج والتركمان ببلاد الجولان، وكان التركمان قد آووا إلى بلد الساحل جافلين من التتار، وانتقلوا إلى بلد الجولان فأقاموا بها، وكانت صفد بيد الفرنج فقصدوا الإغارة على التركمان، وتبييتهم على غرّة منهم، فشعروا [٤٧٣] بما أراده الفرنج، فتأهبوا لهم وتيقظوا، فلما جاءوا إليهم اتفقوا معهم، فكسروا الفرنج كسرة شديدة، وأسروا من كنودهم جماعة، فبذلوا لهم ما لا يشترون به نفوسهم، ويفدون به رؤوسهم، فقبلوه منهم، وخلوا عنهم، ولم يطلعوا على ذلك أحدا من النواب السلطانية ظنا منهم أن الأمر يخفى ولا يظهر، فأطلع السلطان على ذلك، وعلم التركمان بذلك، فخافوا غائلة إيقاعه، فرحلوا من البلاد، وتوجهوا إلى الروم. ومنها: أن الأمير بيبرس قال فى تاريخه: وفى هذه السنة اتفق وصولى إلى الديار المصرية صحبة الطواشى مجاهد الدين قايماز الموصلى خادم الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فاشترانى منه الأمير سيف الدين قلاون الألفى، واشترى منه مملوكا آخر خوشداشالى يسمى أيبك الموصلى، وكان السلطان قلاون ساكنا بحارة البندقانيين بالقاهرة المحروسة (١)، فرتبنى فى المكتب، فلطف الله بى، وعلمنى كتابه العزيز، وشرفنى بدراسة القرآن الكريم، لطفا من رب العالمين.

стр. 315

ولما سافر المخدوم هذه السفرة، صحبة السلطان الملك الظاهر، كنت مقيما بالدار عند الست خاتون قطقطية، وهى والدة الملك الأشرف، معدودا فى جملة الصغار. ومنها: أنه جرى لولدى صاحب الروم وهما عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان، وقد ذكرنا أنهما حضرا مع هلاون فتح حلب، وعاد كل منهما إلى مستقره على صورة القسمة التى قسمها بينهما منكوقان، فلما كان فى هذه السنة (١) أرسل هلاون إلى عز الدين يستدعى شمس الدين يوتاش نائبه، فأرسله إليه، فوصل إلى أرزنكان صحبة رسله، فاتفق عند وصولهم إليها عيد غطاس النصارى، فخرجوا متوجهين إلى الفرات بجمع كثير، ومعهم الجاثليق، وإسمه مرحسيا، وقد رفعوا الصلبان على الرماح، وأعلنوا النواقيس والصياح، فأنكر (٢) عليهم شمس الدين يوتاش، وقصد منعهم، فقام عليه رسل هلاون (٣) وقالوا: هذه بلاد السلطان ركن الدين، فلا تتحدث إلا فى بلاد مخدومك عز الدين كيكاوس، وسألوا الجاثليق كيف كانت عادتكم فى أيام السلطان غياث الدين؟ فقال لهم: كانت عادتنا نحمل ثلاثة ألاف درهم ونعمل عندنا كما [٤٧٤] نختار، فأخذوا منه ثلاثة آلاف درهم، ومكنوه من عمل العيد كما أراد، فلما جرت هذه المفاوضة بين رسل هلاون وشمس الدين يوتاش (٤) عاد مغضبا ورجع إلى السلطان عز الدين،

стр. 316

وحسن إليه العصيان على هلاون، والخلاف على أخيه ركن الدين، والاستيلاء على بلاده، فأطاعه ووافقه. وكان ذلك داعية الفساد الأكبر، والصدع الذى لم يجبر، ثم سار إلى توقات وهى إقطاع معين الدين سليمان البرواناه، وبها أولاده وحريمه، فحصرها وضايقها، واستولى على البلاد التى فى قسمة السلطان ركن الدين، فتوجه ركن الدين والبرواناه إلى هلاون، وشكيا إليه ما فعله السلطان عز الدين ونائبه يوتاش من الخلاف والعصيان، ونقض ما قرره القان، فجهز هلاون معهما تمان (١) من عسكره، صحبة مقدّم يسمى بيان نوين، وسارا راجعين، وتقدّما العسكر المذكور، وقررا مع بيان نوين أن يكون عندهما فى فصل الربيع. ثم أن السلطان ركن الدين فرق ضياع أرزنجان (٢) على أمرائه إقطاعا، ووعدهم بأنه متى استولى على مملكة أخيه أعطاهم تلك الضياع أملاكا، وأقام السلطان ركن الدين على أرزنجان إلى أن انقضى فصل الشتاء، وكان نائبه الأمير خطير الدين زكريا، وأتابك جيشه رسلان دغمش، إنحاز إليه مذ نفر عن أخيه السلطان عز الدين لما جهزه لحرب بيجو، وهجم على حريمه وهو فى حال السكر، وقد ذكرنا ذلك مقدما (٣)، فاستمرّ فى الخدمة الركنية، وكان البرواناه بين يديه متصرفا فى المهمات، وشرف الدين مسعود وضياء الدين محمود كتابا بين يديه. فلما أقبل زمن الربيع جاء بيان نوين بجيش التتار إلى أرزنجان، فجهز معهم السلطان ركن الدين عساكره، وسفرهم إلى الروم صحبة معين الدين البرواناه،

стр. 317

فسار شمس الدين يوتاش عن التوقات ومعه عساكر السلطان عز الدين لحربهم، فالتقى الجمعان على موضع يسمى يلدوز طاغى، ومعناه جبل النجم، فكانت الكسرة على جيش ركن الدين والتتار، فانهزموا. وعادوا إلى أرزنكان، فأقاموا بها، وأرسلوا إلى هلاون يستنجدون منه مددا، فجرّد إليهم مقدّما يسمى على شاق نوين، ومعه [٤٧٥] تمان، فلما وصل، سار السلطان ركن الدين بنفسه، فوصلوا إلى قزان يوكى، فشتّوا هناك. فلما انصرف الشتاء، وصلت رسل هلاون إلى السلطان عز الدين تستدعيه، فأبى المضى، وعكف على اللهو واللعب، وجمع عسكره حوله بقونية، ولم يهتم لحفظ الأطراف وثغور مملكته، فسار أخوه ركن الدين إليها، واستولى عليها حتى انتهى إلى أقصراى ودخل صحراء قونية. فهرب السلطان عز الدين منهزما إلى الأشكرى بالقسطنطينية، وصحبته أخواله كرخيا وكركديد وهما على دين النصرانية، وثلاثة نفر من أمرائه، وأخلى لأخيه البلاد فملكها واستولى (١) عليها، سوى الثغور والجبال والسواحل التى بأيدى التركمان، فإنهم امتنعوا عن طاعة السلطان ركن الدين. وكان كبارهم محمد باك وإلياس باك أخوه وعلى باك (٢) صهره وسونج قرابته، فأرسلوا إلى هلاون يبذلون له الطاعة وحمل الإتاوة، ويطلبون منه سنجقا، وفرمانا بتقليدهم، وشحنة يقيم عندهم، فأجابهم إلى ذلك، وأرسل إليهم شحنة

стр. 318

يسمى قلشار، وكتب لهم فرمان بالبلاد التى بأيديهم، وهى: طكزلو وخوباس وطلماى وما حولها. وأرسل هلاون إلى محمد باك أمير التركمان المذكور يستدعيه إلى الأردو، فأبى ولم يتوجه إليه، فبرز مرسوم هلاون إلى السلطان ركن الدين والتتار الذين فى الروم بأن يتوجهوا لقتال محمد باك والتركمان الذين معه، فتوجهوا لحربه، فخامر عليه على باك صهره، وجاء إلى السلطان ركن الدين وقوى عزمه على قتال التركمان، ودلهم على عوراتهم، ومداخل بلادهم، فدخلوها وأخذوا أكثرها، والتقى معهم فى صحراء طلمانية، فكسروه فانهزم، وتحصن ببعض الجبال، وأرسل يطلب الأمان ليحضر إلى الطاعة، فحلفوا له وآمنوه، فحضر، فأرسلوه إلى السلطان ركن الدين، فأخذه معه ورحل إلى قونية، فقتله عند وصوله إلى مدينة برلو، واستقر عليباك صهره أميرا على التركمان، وملك التتار تلك الأطراف إلى حد إسطنبول. ومنها: أنه اتفقت واقعة الأمير شمس الدين أقوش البرلى العزيزى، وكان [٤٧٦] المذكور له نابلس من الأيام المظفرية، وزاده السلطان بيسان، وأعطى مملوكه قجقار إقطاعا، وتوجه إلى دمشق، فحصلت أسباب أوجبت إمساك الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفى؛ فنفر الأشرفية والعزيزية، وخرج الأمير شمس الدين المذكور وجماعة منهم، وتوجه إلى البيرة واستولى عليها، وجعل يشن الغارات على التتار الذين هم بشرقى الفرات، ويكبس من يستفرده منهم، وطمعت آماله فى قصد سنجار، فقصدها، وقد كمن له التتار وهو لا يشعر، فلما انتهى إلى حيث هم، خرجوا عليه فكسروه وهزموه، وقتلوا من رفقته جماعة منهم: الأمير علم الدين جكم الأشرفى، ونجا بنفسه، فعاد إلى البيرة، فراسله السلطان، وعرض

стр. 319

عليه الدخول فى الطاعة، ووعده بالإحسان، فلم يقبل، فجهز إليه جيشا وقدم عليه الأمير جمال الدين المحمدى، فسار إليه والتقيا، فكسره البرلى وأسره ومن معه، فأما الأمراء فأعطى لكل أمير منهم فرسا واحدا، وأما الأجناد فإنه تركهم رجالة وأطلقهم، فحضروا إلى السلطان، وهم على هذه الحال، فعدل عن مقاتلته إلى مخاتلته، فأرسل إليه يعده الإحسان ويستجلبه بصوغ اللسان. ذكر الأمور المزعجة: منها: أن فى ربيع الأول من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية عكا أن سبع جزائر فى البحر خسف بها وبأهلها، بعد أن أمطرت عليهم دماء عدة أيام، وهلك منهم خلق كثير قبل الخسف، وبقى أهل عكا لابسين السواد، وهم يبكون ويستغفرون من الذنوب على زعمهم. ومنها: أنه خرج على الغلال بأرض حوران وأعمالها والجولان وأعمالها فأر عظيم أكل الغلات، فكان الذى أكله ثلاثمائة ألف غرارة قمح غير الشعير، وأبيعت الحنطة فى هذه السنة المكوك (١) منها بأربعمائة درهم، واستأصلت الفرنج أموال المسلمين فى ثمن الغلال. قلت: وقع فى صعيد مصر فى سنة خمس وسبعمائة مثل ذلك، وكان مباشروا شونة أم القصور باتوا بها ليلة لأجل الفأر خوفا على الغلة، فباتوا يقتلون فى الفأر

стр. 320

إلى الصباح، فكان [٤٧٧] جملة ما قتلوه سبعة عشر أردبا وكسورا بالكيل المصرى. وفيها: حج بالناس « ...... (١)».
следующие страницы →