← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وجهز إلى الكرك الأمير بدر الدين بيسرى (١) الشمسى، والأمير عزّ الدين أيدمر (٢) الظاهرى أستاذدار، فتسلماها واستقرّ الأمير عز الدين نائبا بها، وعاد الأمير بدر الدين بيسرى بعد أن رتّب أحوالها وطيّب خواطر رجالها (٣). وفى تاريخ النويرى: وفى حادى عشر ربيع الآخر من هذه السنة، سار الملك الظاهر من مصر إلى الشام، فلاقته والدة المغيث صاحب الكرك بغزة، واستوثقت لابنها من الظاهر، ثم سار الظاهر من غزة ووصل إلى الطور ثانى عشر جمادى الأولى، ووصل إليه على الطور الملك الأشرف موسى صاحب حمص فى نصف الشهر المذكور، فأحسن الظاهر إليه، ثم أن الملك المغيث سار حتى وصل إلى بيسان، فركب الملك الظاهر بعساكره والتقاه يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى، فلما شاهد المغيث الملك الظاهر ترجل، فمنعه الظاهر، وأركبه، وساق إلى جانبه، وقد تغير وجه الملك الظاهر، فلما قارب الدهليز، أفرد الملك المغيث عنه، وأنزله فى خيمة، ثم قبض عليه، وأرسله إلى مصر معتقلا، صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى، ثم قبض الملك الظاهر على جميع أصحاب المغيث، ومن جملتهم ابن مزهر، وكان ناظر خزانة المغيث. وكان للمغيث ولدان أحدهما يقال له الملك العزيز، والآخر شرف الدين، فأحضرهما السلطان، وأعطى للملك العزيز إقطاعا بالديار المصرية، وأحسن إليهما.

стр. 352

ثم إن السلطان أرسل عسكرا وهو على الطور، فهدموا كنيسة الناصرة وهى من أكبر مواطن عبادات النصارى، لأن منها خرج دين النصرانية (١). ذكر مسير السلطان إلى عكّا والإغارة عليها: وفيها: ركب من الطور، وسار إلى عكا جريدة، ومعه من كل عشرة فارس واحد، واستناب الأمير شجاع الدين طغريل الشبلى بالدهليز، وكان ركوبه نصف الليل من [٤٩٣] ليلة السبت رابع جمادى الآخرة، فأصبح بالوادى الذى دون عكا، ثم أحاط بها من ناحية البر، وكان بالقرب منها برج فيه جماعة من الفرنج، فسير إليه طائفة من الجند، فحاصروه، وخرج من فيه مستأمنين، وحرق ما حولها من الأخشاب، وقطع ما هنالك من الأشجار، وناوشوا الفرنج القتال، فقتل منهم أقوام. وأحضر إليه جندى يسمى حبش (٢) من أصحاب أطلس خان فارسا خيالة من الفرنج، طعنه ورماه عن فرسه وأسره، فأنعم عليه ووعده بعدة، وعاد إلى الدهليز [بالطور (٣)]، فرتب الأمير ناصر الدين القيمرى نائب السلطنة بالفتوحات السّاحليّة. ورحل وتوجه إلى القدس الشريف، وزار ورسم بعمارة المسجد الأقصى، ثم خرج طالبا الكرك (٤).

стр. 353

وفى تاريخ النويرى: لما كان السلطان على الطور أرسل عسكرا هدموا كنيسة الناصرة، وأغاروا على عكا وبلادها، فغنموا وعادوا، ثم ركب السلطان الملك الظاهر بنفسه وجماعة ممن اختارهم وأغار ثانيا على عكا، وهدم برجا كان خارج البلد، وذلك عقيب إغارة عسكره (١). ذكر توجه السلطان إلى الكرك: ولما خرج السلطان من القدس الشريف، سار نحو الكرك، ونزل عليها فى الثالث عشر (٢) من جمادى الآخرة، فنزل إليه أولاد [الملك (٣)] المغيث، وقاضى المدينة، وخطيبها، وجماعة من أهلها، يطلبون العفو، فأحسن إليهم، وأعطاهم حتى رضوا، وتسلم القلعة، وطلع إليها، وأحضر دواوينها، ورتب أمر جيشها، وأعطى رجالها جامكية ثلاثة أشهر من خزائنه (٤)، وعين لها خاصا (٥) وأعطى أولاد [الملك (٦)] المغيث ما كان فيها من المال والقماش والأثاث، وخلع على العزيز فخر الدين عثمان ولد المغيث (٧)، وعلى خادمه، وأتابكه، وكتب مناشير

стр. 354

عربانها، وأحلفوا [له (١)] وأحلف مقدمو المدينة ونصاراها، وجميع أمراء بنى مهدى وبنى عقبة (٢) وأمرهم أن لا يشرب أحد منهم، ولا يسقى خيله، من صهاريج المدينة، وأهل البلاد رفقا بهم، وتوفيرا لهم، وترك [بها (٣)] مما كان معه من الخزانة سبعين ألف دينار، ومائة وخمسين ألف درهم، والزردخاناة التى صحبته، ورحل عنها عائدا إلى القاهرة (٤). ذكر عود السّلطان إلى القاهرة: لما قضى السلطان شغله فى الكرك، رحل عنها عائدا إلى القاهرة، فوصلها فى سابع عشر رجب فكانت [٤٩٤] مدة (٥) سفرته هذه خمسة وتسعين يوما، وأحضر أولاد المغيث وحريمه إلى الديار المصرية، وأعطى ولده فخر الدين عثمان إمرة بمائة طواشى بالديار المصرية، وقبض على الرشيدى والدمياطى والبرلى (٦). قلت: الرشيدى هو سيف الدين بلبان (٧) الصالحى، والدمياطى هو الأمير

стр. 355

عز الدين (١)، وأما البرلى فهو الأمير شمس الدين أقوش البرلى العزيزى، وكان قد حضر إلى الأبواب السلطانية فى أوائل هذه السنة، وقد ذكرنا استيلائه على البيرة، وما اتفق بينه وبين العسكر الذين جردهم السلطان إليه، وكونه كسرهم وسلبهم، وأرسلهم على تلك الحال، فأخذه السلطان بالترغيب والترهيب، وجعل تارة يبسط الآمال، ومرة يضيق عليه الحال، وحينا يتحيل عليه بنوع من الإحتيال، حتى بذل الطاعة، ودخل فيها، فسر السلطان بذلك وأرسل الأمير بدر الدين بكتاش (٢) الفخرى إلى دمشق ليتلقاه، ورتب الإقامات والأنزال بالطرقات له، ولمن معه من الأمراء العزيزية، ولما وصل أعطاه ستين فارسا مضافا إلى البيرة، وأجرى له العطاء من المال والقماش والخلع والبيوتات والخيول وغيرها، وأوسع للذين وصلوا معه على قدر مراتبهم، وقربه وأدناه، واتخذه سميرا ومشيرا وأنيسا ونديما، ثم سأل هو النزول عن البيرة، فأجابه السلطان إلى قبولها منه بعد تكرار سؤاله، وعوضه عنها، ثم قبض عليه فى ثانى يوم دخوله القاهرة من سفر الكرك والطور. وقال الملك المؤيّد: كان دخول البرلى فى طاعة السلطان فى سنة ستين وستمائة، وكان وصوله إلى القاهرة إلى خدمة السلطان فى ثانى ذى الحجة من سنة ستين

стр. 356

وستمائة، وكان قبضه إياه فى رجب سنة إحدى وستين وستمائة، فكان آخر العهد به (١). ذكر وصول رسل بركة خان ملك التتار: وفى هذه السنة، وصلت رسل بركة خان وهم: الأمير جلال الدين بن القاضى والشيخ نور الدين على، وغيرهما (٢)، مخبرين بإسلامه وعلى أيديهم كتاب منه يتضمن ذكر من أسلم من بيوت التتار، وخرج عن زمرة الكفار، وتفصيلهم بقبائلهم وعشائرهم [وأنفارهم وعساكرهم (٣)] وصغيرهم وكبيرهم، [: قال: ودخل فى دين الإسلام (٤)] إخواننا الكبار، وإخواتنا الصغار [٤٩٥] وذراريهم، أولاد بوداكور بحشمهم وأولادهم بلاد كوكاخور ينشونوقا، ومن [فى (٥)] بلادهم: قودعو، وقراجار، ونتش بغا، وشرامون، وبورباكو، ومنكقدار بجيوشه وسواده، وبك قداق باينال، وتقوزا غول، وقتلغ تيمور، وآجى وذريته، ودرباى، والتومان الذى تجرد إلى خراسان، وكل من توجه صحبة بايجو، مثل بانيال نوين، وايكاكوا، كل هؤلاء أسلموا بأسرهم، وأقاموا بالفرائض والسنن، والزكاة والغزاة، والجهاد فى سبيل الله، وقالوا ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾

стр. 357

﴿لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ (١) وقرأنا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ (٢) الآية. فليعلم السلطان أننى حاربت هلاون الذى من لحمى ودمى لإعلاء كلمة الله العليا، تعصبا لدين الإسلام، لأنه باغى، والباغى (٣) كافر بالله ورسوله، وقد سيرت قصادى ورسلى صحبة رسل السلطان وهم: أربغا (٤)، وأرتيمو، وأوناماس، ووجهت ابن شهاب الدين غازى معهم، لأنه كان حاضرا فى الوقعة، ليحكى للسلطان ما رآه بعينه من عجائب القتال، ثم لنوضح لعلم السلطان أنه موفق للخيرات والسعادات، لأنه أقام إماما من آل عباس فى خلافة المسلمين، وهو الحاكم بأمر الله، فشكرت همته، وحمدت الله تعالى على ذلك، لا سيما لما بلغنى توجّهه بالعساكر الإسلامية إلى بغداد، واستخلاص تلك النواحى من أيدى الكفار. وتاريخ هذا الكتاب مستهل رجب سنة إحدى وستين وستمائة بمقام إتيل، وهو كتاب مطول مشتمل على إسهاب وإطناب، هذا من جملته (٥). وعادت رسل السلطان صحبتهم وهما: الأمير سيف الدين كشريك التركى جمدار خوارزم شاه، والفقيه مجد الدين الروذراورى. فأكرم السلطان رسل بركة خان، ورسل الأشكرى، الواصلين معهم، وجهز لبركة من الهدايا من كل شئ مستحسن وهى: ختمة شريفة، ذكر أنها

стр. 358

بخط عثمان بن عفان رضى الله عنه بمراوقات، وسجادات للصلاة متنوعة (١) الألوان خرق بندقى، وأكسية لواتية، ودسوت من النطوع المصردقة (٢) والأديم، سيوف قلجورية مسقطة، ودبابيس مذهبة، وخود فرنجيه وطوارق مذهبة، فوانيس مغشاة، وشمعدانات، ومنجنيقات [٤٩٦] بأغشية، ومشاعل جفتاه، وقواعد برسمها مكفتة، سروج خوارزمية ونمازينات، ولجم، كل ذلك بأنواع السقط بالذهب والفضة، قسى حلق قسى بندق، وقسى جروخ، ورماح قنى، وأسنة، ونشاب فى صناديقه، قدور برام، وقناديل مذهبة بسلاسل فضة مطلاة بالذهب، وخدام سود وجوارى طباخات، وخيل سوابق عربية، وهجن نوبية، ودواب فارهة، ونسانيس، وبغابغ، وغير ذلك، وألبس رسله الفتوة، وأعادهم فى شهر رمضان (٣). أقول: أما إسلام بركة خان، فقد ذكرنا أنه كان فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة (٤)، على يدى خادم الشيخ الباخرزى الذى كان من جملة مريدى الشيخ نجم الدين كبرا، ﵀، من ذرية عمار بن ياسر الصحابى رضى الله عنه، وكان نجم الدين كبرا من كبار الصالحين وأعيان المحققين بخوارزم، وقد ذكرناه، وأما الحرب الذى وقع بين بركة خان وهلاون، فكان حربا عظيما، انكسر فيها هلاون كسرا

стр. 359

شنيعا، وقتل أكثر أصحابه، وغرق أكثر من بقى، وهرب هو فى شرذمة قليلة من أصحابه، وبعد فراغ بركة خان من الحرب عاد على بلاد القسطنطينية وصانعه صاحبها، وأرسل إلى السلطان الملك الظاهر الرسل المذكورين، وأرسل السلطان إليه الهدايا المذكورة. ذكر توجّه السّلطان الظّاهر إلى الإسكندريّة (١): وفى شوال منها: سافر السلطان الظاهر، ﵀، إلى إسكندرية، ونظر فى أحوالها وأمورها، وعزل قاضيها وخطيبها ناصر الدين أحمد (٢) بن المنير. وفى تاريخ بيبرس: وفى سادس شوال توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية، ولما وصلها نزل خارج المدينة، ونادى أن لا ينزل بالثغر جندى ولا يقيم به، ودخلها يوم الأربعاء مستهل ذى القعدة، ورسم بردّ مال السهمين (٣)، وحطّ عن أهل الثغر (٤) ما كان مقرّرا من الفائدة، وهو ربع دينار القنطار عن كل ما يباع ويبتاع (٥)، وحضر إليه شخصان من أهل الثغر أحدهما زين الدين بن البورى،

стр. 360

والآخر المكرم بن الزيات، وادعيا [٤٩٧] أن بالثغر أموالا ضائعة، وكتبا بها أوراقا، فسد ما أرادا فتحه من أبواب المظالم، وأمر بإشهار ابن البورى، فأشهر بين العالم، وأنعم على الأمراء الذين معه بالقماش والخلع، وعاد إلى قلعة الجبل [المحروسة (١)] فى الحادى عشر من ذى القعدة الحرام (٢). ذكر بقية الحوادث: منها: وفود التتار المستأمنين من عسكر هلاون. وفيها: فى سادس ذى الحجة وصلت جماعة كبيرة من التتار مستأمنين وفى الإسلام راغبين، فكانوا زهاء ألف نفس، وفيهم من أعيانهم كرمون، وامطغيه، ونوكيه، وجبرك وقيان، وناصغيه، وطبشور، وتبتو، وصبخى، وجوجلان، واجقرقا، وأرقرق (٣)، وكراى، وصلاغية (٤)، ومنقدم، وصراغان، وهؤلاء كانوا من أصحاب بركة، وكان قد أرسلهم إلى هلاون نجدة، فأقاموا عنده مدة، فلما وقع بينه وبين بركة، وتمكنت العداوة، كتب بركة إليهم بأن يفارقوا هلاون ويحضروا إليه، وإن لم يتمكنوا من التوجّه إليه، فينحازوا إلى عساكر الديار المصرية، ولما وصلوا أسلموا، وطهّروا، وقدم كبراؤهم المذكورون، وأمرّوا،

стр. 361

وعينت (١) لهم الإقطاعات، والطبلخانات، وأفيضت عليهم الصلات والخلع والهبات، وأنزلهم باللوق. فقال فى ذلك [القاضى (٢)] محيى الدين ابن عبد الظاهر: يا مالك الدنيا الذى … أضحى صلاحا للأمم يا من محا بالعدل ما … للظلم فينا من ظلم يا من تساق له التتا … ر غنيمة مثل الغنم خافوا سيوفك أنها … ستسوقهم نحو النقم فاتوا لبابك كلّهم … يأوون منه الى حرم أمنوا مما يخا … ف من البلايا والسّقم جعلوا جنابك جنة … وثرى خيولك مستلم بسطوا يمينا للهدا … ية طالما خضبت بدم أعطيتهم ما للمؤ … لّفة القلوب من القسم لا زلت يا ملك الزما … ن لك الملوك من الخدم (٣) ومنها: أنه زلزلت الموصل زلزلة عظيمة تهدمت أكثر دورها. ومنها: أن الملك الظاهر جهز صنّاعا وأخشابا وآلات كثيرة لعمارة المسجد النبوى بعد حريقه، فطيف بتلك الأخشاب والآلات فرحة بها، وتعظيما لشأنها، ثم ساروا بها إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلوات.

стр. 362

ومنها: أن فى آخر يوم الأحد ثالث صفر سمر شابّ، ذكر أنه كان يرسل زوجته، فتدخل فى بيوت الناس، فتحسّن للمرأة [٤٩٨] الخروج معها لابسة أفخر ثيابها وحليها، وتشّوقها بأن تقول: ها هنا عرس أو وليمة أو شئ من هذا الباب، وتقول: وقد اجتمعت فيه جماعة من النساء المحتشمات، فلا تتركى من الزينة شيئا ليحصل لك التجمل بينهن، فتفعل تلك المغرورة أقصى ما تقدر عليه وتخرج معها، فتجئ بها إلى بيت زوجها، فتأخذ جميع ما عليها، ثم تخنقها، وترميها فى بئر فى داره. فعل ذلك بجماعة من النساء، ثم هتكه الله، فأخذ هو وامرأته، وضربا، فاعترفا، فأما المرأه فخنقت، وجعلت فى جولق، وعلق الجولق تحت الخشب التى سمّر عليها الزوج، خارج باب الفرج، فبقى ليلتين ويوما، وفى اليوم الثانى خنق بطرف الجبل، فنسأل الله السلامة. وفيها: « ...... (١)»، حج بالناس « ...... (٢)» وفيها: « ...... (٣)»

стр. 363

ذكر من توفى فيها من الأعيان عبد (١) الرزاق بن رزق الله بن أبى بكر بن خلف عز الدين أبو محمد الرسعنى (٢) المحدث المفسر. سمع الكثير وحدث، وكان من الفضلاء الأدباء، له مكانة عند بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وكذلك عند صاحب سنجار، وبها توفى ليلة الجمعة الثانى عشر من ربيع الآخر، وقد جاوز السبعين. ومن شعره: نعب الغراب فدّلنا نعيبه (٣) … إن الحبيب دنا أوان مغيبه يا سائلى عن طيب عيشى بعدهم … جد لى بعيش ثم سل عن طيبه محمد (٤) بن أحمد بن عنتر السلمىّ الدمشقى محتسبها، وكان من عدولها وأعيانها، وله بها أملاك وثروة وأوقاف، توفى بالقاهرة، ودفن بسفح جبل المقطم.

стр. 364

علم الدين أبو محمد القاسم (١) بن أحمد بن الموفق بن جعفر المرسى اللورقى (٢) اللغوى النحوى المقرئ. شرح الشاطبية شرحا مختصرا، وشرح المفصل فى عدّة مجلدات، وشرح الجزولية، وقد اجتمع بمصنفها وسأله عن بعض مسائلها، وكان ذا فنون متعددة، حسن الشكل، مليح الوجه، له هيئة حسنة وبزة وجمال، وقد سمع الكندى وغيره. توفى فى سابع رجب من هذه السنة، ودفن من الغد فى مقابر توما بدمشق، قريبا من قبر الشيخ رسلان [٤٩٩] وكان معمرا. واللّورقى نسبة إلى لورقة بليدة من أعمال مرسية. الشيخ أبو بكر (٣) الدينورى أحد الصلحاء، تلميذ الشيخ عز الدين الدينورى. وهو بانى الزاوية بالصالحية بدمشق، وكانت له فيها جماعة مريدون يذكرون بأصوات حسنة طيبة، توفى فى هذه السنة. الشيخ الإمام كمال الدين أبو الحسن على (٤) بن أبى الفوارس شجاع بن العباس ابن عبد المطلب القرشى الهاشمى المصرى المقرئ، الشافعى الضرير.

стр. 365

وكان قد تصدر بمصر والقاهرة لإقراء القرآن الكريم، وانتفع الناس به انتفاعا كثيرا، وإليه انتهت رئاسة الإقراء بالديار المصرية، توفى فيها بالقاهرة ﵀. الشريف أبو العباس أحمد بن الصقلى، وكان شاعرا خليعا، توفى فى هذه السنة. الأمير مجير الدين (١) بن خوشتر بن الكردى. كان من أمراء مصر، وحضر كسرة التتار بعين الجالوت مع الملك المظفر قطز، وغزا يومئذ حتى فتح الله على المسلمين. مات بدمشق فى التاسع والعشرين من شعبان منها، ودفن بالجبل، وأبوه الأمير حسام الدين، مات محبوسا مع عماد الدين بن المشطوب فى البلاد الشرقيّة التى للأشرف. وقال ابن كثير: الأمير مجير الدين أبو الهيجاء عيسى (٢) بن خوشتر بن الأزكثى الكردى. كان من أعيان الأمراء الكبار (٣) وشجعانهم، وله يوم عين جالوت اليد البيضاء، ولما دخل الملك المظفر قطز إلى دمشق بعد الوقعة جعله مع الأمير علم الدين الحلبى

стр. 366

- نائب البلد - مستشارا، ومشاركا (١) فى الرأى والتدبير والمراسيم، وكان يجلس معه فى دار العدل، وله الأقطاع الكامل والرزق الواسع. وقال ابن كثير أيضا: وولده الأمير عز الدين تولى ولاية دمشق مدة، وكان مشكور السيرة، وإليه ينسب درب ابن سنون بالصاغة العتيقة، فيقال له: درب بن أبى الهيجاء، لأنه كان به سكنه، وكان يعمل الولاية فيه، فيعرف به: وبعد موته بقليل كان نزولنا حين قدمنا من حوران به، فختمت فيه القرآن العظيم (٢). الملك المغيث فتح الدين الدين عمر (٣) بن الملك العادل الصغير أبى بكر بن الملك العادل الكبير أبى بكر بن أيوب بن [٥٠٠] شادى صاحب الكرك. قتل فى هذه السنة، وسببه أنه كان فى قلب الملك الظاهر منه غيظ عظيم لأمور كانت بينهما. قيل: إن المغيث المذكور أكره امرأة الملك الظاهر بيبرس، لما قبض المغيث على البحرية وأرسلهم إلى الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، وهرب الملك الظاهر بيبرس المذكور، وبقيت امرأته فى الكرك. وكان من حديث مقتله أن الملك الظاهر مازال يجتهد على حضوره، وحلف لوالدته على غزّة كما ذكرنا، وكان عند المغيث شخص يسمى الأمجد، وكان

стр. 367

يبعثه فى الرسلية إلى الملك الظاهر، فكان الظاهر يبالغ فى إكرامه وتقريبه، فاغتر الأمجد بذلك، وما زال على مخدومه الملك المغيث حتى أحضره إلى الملك الظاهر (١). وقال المؤيد فى تاريخه: حكى لى شرف الدين بن مزهر، ناظر خزانة المغيث، قال: لما عزم المغيث على التوجه إلى خدمة الملك الظاهر، لم يكن قد بقى فى خزانته شئ من القماش ولا المال، وكانت لوالدته حواصل بالبلاد، فبعناها بأربعة وعشرين ألف درهم، واشترينا بإثنى عشر ألفا خلعا من دمشق، وجعلنا فى صناديق الخزانة الإثنى عشر الألف الأخرى، ونزل المغيث من الكرك، وأنا والأمجد وجماعة من أصحابه معه فى خدمته. قال: وشرعت البريدية تصل إلى المغيث فى كل يوم بمكاتبات الملك الظاهر، ويرسل صحبتهم غزلانا ونحوها، والمغيث يخلع عليهم حتى نفذ ما كان بالخزانة من الخلع. ومن جملة ما كتب إليه فى بعض المكاتبات، أن المملوك ينشد فى قدوم مولانا: خليلىّ هل أبصرتما أو سمعتما … بأكرم من مولى تمشّى إلى عبد قال: وكان الخوف فى قلب المغيث شديدا من الملك الظاهر، قال ابن مزهر المذكور: ففاتحنى فى شئ من ذلك بالليل، فقلت له: احلف لى أنك ما تقول للأمجد ما أقوله لك حتى أنصحك، فحلف لى، فقلت له: أخرج

стр. 368

الساعة من تحت (١) الخام، واركب حجرتك (٢) النحيلة، ولا يصبح لك الصباح إلا وأنت قد وصلت إلى الكرك، فتعصى فيه، وما تفكر بأحد. قال ابن مزهر: فغافلنى وتحدّث مع الأمجد فى شئ من ذلك، فقال له الأمجد: هذا رأى ابن مزهر، إياك من ذلك، وسار المغيث. حتى وصل إلى بيسان، فلقى الظاهر كما ذكرناه، فقبض عليه وأرسله [٥٠١] على الفور معتقلا إلى مصر، وكان آخر العهد به. قيل: إنه حمل إلى امرأة الملك الظاهر بيبرس بقلعة الجبل، فأمرت جواريها فقتلته بالقباقيب، ثم قبض الملك الظاهر على جميع أصحاب المغيث ومن جملتهم ابن مزهر المذكور، ثم بعد ذلك أفرج عنهم. وقال المؤيد: ولما قبض الظاهر على المغيث أحضر الفقهاء والقضاة وأوقفهم على مكاتبات من التتار إلى المغيث أجوبة عما كتب إليهم به فى أطماعهم فى ملك مصر والشام، وكتب بذلك مشروح، وأثبت على الحكام (٣). الملك الأشرف موسى (٤) بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شير كوه ابن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شير كوه بن شادى بن مروان صاحب حمص.

стр. 369

مات فى هذه السنة بعد عوده من خدمة السلطان الملك الظاهر بيبرس إلى حمص بمرض اشتدّ به، فتوفى وأرسل الملك الظاهر فتسلّم حمص فى ذى القعدة من هذه السنة. وهذا الملك الأشرف هو آخر الملوك الذين ملكوا حمص من بيت شيركوه. وكان من ملك منهم حمص خمس ملوك أولهم أسد الدين بن شيركوه ابن شادى، ملكه إياها نور الدين الشهيد ﵀، ثم ملكها من بعد أولاده المذكورون واحدا بعد واحد، فآخرهم موسى المذكور، وانقرض بموته ملكهم حمص (١). وذكر ابن كثير وفاة الملك الأشرف المذكور فى سنة اثنتين وستين وستمائة، قال: وكان من الكرماء الموصوفين، والكبراء الدماشقة المترفين، فيعتنى بالمأكل والمشارب والملابس والمراكب، وقضاء الشهوات والمآرب، وكثرة التنعمّ بالمغانى والحبايب، ولما توفى وجد له حواصل من الجواهر النفيسة، والأموال الكثيرة، وعاد ملكه إلى الدولة الظاهرية (٢)، واستناب ببلاده من المماليك البحرية. قال أبو شامة: وقبله بقليل توفى الزين خضر (٣) المعروف بالمسخرة، وكان من ندماء الأشرف موسى بن العادل (٤).

стр. 370

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثانية والستين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العباسى، وهو مقيم بالقاهرة. وسلطان البلاد المصرية والشامية: هو الملك الظاهر بيبرس البندقدارى الصالحى؛ وقاضى القضاة [٥٠٢] بها تاج الدين بن بنت الأعز، ونائبه بدمشق: الأمير جمال الدين أقوش النجيبى، وقاضى القضاة بدمشق شمس الدين بن خلكان. ونائبه بحلب: الأمير نور الدين على الهكّارى. وصاحب البلاد الرومية: السلطان ركن الدين قليج أرسلان السلجوقى. وصاحب العراقين وخراسان وغيرها: هلاون بن طلو خان بن جنكز خان. وصاحب البلاد الشمالية: بركة خان. وصاحب بلاد الغرب: أبو يوسف يعقوب المرينى. وصاحب مكة: الشريف نجم الدين بن أبى نمى الحسنى. وصاحب المدينة: عز الدين جماز بن سالم الحسينى. وصاحب اليمن: الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر.

стр. 371

ذكر ماجريّات الملك الظّاهر: منها: أن الظاهر توجه إلى الغربيّة، ومنها إلى ثغر دمياط، وزار البرزخ، ورسم بعمل فم بحر الدمياط وردمه بالقرابيس وتضبيقه، ليمنع سفن العدو الكبار من دخولها، وأمر بحفر أشمون. ومنها: أنه رسم بعمارة بير اللّبونة غربى الإسكندرية، وحفر منافسها، وأنشأ بستانا فيها، لأنها منزلة من المنازل عند توجهه إلى الحمامات للصيد، فشرع فيها. ومنها: أنه عمر مسجدا مجاور المشهد الحسينى، رضى الله عنه. ومنها: أنه عمر بالقدس الشريف خانا، ووقف عليه أوقافا للنازلين به فى إصلاح نعالهم وأكلهم وغير ذلك، وبنى به طاحونا وفرنا. ومنها: أنه ندب عز الدين الأفرم لحفر فم الخليج للإسكندرية، فحفر وبنى هناك مسجدا. ومنها: أنه ندب الأمير جمال الدين موسى بن يغمور إلى جزيرة بنى نصر للاهتمام بريّها. ومنها، أنه سامح ما كان مقررا على ولاية مصر من رسوم الولاية. ومنها: أنه لما غلت ديار مصر أمر بالتسعيرة طلبا للرفق، ورسم بأن يباع من أهرائه خمسمائة أردب كل يوم، بما قسمه الله من السعر. وفى تاريخ بيبرس: وفى هذه السنة غلت أسعار الغلال بالديار المصرية، وبلغ القمح قريب مائة درهم نقرة الإردب، فرسم السلطان بالتسعير طلبا للرفق

стр. 372

بالفقير (١)، [والجبر للكسير (٢)]، واشتد الحال، وقلت الأقوات، وكاد الخبز يعدم من أسواق القاهرة ومصر، فأمر بالنداء فى الصعاليك والفقراء أن يجتمعوا تحت القلعة، فاجتمعوا ونزل إلى دار العدل، وأبطل التسعير، ورسم بأن يجتمعوا تحت القلعة، فاجتمعوا ونزل إلى دار العدل، وأبطل التسعير، ورسم بأن يباع من أهرائه [٥٠٣] خمسمائة أردب كل يوم، بما يقدره الله تعالى من السعر، ويوزع على الضعفاء (٣) والأرامل من ويبتين فما دونهما، وأمر بإحضار كل من بالقاهرة ومصر وحواضرها من الفقراء وأفرد منهم ألوفا يقوتهم من ماله، ووزع منهم لولده الملك السعيد جماعة، وفرق على كل أمير نظير عدّة جنده، وفرق على مفاردة الحلقة بحسب أحوالهم، وعلى المقدمين والبحرية والوزير والأكابر والتجار والشهود والمتعممين، ورسم أن كل من خصه فقير يعطيه مؤنته لثلاثة أشهر (٤). ومنها: أنه اهتم بتجهيز كسوة الضريح النبوى، على ساكنه أفضل الصلوات، صحبة الطواشى جمال الدين محسن الصالحى فى شهر رمضان، وأجرى فى هذا الشهر الصدقات على الفقراء بالقاهرة ومصر، ورتب لهم مطابخ لفطر الصائمين. ومنها: أنه عزم على طهور ابنه الملك السعيد ناصر الدين بركة، فعرض الجيوش المنصورة لابسى عدد الحروب، وعبروا عشرة عشرة وهو جالس على الصفّة التى بجانب دار العدل تحت القلعة، ثم طهر ولده المذكور، وطهر معه جماعة من أولاد الأمراء الكبار، ولم يقبل السلطان من أحد من الأمراء تقدمة:

стр. 373

ملك تعود أنه … يهب البلاد مع الممالك [ويجود بالمدن العظام … وبالحصون وما هنالك (١)] حاشاه يسلك من … قبول هديةّ تلك المسالك [أو أنه مع جوده وعطا … ئه يرضى بذلك (٢)] ومنها: أنه توجّه إلى ثغر الإسكندريّة متصبّدا، ووصل إلى الكرش، وهى قريب العقبة الصغرى التى غربىّ الحمامات، وعند عوده جعل سيف الدين عطاء الله بن عزاز مقدّما على عرب برقة، وقرر عليهم الزكاة، والزمهم باستخراجها منهم وحملها (٣). ومنها: أنه بلغه أن جماعة من التتار واصلون مستأمنون، فأخذ بالعزم، وعزم على الخروج بالعساكر لأجل تواتر الأخبار بمجئ هلاون مع التتار، وعزم على تقرير السلطنة لابنه ناصر الدين بركة. ذكر سلطنة الملك السعيد ناصر الدين بركة: ولما كان يوم الخميس ثالث عشر شوال من هذه السنة، أركب السلطان ولده الملك السعيد بشعار السلطنة ومشى [٥٠٤] فى ركابه حاملا له الغاشية، وأخذها الأمراء الكبار واحدا بعد واحد، وعليهم الخلع الفاخرة، والحلل الزاهرة،

стр. 374

وزينت المدينة زينة تامة، واستبشر بذلك الخاصة والعامة، وتقرّر أن يكون أتابكه الأمير عز الدين أيدمر الحلى (١). وكتب تقليده [الشريف (٢)]، وقرئ فى السابع عشر من الشهر وهو: الحمد لله منمى الغروس، ومبهج النفوس، ومزين سماء المملكة بأحسن الأهلة وأضواء البدور، وأشرق الشموس الذى شد أزر الإسلام (٣) بملوك يتعاقبون مصالح (٤) الأنام، ويتناوبون تدبيرهم كتناوب العينين واليدين فى مهمات الأجساد وملمّات الأجسام. نحمده على نعمه التى أيقظت جفن الشكر المتغافى، وأوردت منهل الفضل الصافى، وخوّلت الآلاء حتى تمسّكت الآمال منها بالوعد الوفى، وأخذت بالوزن الوافى. وأشهد (٥) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبد كثر الله عدده وعدده، وأحمد أمسه ويومه، ويحمد إن شاء الله غده، ونصلى على سيد محمد الذى أطلع الله به نجم الهدى، وألبس المشركين به أردية الردّى، وأوضح به

стр. 375

مناهج الدين، وكانت «طرائق قددا (١)» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة لا تنقضى أبدا. وبعد فإنا لما ألهمنا الله من مصالح الأمم، وخولناه من الحرص على مهمّات العباد التى قطع به شأفة الكفر وحسم، وأتى بنا والشرك قد علم كل أحد اشتعال ناره، فكان علما بنار مضرّمة، لا نارا على علم، وقدره من دفع الكفر من جميع الجوانب، وقمعهم من كل جهة حتى رميناهم بالحتف الواصل والعذاب الواصب، فأصبح الشرك من الإبادة فى شرك، والإسلام لا يخاف من فتك ولا يخاف من درك، وثغور الإسلام عالية المبتنى نامية المقتنى، جانية بمار؟؟؟ الادخار من هنا ومن هنا، تزاحم بروجها فى السماء البروج، ويشاهد الأعداء منها سماء بنيت وزينت ومالها من فروج، وعساكر الملة [٥٠٥] المحمدية فى كل طرف أطراف الممالك تجول، وفى كل وادتهيم حين تشعر بالنصر ولكنها تفعل ما تقول، قد دوّخت البلاد فقتلت الأعداء تارة بالإمام وتارة بالأوهام، وسلت سيوفها فراعتهم يقظة بالقراع ونوما (٢) بالأحلام، نرى أنا قد لذّ لنا هذا الأمر التذاذ المستطيب، وحسن لدينا موقعه فعكفنا عليه عكوف المستجيد ولبيناه تلبية المستجيب، وشغلنا فيه جميع الأوقات والحواش، وتقسمت مباشرته ومؤامرته سائر الزمن حتى غدا أكثر تردادا الى النفس من (٣) الأنفاس، واستنفدنا الساعات فى امتطاء الضمر الشوس، وإدراع محكم الدلاص التى كأنها ومضات (٤) برق أو شعاع

стр. 376

شموس، وتجريد المرهفات التى قد حفّت لحاظها الأجفان، وجرت فكّا لمياه واضطرمت فكا لنيران، وتفويق السهام التى قد غدت قسيّها من اتعابنا لها تئن، واعتقال السمهرية التى تقرع الأعداء سنّها ندما كلما قرعت هى السنّ، الى غير ذلك من كلّ غارة شعواء تسئ للكفار الصباح، وتصدم كالجبال وتسير كالرياح، ومنازلات كم استكبت من موجود، وكم استنجزت من نصر موعود، وكم مدينة أضحت لها مدنية ولكن أخرها الله إلى أجل معدود. وكانت شجرتنا المباركة قد امتدّ منها فرع تفرّسنا فيه (١) الزيادة والنموّ، وتوسمنا منه حسن الجناء المرجوّ، ورأينا أنه الهلال الذى أخذ فى ترقى منازل السعود إلى الإبدار، وإنه سرّنا الذى صادف مكان الاختيار له حسن الاختيار، أردنا أن ننصبه فى منصب أحلنا الله فسيح غرفه، ونشرّفه بما خوّلنا الله من شرفه، وأن تكون يدنا ويده يقتطفان من ثمره، وجيدنا وجيده متحليان بجوهره، وأنا نكون للسّلطنة الشريفة السمع والبصر، وللمملكة المعظمة فى التناوب بالاضاءة الشمس والقمر، وأن تصول الأمّة منا ومنه بخدّين، ويبطشون من أمرنا وأمره بيدين، وأن نربيه على حسن سياسة تحمد الأمة إن شاء [٥٠٦] الله عاقبتها عند الكبر، وتكون الأخلاق الملوكية منتشية (٢) معه ومنتشبة به من الصغر، ونجعل سعى الأمّة حميدا، ونهب لهم منه سلطانا نصيرا، وملكا سعيدا، ونقوى به عضد الدين، ونريش جناح المملكة، وننجح مطالب الأمّة بإيالته، وكيف لا ينجح مطلب يكون فيه بركة.

стр. 377

وخرج أمرنا، لا برح مسعدا ومسعفا، ولا عدمت الأمة منه خلفا منيلا ونواء مخلفا، بأن يكتب هذا التقليد لولدنا الملك السعيد [ناصر الدين (١)] بركة خاقان محمد، جعل الله مطلع سعده بالإشراق محفوفا، وارى الأمّة من منامه ما يدفع للدهر صرفا ويحسن بالتدبير تصريفا بولاية العهد الشريف على قرب البلاد وبعدها، وغورها ونجدها، وعساكرها وجندها، وقلاعها وثغورها، وبرورها وبحورها، وولاياتها وأقطارها، ومدنها وأمصارها، وسهلها وجبلها، ومعطلها ومعتملها، وما تحوى أقطاره الأقلام، وما ينسب للدولة القاهرة من يمن وحجاز ومصر وغرب وسواحل وشآم بعد شام، وما يتداخل ذلك من قفار ومن بيد فى سائر هذه الجهات، وما يتحللها من نيل وملح وعذب فرات، ومن يسكنها من حقير وجليل، ومن يحتلها من صاحب رغاء وثغاء، وصليل وصهيل، وجعلنا يده فى ذلك كله المبسوطة، وطاعته المشروطة، ونواميسه المضبوطة، ولا تدبير ملك كلى إلا بنا أو بولدنا يعمل، ولا سيف ولا رزق إلا بأمرنا هذا يسلّ وهذا يسأل، ولا دست سلطنة إلا بأحدنا يتوضح منه الإشراق، ولا غض قلم فى روض أمر ونهى إلا ولدينا أو لديه وتمتدّ له الأوراق، ولا منبر خطيب إلا باسمينا يميس، ولا وجه درهم ولا دينار إلا بنا يشرق ويكاد تبرّجا لا بهرجا يتطلع من خلال الكيس. فليتقلد الولد ما قلّدناه من أمور العباد، وليشركنا فيما نباشره من مصالح الثغور والقلاع والبلاد، [٥٠٧] وسننعاهد الولد من الوصايا بما سينشأ معه توأما (٢)، ويمنزج بلحمه ودمه حتى [يكاد (٣)] يكون ذلك إلهاما لا تعلما، وفى الولد

стр. 378

بحمد الله من نقاء الذهن وصحة التصوّر ما يتشكل فيه الوصايا أحسن التشكيل، وتظهر صورة الإبانة فى صفائه الصقيل، فلذلك استغنينا عن شرحها مسرودة، وفيه بحمد الله من حسن الخليفة ما يحقق أنها بشرف الإلهام موجودة، والله لا يعدمنا منه إشفاقا وبرا، ويجعله [أبدا (١)] للأمّة سندا وذخرا (٢). ذكر المدرسة التى بناها السّلطان الظاهر بالقاهرة: وفى أول هذه السنة، كملت المدرسة الظاهرية التى ببين القصرين، ورتب لتدريس الشافعية بها القاضى تقى الدين محمد (٣) بن الحسين بن رزين، ولتدريس الحنفية مجد الدين عبد الرحمن (٤) بن كمال الدين عمر بن العديم، ولمشيخة الحديث بها الشيخ شرف الدين الدمياطى عبد المؤمن (٥) بن خلف الحافظ. وكان الإجلاس بها فى الخامس من صفر من هذه السنة، واجتمع بها أهل العلم والأدباء والفقهاء، ودرس المدرسون، واندفع الشعراء يمتدحون، فأنشد السراج عمر (٦) الوراق:

стр. 379

مليك له فى العلم حبّ وأهله … فلله حبّ ليس فيه ملام فشيّدها للعلم مدرسة غدا … عراق إليها شيّق وشآم فلا (١) … تذكرن يوما نظامية لها فليس يضاهى ذا النظام نظام ولا تذكرن ملكا وبيبرس مالكا … وكل مليك فى يده غلام ومذ برزت كالروض فى الحسن أنبأت … بأنّ يديه فى النوال غمام (٢) وأنشد الجمال يوسف بن الخشاب: قصد الملوك حماك والخلفاء … فافخر فإن محلك الجوزاء أنت الذى أمراؤه بين الورى … مثل الملوك وجنده امراء ملك تزينت الممالك باسمه … وتجملت بمديحه الفصحاء وترفّعت لعلاه خير مدارس … حلّت بها العلماء والفضلاء يبقى كما يبقى الزمان وملكه … باق له ولحاسديه فناء كم للفرنج وللتتار (٣) … ببابه رسل مناها العفو والإعفاء [٥٠٨] وطريقه لبلادهم موطوءة … وطريقهم لبلاده عذراء دامت له الدنيا ودام مخلّدا … ما أقبل الإصباح والإمساء (٤) وأنشد الأديب أبو الحسن الجزار:

стр. 380

ألا هكذا يبنى المدارس من بنى … ومن يتغالى فى الثواب وفى الثنا لقد ظهرت للظاهر الملك همّة … بها اليوم فى الدارين قد بلغ المنا تجمّع فيها كلّ حسن مفرّق … فراقت قلوبا للأنام وأعينا ومذ جاورت قبر الشهيد فنفسه … النفيسة [منها (١)] فى سرور وفى هنا وما هى إلا جنّة الخلد أزلفت … له فى غد فاختار تعجيلها هنا (٢) فشرّف الشعراء المذكورون ووصلوا (٣). ذكر بقية الحوادث: منها: أن هيثوم بن قسطنطين متملك الأرمن وصل من جهة السلطان هلاون إلى حضرة السلطان ركن الدين قليج أرسلان صاحب الروم، واستصحب معه قاضى هلاون، وجماعة من التتار، فالتقاه صاحب الروم مترجلا، وجاء إلى هرقله، وتحالفا واتفقا، واهتم الأرمنى بجمع عساكره لقصد البلاد الإسلامية، وسار إلى قلعة صرفند كار، ومعه ألف فارس من بنى كلاب، وقصدوا عينتاب. فجهز السلطان عسكرى حماة وحمص إلى حلب، وأمرهم بالإغارة على عسكر الأرمن، فأغاروا عليهم، وقتلوا منهم ثلاثين نفرا، وأسروا أميرا من أمرائهم، وأخذوا مائة حمل من البخاتى، وجرح بارون بهرام، وهو صاحب حموص، وقرابة الملك، جراحة شديدة، وانهزموا راجعين (٤).

стр. 381

ومنها: أنه وصلت جماعة من عسكر شيراز إلى الخدمة، مقدمهم الأمير سيف الدين بكلك، ومعهم سيف الدين اقتبار جمدار جلال الدين خوارزم شاه، وغلمان أتابك سعد، وهم: شمس الدين سنقرجاه ورفقته، ووصل معهم حسام الدين حسين بن علاج أمير العراق، ومظهر الدين وشاح بن شهرى، وجماعة من أمراء خفاجة، فأحسن إليهم وجهزهم إلى بلادهم. ومنها: أنه وصل رسول من الأمير شارل (١) أخى الفرنسيس بهدية. ومنها: أنه وصلت إلى السلطان كتب أصحاب خيبر عبيد الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، يبذلون الطاعة، ويسألونه إرسال من يتسلم [٥٠٩] خيبر، فندب أمين الدين موسى بن التركمان، وكتب إلى نائب الكرك، بأن يجرد معه جماعة من البحرية الذين بالكرك، فتوجه إليها وتسلمها (٢). ومنها: أنه وصل الأمير جلال الدين شكر ولد الدوادار مجاهد الدين دوادار الخليفة ببغداد، فأعطاه السلطان طبلخاناه ومعها عشرة عقبان، فأطلقها وفرقها. فقال فى ذلك الأمير جمال الدين بن الإمام الحاجب: جاءت ملوك الطير فى يد آسر … قهرا إلى ملك الأنام الظاهر أضحى سليمان الزمان فملكه … يسمو به لقياصر وأكاسر ملك الزمان سيأتينك مثلهم … فى أسر خادمك الزمان الجائر ومنها: أنه وجدت بظاهر القاهرة، خارج باب الشعرية، امرأة تتحيل على الناس، وتدخلهم بيتا لها هناك، وقد أعدت فيه رجالا يطابقونها على سوء

стр. 382

فعلها، فيخنقون من تأتى به فقتلت خلقا كثيرا من رجال ونساء، فأمر بها فسمرت. وكان اسم هذه المرأة السيئة غازية الخنافة، وكانت ذات حسن وجمال، وكانت تمشى بالمدينة ومعها عجوز تطمع الناس فى نفسها، وكان من طمع فيها وطلبها تقول له العجوز: أنها لا يمكنها التوجه إلى أحد، ولكن تعال أنت إلى بيتها، فيجئ، فيطلع له رجلان، فيقتلانه ويأخذون ما معه، وكانوا ينتقلون من مكان إلى مكان، فاتفق أن العجوز أتت إلى بعض المواشط، وأمرتها أن تأخذ ما تقدر عليه من الحلى والحلل، وتمضى معها لعروسة عندها، ففعلت الماشطة، واستصحبت معها جارية لها، ولما دخلت الماشطة منزلهم، رجعت الجارية إلى مكانها، فقتلوا الماشطة، وأخذوا ما معها، فاستبطأتها جاريتها، فجاءت إليهم وطلبتها، فأنكروها وادعوا أنها خرجت من يومها، فمضت وأتتهم بصاحب الشرطة، فإحتاط عليهم وعذبهم، فأقروا بما كانوا يفعلون، وأطلعوا فى بيتهم على حفرة فيها خلق عظيم مقتولين، وكان بعض الطوابين قد اتفق معهم، وجعلوا يحضرون إليه القتلى مختفيا، فيحرقهم فى أقمنة الطوب، فأمسكوا جميعا وسمّروا، وكانوا خمسة أنفس، وأما المرأة فإنها بعد التسمير أطلقت، فأقامت [٥١٠] يومين، ثم ماتت، عليها ما تستحق (١). ومنها: أنه اتفقت واقعة بالمغرب بين أبى يوسف يعقوب المرينى وبين الفرنج، وكان المقدم عليهم قائدا من قواد هم يسمى بدر قزمان، على مكان

стр. 383

يقال له بيتره، فهزمه المرينى، وقتل جماعة ممن كان معه، وأثر فى تلك البلاد آثارا كثيرة (١). ومنها: أن نصير الدين الطوسى قدم إلى بغداد من جهة هلاون، فنظر فى الأوقاف وأحوال البلد، وأخذ كتبا عظيمة كثيرة من سائر المدارس وحولها إلى الرصد الذى بناه بمراغة، ثم انحدر إلى واسط والبصرة (٢). ومنها: أن الأشكرى قبض على السلطان عز الدين كيكاوس صاحب الروم، وقد ذكرنا أنه انهزم من أخيه ركن الدين قليج أرسلان، وتوجه إلى القسطنطينية، فأكرمه الأشكرى، وأقبل عليه، وعلى من معه من الأمراء، فلما كان هذه السنة خطر يبال الأمراء الروميين الذين معه وهم: غرلّو أمير آخور (٣)، وعلى بهادر، وأمير مجلس أن يثبوا على الأشكرى فيقتلوه، ويستولوا على بلاده، فعرفوا أستاذهم بذلك، وسألوه كتمانه عن أخواله كرخيا وكركريد، فاستدعى خاليه، وعرفهما ما عزم أولئك عليه، وأشار إليهما بإعلام الأشكرى بذلك، ومنعه من الركوب فى غداة اليوم الذى عزموا على اغتياله فيه، فتوجها إلى الأشكرى وأعلماه، فلم يركب ذلك النهار، وعمل وليمة كبيرة، وعزم على السلطان عز الدين وعلى أمرائه فأكلوا وشربوا، ورتب أن يمسكوا إذا خرجوا، فقبض على كل من خرج منهم، وعلى السلطان عز الدين أيضا، وقيدوا، وسير السلطان وأولاده إلى قلعة من القلاع الغربية، فاعتقلوا فيها، وأما أمراؤه

стр. 384

فإنه (١) كحلهم جميعا، ثم رسم بأن يجمع كل من يلوذ بهم من الجند والغلمان والعامة والحاشية، وجمعوا فى الكنيسة الكبرى جميعا، وحضروا (٢)، وحضرت البطاركة والبطارقة، وعرضوا (٣) عليهم الدخول فى دين النصرانية، فمنهم من تنصر وسلم، ومن أبى إلا البقاء على إسلامه فكحل، وكان فيهم رجل من أرزنكان يسمى نور الدين، فلما أحضروه وعرضوا (٤) [٥١١] عليه التنصر، فصاح وقال (٥): الجنة معدة للإسلام، والنار معدة لكم، فطالعوا الملك بأمره، فقال: هذا رجل ثابت على دينه، فاعطوه كتاب الطريق ولا تعرضوا (٦) له، فأطلقوه. وأما عز الدين كيكاوس وأولاده، فإنه بقى معتقلا بتلك القلعة إلى سنة ثمان وستين وستمائة (٧). ومنها: انه حصل بجاسوسين للتتار، ووجد معهما فرمان هلاون للأمير فارس الدين أقطاى الأتابك، فعلم السلطان أن ذلك مكيدة من التتار، لعنهم الله. وفيها: « ......... (٨)» وفيها: حج بالناس « ......... (٩)»

стр. 385

ذكر من توفى فيها من الأعيان القاضى الخطيب عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم (١) بن قاضى القضاة جمال الدين عبد الصمد بن محمد الحرستانى. كان خطيبا بدمشق وناب فى الحكم عن أبيه فى الدولة العادلية، ثم عن ابن خليل الحوىّ، ثم استقل بقضاء القضاة بدمشق فى الدولة الأشرفية، ثم كان خطيب دمشق، ومدرس الغزالية (٢)، وشيخ دار الحديث الأشرفية، بعد ابن الصلاح إلى أن توفى بدار الخطابة فى التاسع والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن عبد الكريم (٣) بسفح جبل قاسيون وقد جاوز الثمانين بخمس سنين. وتولى بعده الخطابة والغزالية ولده مجير الدين (٤)، وباشر بعده مشيخة دار الحديث الشيخ شهاب الدين أبو شامة، ﵀. محيى الدين محمد (٥) بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة، الحافظ المحدث الأنصارى الشاطبى أبو بكر المغربى.

стр. 386

عالم فاضل ديّن، وأقام بحلب مدة، ثم اجتاز بدمشق قاصدا الديار المصرية، وقد ولى دار الحديث الكاملية بعد زكى الدين عبد العظيم المنذرى، وقد كان له سماع جيد ببغداد وغيرها من البلاد، وقد جاوز السبعين، مات فى هذه السنة بالقاهرة. القبارى الشيخ الصالح محمد (١) بن منصور بن يحيى القبارى الأسكندرانى. كان يكون مقيما بغيط يقتات من ثماره وزرعه، ويتورع فى تحصيل نذره. قال أبو شامة: بلغنى أنه كان إذا رأى ثمرة ساقطة فيه تحت [٥١٢] أشجاره ولا يشاهد سقوطها من شجره يتورع من أكلها، خوفا أن يكون من شجر غيره قد حملها طائر فسقطت منه فى غيطه (٢). وكانت وفاته فى السادس من شعبان منها بالإسكندرية، وله خمس وستون سنة، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويردع الولاة من الظلم، فيسمعون منه ويطيعونه، وإذا جاء الناس إلى زيارته يكلمهم من طاقة المنزل وهم راضون منه بذلك. ولما توجه الملك الظاهر إلى الإسكندرية فى العام الماضى، قصد زيارته، فركب إلى بستانه، فلم يفتح له الباب، ولما توفى دفن فى بستانه بوصية منه. وقال ابن كثير: وغريب ما حكى عنه أنه باع دابة له من رجل (٣)، فلما كان

стр. 387

بعد أيام جاء الرجل فقال: يا سيدى إن الدابة [التى اشتريتها منك (١)] لا تأكل عندى شيئا، فنظر إليه الشيخ فقال: ما تعانى من الصنائع (٢)؟ فقال: رقاص عند الوالى. فقال: إنّ دابتنا لا تأكل الحرام، ودخل منزله فأعطاه دراهمه ومعهما دراهم كثيرة قد اختلطت بها أيضا معها، فاشترى الناس من الرقاص كل درهم بثلاثة دراهم لأجل البركة، [وأخذ دابته (٣)] وترك من الأثاث (٤) ما يساوى خمسين درهما فأبيع بمبلغ عشرين ألفا (٥)، ﵀. محيى الدين عبد الله (٦) بن صفى الدين إبراهيم بن مرزوق، توفى فى الثامن والعشرين من رمضان منها بداره بدمشق المجاورة للمدرسة النورية. وقال ابن كثير: داره هى التى جعلت مدرسة للشافعية، وقفها الأمير جمال الدين أقوش النجيبى وبها إقامتنا، وقد كان أبوه صفىّ الدين وزر مدة للملك الأشرف، وملك من الذهب ستمائة ألف دينار خارجا عن الأملاك والأثاث والبضائع، وكانت وفاة أبيه بمصر فى سنة تسع وخمسين، ودفن بتربة عند جبل المقطم (٧).

стр. 388

القاضى أبو البقاء صالح (١) بن أبى بكر بن سلامة المقدسى الفقيه الشافعى الحاكم بمدينة حمص. وكان حسن الطريقة محمود السيرة، توفى فى هذه السنة بحمص. القاضى زين الدين أبو الفتح محمد بن (٢) القاضى الموفق بن أبى الفرج الإسكندرانى. وهو من رؤساء بلده المشهورين، [٥١٣] وتولى القضاء والخطابة بها مدة، وتوفى فى الإسكندرية فى هذه السنة. كمال الدين أحمد (٣) بن القاضى زين الدين بن الأستاذ. كان تولى قضاء حلب بعد أبيه، فبقى على ذلك إلى أن أخذ التتار حلب، فنكب مع من نكب، وجاء مع أهله إلى دمشق، وخرج إلى مصر فبقى فيها إلى هذه السنة، فرجع إلى حلب فتوفى بها فى خامس عشر شوال، وكان فاضلا وابن فاضل، وجده من الصالحين، وجمع كتابا فى شرح الوسيط كان تعب فيه أبوه من قبل.

стр. 389

سليمان (١) بن المؤيد بن عامر العقربانى المعروف بابن الزين الحافظى. قتله هلاون فى هذه السنة، وقتل معه جميع أولاده وأهل بيته وأقاربه، وقال له هلاون قبل قتله: ثبتت خيانتك عندى، خدمت صاحب بعلبك طبيبا فخنته، واتققت مع غلمانه على قتله، ثم خدمت الملك الحافظ فباطنت عليه الملك الناصر صاحب الشام حتى أخرجته من قلعة جعبر، ثم خدمت الملك الناصر فخنته معى حتى أخرجت ديارة، ثم خدمتنا فشرعت تباطن صاحب مصر علينا، فأنت تشبه القرعة على وجه الماء كيف ما ضربها الهوى مالت معه. وقال ابن كثير: وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار سنة هلاون (٢) مالأ على المسلمين [وآذاهم (٣)] ودل على عوراتهم، ثم لما عادت الدولة الإسلامية صار إلى التتار، فكان عندهم حتى سلطهم الله عليه فأهلكوه: من أعان ظالما سلطه الله عليه (٤). الأمير حسام الدين (٥) الجوكندار العزيزى، من غلمان العزيز بن الظاهر بن السلطان صلاح الدين. وكانت له يد طولى فى كسر التتار على حمص، وقتل مقدمهم بيدرا، وكان تولى نيابة حلب، مات فى تاسع عشر المحرم من هذه السنة.

стр. 390

الشمس الوتار الموصلى (١). كان قد حصل شيئا من علم الأدب وخطب بجامع المزة مدة. قال أبو شامة: أنشدنى لنفسه فى الشيب والخضاب: وكنت وإياها مذ اختط عارضى … كروحين (٢) فى جسم وما نقضت عهدا فلما أتانى الشيب يقطع بيننا … توهمته سيفا فألبسته غمدا (٣)
следующие страницы →