← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ثانيا: الاشتراك فى تحقيق كتاب «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» لابن تغرى بردى ت ٨٧٤ هـ/ ١٤٧٠ م. صدر منه حتى الآن: - الجزء الأول - القاهرة ١٩٨٤ - الجزء الثانى - القاهرة ١٩٨٤ - الجزء الثالث - القاهرة ١٩٨٦ - الجزء الرابع - القاهرة ١٩٨٦ صدرت الأجزاء الأربعة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة ثالثا: فهرست وثائق القاهرة حتى نهاية عصر سلاطين المماليك ويحتوى على فهرسة كاملة للوثائق المحفوظة بدور الأرشيف بالقاهرة وهى: ١ - دار الوثائق القومية (مجموعة المحكمة الشرعية). ٢ - دفتر خانة وزارة الأوقاف بالقاهرة. ٣ - دار الكتب المصرية. ٤ - بطريركية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة. مع نشر وتحقيق تسعة نماذج. صدر عن المعهد العلمى الفرنسى للاثار الشرقية - القاهرة ١٩٨١.

стр. 457

فصل فيما وقع من الحوادث في السّنة الخامسة والسّتين بعد السّتّمائة (¬*) استهلت هذه السّنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة: الملك الظاهر، ونائبه بدمشق: الأمير جمال الدين أقوش (١) النجيبى، وبحلب: نور الدين على (٢) الهكّارى، وبحماة: الملك المنصور (٣). وكان أول السنة يوم الأحد (٤)، وفي اليوم الثانى خرج السلطان من دمشق إلى مصر، وقد ذكرنا أنه أرسل العساكر بين يديه إلى غزة، وعدل هو إلى

стр. 458

ناحية الكرك (١) لينظر في أحوالها، ولما وصل إلى القاهرة واستقرّ ركابه فيها نظر في أمور الناس. ثم في ثامن عشر ربيع (٢) الأول نزل السلطان إلى الجامع الأزهر وصلى فيه الجمعة، ولم تكن تقام فيه الجمعة من زمن العبيديين (٣) إلى هذا الحين، وهو أول مسجد وضع بالقاهرة، بناه جوهر القائد، وكان تقام فيه الجمعة إلى أن بنى الحاكم جامعه فحول إليه الجمعة وترك الأزهر (٤)، فأمر السلطان بعمارته وبياضه وإقامة الخطبة فيه، وكان فراغ جوهر القائد من بنائه فى سنة إحدى وستين وثلاثمائة فى خلافة المعز بن المنصور بعد بناء القاهرة بثلاث سنين، ويقال إن به طلسما لا يسكنه عصفور ولا يفرخ به، واستمرت إقامة الجمعة فيه إلى يومنا هذا. وقال بيبرس في تاريخه (٥): وقد كانت انقطت الخطبة فيه مدة تناهز مائة سنة، فأراد الله إعادتها للإمام الحاكم والملك الظاهر.

стр. 459

ثم وصل الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة السلطان بالديار المصريّة، ثم طلب منه الدستور (١) بأن يتوجه إلى الإسكندرية ليتفرج فيها، فرسم له بذلك، وأمر لأهل الإسكندريّة بإكرامه واحترامه، وفرش الشقق (٢) بين يدى فرسه، فتوجه إليها وتفرج، ثم عاد إلى الديار المصريّة مكرّما محترما، ثم خلع عليه السلطان وأحسن إليه على جارى عادته، ورسم له بالعود [٥٣٣] إلى بلده، فعاد. وقال بيبرس: وتوجّه الملك المنصور إلى العباسة (٣) أيضا صحبة السلطان للصيد، وعاد صحبته، ثم سافر إلى محلّ ولايته. ذكر توجّه الملك الظّاهر إلى ناحية الشّام: وفي هذه السنة توجه السلطان إلى الشام في بعض أمرائه، وأراح بقية العساكر بالديار المصريّة، وسار إلى صفد، فلما وصلها بلغه أن طائفة من التتار على عزم قصد الرحبة، (٤) فرتّب أمر عمارة صفد وسار إلى دمشق مسرعا (٥)، فورد الخبر برجوع التتار (٦) عن قصد الرحبة، فأقام بدمشق خمسة أيام، ثم عاد إلى جهة

стр. 460

صفد وحفر خندقا حول قلعتها، وعمل فيه بنفسه وأمرائه وجيشه، وأمر بعمارة سور صفد وقلعتها وأن يكتب عليها: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ (١): ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وقال أبو شامة: وفي شهر رجب حفر السلطان الظاهر بيبرس خندقا لقلعة صفد، وعمل فيه بنفسه وعسكره، وفي بعض تلك الأيام بلغه أن جماعة من الفرنج بعكا تخرج منها غدوة وتبقى ظاهرها إلى ضحوة، فسرى ليلة بعض عسكره فكمن لهم في تلك الأودية، فلما أبعدوا عن عكا فخرج عليهم من ورائهم فقتل وأسر، وضربت البشائر بدمشق بذلك (٣). وقال بيبرس: وفيها وصل إلى السلطان رسل الإفرنج وأجابوا إلى المناصفة في صيدا، وهدم الشقيف (٤)، وكان قد بلغه أنهم أغاروا على مشعرا، فأنكر عليهم وأقيموا بين يديه قياما مزعجا، ثم ركب وشنّ الغارة على عكا، وعمل اليزك (٥) على

стр. 461

أبوابها، وقطع الأشجار، وأحرق الثمار، وهدم طاحونا لبيت الاسبتار يسمى طاحون كردانة. وكان أهل صور (١) قد قتلوا شخصا من مقدمى رجال الصبيبة يسمى السابق شاهين، فقرّر عليهم ديته خمسة عشر ألف دينار صوريّة وسألوا الصلح، فأجابهم، وكتبت هدنة لمدة عشر سنين لصور (٢) وبلادها وهى تسعة وتسعون قرية، وقررت الهدنة مع بيت الاسبتار على حصن الأكراد والمرقب (٣). [٥٣٤] واستقرت قاعدة الصلح مع صاحبة بيروت، فإن أخاها كان قد غدر بمركب الأتابك فيه جماعة من التجار كانوا متوجهين إلى قبرس، فطالبهم السلطان بمال التجار، فالتزموا به، والتزموا إطلاق التجار، وتقرّر الصلح. وفيها: تنازع الشريف عز الدين جماز (٤) بن شيحة وبدر الدين مالك (٥) بن منيف ابن شيحة بن أخيه على نصف المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فحضر مالك بن منيف إلى الأبواب السلطانيّة على صفد مستصرخا،

стр. 462

فكتب له السلطان كتابا إلى عمّه بردّ النصف الذى كان بيد أبيه إليه، فتقرّر الانفاق بينهما. ومن غريب ما يحكى ما قاله ابن كثير: وحكى القاضى شمس الدين بن خلكان فيما نقل بخطه عن خط الشيخ قطب الدين اليونينى قال: بلغنا أن رجلا بدير أبى سلامة (١) من ناحية بصرى (٢)، وكان فيه جنون وعنده استهتار (٣)، فذكر عنده السواك وما فيه من الفضيلة فقال: والله لا أستاك إلا في المخرج، [يعنى دبره (٤)] فوضع سواكا في مخرجه [ثم أخرجه (٥)]، فمكث [بعده (٦)] تسعة أشهر [وهو يشكو من ألم البطن والمخرج (٧)]، ووضع ولدا على صفة الجرذان (٨)، له أربعة قوائم ورأسه كرأس السمكة وله دبر كالأرنب، ولما وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات، فقامت إليه ابنة ذلك الرجل [فرضخت (٩)] رأسه فمات، وعاش الرجل بعد وضعه له يومين، ومات في الثالث، وكان يقول: هذا الحيوان قتلنى وقطع أمعائى، وقد شاهد ذلك جماعة من أهل تلك

стр. 463

الناحية، وخطيب المكان (١)، ومنهم من رآه حيّا قبل أن يموت (٢)، ومنهم من رآه بعد موته (٣). وفيها: « ...... » (٤). وفيها: حج بالناس « ...... » (٥).

стр. 464

ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة بالديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب (١) بن خلف بن بدر العلامى المصرى، الفقيه الشافعى المعروف بابن بنت الأعز. تفقه على مذهب الشافعى، وسمع وحدّث، ووزّر لغير واحد من الملوك وتقدّم عندهم، وكان ديّنا عفيفا نزها، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يقبل [٥٣٥] شفاعة أحد، وجمع له قضاء الديار المصريّة بكمالها، والخطابة، والحسبة، ومشيخة الشيوخ، ونظر الأحباس (٢)، وتدريس الشافعىّ، والصالحيّة (٣)، وإمامة الجامع، وكان بيده خمس عشرة وظيفة، وباشر الوزارة في بعض الأوقات، وكان السلطان يعظمه، والوزير ابن الحنّا (٤) يخاف منه كثيرا وكان يحبّ أن ينكبه عند السلطان فلا يستطيع ذلك.

стр. 465

وكان مولده في سنة أربع وستمائة، وتوفى في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب من هذه السنة بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، وكانت جنازته مشهودة، وتولى بعده القضاء تقى الدين بن رزين (١). أبو شامة، الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن (٢) بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان ابن أبي بكر بن عباس، أبو محمد وأبو القاسم، المقدسىّ، الشيخ الصالح الإمام العلامة الحافظ المحدث المقرئ، الفقيه الشافعى المعروف بأبي شامة. شيخ دار الحديث الأشرفية (٣)، وتدريس الركنية، وصاحب المصنفات المفيدة منها: مختصر تاريخ دمشق، وشرح الشاطبيّة، وكتاب البعث والإسراء، وكتاب الروضتين في الدولتين النورية والصلاحية، وله الذيل على ذلك، وغير ذلك. ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وتفقه على الفخر بن عساكر (٤)، وابن عبد السّلام (٥)، والشيخ سيف الدين الآمدى (٦)،

стр. 466

والشيخ موفق الدين بن قدامة (١)، وكان يقال إنه بلغ رتبة الاجتهاد، وقد كان ينظم أشعارا، وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في تفننه وديانته وثقته وأمانته، وكان قرأ القرآن بالقراءات على الشيخ علم الدين السخاوى (٢) وصحبه مدة، وقرأ عليه العربيّة، وتفقه على الشيخ تقى الدين بن الصلاح (٣)، وقد كانت وفاته بسبب جماعة ألبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان (٤)، وكان قد اتهم بأمر، الظاهر براءته منه. وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم: إنه كان مظلوما، ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة، فذكر [٥٣٦] أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان، وكان الذين قتلوه جاؤوه قبل ذلك فضربوه ليموت فلم يمت، فقيل له: ألا تشتكى؟ فلم يفعل، وأنشأ يقول: قلت لمن قال ألا تشتكى … ما قد جرى فهو عظيم جليل فقيّض (٥) … الله تعالى لنا من يأخذ الحقّ ويشفى الغليل إذا توكلنا عليه كفى … فحسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 467

وكانهم عادوا إليه مرة ثانية وهو في منزله المذكور، فقتلوه في ليلة الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان منها، ودفن من يومه بمقابر باب الفراديس، وباشر بعده مشيخة الحديث الأشرفية الشيخ محيي النورى (١)، ﵀. الشيخ الأصيل أبو يوسف يعقوب بن أبي البركات عبد الرحمن بن القاضى أبي سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن على بن المطهر بن أبي عصرون التميمى الشافعى، المنعوت بالسعد. أجاز له جماعة منهم: الحافظ بن الجوزى (٢)، ودرس بالمدرسة القطبيّة (٣) بالقاهرة مدة، وهو من ذوى البيوتات المشهورة بالفقه والحديث والتقدّم، مات في الثالث والعشرين من شهر رمضان بالمحلة. الأمير الكبير ناصر الدين أبو المعالى الحسّين (٤) بن أبى الفوارس القيمرىّ الكردىّ.

стр. 468

كان من أعظم الأمراء وأرفعهم منزلة عند الملوك، وهو الذى سلم الشام إلى الملك الناصر يوسف صاحب حلب حين قتل توران شاه بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب بمصر، وهو واقف المدرسة القيمريّة (١) عند مئذنة فيروز، وعمل على بابها سامات لم يسبق إلى مثلها ولا عمل على شكلها، فيقال: إنه غرم عليها أربعين ألف درهم، مات يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول من هذه السنة، وكان موته بالساحل. بركة خان (٢) بن صاين خان بن دوشى خان بن جنكز خان، ملك التتار ببلاد الشمال، وهو ابن عم هلاون خان. وكان قد دخل فى بلاد الإسلام كما ذكرناه، وكان بينه وبين السلطان الملك الظاهر صحبة ومودّة، وكان لا يقطع مكاتبته [٥٣٧] ولا مراسلته من الظاهر، وقد وقع بينه وبين هلاون من الحروب ما ذكرناه، وكان يحبّ العلماء والصالحين، ومن أكبر حسناته كسره لهلاون وتفريقه جنوده، وكان أعظم ملوك التتار، وكرسىّ مملكته مدينة صراى، توفى فى هذه السنة ولم يكن له ولد ذكر، فاستقرّ عوضه ابن أخيه منكوتمر (٣) بن طوغان بن دوشى خان بن جنكز خان، وجلس على

стр. 469

كرسىّ صراى (١)، وصارت إليه مملكته التتار ببلاد الشمال والترك والقفجاق وباب الحديد وما يليه، ثم وقعت بينه وبين أبغا (٢) بن هلاون حروب كثيرة، فكسره أبغا وغنم منه شيئا كثيرا، وعاد أبغا إلى بلاده، والله أعلم.

стр. 470

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّادسة والسّتين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة والحلبّية: الملك الظاهر بيبرس. وسلطان الروم: الملك ركن الدين قليج أرسلان. وصاحب العراقين وغيرهما: أبغا بن هلاون. وصاحب البلاد الشمالية التى كرسيّها صراى: منكوتمر بن طوغان، وكتب إليه الملك الظاهر بالتعزية لأجل بركة خان، والتهنئة لأجل ولايته عوضه، وأغراه على قتال أبغا بن هلاون. ذكر سفر السلطان الظّاهر إلى الشّام: وفى شهر جمادى الآخرة (١) تجهز السلطان لأجل السفر إلى الشام، وخرج من القاهرة فى ثالث الشهر المذكور، ولما وصل إلى غزة أمر العساكر بمنازلة

стр. 471

الشقيف (١)، فنازلوها بغتة وضايقوها، وناوشوا أهلها القتال، ونزل السلطان بالعوجاء (٢). ذكر فتح يافا: وفى جمادى الآخرة فتحت يافا، وذلك أن صاحبها جوان دبلين (٣) سيّر متجرّمة فى زىّ صيّادين إلى قطنا (٤)، واتفق هلاكه وقيام ولده مقامه، فلما وصل السلطان إلى العوجاء حضر إليه رسله وهم قسطلان (٥) يافا وأكابرها، فعوّقهم، وسيّر الحجاب إلى العساكر يأمرهم بلبس العدد والركوب على أتم أهبة [٥٣٨]، وركب نصف الليل، فصبّح يافا صباحا، فلما عاينوا كثرة العساكر المنصورة، وشاهدوا تلك الجيوش بتلك الأهبة والصورة، شملهم الذهول، وطارت منهم العقول، فملك المسلمون المدينة، ولجأ أهلها إلى القلعة، وسألوا الأمان على أن يطلقوا

стр. 472

بأموالهم وأولادهم، فأجابهم، وتسلم القلعة منهم، وطلعت عليها السناجق (١) السلطانيّة في العشر الأوسط من جمادى الآخرة من هذه السنة، وأمر السلطان بهدم المدينة فهدمت، وكذلك هدمت القلعة، وقد كانت الفرنج قد اعتنوا بعمارتها وتحصينها فجعلوها بلقعا (٢) لئلا يكون لهم إليها عودة، وقد كان الريد افرنس (٣) لما أطلق من الأسر من ثغر دمياط حضر إليها وعمّرها وأنفق عليها أموالا. وذكر ابن عساكر فى تاريخه: أن أوّل من بناها الملك طنكلى فى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة (٤)، ولما فرغ السلطان من هدمها رحل عنها إلى الشقيف منصورا. ذكر فتح شقيف أرنون: فى رجب من هذه السنة. ولما أتى إليها السلطان نزل عليها، وقد كان جهّز لمضايقتها عسكرا صحبة بجكا (٥) العزيزى، وله قلعتان، ولما ضويقوا عجزوا عن حماية القلعتين، فأحرقوا أحديهما، فتسلمها المسلمون في السّادس والعشرين من رجب، وخرج الوزير

стр. 473

كليام من القلعة الأخرى مستأمنا فأمّنه السلطان، وفى آخر الشهر تسلمت وطلعت عليها السناجق السلطانّية ونصبت، وأخرج أهلها وصيّروا إلى جهة صور، وبعث السلطان الأثقال إلى الشام. ثم رحل عنها وبثّ العساكر للإغارة على طرابلس وأعمالها، فقطعوا أشجارها وخرّبوا ما حولها من الكنائس، ونهبوا وسبوا، فلما سمع صاحب صافيتا وأنطرسوس بما حل بالفرنج من العكوس خاف أن يمسّه ما مسّهم من البؤس، فبادر إلى الخدمة، وتلقّى العساكر بالإقامة، وأحضر من كان عنده من أسرى المسلمين، وكانوا ثلاثمائة أسير (١). [٥٣٩] ثم رحل السلطان إلى حمص، ومن حمص إلى حماة. ذكر فتح أنطاكية: فى شهر رمضان من هذه السنة. وهى مدينة عظيمة، يقال إن دور سورها اثنى عشر ميلا، وعدد بروجها مائة وثلاثون برجا، وعدد شرفاتها أربعة وعشرون ألف شرفة. ولما رحل السلطان من حمص إلى حماة فرّق العساكر ثلاث فرق: فرقة صحبته، وفرقة صحبة الأمير سيف الدين قلاون الألفى، وفرقة صحبة الأمير عز الدين يوغان الركنى (٢).

стр. 474

قال بيبرس: وكنت فى هذه الغزاة المبرورة، فأما قلاون ومن معه فإنه سار من أفامية (١)، فصابحنا القصير (٢) صباحا وشنّنا أهله القتال غدوّا ورواحا، وارتحلنا إلى أنطاكية فنزلنا من غربيها على سفح الجبل، وتواصلت العساكر إليها، ونزل السلطان عليها فى اليوم الأول من شهر رمضان، وخرج منها جماعة فيهم كند اصطبل عمّ صاحب سيس الذى ذكرناه أنه انهزم فى نوبة سيس، فالتقوا مع الجاليش (٣) المنصور، فاستظهر الجاليش عليهم، وأسر الكند جندىّ من أجناد الأمير الأجل شمس الدين آقسنقر (٤) الفارقانىّ، يسمّى المظفرى، وأحضره إلى السلطان، فأعطاه عشرة طواشّية، وأمره بحمل رنك (٥) كند اصطبل، فحمل رنكة على سنجقه إلى أن مات، وسأل هذا الكند أن يدخل أنطاكية ويتحدّث مع أهلها ويحذرهم وينذرهم، وأحضر ولده رهينة على ذلك، فلم يغن شيئا. وفى يوم السبت رابع رمضان المعظم قدره زحفت العساكر، وأطافت بالمدينة والقلعة، وقاتل أهلها قتالا شديدا ذريعا، وجاهدهم المسلمون جهادا

стр. 475

عظيما، وتسوّروا الأسوار من جهة الجبل، ونزلوا المدينة بالبيض والأسل (١)، وشرعوا فى النهب والقتل والأسر حتى أثخنوا فيهم غاية الإثخان، واجتمع نحو القلعة منهم نحو ثمانية آلاف منهم، وسألوا الأمان، فأجيبوا إليه. وأخذوا فى الحبال، وقتل وأسر جمع يتجاوز الإحصاء من النساء والرجال، وكان بها مائة ألف أو يزيدون، ووجدوا بها من الأسرى والحلبيّين خلقا كثيرا. وكتبت كتب البشائر، ومن جملتها كتاب إلى صاحبها (٢) نسخته: قد علم القومص (٣) الجليل [المبجل، المعزز الهمام، الأسد الضرغام] (٤) بيمند، [فخر الأمة المسيحية، رئيس الطائفة الصليبية، كبير الأمة العيسوية] (٥) المنتقلة مخاطبته بأخذ أنطاكية [منه] (٦) من البرنسية إلى القومصيّه، ألهمه الله رشده، وقرن بالخير فصده، وجعل النصيحة محفوظة عنده (٧)، ما كان من قصدنا طرابلس وغزونا له فى عقر الدار، وما شاهده بعد رحيلنا من اخراب العماثر وهدم الأعمار، وكيف كنست تلك الكنائس من على (٨) بساط الأرض، ودارت الدوائر على كل دار، وكيف جعلت تلك الجزائر من الأجساد على ساحل البحر كالجزائر،

стр. 476

وكيف قتلت الرجال، واستخدمت الأولاد، وتملكت الحواثر، وكيف قطعت الأشجار، ولم يترك إلا ما يصلح للأعواد والمجانيق (١) والستائر، وكيف نهبت لك ولرعيتك الأموال والحريم والأولاد والحواشى (٢)، وكيف استغنى الفقير، وتأهّل العازب، واستخدم الخديم، وركب الماشى، هذا وأنت تنظر نظر المغشىّ عليه من الموت، وإذا سمعت صوتا قلت فزعا: علىّ هذا الصوت، وكيف رحلنا عنك رحيل من يعود، وأخّرناك وما كان تأخيرك إلا لأجل معدود، وكيف فارقنا بلادك، وما بقيت ماشية إلا وهى لدينا ماشية، ولا جارية إلا وهى فى ملكنا جارية، ولا سارية إلا وهى بين أيدى المعاول سارية، ولا زرع إلا وهو محصود، ولا موجود لك إلا وهو منك مفقود، ولا منعت تلك المغاير التى هى فى رموس الجبال الشاهقة، ولا تلك الأودية التى هى فى التخوم مخترقة، وللعقول خارقة، وكيف سقنا عنك ولم يسبقنا إلى مدينتك أنطاكية خبر، وكيف وصلنا إليها وأنت لا تصدّق أننا نبعد عنك، وإن بعدنا فسنعود على الأثر، وها نحن نعلمك بما تمّ، ونفهمك بالبلاء الذى عمّ: كان رحيلنا عنك عن طرابلس يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان، ونزولنا أنطاكية فى مستهل شهر رمضان، وفى حالة النزول خرجت عساكرك للمبارزة فكسروا، وتناصروا فما نصروا، وأسر من بينهم كند اصطبل، فسأل فى (٣) مراجعة أصحابك، فدخل إلى المدينة، فخرج هو وجماعة من رهبانك، وأعيان أعوانك، فتحدّثوا معنا،

стр. 477

فرأيناهم على رأيك من إتلاف النفوس بالغرض الفاسد، [٥٤١] وإنّ رأيهم فى الخير مختلف، وقولهم فى الشرّ واحد، فلما رأيناهم قد فات فيهم الفوت، وأنّهم قد قدّر [الله] (١) عليهم الموت، رددناهم وقلنا: نحن الساعة لكم نحاصر، وهذا هو الأول فى الإنذار والآخر، فرجعوا متشبهين بفعلك، ومعتقدين أنك تدركهم بخيلك ورجلك، ففى بعض ساعة مرّ شأن المرء شان (٢)، وداخل الرهب الرهبان، [و] (٣) لان للبلاء القسطلان (٤)، وجاءهم الموت من كل مكان، وفتحناها بالسيف فى الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان، وقتلنا كل من اخترته لحفظها والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلا وعنده شئ من الدنيا، فما بقى أحد منا إلا وعنده شئ منهم ومنها، فلو رأيت خيّالنك وهم صرعى تحت أرجل الخيول، وديارك والنّهابة فيها تصول، والكسّابة (٥) فيها تجول، وأموالك وهى توزن بالقنطار،

стр. 478

وداماتك (١) وكل أربع منهنّ تباع، فتشترى من مالك بدينار، ولو رأيت كنائسك: وصلبانها قد كسرت (٢)، وصحفها من الأناجيل المزوّرة قد نشرت، وقبور البطارقة قد بعثرت، ولو رأيت عدوّك المسلم داس (٣) مكان القداس والمذبح، وقد ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس، والبطارقة قد (٤) دهموا بطارقة، وأبناء المملكة، وقد دخلوا فى المملكة، ولو شاهدت النيران وهى فى قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق، وقصورك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بولص وكنيسة القسيان وقد تركت كل منهما وزالت (٥)، لكنت تقول: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٦) ويا ليتنى لم أوت بهذا الخبر كتابا، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفئ تلك النيران من ماء عبرتك، ولو رأيت مغانيك [وقد أقفرت من مغانيك] (٧)، ومراكبك وقد أخذت فى السويدية بمراكبك، فصارت شوانيك من شوانيك، لتيقّنت أن الإله الذى أنطاك (٨) أنطاكية منك استرجعها، والربّ الذى أعطاك قلعتها منك قلعها، ومن الأرض اقتلعها، ولتعلم أنا قد أخذنا بحمد

стр. 479

الله منك ما كنت قد (١) أخذته من حصون الإسلام، وهو دير كوش، وشقيف كفر دوش (٢)، وجميع ما كان لك (٣) فى بلاد أنطاكية، واستنزلنا أصحابك من الصّياصى، وأخذناهم بالنواصى (٤)، وفرقناهم فى الدانى والقاصى، [٥٤٢] ولم يبقى شئ يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر، فلو استطاع لما تسمّى (٥) بالعاصى، وقد أجرى دموعه ندما، وكان يذرفها عبرة صافية، فها هو أجراها بما سفكناه فيه دما، وكتابنا هذا يتضمن بالبشرى (٦) لك بما وهبك الله من السلامة وطول العمر بكونك لم يكن لك فى أنطاكية فى هذه المدة إقامة، وكونك ما كنت فيها فتكون إما قتيلا وإما أسيرا، وإما جريحا وإما كسيرا، وسلامة النفس هى التى تفرح (٧) الحىّ إذا شاهد الأموات، ولعل الله ما أخّرك إلا لأن تستدرك من الطاعة والخدمة ما فات، ولما لم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبّرناك، ولما لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى وسلامة (٨) نفسك وهلاك ما سواها باشرناك بهذه المفاوضة وبشّرناك، ليتحقق (٩) الأمر على ما جرى، وبعد هذه المكاتبة لا ينبغى

стр. 480

لك أن تكذّب لنا خبرا، كما أن بعد [هذه] (١) المخاطبة يجب أن لا نسأل غيرنا (٢) مخبرا. وأما كندا اصطبل فإن السلطان أطلقه، وأطلق أهله وأقاربه، وفسح له فى التوجه إلى سيس. وهذه أنطاكية هى التى ذكرها الله فى القرآن الكريم بقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣) وبانيها (٤) أنطياخس وإليه تنسب، وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قد فتحها كما ذكرنا من البرنس أرناط وقتله (٥)، ثم ملكها الابرنس المعروف بالأسير، ومن بعده ولده سدو، وبعده ولده بيمند (٦)، ومنه أخذت الآن واستقرت فى الممالك الإسلامية إلى الدولة الناصرّية.

стр. 481

ثم أن السلطان أمر بجمع المكاسب، فجمع من الأموال والمصوغ ما لا يحصى كثرة، وقسمت الغنائم على الأمراء والعساكر، وتقاسموا السبايا والمواشى والنسوان والأطفال، فلم يبق غلام إلا له غلام، وبيع الصغير بإثنى عشر درهما فيما حولها بين العسكر والكسّابة، وأمر السلطان بإحراق قلعة أنطاكية فأحرقت، وأما ما خصّه من الغنائم فإنه أفرده وأرصده لعمارة الجامع الذى أمر بإنشائه بالحسينيّة (١)، فصرف عليه. ذكر فتح بغراس: لما فتحت [٥٤٣] الحصون المذكورة، انهزمت الداويّة من بغراس (٢)، فتسلّمها السلطان على يدى الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى أستاذ الدار فى ثالث عشر رمضان، ولم يوجد بها سوى امرأة عجوز، ووجدت عامرة بحواصلها، وهذا الحصن نازل عليها (٣) الملك الظاهر غازى بن السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيّوب وحاصره بالعسكر المصرىّ الحلبىّ سبعة أشهر فلم يأخذه (٤)، وأخذه السلطان الملك الظاهر بيبرس بغير تعب ولا نصب، وتسلم السلطان أيضا حصونا كثيرة وقلاعا أخرى، ثم عاد السلطان مؤيّدا منصورا.

стр. 482

ذكر دخول السلطان دمشق: ولما فرغ أمر السلطان من هذه الغزوة عاد منصورا، فدخل دمشق فى السابع والعشرين من رمضان فى أبّهة عظيمة وهيئة هائلة، وقد زينت له البلد، ودقّت البشائر فرحا به، ولما استقرّ ركابه فى دمشق عزم على انتزاع أراضى كثيرة من القرى والبساتين التى بأيدى ملاكها، يزعم أنه قد كانت التتار قد استحوذوا عليها، ثم استنقذها منهم، وقد أفتاه بعض الفقهاء من الحنفيّة بذلك بناء على أن الكفار إذا أخذوا شيئا من أموال الناس المسلمين ملكوها، فإذا استرجعت لم ترد إلى أصحابها الذين أخذت منهم، وهذه المسألة مشهورة وفيها خلاف، والمقصود أن السلطان الملك الظاهر عقد مجلسا اجتمع فيه القضاة والفقهاء من سائر المذاهب وتكلموا فى ذلك، وصمّم السلطان على ذلك اعتمادا على ما بيده من الفتاوى (١)، وخاف الناس من غائلة ذلك، فتوسط الصاحب فخر الدين (٢) ابن الوزير بهاء الدين بن الحنّا، وكان قد درس بالشافعىّ بعد تاج الدين ابن بنت الأعز (٣) فقال: يا خوند أهل البلد يصالحون بك عن ذلك كله بألف ألف درهم مقسطة كل سنة مائتا ألف درهم فضة، فأبى إلا أن تكون معجلة، ثم بعد أيام وقد خرج متوجها إلى الديار المصريّة أجاب إلى تقسيطها، وجاءت البشارة فقرئت على الناس، ففرح الناس بذلك، ورسم أن يعجلوا من ذلك أربعمائة ألف،

стр. 483

وأن نعاد إليهم الغلات التى كانوا [٥٤٤] قد احتاطوا عليها فى زمن القسم والثمار، وكان هذا مما شغب خواطر الناس على السلطان، سامحه الله. ذكر وقوع الصلح بين السلطان وبين صاحب سيس: وفى شوال من هذه السّنة وقع الصلح بين السلطان وهو فى دمشق وبين هيثوم صاحب سيس، على أنه إذا أحضر هيثوم سنقر الأشقر من التتار، وكانوا قد أخذوه من قلعة حلب لما ملكها هلاون كما ذكرنا، ويسلّم مع ذلك بهسنى ودر بساك ومرزبان ورعبان وشيح الحديد يطلق له ابنه ليفون، فدخل صاحب السيس على ملك التتار أبغا وطلب منه سنقر الأشقر فأعطاه إياه، ووصل سنقر الأشقر إلى خدمة السلطان، وتسلم السلطان المواضع المذكورة خلا بهسنى، وأطلق السلطان ابن صاحب سيس ليفون بن هيثوم وتوجّه إلى والده (١). وقال بيبرس فى تاريخه: ولما تقرّر الصلح بين الظاهر وبين صاحب سيس على ما ذكرنا أرسل السلطان بجكا الرومى لإحضار ليغون بن صاحب سيس من الديار المصريّة؛ فتوجّه من أنطاكية وأحضره، وعاد إلى دمشق فى ثلاثة عشر يوما، فأرسله السلطان إلى والده فى ثالث عشر (٢) شوال منها، وكان صاحب سيس قد سيّر إلى السلطان أخاه فاساك فى هذا الأمر، وسيّر ريمون صهر ولده رهينة إلى أن يسلّم إليه القلاع المذكورة ويحضر بسنقر الأشقر إلى الخدمة الشريفة.

стр. 484

ذكر مجئ رسل صاحب عكّا إلى السلطان: وهو فى دمشق أيضا، واسمه اوك بن هرى (١) ابن أخت صاحب قبرس، وكان أهل عكا قد أحضروه وملكوه عليهم، فلما جاء السلطان من أنطاكية إلى دمشق جاءت رسله إلى أبواب السلطان يسألونه الصلح، فتقرّر الحال بينه وبين السلطان على عكّا وبلادها وثلاثين ضيعة، وتقرّر أن تكون حيفا للفرنج ولها ثلاث ضياع، وبقيّة بلادها مناصفة، وللقرين عشر قرى والباقى للسلطان، وبلاد الكرمل (٢) مناصفة، وعثليت تكون لها خمس قرى والباقى مناصفة، وبلاد صيدا الوطأه للفرنج والجبليات للسلطان، واتفق الصلح على مملكة قبرس وأن تكون الهدنة لعشر سنين، وسير السلطان إليه هدّية عشرين نفرا من أسارى أنطاكية (٣). ذكر عود السلطان من الشّام [٥٤٥] إلى الديار المصريّة: ولما فرغ أمر السلطان خرج من دمشق عائدا إلى الديار المصريّة، فدخلها يوم الحادى عشر من ذى الحجة من هذه السنة (٤)، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وجاءت إليه هدية صاحب اليمن (٥) مشتملة على تحف شتى وكتاب إلى السلطان،

стр. 485

وسأله الإنتماء والحضور إلى جنابه وأنه يخطب له ببلاد اليمن، فأرسل له السلطان خلعا وسنجقا وتقليدا. ذكر بقية الحوادث: منها: أن ضياء الدين بن الفقاعى رافع الصاحب بهاء الدين حنا عند السلطان الظاهر، فاستظهر عليه فسلمه السلطان إليه، فلم يزل يضربه بالمقارع ويستخلص أمواله إلى أن مات، فيقال إنه ضربه قبل أن يموت سبعة عشر ألف مقرعة وسبعمائة. ومنها: أن السلطان فتح جبلة (١) وتسلمها من صاحبها افرير ماهى صافاج (٢). ومنها: أن معين الدين البرواناه مدبر مملكة الروم اتفق مع التتار المقيمين معه ببلاد الروم على قتل السلطان ركن الدين قليج (٣) أرسلان السلجوقى، فخنق التتار ركن الدين بوتر، وأقام البرواناه مقامه ولده غياث الدين كيخسرو بن ركن الدين المذكور، وله من العمر أربع سنين. وقال ابن كثير: وله من العمر عشر سنين، وتمكن البرواناه جدّا، (٤) وأطاعه جيش الروم (٥).

стр. 486

ومنها: أنه ولى القضاء بالديار المصرّية القاضى تقى الدين محمد بن الحسين ابن رزين بالقاهرة، وبمصر القاضى محيى الدين عبد الله (١) بن عين الدولة. ومنها: أن أبغا أوقع بابن عمه تكدار بن موجى بن جغطاى جنكزخان، وكان أبغا قرر على وزارته نصير الدين الطوسى؛ واستناب على السلطنة البرواناه المذكور وارتفع قدره عنده جدّا. ومنها: أن صاحب القصير بذل نصف البلاد التى فى يده للسلطان الملك الظاهر، فتسّلمها منه، وزعم أهلها أن بأيديهم خطا من عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فكتب لهم هدنّة بما تقرر الحال عليه (٢). وفيها: « ........... » (٣). وفيها: حج بالناس مع الركب المصرىّ الأمير عز الدين أيدمر (٤) الحلىّ.

стр. 487

ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ عفيف الدين يوسف (١) البقال، شيخ رباط المرزبانيّة. كان صالحا، ورعا زاهدا، حكى عن نفسه قال: كنت بمصر فبلغنى ما وقع ببغداد من القتل [٥٤٦] الذريع فأنكرته بقلبى، وقلت: يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له، فرأيت فى المنام رجلا وفى يده كتاب فأخذته فإذا فيه: دع الاعتراض فما الأمر لك … ولا الحكم فى حركات الفلك ولا تسأل الله عن فعله … فمن خاض لجّة بحر هلك [إليه تصير أمور العباد … دع الاعتراض فما أجهلك (٢)] ابن الخشكرى النعمانى الشاعر: قتله الصاحب علاء الدين صاحب الديوان ببغداد، وذلك أنه اشتهر عنه أشياء عظائم، منها: أنه يعتقد تفضيل شعره على القرآن الكريم، واتفق أن الصاحب انحدر إلى واسط، فلما كان بالنعمانية حضر ابن الخشكرى عنده وأنشد قصيدة قد قالها فيه، فبينما هو ينشدها بين يديه إذ أذّن المؤذن للصلاة، فاستنصته الصاحب، فقال ابن الخشكرى: يا مولانا أسمع

стр. 488

شيئا جديدا وأعرض عن شئ له سنون (١)، فثبت عند الصاحب ما كان يقال عنه، ثم باسطه ولا يظهر أنه ينكر عليه شيئا حتى استعلم ما عنده، فلما ركب قال لإنسان معه: استفرده فى الطريق واقتله، فسايره ذلك الرجل حتى انقطع به عن الناس، ثم قال لجماعة معه: أنزلوه عن فرسه كالمداعب له، فأنزلوه وهو يشتمهم ويلعنهم، ثم قال: انزعوا عنه ثيابه، فسلبوها عنه، فتقدّم إليه أحدهم فضربه بسيف فى رقبته فأبان رأسه (٢). الشيخ أبو الصّبر أيّوب (٣) بن عمر بن علىّ بن شدّاد الدمشقى، المعروف بابن الفقّاعى. مات بدمشق في يوم عاشوراء من هذه السنة، سمع وحدّث. الشّريف أبو العباس أحمد بن أبى محمد عبد المحسن بن أبى العباس أحمد بن محمد بن على بن الحسن بن علىّ بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن الحسين بن علىّ ابن أبى طالب، رضى الله عنهم، الواسطى الغرّافى التاجر. مات بثغر الأسكندريّة فى ليلة الخامس من صفر، ودفن من الغد بين الميناءين، ومولده بالغّراف (٤)، بفتح الغين المعجمة وتشديد الرّاء وبعد الألف فاء،

стр. 489

من أعمال واسط القصب، سمع بمرو من أبى المظفر عبد الرحيم (١) بن الحافظ أبى سعد عبد الكريم السمعانى، وببغداد عن غير واحد، وحدّث. الشيخ [٥٤٧] نظام الدّين أبو عمرو عثمان بن أبى القاسم عبد الرحمن بن رشيق الربعى المصرى المالكّى، المنعوت بالنظام. مات فى ليلة الحادى والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، سمع وحدّث. الشيخ الإمام العلاّمة أبو الحسن على (٢) بن عدلان بن حماد بن على الربعى الموصلى النحوى المترجم. مات بالقاهرة فى التاسع من شوال من هذه السنة، ودفن من الغد بسفح المقطم، ومولده بالموصل فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، قرأ الأدب على غير واحد، منهم أبو البقاء العكبرى (٣)، وسمع ببغداد عن جماعة كثيرين، وحدّث، وأقرأ العربيّة، وكان أحد الأئمة المشهورين بمعرفة الأدب، وكانت له اليد الطولى فى حلّ التراجم والألغاز، وله مصنفات فى ذلك وغيره (٤).

стр. 490

وفى هذه السنة ولد الشيخ شرف الدين عبد الله (١) بن تيمية والخطيب جلال الدين القزوينى (٢)، رحمهما الله.

стр. 491

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنّة السّابعة والسّتيّن بعد الستّمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العبّاسىّ. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة والحلبيّة: الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارىّ الصّالحى، وقد جدّد فى صفر البيعة لولده الملك السعيد بركة خان محمد (١)، وأحضر الأمراء كلهم والقضاة والأعيان، وأركبه ومشى بين يديه، وكتب له ابن لقمان تقليدا هائلا بالملك من بعد أبيه، وأن يحكم أيضا فى حياته، وبنى مصطبة بميدان العيد بباب النصر لرمى النشاب (٢)، وتوجّه إلى الجامع الظاهرىّ الذى أنشأه بالحسينيّة، ورتّب أوقافه، ونظر فى أحواله. وكان ببابه جماعة من الرسل من جهة الملوك، فجهّزهم، وسفّر صحبتهم رسله وهداياه، وهم رسل منكوتمر، ورسل جارلا أخى الريذا فرنس (٣)، ورسل العرب، ورسل الأشكرى (٤) صاحب القسطنطينيّة.

стр. 492

ذكر ما جريّات الملك الظاهر العجيبة: منها: أنه ركب فى جمادى الأولى (١) بعساكره، والأمراء (٢) الأكابر بالديار المصريّة، وتوجه إلى الشام، ونزل أرسوف لكثرة مراعيها. ولما دخل دمشق اتفق مجئ رسل [٥٤٨] أبغا ملك التتار، معهم مكاتبات ومشافهات، ومعهم التكفور (٣) صاحب سيس، فإنه كان قد سعى فى الصلح بين السلطان وبين هلاون، فسيّر أبغا هؤلاء الرسل وصحبتهم يرليغ (٤) وبايزة (٥) ذهب، فأرسل السلطان ناصر الدين [بن] (٦) صيرم مشدّ حلب لإحضارهم، ولما التقى السلطان أعفاهم من النزول، ثم أحضر كبيرهم كتابا بغير ختم، نسخته: بقوّة الله تعالى، باقبال قان فرمان أبغا، يعلم السلطان ركن الدين أنه لأجل أن عرض على رأينا، كتب إلى عند التكفور أن الرسل الذين أنفذهم إيلخان

стр. 493

ما قتلهم إلا قطز، والملوك يطلبون التوسّط حتى يصيروا إيل، والآن لو تنعم فى حقى إيلخان أصير إيل، وقد سمعنا أن قد طلبت (١) القفجاق الذين عندنا، وهم: سيف الدين بلبان، وبدر الدين بكمش، وأولاد سيف الدين سكز، ولا ريب أن (٢) مذ سنين الذين ما كان قبلكم معنا، صحيح كان بين إخواننا الكبار والصغار بعضهم بعضا خلف، فلأجل ذلك ما قدرنا نركب إلى صوبكم، والآن إذ نحن جميعنا من الأخوة الكبار والصغار عملنا قور يلتاى، واتفقنا على أن ما نغيّر فرمان ويا ساق قان، وأنتم [أيضا] (٣) قد تقدمتم وعرضتم أنا نحن إيل ونعطى القوة، استحسنّا ذلك منكم، فمن مطلع الشمس إلى مغربها (٤) فى جميع العالم من الذى استقبل وأطاع ودخل فى العبودية، وكان من قبل هذا فى فرمان ويا ساق [جنكز خان، والآن أيضا فى فرمان ويا ساق] (٥) قان هيكداه: أن إذا أذنب الأب ما يذنب الابن (٦)، ولو يذنب الأخ ما يمسكوه بذنب الأخ الصغير، فلو أذنب الذنب أذنب السلطان قودور، وهو رجل فى ذنبه، قتل على يدك بالحق (٧)، فأنت لو وصلت إلى كلامك الذى قلت نفّذ إلينا من إخوانك ومن أولادك

стр. 494

أو من أمرائك الجياد هاهنا حتى نسمعهم ونفهمهم يرليغ ويا ساق قان، ويعودون إليك، فإذا وقع الاتفاق بيننا، الناس الذى (١) طلبت ما يمسون (٢) نحن نعطيكم، ولو أن ما تصل إلى كلامك وتكون باغى وتفكر غير الصحيح، نحن ليس (٣) نعلم ذلك يعلم الله [٥٤٩]، وإقبال قان، أمرنا هكذا، ونفدنا إليكم هذين الرسولين، وهما: بيك طوب (٤)، وأبو الغريب بالاولاغ، كتب فى [عشرين] (٥) شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين وستمائة، بمقام (٦) بغداد (٧). نسخة الجواب الصادر من السلطان: بسم الله الرحمن الرحيم، بعون الله وقوته، بإقبال السلطان الأعظم بيبرس الصالحى، يفهم الملك أباقا أننا ما رسمنا للتكفور أن يفهم الملك إلاّ جواب ما ذكره لنا شمس الدين سنقر الأشقر، أما قتل الملك المظفر الرسل (٨)، فنحن رسلك أعدناهم إلى الملك مثل ما حضروا سالمين، [و] (٩) على قدر ما فهّمنا الأمير

стр. 495

شمس الدين سنقر الأشقر رسمنا للتكفور أنه يكون الواسطة بيننا وبين الذى طلبنا (١)، ما أبصرنا شيئا، فكيف (٢) يقع الاتفاق ونحن اليوم الياساق التى لنا [هى] (٣) أعظم من ياساق جنكزخان، وقد أعطانا الله ملك أربعين ملكا، وأما ما ذكره من مطلع الشمس إلى مغربها (٤) أطاعوه، فأىّ شئ جرى على كتبغا نوين؟ وكيف كان دماره؟، وأنت لو وقفت على قولك الذى ذكرته لسنقر الأشقر، وسيّرت أحد إخوتك أو من أولادك أو من أمرائك الكبار كنا سيّرنا إليك نحن أيضا الذى ذكرته. وعمل على الكتاب طمغات فيها رنك السلطان، وأعيد به الرسل إلى أبغا. وذكر غير بيبرس: أن السلطان الظاهر لما دخل دمشق وصل إليه رسول أبغا ملك التتار، ومعه مكاتبات ومشافهات، فمن جملة المشافهات: أنت مملوك أبعت بسيواس، فكيف يصلح لك أن تخالف ملوك الأرض (٥)، واعلم أنك لو صعدت إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلصت منه، فاعمل لنفسك على مصالحة السلطان أبغا، فلم يلتفت الظاهر إلى هذا الكلام؛ بل أجاب عنه يأتمّ جواب وقال: اعلموه أنى وراءه بالمطالبة، ولا أزال حتى أنتزع من يده جميع البلاد التى استحوذ عليها من بلاد الخليفة وسائر أقطار الأرض.
следующие страницы →