← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنّة السّابعة والسّتيّن بعد الستّمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العبّاسىّ. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة والحلبيّة: الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارىّ الصّالحى، وقد جدّد فى صفر البيعة لولده الملك السعيد بركة خان محمد (١)، وأحضر الأمراء كلهم والقضاة والأعيان، وأركبه ومشى بين يديه، وكتب له ابن لقمان تقليدا هائلا بالملك من بعد أبيه، وأن يحكم أيضا فى حياته، وبنى مصطبة بميدان العيد بباب النصر لرمى النشاب (٢)، وتوجّه إلى الجامع الظاهرىّ الذى أنشأه بالحسينيّة، ورتّب أوقافه، ونظر فى أحواله. وكان ببابه جماعة من الرسل من جهة الملوك، فجهّزهم، وسفّر صحبتهم رسله وهداياه، وهم رسل منكوتمر، ورسل جارلا أخى الريذا فرنس (٣)، ورسل العرب، ورسل الأشكرى (٤) صاحب القسطنطينيّة.

стр. 492

ذكر ما جريّات الملك الظاهر العجيبة: منها: أنه ركب فى جمادى الأولى (١) بعساكره، والأمراء (٢) الأكابر بالديار المصريّة، وتوجه إلى الشام، ونزل أرسوف لكثرة مراعيها. ولما دخل دمشق اتفق مجئ رسل [٥٤٨] أبغا ملك التتار، معهم مكاتبات ومشافهات، ومعهم التكفور (٣) صاحب سيس، فإنه كان قد سعى فى الصلح بين السلطان وبين هلاون، فسيّر أبغا هؤلاء الرسل وصحبتهم يرليغ (٤) وبايزة (٥) ذهب، فأرسل السلطان ناصر الدين [بن] (٦) صيرم مشدّ حلب لإحضارهم، ولما التقى السلطان أعفاهم من النزول، ثم أحضر كبيرهم كتابا بغير ختم، نسخته: بقوّة الله تعالى، باقبال قان فرمان أبغا، يعلم السلطان ركن الدين أنه لأجل أن عرض على رأينا، كتب إلى عند التكفور أن الرسل الذين أنفذهم إيلخان

стр. 493

ما قتلهم إلا قطز، والملوك يطلبون التوسّط حتى يصيروا إيل، والآن لو تنعم فى حقى إيلخان أصير إيل، وقد سمعنا أن قد طلبت (١) القفجاق الذين عندنا، وهم: سيف الدين بلبان، وبدر الدين بكمش، وأولاد سيف الدين سكز، ولا ريب أن (٢) مذ سنين الذين ما كان قبلكم معنا، صحيح كان بين إخواننا الكبار والصغار بعضهم بعضا خلف، فلأجل ذلك ما قدرنا نركب إلى صوبكم، والآن إذ نحن جميعنا من الأخوة الكبار والصغار عملنا قور يلتاى، واتفقنا على أن ما نغيّر فرمان ويا ساق قان، وأنتم [أيضا] (٣) قد تقدمتم وعرضتم أنا نحن إيل ونعطى القوة، استحسنّا ذلك منكم، فمن مطلع الشمس إلى مغربها (٤) فى جميع العالم من الذى استقبل وأطاع ودخل فى العبودية، وكان من قبل هذا فى فرمان ويا ساق [جنكز خان، والآن أيضا فى فرمان ويا ساق] (٥) قان هيكداه: أن إذا أذنب الأب ما يذنب الابن (٦)، ولو يذنب الأخ ما يمسكوه بذنب الأخ الصغير، فلو أذنب الذنب أذنب السلطان قودور، وهو رجل فى ذنبه، قتل على يدك بالحق (٧)، فأنت لو وصلت إلى كلامك الذى قلت نفّذ إلينا من إخوانك ومن أولادك

стр. 494

أو من أمرائك الجياد هاهنا حتى نسمعهم ونفهمهم يرليغ ويا ساق قان، ويعودون إليك، فإذا وقع الاتفاق بيننا، الناس الذى (١) طلبت ما يمسون (٢) نحن نعطيكم، ولو أن ما تصل إلى كلامك وتكون باغى وتفكر غير الصحيح، نحن ليس (٣) نعلم ذلك يعلم الله [٥٤٩]، وإقبال قان، أمرنا هكذا، ونفدنا إليكم هذين الرسولين، وهما: بيك طوب (٤)، وأبو الغريب بالاولاغ، كتب فى [عشرين] (٥) شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين وستمائة، بمقام (٦) بغداد (٧). نسخة الجواب الصادر من السلطان: بسم الله الرحمن الرحيم، بعون الله وقوته، بإقبال السلطان الأعظم بيبرس الصالحى، يفهم الملك أباقا أننا ما رسمنا للتكفور أن يفهم الملك إلاّ جواب ما ذكره لنا شمس الدين سنقر الأشقر، أما قتل الملك المظفر الرسل (٨)، فنحن رسلك أعدناهم إلى الملك مثل ما حضروا سالمين، [و] (٩) على قدر ما فهّمنا الأمير

стр. 495

شمس الدين سنقر الأشقر رسمنا للتكفور أنه يكون الواسطة بيننا وبين الذى طلبنا (١)، ما أبصرنا شيئا، فكيف (٢) يقع الاتفاق ونحن اليوم الياساق التى لنا [هى] (٣) أعظم من ياساق جنكزخان، وقد أعطانا الله ملك أربعين ملكا، وأما ما ذكره من مطلع الشمس إلى مغربها (٤) أطاعوه، فأىّ شئ جرى على كتبغا نوين؟ وكيف كان دماره؟، وأنت لو وقفت على قولك الذى ذكرته لسنقر الأشقر، وسيّرت أحد إخوتك أو من أولادك أو من أمرائك الكبار كنا سيّرنا إليك نحن أيضا الذى ذكرته. وعمل على الكتاب طمغات فيها رنك السلطان، وأعيد به الرسل إلى أبغا. وذكر غير بيبرس: أن السلطان الظاهر لما دخل دمشق وصل إليه رسول أبغا ملك التتار، ومعه مكاتبات ومشافهات، فمن جملة المشافهات: أنت مملوك أبعت بسيواس، فكيف يصلح لك أن تخالف ملوك الأرض (٥)، واعلم أنك لو صعدت إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلصت منه، فاعمل لنفسك على مصالحة السلطان أبغا، فلم يلتفت الظاهر إلى هذا الكلام؛ بل أجاب عنه يأتمّ جواب وقال: اعلموه أنى وراءه بالمطالبة، ولا أزال حتى أنتزع من يده جميع البلاد التى استحوذ عليها من بلاد الخليفة وسائر أقطار الأرض.

стр. 496

ومنها: أن السلطان توجّه إلى صور، وذلك أنه لما خرج من دمشق بعساكره متوجها إلى الديار المصريّة جاءته امرأة فى أثناء الطريق عند خربة اللصوص، فذكرت أن ابنها دخل إلى صور، وأن صاحبها الفرنجىّ (١) غدر به وقتله، وأخذ ماله (٢)، فركب السلطان وشنّ الغارة على مدينة صور وأخذ [٥٥٠] منها شيئا كثيرا وقتل خلقا، فأرسل إليه مالكها ما سبب هذا! فذكر له غدره ومكره بالتجار. ومنها: توجّه السلطان إلى مصر خفية. قال بيبرس فى تاريخه: ولما فرغ السلطان من تجهيز الرسل وإعادتهم، ودّع الأمراء الذين كانوا صحبته وأعطاهم دستورا ليتوجهوا إلى مصر، وخرج من دمشق وليس معه منهم غير: الأتابك، والمحمّدى، والأيدمرى، وابن أطلس خان، وأقوش الرومى، وتوجه إلى القلاع فبدأ بالصبيبة، ومنها إلى الشقيف، وصفد، فبلغته وفاة الأمير عز الدين الحلى بمصر، فوصل إلى خربة اللصوص والعسكر قد خيّم بها، فخطر له التوجّه إلى الديار المصرية، فكتب إلى النوّاب بالشام بمكاتبة الملك السعيد بما يتجدّد من المهمات والاعتماد على ما يصدر عنه من الأجوبة والمكاتبات، ثم أظهر أنه قد تشوش جسمه، وصار البريد إذا جاء يقرأ عليه وتخرج علائم على دروج، فيكتب عنها الأجوبة، واستقر هذا الترتيب أياما، وأشيع ضعفه، وأحضر الحكماء إلى الدهليز، وشاهده الأمراء منجمعا متألّما، وجهّز الأيدمرىّ وجردبك على البريد إلى جهة حلب

стр. 497

فى ظاهر الأمر، وأوصاهما بما عليه فى باطن السرّ، وخرج ليلة السبت سادس عشر شعبان من الدهليز متنكرا، حاملا بقجة قماش فى زىّ أحد البابيّة (١)، وركب وصحبته الأميران المذكوران، وواحد من البريديّة، وواحد من السلحداريّة، وأربعة جنائب، وساق إلى جهة مصر، وجنيبه على يده، ومرّ بمراكز التبريد متنكّرا لا يعرفه أحد من الولاة، فوصل إلى القلعة ليلة الثلاثاء تاسع عشر الشهر (٢)، فأوقفهم الحرّاس حتى شاوروا الوالى، ونزلوا فى باب الإصطبل، وكان قد رتب مع زمام الآدر، أن يبيت خلف باب السّرّ، فدقّ الباب وذكر لزمام الدّور علائم كان يعرفها، ففتح له، وأحضر رفقته إلى باب السرّ، وأقام يوم الثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس لا يعلم أحد، وهو يشاهد الأمراء فى الموكب من شباك على سوق الخيل، فلما كانت بكرة الخميس قدم الفرس ليركب الملك السعيد على عادته، وقدم للسلطان فرس فركب على غفلة، والوقت مغلس (٣)، فأنكر الأمراء الذين فى الموكب الحال، فلما تحققوا [٥٥١] السلطان قبلوا الأرض بين يديه، وعاد من الموكب إلى القلعة، فأقام بها إلى يوم السبت، ولعب الأكرة بالميدان وعاد إلى القلعة، ولما كانت ليلة الأثنين الخامس والعشرين من شعبان سافر عائدا إلى البريد، ولما وصل إلى الدهليز أخذ على يده جراب البريد وفى كتفه فوطه، وتوجّه راجلا ودخل من جهة الحرّاس، فمانعه حارس، فأمسك طوقه، فانجذب منه، وعبر من باب سر الدهليز، وركب عصر يوم الجمعة السابع والعشرين من

стр. 498

شعبان، وحضر الأمراء الخدمة يهنئون بالعافية، وضربت البشائر لذلك، واهتم بالدهليز للحجاز الشريف، وهذا الذى صدر منه جراءة عظيمة وإقدام هائل. ومنها: توجه السلطان إلى الحجاز الشريف فى هذه السنة، ولما عزم على ذلك وهو فى المخيم أنفق فى العسكر، وعين منهم جماعة يتوجهون صحبته، وجهز بقية العسكر صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر استادارا إلى دمشق، فأقاموا بها. وتوجّه السلطان إلى الكرك بصورة صيد، ولم يجسر أحد يتفوّه بأنه متوجه إلى الحجاز حتى أن شخصا من الحجاب يسمى جمال الدين بن الداية قال: أشتهى أتوجّه صحبة السلطان إلى الحجاز، فأمر بقطع لسانه، ورحل من الغوّار يوم الخامس والعشرين من شوال، فوصل الكرك مستهلّ ذى القعدة، وتوجّه فى سادسه إلى الشوبك، ورحل منها فى حادى عشره، فوصل المدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فى الخامس والعشرين من ذى القعدة، وأحرم، وقدم مكة شرّفها الله تعالى فى خامس ذى الحجة، وبقى كأحد الناس لا يحجبه أحد، وغسل الكعبة بيده (١)، وحمل الماء فى القرب على كتفه، وغسل البيت، وجلس على باب الكعبة الشريفة، فأخذ بأيدى الناس، وسبّل البيت الشريف للناس، وكتب إلى صاحب اليمن كتابا يقول فيه: سطرتها من مكة، وقد أخذت طريقها فى سبع عشرة خطوة، يعنى بالخطوة المنزلة، وقضى حجه، وحلق ونحر، ورتب شمس الدين مروان نائبا بمكة، وأحسن إلى أميرها (٢)، وإلى

стр. 499

صاحب ينبع [٥٥٢]، و [صاحب] (١) خليص وزعماء الحجاز، وعاد، فكان خروجه من مكة ثالث عشر ذى الحجة، ووصوله إلى المدينة فى العشرين منه، ووصل إلى الكرك سلخ ذى الحجة، ولم يعلم به أحد إلى أن وصل إلى قبر جعفر الطيار (٢)، رضى الله عنه، ودخل الكرك لابسا عباءة، راكبا هجينا، فبات بها ليلة، وأصبح متوجّها إلى الشام جريدة. وقال بيبرس: فى مستهل المحرم من سنة ثمان وستين وستمائة عاد السلطان من الكرك، وتوجه إلى دمشق جريدة، وحضر إلى الميدان بغتة، وتوجه من نهاره إلى حلب فدخلها والأمراء فى الموكب، فما عرفه أحد، وبقى بينهم ساعة حتى عرفوه، ونزل بدار نائب السلطنة، وشاهد القلعة، وعاد إلى دمشق، فوصلها فى ثالث عشر المحرم من سنة ثمان وستين، وتوجه إلى القدس الشريف والخليل فزارهما، وكان العسكر قد سبقه صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى إلى تلّ العجول، فوصل إلى المنزلة المذكورة، فصلّى الجمعة فى الكرك، والجمعة الثانية فى حلب، والجمعة الثالثة فى دمشق، ورحل من تلّ العجول فدخل قلعة القاهرة فى الثالث صفر من سنة ثمان وستين، وفى ثامن عشره توجه إلى الإسكندرية، وفى طريقه دخل البرية متصيّدا، وضرب حلقا على الكحيليات فصار فى كل حلقة منها ما يقارب خمسمائة غزال وأقلّ وأكثر، ومن النعام وبقر الوحش كثير، فكان كل من أحضر غزالا أعطى بغلطاقا (٣)، ومن ضرب نعاما أو بقرا أعطى فرسا، ففرق من الخيل والخلع شيئا كثيرا، ووصل

стр. 500

إلى مكان يعرف بقصر فارس، وعاد إلى الإسكندرية، فأقام أياما، وفرق تعابى القماش على الأمراء، ووصلهم بالهبات، وعمهم بالصلات. وقال ابن كثير: لما وصل السلطان إلى مكة تصدق على المجاورين بها، ثم وقف [بعرفة] (١)، وطاف للإفاضة (٢)، وفتحت له الكعبة فغسلها بماء الورد وطيبها بيده، ثم وقف بباب الكعبة يتناول أيدى الناس [ليدخلوا الكعبة] (٣) وهو بينهم كأحدهم، [ثم رجع فرمى الجمرات] (٤)، ثم تعجل النفر فعاد على المدينة النبويّة فزار القبر الشريف مرة ثانية. ثم ساق إلى الكرك فدخلها فى التاسع والعشرين من ذى الحجة وأرسل [٥٥٣] المبشّر إلى دمشق بقدومه سالما، فخرج الأمير جمال الدين أقوش النجيبى ليتلقى البشير فى ثانى المحرم؛ فإذا بالسلطان الملك الظاهر بنفسه يسير فى الميدان، فتعجب الناس من سرعة مسيره وصبره وجلده، ثم ساق حتى دخل حلب (٥) ليتفقد أحوالها، ثم عاد إلى حماة، ثم رجع إلى دمشق، ثم عاد إلى مصر فدخلها يوم الثلاثاء ثالث صفر فى سنة ثمان وستين وستمائة (٦). وقال فى ذلك القاضى محى الدين بن عبد الظاهر أبياتا منها: حتى أتاها ظاهر ملك إذا … شاء اختفى فأموره تتلبّس بينا تراه فى الحجاز إذا به … فى الشام للحج الشريف يقدّس

стр. 501

وتراه فى حلب يدبّر أمرها … وتراه فى مصر يذب ويحرس ويلوح فى حج عليه عباءة … ويلوح فى عزّ وعليه أطلس (١) لا يزال (٢) … للدنيا يسوس أمورها ويشيّد الأخرى بها ويؤسّيس ومنها: أن السلطان أنعم على ناصر الدين محمد بن الأمير عزّ الدين الحلّى (٣) بإمرة، ولم يتعرّض إلى ما خلّفه أبوه من المال والموجود. ومنها أن السلطان تسلّم بلاطنس (٤) من عز الدين عثمان صاحب صهيون، وقرر له عوضا عنها بلدا من بلاد صهيون، فقالوا: كانت خمس قرايا تعمل ثلاثين ألف درهم (٥). ذكر بقيّة الحوادث: منها: أنه وردت الأخبار بأن زلزلة حدثت فى بلاد سيس وأخربت قلاعها مثل سرفندركار وحجر شغلان وقتلت جماعة (٦). ومنها: أنه توجهت المغيرون (٧) من البيرة وغيرها إلى جهة كركر (٨)، وأحرقوا

стр. 502

بيذرها، واستاقوا مواشيها، وتوجّهوا إلى قلعة بينها وبين الكختا (١) اسمها شرموساك، فزحفوا عليها، وقتلوا رجالها. ومنها: أنه كان المصاف بين أبغا وبين براق، فكانت الهزيمة على براق وأصحابه، فغنموا وأسروا منهم وقتلوا، ونجا براق بنفسه مع بعض أصحابه، وبراق هذا هو ابن يسنتاى ابن ما ينقان بن خغطاى بن جنكزخان. وقيل: إن أبغا إنما أوقع به بعد الإيقاع بتكدار، لأنه ابن عمه، وكانا قد اتفقا على حربه. ومنها [٥٥٤] أن يعقوب المرينى (٢) أخذ فى هذه السنة مدينة مراكش، وذلك أنه توجه إليها بمن معه، فجمع أبو دبوس (٣) جماعة عظيمة من العربان والفرنج والموحّدين وغيرهم، فالتقى مع بنى مرين، فكانت الكسرة عليه، فقتل وعلّق رأسه على سور مدينة فاس، واستولى المرينى على مراكش من التاريخ المذكور، ثم تجهّز لفتح البلاد أولا فأولا، وسار إلى جبال الموحدين وهى: سكسيرة، ناروديت، صنجابة، وكراكة، بلاد السوس الأقصى، وأقام بالسوس وبها عرب يقال لهم أولاد ابن حسان، والشامات، فدخلوا فى طاعته، وساروا فى خدمته إلى لمطة (٤)، وهى آخر المعمورة مما يلى شط البحر المحيط، وفتح أولا فأولا، ورتب أحوال البلاد، وقرّر قواعدها، ورجع إلى سجلماسة.

стр. 503

ومنها: فى آخر ذى الحجة هبّت ريح شديدة بديار مصر غرّقت مائتى مركب فى النيل، وهلك فيها خلق كثير، ووقع هنالك مطر شديد جدّا، وأصاب الشام من ذلك صقعة أهلكت الثمار. ومنها: أن أهل حران خرجوا منها وقدموا الشام، وكان فيهم الشيخ الإمام العلامة تقى الدين بن تيميّة (١) صحبة أبيه وعمره ست سنين، وأخواه زين الدين عبد الرحمن، وشرف الدين عبد الله وهما أصغر منه (٢). ومنها: أنه وردت كتب الشريف نجم الدين أبو نمى يذكر فيها أنه شاهد من عمه الشريف بهاء الدين إدريس بن قتادة ميلا إلى صاحب اليمن، وتحاملا على دولة السلطان، فأخرجه من مكة وانفرد بالإمرة، وخطب للسلطان، وكتب له تقليد الإمرة. وفيها: « ............ » (٣). وفيها: حج بالناس « ............ (٤) … ».

стр. 504

ذكر من توفى فيها من الأعيان شرف الدين أبو الطاهر محمد (١) بن الحافظ أبى الخطاب عمر بن دحية المصرى. ولد سنة عشر وستمائة، وسمع أباه وجماعة، وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية (٢) مدة، وكان فاضلا، مات فى العشرين من شهر رمضان بالقاهرة، ودفن بالقرافة. القاضى تاج الدين أبو عبد الله محمد (٣) بن وثاب بن رافع البجيلى الحنفى. درس وأفتى وناب عن ابن [٥٥٥] عطاء بدمشق، ومات بعد خروجه من الحمام على المصاطب فجاءة، ودفن بقاسيون. الطّبيب الماهر شرف الدين أبو الحسن على (٤) بن يوسف بن حيدره الرحبى،

стр. 505

شيخ الأطباء بدمشق، ومدرسة الدخواريّة (١) عن وصية واقفها له بذلك، لتقدمه فى هذه الصناعة على أقرانه وأهل زمانه. ومن شعره: يساق بنى الدنيا إلى الحتف عنوة … ولا يشعر الباقي بحالة من يمضى كأنهم الأنعام فى جهل بعضها … بما تمّ من سفك الدماء على البعض الشيخ نصير الدين المبارك (٢) بن يحيى بن أبى الحسن أبو البركات بن الطباخ الشافعىّ. العلامة فى الفقه والحديث، ودرّس، وأفتى، وصنفّ، وانتفع به ناس، وعمّر ثمانين سنة، وكانت وفاته بالقاهرة فى الحادى عشر من جمادى الآخرة (٣) من هذه السنة، ودفن خارج باب النصر. الشيخ أبو الحسن على (٤) بن عبد الله بن إبراهيم (٥) الكوفى المغربى النحوى، الملقب بسيبويه.

стр. 506

كان فاضلا، بارعا فى صناعة النحو، توفى بالمارستان بالقاهرة. ومن شعره: عذبت قلبى بهجر منك متّصل … يا من هواه ضمير غير منفصل ما زادنى غير تأكيد صدودك لى … فما عدولك عن عطف إلى بدل (١) الشيخ أبو الفضائل محمد بن أبى الفتوح نصر بن غازى بن هلال بن عبد الله الأنصارى، المقرئ الحريرى. مات فى الثالث من المحرم من هذه السنة بالقاهرة، ودفن من يومه ظاهر باب البرقية (٢)، ومولده فى مستهلّ المحرم سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بباها من أعمال كورة كوش، سمع وحدّث. الشيخ المسند أبو الطاهر إسماعيل (٣) بن الشيخ أبى محمد عبد القوى بن أبى العزّ عزّون بن داود بن عزّون بن الليث بن منصور الأنصارى، الغزىّ الأصل، المصرى المولد والدار، الشافعىّ، المنعوت بالزين. مات فى ليلة الثانى عشر من المحرم من هذه السنة بمسجد الذخيرة ظاهر القاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، ومولده فى سنة تسع وثمانين وخمسمائة تقديرا، سمع الكثير وحدّث.

стр. 507

الشيخ الفقيه الإمام أبو الحسن على (١) بن أبى العطايا وهب بن مطيع بن أبى الطاعة القشيرى المنفلوطىّ المالكى، المنعوت بالمجد. وكان أحد العلماء المشهورين، [٥٥٦] والأئمة المذكورين، جامعا لفنون من العلم، معروفا بالصلاح والدين والخير، توفى فى الثالث عشر من المحرم بمدينة قوص من صعيد مصر الأعلى، ومولده فى شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمنفلوط من صعيد مصر. الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن رجا التنوخى الإسكندرانى، العدل بالإسكندرية. مات فى السادس والعشرين من المحرم بالإسكندرية، ودفن من الغد بين الميناءين، سمع وحدّث، وناب فى الحكم بثغر الإسكندرية. الشيخ الصالح المحدث أبو الفتح محمد (٢) بن أبي بكر الكوفنى الأبيوردى الصوفى الشافعى. كان من أهل الدين والصلاح والعفاف. مات فى ليلة الحادى عشر من جمادى الأولى بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، سمع كثيرا وحدّث، وخرج لنفسه معجما عن مشايخه الذين سمع منهم، ووقف كتبه. والكوفنى: بضم الكاف وسكون الواو وفتح الفاء وبعد النون ياء النسب، نسبة إلى كوفن بلدة قريبة من أبيورد (٣).

стр. 508

الشيخ الصالح أبو العباس أحمد (١) بن عبد الواحد المقدسى الحورانىّ. كان أحد المشايخ المشهورين الجامعين بين العقل والدين والتجرد والانقطاع، توفى فى هذه السنة بالمدينة النبويّة. الأمير الكبير عز الدين أيدمر (٢) بن عبد الله الحلى الصالحى. كان من أكابر الأمراء، وأحظاهم عند الملوك، ثم عند الملك الظاهر بيبرس، كان يستنيبه فى غيبته، ولما كانت هذه السنة أخذه معه، وكانت وفاته فى قلعة دمشق، ودفن بتربته بالقرب من اليغموريّة (٣)، وخلف أموالا جزيلة، وأوصى إلى السلطان فى أولاده، وحضر السلطان فى عزائه بجامع دمشق.

стр. 509

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثامنة والسّتين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ، وهو متوطن بالقاهرة. وسلطان البلاد المصرية والشاميّة: الملك الظاهر بيبرس الصالحى، وكان قد وصل إلى دمشق من الحجاز الشريف فى ثانى محرم هذه السنة على الهجن، ثم راح إلى حلب فدخلها فى سادس [٥٥٧] الشهر، ثم عاد إلى دمشق، ثم سار إلى مصر فدخلها فى ثالث صفر من هذه السنة، كما ذكرناه مفصلا فى السنة الماضية (١). ذكر خروج السّلطان الملك الظاهر إلى جهة الشّام: ولما دخل السلطان الديار المصريّة فى ثالث صفر من هذه السنة، بعد عوده من الشام، جاءته الأخبار بحركة التتار، وأنهم تواعدوا مع الفرنج الساحليّة، وأغاروا على الساجور (٢) قريبا من حلب، واستاقوا مواشى العربان، فجهز للخروج أيضا ولكنه أراح العسكر مديدة، ثم خرج جريدة فى ليلة الاثنين الحادى

стр. 510

والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، ووصل إلى غزة ثم منها إلى دمشق، فانهزم التتار، وكان مقدمهم صمغار. وقال ابن كثير: وفى تاسع عشر (١) شهر ربيع الآخر [منها] (٢) وصل السلطان الملك الظاهر بيبرس (٣) إلى دمشق فى طائفة من جيشه، وقد لقوا فى الطريق مشقّة كبيرة (٤) من البرد والوحل، وبلغه أن ابن أخت زيتون (٥) خرج من عكّا يتقصّد (٦) جيش المسلمين، فركب إليه سريعا، فوجده قريبا من عكّا، فأسره (٧) وأسر جماعة من أصحابه، وقتل آخرين. وقال بيبرس: وفيها أغار السلطان على مرج يعقوب وما حول عكا، وأسر من محتشمى الفرنج جماعة، وقتل نائب فرنسيس بعكا، ولم يعدم من [عسكر] (٨) الإسلام إلا الأمير فخر الدين الطوينا (٩) الفائزى، وعاد السلطان ورءوس القتلى

стр. 511

قدامه تحملها أساراهم على الرماح إلى صفد، وتوجه إلى دمشق، ثم إلى حماة، ثم إلى كفر طاب (١)، وتوجّه إلى حصن الأكراد (٢) فى مائتى فارس، فخرج إليه جماعة من الفرنج ملبسين، فحمل عليهم السلطان، فكسرهم، وقتل منهم جماعة (٣). ذكر استيلائه على حصون الإسماعيليّة: وكان السلطان ﵀ قد أبطل رسوم الإسماعيلية التى كانت تجى إليهم، واستأدى الحقوق من مراكبهم، وكسر شوكتهم ومضايقتهم، وحضر إليه صارم الدين [مبارك] (٤) بن الرضى صاحب العليقة، وقلده السلطان بلاد الدعوة، وعزل نجم الدين الشعرانى الملقب بالصاحب وولده منها لأنه لم يحضر إلى الخدمة [٥٥٨]، ونعت صارم الدين بالصاحب، وأرسل معه عسكرا إلى مصياف، فتسلّمها فى العشر الأوسط من رجب من هذه السنة، وهى كرسىّ مملكتهم، وهى مقرّ الفداويّة، فعند ذلك حضر الصاحب نجم الدين إلى الأبواب السلطانية، وهو شيخ كبير جدّا (٥)، فرحمه السلطان ورّق له، وولاّه النيابة شريكا لابن الرضى، فإنه صهره، وقرر عليه حمل مائة وعشرين ألف درهم

стр. 512

فى كل سنة، وعاد السلطان من جهة حصن الأكراد، فدخل دمشق فى الثامن والعشرين من رجب. ذكر عود السلطان إلى الديار المصريّة: ولما دخل السلطان دمشق فى التاريخ المذكور بلغه أن الفرنج أخذت من ميناء (١) الإسكندرية مركبين، فخرج سريعا من دمشق إلى الديار المصريّة، وعبر فى طريقه على عسقلان، وعفّى آثارها، ورمى حجارتها فى مينائها (٢)، ثم وصل إلى مصر ودخل قلعته، ثم استفاضت الأخبار بقصد الفرنج بلاد الشام، وجهّز السلطان العساكر المنصورة لقتالهم، وهو مع ذلك مهتّم بمدينة الإسكندريّة، وقد حصّنها، وعمل جسورة إليهما إن دهمها العدوّ. وقال بيبرس فى تاريخه: بلغ السلطان أن الفرنسيس، «هو» (٣) لويس بن لويس، والانكتار، وملك اسكوسنا، وملك نورك وهى بلاد السناقر، والبرشنونى واسمه ريدراكون (٤)، وغيرهم من ملوك الفرنج، اجتمعوا على صقليّة، وشرعوا فى تجهيز المراكب، ولم يعلم مقصدهم، فاهتمّ السلطان بالثغور والشوانى، وحفظ السواحل والموانى، وعمّر الجسور إلى دمياط، وأنشأ القناطر، وكان قصد الفرنج بلد تونس، فساروا إليها ونزلوا على المعلّقة، فاجتمع الموحدون والعربان

стр. 513

وغيرهم من المسلمين، فقاتلهم الفرنج وضايقوهم، فأراد الله هلاك الملك الفرنسيس، فلما مات رحلوا طالبين بلادهم، وأراح الله المسلمين منهم. ذكر ما حصل فى البلاد: منها: أنه حصل من الفرنج مضايقة عظيمة لابن الأحمر بالأندلس، وأتوا على أكثر ما فى يديه من البلاد. وابن الأحمر يسمى محمد بن نصر (١)، أصله من مدينة جيّان بالأندلس، وهو ينتمى إلى الأنصار، وسبب ظهوره بالأندلس [٥٥٩] أنه كان يخدم منويل عمّ الفونس (٢)، فلما ضعفت دولة الموحدين أصحاب عبد المؤمن ووهت مملكتهم باستيلاء المرينى عليها، وثب أهل الأندلس بمن كان عندهم من الموحدين أصحاب عبد المؤمن فقتلوهم عن آخرهم، وثار شخص يسمّى سيف الدولة محمد بن هود بالأندلس ولقب نفسه الخليفة (٣)، وتعرض إلى بعض البلاد التى فى يد الفونس، فأرسل إليه الفونس محمد بن نصر بن الأحمر، فكان كما قيل: ولكل شئ آفة من جنسه … حتى الحديد سطا عليه المبرد فاستظهر ابن الأحمر على ابن هود، وكفّ عادته عن الفونس، واستفتح له بلادا كثيرة، وقويت شوكته، وانتهى إلى غرناطة واستولى عليها، فلما

стр. 514

استقّر بها وأمن على نفسه خلع طاعة الفونس، واستبدّ بما فى يده، وطالت مدته، واتفقت وفاته فى سنة سبعين وستمائة. ومنها: أن أبا دبوس آخر الملوك من بنى عبد المؤمن قتل فى هذه السنة (١)، وانقرضت بقتله دولتهم، وملكت بلادهم بعدهم بنى مرين، وكان قتله فى حرب بينه وبين مرين بنى، واسم أبى دبوس: إدريس بن عبد الله بن محمد بن يوسف (٢) صاحب مراكش. ومنها: أنه حصل بين منكوتمر بن طغان ملك التتار بالبلاد الشمالية وبين الأشكرى صاحب قسطنطينيّة وحشة، فجهّز منكوتمر إلى القسطنطينيّة جيشا من من التتار، فوصلوا إليها وعاثوا فى بلادها، ومرّوا بالقلعة التى بها عز الدين كيكاوس بن كيخسرو سلطان بلاد الروم، وكان محبوسا بها كما ذكرنا فى سنة إثنتين وستين وستمائة (٣)، فحمله التتار بأهله ونسائه إلى منكوتمر، فتلقاه بالإكرام وعامله بالإحترام، وأقام فى بلاد قرم، وزوجه بإمرأة من أعيان نسائهم تسمّى أرباى خاتون من بنات بركة، ولم يزل إلى أن توفى فى سنة سبع وسبعين وستمائة (٤)،

стр. 515

على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فسار ابنه مسعود بن عز الدين إلى بلاد الروم، وصار سلطان الروم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقال بيبرس فى تاريخه: جهّز منكوتمر جيشا إلى إصطنبول، وقصد أخذها من الأشكرى [٥٦٠] لموجدة صارت بينهما، فوصل العسكر المذكور إلى إصطنبول فى زمن الشتاء، وعساكر باليلوغوس متفرقة فى البلاد، وكان رسول السلطان الظاهر إذ ذاك الوقت عند الأشكرى، وهو الفارس المسعودى، فخرج إلى جيوش التتار وتحدّث مع مقدّمهم وقال: أنا رسول الملك الظاهر صاحب مصر، متوجّه إلى الملك منكوتمر، وأنتم تعلمون أن لصاحب (١) إصطنبول صلح مع السلطان، وأن مصر إصطنبول، وإصطنبول مصر، وبين أستاذى وأستاذكم الملك منكوتمر صلح، فارجعوا من ههنا، فاغتروا بقوله، ورجعوا عن إصطنبول وعبروا ببلادها، فنهبوا ما شاءوا، ومرّوا بالقلعة التى كان السلطان عز الدين كيكاوس صاحب الروم مسجونا بها، فأخذوه وحملوه إلى منكوتمر، كما ذكرناه الآن، وأما المسعودى فإن الأشكرى أنعم عليه بمال وقماش وتوجه إلى منكوتمر (٢) فهمّ بضربه لكونه صد جيشه عن إصطنبول وردّهم دون بلوغ المأمول، فشفع فيه فعفا عنه، ولما عاد إلى الملك الظاهر خاف على نفسه من هذه الجريرة، واتفق وصول بعض التجار، فأخبر السلطان بهذه الأخبار، فقبض عليه وضربه واعتقله.

стр. 516

ومنها: أن أبا نمى صاحب مكة وثب بعمه إدريس بن قتادة فقتله، واستبدّ بالإمرة على مكة، شرّفها الله (١). وفيها: « ...... » (٢) وفيها: حج بالناس « ...... » (٣)

стр. 517

ذكر من توفى فيها من الأعيان الصاحب زين الدين يعقوب (١) بن عبد الرفيع (٢) بن زيد بن مالك المصرى، المعروف بابن الزبير. كان فاضلا، رئيسا، وزر للملك المظفر قطز، ثم للملك الظاهر فى أول دولته، ثم عزله وولىّ بهاء الدين بن الحنّا، فلزم منزله حتى أدركته المنيّة فى الرابع عشر من ربيع الآخر، وله نظم جيّد. الشيخ موفق الدين أحمد (٣) بن القاسم بن الخزرجى، المعروف بابن أبى أصيبعة (٤). له تاريخ الأطباء فى عشر مجلدات لطاف، وهو وقف بمشهد أبى عروة، وكانت وفاته بصرخد، وقد جاوز السبعين. الشيخ زين الدين أحمد (٥) بن عبد الدائم [٥٦١] بن نعمة بن أحمد بن محمد ابن إبراهيم بن أحمد بن أبى بكر أبو العباس المقدسى النابلسى.

стр. 518

تفرّد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان مولده فى سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقد سمع الحديث، ورحل إلى بلدان شتى، وكان فاضلا، يكتب سريعا، وحكى الشيخ علم الدين أنه كتب مختصر الخرقى (١) فى ليلة واحدة، وخطه حسن، قوى، حلو، وكتب تاريخ ابن عساكر مرتين، واختصره لنفسه أيضا، وأضرّ فى آخر عمره أربع سنين، وله شعر جيد، وكانت وفاته بسفح قاسيون، وبه دفن، فى بكرة الثلاثاء عاشر رجب، وقد جاوز التسعين. قاضى القضاة محيى الدين أبو الفضل يحيى (٢) بن قاضى القضاة محيى الدين أبى المعالى محمد بن على بن محمد بن يحيى بن على بن عبد العزيز بن على بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، رضى الله عنه، القرشىّ الأموىّ، ابن الزكىّ. تولى قضاء دمشق غير مرة، وكذلك آباؤه، كل وليها، وقد سمع الحديث من حنبل، وابن طبرزد، والكندىّ، وابن الحرستانى، وجماعة، وحدّث، ودرّس فى مدارس كثيرة، وقد ولى القضاء فى الدولة الهلاونيّة فلم يحمد، على ما ذكره أبو شامة، وكانت وفاته بمصر فى الرابع عشر من رجب، ودفن بجبل المقطم، وقد جاوز السبعين، وقد كان فاضلا، وله شعر جيد قوىّ. ومن شعره: قالوا أما فى جلق برهة (٣) … تسليك عن من أنت به مغرا

стр. 519

يا عاذلى دونك من لحظه (١) … سهما ومن (٢) عارضه سطرا وحكى الشيخ قطب الدين فى ذيله عن ولده القاضى شهاب الدين: أن والده كان يذهب إلى تفضيل علىّ رضى الله عنه على عثمان رضى الله عنه موافقة لشيخه محيى الدين بن عربى (٣). الصّاحب فخر الدين محمد (٤) بن الصاحب بهاء الدين علىّ بن محمد بن سليمان بن الحنّا المصرىّ. كان وزير الصحبة، وقد كان فاضلا، بنى رباطا بالقرافة الكبرى، ودرس بمدرسة والده (٥) بمصر، وبالشافعى بعد ابن بنت الأعز، وقد كانت وفاته فى شعبان، ودفن بسفح المقطم، وفوض السلطان وزارة الصحبة إلى ولده تاج الدين (٦). الشيخ أبو نصر محمد (٧) بن [٥٦٢] الحسن الحرار الصوفى البغدادى الشاعر.

стр. 520

له ديوان حسن، وكان جميل المعاشرة، حسن المذاكرة، دخل عليه بعض أصحابه فلم يقم له، وأنشده قوله: نهض القلب حين أقبلت … إجلالا لما فيه من صحيح الوداد ونهوض القلب بالودّ أولى … من نهوض الأجساد للأجساد الشيخ الأصيل أبو عبد الله محمد بن أبى الفتح الحسن بن الحافظ مؤرّخ الشام المعروف بابن عساكر. وهو من بيت الحفظ والعلم والحديث، توفى فيها بدمشق. الشيخ المحدث المسند أبو العباس أحمد (١) بن عبد الدائم، توفى فيها بدمشق. الشيخ القاضى تقى الدين أبو التقى صالح (٢) بن الحسين الهاشمى الجعفرىّ. كان أحد الفضلاء العارفين بالأدب وغيره، وتولى الحكم بمدينة قوص ونظرها أيضا، وله خطب حسنة، ونظم جيد، وتصانيف عدّة، توفى فى هذه السنة بالقاهرة. الطواشى جمال الدين محسن الصالحى النجمى، شيخ الخدام بالمدينة النبويّة بحرم رسول الله ﷺ ، توفى فى هذه السنة. إدريس (٣) بن قتادة، وثب عليه ابن أخيه أبو نمى صاحب مكة فقتله، واستبدّ بالإمرة على مكة، شرّفها الله.

стр. 521

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التاسعة والسّتين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان الديار المصرية والشاميّة: الملك الظاهر بيبرس الصالحى النجمى، ففى مستهل صفر منها ركب وتوجّه إلى الشام، واستصحب معه ولده الملك السعيد، والأصح أنه ما استصحب ولده إلاّ فى السفرة الثانية (١)، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى، ومعه طائفة من العسكر، وجاز على عسقلان، وهدم ما بقى من سورها، مما كان أهمل، ووجد فيما هدم كوزين (٢) فيهما ألف دينار، ففرقهما على الأمراء (٣). وجاءت البشارة هناك بأن منكوتمر كسر جيش أبغا، ففرح بذلك، ثم عاد إلى القاهرة مؤيّدا منصورا. ذكر سفرة الظّاهر ثانى مرّة: وفيها: توجه السلطان الظاهر إلى الشام، واستصحب معه ولده الملك السعيد، والوزير بهاء الدين بن حنّا، وجمهور الجيش، ودخل دمشق يوم

стр. 522

الخميس ثامن رجب [٥٦٣] فى أبّهة عظيمة، وابنه الملك السعيد قدّامه، وكان يوما مشهودا، وفى طريقه شنّ الإغارة على طرابلس، واتصلت غارته بصافيتا، وجرّد فرقة من العسكر صحبة الأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير فخر الدين بيليك الخزندار الظاهرىّ، وسيّر صحبتهما الملك السعيد ولده، فأغاروا على ناحية المرقب، فعند عود السلطان من الغارة على طرابلس عاد الملك السعيد ومن معه من الغارة على جهة المرقب، وتوافوا ونزلوا على حصن الأكراد فى تاسع شهر شعبان (١) من هذه السنة. ذكر فتح حصن الأكراد: ونزل السلطان عليه فى تاسع الشهر المذكور، وجدّ فى حصاره وقتاله، فلما كان العشرون منه أخذت أرباضه، وزحفت العساكر، فطلبوا القلعة وتسلموها، وطلع الفرنج [إلى] (٢) القلّة، ثم طلبوا الأمان، فأجابهم إليه، فخرجوا وجهّزوا إلى بلادهم فى الرابع والعشرين منه، وتسلم السلطان الحصن، وكتب إلى مقدّم الإسبتار صاحب الحصن كتابا نسخته:

стр. 523

هذه المكاتبة إلى أفرير أوك (١)، جعله الله ممن لا يعترض على القدر، ولا يعاند من سخّر لجيشه (٢) النصر والظفر، ولا يعتقد أنه ينجى من أمر الله الحذر (٣)، ولا يحمى منه محجور البناء، ولا مبنى الحجر، تعلمه بما سهّل الله من فتح حصن الأكراد الذى حصنته وبنيته وخلّيته، وكنت الموفق لو أخليته، واتكلت فى حفظه على إخوتك فما نفعوك، وضيّعتهم بالإقامة فيه فضيّعوه، وضيّعوك، وما كانت هذه العساكر تنزل على حصن ويبقى، أو تخدم سعيدا ويشقى (٤). وقال ابن كثير: وكان الذى حاصره ابن السلطان (٥) الملك السعيد، فأطلق السلطان أهله ومنّ عليهم، وأجلاهم إلى طرابلس، وتسلّم القلعة بعد عشرة أيام [من الفتح] (٦) فأخلاها أيضا (٧)، وجعل كنيسة البلد جامعا، وأقام فيه الجمعة، وولى فيها (٨) نائبا وقاضيا، وأمر بعمارة البلد (٩).

стр. 524

وبعث إليه صاحب أنطرسوس واسمه كمندور، ومقدم (١) بيت الإسبتار وسألا (٢) الصلح، فأجابهم السلطان إلى الصلح على أنطرسوس والمرقب خاصّة خارجا عن صافيتا وبلادها، واسترجع منهم بلدة وأعمالها، وما أخذوه فى الأيام الناصريّة، وعلى أن جميع ما لهم من الحقوق والمناصفات على بلاد الإسلام يتركونه، وعلى أن تكون بلاد المرقب ووجوه أمواله مناصفة بين السلطان وبين الإسبتار، وعلى أن لا تجدد عمارة المرقب، وحلف لهم على ذلك، وأخلوا قرفيص، [٥٦٤] وأحرقوا ما لم يمكن حمله. وقال ابن كثير: ولما فتح الملك السعيد بن الظاهر حصن الأكراد جعل كنيستها جامعا وأقام فيه الجمعة، وولّى السلطان فيه نائبا وقاضيا، وأمر بعمارة البلد (٣)، ثم أنه بلغ السلطان وهو مخيّم على حصن الأكراد أن صاحب جزيرة قبرس قد ركب بجيشه إلى عكّا لينصر أهلها خوفا عليهم (٤) من الملك الظاهر، فأراد السلطان أن يغتنم هذه الفرصة، فبعث جيشا كثيفا فى سبعة عشر (٥) شينيا ليأخذوا جزيرة قبرس فى غيبة صاحبها [عنها] (٦)، فسارت المراكب مسرعة، فلما قاربت

стр. 525

الجزيرة (١) جاءتها ريح قاصف، وصادفت (٢) بعضها بعضا، فتحطم منها أحد عشر مركبا (٣) بإذن الله ، فغرق خلق وأسر [الفرنج] (٤) من الصناع والرجال قريب من ألف وثمانمائة إنسان ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٥). وقال بيبرس فى تاريخه: هذه الطّامة التى حصلت على المسلمين بعد فتح القرين (٦)، فقال: خرج السلطان من دمشق بعد فراغه من الجهات التى ذكرناها فى العشر الآخر من شوال، وسار إلى القرين ونازله فى ثانى ذى القعدة، وأخذت باشورته (٧)، وسأل من فيه الأمان، فكتب لهم أمانا، وتقرّر خروجهم وتوجّههم حيث شاءوا، وأنهم لا يستصحبون مالا ولا سلاحا، وتسلّم السلطان الحصن وأمر بهدم قلعته، ثم سار عنه ونزل اللجون، وتقدمت مراسمه إلى النواب (٨) بالديار المصريّة وتجهيز الشوانى وتسفيرها إلى قبرس، فجهزّها النواب، وسفّروها صحبة مقدم البحر ورؤساء الخلافة (٩)، فلما وصلت إلى مرسى النمسون (١٠) تحت قبرس جنهّا

стр. 526

الليل، وتقدّم الشينى الأوّل داخلا على أنه يقصد الميناء، فصادف الشعاب فى الظلماء، فانكسر، وتبعه الشوانى واحدا فواحدا، ولم تعلم بما أصابه، فانكسروا فى دجى الليل جميعا، وأسرهم أهل قبرس، وكان ابن حسّون المقدّم قد أشار برأى، تطيّر الناس منه، وهى أن تطلى [الشوانى] (١) بالقار، ويعمل عليها الصلبان لتشتبه على الفرنج بشوانيهم، فيتمكن من موانيهم، فاقتضى تغيير شعارها بما أراد الله من انكسارها. وورد كتاب صاحب قبرس إلى السلطان يخبر بأن شوانى مصر [٥٦٥] وصلت إلى قبرس، وكسرها الريح وأخذتها، وهى أحد عشر شينيا، فأمر [السلطان] (٢) بأن يكتب جوابه، فكتب إليه هذه المكاتبة: إلى حضرة الملك أوك دلزنيال (٣)، جعله الله ممن يوفى الحق لأهله، ولا يفتخر بنصر إلا إذا أتى قيله أو بعده بخير منه أو مثله، نعلمه أن الله إذا أسعد إنسانا دفع عنه الكثير من قضائه باليسير، وأحسن له التدبير فيما جرت به المقادير، وقد كنت عرفتنا أن الهواء كسر عدة من شوانينا وصار بذلك يتيجح، وبه يقرح، ونحن الآن نبشره بفتح القرين، وأين البشارة بتملك القرين من البشارة بما كفى الله ملكنا من العين، وما العجب أن يفخر بالاستيلاء على حديد وخشب، الاستيلاء على الحصينة هو العجب، وقد قال وقلنا، وعلم الله إن

стр. 527

قولنا هو الصحيح، واتكل واتكلنا، وليس (١) من اتكل على الله وسيفه كمن اتكل على الريح، وما النصر بالهواء مليح، إنما النصر بالسيف هو المليح، ونحن ننشئ فى يوم واحد عدّة قطائع (٢)، ولا ينشأ لكم من حصن قطعة، ونجهزّ مائة قلع ولا يجهّز لكم فى مائة سنة قلعة، وكلّ من أعطى مقداف قذّف، وما كلّ من أعطى سيف أحسن الضرب به أو عرف، وإن عدمت من بحرية المراكب آحاد فعندنا من بحرية المراكب (٣) ألوف، وأين الذين يطعنون بالمقاديف (٤) فى صدر (٥) البحر من الذين يطعنون بالرماح فى صدر (٦) الصفوف، وأنتم (٧) خيولكم المراكب ونحن (٨) مراكبنا الخيول، وفرق بين من يجريها كالبحار ومن تقف به فى الوحول، وفرق بين من يتصيّد على الصقور من الخيل العراب، وبين من إذا افتخر قال: تصيدت بغراب، فلئن كنتم أخذتم لنا قرية مكسورة فكم أخذنا لكم قرية معمورة، وإن استوليتم على سكان فكم أخلينا بلاد كم من سكان، وقد (٩) كسبت (١٠)

стр. 528

وكسبنا، فترى أيّنا أغنم، ولو أن فى الملك سكوتا كان الواجب عليه [أن] (١) سكت وما تكلم (٢). ذكر فتح عكّار: نزل السلطان على عكّار (٣) فى سابع عشر رمضان [المعظم] (٤) ومهد الطرقات لطلوع (٥) المجانيق، واشتدّ [٥٦٦] أهله فى المناضلة ورمى الحجارة والمجانيق، واستشهد عليه ركن الدين منكورس الدوادارىّ، وكان يصلى فى خيمته، فجاءه حجر فمات من وقته، وشدّدت العساكر الحصار، وأخذوا النقوب تحت (٦) الأسوار (٧)، فلما رأوا أنهم عاجزون عن مقابلتهم طلبوا الأمان ورفعت عليه السناجق، وخرجت أهله فى سلخ الشهر، فجهّزوا إلى مأمنهم: وعيّد السلطان بها عيد الفطر (٨)، ثم رحل إلى مخيّمه بالمرج، فقال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى ذلك:

стр. 529

يا مليك الأرض بشرا … ك فقد نلت الإرادة إن عكار يقينا … هى عكّا وزيادة (١) وكان هذا الحصن شديد الضرر على المسلمين، وهى فى وادى بين جبال. ثم إن السلطان نفق فى العساكر بنفقة كاملة، ثم بعد النفقة سار طالبا مدينة طرابلس، وقد أمر العساكر فلبسوا الجواشن (٢) والخوذ (٣)، وساروا بأهبة الحرب، وأحاطوا بطرابلس إحاطة الهالات بالأقمار، والأكمام بالأثمار، فلما عاين برنس طرابلس قدوم العساكر وهجومهم كالسيل الهامر أرسل يسأل الصلح، فأجابه السلطان إليه (٤). وقال ابن كثير: أرسل إليه صاحبها يقول: ما مرادك أيها السلطان فى هذه الأرض؟ فقال: جئت لأرعى زرعكم (٥) وأخرّب بلادكم، ثم أعود إلى حصاركم فى العام الآتى إن شاء الله تعالى، فأرسل يستعطفه ويطلب منه المصالحة ووضع الحرب بينهم عشر سنين، فأجابه إلى ذلك (٦).

стр. 530

وأرسل إليه الإسماعيلية يستعطفونه على والدهم، وكان مسجونا بالقاهرة، فقال: سلموا [إلى] (١) العليقة وانزلوا فخذوا إقطاعات بالقاهرة وتسلّموا آباكم، فلما نزلوا أمر بحبسهم فى القاهرة، وقد استناب بحصن العليقة (٢)، وخرجت من يد الإسماعيلية من ذلك الوقت. ثم رجع السلطان ودخل دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال من هذه السنة، وعزل القاضى شمس الدين بن خلكان (٣)، وكان له فى القضاء عشر سنين، وولى القضاء عز الدين بن الصائغ (٤)، وكان تقليده قد كتب [٥٦٧] بظاهر طرابلس، بسفارة الوزير بهاء الدين بن الحنّا ورأيه، فسافر ابن خلكان فى ذى القعدة إلى الديار المصريّة. وفى حادى (٥) عشر شوال «دخل الشيخ خضر الكردى» (٦) شيخ السلطان وأصحابه إلى كنيسة اليهود، فصلوا فيها، وأزالوا ما فيها من شعائر اليهود، ومدّوا فيها سماطا، وعملوا سماعا، وبقوا كذلك أياما، ثم أعيدت إلى اليهود.
следующие страницы →