← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الليل، وتقدّم الشينى الأوّل داخلا على أنه يقصد الميناء، فصادف الشعاب فى الظلماء، فانكسر، وتبعه الشوانى واحدا فواحدا، ولم تعلم بما أصابه، فانكسروا فى دجى الليل جميعا، وأسرهم أهل قبرس، وكان ابن حسّون المقدّم قد أشار برأى، تطيّر الناس منه، وهى أن تطلى [الشوانى] (١) بالقار، ويعمل عليها الصلبان لتشتبه على الفرنج بشوانيهم، فيتمكن من موانيهم، فاقتضى تغيير شعارها بما أراد الله من انكسارها. وورد كتاب صاحب قبرس إلى السلطان يخبر بأن شوانى مصر [٥٦٥] وصلت إلى قبرس، وكسرها الريح وأخذتها، وهى أحد عشر شينيا، فأمر [السلطان] (٢) بأن يكتب جوابه، فكتب إليه هذه المكاتبة: إلى حضرة الملك أوك دلزنيال (٣)، جعله الله ممن يوفى الحق لأهله، ولا يفتخر بنصر إلا إذا أتى قيله أو بعده بخير منه أو مثله، نعلمه أن الله إذا أسعد إنسانا دفع عنه الكثير من قضائه باليسير، وأحسن له التدبير فيما جرت به المقادير، وقد كنت عرفتنا أن الهواء كسر عدة من شوانينا وصار بذلك يتيجح، وبه يقرح، ونحن الآن نبشره بفتح القرين، وأين البشارة بتملك القرين من البشارة بما كفى الله ملكنا من العين، وما العجب أن يفخر بالاستيلاء على حديد وخشب، الاستيلاء على الحصينة هو العجب، وقد قال وقلنا، وعلم الله إن

стр. 527

قولنا هو الصحيح، واتكل واتكلنا، وليس (١) من اتكل على الله وسيفه كمن اتكل على الريح، وما النصر بالهواء مليح، إنما النصر بالسيف هو المليح، ونحن ننشئ فى يوم واحد عدّة قطائع (٢)، ولا ينشأ لكم من حصن قطعة، ونجهزّ مائة قلع ولا يجهّز لكم فى مائة سنة قلعة، وكلّ من أعطى مقداف قذّف، وما كلّ من أعطى سيف أحسن الضرب به أو عرف، وإن عدمت من بحرية المراكب آحاد فعندنا من بحرية المراكب (٣) ألوف، وأين الذين يطعنون بالمقاديف (٤) فى صدر (٥) البحر من الذين يطعنون بالرماح فى صدر (٦) الصفوف، وأنتم (٧) خيولكم المراكب ونحن (٨) مراكبنا الخيول، وفرق بين من يجريها كالبحار ومن تقف به فى الوحول، وفرق بين من يتصيّد على الصقور من الخيل العراب، وبين من إذا افتخر قال: تصيدت بغراب، فلئن كنتم أخذتم لنا قرية مكسورة فكم أخذنا لكم قرية معمورة، وإن استوليتم على سكان فكم أخلينا بلاد كم من سكان، وقد (٩) كسبت (١٠)

стр. 528

وكسبنا، فترى أيّنا أغنم، ولو أن فى الملك سكوتا كان الواجب عليه [أن] (١) سكت وما تكلم (٢). ذكر فتح عكّار: نزل السلطان على عكّار (٣) فى سابع عشر رمضان [المعظم] (٤) ومهد الطرقات لطلوع (٥) المجانيق، واشتدّ [٥٦٦] أهله فى المناضلة ورمى الحجارة والمجانيق، واستشهد عليه ركن الدين منكورس الدوادارىّ، وكان يصلى فى خيمته، فجاءه حجر فمات من وقته، وشدّدت العساكر الحصار، وأخذوا النقوب تحت (٦) الأسوار (٧)، فلما رأوا أنهم عاجزون عن مقابلتهم طلبوا الأمان ورفعت عليه السناجق، وخرجت أهله فى سلخ الشهر، فجهّزوا إلى مأمنهم: وعيّد السلطان بها عيد الفطر (٨)، ثم رحل إلى مخيّمه بالمرج، فقال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى ذلك:

стр. 529

يا مليك الأرض بشرا … ك فقد نلت الإرادة إن عكار يقينا … هى عكّا وزيادة (١) وكان هذا الحصن شديد الضرر على المسلمين، وهى فى وادى بين جبال. ثم إن السلطان نفق فى العساكر بنفقة كاملة، ثم بعد النفقة سار طالبا مدينة طرابلس، وقد أمر العساكر فلبسوا الجواشن (٢) والخوذ (٣)، وساروا بأهبة الحرب، وأحاطوا بطرابلس إحاطة الهالات بالأقمار، والأكمام بالأثمار، فلما عاين برنس طرابلس قدوم العساكر وهجومهم كالسيل الهامر أرسل يسأل الصلح، فأجابه السلطان إليه (٤). وقال ابن كثير: أرسل إليه صاحبها يقول: ما مرادك أيها السلطان فى هذه الأرض؟ فقال: جئت لأرعى زرعكم (٥) وأخرّب بلادكم، ثم أعود إلى حصاركم فى العام الآتى إن شاء الله تعالى، فأرسل يستعطفه ويطلب منه المصالحة ووضع الحرب بينهم عشر سنين، فأجابه إلى ذلك (٦).

стр. 530

وأرسل إليه الإسماعيلية يستعطفونه على والدهم، وكان مسجونا بالقاهرة، فقال: سلموا [إلى] (١) العليقة وانزلوا فخذوا إقطاعات بالقاهرة وتسلّموا آباكم، فلما نزلوا أمر بحبسهم فى القاهرة، وقد استناب بحصن العليقة (٢)، وخرجت من يد الإسماعيلية من ذلك الوقت. ثم رجع السلطان ودخل دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال من هذه السنة، وعزل القاضى شمس الدين بن خلكان (٣)، وكان له فى القضاء عشر سنين، وولى القضاء عز الدين بن الصائغ (٤)، وكان تقليده قد كتب [٥٦٧] بظاهر طرابلس، بسفارة الوزير بهاء الدين بن الحنّا ورأيه، فسافر ابن خلكان فى ذى القعدة إلى الديار المصريّة. وفى حادى (٥) عشر شوال «دخل الشيخ خضر الكردى» (٦) شيخ السلطان وأصحابه إلى كنيسة اليهود، فصلوا فيها، وأزالوا ما فيها من شعائر اليهود، ومدّوا فيها سماطا، وعملوا سماعا، وبقوا كذلك أياما، ثم أعيدت إلى اليهود.

стр. 531

ذكر فتح القرين: (١) خرج السلطان من دمشق فى العشر الآخر من شوال (٢) وأتى إلى الساحل، ثم سار إلى القرين ونازله، وأخذ باشورته فى ثانى ذى القعدة، وقد ذكرنا بقية الكلام الآن، فحاصله أنه أخذ الحصن وأمر بهدم قلعته، ثم سار عنه ونزل اللّجون (٣)، وتقدمت مراسيمه إلى النواب بالديار المصريّة بتجهيز الشوانى، وقد ذكرناه مفصّلا عن قريب (٤)، ثم إن السلطان جاء إلى عكّا وأشرف عليها وتأمّلها، ثم سار إلى الديار المصريّة. وكان مقدار ما غرمه فى هذه السرحة والغزوات قريبا من ثمانمائة ألف دينار، وكان وصوله إلى القاهرة يوم الخميس ثالث عشر (٥) ذى الحجة. ولما دخل القاهرة أمر بعمارة الشوانى وباشرها بنفسه، فعمّر فى أقرب مدة ضعفى ما أنكسر. وفى اليوم الثانى من وصوله (٦) مسك السلطان جماعة من كبار الأمراء منهم:

стр. 532

[علم الدين سنجر] (١) الحلبى، وعز الدين إيغان (٢) سم الموت، و [أقوش] المحمدى (٣) وغيرهم (٤)، بلغه أنهم أرادوا أن يفتكوا به وهو على الشقيف. وفى اليوم السابع عشر من ذى الحجة أمر بإراقة الخمور من سائر بلاده، وتهدّد من يعصرها بالقتل، وأسقط الضمان فى ذلك، وكان بالقاهرة وحدها ألف دينار، وسارت البرد بذلك إلى الآفاق يأمر بذلك. ذكر بقيّة الحوادث: منها: أن فى ربيع الأول بلغ السلطان الملك الظاهر أنّ أهل عكا ضربوا رقاب من فى أيديهم من أسرى المسلمين صبرا بظاهر عكا، فأمر بمن كان فى يده من أسارى عكا، فغرّقوا جميعهم، وكانوا قريبا من مائة نفر. ومنها: [٥٦٨] أن فى الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الآخر أقيمت الخطبة فى جامع المنشية، بحسب كمال بنائه. ومنها: أن فى يوم الأحد الثانى عشر من شوال جاء سيل عظيم إلى دمشق، فأتلف شيئا كثيرا، وغرق بسببه أناس كثير أيضا لا سيما الحجاج من الروم، أخذهم وجمالهم فهلكوا، وغلقت أبواب البلد، ودخل الماء من مرامى السّور

стр. 533

ومن باب الفراديس، فغرق خان بن مقدّم، وأتلف شيئا كثيرا، وكان ذلك فى زمن المشمش. وفى تاريخ بيبرس: أتى على كلّ شئ فجعله كالرميم، وطلع فى (١) سور دمشق قدر رمح، وأغرق حيوانات كثيرة، وأفسد عدة آدر بدمشق، وأغرق من العالم ما لا يحصى، ونضب، فلم يعلم من أين اجتمع وإلى أين ذهب، ويقال إنه هلك به تقدير عشرة آلاف نفس، وأخذ الطواحين بحجارتها (٢). ومنها: أن صاحب صور (٣) سأل الصلح فأجيب، وتقرر الصلح، وحصل الإتفاق على أن يكون له عشرة بلاد خاصّا، ويكون للسلطان خمس بلاد يختارها خاصّا، وبقيّة البلاد مناصفة. ومنها: أنه ورد كتاب نيسو نوغاى (٤) قريب الملك بركة، وهو أكبر مقدمى جيشه، نسخته: صدر هذا الكتاب: من نيسو نوغاى إلى الملك الظاهر، أحمد الله تعالى على أن جعلنى من جملة المسلمين، وصيّرنى ممن يتبع الدين المستبين (٥)، وبعد:

стр. 534

فإن كتابنا هذا يحتمل على معنيين: أحدهما: التحيّة والسلام منا إليك. والثانى: أنا سمعنا من أرفوغا (١) أنه لصدق عهده مع أبينا بركة خان استخبر عن أولاده وأقربائه ومن أسلم منهم، فلما أخبر (٢) هذا الخبر أخلصنا المحبّة للملك الظاهر، الوفىّ بالعهود، وقلنا: ما استخباره عنا إلاّ لحميّته فى الإسلام وصدق نيّته فى تجديد العهود، وكتبنا هذا الكتاب على يد أريتمو وتوق بغا، معلما أنا دخلنا فى الإسلام، وآمنا بالله، وبما جاء من عند الله، وبرسول الله [محمد] (٣) ﷺ ، فيثق بما قلناه، ويستن (٤) بسنة أبينا بركة خان، ويتبع الحق، ويجتنب [٥٦٩] البطلان، ولا يقطع إرسال المكاتبة، فنحن معك كالأنامل لليد، نوافق من يوافقك، ونخالف من يخالفك. فكتب جوابه: صدرت هذه المكاتبة إلى سامى مجلس العزيز الأصيل، المجاهد فى سهيل رّبه، المستضئ بنور قلبه، ذخيرة المسلمين، وعون المؤمنين، نيسونوغا (٥)، عمّر الله قلبه بالإيمان، وجعله من أمر دنياه وأخراه فى أمان، وعامله بما عامل به التابعين بإحسان، نعلمه (٦) بورود كتاب منه، سرّ السمع والقلب، وحكم للتوفيق بالغلب، ووجدناه مقصورا على أفهام ما هو عليه من صحة الإعتقاد والإقتفاء لأثر الملك بركة خان فى اجتهاد فى الدين

стр. 535

وجهاد، وهذا كان عندنا منه أمر لا نترك مثله ولا نلغى، وقد تلونا قوله تعالى: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ (١)، وحمدنا الله على أن كثّر به حزب المؤمنين، وجعله فى ذلك الجانب متبتّلا لقتال الكافرين، وقد علم أن الرسول (٢) جاهد عشيرته الأقربين، وأنكر على من رضى أن يكون مع القاعدين، والقصد التذكار بذلك، وإبلاغ التحيّة لمن فى الجانب المحروس، ممّن نور الله بصيرته حتى اهتدى للحق، واقتدى بالملك بركة خان، رضى الله عنه، فى جهاده، وداوم على الجهاد، الذى كتب الله لنا أجره، فى الغرب، ولهم أجره فى الشرق، حتى تنكسر شوكة الكفار، ويعلم الكافر لمن عقبى الدار، ويخذل أنصار المشركين، ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٣) وتتمته تتضمن الأشلاء على التتار والإغراء بهم (٤). وفيها: « ......... » (٥). وفيها: حج بالناس « ......... » (٦).

стр. 536

ذكر من توفّى فيها من الأعيان قاضى القضاة شرف الدين أبو حفص عمر (١) بن عبد الله بن صالح بن عيسى السبكى المالكى. ولد سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث، وتفقه، ودرس، وأفتى بالصالحية (٢)، وولى حسبة القاهرة، ثم ولى قضاء القضاة سنة ثلاث وستين، لما ولّوا من كل مذهب قاضيا، وقد مرّ أنه امتنع أشدّ الامتناع، وإنما أجاب بعد إكراه، وشرط أن لا يأخذ جامكية، وكان مشهورا بالعلم والدين، روى عنه القاضى بدر الدين بن جماعة وغيره، وكانت [٥٧٠] وفاته لخمس بقين من ذى القعدة بالقاهرة، ودفن بمقابر باب النصر الشيخ عمر السنجارى (٣) من أصحاب على بن وهب. وسبب وفاته: أن الفقراء اجتمعوا فى زاوية الشيخ مذكور الجفارى ببلبيس، وكانت ليلة جمعة: ومعهم قوّال يسمى أسد الفاقوسىّ، فقرأ القارئ: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٤). فتواجد الشيخ عمر المذكور وقام وقعد، فأنشد القوّال:

стр. 537

لئن عاد جمع الشمل فى ذلك الحمى … غفرت لدهرى كل ذنب تقدّما وإن لم يعد منّيت نفسى بعودة … وماذا عسى تجدى الأمانى وكلّما بحق لقلبى أن يذوب صبابة … وللعين أن تجرى مدامعها دما على زمن ماض بكم قد قطعته … لبست به ثوب الخلاعة معلما فقام الشيخ وتواجد ووقع إلى الأرض، فانقطع حسّه فحركوه فإذا هو ميّت (١). الشيخ أبو إبراهيم إسحاق (٢) بن أبى الثناء محمود بن أبى الفياض بن على البروجردى (٣) الصوفى المشرف، المنعوت بالشمس. مات فى ضحوة النهار الخامس من المحرم بالقاهرة، ودفن من يومه بسفح المقطم، ومولده فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببروجرد، سمع وحدّث، وكان يكتب خطا حسنا، وكان من أكابر مشايخ الصوفية، مشهورا عندهم، مقدّما فيهم. ابن سبعين قطب الدين أبو محمد عبد الحق (٤) بن أبى إسحاق إبراهيم بن سبعين المرسى الرقوطى، نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من سبته.

стр. 538

ولد سنة أربع عشرة وستمائة، واشتغل بعلوم الأوائل والفلسفة، فتولد له من ذلك نوع من الإلحاد، وصنّف فيه، وكان يعرف السيمياء، [وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء] (١) أنه حال، وله مصنّفات منها كتاب «الهوّ»، وقد أقام بمكة واستحوذ على عقل صاحبها أبى نمى، وجاور فى بعض الأوقات بغار حراء، يرتجى فيما نقل عنه أن يأتيه فيه وحى [٥٧١] بناء على معتقده الفاسد من أن النبوة مكتسبة، فما حصل له إلا الخزى فى الدنيا، ويوم القيامة يردّ إلى أمّه الهاوية، إن كان مات على ما ذكر عنه من العظائم، وكانت وفاته فى الثامن والعشرين من شوال بمكة، وقد حط عليه ابن تيميّة فى كتابه المسمى ببغية المراد حطّا شنيعا، عليه وعلى أمثاله ممن ذهبوا إلى الحلول والإتحاد. القاضى شمس الدين إبراهيم (٢) بن البازرى، قاضى القضاة بحماة. مات فى هذه السنة. الشيخ الفقيه أبو الرضى عمر (٣) بن علىّ بن أبى بكر بن محمد بن بركة بن محمد الحنفى، المعروف بابن الموصلى، المنعوت بالرضى. مات فى الثانى عشر من شهر رمضان بالقاهرة، ودفن من يومه بسفح المقطم، ومولده بميّافارقين فى سنة أربع عشرة وستمائة، تفقه على مذهب الإمام

стр. 539

أبى حنفية رضى الله عنه، ودرّس، وأفتى، وحدّث، وكان أحد المشايخ المشهورين بالفضل، المعروفين بالرئاسة، وله نظم حسن، وخطّ جيّد. الأمير شرف الدين أبو محمد عيسى (١) بن الأمير أبى عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كامل الكردى الهكارىّ. مات بدمشق فى الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بجبل قاسيون، سمع من ابن طبرزد، والكندىّ، وغيرهما، وحدّث، وكان أحد الأمراء المشهورين بالشجاعة، المعروفين بالإقدام، وله وقائع معروفة مع العدوّ المخذول بأرض الساحل وغيرها. الملك تقى الدين عباس (٢) بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب. وهو آخر من بقى من أولاد العادل، وقد سمع الحديث من الكندى، وابن الحرستانى (٣)، وغيرهما، وكان محترما عند الملوك، لا يرفع عليه أحد فى المجالس ولا فى المواكب، وكان دمث الأخلاق، حسن العشرة، لا تمل مجالسته، وتوفى يوم الجمعة الثانى والعشرين من جمادى الأولى بدرب الريحان بدمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون. الطواشى شجاع الدين مرشد (٤) المظفرى الحموى.

стр. 540

كان من الأبطال المشهورين، ذوى الرأى، وكان ابن أستاذه لا يخالفه، وكذلك الملك [٥٧٢] الظاهر، ومات بحماة ودفن بتربته بالقرب من مدرسته التى بناها بحماة. الملك (١) المجير هيثوم بن قسطنطين، صاحب سيس. هلك فى هذه السنة، وملك بعده ابنه ليفون بن هيثوم الذى كان المسلمون أسروه.

стр. 541

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة: الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ الصالحى. وصاحب بلاد الروم: ركن الدين قليج أرسلان السلجوقى، ولكنه تحت حكم التتار. وصاحب البلاد العراقية وخراسان وأذربيجان وغيرها من البلاد: أبغا ابن هلاون. وصاحب البلاد الشماليّة: منكوتمر. وصاحب الغرب: أبو يوسف يعقوب المرينى. وفى يوم الأحد الرابع عشر من محرم هذه السنة ركب السلطان الملك الظاهر إلى البحر لإلقاء الشوانى التى حملت (١) عوضا عما غرق بجزيرة قبرس، فركب فى شينىّ منها، ومعه الأمير بدر الدين الخازندار، فمال بهم المركب، فسقط الخازندار (٢) فى البحر، فغاص فى الماء، فألقى رجل نفسه وراءه، فأخذ بشعره وأنقذه من الغرق، فخلع السلطان على ذلك الرجل وأحسن إليه جزيلا (٣).

стр. 542

ذكر سفرة السلطان الملك الظاهر إلى ناحية الشام: وفى أواخر المحرم (١) منها، ركب السلطان فى نفر يسير من الخاصكيّة والأمراء من الديار المصرية، فجاء إلى الكرك، واستصحب نائبها عز الدين أيدمر (٢) الظاهرى أستاذ الدار معه، ورتب علاء الدين أيدكين الفخرى أستاذ الدار نائب السلطنة بها، ثم توجه إلى دمشق فدخلها فى الثانى عشر من صفر (٣)، ومعه عز الدين أيدمر المذكور، فولاه نيابة دمشق، وعزل جمال الدين أقوش النجيبى فى رابع عشر صفر. وفى مستهل ربيع الأول خرج من دمشق (٤) فتوجه إلى شيزر وحمص وحصن الأكراد وحصن عكّار وكشفهم (٥)، ثم عاد إلى دمشق بعد عشرة [٥٧٣] أيام، وجاء إليه الأخبار بأن التتار أغاروا على عينتاب، ثم توجهوا إلى عمق حارم، ومقدّمهم يسمّى صمغار، فوقعوا على طائفة من التركمان بين حارم وأنطاكية، فاستأصلوهم، فكتب السلطان إلى الديار المصريّة يستدعى الأمير بدر الدين

стр. 543

بيسرى (١) الشمسى وثلاثة آلاف فارس من العسكر، فوصل البريدى إلى الأمير بدر الدين الثالثة من ليلة الأربعاء الحادى والعشرين من ربيع الأول، فتجهز وخرج بكرة الأربعاء هو والعسكر المطلوب، فسافروا ووصلوا إلى دمشق فى رابع ربيع الآخر، وأما التتار فإنهم أغاروا على حارم والمروج وقتلوا جماعة، فتأخر نائب حلب والعسكر إلى حماة، وجفل أهل دمشق، فلما وصل البيسرى والعسكر إلى دمشق سار السلطان بالعساكر إلى حلب، وجرّد إلى كل جهة عسكرا صحبة أمير من أمرائه، فجرد الحاج طيبرس (٢) الوزيرىّ وعيسى (٣) بن مهنّى إلى مرعش (٤)، فقتلا من وجداه بها من التتار، وانكفّوا بحركة السلطان، وكان الفرنج قد تحركوا بالسّاحل وأغاروا على قاقون وقتلوا الأمير حسام الدين أستاذ الدار وبعض من كان معه، فلما لحقتهم العساكر تفرقوا وعادوا، ولما سكّن السلطان هذه الثوائر عاد إلى الديار المصرية (٥).

стр. 544

ذكر عود السلطان إلى مصر: ولما فرغ شغله من الشام عاد إلى الديار المصرية، فوصل إلى قلعة الجبل الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وأقام فيها إلى شعبان ينظر فى مصالح المسلمين، ثم خرج. ذكر خروج السلطان من الديار المصريّة إلى الديار الشاميّة ثانى مرة: وفى شهر شعبان (١) خرج السلطان وتوجّه إلى أراضى عكا، فأغار عليها فسأله صاحبها المهادنة، فأجابه إلى ذلك، فهادنه عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات، ثم عاد إلى دمشق فقرئ كتاب الصلح بدار السعادة، فاستمر الحال على ذلك. وقال بيبرس: وعاد السلطان إلى الشام وخرج من قلعة الجبل فى شهر شوال ونزل على الروحاء مقابل عكا لأنه مكان كثير المياه والأعشاب، فحضرت إليه رسل الفرنج، فزادهم ثمانى ضياع [٥٧٤] وأنعم عليهم بشفرغم ونصف اسكندرونة، وتقررت الهدنة مع صاحب قبرس (٢). وفيها: حضرت إليه رسل البرواناه النائب بالروم، ورسل صمغار مقدم

стр. 545

التتار المقيم بها، فجهّز الأمير فخر الدين إياز المقرى (١)، والمبارز الطورى أمير طبر (٢) صحبة رسلهما بهدية [إليهما و] (٣) إلى أبغا بن هلاون (٤)، فدخلا قيساريّة واجتمعا بصمغار والبرواناه وأوصلا إليهما الهديّة، وأبلغاهما جواب الرسالة وتوجّها إلى الأردو، واجتمعا بأبغا وأوصلا إليه هديته وهى جوشن ريش قنفذ، وخوذة كذلك، وسيف، وقوس، وتركاش، وتسع فردات (٥) [نشابا] (٦). وفيها: وصل إلى السلطان الخبر أن الإفرنج المرشيلية (٧) أخذوا مركبا فى البحر، فيه رسل الملك منكوتمر ملك التتار ببلاد الشمال، والترجمان الذى توجّه إليهم من جهة السلطان، فأحضروهم أسرى إلى عكا، فأرسل إلى الإفرنج يطلبهم منهم، فأطلقوهم وأرسلوهم وما أخذوا لهم شيئا (٨).

стр. 546

وفيها: سيّرت فداويّة إلى ورد (١) ملك الفرنج بهديّة، فقفز عليه أحدهم فقتله، وقتل الفداوىّ لوقته، وكان ذلك جزاء لما فعله من الغارة على قاقون وقتل الحسام أستاذ الدار ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (٢). وفيها: توجّه السلطان إلى حصن الأكراد وأمر بعمارتها، وعاد إلى دمشق قدخلها فى خامس المحرم من سنة إحدى وسبعين وستمائة (٣)، ثم توجه إلى مصر على ما نذكره إن شاء الله فى أوّل السنة الآتية. ذكر بقيّة الحوادث: منها: أنه كانت وقعة شديدة بين أبغا بن هلاون وبين براق بن يسنتاى بن ما ينقان بن جفطاى بن جنكز خان (٤). ومنها: أنه استقرّ بغرناطة وما معها محمد بن محمد بن نصر بن الأحمر، فثار عليه ابن عمّة له يعرف بابن الشّقيلولة، واستعان عليه بأبى يوسف المرينى (٥) وأعطاه

стр. 547

مالقة وحصونها، فسار إليه وعاضده، ولما دخل الأندلس جعل مقامه على إشبيلية، وهذه المدينة مدينة عظيمة عدة قراها اثنى عشر ألف قرية، وجهّز أبو يوسف من جيوشه من يشنّ الغارات [٥٧٥] من كل جهة وأقام بها عامين، ثم عاد إلى البلاد، ثم أن محمدا الأحمر لاطف أبا يوسف المرّينى واستماله إليه، وسأله إنجاده فأنجده نجدات (١) كثيرة. ومنها: أن زرافة بقلعة الجبل ولدت وأرضعت من بقرة، قاله قطب الدين، وقال: هذا شئ لم يعهد بمثله، وكان ذلك فى جمادى الآخرة منها (٢). ومنها: أن امرأة بدمشق ولدت فى بطن واحد سبع بنين وأربع بنات، وكانت مدة حملها أربع شهور وعشرة أيام وماتوا كلهم وعاشت هى، ذكره النويرىّ فى تاريخه. وفيها: « ...... » (٣) وفيها: حج بالناس « ...... » (٤)

стр. 548

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الفقيه أبو على الحسن (١) بن أبى عمرو عثمان بن على القابسىّ المالكى المحتسب بالإسكندرية. توفى بها فى هذه السنة عن سنّ قريب من مائة سنة، وكان معروفا بالخير والصلاح. الشيخ أبو الحسن علىّ (٢) بن عثمان بن محمد الإربلى الصوفى المعروف بالسليمانى، توفى فيها بمدينة الفيوم، وكان أحد المشايخ الصوفية المعروفين، وكان دينا، فاضلا، شاعرا. الشيخ الإمام الفقيه أبو الفضائل سلار (٣) بن الحسن بن عمر بن سعد الأربلى الشافعى، المنعوت بالكمال. توفى فيها بدمشق، وكان أحد الفقهاء المشهورين بالشام، وقد اشتغل عليه الشيخ محيى الدين النّورىّ، وقد اختصر البحر للرؤيانى فى مجلدات عديدة. الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد (٤) بن على بن محمد الموصلىّ المعروف بابن الطباخ.

стр. 549

توفى فى الرابع والعشرين من جمادى الآخرة بسارية من قرافة مصر الصغرى، ودفن بها من يومه، حدّث عن الشيخ مرهف بشئ من نظمه، وكان أحد المشايخ المعروفين بالصلاح والخير، وله زاوية بسارية، وكان يقصد للزيارة والتبرك به. الشيخ الصالح العارف أبو العباس أحمد (١) بن سعد النيسابورىّ اللهاورى الصوفى المنعوت بالصفى. وكان أحد مشايخ الصوفية المشهورين بالخير والصلاح والعفّة والانقطاع، [٥٧٦] وكانت وفاته بالقاهرة فى الحادى عشر من شهر رمضان، ﵀. وجيه الدين محمد (٢) بن على بن أبى طالب بن سويد التكريتى التاجر، الصدر الكبير ذو الأموال الكثيرة. وكان معظما عند الدولة ولا سيما عند الملك الظاهر لأنه كان قد أسدى إليه جميلا فى أيام إمرته، مات فى هذه السنة ودفن بتربته بالقرب من الرباط الناصرىّ، وكانت (٣) كتب الخليفة ترد إليه، وكانت مكاتباته مقبولة عند جميع الملوك حتى ملوك الفرنج من السواحل، وكان كثير البرّ والصدقات.

стр. 550

الصاحب نجم الدين يحيى (١) بن عبد الواحد بن اللبودى. واقف اللبوديّة (٢) التى عند حمام فلك المسيرى على الأطباء، وكان فاضلا لديه معرفة، وقد ولى نظر الدواوين فى دمشق ودفن بتربته عند اللبوديّة. الشيخ على البكاء (٣) صاحب الزاوية بالقرب من مدينة الخليل ﵇. كان مشهورا بالصلاح والعبادة وطعم من يجتاز به من المارّة والزوّار، وقد ذكرنا من مكاشفاته حين أتى إليه ركن الدين بيبرس البندقدارىّ وسيف الدين قلاون الألفىّ لما هربا من عند صاحب الكرك. وذكر الشيخ قطب الدين اليونينى: أن سبب بكائه الكثير أنه صحب رجلا له أحوال، وأنه خرج معه من بغداد فانتهوا فى ساعة واحدة إلى بلدة بينها وبين بغداد مسيرة سنة، وأن ذلك الرجل قال له: إنى سأموت فى الوقت الفلانى، واشهدنى فى ذلك الوقت فى [المكان] (٤) الفلانى. قال الشيخ: علىّ، فلما كان فى ذلك الوقت حضرت عنده وهو فى السياق، وقد استدار إلى الشرق، فحولته إلى القبلة، فعاد فاستدار إلى الشرق فحولته. فقال لى: لا تتعب فإنى لا أموت إلا على هذه الجهة، وجعل يتكلم بكلام الرهبان حتى مات، فحملناه وجئنا به إلى دير هناك، فوجدناهم فى حزن عظيم، فقلنا: ما شأنكم؟ قالوا: كان عندنا شيخ

стр. 551

كبير ابن مائة سنة، فلما كان اليوم مات على دين الإسلام، فقلنا: خذوا هذا بدله وسلموه إلينا، فوليناه وصلينا عليه ودفناه. وتوفى الشيخ على البكاء، ﵀، المذكور فى رجب من هذه السنة ببلد الخليل [٥٧٧] ﵇. الأمير أبو يوسف يعقوب بن الأمير أبى إسحاق إبراهيم بن موسى بن يعقوب ابن يوسف العادلى الدمشقى الحنفى، المنعوت بالشرف المعروف بابن المعتمد. مات فى الثالث عشر من رجب بجبل قاسيون، ودفن به، وحدّث بدمشق والقاهرة.

стр. 552

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الحادية والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله، والسلطان الملك الظاهر كان فى دمشق، كما ذكرنا، وخرج منها على البريد ليلة السادس من المحرم من هذه السنة، ووصل إلى قلعة الجبل يوم الثالث عشر من المحرم، وأمر بتجهيز العساكر إلى الشام، وأقام بالقلعة خمسة عشر (١) يوما وخرج (٢). ذكر سفر السّلطان إلى الشّام: خرج من الديار المصرية يوم التاسع والعشرين (٣) من محترم هذه السنة، فوصل إلى دمشق فى الثالث من صفر، وطلع قلعتها ليلا. وفى هذا الشهر: وصل رسل أبغا بن هلاون فى أمر الصلح، وغيّروا كلامهم، وقالوا: أولا إن السلطان يسيّر سنقر الأشقر يمشى فى الصلح، ثم قالوا: إن السلطان يمشى فى الصلح أو من يكون بعده فى المنزلة، فاغتاظ السلطان

стр. 553

من هذا الخطاب، وقال أيضا: إذا كان يقصد الصلح يمشى هو بنفسه، أو واحد من إخوته، وأعاد الرسل إلى مرسلهم فى ربيع الأول منها (١). ذكر عبور السّلطان الفرات: وكان السبب في ذلك حضور دريبه ومن معه من التتار إلى البيرة، فنزلوا عليها [ونازلوها] (٢) ونصبوا عليها المجانيق وآلات الحصار، وجرد دريبه (٣) طائفة منهم صحبة مقدم يسمى جيفرا (٤) إلى الفرات لحفظ المخائض (٥)، فنزلوا على مخاضة تعرف بمخاضة القاضى، وأقاموا لهم سياجا من السيب (٦)، وحاجزا من الخشب، ونزلوا وراء ذلك السياج، فسار السلطان بالعساكر الإسلامية المصرية والشامية حتى انتهى إلى [تلك] (٧) المخاضة، وأشرف على التتار من أعلى الجبل، وهم عليها نازلون، [وبها محيطون] (٨) فاستشار [٥٧٨] الأمراء الأكابر (٩) [ومن جرت عادته بالإشارة فى المشاور] (١٠)، فتقدم إليه الأمير سيف الدين قلاون (١١) وقال: [هؤلاء أهون علينا من أن

стр. 554

نستشير فى أمرهم أو نتوقف دونهم و] (١) أنا أعبر إليهم (٢) وأهجم عليهم وإنما أحتاج دليلا يعرّفنى المخاضة، فتقدم الدليل قدامه وتوجه بمن معه من مماليكه وأصحابه، فاقتحم الفرات وعبر على سفائن كواهل الصافيات، فثار التتار إليه وحملوا عليه، فثبت لهم، وصدمهم صدمة فرقتهم قوتها، ومزّقتهم شدتها، وقتل مقدمهم جيفرا، قتله زين الدين كتبغا مملوك الأمير سيف الدين قلاون (٣) وقتل منهم جماعة (٤)، فعند ذلك عبر السلطان، وعبرت العساكر، فلما تكاملت الجيوش شرقى الفرات ولّى دريبة هزيمة، ورحل عن البيرة ذميما، وترك آلاته التى أعدّها للحصار، فنزل أهل البيرة فأخذوها واقتسموها، وسار السلطان إليها، فخلع على المغيثى النائب بها وعلى مقدّميها، وفرّق فى أهلها أموالا كثيرة، ثم عاد إلى دمشق فى ثالث جمادى الآخرة ومعه الأسرى. وأما دريبة فإنه لما حضر عند أبغا بن هلاون منهزما، وقد فقد رفيقه، وقتل أكثر من معه، عنّفه أبغا وعدّد له ذنوبه وقال له: كيف انهزمت؟ وما جرحت؟ وقتل رفيقك وما قتلت؟ وأمر بالحوطة عليه وإبعاده، وإعطاء تقدمته لأبطاى، فقال أبطاى: أنا أسدّ الحلل وأقوم بما قصّر فيه من العمل.

стр. 555

ذكر توجّه السلطان إلى الديار المصريّة: ولما فرغ بال السلطان من جهة هؤلاء التتار عاد إلى دمشق، ثم سار إلى الديار المصريّة، فطلع قلعته فى الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وأفرج عن الأمير عز الدين الدمياطى من الاعتقال، وجلس لشرب القمز (١) بحضرة أمرائه وأعيانه، فتذاكروا وقعة الفرات، وأثنوا على الأمير سيف الدين قلاون فى إقدامه يومئذ، فأنعم السلطان عليه بثلاثة آلاف دينار عينا، وفرس بسرج ذهب، وتشريف كامل، وجوشن، وخوذة، وسيف محلى بالذهب، فكان مقدار ذلك ألفى دينار عينا، فتكملت منه من الحباء فى ذلك اليوم خمسة آلاف دينار، ولما شربوا [٥٧٩] القمز ناول الهناب (٢) إلى الأمير عز الدين الدمياطى، وكان قد شابت لحيته، فقال يا خوند: شبنا وشاب نبيذنا، وغنت الأنساء والشعراء بهذه الأبيات (٣): زعمت بنو قاقان أن خيولنا … تخشى العبور إليهم فى الماء فأتوا (٤) … إلى شطّ الفرات وطلّبوا متّهيئين لغارة شعواء وترجلت من بينهم أقشيّة … مغل وكرج فيهم وخطاء قصدوا بهذا منعنا عن برّهم … غلطوا وخيّب مقصد الأعداء

стр. 556

فأتاهم جيش النبىّ يؤمّهم … ملك الزمان الظاهر الآلاء بعصائب سود عليها رنكه … أسد يصيد فوارس الهيجاء عام الفرات إليهم بصواهل … ومناصل وعواسل سمراء فانفلّ جيشهم وولّى هاربا … قد حاطهم ويل وفرط بلاء وغدت سيوف المسلمين خصيبة … عند اللقاء من هامهم بدماء لله يوم بالفرات رأيته … قد مرّ فى ظفر ونصر لواء ثم الصلاة على النبىّ محمّد … ما مالت الأغصان بالورقاء (١) وفى يوم الثلاثاء ثالث رجب منها: خلع على جميع الأمراء، ومقدمى الحلقة، وأرباب الدولة، وأعطى كل إنسان ما يليق به من الخيل والذهب والحوائص والثياب، فكان مبلغ ما صرف فى ذلك نحوا من ثلاثمائة ألف دينار. وفى شعبان: أرسل السلطان إلى منكوتمر بهدايا عظيمة وتحف كثيرة. وفى يوم الإثنين ثانى عشر شوال: استدعى السلطان شيخه الشيخ خضر الكردى إلى بين يديه فى القلعة وحوقق على أشياء كثيرة ورموه بمنكرات كثيرة، فأمر السلطان عند ذلك باعتقاله فكان آخر العهد (٢) به. وفى تاريخ النويرى: وكان هذا الشيخ قد بلغ عند الملك الظاهر أرفع منزلة، وانبسطت يده، ونفذ أمره بمصر والشام، وسببه أنه اجتمع بالملك الظاهر قبل أن يملك مصر وأخبره أنه يملك الديار المصريّة، وأخبره بأشياء اتفقت له،

стр. 557

فلما ملك السلطان [٥٨٠] حظى عنده، وانقبض منه الصاحب بهاء الدين بن حنّا والنائب والخزندار، فعملوا عليه وأحضروا عند السلطان من شهد عليه بالزنا واللواط وشرب الخمر، وكان السلطان قد قدمت له هدية من صاحب اليمن من جملتها كرّ نفيس، فأعطاه السلطان للشيخ خضر، فدفعه لامرأة وزنى بها، وأحضروها، فأحضروا الكرّ بين يدى السلطان، وأقرت عليه بالزنا، فاعتقله مكرما حتى مات. وقيل: إن الصاحب بهاء الدين اتفق مع الملك السعيد فى غيبة السلطان إلى الشام وأرسل إلى الشيخ من خنقه (١). بقيّة الحوادث: منها: أن فى المحرم وصل صاحب النوبة إلى عيذاب (٢)، فنهب التجار، وقتل خلقا كثيرا من أهلها، منهم: الوالى والقاضى، فسار الأمير علاء الدين [أيدغدى] (٣) الخزندار إلى بلادهم، فقتل خلقا، ونهب وحرّق، ودوخ البلاد، وأخذ الثأر. ومنها: أن ديوان السلطان تسلم ما كان تأخر تسلمه من حصون الدعوة، وهى: الكهف والمينقة والقدموس، وقد كان أهل هذه الحصون يسوّفون

стр. 558

ويدافعون، ثم أذعنوا وسلموها، فتسلمها النواب: المينقة فى ثالث ذى القعدة، والقدموس فى ثامنه، والكهف فى الثانى والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة، وتكملت قلاع الدعوة فى المملكة السلطانية، واستؤصلت شأفة الاسماعيليّة (١). ومنها: أنه تظاهر بلبوش أمير عربان برقة بالنفاق والعصيان، فسيّر إليه العربان فأخذوه أسيرا وجاءوا به إلى السلطان، فمنّ عليه وأطلقه، ووجّهه إلى بلاده، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات (٢). وفيها: « ...... » (٣). وفيها: حج بالناس « ...... » (٤).

стр. 559

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ تاج الدين أبو الفضل يحيى (١) بن محمد بن أحمد بن حمزة بن على بن هبة الله بن الحسن بن علىّ الثعلبى الدمشقى المحتسب، المعروف بابن الحبوبى المنعوت بالتاج. مات فى الرابع والعشرين من شهر ربيع [٥٨١] الآخر بدمشق، ومولده فى سنة عشر وستمائة، وهو من بيت الحديث، وتولى الحسبة بدمشق مدة. قال ابن كثير: وكان من أعيان أهل دمشق، ولى نظر الأيتام، ثم الحسبة، ثم وكالة بيت المال، وسمع الكثير، وخرّج له ابن بلبان مشيخته، قرأها عليه الشيخ شرف الدين الفزارى بجامع دمشق، فسمعها جماعة من الأعيان والفضلاء (٢). والثعلبىّ: بالثاء المثلثة، والعين المهملة، والحبوبى: بضم الحاء المهملة، والباء الموحدة، وبعد الواو باء أخرى. الخطيب فخر الدين أبو محمد عبد القاهر (٣) بن عبد الغنى بن محمد بن أبى القاسم ابن محمد بن تيميّة الحرّانى، الخطيب بها كان. وبيته معروف بالعلم والخطابة والرئاسة، مات فى الحادى عشر من شوال منها بدمشق، ودفن من الغد بمقابر الصوفية، ومولده سنة إثنتى عشرة وستمائة.

стр. 560

العلاّمة تاج الدين عبد الرحيم (١) بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن مسعر ابن مالك بن محمد، أبو القاسم الموصلى. من بيت الفقه والرئاسة، ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسمع، وحدّث؛ وصنّف، واختصر الوجيز [من كتابه التعجيز] (٢) والمحصول، وله طريقة فى الخلاف، أحدهما من طريق ركن الدين الطاووس، وكان جدّه عماد الدين ابن يونس شيخ المذهب فى وقته، ﵀. الشيخ أبو الفتح عبد الله (٣) بن أبى الفضل جعفر بن أبى محمد عبد الجليل بن علىّ بن محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز اللخمى القمودى الأصل الإسكندرانى المولد والدار، المالكى. مات فى عشية الثالث من المحرم من هذه السنة بالإسكندرية، ودفن بالديماس، سمع، وحدّث، ودرّس، وكان شيخا فاضلا. والقمودى نسبة إلى قموده من بلاد إفريقية مسافة يومين من القيروان. الشيخ المحدث أبو المظفر يوسف (٤) بن الحسن بن بكار النابلسى الشافعى، المنعوت بالشرف. كان مشهورا بالصلاح والإفادة، وتولى مشيخة دار الحديث النورية (٥) بدمشق إلى أن توفى فيها فى هذه السنة.

стр. 561

الشيخ المسند أبو الفتح عبد الهادى (١) بن عبد [٥٨٢] الكريم بن على ابن عيسى بن تميم القيسى المصرى المقرئ الشافعى الخطيب بمصر. مات فى الليلة الرابع والعشرين من شعبان بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم، ومولده سنة سبع وتسعين وخمسمائة بمصر، سمع كثيرا، وحدث، وانفرد بالرواية من غير واحد من شيوخه، وخطب بجامع المقياس مدة، ﵀. الشيخ الأصيل أبو عبد الله محمد بن الشيخ الخطيب أبى حفص عمر بن يوسف ابن يحيى بن عمر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن قابس بن حابس بن مالك بن عمرو بن معدى كرب، الزبيدى، المقدسى الأصل، الدمشقى المولد والدار، الشافعى الخطيب، المنعوت بالموفق، المعروف بابن خطيب بيت الأبار. مات فى السابع عشر من صفر من هذه السنة ببيت الأبار ودفن بها: سمع الكندىّ وجماعة آخرين، وحدّث، وهو من بيت الحديث. الشيخ خضر (٢) الكردى شيخ الملك الظاهر.

стр. 562

ذكرنا عن قريب أنه اعتقله السلطان الملك الظاهر، ومات فى السجن فى هذه السنة، وقيل السلطان أمر بإعدامه، وقيل ابن الحنّا كما ذكرنا، وكان حظيّا عند السلطان جدّا حتى كان ينزل بنفسه إلى زاويته التى بناها له بالحسينيّة فى كل أسبوع مرة أو مرتين، وبنى له عندها جامعا يخطب فيه للجمعة، وكان يعطيه كثيرا، ويطلق له؛ ووقف على زاويته شيئا كثيرا جدا، وكان معظما عند الخاصّ والعام، وكان فيه خير وصلاح، وقد كاشف السلطان بأشياء كثيرة، وقد دخل مرة كنيسة قمامة، فذبح قسّيسها بيده، وأنهب ما فيها لأصحابه، وحولها مدرسة أنفق عليها أموالا كثيرة من بيت المال، وسماها المدرسة الخضراء، وكذلك فعل بكنيسة اليهود بدمشق دخلها ونهب ما فيها، ومدّ بها سماطا، وعمل فيها سماعا، واتخذها مسجدا مدّة، ثم سعوا فى عودها إليهم واستمرارها عليهم، ثم اتفق له ما ذكرناه حتى سجنه السلطان، ومات فى هذه السنة. الملك المغيث فتح الدين أبو الفتح عمر (١) بن الملك الفائز [٥٨٣] أبى إسحاق إبراهيم بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب الملقب بالمغيث. مات فى السابع والعشرين من ذى الحجة مسجونا بخزانة البنود (٢) بالقاهرة، وأخرج منها فى يومه، ودفن بتربتهم المجاورة لضريح الإمام الشافعىّ، ﵀،

стр. 563

ومولده فى صفر سنة ست وستمائة بالقاهرة، حدث بالإجازة عن أبى الروح عبد العزيز بن محمد الهروى. الأمير سيف الدين أحمد (١) بن مظفر الدين عثمان بن منكبرس صاحب صهيون. توفى فى هذه السنة، وكان قد أوصى أولاده بأن يسلموا الحصن إلى السلطان الظاهر، ويلجأوا إليه، ففعلوا كذلك، وسلّموا الحصن إلى نوّابه، ووفدوا إلى أبوابه، وهما: سابق الدين، وفخر الدين، فأكرم مثواهما، وأحسن إليهما، وأمّر الأمير سابق الدين بطبلخاناه، وأعطى أخاه إقطاعا فى حلقة دمشق واستمرّا بها إلى أن ماتا، رحمهما الله تعالى. الأمير بلبوش أمير عربان برقة، مات فى هذه السنة، وقد ذكرنا أمره من قريب.

стр. 564

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثانية والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. والسلطان الملك الظاهر فى الديار المصرية، ولكنه خرج إلى ناحية الشام. ذكر سفر السلطان إلى الشام: وفى ليلة السادس والعشرين من محرم هذه السنة، خرج السلطان من القاهرة، وتوجه إلى الشام، وصحبته جماعة من أمرائه بسبب تواتر الأخبار بحركة أبغا ملك التتار، ثم تواترت عليه الأخبار فى أثناء الطريق بقوّة حركته، فكتب باستدعاء العساكر من الديار المصريّة صحبة الأمير بدر الدين الخزندار، ورسم بأن جميع من فى مملكته ممن له فرس يركب للغزاة، وأن يخرج أهل كل قرية بالشام من بينهم خيّالة على قدر أهل القرية، ويقومون بكلفتهم، ووصل دمشق فى شهر صفر، ثم عاد إلى يافا عند وصول العساكر من الديار المصريّة، فأنزلهم بها، ورتّب أحوالهم، وعاد إلى دمشق (١). وفيها [٥٨٤] وصل إليه وهو بدمشق الأمير شمس الدين بهادر ابن الملك فرج، وكان والده أمير الطشت عند السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وله

стр. 565

شميصات، وبعد وفاة جلال الدين ملك قلعة كران (١) وقلاعا أخر بناحية نقجوان (٢)، ثم وصل إلى الروم، فأقطع له أقصرا، وكان بهادر المذكور قد كاتب السلطان فأطلع التتار على أمره، فأمسكوه وحملوه إلى الأردو، فهرب وحضر إلى البيرة، ووصل إلى الأبواب السلطانية، فشمله الإنعام، وأعطى إقطاعا بعشرين فارسا بالديار المصريّة (٣). وفيها: اتصل بالسلطان أن ملك الكرج حضر مختفيا لزيارة القدس الشريف، فأرصد له من يعرف حليته، فأمسك من بين الزوّار هو وثلاثة نفر من أعيان أصحابه، وسيّروا إلى السلطان وهو بدمشق، فسجنه بالقلعة المنصورة ورحل السلطان إلى القاهرة (٤). وكان الأمير عمرو بن مخلول أحد أمراء العرب قد حبسه السلطان فى عجلون لجرم عمله، فهرب منها وتوجه إلى التتار، ثم طلب الأمان، فقال السلطان: ما نؤمنه إلى أن يحضر إلى عجلون ويقعد فى المكان الذى كان مسجونا، فحضر وتطوق بالطوق الحديد كما كان، فعفا السلطان عنه (٥).
следующие страницы →