النوبة متظلما من ابن عمه داود وأخذه الملك منه، فجرد السلطان الظاهر معه جيشا صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى والأمير عز الدين أيبك الأفرم فى مستهل شعبان، فوصلوا إلى دنقلة (١) ولقيهم جمع من السودان، واقتتلوا، فانهزم السودان، وقتل منهم جماعة كثيرة، وأسر منهم ما لا يقع عليه الحصر حتى أبيع كل رأس بثلاثة دراهم، ثم تبعوا داود فترك أخته وأمّه وبنت أخته وهرب، فأخذ حريمه ورجعوا إلى الديار المصرية بعد أن ملّكوا شكندة ورتبوا أمره، وقرّروا عليه فى كل سنة على كل رأس دينار، ووصلوا إلى القاهرة وصحبتهم السبىّ فأبيع بمائة ألف درهم وعشرة آلاف درهم.
وقال بيبرس فى تاريخه: ولما جرّد العسكر من مصر خرجوا فى ثامن شوال ووصلوا إلى الدو، فأغاروا على قلعتها ونزلوا جزيرة ميكائيل، وهى رأس جنادل النوبة، فقتلوا وأسروا وغنموا، وكان بها قمر الدولة آبى صاحب الجبل، فآمنوه وقرروه على ولايته، ثم التقوا الملك داود وعساكره، فكسروه وأسر أخوه وأمّه وأخته (٢)، وقتلوا [٦٠٢] من السودان ألوفا، وهرب داود إلى الأبواب، وهى فوق بلاده، قالتقاه صاحبها واسمه أدرو وقاتله وقتل ولده، وأكثر من كان معه، وأمسكه وأرسل به إلى السلطان أسيرا، فاعتقل بقلعة الجبل إلى أن مات فى السجن فيما بعد، ورتّب الأمراء شكنده مكان داود خاله، وقرّروا عليه فى
стр. 597
كل سنة قطيعة يؤدّيها، وهى: ثلاثة أفيلة، وثلاثة زرافات، وخمس فهود (١)، ومائة أصهب جياد، وأربعمائة رأس بقر (٢)، وأن تكون البلاد مشاطرة: النصف للسلطان، والنصف لعمارتها وحفظها، وأن تكون بلاد العلى وبلاد الجبل للسلطان خاصّا لقربها من أسوان، ويحمل ما يتحصل منها من التمر والقطن مع ما تقرّر من القطيعة والجزية وهى دينار واحد من كل واحد من العقلاء البالغين إلى الأبواب الشريفة، واستحلفوه على ذلك الإيمان التى يحلفها النصارى، وعادت العساكر المنصورة.
وأما شنكو (٣) أخو داود فإنه أسلم وحسن إسلامه، ورتّب فى جملة البحريّة، وقرّرت له ولولده جامكيّة، وسمّى ولده محمدا، وكان متدينا، كثيرا التلاوة فى القرآن الكريم إلى أن توفى، ﵀.
وقال النويرى: وأول من غزا النوبة فى الإسلام عبد الله بن أبى السرح فى سنة إحدى وثلاثين فى خلافة عثمان رضى الله عنه، ثم فى زمن هشام بن عبد الملك ابن مروان، ثم غزاها يزيد بن أبى صفوة، ثم غزاها أبو منصور هى وبرقة فى عام واحد، ثم غزاها كافور الإخشيدى، ثم غزاها ناصر الدولة بن حمدان سنة تسع وخمسين وأربعمائة، ثم غزاها شاهنشاه بن أيوب أخو صلاح الدين بن أيوب فى سنة ثمان وستين وخمسمائة (٤).
стр. 598
ذكر عقد السلطان الملك السّعيد بن الظاهر على ابنة الأمير سيف الدّين قلاون الألفى:
وفى يوم الخميس الثانى عشر من ذى الحجة من هذه السنة عقد عقد الملك السعيد على الست غازية خاتون ابنة سيف الدين قلاون (١)، وكتب القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر الصداق، وهو خمسة آلاف دينار: المعجّل منها ألفا دينار، وكان ذلك فى الإيوان بحضرة السلطان، فأعطى السلطان [٦٠٣] محيى الدين المذكور مائة دينار وخلع عليه.
ونسخة الصداق: الحمد لله موفق الآمال لأسعد حركة، ومصدّق الفال لمن جعل عنده أعظم بركة، ومحقق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه، وصهره ملكه، الذى جعل للأولياء من لدنه سلطانا نصيرا، وميّز أقدارهم باصطفاء تأهيله حتى حازوا نعيما وملكا كبيرا، وأفرد فخارهم بتقريبه حتى أقاد شمس آمالهم ضياء، وزاد قمرهم نورا، وشرّف به وصلتهم حتى أصبح فضل الله عليهم بها عظيما، وإنعامه كبيرا، مهيّئ أسباب التوفيق العاجلة والآجلة، وجاعل ربوع كل أملاك من الأملاك بالشموس والبدور والأهلّة، جامع أطراف الفخار لذوى الإيثار حتى حصلت لهم النعمة الشاملة، وحلّت عندهم البركة الكاملة، نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنعمة الاستيداع، وأجمل لتأمّلهم الاستطلاع، وكمل لاختيارهم الأجناس من العزّ والأنواع، وآتى آمالهم ما لم تكن فى حساب أحسابهم من الابتداء بالتحويل والابتداع، وأشهد أن لا إله إلا الله
стр. 599
وحده لا شريك له شهادة حسنة الأوضاع، مليّة بتشريف الألسنة وتكريم الأسماع، ونصلى على سيدنا محمد الذى أعلى الله به الأقدار، وشرف به الموالى والأصهار، وجعل كرمه دارا لهم فى كل دار، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار مشرق الأنوار، صلى الله عليه وعليهم، صلاة زاهية الأثمار، يانعة الثمار، وبعد: فلو كان اتصال كل شئ بحسب المتصل به فى تفضيله، لما استصلح البدر شيئا من المنازل لنزوله، ولا الغيث شيئا من الرياض لهطوله، ولا الذكر الحكيم لسانا من الألسنة لترتيله، ولا الجوهر الثمين شيئا من التيجان لحلوله، لكن الشرف بيت يحلّ به القمر، ونبت يزوره المطر، ولسان يتعوّد يتعوّذ بالآيات والسور، ونضار يتجمّل باللآلى والدّرر، والمترتّب على هذه القاعدة إفاضة نور يستمدّه الوجود، وتقرير أمر يقارن سعد [٦٠٤] الأخبية فيه سعد السعود، وإظهار خطبة بقول الثريّا لانتظام عقدها كيف، وإبراز وصلة تتجمّل بترصيع جوهرها متن السيف، الذى يغبطه على إبداع هذه الجوهريّة كل سيف، ونسج صهارة تتم بها إن شاء الله كل أمر سديد، ويتّفق بها كل توفيق يخلق الأيام وهو جديد، ويختار لها أبرك طالع وكيف لا تكون البركة فى ذلك الطالع وهو السعيد، ذلك بأن المراحم الشريفة السلطانية أرادت أن تخصّ المجلس السّامى الأميرى الكبيرى السيفى بالإحسان المبتكر، وتفرده بالمواهب التى يرهف بها الحدّ المنتضى ويعظم الجد المنتظر، وأن يرفع من قدره بالصهارة مثل ما رفعه صلى الله عليه ومسلم من أبى بكر وعمر، فخطب إليه أسعد البريّة، وأمنع من يحميها السيوف المشرفيّة، وأعز من بسبل عليها ستور الصون الخفيّة، وتضرب دونها خدور
стр. 600
الجلال الرضيّة، ويتجمّل بنعوتها العقود، وكيف لا وهى الدرّة الألفيّة، فقال والده وهو الأمير المذكور: هكذا ترفع الأقدار والأوزان، وهكذا يكون قران السّعد وسعد القران، وما أسعد أرضا أصبحت هذه المكارم له خميلة، وأشرف سيفا غدت منطقة بروج سمائها له حميلة، وما أعظمها معجزة أتت الأولياء من لدنها سلطانا، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا، وما أفحرها صهارة يقول التوفيق لابن أمّها ليت، وأشرفها عبودية كرمت سلمانها بأن جعلته من أهل البيت، وإذ قد حصلت الإستخارة فى رفع قدر المملوك، وتخصيصه بهذه المزيّة التى تقاصرت عنها آمال أكابر الملوك، فالأمر لمليك البسيطة فى رفع درجات عبيده كيف يشاء، والتصدّق بما يتفوّه به هذه الأشياء، وهذا مفتتح الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخطّ وأقلام الخطّ على تحريره، وتنافست مطالع النوار (١) ومشارق الأنوار على نظم سطوره، فأضاء نوره بالجلالة وأشرق، وهطل نوره [٦٠٥] بالإحسان وأغدق، وتناسبت فيه أجناس تجنيس لفظ الفضل، فقال: الاعتراف هذا ما يصدق، وقال:
العرف هذا ما أصدق مولانا السلطان الملك السعيد ناصر الدين بركة خان بن مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين أبى الفتح بيبرس الصالحى قسيم أمير المؤمنين الستر الرفيع الخاتونى غازية خاتون ابنة المجلس السامى السيفى قلاون الألفى الصالحى، أصدقها ما ملأ خزائن الأحساب فخارا، وشجرة الأنساب ثمارا،
стр. 601
ومشكاة الجلالة أنوارا، وأضاف إلى ذلك ما لولا أدب الشرع لكان أقاليم ومدائن وأمصارا، فبذل لها من العين (١) المصرى مما هو باسم والده قد تشرّف، وبنعوته قد تعرّف، وبين يدى هباته وصدقاته قد تصرّف [وهو مبلغ خمسة آلاف دينار المعجل منها ألفا دينار] (٢).
ذكر توجّه السلطان إلى الشّام:
ولما انقضى العقد ركب السلطان الملك الظاهر من ساعته وتوجّه إلى الكرك فى الثانى عشر من ذى الحجة على الهجن فى جماعة لطيفة، على الطريق البدريّة، تحت جبل يعرف بنقب الرفاعى، ولما وصلها نظر فى أحوالها، وجمع القيمرية الذين بها، فإذا هم ستمائة نفر، فأمر بشنقهم، فشفع عنده فيهم، فأطلقهم وأجلالهم إلى الديار المصريّة، وكان قد بلغه عنهم أنهم يريدون قتل من فيه ويقيمون ملكا عليهم، وسلم الحصن إلى الطواشى شمس الدين صواب (٣) السهيلى، فانقضت السنة والسلطان بالكرك، ثم توجه منها إلى دمشق، فوصلها فى رابع عشر المحرم من سنة خمس وسبعين وستمائة على ما نذكره إن شاء الله.
стр. 602
ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السنة:
منها: أنه كانت زلزلة عظيمة ببلاد خلاط، فهلك فيها شيئا كثيرا من الدور والأسواق والخانات، واتصلت الزلزلة ببلاد بكر.
ومنها: أن سيف الدين قلاون رتب مملوكه سيف الدين الدوادار صاحب التاريخ على الشراب خاناة (١) التى له، عوضا عن زين الدين كتبغا.
ومنها: أن فى رمضان [٦٠٦] وجد رجل وامرأة فى حمام نهارا (٢) على فاحشة فى بغداد، فأمر علاء الدين صاحب الديوان برجمهما فرجما.
وقال ابن كثير: ولم يرجم ببغداد قبلهما [قط] (٣) أحد، [منذ بنيت] (٤) وهذا غريب جدّا.
وفيها: « ...... » (٥).
وفيها: حج بالناس « ...... » (٦).
стр. 603
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ الإمام الأديب العلامة تاج الدين أبو الثناء محمود (١) بن عابد (٢) بن الحسن ابن محمد بن على التميمى الصرخدى الحنفى.
كان مشهورا بالفقه، والأدب، والعفّة، والصلاح، ونزاهة النفس، ومكارم الأخلاق، وكان مولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وروى، وتوفى فى هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفية فى ربيع الآخر من هذه السنة وله ست وتسعون سنة.
الشيخ الإمام عماد الدين عبد العزيز (٣) بن محمد بن عبد القادر بن عبد الله بن خليل بن مقلد الأنصارى الدمشقىّ المعروف بابن الصائغ.
كان مدرسا بالعذراوية (٤)، وشاهدا بالخزانة بالقلعة، وكان يعرف الحساب جدّا، وله سماع ورواية، توفى فى هذه السنة ودفن بقاسيون.
الشيخ أبو العباس أحمد السلاوى (٥) المغربى.
стр. 604
مات فى السابع عشر من شهر ربيع الأول بمصر ودفن من يومه بسفح المقطم، وكان أحد المشايخ المشهورين بالصلاح المقصود للدعاء والتبرك.
الشيخ أبو المعالى عبد الرحمن (١) بن الشيخ أبى القاسم عبد العزيز الأسكندرى المقرئ.
مات فى هذه السنة بالإسكندرية.
الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن (٢) بن الشيخ الإمام أبى العز مظفر الأنصارى الخزرجى المصرىّ.
كان أحد الأئمة المشهورين بالفضل والعلم، وتوفى فى هذه السنة.
ابن السّاعى المؤرخ تاج الدين على (٣) بن أنجب البغدادى.
سمع الحديث، واعتنى بالتاريخ، ولم يكن بالحافظ ولا الضابط المتقن، وقد أوصى إليه ابن النجار (٤) حين توفى، وله تاريخ كبير ومصنفات أخر مفيدة (٥)، وآخر ما صنّف كتاب فى الزهد (٦)، ولد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومات [٦٠٧] فى هذه السنة، ﵀.
стр. 605
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الخامسة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*)
استهلّت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسى.
والسلطان الملك الظاهر بيبرس ﵀ فى الكرك، وتوجّه منها إلى دمشق، فدخلها فى الثالث عشر من المحرم منها (١)، ولما وصلها بلغه وصول الأمراء الرومييّن المهاجرين إلى أبوابه، فسار من دمشق إلى حلب، فوصل بنجار الرومىّ (٢)، وبهادر ولده، وأحمد بن بهادر، واثنى عشر من أمراء الروم بأولادهم وأهليهم، من جملتهم: قرمشى وسكتاى ابنا قراجين بن جيغان نوين ونفرهما (٣) من قبيلته، بيسون وجيغان جدّهما كان سلحدار جنكزخان ملك التتار هو وبيجو، وكان قرمشى وسكتاى المذكوران قد أقاما بالروم عند البرواناه، وتزوج البرواناه بعمتهما، فطلبا إلى الأردو فامتنعا، وقتلا الذى جاء فى أثرهما، وقتلا كلّ من معه، ولحقا بنجار المذكور وحضرا معه، ولما حضروا إلى خدمة السلطان أحسن إليهم، وتلقاهم بالقبول، وجهّزهم وحريمهم إلى الديار المصريّة، وأجرى عليهم الأرزاق.
стр. 606
ولما أفضت السلطنة إلى الملك المنصور قلاون تزوّج بنت سكتاى المذكور على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ثم وصل بعدهم سيف الدين جندربك صاحب الأبلستين (١)، والأمير مبارز الدين أمير شكار (٢)، وبلغ السلطان أن التتار وصلوا إلى كوك صو (٣) مع توقو وتداون، فعاد السلطان إلى الديار المصريّة لمهمات كانت بين يديه منها دخول الملك السعيد ولده بيته.
ذكر عود السلطان من حلب إلى الدّيار المصريّة:
عاد السلطان من حلب بعد مجئ الأمراء المذكورين وهم فى خدمته، فوصل إلى مصر ودخلها فى ثانى عشر شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وجهّز حاله وحال عساكره وأمرهم بالتأهب والتجهز لما [٦٠٨] سمع من وصول التتار إلى القرب من أعماله الحلبيّة.
ذكر دخول الملك السعّيد بن السلطان الظاهر بابنة سيف الدين قلاون:
وفى خامس جمادى الأولى (٤) من هذه السنة عمل عرس الملك السعيد على ابنة قلاون الألفى، واحتفل السلطان به احتفالا عظيما، وركب الجيش خمسة أيام
стр. 607
فى الميدان يلعبون ويتطاردون، ويحمل بعضهم على بعض، وقد لبسوا أكمل العدد، ورتب لهم السلطان لعب الفبق (١)، فلعب السلطان بالميدان الأسود (٢) تحت القلعة، ولبس جوشنا وخوذة، وتقلد ترسا، وألبس فرسه العدّة الكاملة من البركستوان والوجه والرقبة، وساق تحت الفبق، ورماه باليد اليسرى فأصابه، وأخطأ غيره باليمنى بغير لبس، وأنعم على كلّ من أصاب من الأمراء بفرس بسرجه ولجامه وزينته من المراوات الفضة، ومن أصاب من المماليك والأجناد خلع عليه، وبقى هذا المهم ثلاثة أيام متوالية والناس فى أفراح وسرور، وشاهد الناس منه ومن ولده الأسد وشبله ما يحار الناظرون ويدهش المتفرجون، ثم فى اليوم الرابع خلع على الأمراء وجميع أكابر الدولة وأرباب المناصب من القضاة والوزراء والكتاب والمقدمين والمتعممين، فكان بلغ ما خلع ألفا وثلاثمائة خلعة، وراحت مراسميهما إلى الشام بالخلع على أهلها، ومدّ فى ذلك اليوم سماط عظيم لا يوصف، حضره الشارد والوارد، والخاصّ والعامّ، وجلس رسل التتار
стр. 608
ورسل الفرنج والأمراء و [جميع أكابر] (١) الدولة، وعليهم كلهم الخلع الهائلة، وكان وقتا مشهودا، وحمل صاحب حماة هدايا عظيمة، وركب إلى مصر للتهنئة، ودخل الملك السعيد بيته، وقدمت له التقادم فقبل منها القليل (٢)، وانقضى الوقت على الوجه الجميل.
ذكر مسير السلطان إلى الشام لغزو التتار:
ولما قوى خبر هجوم التتار على البلاد الشاميّة واشتدّ عزمهم على ذلك خرج [٦٠٩] السلطان الملك الظاهر بيبرس من الديار المصريّة يوم الخميس العشرين من رمضان من هذه السنة، ومعه العساكر والجنود، وسار معهم، فدخل دمشق فى سابع عشر شوال منها، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم سار ومعه العساكر حتى دخل حلب مستهل ذى القعدة وأقام بها يوما، ورسم لنائب حلب (٣) أن يقيم بعسكر حلب على الفرات يحفظ المعابر، وسار السلطان، ولما وصل إلى كوكصو وهو النهر الأزرق تحرك توقو وتداون ومن معهما من عسكر (٤) التتار الذين انتقاهم أبغا واختارهم، فجهّز السلطان الجاليش ومقدّمة العساكر صحبة الأمير شمس
стр. 609
الدين سنقر الأشقر، فوقع على ألف فارس من التتار مقدمهم كراى، فانهزموا بين أيديهم وتيقنوا أن الدائرة عليهم (١).
وقال ابن كثير: وقع سنقر الأشقر فى أثناء الطريق بثلاثة آلاف من المغل فهزمهم يوم الخميس تاسع ذى القعدة من هذه السنة (٢).
ذكر ملاقاة السلطان مع التتار وانتصاره عليهم:
ثم إن السلطان الملك الظاهر قطع الدربند (٣) فى نصف يوم، وصعد مع العسكر الجبال، فأشرفوا على صحراء الأبلستين، فرأوا التتار قد رتبوا عسكرهم، وهم اثنا عشر طلبا، وعزلوا عنهم عسكر الروم خوفا من مخامرتهم، وكانوا فى طلب واحد وحدهم، فلما تراءت الجمعان ورأى بعضهم بعضا بالعيان حملت ميسرة التتار، فصدمت سناجق السلطان، ودخلت طائفة منهم، فشقّوها، وساقت إلى الميمنة، فلما رأى السلطان ذلك أردف المسلمين بنفسه ومن معه، ثم لاحت منه التفاتة، فرأى الميسرة قد كادت أن تتحطم، فأمر جماعة من الأمراء بإردافها، وقاتلت التتار مع المسلمين قتالا شديدا، وصبر المسلمون صبرا عظيما، فأنزل الله نصره على المسلمين وبأسه على الملحدين، فأحاطت بهم العساكر من كل جانب، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وقتل من المسلمين أيضا جماعة.
стр. 610
وكان ممن قتل من سادات الأمراء الأمير الكبير ضياء الدين بن الخطير، وسيف الدين (١) قزان [٦١٠] العلائى، وسيف الدين قبجق (٢) الجاشنكير، وعزّ الدين أيبك الشقيفى (٣)، وأسر جماعة من أمراء المغول ومن أمراء الروم جماعة أيضا، فمن المغول أسر زيرك (٤) وهو صهر أبغا، وصرطق وهو من أقاربه، وجوديه، وبردكيه، وتماديه، ومن الروميّين علاء الدين بكلار بكى (٥) بن البرواناه حاكم الروم، وابن أخته وهو ولد خواجا يونس، ونور الدين بن جاجا. وسراج الدين أخوه، وقطب الدين أخو الأتابك، وسيف الدين سنقرجاه السيواسى (٦)، ونصرة الدين صاحب سيواس، وكمال الدين عارض الجيش بالروم، وحسام الدين كياوك (٧) قرابة البرواناه، وسيف الدين بن على شير التركمانى، وحضر فى الإحسان سيف الدين جاليش أمير دار وهو أمير العدل والمظالم، وميكائيل صاحب سنوب، وظهير الدين متوّج مشرف الممالك، ونظام الدين أوحد بن شرف الدين ابن الخطير وإخوته، وقاضى قضاة الروم حسام الدين الحنفى، ومظفر الدين حجاف، وأولاد ضياء الدين بن الخطير، وسيف الدين كجكنا الجاشنكير.
стр. 611
ونور الدين المنجنيقى، وأولاد رشيد الدين صاحب ملطية كمال الدين وإخوته، وأمير على صاحب كركر، فما منهم إلا من أحسن السلطان (١) إليه وأفاض إنعامه عليه (٢).
وأما توقو وتداون فإنهما قتلا فى المعركة، وأما البرواناه فإنه كان مع جماعته وعسكر الروم فى طلب واحد وحده منفرد عن أطلاب التتار كما ذكرناه، ولما رأى انهزام التتار بادر بالهروب هو وأصحابه وولّوا الأدبار، وأخذ البرواناه معه السلطان غياث الدين وفخر الدين الوزير ومن كان بقيساريّة وتوجّه بهم إلى توقات، وكانت إقطاعا له.
وقال بيبرس فى تاريخه: وفى هذه الوقعة أخذ سيف الدين قلاون الألفى:
سيف الدين جاورشى، وسيف الدين قفجاق، واشترى سيف الدين سلاّر، لولده علاء الدين [٦١١] على الملقب عند سلطنته بالملك الصالح، [فكان ذلك فى طالع طلعه سعوده وغربت نحوسه، فإن المشار إليه ترقت به السعادة إلى ما سنذكره فى موضعه إن شاء الله] (٣) واسم أبيه طغرل، وكان البرواناه قد قرّبه وأدناه وصيّره أمير شكار.
ذكر دخول السلطان قيساريّة وجلوسه على كرسىّ المملكة الروميّة:
ثم أن السلطان الملك الظاهر رحل من مكان المعركة يوم السبت حادى عشر الشهر ونزل قريب الكهف والرّقيم، وعبر على خان قرطاى، وهو خان مبنىّ
стр. 612
بالحجر الأحمر، وله مغلاّت متسعة ودواوين متفرقة ومجتمعة، ونزل بالقرب من عسيب (١)، وهى التى يقول فيها امرئ القيس بن حجر الكندىّ:
أجارتنا (٢) … إن الخطوب تنوب
وإنّى مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا (٣) … وكلّ غريب للغريب نسيب
وهو مدفون هناك (٤).
ولما وصل إلى وطاق (٥) كيخسرو خرج أهل قيسارية كافة لتلقّيه، وكان دهليز السلطان غياث الدين مضروبا هناك، فنزله.
وأقام على قيسارية سبعة أيام ينتظر حضور البرواناه إلية ليقرر معه قاعدة ينتظم بها مصالح الإسلام بتلك البلاد، وتجرى بها أمورهم على السّداد، وأرسل إليه مملوكا له، كان قد حصل فى الأسر مع ولده، وكتب إليه كتابا على يده يحثه على الحضور، ويوضح له ما يترتّب على حضوره من مصالح أمر الجمهور، فأبى إلا النفار لما جرت به من دنوّ أجله الأقدار، فلما أيس
стр. 613
السلطان من أمره رحل عن قيساريّة عائدا، ورتب فيها سيف الدين جاليش نائبا، وكتب إلى أولاد قرمان يحرّضهم على الحضور، وركب يوم الجمعة سابع عشر ذى القعدة وعلى رأسه الجتر (١)، وشاهد الناس منه صاحب القبة والسبع (٢)، وخطب له فى جوامع قيساريّة وهى سبعة، وقيل فى ذلك أبيات:
وما كان هذا التخت من حين نصبه … لغير المليك الظاهر البدر (٣) يصلح
مليك على اسم الله ما فتحت له … صوارمه البيض المواضى ويفتح (٤)
أتته وفود الروم والكلّ قائل … رأيناك تعفو عن كثير وتصفح
فأوسعهم حلما، وأولادهم ندى … فأمسوا على أمن ومنّ فأصبحوا
(٥) [٦١٢]
وقال الأمير ناصر الدين محمد بن الحلى من أبيات فى وقعة أبلستين:
عزمنا على اسم الله والله ربّنا … نروم العدى قسرا بكل مضمّر
نروم بنى قاقان جمعا لأنّهم … بغوا وطغوا عن قسوة وتجبّر
لنا فيهم التارات تارات من مضى … جدود لنا فاقوا بأطيب عنصر
.
стр. 614
ونحن جلبنا الخيل فى كل غارة … إلى معلها والروم فاسأل تخبّر
مع الفارس الكرار فى حومة الوغا … أبى الفتح بيبرس الهمام الغضنفر
عليه سلام الله منى تحيّة … إلى أن ألاقى الله فى يوم محشر (١)
ذكر نزول السّلطان بمرج حارم:
لما رحل السلطان من قيساريّة فى التاريخ المذكور آنفا نزل فى صحراء قراجا قريب بازاريكو (٢)، ثم رحل منها إلى أن انتهى إلى مرج حارم وصحبته علاء الدين على بن البرواناه، ومن أخذ من الروم أسيرا، ومن جاء بالطاعة مستجيرا.
وأقام السلطان على مرج حارم شهرا، وقد ربّعت خيول العساكر فى المروج وأخذت الأعين حقها من منظرها البهيج (٣)، واستراحت العساكر هناك وهم آمنون سالمون وعلى أعدائهم منصورون مؤيّدون.
ذكر مجئ أبغا إلى موضع المعركة:
ولما بلغ خبر هذه الوقعة إلى أبغا بن هلاون ملك التتار، وتحقق عنده ما حلّ بعسكره من الكسرة، نهض وجاء حتى شاهد بنفسه مكان المعركة ومن فيها من
стр. 615
قتلى المغول، فأعظم ذلك وحنق على البرواناه، إذ لم يعلمه بجليّة الحال، وأضمر ذلك فى نفسه، ثم جاء إليه البرواناه وتلقاه، وسار فى خدمته، واتفق فى ذلك الوقت أن أيبك الشيخ قفز من عسكر السلطان وتوجّه إلى أبغا، لأن السلطان كان قد ضربه، فوجد فى نفسه من ذلك، وحضر عنده، وأطلعه على أمر البرواناه، وأنه كان الباعث للملك الظاهر على الحضور إلى بلاد الروم بتكرار كتبه وتواتر رسله، فازداد غيظ أبغا عليه ولا سيّما لما شاهد قتلى [٦١٣] المغول الأكابر، وأن القتلى جميعا من عسكر التتار وليس فيهم أحد من الروميّين، وتحقق عنده مخامرة البرواناة وتخاذل عسكر الروم، فعند ذلك أمر بنهب بلاد الروم من قيسارية إلى أرزنجان، وقتل المسلمين الذين بها، فتفرقت عساكره تنهب وتقتل، وقتلوا من المسلمين خلقا لا يحصّون كثرة، وكان من جملة من قتل القاضى جلال الدين بن الحبيب، ولم يتعرضوا إلى نصارى البلاد، وامتدت غاراتهم مسافة سبعة أيام.
ووكل أبغا بالبرواناه من حيث لم يظهر ذلك له، واستصحب معه السلطان غياث الدين، والصاحب بن خواجا على، ورجع، فلما عبر على قلعة كغويته أمر أبغا البرواناه أن يسلّمها إلى نوابه، فنادى البرواناه نائبه الذى بها ليسلمها إلى أبغا، فأبى وامتنع بها، فرحل أبغا وسار إلى أرزنجان (١) فاشتراها له ملكا واعتدّ بثمنها عن الإثاوة المقرّرة له على بلاد الروم، وسار إلى قلعة كماخ فأمر
стр. 616
البرواناه أن يخرجوا إلى خدمة أبغا، فأبوا وقالوا: نحن تحت طاعة القان إذا رحل عنا خرجنا، فإنا نخاف سطوته؛ فطلع إليها الصاحب شمس الدين الجوينى وأعرض حواصلها، وحمل مابها من القماش والمال لأبغا، وساق إليه ما كان فيها من الخيل.
ثم سار إلى قلعة بابرت، فخرج إليه شيخ منها وقال: أريد من القان الأمان لأتكلم بين يديه كلمتين فقال: قل ولك الأمان. قال: يا ملك البسيطة عدوك حضر إلى بلادك وما تعرض للرعيّة ولا أسال لهم محجمة دم، وأنت قصدت العدوّ وجئت فى طلبه، فلما فاتك أنخت على رعيتك، فقتلتهم ونهبت بلادهم وخرّبتها، فمن هو من الخانات الذين تقدّموا من أسلافك سنّ هذه السّنة واعتمد هذه الياساق، فاغتاظ أبغا لذلك وعطف على الأمراء الذين أشاروا عليه بنهب البلاد، فأهانهم، وأطلق كلّ من كان قد أخذ أسيرا، فكانت عدّتهم أربعمائة [٦١٤] ألف نفر، وسار إلى الأردو (١)، وقتل البرواناه.
ذكر مقتل البرواناه:
واسمه سليمان (٢) بن علىّ بن محمد بن حسن، ولقبه علاء الدين البرواناه، ومعناه الحاجب بالعجمىّ.
стр. 617
وكان رجلا شجاعا، حازما، كريما، جوادا، عارفا بتدبير المملكة، ذا مكرودهاء.
وذكر فى بعض التواريخ: أن أصله من الديلم، وأن أباه كان يلقب بمهدّب الدين، وكان رجلا جميلا وسيما من طلبة العلم، وكان حضر إلى سعد الدين المستوفى بالروم فى أيام السلطان علاء الدين كيقباذ، فسأله أن يجرى عليه شيئا من بعض المدارس ليقتات به فيكون درهما كل يوم، فمال إليه المستوفى لما رأى من حسن سمته وسمته فقال له: أريد أن أصيّرك منى مكان الولد وأجود لك بما أجد، ثم قرّبه وأدناه وأحبّه، وزوّجه ابنته، واتفق وفاه المستوفى بعد ذلك، فوصف مهذّب الدين للسلطان علاء الدين كيقباذ بالفضيلة والمعرفة والكفاية والأهلية للمناصب، فرشحه لوزارته وألقى إليه مقاليد دولته، فرزق مهذّب الدين معين الدين سليمان الملقب بالبرواناه، ثم آل أمر البرواناه إلى أن هلاون لما أخذ بلاد الروم قال للسلطان ركن الدين: من الآن يصلح للتردد فى الأشغال؟ قال:
ما يصلح أحد لذلك سوى البرواناه، فترقت منزلته من ذلك اليوم حتى صار فيما بعد حاكما على ممالك الروم إلى أن جرى عليه ما نذكره الآن من أبغا ملك التتار.
وهو أن أبغا لما توجه من الروم إلى الأردو، وأخذ معه البرواناه كما ذكرناه، استشار الأمراء فى أمره، فقوم أشاروا عليه بقتله، وقوم أشاروا بإبقائه وإعادته إلى البلاد ليحفظ نظامها ويحمل خراجها، فترجح عنده إبقاؤه فأطلقه من التوكيل على أنّه يعود، فسمع نساء أمراء المغول الذين قتلوا فى المعركة كزوجة توقو وتداون وغيرهما أن أبغا رسم بإطلاقهما لبرواناه، فاجتمعن [٦١٥] جميعا
стр. 618
عصر النهار، وأقمن مأتما وصحن ونحن، فسمع أبغا ضجيجهن فقال: ما هذا؟ فقيل له: إن الخواتين سمعن بأن أبغا قد خلّى سبيل البرواناه وأطلق سراحه ليعود إلى الروم سالما، فبكين وأعولن على أزواجهن، فأمر أبغا لأمير من الأمراء الذين يشتّون ببلاد سيس اسمه كوكجا بهادر (١) أن يأخذ معه مائتى فارس ويسير بالبرواناه إلى موضع عّينه له فيقتله، فاستدعى كوكجا بهادر البرواناه وقال له:
إن أبغا يريد يركب ورسم لك أن تركب أنت وأصحابك معه، فركب هو ومعه اثنان وثلاثون نفسا من مماليكه وألزامه، فتوجه معه، فأخذ به نحو البر، فعلم أن ذلك الأمر لا خير له فيه، فأحاط به وبأصحابه التتار كما يحيط بالزند السوار، وكتّفوا أصحابه، فسأل أن يمهلوه ريثما يتوضّأ ويصلى، فأمهلوه، فلما فرغ من صلاته قتلوه ومن معه.
وكان أبغا نازلا بمقام الأطلاغ، ولما سمع مماليك البرواناه بقتله وهم:
علم الدين سنجر البروانىّ، وبدر الدين بكتوت أمير آخور، فاجتمعا ومن معهم من كبارهم فى مخيّمهم وأوتروا قسيّهم، ونكّثوا نشابهم بين أيديهم وقالوا:
ما نموت إلا مقاتلين، فاضطر الذين ندبوا إلى قتلهم إلى أن شاوروا أبغا، فلما شاوروه على ذلك استحسن هذا الأمر منهم، وقال: هؤلاء مماليك نافعون، فخلّوا عنهم، فأطلقوا سبيلهم وأعطوا دستورا إلى بلادهم.
стр. 619
وكان مقتل البرواناه فى آخر ذى الحجة (١) من سنة خمس وسبعين وستمائة (٢).
وقال ابن كثير: وكان مقتله فى العشر الأول من محرم سنة ست وسبعين وستمائة (٣).
وقال النويرى: وكان مقتله على منزل الأطلاغ، وقتل معه نيّف وثلاثون نفسا من مماليكه وخواصّه.
وقال بيبرس فى تاريخه: وكان مقتل البرواناه فى آخر صفر من سنة ست (٤) وسبعين وستمائة (٥).
ذكر رحيل السلطان الملك الظاهر إلى ناحية دمشق:
قد [٦١٦] ذكرنا أن السلطان قد أقام فى مرج حارم شهرا لإراحة عساكره وتربيع خيولهم، ثم رحل عند انقضاء هذه السنة، أعنى سنة خمس وسبعين وستمائة إلى دمشق، ودخلها فى خامس المحرم من سنة ست وسبعين وستمائة على ما نذكره إن شاء الله.
стр. 620
وفيها: جهّز يعقوب المرينى إلى محمد بن الأحمر نجدة من بنى مرين صحبة محمد وعامر ابنى إدريس، فأنجدوه على الفرنج واتفقوا معهم على شريش مدينة من مدائن الأندلس، فهزموهم هزيمة عظيمة، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأرسل إلى يعقوب يشكره ويثنى عليه على إنجاده له وإمداده إياه.
وفيها: « ...... » (١).
وفيها: حج بالناس « ...... » (٢).
стр. 621
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ أبو الفضل عيسى (١) بن الشيخ عبد الله بن عبد الخالق الدمشقى.
مات فى هذه السنة، ودفن بالقرب من الشيخ رسلان، وكان مولده سنة أربع وستين وخمسمائة.
الشيخ المحدّث شمس الدين أبو العباس أحمد (٢) بن محمد بن عبد الله بن أبى بكر الموصلى، ثم الدمشقىّ الصوفىّ.
سمع الكثير، وكتب الكتب الكبار بخط رفيع جيّد واضح، وجاوز السبعين، مات فى هذه السنة، ودفن بباب الفراديس، ﵀.
الشاعر شهاب الدين أبو المكارم محمد (٣) بن يوسف بن مسعود بن بركة بن سالم بن عبد الله الشيبانى التلّعفرى (٤).
стр. 622
صاحب ديوان الشعر، جاوز الثمانين، وكانت وفاته بحماة فى هذه السنة، وكان الشعراء معترفين بفضيلته وتقدّمه فى هذا الفن.
القاضى شمس الدين علىّ (١) بن محمود بن علىّ بن عاصم الشهرزورى، ثم الدمشقى.
مدرّس القيمريّة (٢)، شرط واقفها له ولذريّته من بعده، وقد سافر مع ابن العديم إلى بغداد؛ فسمع بها، مات فى هذه السنة، ودفن فى مقابر الصوفيّة بالقرب من ابن الصلاح.
الشيخ الصالح العالم الزاهد أبو إسحاق إبراهيم (٣) بن سعد الله بن جماعة بن علىّ ابن جماعة بن حازم بن صخر الكنانىّ الحموىّ.
له معرفة بالفقه [٦١٧] والحديث، ولد سنة ست وتسعين بحماة؛ وكانت وفاته بالقدس الشريف، ودفن بماملا، وسمع من الفخر بن عساكر، وروى عنه ولده قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة (٤).
стр. 623
الشيخ الصالح جندل (١) بن محمد المنينى.
كانت له عبادة وزهد، وكان الناس يترددون لزيارته بمنين، وكان من أهل الطريق، وعلماء التحقيق، وتوفى فى رمضان من هذه السنة وعمره خمس وتسعون سنة، ودفن فى زاويته المشهورة به بقرية منين (٢)، ﵀.
محمد (٣) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحافظ بدر الدين أبو عبد الله بن الفويرة السلمى الحنفىّ.
اشتغل على الصدر سليمان، وابن عطاء، وفى النحو على ابن مالك، وحصّل، وبرع، ونظم، ونثر، ودرّس بالشبّلية (٤)، والقصّاعين (٥)، وطلب لنيابة القضاء فامتنع، وكتب الكتابة المنسوبة، رآه بعض أصحابه فى المنام بعد وفاته فقال:
ما فعل الله بك؟
стр. 624
فأنشأ يقول:
ما كان لى من شافع عنده … غير اعتقادى أنه واحد
وكانت وفاته فى جمادى [الآخرة] (١) منها، ودفن بظاهر دمشق.
محمد (٢) بن عبد الوهاب بن منصور بن شمس الدين أبو عبد الله الحرّانى الحنبلى.
تلميذ الشيخ مجد الدين بن تيميّة (٣)، وهو أول من حكم بالديار المصريّة من الحنابلة نيابة عن القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ، ثم لما ولى شمس الدين ابن العماد القضاء مستقلا استنابه، ثم ترك ذلك ورجع إلى الشام يشتغل ويفتى ويناظر إلى أن توفى وقد نيّف على الستين.
الشيخ رشيد الدين أبو محمد عبد الله (٤) بن نصر بن سعيد القوصىّ النحوى.
توفى فيها بمصر، وكان متصدّرا لإقراء العربيّة، ﵀.
الشيخ أبو المعالى أحمد (٥) بن أبى العباس بن عصرون التميمى الشافعى.
стр. 625
وبيته مشهور بالعلم والتقدّم، توفى فى هذه السنة (١) بحلب.
القاضى الفقيه أبو إسحاق إبراهيم (٢) بن محمد بن علىّ البوشىّ المالكىّ.
وكان صالحا، تولى قضاء الإسكندريّة، وتوفى فى هذه السنة بمصر، ﵀.
الشيخ [٦١٨] نجيب الدين أبو الفضل محمد (٣) بن علىّ بن الحسين بن حمزة الخلاطى.
تولى الإعادة بالمدرسة السروريّة بالقاهرة، وذكر أنه شرح الوجيز فى عدة مجلدات، وتوفى فيها بالقاهرة.
الأمير أبو عبد الله محمد (٤) بن الأمير أبى زكريا يحيى بن أبى محمد عبد الواحد ابن أبى حفص عمر صاحب تونس.
مات فى هذه السنة.
الأمير الطواشى يمن (٥) الحبشىّ، شيخ الخدّام بالحرم الشريف النبوىّ.
توفى فى هذه السنة، وكان دينا عادلا، صادق اللهجة، وكان فى عشر السبعين، ﵀.
стр. 626
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السّادسة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله.
والسلطان الملك الظاهر قد دخل دمشق بعد رجوعه من بلاد الروم وكسره التتار على الأبلستين، وإقامته بعد ذلك على مرج حارم شهرا كما ذكرنا، فى اليوم الخامس (١) من محرم هذه السنة، فنزل بالقصر الأبلق الذى بناه غربىّ دمشق بين الميادين الخضر، وتواترت الأخبار بأن أبغا بن هلاون قد عزم على قصد بلاد الشام، فأمر عند ذلك بجمع الأمراء وضرب الدهليز منشورا، ثم جاء الخبر بأنّ أبغا عاد إلى بلاده، فرسم بردّ الدهليز، وأقام فى القصر الأبلق يجتمع عنده الأمراء، والدولة فى أسرّ حال، معتقدا أن الدنيا قد حصلت فى يده، والأقدار تخدمه فى بلوغ مقصده، وإذا بالعافية قد شمّرت الذيل، والصحّة قد انجابت كما ينجاب ضوء النهار من سدفة الليل، وأمر الله قد أدركه فلم تغن الحيلة ولا الحيل.
ذكر وفاة السلطان الملك الظاهر أبو الفتح الأسد الضّارى ركن الدّين بيبرس البندقدارى الصالحى النجمى:
تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته،
والكلام فيه على أنواع:
стр. 627
الأول فى ترجمته
(١): هو بيبرس بن عبد الله، قفجاقىّ [٦١٩] الجنس، وقيل هو من برج أغلى قبيلة من الترك، حضر هو ومملوك آخر مع تاجر إلى مدينة حماة، فاستحضرهما الملك المنصور محمد صاحب حماة يشتريهما فلم يعجبه أحد منهما، وكان أيدكين البندقدارىّ الصالحىّ مملوك الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل صاحب مصر قد غضب عليه الصالح المذكور، وكان قد توجه أيدكين المذكور إلى جهة حماة، فأرسل الملك الصالح من يقبض عليه واعتقله بقلعة حماة، فتركه المنصور صاحب حماة فى جامع قلعة حماة، واتفق ذلك عند حضور الملك الظاهر صحبة التاجر، فلما قلّبه المنصور صاحب حماة فلم يشّتره أرسل أيدكين البندقدار وهو معتقل، فاشتراه ليخدمه، وبقى عنده، ثم أفرج الملك الصالح عن أيدكين البندقدار، فسار من حماة وصحبته الملك الظاهر، وبقى مع أستاذه المذكور مدة، ثم أخذه الملك الصالح نجم الدين أيوب من أيدكين المذكور، فانتسب الملك الظاهر إلى الملك الصالح دون أستاذه، وكان يخطب له، وينقش على الدنانير والدراهم بيبرس الصالحى.
الثّانى فى صفته:
كان الملك الظاهر أسمر، أزرق العينين، جهورىّ الصوت، عليه مهابة وجلالة، وكان إلى الطول أقرب.
стр. 628
الثالث فى سيرته:
كان شهما، شجاعا، سخيّا، عالى الهمّة، بعيد الغور، مقداما، جسورا، معتنيا بأمر السلطنة، متحلّيا بها، له قصد صالح فى نصرة الإسلام وأهله، وإقامة شعائر الملك.
وفى تاريخ النويرىّ: وكان ملكا جليلا، شجاعا، مهيبا، حسن السياسة، كثير التحيّل، وكان عسوفا جبّارا، كثير المصادرات للرعية والدواوين خصوصا لأهل دمشق، وكان متنبّها، شهما، لا يفتر ليلا ولا نهارا عن مناجزة الأعداء ونصرة الإسلام، وكان مقتصدا فى ملبسه ومطعمه، وكذلك جيشه.
وقد جمع له كاتبه محيى الدين بن عبد الظاهر سيرة مطوّلة (١)، وكذلك ابن شداد أيضا (٢)، وهو الذى أنشأ [٦٢٠] الدولة العباسيّة بعد بقاء الناس بلا خليفة نحوا من ثلاث سنين، وهو الذى جدّد من كل مذهب قاضى قضاة مستقلا من غير مشاركة.
الرابع فى فتوحاته:
فتح فى أيامه فتوحات كثيرة وهى: قيسارية التى على على الساحل، وأرسوف، ويافا، والشقيف، وأنطاكية، وبغراس، وطبريّة، والقصير، وحصن الأكراد، وحصن عكّار، والقرين، وصافيثا،
стр. 629
وغير ذلك من الحصون المنيعة التى بأيدى الفرنج، ولم يبق مع الإسماعيلية شيئا من الحصون، وناصف الفرنج على: المرقب، وبلنياس، وبلاد انطرسوس، وسائر ما بقى بأيديهم من البلاد والحصون، وأخذ قيسارية الروم على ما ذكرنا، وخطب له فيها، واستعاد (١) من صاحب سيس بلادا كثيرة، واستردّ أيضا من المتغلّبين من المسلمين: بعلبك، وبصّرى، وصرخد، وعجلون، وحمص، والصلت، وتدمر، والرحبة، وتلّ باشر، والكرك، والشوبك، وأخذ بلادا كثيرة من التتار منها: البيرة، وغيرها، وفتح بلاد النوبة بكمالها، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة.
وقال النويرى: وأول فتوحاته قيساريّة الشام بالسواحل، وآخر فتوحاته قيساريّة الروم، وأما عدّة فتوحاته فكانت تزيد على أربعين حصنا، وكان بيده بمصر والشام ستة وأربعون قلعة (٢).
الخامس فى عمائره:
قال ابن كثير: وعمر شيئا كثيرا من الحصون، والمعاقل، والجسور، والقناطر على الأنهار فى بلاد الشام ومصر (٣)، وبنى بقلعة الجبل دار الذهب، وبنى قبة على إثنى عشر عمودا ملّونة مذهبة، وصوّر فيها صور خاصكيته وأشكالهم، وحفر أنهارا كبارا (٤) وخلجانات ببلاد مصر منها:
стр. 630
بحر السردوس (١)، وبنى جوامع كثيرة ومشاهد عديدة (٢)، وجدّد مسجد رسول الله ﷺ حين أحرق (٣)، ووضع الدرابزينات [٦٢١] حول الحجرة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وعمل فيه منبرا وسقفه بالذهب، وجدّد المارستان بالمدينة، وجدّد قبر الخليل ﵇، وزاد فى رواتبه (٤) وما يصرف إلى المقيمين، وبنى على المكان المنسوب إلى قبر موسى ﵇ قبّة قبلىّ أريحا (٥)، وجدّد بالقدس أشياء حسنة من ذلك قبة السلسلة، ورمم شعث (٦) الصخرة وغيرها، وبنى خانا هائلا بالقدس ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين [من مصر] (٧)، وعمل فيه طاحونا وفرنا وبستانا، وجعل للواردين أشياء تصرف إليهم نفقة وإصلاح الأمتعة، وبنى على قبر أبى عبيدة رضى الله عنه بالقرب من عمتنا مشهدا وأوقف عليه شيئا للواردين، وجدّد جسر فامية (٨)، وجدّد عمارة (٩) جعفر الطيار رضى الله عنه بالكرك، وأوقف على الزائرين شيئا [كثيرا] (١٠)، وجدّد
стр. 631
قلعة صفد (١) وجامعها، وجدّد جامع الرملة وغيرها فى كثير من البلاد التى كانت الفرنج قد عدت عليها (٢)، وبنى بحلب دارا هائلة، وبدمشق: القصر الأبلق، والمدرسة الظاهرية (٣) قبالة العادلية، وبنى بالقاهرة أيضا: المدرسة الظاهرية (٤)، وبنى جامعا هائلا بالحسينيّة (٥)، وله من الأثار والأماكن ما لم يبن فى زمن الخلفاء وبنى أيوب (٦).
السّادس فى وفاته:
قال بيبرس ﵀: وكان القمر قد كسف كسوفا كاملا أظلم له الجوّ، وتأوّل ذلك المتأوّلون بموت رجل جليل القدر نبيه الذكر، فقيل: إن السلطان لما بلغه هذا الإرجاف حذر على نفسه وخاف، وقصد أن يصرف التأويل إلى غيره لعله يسلم من شرّه، وكان بدمشق رجل (٧) من أولاد الملوك الأيوبيّة يسمّى الملك القاهر «بهاء الدين عبد الملك من ولد الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى بن السلطان الملك العادل أبى بكر ابن نجم الدين أيوب، وكان يسكن البرّ، وتزوج من العرب، وأقام بينهم، يسير
стр. 632
معهم حيث ما ساروا، وإذا غزوا غزا معهم، فحضر من الغزاة إلى دمشق (١)»، فأراد على ما قيل اغتياله، فأحضره فى مجلس شرابه، فأمر الساقىّ أن يسقيه [٦٢٢] الكأس قمز كان ممزوجا فيما يقال بسمّ، فسقاه السّاقى ذلك الكأس، فأحسّ منه بالبأس، فخرج من المقام وعلقت به مخاليب الحمام، وغلط الساقى لإصابة المقدور، وملأ على أثره الكأس المذكور وأداره، والدائرات تدور، فوقع فى نوبة السلطان، فشربه ولم يشعر حتى أحسّ بالنيران، فكتم أمره عن الأطبّاء، وأخفى حاله عن الأحبّاء، ومكث أياما يشكو الليل والنهار من توقّد وهج النار، ثم اضطر إلى اطلاع الطبيب بعد استحكام دائه، طمعا فى دوائه، فلم ينجع العلاج، ولا نهضت قدرة الإساءة لإصلاح المزاج (٢).
وأما القاهر فإنه حمل إلى منزله وهو مغلوب، فمات من ليلته ليلة السبت خامس عشر المحرم من هذه السنة.
وتمرض السلطان بعده أياما حتى كانت وفاته يوم الخميس بعد صلاة الظهر السابع والعشرين (٣) من المحرم بالقصر الأبلق، فكان ذلك يوما عظيما على الأمراء.
وقال بيبرس فى تاريخه: توفى فى اليوم المذكور وقت الزوال، وحضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر وكبار الأمراء والدولة، فصلوا عليه سرّا، وجعلوه فى تابوت، ورفعوه إلى القلعة فى بيت من بيوت البحرية إلى أن نقل إلى تربته تجاه
стр. 633
العادلية الكبيرة ليلة الجمعة خامس رجب من هذه السنة، وكتم موته فلم يعلم جمهور الناس به حتى كان العشر الأخير من ربيع الأول، وجاءت البيعة للملك السعيد من مصر، فحزن الناس عليه وترحموا، وكان يوما شديدا على الناس (١)، وجدّدت البيعة، وجاء تقليد النيابة مجدّدا لعز الدين أيدمر.
وقال بيبرس: فكتم الأمير بدر الدين بيلبك الخزندار نائبه موته عن العساكر، وأظهر أنه مستمرّ المرض، ورتب حضور الأطباء وعمل الأدوية والأشربة على العادة، وحمل جسده إلى قلعة دمشق، فبقى فيها مصبّرا إلى أن بنيت له التربة المذكورة (٢)، ثم إن الأمير بدر الدين الخزندار رحل بالعساكر المنصورة [والخزائن مصونة موفورة، والأطلاب مرتبة منتظمة (٣)] والمحفّة محمولة فى الموكب [محترمة] (٤) كأنّ السلطان فيها مريض ولا يجسر أحد يتفّوه [٦٢٣] بموته، [إلا أن الظنون ترجمت، والأفكار فى أمره تقسمت، وغلّب الناس أمر وفاته على مرضه وحياته، ولم تزل الحال مرتبة فى النزول والترحال إلى أن وصلوا إلى القاهرة المحروسة، وحصلت الخزائن، والبيوتات والخيول والاسطبلات فى قلعة الجبل] (٥) فأشيع مماته، وأظهرت للناس وفاته، واستقرّ ولده الملك السعيد مكانه (٦).
стр. 634
وقال المؤيّد فى تاريخه: وفى سنة ستّ وسبعين يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم توفى السلطان الملك الظاهر بيبرس الصالحى بدمشق، وقت الزوال، عقيب وصوله من جهة بلاد الروم إلى دمشق، وقد ذكرنا أنه دخل دمشق فى اليوم الخامس (١) من محرّم هذه السنة، ومات فى السابع والعشرين منه، فتكون مدة إقامته بدمشق من بعد دخوله ثلاثة وعشرين يوما.
السّابع فى مدّة سلطنته:
قال بيبرس: مدة مملكته ثمانية (٢) عشرة سنة وشهرين [وعشرة أيام] (٣).
وقال النويرى: وكانت مدّة الملك الظاهر نحو سبع عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام لأنه ملك فى سابع عشر ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وتوفى السابع والعشرين من محرم سنة ست وسبعين وستمائة، وكذا قال المؤيد فى تاريخه.
الثّامن فى أولاده وما رثى به:
قال النويرىّ: وخلّف من الأولاد:
الملك السعيد ناصر الدين بركة خان، ونجم الدين أمير خضر، وبدر الدين سلامش، وثلاث بنات (٤).
وقال غيره: خلف من الأولاد عشرة، ثلاثة ذكور وهم المذكورون وسبع بنات (٥).
стр. 635
وما رثى به ما قاله محيى الدين بن عبد الظاهر يرثى به الملك الظاهر:
أبدا عليك تحيّة وسلام … يا قبر من فجعت به الإسلام (١)
يا تربة لولا الحياء من الحيا … أمسى سجال الدمع فيك سجام
يا دمع عينى مثل دمع سحابة … هيهات بين الدمعتين زحام
فسبقت كل سحابة هطّالة … يثى عليها مندل وبشام
تنهل منك نوال ساكنك الذى … من كفّه فوق السماح يسام
الظاهر السلطان من بمصابه … هدّ الهدى وتضعضع الإسلام
وغدت دمشق بقبره وحلوله … فيها نتيه على الوجود شام
[٦٢٤]
قبر به تتضاعف الأقسام من … بركاته وتوكّد الأقسام
قبر به تتوسّل الآمال فى … حاجاتها وتصرّف الأحكام
قبر الذى لو أنصفته قلوبنا … ما أصبحت لمسرّة تستام
قبر الذى قلع القلاع … سكّانها وله الحصون خيام
قبر الذى قهر التتار فأصبحوا … ولهم إذا ناح الحمام حمام (٢)
وقال بيبرس: قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر يرثيه أبياتا أوّلها:
ما مثل هذا الرزء قلب يحمل … كلا ولا صبر جميل يجمل
الله أكبر إنها لمصيبة … منها الرواسى خيفة تتقلقل