وسارت فى إثره وعدّت البحر ووصلت إلى الروم، فصادفتها كرسالية الفرنج فى البحر، فقطعوا عليها الطريق وأخذوا أموالها، وخرجت إلى ساحل صمصون (١)، ثم جاءت إلى أماسية، فصادفت بها زوجة سيف الدين طرنطاى، فأحسنت إليها وأنزلتها فى منزلها وأضافتها مدة شهر، وبلغ أبغا وصولها، فأمر بأن تحمل إلى الأردو مكّرمة، فلما وصلت إلى قريب الأردو خرجت الخواتين ونساء أبغا لتلقّيها، وسألها أبغا عما اتفق لها ومن من أهل الروم أكرمها أو خدمها، فأخبرته بإكرام كرجى خاتون زوجة طرنطاى لها وما عاملتها به من الخير، وكانت كرجى خاتون قد أعلمتها [٦٤١] بحال سنان الدين الرّومىّ ولدها وأنه معتقل بالديار المصريّة، وأنها تختار أن تتحيّل له فى الخلاص، وتخشى من أبغا أن تسيّر رسولا إلى مصر أو هدية أو غير ذلك، فأجرت أرباى خاتون الحديث مع أبغا، فأمر بأن يكتب مرسوم إلى صمغار نائبه فى الروم أن يقطع انطالية - باللام - لوالدة سنان الدين الرومىّ لتكون بها قريبة من ولدها، وأن يؤذن لها فى التحيّل على خلاصة بما تختاره من الرسل وغيرهم إما ظاهرا وإما سرّا، فتوجه الأمير سيف الدين طرنطاى وزوجته من أماسية إلى انطاليه وجهّزا رسولا وهدية إلى الديار المصريّة بسبب ولدهما، فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٢).
стр. 667
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثّامنة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*).
استهلت هذه السّنة، وأولها يوم الأحد والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ.
والسلطان الملك السعيد بن الملك الظاهر بدمشق، والعساكر الذين خامروا عليه الذين كانوا بالمرج، ثم رحلوا إلى الكسوة هناك، وقد اتفق فى هذه السنة أمور عجيبة من وقوع الخلف بين الممالك كلها، قد اختلفت التتار فيما بينهم واقتتلوا، فقتل منهم خلق كثير، واختلفت الفرنج الذين فى الساحل وقتل بعضهم بعضا، وكذلك الفرنج الذين هم فى البحر اختلفوا واقتتلوا، وافتتلت قبائل الأعراب بعضهم فى بعض قتالا شديدا، وكذلك وقع [الخلف] (١) بين العشير من الحوارنة بعضهم على بعض وقامت الحرب بينهم على ساق، وهكذا وقع الخلف بين الأمراء الظاهرية كما ذكرنا فى العام الماضى (٢).
ذكر وصول الأمراء إلى الديار المصرية:
وهم الذين خرجوا عن طاعة الملك السعيد، وصلوا إلى القاهرة فى ربيع الأول من هذه السنة، ونزلوا تحت الجبل الأحمر (٣)، فاتصل بالأمراء المقيمين فى
стр. 668
القلعة قدومهم، وكان بها الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحىّ أمير جاندار، والأمير علاء الدين أقطوان الساقى، والأمير سيف الدين بلبان الزريقىّ أستاذ الدار، فتقدموا إلى متولى القاهرة بغلق أبوابها فأغلقت، وبنى خلف [٦٤٢] أكثرها حيطانا.
فراسلهم الأمراء فى فتح أبواب المدينة ليدخل العسكر إلى بيوتهم ويبصروا أولادهم، فإنّ عهدهم بعد بهم.
فنزل الأمير عز الدين الأفرم والأمير علاء الدين أقطوان الساقى إلى الأمراء ليجتمعا بهم ويبصرا أحوالهم، فبادر سيف الدين كوندك بالقبض عليهما وعلى الحسام لاجين البركنجانى، فإنه حضر صحبتهما.
وأرسل الأمراء ففتحوا أبواب المدينة، ودخل الناس إلى بيوتهم بأثقالهم، وحمل هؤلاء الأمراء الثلاثة المقبوض عليهم إلى الدار السلطانية التى كانت سكن الأمير سيف الدين قلاون المعروفة بالأمير فخر الدين عثمان بن قزل، فعوّقوا بها، وأما الأمير سيف الدين الزريقىّ أستاذ الدار، فإنه استوثق من أبواب القلعة وأغلقها، فتقدّم الأمراء لحصارها (١).
ذكر أسماء الأمراء الأعيان الذين توافقوا على ذلك واجتمعوا هنالك:
الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى (٢).
стр. 669
الأمير سيف الدين أيتمش السّعدىّ.
الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار.
الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ.
الأمير بدر الدين بيليك الأيدمرىّ.
الأمير شمس الدين سنقر البكتوتى.
الأمير علم الدين سنجر طردج.
الأمير سيف الدين بلبان الحبيشىّ (١).
الأمير بدر الدين بكتاش النجمى.
الأمير علاء الدين كشتغدى الشمسىّ.
الأمير سيف الدين بلبان الهارونى:
الأمير بدر الدين بجكا العلائى.
الأمير ركن الدين بيبرس الرشيدىّ:
الأمير بدر الدين كندغدى الوزيرى.
الأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزورى.
الأمير سيف الدين أيتمش بن أطلس خان.
الأمير سيف الدين بيدغان الركنى.
الأمير بدر الدين بكتوت بن الأتابك.
الأمير علاء الدين كندغدى أمير مجلس.
стр. 670
الأمير سيف الدين بكتوت جرمك.
الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا.
الأمير سيف الدين كوندك.
الأمير عز الدين أيبك الحموىّ.
الأمير شمس الدين سنقر الألفىّ.
الأمير سيف الدين سنقرجاه الظاهرىّ.
الأمير سيف الدين شاطلمش.
الأمير سيف الدين قلنجق الظاهرى.
الأمير سيف [٦٤٣] الدين قجعار الحموىّ.
ومن سواهم من الامراء الصغار، ومقدّمى الحلقة، وأعيان المغاردة والبحريّة، وأحاطوا بالقلعة، ومنعوا عمن بها الماء والميرة (١)، وضيّقوا عليهم.
ذكر قدوم السلطان الملك السّعيد إلى الديار المصريّة:
ولما رأى الملك السعيد نفار الأمراء والعساكر عنه ومسيرهم نحو الديار المصريّة دونه جمع من كان بدمشق من بقايا العسكر المصرية ومن حوته من العساكر الشامية، واستدعى العربان ومن ينضمّ إليهم من الفرسان، وأنفق فيهم بدمشق، وخرج منها وسار إلى الديار المصريّة، فلما وصل إلى غزّة تسلّل أكثر
стр. 671
العربان وتفرقوا، فلما وصل إلى بلبيس لم يبق من العساكر إلا صبابة لا ترجى بها إصابة، ورأى أنه لا ينتفع بهم، فأعطى الشاميين منهم دستورا (١)، فعادوا من هناك صحبة الأمير عز الدين أيدمر الظاهرىّ نائب الشام (٢).
ولما وصل المذكور دمشق وحصل فيها اجتمع الأمير جمال الدين أقوش الشمسى والأمراء الذين بدمشق وقبضوا عليه، وأرسلوه إلى الديار المصرية مقيّدا.
وأما الملك السعيد فلم يبق فى صحبته إلاّ نفر يسير من مماليكه منهم: لاجين الزينى، ومغلطاى الدمشقىّ، ومغلطاى الجاكى، وسنقر التكريتى، وأيدغدى الحرانىّ، والبكى الساقى، وبكتوت الحمصىّ، وصلاح الدين يوسف بن بركنجان، وعلاء الدين على بن بركنجان، ومن يجرى مجراهم.
ومن الأمراء الكبار: شمس الدين سنقر الأشقر خاصة، ولما وصلوا إلى قرب المطريّة فارقه واعتزل عنه ولم يلّم بالأمراء؛ بل أقام فى مكان إلى أن كان منهم ما كان (٣).
وبلغ الأمراء رحيل السلطان من بلبيس وقيل لهم: إنه يجئ من خلف الجبل الأحمر، ويطلع القلعة، فركبوا وتوجهوا إلى الجبل الأحمر ليحولوا بينه وبين القلعة لئلا يستفرّ بها فتصير له منعة [و] (٤) تتسع عند العساكر السّمعة (٥).
стр. 672
وكان يوما قد ترادف سحابه؛ وتراكم ضبابه؛ وحجب وجه الشمس نقابه، فكان الإنسان لا يبصر رفيقه وهو يسايره، ولا ينظر زميله وهو يسامره، وكان ذلك لطفا من الله تعالى بالمسلمين وحقنا لدمائهم، فإنه لو تراءى الجمعان ووقع العيان على العيان لكان بينهم سفك دماء كثيرة (١).
فاستتر [٦٤٤] الملك السعيد عن العيون، ونجا من يد المنون، وطلع القلعة، ففتح له مماليكه الأبواب، فبلغ ذلك الأمراء، فشدّوا عليه الحصار، فوقع التشاجر بين الخاصكيّة والزريقىّ، وأسمعه لاجين الزينى غليظ الكلام، ولامه أعظم الملام، ونسبه إلى التقصير وسوء التدبير: فنوغر خاطره، وساءت ضمائره، وترك القلعة، ونزل إلى الأمراء مخامرا، وتسلّل بعده المماليك واحدا بعد واحد (٢).
وكان الأمير علم الدين سنجر الحلبى معتقلا بالقلعة، فأخرجه [السلطان] (٣) واستشاره فى أمره، فقال: أرى أن تعطينى هؤلاء المماليك الذين عندك، فأنزل بهم عليهم وأهجم عليهم وأفرق شملهم، فلم يوافقه على ذلك.
وتمادى الأمر أسبوعا وهو محصور، فأرسل إلى الأمراء مستعتبا فما اعتبوا، واستمرّوا على مضايقته، فقال لهم: أنا أعطيكم جميع الشام [ولا تنقضوا هذا النظام] (٤)،
стр. 673
فأبوا إلا خلع نفسه من السلطنة [والتخلى عن المملكة (١)]، فأرسل إلى الأمير سيف الدين قلاون، والأمير بدر الدين بيسرى يلتمس منهما الكرك، فأجابوه إلى سؤاله (٢)، وأنزلوه من القلعة على حاله، وحلفوا له أنهم لا يؤذونه فى نفسه، ولا يغيّرون عليه مغيّرا، وأحلفوه أنه لا يتطرّق إلى غير الكرك، ولا يكاتب أحدا من النواب، ولا يستميل [إلى جهته (٣)] أحدا من الجند، ولا من الأعراب، وسفّروه لوقته. (٤)
ذكر تسفير الملك السّعيد إلى الكرك:
ولما جرى ما ذكرنا نزل من القلعة (٥)، وسافر إلى الكرك صحبة الأمير سيف الدين بيدغان الركنى وجماعة يوصلونه إلى الكرك، فوصلها، وتسلمها من
стр. 674
النائب الذى هو بها وهو علاء الدين أيدكين الفخرى، وتسلّم ما بها من الأموال والذخائر والغلال.
وكان خروجه من المملكة فى [سابع] (١) شهر ربيع الأول من هذه السنة، أعنى سنة ثمان وسبعين وستمائة، وكانت مدة سلطنته من حين وفاة أبيه الملك الظاهر سنتين وشهرا وأياما (٢).
ذكر استقرار سيف الدين قلاون متحدّثا فى القلعة فى مصالح الناس:
ولما جرى ما ذكرنا طلع الأمير سيف الدين القلعة، ومعه الأمراء، وتصرف فى التدبير فى أمر المملكة من الأمر والنهى والأخذ والعطاء، ولم يسفك [٦٤٥] فى هذه الحركة إلا دم رجل واحد وهو سيف الدين بكتوت الحمصىّ فإنه كان بينه وبين الأمير شمس الدين سنقرجاه الظاهرى مشاجرة، فلما طلع مع الملك السعيد إلى القلعة يوم وصوله صادفه سنقرجاه، وكان من حزب الأمراء، فطعنه فى حلقه، فحمل إلى قبة القلندرية (٣)، فمات من يومه، ودفن بها، ولم يجر شيء سوى ذلك، ولم يغن عن الملك السعيد كثرة ماله وكثرة مماليك أبيه؛ بل كانوا وبالا عليه.
стр. 675
ذكر سلطنة الملك العادل بدر الدين سلامش بن الملك الظاهر بيبرس البندقدارى
ولما تم خلع السلطان الملك السعيد وإرساله إلى الكرك، عرضت السلطنة على الأمير سيف الدين قلاون، وقال له الأمراء الأكابر الذين ذكرناهم: أنت أولى بتدبيرها، وأحق بتقليد أمورها، فأبى وقال: أنا لم أخلع الملك السعيد شرها إلى السلطنة وحرصا على المملكة؛ لكن حفظا للنظام وأنفة لجيوش الإسلام أن يتقدم عليهم الأصاغر، [ويمتهنوا منهم الأعيان والأكابر (١)]، ويضيّعوا مصالح العسكر، والأولى أن لا يخرج الأمر من ذرية الملك الظاهر، فأقام الأمير بدر الدين سلامش المذكور وله من العمر سبع سنين وشهور، وأجلس فى السلطنة، وخطب له على المنابر فى الأمصار، [وذكر اسمه فى الأقطار (٢)]؛ وضربت السكة باسمه، وذلك فى شهر ربيع الأول (٣) من هذه السنة، واستقر الأمير سيف الدين قلاون الألفى فى الأتابكية، واستوزر الصاحب برهان الدين الخضر أبى الحسن السنجارى لمعرفته به وبأخيه بدر الدين قاضى القضاة من الأيام الصالحية، وذلك لأن الصاحب بهاء الدين على بن محمد كان قد توفى فى أوائل هذا العام والملك السعيد بالشام، وكانت وزارته له ولأبيه من قبله تقدير تسع عشرة سنة (٤).
стр. 676
ذكر تولية سنقر الأشقر فى نيابة دمشق:
وقد ذكرنا أن نائب الشام عز الدين أيدمر الظاهرىّ قد قبض عليه وحبس فى قلعة القاهرة، وكانت شاغرة من النائب، فنهض سيف الدين قلاون وولى الأمير سنقر الأشقر نائبا بها، وكان الذى يتولّى أمر دمشق إلى [٦٤٦] هذا الوقت بعد مسك نائبه المذكور الأمير أقوش الشمسى، فلما قدم النائب الجديد وهو سنقر الأشقر إلى دمشق (١) فوض إلى أقوش الشمسىّ نيابة السلطنة بحلب، فسار وتولاها، واستمرّ الحال على ذلك مدة يسيرة.
وقال ابن كثير: وعزل قضاة مصر الثلاثة: الشافعىّ والحنفىّ والمالكىّ، وولى القاضى صدر الدين عمر بن القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز، عوضا عن تقىّ الدين بن رزين، «وكأنهم إنما عزلوا لكونهم توقفوا فى قضيّة الملك السعيد، والله أعلم (٢)».
стр. 677
ذكر سلطنة الملك المنصور قلاون الألفى الصالحى
ولما حكم قلاون فى أتابكيتّه أحضر من كان من البحريّة الصالحية منسيّا، وقرّب من كان منهم مبعدا مقصيّا، فأعطاهم الإقطاعات، وأمّرهم بالطبلخانات، وأرسل بعضهم إلى الجهات الشاميّة، واستنابهم فى القلاع، وأحسن إليهم ما استطاع، ومنهم من عينّ له جامكيةّ، ومنهم من رتّب له جراية، وجازى المماليك الظاهريّة بسوء أفعالهم، وأذاقهم وبال أمرهم، وأمر وبالهم، وقبض على أعيانهم الذين سعوا فى تخريب بيت مخدومهم وبيوتهم، وأرسلهم إلى الثغور، فأودعوا السجون، ومع ذلك لم يقطع عنهم برّا، ثم أفرج عنهم واحدا بعد واحد على أحسن حال، وأعاد على بعضهم إمرته (١).
ولما أحكم تدبير الأمور، وأحسن سياسة الجمهور، اجتمع أكابر الأمراء وأماثل ذوى الآراء على أنه لا فائدة فى بقاء ذلك الصبى الصغير لانتشار السمعة فى البلاد (٢)، وامتهان الحرمة فى أنفس الحواضر والبواد، وأن الرأى جلوس المخدوم فى الدست استقلالا ليزداد الملك بهجة وجلالا.
стр. 678
فأجابهم بالاستبداد بالأمور، ولقب الملك المنصور، وخلع سلامش من السلطنة، فكانت مدته مائة يوم (١).
وجلس سيف الدين قلاون على تخت السلطنة فى الطالع الأسعد، والوقت الأحمد، يوم الأحد، وكان طالع جلوسه بالأسد الثانى والعشرين من رجب (٢) الفرد سنة ثمان وسبعين وستمائة، وخطب له على المنابر، وجاءت البيعة إلى دمشق فوافق [٦٤٧] الأمراء وحلفوا، ويذكر أن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر النائب لم يحلف مع الناس ولم يرض بما وقع، وكأنه داخله حسد من المنصور، وخطب للمنصور على المنابر المصّرية والشامية والحلبية، وضربت السكة باسمه، وجرت الأمور فى البلدان بمقتضى رأيه وحكمه، فعزل عن الوزارة برهان الدين السنجارى وولى مكانه مجد الدين (٣) بن لقمان كاتب السّر وصاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرّية.
стр. 679
قال بيبرس مملوكه: لما تولى سيف الدين قلاون السلطنة رفع قدر عتقائه وألزامه، وصيّرهم ولاة الأمور وقادة للعساكر، ونوابا (١) فى الممالك.
ذكر أسماء مماليكه الذين كانوا فى خدمته فى زمن الإمرة:
الأمير حسام الدين طرنطاى.
الأمير زين الدين كتبغا.
الأمير حسام الدين لاجين.
الأمير شمس الدين قراسنقر.
الأمير عز الدين أيبك الخزندار.
الأمير سيف الدين الطباخى.
الأمير علم الدين سنجر الشجاعى.
الأمير سيف الدين قطز.
الأمير ركن الدين الصيرفى.
الأمير علاء الدين أيدغدى الساقى.
الأمير علاء الدين علق.
الأمير عز الدين الجلدكى.
стр. 680
الأمير علم الدين سنجر المصرى.
الأمير علم الدين سنجر أرجواش.
الأمير سيف الدين طغريل المشرف.
الأمير سيف الدين قجقار.
«الأمير عز الدين أيبك الموصلى (١)».
الأمير بدر الدين بيليك الطيار.
الأمير سيف الدين تازى.
الأمير سيف الدين طيبغا الروسى.
الأمير سيف الدين كاوركا.
الأمير سيف الدين طاجار.
الأمير سيف الدين بليان الروسى.
الأمير عز الدين أيبك الطويل (٢).
الأمير جمال الدين أقوش برناق.
الأمير بدر الدين بكتوت البحلاق.
الأمير سيف الدين سلاّر.
الأمير بدر الدين بيدرا.
стр. 681
الأمير سيف قبجاق.
الأمير سيف الدين جاورشى.
الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة.
الأمير جمال الدين أقوش الأسدى.
الأمير علم الدين سنجر أمير آخور.
الأمير عز الدين أيدمر الزردكاش.
الأمير علاء الدين طيبرس.
علاء الدين الطبرس.
بدر الدين كيكلدى الشحنة.
بدر الدين بيليك الشحنة.
بيبرس الدوادار صاحب التاريخ (١).
فمنهم من ارتقى [٦٤٨] إلى المملكة وجلس على كرسىّ السلطنة، ومنهم من تولى النيابة بالممالك الشامية والحصون الإسلامية، ومنهم من تقدم إلى تقدمة الألوف (٢).
ومن أجناده أيضا وخدامه من ارتقى إلى الإمرة بالطبلخاناة وهم: الأمير عز الدين أيدمر الجناحى، والأمير سيف الدين ألدق (٣) الخوارزمى، والأمير
стр. 682
عز الدين الكورانى، والأمير علم الدين الأصبهانى، والأمير شمس الدين الدكز أمير آخور (١)، وعلاء الدين النقيب، والطواشى شهاب الدين مرشد.
وأما من حوت (٢) يده بعد السلطنة من المماليك المنصورية الذين اشتراهم بأنفس الاثمان، فإنهم انتهوا فى آخر دولته إلى ما ينيف على ستة آلاف مملوك أرباب إقطاعات، وأصحاب جامكيات، وأمراء طبلخانات (٣).
وافتتح دولته النيرة وأيّامه الزاهرة بما أصلح به دار الدنيا وعمر به دار الآخرة بإبطاله زكاة (٤) الدّولبة، وقد كانت أجحفت بالرعية، فأبطل حكمها، وعفّى رسمها، ورسم بأن يوضع ارتفاعها من وجوه الأملاك، وكتب بذلك إلى سائر الأعمال (٥).
ولما استقرّ فى السلطنة أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحىّ ورتبه فى نيابة السلطنة، فباشرها مدة يسيرة، ثم سأل الإعفاء منها فأعفاه ورتب الأمير حسام الدين طرنطاى مملوكه نائبا، وكان شهما شجاعا، ذا همة عالية، وكفاية كافية، وكان لا يحسن الخط ولا القراءة، لكن كان يستعين بذكائه،
стр. 683
فأحسن التدبير وحفظ النظام ومكّن الله مهابته فى قلوب الخاصة والعوام، وقام بأمر نيابة السلطنة أحسن قيام (١).
ذكر تجريد السلطان الملك المنصور الأمير بدر الدين بيليك الأيدمرىّ إلى الشوبك وصحبته عسكر من الديار المصريّة:
وذلك لأن الملك السعيد كان قد شرط السلطان عليه شروطا لما طلب الرواح إلى الكرك، منها: أنه لا يكاتب أحدا من النواب، ولا يستفسد أحدا من العساكر ومستحفظى القلاع، وأخذ عليه بذلك العهود والأيمان، فلما صار بالكرك لعب بعقله من كان معه من المماليك، وحسّنوا له [أن] (٢) يسيّرهم ليأخذوا الشوبك (٣) وبلاد الشام أولا فأولا، ثم بعد ذلك يقصدون الديار المصرية، فمال إلى موافقتهم، وحسنوا له أن يكاتب النواب ويراسلهم، ففعل ذلك، وبلغ الملك المنصور ذلك، فكاتبه وعذله، فلم يغن [٦٤٩] ذلك شيئا، وسيّر حسام الدين لاجين رأس نوبة الجمدارية إلى الشوبك، فأقام فيها وتغلّب عليها، ثم جرّد السلطان الأمير بدر الدين المذكور، فنزل عليها بمن معه وضايق أهلها، فتسلّمها فى العاشر من ذى القعدة من هذه السنة، ورتب فيها نائبا عز الدين الموصلى وعاد عنها (٤).
стр. 684
ذكر وفاة السّلطان الملك السّعيد ناصر الدين محمد (١) بركة خان أبى المعالى بن السلطان الملك الظاهر بيبرس الصالحى البندقدارىّ:
قد ذكرنا أن أباه بايع له الأمراء فى حياته، فلما توفى أبوه بويع له بالملك وله تسع عشرة سنة، ومشت الأمور فى أول الأمر على السعادة، ثم أنه غلبت عليه الخاصكية، فجعل يلعب معهم فى الميدان الأخضر فيما قيل أول هوى، فربما جاءت النوبة عليه، فأنكرت الأمراء الكبار ذلك، وأنفوا أن يكون ملكهم يلعب به الغلمان، فراسلوه ليرجع عن ذلك، فلم يقبل، فخلعوه كما ذكرنا، وولوا أخاه الملك العادل، ثم خلعوه كما ذكرنا، ثم ولوا الملك المنصور قلاون، وأرسلوا الملك السعيد إلى الكرك كما ذكرنا، ثم كانت وفاته بالكرك يوم الجمعة الحادى والعشرين من ذى القعدة من هذه السنة، وسبب ذلك أنه لعب بالأكرة فى ميدان الكرك، فتقنطر به فرسه ومرض أياما ومات، وحمل إلى دمشق، فدفن فى تربة أبيه الملك الظاهر، وعمل عزاه بمصر فى الثانى والعشرين من ذى القعدة.
وقال ابن كثير: ويقال إنه سمّ، والله أعلم، فدفن أولا عند قبر جعفر الطيار وأصحابه رضى الله عنهم بمؤته، ثم نقل إلى تربة أبيه سنة ثمانين وستمائة (٢).
وقال بيبرس: بقى مصبّرا فى تابوت مدة، ثم حمل إلى تربة أبيه (٣).
стр. 685
ذكر قيام نجم الدّين خضر مقام أخيه الملك السّعيد:
ولما مات الملك السعيد كان نائبه فى الكرك علاء الدين أيدغدى الحرانى الظاهرىّ، فاتفق هو ومن معه وأقاموا أخاه نجم الدين خضر مقامه، ولقبوه بالملك المسعود، وشرع المماليك الذى حوله فى سوء التدبير وفرط التقرير، فأنفقوا الأموال، واستخدموا على زعمهم الرجال طمعا فى استرجاع الفائت واستدراك الفارط. هيهات، وقد أراد الله تعالى نقض القواعد الظاهرية بإظهار الدولة المنصورية، وتوجه منهم جماعة إلى الصلت، فأخذوها وأرسلوا [٦٥٠] إلى صرخد، فلم يقدروا عليها، وكاتبوا شمس الدين سنقر وراسلوه فى الاتفاق، ودبّت بينهم عقارب النفاق، وكان سنقر الأشقر قد خرج عن الطاعة.
ذكر سلطنة سنقر الأشقر فى دمشق:
ولما كان يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذى القعدة (١) من هذه السنة ركب الأمير سنقر من دار السعادة بعد صلاة العصر، وبين يديه جماعة من الأمراء والجند مشاة، وقصد باب القلعة الذى يلى المدينة، فهجم منه ودخلها، واستدعى بالأمراء، فبايعهم له، وتسلطن وتلقب بالملك الكامل، وأقام بها، ونادت المنادية بدمشق بذلك، فلما أصبح يوم السبت استدعى بالقضاة والأعيان والعلماء ورؤساء البلد وأكابر الدولة إلى مسجد أبى الدرداء رضى الله عنه، فحلّفهم وحلف لهم، وحلف له أيضا بقية الأمراء والعسكر، وأرسل عسكرا إلى غزّة لحفظ الأطراف وأخذ الغلات.
стр. 686
وقال بيبرس: أوهم الأمير شمس الدين سنقر المذكور أمراء الشام وأكابرها أن السلطان الملك المنصور قد قتل على القمز، واستحلفهم لنفسه، معتقدين عدم السلطان، وركب بشعار السلطنة (١).
ولما تولى نيابة دمشق واستقر بها فى شهر جمادى الآخرة من هذه السنة شرع فى تسلّم القلاع من يد النواب الظاهرية، وترتيب النواب المنصوريّة، فسولت له نفسه الاستبداد بالسلطنة فى الشام وأعماله، وخطر هذا الأمر بباله، فعند ذلك جمع الأمراء وجرى منه ما ذكرناه الآن.
ذكر تجريد السلطان الملك المنصور الأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار إلى الشام وصحبته بعض العسكر لينازل الكرك على طريق الإرهاب:
فتوجّه فى آخر ذى الحجة من الديار المصريّة سالكا على طريق الكفرين ونمرين وأريحا، ولما بلغ ذلك شمس الدين سنقر الأشقر توهّم أنه واصل لحربه وأخذه، فكتب إليه كتابا ينهاه عن المسير ويثبّطه عن المصير مضمونه:
إننى مهدّت الشام، وفتحت القلاع، وبذلت فى خدمة السلطان ما لم يبذله أحد، وكان شرطى معه أن أكون حاكما من الفرات إلى العريش، فاستناب [٦٥١] أقوش الشمسى بحلب، وعلاء الدين الكبكى بصفد، وسيف الطباخى بحصن
стр. 687
الأكراد، وآخر الحال يسيّر إلىّ من يمسكنى، فلا تقطع العقبة، ولا تدن من البلاد، وإن غررت فقد عيّنا لك الضيافة، واتبع كتابه بتجريد يزك إلى أربد لحفظ الطريق (١).
فأرسل الأمير عز الدين الأفرم كتابه هذا إلى السلطان طىّ مطالعته، فكتب السلطان إلى شمس الدين سنقر الأشقر من جهته ومن جهة خوشداشيّته يقبّحون عليه هذا الفعل الذى يفرّق الكلمة، ويوهن الأمّة، وأرسل إليه الكتب صحبة البريد، ثم جهّز إليه الأمير سيف الدين بلبان الكريمى العلائى خوشداشه ليسترجعه عما هو عليه، فلم يسمع منه ولا أصغى إليه (٢).
وأما الأمير عز الدين الأفرم فإنه عند ورود كتاب سنقر الأشقر إليه رجع إلى غزة؛ إذ لم يكن معه جمع يقابل عسكر الشام، فلما وصلها وافى الأمير بدر الدين الأيدمرى عائدا من الشوبك بعد أخذها بمن معه من العسكر، فاجتمع كلاهما على غزة، فجمع سنقر الأشقر العساكر من حلب وحماة وحمص، واستدعى الكبكى من صفد، والعربان من البلاد، وجهّز من عسكر الشام جماعة وقدّم عليهم الأمير قراسنقر المعزّى، فساروا إلى غزّة، والتقوا مع الأميرين عز الدين الأفرم وبدر الدين الأيدمرى على غزة، فكانت الكسرة على العسكر الشامىّ، فاستظهر العسكر المصرىّ عليهم وأسروا منهم جماعة فيهم من الأعيان: بدر الدين كنجك الخوارزمى، وبهاء الدين يمك الناصرى، وناصر الدين باشقرد الناصرى،
стр. 688
وبدر الدين بيليك الحلبىّ، وعلم الدين سنجر البدرىّ، وسابق الدين سليمان (١) صاحب صهيون، وسيّروا إلى الأبواب السلطانيّة، فأحسن السلطان إليهم وخلع عليهم ولم يعنّفهم على ما جرى منهم (٢).
ولما عاد فلّ عسكر الشام إليه وأخبروه بمن أسر منهم شرع فى تجريد الإهتمام، واجتهد فى الإستخدام، وخرج بنفسه (٣)، وذلك كله فى السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرنا هذا المقدار فى هذه السنة ليتم الكلام على نسقه ولا ينقطع.
ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السنة:
منها: أن فتح الدين بن القيسرانىّ [٦٥٢] عزل عن الوزارة بدمشق ووليها تقى الدين التوبة (٤) التكريتى.
ومنها: أن الملك أبغا بن هلاون ملك قلعتى نايروان وأوشلوان (٥) من يد الكرج، وكانتا فى يد السلطان علاء الدين صاحب الروم، فلما استولت التتار على الممالك الروميّة وضعت الكرج أيديهم عليهما وعلى قلعة بابرت وأعمالها، فاسترجعهم أبغا وسلّمهم إلى النائب بالروم (٦).
стр. 689
ومنها: أن السلطان الملك المنصور رتّب علم الدين سنجر الشجاعى أحد مماليكه فى شدّ الدواوين، والحديث مع الوزير، واستخراج الأموال، فكوتب من الولاة بشادّ الدولة الشريفة (١).
стр. 690
ذكر من توفى فيها من الأعيان
عبد السلام (١) بن أحمد بن غانم بن على بن إبراهيم بن عساكر بن حسين، عز الدين أبو محمد الأنصارى المقدسىّ، الواعظ المطيق المغلق، الشاعر الفصيح الذى ينسج على منوال ابن الجوزى وأمثاله.
وقع من موضع مرتفع فتوجع قليلا، ومات يوم الأربعاء الثامن عشر من شوال من هذه السنة بالقاهرة، ودفن بمقابر باب النصر، ولم يبلغ خمسين سنة، وله تصانيف كثيرة منها: تفسير القرآن فى مجلّد، وتلبيس إبليس وغيرهما، وكان له قبول من الناس، وقد تكلم مرة تجاه الكعبة المعظمة وفى الحضرة الشيخ تاج الدين الفزارىّ والشيخ تقى الدين بن دقيق العيد وابن العجيل من اليمن وغيرهم من سادات العبّاد والعلماء، فأجادوا وأفادوا، وخطب فأبلغ، وأحسن نقل هذا المجلس بحروفه الشيخ شرف الدين الفزارى، وأنه كان سنة خمس وسبعين وستمائة.
الشيخ عمر (٢) بن مزاحم.
والشيخ أبو الفضل على (٣) بن رضوان العدوىّ.
стр. 691
وصاين الدين عبد الله (١) الخوارزمى أحد الصوفية بخانقاة سعيد السعداء.
والشيخ الكبير قدوة المشايخ الروز بهارىّ الكازرونى.
والشيخ الصالح مبارك الحبشىّ خادم الشيخ أبى السعود، ماتوا كلهم فى هذه السنة.
الأمير نور الدين على (٢) بن عمر (٣) بن مجلى الهكارىّ.
ولى نيابة السلطنة بحلب وأعمالها من سنة تسع وخمسين وستمائة إلى هذه السنة، وعزل عنها قبل موته بالأمير علاء الدين [٦٥٣] أيدغدى الكبكى، وتوفى بعد عزله بأيام قليلة فى هذه السنة بحلب ودفن بها، وكان حسن السيرة، كثير التواضع للعلماء والفقراء، وكان والده الأمير عز الدين من أكابر الأمراء بحلب.
الأمير جمال الدين أقوش (٤) الركنى المعروف بالبطاح.
أحد أمراء دمشق، كان مجردا مع العسكر فى سيس، فلما عاد مرض بحلب ومات بها، ونقل إلى حمص ودفن بمقبرة خالد بن الوليد رضى الله عنه.
стр. 692
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التّاسعة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*)
استهلّت هذه السنة أولها يوم الخميس ثالث أيّار، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ.
وسلطان الديار المصرية: الملك المنصور سيف الدين قلاون الألفى الصالحىّ، وبيده بعض بلاد الشام أيضا.
وأما دمشق وأعمالها فقد استحوذ عليها الملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر.
وصاحب الكرك: الملك المسعود نجم الدين خضر بن السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ.
وصاحب حماة: الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقى الدين محمود.
وفى صفد: علاء الدين الكبكى.
وفى حلب: أقوش الشمسى.
وصاحب بلاد الروم: السلطان غياث الدين بن السلطان ركن الدين قليج أرسلان، ولكن لا حكم له سوى الإسم، والحاكم عليها التتار.
стр. 693
وبلاد العراق، وخرسان، والجزيرة، والموصل، وأربل، وأذربيجان، وديار بكر، وأخلاط، وغيرها بأيدى التتار وكبيرهم أبغا بن هلاون.
وصاحب اليمن: الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن على بن رسول.
وصاحب مكة: الشريف نجم الدين بن أبى نمى الحسنى.
وصاحب المدينة: عز الدين جمّاز بن سالم الحسينى.
ففى مستهلّ هذه السنة ركب سنقر الأشقر الذى تسلطن فى دمشق وتلقب بالملك الكامل من القلعة إلى الميدان الأخضر، وبين يديه الأمراء ومقدّمو الحلقة رجّالة يحملون الغاشية وعليهم الخلع، والقضاة والأعيان راكبون بالخلع، فسيّر فى الميدان ساعة، ثم رجع إلى القلعة، وجاء إلى خدمته الأمير شرف الدين عيسى ابن مهنّا ملك العرب، فقبّل [٦٥٤] الأرض بين يديه، وجلس إلى جانبه وهو على السماط، وقام له الكامل، وكذلك جاء إلى خدمته ملك أعراب الحجاز، وأمر الكامل أن تضاف البلاد الحلبيّة إلى ولاية القاضى شمس الدين بن خلكان ﵀، وولاّه تدريس الأمينية (١) وانتزعها من يد نجم الدين بن سنىّ الدولة، فدرس بها ابن خلكان (٢).
стр. 694
ولما بلغ السلطان الملك المنصور ذلك أرسل إليه جيشا كثيفا على ما نذكره عن قريب، وقد ذكرنا فى السنة الماضية أن المنصور قد أرسل الأمير عز الدين الأفرم فى عسكر ليرهب بذلك الجماعة الذين بالكرك، وأن سنقر الأشقر أرسل أيضا طائفة من العسكر وتقاتلوا على غزّة، فانكسر عسكر الشام ورجعوا منهزمين إلى سنقر الأشقر، ثم أن سنقر الأشقر تجهّز وخرج بنفسه (١).
ذكر خروج شمس الدين سنقر الأشقر الملقب بالملك الكامل من دمشق بعسكره لقتال العسكر الذين خرجوا من مصر من عند السلطان الملك المنصور قلاون:
ولما تجهّز الكامل خرج من دمشق، ونزل بظاهرها، وكاتب الأمراء الذين بغزة يستميلهم إليه، وأعطى كلا منهم قلعة من القلاع، ووعدهم وعودا تمتدّ إلى مثلها الأطماع، وأنفق فى العسكر الذين معه.
وأما السلطان الملك المنصور فإنه جرّد من الديار المصريّة الأمير علم الدين سنجر الحلبى، والأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، ومعهما عسكر، فوصلا إلى غزّة واجتمعا بالأميرين اللذين بغزّة وهما الأمير عز الدين الأفرم والأمير بدر الدين الأيدمرىّ، وتكاثر العسكر وتعاضدوا، وسار الأمير علم الدين الحلبىّ بهم طالبا دمشق، فوصل إلى الكسوة ورتّب الأطلاب وتقدّم،
стр. 695
فوجد شمس الدين سنقر الأشقر فى عساكر الشام مطلّبا واقفا على الجسورة، فالتقى الجمعان والتحم القتال، فساق الأمير علم الدين الحلبى على سنقر الأشقر، فلما صدمه هزمه، فتوجه طالبا [طريق] (١) الرحبة ومعه شرف الدين عيسى بن مهنّى وكانت هذه الكسرة فى تاسع عشر صفر من هذه السنة.
ونزل الأمير علم الدين الحلبىّ [٦٥٥] ظاهر دمشق، وتسلمها، وأنزل الأمير علاء الدين كستغدى الشمسى فى قلعتها، وكان السلطان الملك المنصور لما فوض نيابة الشام إلى سنقر الأشقر فوض أيضا نيابة قلعة دمشق إلى حسام الدين لاجين السلحدار أحد مماليكه، فلما جلس سنقر الأشقر فى السلطنة قبض عليه واعتقله، واعتقل معه الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق، لأنه لم يحلف له فيمن حلف من عسكر الشام، فأفرج عنهما بعد كسرته، واستقر الأمير حسام الدين لاجين المنصورى نائب السلطنة بدمشق، وكتب الأمير علم الدين الحلبى إلى السلطان بالنصر، وأرسل إليه من حصل من الأمراء فى الأسر، فعاملهم السلطان بالعفو الجميل، وأعطاهم الحوائص الذهب، والخيول العربية، وتعابى القماش الملوكية حتى لقد حمدوا عاقبة نفاقهم لأنه كان سببا لصلة أرزاقهم، فكانوا كما قيل:
وسعت عواطفك الجناة بأسرهم … وأفلت كلاّ منهم عثراته
وجزيت مرتكب الإساءة منهم … الحسنى فأصبح شاكرا زّلاته
стр. 696
وأعاد من كان إقطاعه بدمشق إلى ما كان عليه، وعفا عفوا لم يسبقه أحد إليه (١).
وقال بيبرس فى تاريخه: أخبرنى من حضر هذه الوقعة أن سنقر الأشقر لما التقى مع علم الدين الحلبىّ دبّر حيلة أراد بها التمكّن والاستظهار، فاحترز الحلبىّ منها وأخذ الحذار لأنه كان قد مارس الخطوب وباشر الحروب وشهد المواقف وخاض المتالف، فلم تتم عليه الحيلة؛ ولا نشب فيما نصب خصمه من الأحبوله، وهى أنه قرّر مع العربان الذين جمعهم أن يقاطعوا ساعة الملتقى على العساكر المصرية ويجيئوهم من ورائهم ويحطوا أيديهم فى نهب الأثقال والغلمان والجمال ليثنوا إليهم عنانهم، فيركب أكتافهم، ففعل العرب ما أوصاهم وجاءوا من ورائهم وشرعوا فى النهب.
فقال له العسكر: إن العرب قد نهبت الأثقال والقماش والأحمال. فقال:
لا تلتفتوا إليهم ولا تعرّجوا عليهم، وشأنكم ومن قدامكم، فإنا إذا هزمناهم استرجعنا الذى [٦٥٦] لنا، وغنمنا الذى لهم، فأطاعوه وتقدموا، فاستظهروا وغنموا، وهذا تدبير ينبغى لمن يتقدّم على الجيوش أن يحكمه، ولمن يمارس الحروب أن يفهمه (٢).
وقال ابن كثير: ولما استقرّ ركاب علم الدين الحلبى فى دمشق بعد انتصاره على سنقر الأشقر جاء إليه قاضى القضاة شمس الدين بن خلّكان ليسلّم عليه، فقبض
стр. 697
عليه واعتقله فى الخانقاة النّجيبيّة، وكان ذلك فى يوم الخميس العشرين من صفر من هذه السنة، ورسم للقاضى نجم الدين بن سنىّ الدولة بالقضاء فباشره، ثم جاءت البريديّة ومعهم كتاب من الملك المنصور بالعفو عنهم كلهم (١)، فتضاعفت الأدعية للسلطان، وجاء تقليد النيابة بالشام للأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، فدخل معه علم الدين سنجر الحلبى إلى دار السعادة، ورسم الحلبى للقاضى شمس الدين بن خلكان أن يتحول من المدرسة العادلية الكبيرة ليسكنها قاضى القضاة نجم الدين بن سنىّ الدولة وألحّ عليه فى ذلك، فاستدعى جمالا لينقل أهله ونقله عليها إلى الصالحية، فجاء البريد بكتاب من السلطان فيه تقرير قاضى القضاة ابن خلكان على القضاء والعفو عنه وشكره والثناء عليه، وذكر خدمته المتقدّمة، و [معه] (٢) خلعة سنيّة [له] (٣)، فلبسها وصلى بها الجمعة، وسلّم على الأمراء فأكرموه وعظموه، وفرح الناس كلهم بما وقع من الصفح عنهم (٤) وأمنهم فى أوطانهم (٥).
ذكر ما جرى على سنقر الأشقر بعد انهزامه:
قد ذكرنا أنه لما انهزم توجه إلى الرحبة مع العرب، وتفرق عنه أصحابه، ومن كان معه، وتركوه، وتراجع أكثرهم إلى السلطان لما علموا أنه أغمد سيف الانتقام، وأنشأ سحب الحلم والإنعام، ورأى سنقر الأشقر نفسه وحيدا،
стр. 698
فطالب النائب بالرحبة بتسليمها إليه، فأبى وامتنع، وكان يسمّى الموفّق خضر الرحبى، فكاتب عند ذلك أبغا بن هلاون ملك التتار يعرّفه أن كلمة الإسلام قد تفرقت، وحلّة الإلتئام قد تمزقت، ويحثّه على المسير إلى البلاد [٦٥٧] الشاميّة ليتملكها، ويعده المناصرة عليها والمساعدة إذا جاء إليها، وكتب معه شرف الدين عيسى بن مهنّا ملك العرب بمثل ذلك، وجهّز إليه قصّادا، فكان ذلك باعثا على حضوره على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
فأرسل إليه السلطان شمس الدين سنقر الأشرفىّ يستميله، ويتلطّف به ليعود، ويسنى له الوعود، فأبى إلا الامتداد فى غلواء جهالته، والإشتداد فى ميدان ضلالته، وكان عند تغلبه على الشام قد كاتب النواب الذين بالقلاع، فمنهم من لم يطعه ومنهم من أطاع، فكان ممن أطاعه: صهيون، وبرزيه، وبلاطنس، والشغر، وبكاس، وحصن عكّار، وشيرز، وحمص، ولما ضاقت به رحاب الرحبة بقى حائرا فى أمره، وجرّد إليه السلطان جيشا صحبة الأمير حسام الدين بن أطلس خان، فبادر هو وعيسى بن مهنّا بالهرب إلى صهيون (١) وذلك فى جمادى الأولى من السنة المذكورة (٢)، فعاد ابن أطلس خان ومن معه (٣)، وقد كان بصهيون أولاد شمس الدين سنقر وحواصله.
стр. 699
وأما علم الدين سنجر الحلبى الذى دخل الشام بمن معه من الأمراء والعسكر بعد هروب شمس الدين سنقر الأشقر، فقد عادوا من الشام إلى الديار المصريّة، فشملتهم الخلع السلطانيّة والإنعام الجزيل.
ذكر تجريد السلطان عزّ الدين الأفرم لحصار شيزر وبها عزّ الدين كرجى:
ولما وصل إليها ونازلها واشتغل بحصارها جاءت الأخبار بوصول التتار على ثلاث فرق: فرقة من جهة الروم مقدمهم صمغار وينجى وطرنجى، وفرقة من الشرق مقدمهم بيدو بن طرغاى أخى أبغا بن هلاون وصحبته صاحب ماردين وصاحب آمد، والفرقة الثالثة وفيها معظم العسكر وشره المغول صحبة منكوتمر بن هلاون، وتواترت الأخبار بذلك وتداركت القصاد بقربهم من بلد الروم وأن صاحب سيس خرج إليهم من طريق الدّر بساك.
وكتب السلطان متواترة إلى سنقر الأشقر يستميله عن سوء رأيه، ويقبح عليه ما ظهر من غدره ومناصرته الكفر على الإسلام آخر عمره.
ولما تحقق الأمير عز الدين الأفرم مقاربة [٦٥٨] التتار الفرات رحل عن شيزر وكتب إلى سنقر الأشقر بمثل ما أشار به السلطان إليه من التعنيف والتخويف والترهيب والترغيب، فجنح إلى سلم الإسلام وأصاخ إلى التوبيخ والملام، ونزل من
стр. 700
صهيون إلى الجراص على عزم إنجاد المسلمين والرجوع إلى مظافرة الدين، وجفل عسكر حلب وحمص وحماة (١).
ذكر تجهيز السلطان للسّفر إلى الشّام:
ولما تواترت الأخبار لمجئ التتار، ومال سنقر الأشقر إلى الصلح والإنقياد والرجوع عما هو فيه، تأهّب السلطان الملك المنصور للسفر إلى جهة الشام، وفوض السلطنة لولىّ عهده ولده الملك الصالح علاء الدين علىّ (٢)، وذلك بعد أن جمع الأمراء الكبار، وعرض عليهم تفويض السلطنة إليه، والكل رضوا بذلك، وفرحوا على ذلك، واتفقت آراؤهم عليه، فعند ذلك ركب بشعار السلطنة (٣)، وشقّ المدينة، وطلع القلعة، وجلس على مرتبته، وكتب له تقليد شريف نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، [وبه أثق] (٤).
الحمد لله الذى شرّف [سرير] (٥) الملك بعليه، وحاطه منه بوصيّه، وعضد منصوره بولاية عهد مهديّه، وأسمى حاتم جوده بمكارم حازها بسبق عديّه، وأبهج
стр. 701
خير الآباء بخير (١) الأبناء بمن يسمو أبيه (٢) منه تشريف الخلق أبيّه، وغدّى روضه بمتابعة وسميّه ومسارعة وليّه، نحمده على نعمه التى جمعت إلى الزهر الثمر، وأضافت إلى نور الشمس هداية القمر، وداركت بالبحر وباركت فى النهر، وأجملت المبتدأ وأحسنت الخبر، وجمعت فى لذاذة الأوقات وطيبها بين رقّة (٣) الآصال ورقّة البكر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تلبس الألسنة منها فى كلّ ساعة جديدا، وتتفيّأ منها ظلاّ مديدا، ويستقرب منها من الآمال ما يراه سرابا (٤) بعيدا، ونصلى على سيدنا محمد الذى طهّر الله به هذه الأمة من الأدناس، وجعلها بهدايته زاكية الغراس، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فهم حسن استخلافه (٥) بالأمر له بالصلاة بالناس، ومنهم من بنى الله به قواعد الدين وجعله [٦٥٩] موطّد الأساس، ومنهم من جهّز العسرة وواسى بماله حين الضّراء والبأس، ومنهم من قال عنه ﷺ : «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله» فحسن الالتماس بذلك الاقتباس، وزاد فى شرفه بأن طهّر أهل بيته وأذهب عنهم الأرجاس، صلاة لا تزال تردد تردّد الأنفاس، ولا تبرح فى الإناء حسنة الإيناس.
стр. 702
وبعد: فإن خير من شرفت مراتب السلطنة بحلوله، وفوقت ملابس التحكيم لقبوله، ومن يزهى مطالع الملك بإشراقه، وتتبادر الممالك مذعنة لاستحقاقه، ومن يزدهى به ملك منصوره، نصره الله، موطده وولى عهده، مكنه الله بأبيه، ومن يتشّرف إيوان عظمة إن غاب والده فى مصلحة الإسلام، فهو صدره، وإن حضر فهو ثانيه، ومن يتحمل غاب الإيالة منه بخير شبل كفل ليثا، ويتكمل غوث الأمة بخير وابل خلف غيثا، ومن ألهم الأخلاق الملوكية وأوتى حكمها صبيّا، ومن خصّصته أدعية الأبّوة الشريفة بصالحها ولم يكن بدعائها شقيّا، ومن ترفّعت (١) به هضبة الملك حتى أمسى مكانها عليّا، ومن هو أحقّ بأن ينجب الأمل فيه وينجح، وأولى بأن يتلى له أخلفنى فى قومى وأصلح، ومن هو بكل خير ملىّ، ومن إذا فوّضت إليه أمور المسلمين كان أشرف من لأمورهم يلى، ومن يتحقق من والده الماضى الغرار ومن اسمه العالى المنار أن لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على.
ولما كان المقام العالى الولدى السلطانى الملكى الصالحىّ العلائى عضد الله به الدين، وجمع إذعان كل مؤمن على إيجاب طاعته لمباشرة أمور المسلمين، حتى يصبح وهو صالح المؤمنين، هو المرجوّ لتدبير هذه الأمور، والمأمول لمصالح البلاد والثغور، والمدّخر من النصر لشفاء ما فى الصدور، والذى تشهد الفراسة لأبيه وله بالتحكم أليس الحاكم أبو على هو المنصور، فلذلك اقتضت الرحمة والشفقة على الأمة أن ينصب لهم ولىّ عهد يتمسكون من الفضل بعروة كرمه، ويسعون
стр. 703
بعد التطواف بكعبة أبيه لحرمه، ويقتطفون أزاهر العدل [٦٦٠] وثمار الجود من قلمه وكلمه، وتستسعد الأمّة منه بالملك الصالح الذى تقسم الأنوار بجبينه وتقسم المبارّ من كراماته وكرمه.
فلذلك خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورىّ أخدمه الله القدر، ولا زالت الممالك تتباهى منه ومن ولىّ عهده بالشمس والقمر، أن يفوّض إليه ولاية العهد، وكفالة السلطنة الشريفة، ولاية تامّة عامّة شاملة كاملة جامعة وازعة قاطعة ساطعة شريفة منيفة عطوفة رءوفة لطيفة عفيفة فى سائر أقاليم (١) الممالك الشريفة، وعساكرها وجندها، وتركمانها وأكرادها، ونوابها وولاتها، وأكابرها وأصاغرها، ورعاياها ورعاتها، وحكامها وقضاتها وسارحها وسانحها، بالديار المصرية وثغورها وأقايمها وبلادها، وما احتوت عليه، والمملكة الحجازية وما احتوت عليه، ومملكة النوبة وما احتوت عليه، والفتوحات الصفديّة، والفتوحات الإسلاميّة الساحليّة وما احتوت عليه، والممالك الشاميّة وحصونها وقلاعها ومدنها وأقاليمها وبلادها، والمملكة الحمصيّة، [والمملكة الحصنية] (٢) الإكراديّة والجبلبّة وفتوحاتها، والمملكة الحلبيّة وثغورها وبلادها وما احتوت عليه، والمملكة الفراتيّة وما احتوت عليه، وسائر القلاع الإسلامية برّا وبحرا، سهلا ووعرا، شاما ومصرا، يمنا وحجازا، شرقا وغربا، بعدا وقربا، وأن يلقى إليه
стр. 704
مقاليد الأمور فى هذه الممالك الشريفة، وأن تستخلفه سلطنة والده - خلّد الله دولته - لمشاهد الأمّة منه فى وقت واحد سلطانا وخليفة، ولاية [و] (١) استخلافا، تسندهما الرّواة، وتترنّم بهما الحداة، وتعيهما الأسماع، وتنطق بهما الأفواه، وتفويضا يعلن لكافة الأمم، ولكل ربّ سيف وقلم، ولكل ذى علم وعلم، بما قاله ﷺ لسميّه، رضى الله عنه، حين أولاه من الفخار ما أولاه، من كنت مولاه، فعلىّ مولاه، فلا ملك إقليم إلا وهذا الخطاب يصله ويوصله، ولا زعيم جيش إلا وهذا التفويض يسعه ويشمله، ولا إقليم إلا وكل من به يقبله ويقبّله، ويتمثّل بين يديه ويمتثله، ولا منبر إلا وخطبته تتلو فرقان هذا [٦٦١] التقدّم وترتّله.
وأما الوصايا فقد لقّنا (٢) ولدنا وولىّ عهدنا منها ما انطبع فى صفاء ذهنه وسرت تغذيته فى نماء غصنه، ولا بدّ من لوامع وصايا للتبرك بها فى هذا التقليد الشريف تنير، وجوامع يصير الخبر بها حيث تصير، وودائع تنبئك بها يا ولدنا، أعزّنا الله ببقائك، ولا ينبئك مثل خبير.
فاتق الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وانصر الشرع فإنك إذا نصرته نصرك الله على عدا الدين وعداك، وأفض العدل مخاطبا وكاتبا حتى تستبق إلى الإيعاز به لسانك ويمناك، وامر بالمعروف وأنه عن المنكر عالما أنه ليس يخاطب
стр. 705
غدا بين يدى الله تعالى عن ذلك سوانا وسواك، وأنه نفسك عن الهوى حتى لا يراك حيث نهاك، وحط الرعيّة، ومر النواب بحملهم على القضايا المرعيّة، وأقم الحدود وجنّد الجنود، وأبعثها برّا وبحرا من الغزو إلى كلّ مقام محمود، واحفظ الثغور، ولاحظ الأمور، وازدد بالاسترشاد بآرائنا نورا على نور، وأمراء الإسلام الأكابر وزعماؤه، فهم بالجهاد والذبّ عن العباد أصفياء الله وأحبّاؤه، فضاعف لهم الحرمة والإحسان، واعلم أن الله قد اصطفانا على العالمين وإنّما القوم إخوان، لا سيّما أولى السعى الناجح، والرأى الراجح، ومن إذا فخروا بنسبة صالحيّة قيل لهم نعم السلف الصالح، فشاورهم فى الأمر، وحاورهم فى مهمات البلاد فى كل سرّ وجهر، وكذلك غيرهم من أكابر الأمراء الذين من بقايا الدول: وذخائر الملوك الأول، أجرهم هذا المجرى، واشرح لهم بالإحسان صدرا، وجيوش الإسلام هم البنان والبنيان (١) فوال إليهم الامتنان، واجعل محبتك فى قلوبهم بإحسانك إليهم حسنة المربّى، وطاعتك فى عقائدهم وقد شغفتها (٢) حبّا ليصبحوا لك بحسن نظرك إليهم طوعا، وليخصّك كل جنس من التقرّب إليك بالمناصحة نوعا، والبلاد وأهلها فهى وهم عندك الوديعة، فاجعل أوامرك بها بصيرة ومنهم سميعة، وأما غير ذلك من الوصايا فسنخلك منها بما نشأمعك توأما، ويلقّنك من آياتها محكما فمحكما، [٦٦٢] والله تعالى ينمى؟؟؟ هلالك حتى يوصله إلى درجة الإبدار، ويغدّى غصنك حتى تراه قد أينع بأحسن الأزهار وأينع الثمار، ويرزق سعادة سلطاننا الذى نعتّ به تبرّكا،