← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

خير الآباء بخير (١) الأبناء بمن يسمو أبيه (٢) منه تشريف الخلق أبيّه، وغدّى روضه بمتابعة وسميّه ومسارعة وليّه، نحمده على نعمه التى جمعت إلى الزهر الثمر، وأضافت إلى نور الشمس هداية القمر، وداركت بالبحر وباركت فى النهر، وأجملت المبتدأ وأحسنت الخبر، وجمعت فى لذاذة الأوقات وطيبها بين رقّة (٣) الآصال ورقّة البكر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تلبس الألسنة منها فى كلّ ساعة جديدا، وتتفيّأ منها ظلاّ مديدا، ويستقرب منها من الآمال ما يراه سرابا (٤) بعيدا، ونصلى على سيدنا محمد الذى طهّر الله به هذه الأمة من الأدناس، وجعلها بهدايته زاكية الغراس، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فهم حسن استخلافه (٥) بالأمر له بالصلاة بالناس، ومنهم من بنى الله به قواعد الدين وجعله [٦٥٩] موطّد الأساس، ومنهم من جهّز العسرة وواسى بماله حين الضّراء والبأس، ومنهم من قال عنه ﷺ : «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله» فحسن الالتماس بذلك الاقتباس، وزاد فى شرفه بأن طهّر أهل بيته وأذهب عنهم الأرجاس، صلاة لا تزال تردد تردّد الأنفاس، ولا تبرح فى الإناء حسنة الإيناس.

стр. 702

وبعد: فإن خير من شرفت مراتب السلطنة بحلوله، وفوقت ملابس التحكيم لقبوله، ومن يزهى مطالع الملك بإشراقه، وتتبادر الممالك مذعنة لاستحقاقه، ومن يزدهى به ملك منصوره، نصره الله، موطده وولى عهده، مكنه الله بأبيه، ومن يتشّرف إيوان عظمة إن غاب والده فى مصلحة الإسلام، فهو صدره، وإن حضر فهو ثانيه، ومن يتحمل غاب الإيالة منه بخير شبل كفل ليثا، ويتكمل غوث الأمة بخير وابل خلف غيثا، ومن ألهم الأخلاق الملوكية وأوتى حكمها صبيّا، ومن خصّصته أدعية الأبّوة الشريفة بصالحها ولم يكن بدعائها شقيّا، ومن ترفّعت (١) به هضبة الملك حتى أمسى مكانها عليّا، ومن هو أحقّ بأن ينجب الأمل فيه وينجح، وأولى بأن يتلى له أخلفنى فى قومى وأصلح، ومن هو بكل خير ملىّ، ومن إذا فوّضت إليه أمور المسلمين كان أشرف من لأمورهم يلى، ومن يتحقق من والده الماضى الغرار ومن اسمه العالى المنار أن لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على. ولما كان المقام العالى الولدى السلطانى الملكى الصالحىّ العلائى عضد الله به الدين، وجمع إذعان كل مؤمن على إيجاب طاعته لمباشرة أمور المسلمين، حتى يصبح وهو صالح المؤمنين، هو المرجوّ لتدبير هذه الأمور، والمأمول لمصالح البلاد والثغور، والمدّخر من النصر لشفاء ما فى الصدور، والذى تشهد الفراسة لأبيه وله بالتحكم أليس الحاكم أبو على هو المنصور، فلذلك اقتضت الرحمة والشفقة على الأمة أن ينصب لهم ولىّ عهد يتمسكون من الفضل بعروة كرمه، ويسعون

стр. 703

بعد التطواف بكعبة أبيه لحرمه، ويقتطفون أزاهر العدل [٦٦٠] وثمار الجود من قلمه وكلمه، وتستسعد الأمّة منه بالملك الصالح الذى تقسم الأنوار بجبينه وتقسم المبارّ من كراماته وكرمه. فلذلك خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورىّ أخدمه الله القدر، ولا زالت الممالك تتباهى منه ومن ولىّ عهده بالشمس والقمر، أن يفوّض إليه ولاية العهد، وكفالة السلطنة الشريفة، ولاية تامّة عامّة شاملة كاملة جامعة وازعة قاطعة ساطعة شريفة منيفة عطوفة رءوفة لطيفة عفيفة فى سائر أقاليم (١) الممالك الشريفة، وعساكرها وجندها، وتركمانها وأكرادها، ونوابها وولاتها، وأكابرها وأصاغرها، ورعاياها ورعاتها، وحكامها وقضاتها وسارحها وسانحها، بالديار المصرية وثغورها وأقايمها وبلادها، وما احتوت عليه، والمملكة الحجازية وما احتوت عليه، ومملكة النوبة وما احتوت عليه، والفتوحات الصفديّة، والفتوحات الإسلاميّة الساحليّة وما احتوت عليه، والممالك الشاميّة وحصونها وقلاعها ومدنها وأقاليمها وبلادها، والمملكة الحمصيّة، [والمملكة الحصنية] (٢) الإكراديّة والجبلبّة وفتوحاتها، والمملكة الحلبيّة وثغورها وبلادها وما احتوت عليه، والمملكة الفراتيّة وما احتوت عليه، وسائر القلاع الإسلامية برّا وبحرا، سهلا ووعرا، شاما ومصرا، يمنا وحجازا، شرقا وغربا، بعدا وقربا، وأن يلقى إليه

стр. 704

مقاليد الأمور فى هذه الممالك الشريفة، وأن تستخلفه سلطنة والده - خلّد الله دولته - لمشاهد الأمّة منه فى وقت واحد سلطانا وخليفة، ولاية [و] (١) استخلافا، تسندهما الرّواة، وتترنّم بهما الحداة، وتعيهما الأسماع، وتنطق بهما الأفواه، وتفويضا يعلن لكافة الأمم، ولكل ربّ سيف وقلم، ولكل ذى علم وعلم، بما قاله ﷺ لسميّه، رضى الله عنه، حين أولاه من الفخار ما أولاه، من كنت مولاه، فعلىّ مولاه، فلا ملك إقليم إلا وهذا الخطاب يصله ويوصله، ولا زعيم جيش إلا وهذا التفويض يسعه ويشمله، ولا إقليم إلا وكل من به يقبله ويقبّله، ويتمثّل بين يديه ويمتثله، ولا منبر إلا وخطبته تتلو فرقان هذا [٦٦١] التقدّم وترتّله. وأما الوصايا فقد لقّنا (٢) ولدنا وولىّ عهدنا منها ما انطبع فى صفاء ذهنه وسرت تغذيته فى نماء غصنه، ولا بدّ من لوامع وصايا للتبرك بها فى هذا التقليد الشريف تنير، وجوامع يصير الخبر بها حيث تصير، وودائع تنبئك بها يا ولدنا، أعزّنا الله ببقائك، ولا ينبئك مثل خبير. فاتق الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وانصر الشرع فإنك إذا نصرته نصرك الله على عدا الدين وعداك، وأفض العدل مخاطبا وكاتبا حتى تستبق إلى الإيعاز به لسانك ويمناك، وامر بالمعروف وأنه عن المنكر عالما أنه ليس يخاطب

стр. 705

غدا بين يدى الله تعالى عن ذلك سوانا وسواك، وأنه نفسك عن الهوى حتى لا يراك حيث نهاك، وحط الرعيّة، ومر النواب بحملهم على القضايا المرعيّة، وأقم الحدود وجنّد الجنود، وأبعثها برّا وبحرا من الغزو إلى كلّ مقام محمود، واحفظ الثغور، ولاحظ الأمور، وازدد بالاسترشاد بآرائنا نورا على نور، وأمراء الإسلام الأكابر وزعماؤه، فهم بالجهاد والذبّ عن العباد أصفياء الله وأحبّاؤه، فضاعف لهم الحرمة والإحسان، واعلم أن الله قد اصطفانا على العالمين وإنّما القوم إخوان، لا سيّما أولى السعى الناجح، والرأى الراجح، ومن إذا فخروا بنسبة صالحيّة قيل لهم نعم السلف الصالح، فشاورهم فى الأمر، وحاورهم فى مهمات البلاد فى كل سرّ وجهر، وكذلك غيرهم من أكابر الأمراء الذين من بقايا الدول: وذخائر الملوك الأول، أجرهم هذا المجرى، واشرح لهم بالإحسان صدرا، وجيوش الإسلام هم البنان والبنيان (١) فوال إليهم الامتنان، واجعل محبتك فى قلوبهم بإحسانك إليهم حسنة المربّى، وطاعتك فى عقائدهم وقد شغفتها (٢) حبّا ليصبحوا لك بحسن نظرك إليهم طوعا، وليخصّك كل جنس من التقرّب إليك بالمناصحة نوعا، والبلاد وأهلها فهى وهم عندك الوديعة، فاجعل أوامرك بها بصيرة ومنهم سميعة، وأما غير ذلك من الوصايا فسنخلك منها بما نشأمعك توأما، ويلقّنك من آياتها محكما فمحكما، [٦٦٢] والله تعالى ينمى؟؟؟ هلالك حتى يوصله إلى درجة الإبدار، ويغدّى غصنك حتى تراه قد أينع بأحسن الأزهار وأينع الثمار، ويرزق سعادة سلطاننا الذى نعتّ به تبرّكا،

стр. 706

ويلهمك الاعتضاد بشيعته والأستنان بسنته حتى تصبح لتمسّكنا بذلك متمسّكا، ويجعل الرعيّة بك فى أمن وأمان وعدل وإحسان حتى لا تخشى سوءا ولا تخاف دركا (١). وقرئ هذا التقليد فى الإيوان الكاملىّ بالقلعة، وأفيضت الخلع على الأمراء والمقدّمين والوزراء والمتعمّمين، وانقضى المجلس من قراءته والناس قد عجلوا بالدعاء الصالح للمنصور والصالح. ذكر توجّه السّلطان إلى الشّام وعوده من غزّة: ولما فرغ السلطان من هذا المهمّ أزمع التوجه من الديار المصريّة إلى البلاد الشامية، فخرج وصحبته العساكر الإسلامية قاصدا الشام لحماية الإسلام، ووصل إلى غزة فخيّم ظاهرها، وكان التتار قد وصلوا إلى عينتاب وبغراس والدر بساك، وتقدّموا إلى حلب، فوجدوها خالية من العسكر، وقد أجفل أهلها منها، فأحرقوا الجوامع والمساجد والدور والمنازل، وعاثوا وأفسدوا، وذلك فى العشر الأوسط من جمادى الآخرة من هذه السنة، فلما بلغهم وصول السلطان تفرقوا إلى مشاتيهم، فعاد السلطان إلى الديار المصريّة لاستحقاق ربيع الخيول وأمنه على الشام بانسداد الطرقات إليه بالثلوج والسّيول (٢).

стр. 707

وجرّد عسكرا صحبة الأمير بدر الدين بكتاش النجمى إلى حمص، وعسكرا صحبة الأمير علاء الدين البندقدار الصالحىّ إلى الساحل، لحفظ البلاد من الفرنج بحكم أنه لم يكن بعد قرّر معهم هدنة، فخشى أن يجدوا فى تلك الفترة الفرصة، فيحدثوا حدثا ويثيروا فتنة (١). ذكر توجّه السّلطان ثانيا إلى الشّام: خرج السلطان الملك المنصور من الديار المصريّة طالبا الشام ثانى مرة، وكان خروجه من القلعة فى مستهل ذى الحجة من هذه السنة، وخلف بها ولده الملك الصالح نور الدين علىّ، ورتّب الأمير علم الدين سنجر الشجاعى المنصورىّ فى استخراج الأموال وشدّ الدولة وغير ذلك من المهمّات بالديار المصرية، [٦٦٣] وخرجت هذه السنة والسلطان على الروحاء. ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السنة: منها: أن الأمراء الذين كانوا عند سنقر الأشقر قد تسللو قاصدين إلى الأبواب الشريفة، وكان الأمير عز الدين الأفرم بحماة، فلحقوا به، وهم: علاء الدين الكبكى، وعز الدين الكوجى، وبدر الدين بكتوت القطرى، وبقى معه علم الدين سنجر الدوادارىّ، والحاج عز الدين أزدمر، وبعض قوم من الظاهرية الذين كانوا مجرّدين بالقلاع التى انحازت إليه (٢).

стр. 708

ومنها: أن الفرنج الذين كانوا بحصن المرقب طمعوا فى البلاد، وذلك لما بلغهم هجوم التتار على البلاد، وانجفال العساكر من حلب، واعتمدوا على الفساد، وتطرقوا إلى أذّية المسلمين بأطراف تلك البلاد، فأرسل الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى، وهو حينئذ نائب السلطنة بحصن الأكراد وما معه يستأذن السلطان فى غزوهم لقرب المرقب إليهم واستطالته عليه، وهوّن على السلطان أمر من به من الخيالة وذكر له قلة من فيه من الرجاله، فأذن له فى ذلك، فسار ومعه الجيش من الحصون وأمراء التركمان ورجّاله تلك النواحى، واستصحب الجانيق والآلات، وتقدّم إلى أن وقف قريبا من الحصن، وهو حصن عالى المرام، لا يصله من أسفله السهام، وأخفى أهله أمرهم ولم يتحركوا فى فى مبدأ الحال، فازداد العسكر فيهم طمعا وإليهم تقدّما، فلما صاروا بحيث تبلغ إليهم السهام أرسلوا عليهم الجروخ فنالت منهم النصال، وأنكت فيهم النبال، فاضطرب من كان معه من الجنود، وتململ من كان صحبه من الحشود، فلما رأى اضطرابهم استشار بعض من عنده من الأمراء فى التأخّر شيئا يسيرا بحيث يمتنع وصول النشاب إليهم، ثم تأخر راجعا وثنى عنانه للرجعة مسارعا، والناس لا يعلمون أن ذلك التأخر برأى وتدبير، فظنوها الهزيمة، فولوا الأدبار وأسرعوا الفرار، ورأى الفرنج ما كان، ففتحوا أبواب الحصن وجاءوا من كل مكان، وتبادر الرجالة، وتبعهم الفرسان، ونالوا من المسلمين، وجرحوا منهم جماعة، ونهبو ما أمكنهم، وأسروا من الرجالة جماعة، وبلغ السلطان ذلك فأنكره وأكبره،

стр. 709

وأزمع حينئذ سفره ليتدارك هذه الأحوال، وينظر [٦٦٤] فى المصالح التى لا يسع فيها الإهمال (١)، وتوجّه إلى الشام ثانى مرة كما ذكرناه الآن. ومنها: أن الفرنج خافوا من السلطان لما خرج من مصر ونزل بالروحاء، وهى بالقرب من عكار، وراسلوه فى طلب تجديد الهدنة، فإنه كان قد انتهى أمد ما قبلها، وكانت الهدنة فى أوائل السنة الآتية فلنذكرها إن شاء الله. ومنها: أن فى جمادى الأولى أعيد برهان الدين السنجارى إلى وزارة الديار المصريّة، ورجع فخر الدين بن لقمان إلى كتابة الإنشاء على عادته. ومنها: أن آخر رمضان أعيد إلى القضاء تقى الدين بن رزين، وعزل صدر الدين بن بنت الأعز، وأعيد القاضى نفيس الدين شكر المالكى، ومعين الدين الحنفى، ورتب للحنابلة عز الدين الحنبلى. وفى ذى الحجة جاء تقليد ابن خلكان بإضافة المعاملة الحلبيّة إليه يستنيب من يشاء فيها من نوابه. ومنها: أن فى ذى الحجة يوم عرفة وقع ببلاد مصر برد كبار أتلفت شيئا كثيرا من الغلات، ووقعت صاعقة فى الأسكندريّة وأخرى فى يومها تحت الجبل الأحمر على حجر فأحرقته، فأخذ ذلك الحجر وسبك فخرج منه الحديد أواقى بالرطل المصرى (٢).

стр. 710

ومنها: أن يعقوب المرينىّ عزم على قصد ابن عبد الواد بتلمسان، فحشد يغمر بن عبد الواحد جماعة من مغراوة وغيرها، والتقيا على مدينة تسمّى وجدة، فاستظهر بنو مرين على بنى عبد الواد وقتلوا ونهبوا وسبوا ما أرادوا من عيالاتهم وأموالهم، ومنّوا عليهم، وأطلقوا عيالهم، وعادوا بالأموال والمواشى إلى بلادهم. ومنها: أن المرينى استقر بمدينة سلا وهى على البحر فى وسط البلاد مسافتها من مراكش ستة أيام ومن فاس ثلاثة أيام. وفيها: « ...... » (١). وفيها: حج بالناس « ...... » (٢).

стр. 711

ذكر من توفى فيها من الأعيان عز الدين أبو بكر (١) بن محمد بن إبراهيم الإربلى. توفى فى هذه السنة بدمشق فى الثالث عشر من ذى القعدة ودفن بمقابر الصوفية، وكان أديبا مطبقا مقتدرا على عمل الألغاز، ومن نظمه: الألفيّة فى الألغاز المخفيّة، وهى ألف لغز فى ألف اسم. شمس الدين محمد بن أيوب بن أبى رحلة الحمصى [٦٦٥] مولدا وسكنا، البعلبكى وفاة. كان يستحضر الأشياء الحسنة، والأشعار اللطيفة. الشيخ الصالح داود (٢) بن حاتم بن عمر الحبّال. كان حنبلىّ المذهب، له كرامات وأحوال صالحة، ومكاشفات صادقة، وأصل آبائه من حرّان، وكانت إقامته ببعلبك، وبها توفى عن ستة وتسعين سنة. الشيخ الصالح على (٣) المعمر المعروف بطير الجنة. توفى فيها، ودفن بسفح المقطم بتربة سنقر الأشقر.

стр. 712

الجزّار (١) الشاعر الماجن المعروف بالجزار. مدح الملوك والأمراء والوزراء والكبراء، وكان ماجنا ظريفا حلو المحاضرة، سمع الحديث، وكان مولده فى حدود ستمائة بعدها بسنة أو سنتين، وتوفى يوم الثلاثاء ثانى عشر شوال من هذه السنة، ودفن بالقرافة. قال: وقد تزوج أبوه بعجوز: تزوج الشيخ أبى شيخة … ليس لها عقل ولا ذهن كأنها فى فرشها رمّة … وشعرها من حولها قطن وقائل قال لى كم سنّها … فقلت ما فى فمها سنّ (٢) لو سفرت (٣) … غرّتها فى الدجى ما جسرت تبصرها الجنّ الأمير الكبير جمال الدين أقوش (٤) الشمسى. أحد أمراء الإسلام، وهو الذى باشر قتل كتبغا نوين مقدّم التتار يوم عين جالوت، وهو الذى أمسك عز الدين أيدمر الظاهرى، وقد ناب فى حلب

стр. 713

فى السنة الماضية، وتوفى فى حلب فى خامس المحرم من هذه السنة، وتولى عوضه فى حلب علم الدين سنجر (١) الباشقردى. الأمير (٢) على بن عمر الطورى. كان من أبطال المسلمين وشجعانهم، وله صيت عظيم عند الفرنج، وتنقل فى الولايات الجليلة فى عدة جهات من بلاد الشام، توفى فى هذه السنة بجبل الصالحيّة ظاهر دمشق، ودفن بسفحه، وقد نيّف على تسعين سنة. الأمير سيف الدين أبو بكر (٣) بن أسبا سالار والى مصر. ولى مصر عدّة سنين وكان سمينا عظيما، مات فى ربيع الآخر (٤) من هذه السنة، ودفن بتربته فى القرافة، وكان خيرا فى أموره يشكره الناس.

стр. 714

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثمانين بعد السّتمائة (¬*). استهلت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان الديار [٦٦٦] المصريّة والشاميّة: الملك المنصور قلاون الألفى الصالحى، وهو على الروحاء (١) بالقرب من عكا. ونائب دمشق: الأمير حسام الدين لاجين المنصورى. ونائب حلب: الأمير علم الدين سنجر الباشقردى. وفى عاشر المحرم انعقدت الهدنة بين أهل عكا وبين السلطان وهو على الروحاء. وفى تاريخ بيبرس: جاءت رسل الإفرنج إلى أبواب السلطان، وهو على الروحاء، يسألونه تقرير الهدنة، والزيادة على الهدنة الظاهرية، والصلح لأهل المرقب، ولم يزالوا يترددون إلى أن تقرر الحال على أن يكون لهم مناصفة الربض وبلنياس، على أن يردّوا كل من عندهم من أسرى المسلمين الذين أخذوهم فى الفسخ، وكانوا جماعة كثيرة، وتقرّرت الهدنة فى المحرم من هذه السنة، وحلف السلطان لهم ونودى بالصلح، وسير الأمير فخر الدين إياز المقرئ أمير حاجب ليحلف

стр. 715

الفرنج ومقدّم بيت الاسبتار واسمه افربرتنكول لكورن (١)، فحلف على ما انعقد عليه الصلح (٢). ذكر حادثة سيف الدّين كوندك ومن معه: وبلغ السلطان (٣) وهو على الروحاء أن سيف الدين كوندك، وجماعة من الأمراء الظاهريّة، قد أزمعوا الغدر به والوثوب عليه، فأحضرهم إليه وعنّفهم، [وعتبهم] (٤) واتفق وصول كتب من عكّا بالفرنجى من جهة من كان له فيها من الناصحين، مضمونها أن تحترز على نقسك، فإن عندك جماعة من الأمراء قد اتفقوا عليك ليقتلوك، وقد كاتبوا الفرنج وقالوا لهم: لا تصالحوه ولو أعطاكم ما أعطاكم، فقد طبخنا له القدر [وغلت] (٥)، وما بقى الأمر يبطئ. فلما بلغه هذا الخبر، عزم على العمل بالحزم، والأمر بالجزم (٦). وأحسّ الأمراء المذكورون بذلك، فاضطربوا، وعزموا على أن يركبوا (٧) فى الليل،

стр. 716

ويأتون إلى الدهليز باتفاق بينهم وبين بعض الظاهرية الجوّانية (١)، فإذا قربوا من الدهليز يقطعون أطنابه (٢)، ويفعلون ما اتفقوا عليه، فإن ظفروا بإبل، وإلا ركبوا حميّة واحدة، وطلبوا جهة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر. فنقل الخبر إلى السلطان، فسيّر إلى طرقات الشام بأن تحفظ عليهم المسالك من غير أن يعلموا، ورتب حول الدهليز جماعة من البحريّة الصالحيّة، واتفق مع الأمراء الكبار (٣) على التحرز إلى أن يحصل الدخول إلى دمشق والتمكن منهم وفعل [٦٦٧] ما يجب فعله. ثم رحل السلطان من الروحاء ونزل اللّجون، فجاءه الخبر بأنّهم أحسّوا بتيقظه، وكان بينه وبينهم نهر الشريعة، ومتى قطعت لا يلحق هاربهم ولا يدركهم طالبهم، وربّما توجه بعضهم إلى الكرك، وبعضهم إلى سنقر الأشقر، فركب من اللجون طالبا حمراء (٤) بيسان، وساق بينهم يومه ذلك يطارحهم الحديث، ويلاطفهم ويخادعهم إلى أن وصل الحمراء فلم يشعروا (٥) إلاّ وهم قبالة الدهليز، فرسم بأن ينزلوا ليشربوا سويقا، فإنه كان يوما شديد الحرّ، فنزلوا وشربوا السويق، فدعا كوندك، وأيدغمش الحكيمى، وبيبرس الرشيدى، وساطلمش السلحدار

стр. 717

الظاهرى وقال لهم: أنتم تعلمون أننى ما طلبت الملك ولا قصدته، ولا رغبت فيه، وإنما أنتم لما خامرتم على ابن أستاذكم وخرجتم إلىّ وأنا داخل من سيس، وأمسكتم ذيلى وقلتم: يطلب حبسك (١)، فسيّرت أشفع فيكم، فلم يقبل شفاعتى، فوافقت هواكم وسبلت روحى وأولادى ومالى لأجلكم، وعلم الله نيتى، فأعطانى ما أعطانى، فأحسنت إليكم وزدتكم، وبذلت لكم الأموال، وآخر الأمر تكاتبون الفرنج على قتلى؟ فقالوا: أخطأنا، وقد فعلنا كما بلغ السلطان عنا. فقال يا أمراء: اعلموا بما أقروا به، وأمر بإمساكهم فى وسط الخيمة، فأمسكوا وسيروا إلى الخيم، فأمسك كلّ من كان موافقا لهم من البرانييّن (٢) والمماليك الجوانيين وكانوا ثلاثة وثلاثين [نفرا] (٣)، وخاف جماعة، فهربوا: فساق العسكر خلفهم، فأحضروا بعضهم من جبال بعلبك، وبعضهم من ناحية صرخد. ولم يستقرّ السلطان بحمراء بيسان غير تلك الليلة وعبر الشريعة. وأما كوندك، وأيدغمش الحكيمى، وبيبرس الرشيدى، وساطلمش الظاهرى، فإنهم أعدموا، وأما باقى الممسوكين اعتقلوا بقلعة دمشق، وهرب الأمير سيف الدين أيتمش السعدى، وسيف الدين بلبان الهارونى، وسيف الدين كراى

стр. 718

وأولاده، وجماعة من البحرية الظاهريّة والتتار الوافديّة، فإنهم توجهوا إلى صهيون ولحقوا بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وجرّد السلطان خلفهم عسكرا صحبة الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح [٦٦٨] والأمير ركن الدين بيبرس طقصو، فلم يدركوهم. ورحل السلطان إلى دمشق، فتلقته العساكر الشاميّة، «وكان دخوله دمشق فى التاسع عشر من المحرّم، فطلع القلعة ونزل بها (١)»، وقد زينت له البلد، وشرع فى استجلاب القلوب، والتجاوز عن الذنوب، وأخرج الخزائن، وأنفق فى العساكر، وأخذ بإحسان الخواطر، فسكن إليه كل نافر «وداعر» (٢). ذكر ماجريّات السّلطان الملك المنصور فى دمشق: منها: أنه فى اليوم التاسع والعشرين (٣) من المحرم عزل القاضى شمس الدين ابن خلكان، وولى عز الدين بن الصايغ. ومنها: أن السلطان فى أول شهر صفر ولّى نجم الدين بن الشيخ بن أبى عمر قضاء الحنابلة، وقد كان المنصب شاغرا منذ عزل والده نفسه عن القضاء. ومنها: أنه ولى قضاء حلب فى هذا الشهر تاج الدين محيى بن محمد ابن إسماعيل الكردى.

стр. 719

ومنها: أنه جلس بدار العدل فى هذا الشهر، فحكم وأنصف المظلوم من الظالم، وقدم عليه صاحب حماة، فتلقاه السلطان بنفسه، فى موكبه ونزل بداره داخل باب الفراديس. ومنها: أن السلطان جرد الأمير عز الدين الأفرم فى عسكر، وبعده علاء الدين كشتغدى الشمسى بعسكر آخر، فتوجهوا إلى جهة (١) شيزر، على أنهم يعملون عملا، ويؤثرون (٢) أثرا، فحصل الوخم، وتمرّض الأمير عز الدين الأفرم، ومات من الأمراء المستعوبى فى تلك السفرة. وتردّدت الرسائل بين السلطان وبين الأمير شمس الدين سنقر الأشقر (٣)، وطلب منه تسليم شيزر، وطلب هو عوضها (٤) الشغر وبكاس، وكانت قد أخذت منه من مدة، ورتب السلطان سيف الدين بلبان الطباخى (٥) نائبا فيها، وطلب معها كفر طاب وبلادها، فأجيب إلى ذلك، وأجاب إلى تسليم شيزر، وتقرر أن يقيم على هذه البلاد ستمائة فارس (٦) لنصرة الإسلام، وأن الأمراء الذين هربوا إليه إن أقاموا

стр. 720

عنده يكونون من أمرائه، وإن حضروا إلى السلطان يكونون آمنين ولهم الإحسان ولا يؤاخذون، وحضر من عند الأمير علم الدين الدويدارى بنسخة يمين على ما تقرر، فحلف له السلطان عليها، وسأله سنقر الأشقر أن يلقبه بلفظة الملك، فامتنع وكتب له [٦٦٩] تقليد بالبلاد (١) ونعت فيه بالأمير. وسيّر السلطان الأمير فخر الدين المقرئ، والأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصورى إليه، فحلّفاه وسلّم شيزر وتسلم الشغر وبكاس، وسيّر إليه السلطان من الأوانى والأقمشة والأنعام شيئا كثيرا، وانتظم الإتفاق وانقطع الشقاق (٢). ومنها: وقوع الصلح مع الملك المسعود بن الملك الظاهر مع السلطان الملك المنصور، وذلك أنه ترددت رسل الملك المسعود من الكرك يطلبون الصلح وزيادة على الكرك، وأن يكون لهم ما كان بيد الملك الناصر داود بن الملك المعظم بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، فلم يجبه السلطان إلى ذلك ولا إلى الإقامة فى الكرك، بل قال لهم فى جواب كل رسالة: أنا أعطيكم قلعة غير الكرك، فلما تقرّر الصلح مع سنقر الأشقر خافوا الغائلة، وعلموا أنهم لا طاقة لهم بالمقاومة، وكانوا قد تقسمت آراؤهم، وقطعت أطرافهم، وتقاصرت بهم الأحوال والأموال، فأجابوا إلى طاعة السلطان على أنه يبقيهم فى الكرك وأعمالها من الموجب إلى الحسا، فأجابهم السلطان وحلف لهم، والتمسوا شروطا منها: تجهيز الأخوة الذكور

стр. 721

والبنات أولاد الملك الظاهر من القاهرة إلى الكرك، ورد الأملاك الظاهرية عليهم، وتمّ الصلح على ذلك وحلف السلطان عليه، وتوجّه بدر الدين بيليك المحسنى السلحدار والقاضى تاج الدين بن الأثير (١) إلى الكرك وحلّفا الملك المسعود، وكوتب كما يكاتب صاحب حماة، واستقر الحال (٢). ومنها: أن فى العشر الأول من ربيع الأول ضمن الخمر والزنا بدمشق، وجعل ديوان ومشدّ، فقام جماعة من العلماء والعبّاد فى ذلك، فأبطل بعد عشرين يوما، وأريقت الخمور، وأقيمت الحدود. ومنها: أن فى أواخر ربيع الآخر عزل التقى توبة التكريتى عن الوزارة بدمشق، وباشر بعده تاج الدين الشهرزورى. ومنها: أن السلطان عزل برهان الدين السنجارىّ عن الوزارة بمصر وصودر وأهين. ذكر وصول التتار إلى البلاد ومهاجمتهم: وفى هذه السنة وردت الأخبار [٦٧٠] على السلطان بدخول منكوتمر إلى الروم فى عساكر المغول، وأنه قد نزل بين قيسارية وأبلستين، فأقام (٣) بهذه المنزلة

стр. 722

والأخبار تتواتر بذلك، والكشافة تغدو وتروح، ولا سرّ لهم ينكشف ولا يبوح، ثم توجّه كشافة من عينتاب للكشف، فوقعوا بفرقة من التتار قريب صحراء هونى، التى كسر الملك الظاهر التتار عليها، فظفروا منهم بشخص يسمّى جلتار بهادر أمير آخور أبغا، كان قد توجّه لكشف المروج والمراعى، فضربوه ضربة سيف فى أذنه، وأمسكوه، وأحضروه إلى السلطان إلى مدينة دمشق، فوانسه وسايسه، وسأله عن أخبار القوم، فذكر أنهم فى عدد عظيم يزيد على ثمانين ألف فارس من المغول والحشود، وأنهم يقصدون البلاد قولا جزما، ويركبون من منزلتهم فى أول شهر رجب، فسمع السلطان كلامه، وحمل إلى مصر هو ومن أسر معه. فلما كان فى شهر جمادى الآخرة من هذه السنة قوى الخبر وزاد، وتنقلوا من منزلتهم إلى صاروس، ومنها إلى أبلستين، ورحلوا إلى أن دخلوا الدربند وهم يسيرون الهوينا، ثم توجهت منهم إلى الرحبة فرقة صحبة أبغا الملك بنفسه وصاحب ماردين، فنازلوها، وسيّر (١) السلطان بدر الدين بجكا العلائى ومعه مائتا فارس جرائد إلى جهة الرحبة كشّافة، وخرج السلطان من دمشق فى جموع، وعدد وحشود، وكان يوما مشهودا، والخلائق كأنهم قد جمعوا فى صعيد، وحشروا اليوم الوليد الوعيد (٢).

стр. 723

وكان قد قدم قبل خروجه الأمراء ومع كلّ أمير جماعة، فكان الأمير سيف الدين قشتمر العجمى على حمص، والأمير سيف الدين بكتمر الغتمى بحلب، ثم ورد الخبر بأن فرقة العدوّ التى جاءت من جهة الروم قد نزلت مرعش، وتقدمت إلى صوب حارم، فقدّم دهليز السلطان إلى القطيفة، ومنها إلى عيون القصب، ووصل العدوّ المخذول إلى حارم وملكوا البلاد. فأمر السلطان الناس بأن يلبسوا فى كل يوم عدد الحرب، ويركبوا ويصطفوا صفوفا، ويتشالشوا ليتمّرنوا على الحرب، وراسل سنقر الأشقر عدّة مراسلات حتى تقرّر أنه ينزل من صهيون [٦٧١] ويقف حيث يقف المسلمون هو ومن عنده من الأمراء بشريطة عوده إلى مكانه إذا انقضى المصاف، وتوجّه إليه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى العزيزىّ، والأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ فى تقرير هذه القواعد، فنزل وأقام على الجراض قريبا من أبى قبيس. ولما نزل السلطان بحمص حضر شمس الدين سنقر الأشقر، ومن عنده من الأمراء وهم: أيتمش السعدىّ، والحاج أزدمر الدويدارى، وبيجق البغدادىّ، وكراى، وشمس الدين الطنطاش، وابنه، ومن معهم من الظاهريّة مبادرين إلى الخدمة، ففرح المسلمون بمحضرهم، وكان ذلك قبل المصاف بيومين. وضرب السلطان دهليز الحرب الأحمر، ثم ورد إليه الخبر بأن منكوتمر قد نزل بحماة، ومعه عساكر التتار فى ثمانين ألفا، منهم: خمسون ألفا من المغول وباقيهم مرتدّه وكرج وروم وأرمن وفرنج، وأنه قد قفز إليهم مملوك من

стр. 724

مماليك الأمير ركن الدين بيبرس (١) العجمى الجالق، فدلهم على عورات المسلمين، وأخبرهم بعددهم. ولما كان ليلة الخميس رحلوا عن حماة، ورتبوا جيوشهم، وكان طرف ميمنتهم حماة، وطرف ميسرتهم سلميّة، وساقوا طالبين اللّقاء؛ فرتب السلطان الجيش ميمنة وميسرة وقلّبا وجناحين على ما نصفه، وبات المسلمون على ظهر لابسين لا مات الحروب، مدرّعين هم وخيولهم. واتفق أن شخصا من عسكر التتار قفز ودخل إلى حماة، وقال للنائب بها: اكتب الساعة إلى السلطان على جناح الحمام، وعرفه أن القوم ثمانون ألف مقاتل تحت القلب، منها أربعة وأربعون ألفا مغلا، وهم طالبون القلب، والميمنة التى لهم قويّة جدّا، فيقوّى ميسرة المسلمين ويحترزون على السناجق، فقرأ السلطان الكتاب وركب عند إسفار الصبح لتقوية الميسرة واعتماد ما يراه من الصلاح (٢). ذكر الوقعة مع التتار على حمص: فى يوم الخميس رابع عشر شهر رجب الفرد، سنة ثمانين وستمائة. ولما ركب السلطان بكرة النهار لترتيب الأطلاب ساق بنفسه على الجيوش

стр. 725

وطيّب خواطرهم، وقوّى عزائمهم، وحضّهم على الثبوت، وحسن الصبر، ورجع إلى [٦٧٢] موقفه من القلب متوكّلا على الرب بجأش أثبت من الجبال الشمّ، وجنان أصلد من الرواسى الصمّ، وكان التطليب على هذا الترتيب. الميمنة المنصورة المنصوريّة: فبها: الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة والعسكر الحموىّ، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسىّ، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيرىّ [الحاج] (١)، والأمير عز الدين ايبك الأفرم أمير جاندار الصالحىّ، والأمير علاء الدين كشتغدى الشمسىّ، ومضافوهم من الأمراء الطبلخانات، وأصحاب العشرات، ومقدّمو الحلقة وأجنادها، وغيرهم من العساكر (٢)، والأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى نائب الشام، والأمراء الشاميّون، والعسكر الشامى، وفى رأس الميمنة شرف الدين عيسى بن مهنّى وآل فضل، وآل مرى (٣)، وعربان البلاد الشاميّة ومن انضمّ إليهم (٤). الميسرة المباركة الإسلاميّة: فيها: الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ومن معه من المماليك الظاهريّة، والأمير سيف الدين أيتمش السعدىّ، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمرىّ،

стр. 726

والأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح، والأمير علم الدين سنجر الحلبى الصالحىّ، والأمير سيف الدين بجكا العلائى، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى، والأمير سيف الدين حبرك التترىّ، ومن معهم من الأمراء والألوف، وفى رأس الميسرة التركمان بجموعهم، وعسكر حصن الأكراد (١). الجاليش وهو مقدّمة القلب: الأمير حسام الدين طرناطاى نائب السلطنة ومضافوه من الأمراء والمغاردة ومماليكه وأجناده، والأمير ركن الدين أياجى الحاجب، والأمير بدر الدين بكتاش ابن كرمون ومن معهم من المماليك السلطانيّة المنصوريّة، ووقف السلطان تحت السناجق المنصورة، وحوله مماليكه، وألزامه، والسلحداريّة، والسنجقداريّة، والطبرداريّة، وهو ثابت فى صهوة جواده ثبوت الطود الراسى، محتسبا فى سبيل الله [ ] (٢) ثواب ما يلابس ويقاسى، فأشرفت كراديس التتار متراكمة كالأمواج، مترادفة [٦٧٣] كالبحر العجاج، وأقبلوا ينسلون من الفجاج، وهم كقطع الليل المظلم، والمسلمون كالسراج الوهاج، قد أشرقت عليهم أنوار التوحيد، وأشعّة الحديد. بوجوه تعسى السيوف ضياء … وسيوف تغشى الشموس وقودا فى مقام يخر فى صكة البيض … على البيض ركّعا وسجودا

стр. 727

وكان الملتقى بوطأه حمص، يالقرب من مشهد خالد بن الوليد رضى الله عنه، حيث مركز الرماح، ومهبّ الرياح، وهو المكان الذى لم يزل بلاء الناس فيه محمودا، ونصر خالد يزداد لديهم خلودا، فالتقى الجمعان فى الساعة الرابعة من يوم الخميس الرابع عشر من شهر رجب (١). وفى تاريخ ابن كثير: ولما كان يوم الخميس رابع عشر رجب التقى الجمعان، وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس، وعسكر التتار فى مائة ألف فارس، وعسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيد قليلا، والجمع (٢) فيما بين مشهد خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى الرستن، فاقتتلوا قتالا عظيما، لم ير مثله من أعصار متطاولة، فاستظهر التتار أول النهار، فكسروا (٣) الميسرة، [واضطربت الميمنة أيضا، وبالله المستعان] (٤)، وانكسر (٥) جناح القلب الأيسر. «وكان فى ميمنة التتار من مقدميهم: ألناق بهادر، وطنجو بهادر، وعايد، وبلطو، وينجى، وصمغار، وكان فى ميسرتهم: قرمشى بن هندوغور، وبراجار، والبابا شمس الدين والد الأمير جنكلى، ودريبه، وتمدار، وملك الكرج تجاه ميمنة المسلمين، وكان فى القلب منكوتمر بن هلاون ومعه تلاجى وقراتغيه بن يصمت، ججكاب بن جمغان، ومن الأمراء طلاطاى ونكباى وغيرهم (٦)».

стр. 728

وثبت السلطان الملك المنصور (١) ثباتا عظيما جدّا فى جماعة قليلة، وقد انهزم كثير من [عسكر] (٢) المسلمين، والتتار فى الآثار (٣) حتى وصلوا وراءهم إلى بحيرة حمص، ووصلوا إلى حمص، وهى مغلقة الأبواب، فقتلوا خلقا من العامّة وغيرهم، وأشرف المسلمون على خطر عظيم (٤)، ثم إن أعيان الأمراء من الشجعان والفرسان تآمروا (٥) فيما بينهم، مثل سنقر الأشقر، وبيسرى (٦)، وطيبرس الوزيرى، وأمير سلاح، وأيتمش السعدى، وحسام الدين لاجين، وحسام الدين طرنطاى، والدوادارىّ، وأمثالهم، لما راؤا [٦٧٤] ثبات السلطان «ردّوا على التتار، وحملوا عليهم حملات صادقة متعدّدة» (٧) ولم يزالوا يتابعون الحملة بعد الحملة حتى كسر الله بحوله وقوته التتار، وجرح منكوتمر، وجاءهم الأمير شرف الدين (٨) عيسى ابن مهّنى أمير العرب (٩) من ناحية العرض، فصدم التيار، فاضطرب الجيش (١٠)

стр. 729

لصدمته، وتمت الهزيمة ولله الحمد، وقتلوا منهم (١) مقتلة عظيمة جدّا ورجعت الطائفة (٢) من التتار الذين كانوا خلف من هزم من المسلمين (٣)، [فوجدوا أصحابهم قد كسروا، والعساكر فى آثارهم يقتلون ويأسرون (٤)]، والسلطان ثابت فى مكانه تحت السناجق، والكوسات تضرب وراءه (٥)، وما معه إلا نحو من (٦) ألف فارس فطمعوا فيه فقاتلوه، فثبت لهم ثباتا عظيما، فانهزموا من بين يديه، فلحقهم فقتل أكثرهم، فكان (٧) ذلك تمام النصر، وكان انهزام التتار قبل المغرب (٨). وقال بيبرس فى تاريخه: جاءت ميسرة العدوّ تجاه الميمنة الإسلامية، وقد تكردسوا فيها أطلابا، وترادفوا أحزابا، وصدموا الميمنة الصدمة الأولى، فثبت العساكر للقتال وصبر المسلمون للنزال، والتقوا على التتار حتى ضاق بهم المجال فمالوا لذلك على ناحية جاليش القلب، فأشار السلطان إلينا بأن نردفه، فردفناه جميعا، وجعلناه بجمعنا منيعا، وقتلنا الذين قصدوه قتلا ذريعا، وبذلت فيهم

стр. 730

السيوف، ودارت عليهم دائرة الحتوف، فانكسرت الميسرة (١) كسرة تامّة، وأيقنا نحن بالنصرة العامة، وانتهت كسرة ميسرتهم إلى القلب الذى لهم، وبه منكوتمر ابن هلاون، فضعف قلب ذلك القلب، فانهزم طريدا وولى شريدا. وأما الميسرة الإسلامية فإنها لما صادفها ميمنة التتار وصادمتها تزحزحت عن مواقفها ولم تثبت لنراكم كراديس (٢) التتار وترادفها، ولأنهم كانوا قد بالغوا فى تقويتها، وأمعنوا فى كثرتها، وساقوا وراء المسلمين حتى انتهوا إلى تحت حمص، ووقعوا فى السوقية والعوام وألجأوهم إلى مكان متضايق الزحام، فأبادوا منهم خلقا كثيرا، ولم يعلم المسلمون بما تهيّأ للميمنة المنصورة من النصرة، وما أصاب التتار من الكسرة، فاستقبل بعضهم الطريق، وولّى وهو من سكر الهزيمة لا يفيق، ومنهم من أدّته الجفلة إلى دمشق، فلما دخلوها شاع بين [٦٧٥] أهلها كسرة العساكر الإسلامية، فتشوشت الخواطر، وقلق البادى بها والحاضر، ودخل بعض المنهزمين الضعيفى القلوب إلى جسر يعقوب، ووصل بعضهم إلى غزة. ولما رأى التتار أنهم قد هزموهم واستظهروا عليهم، نزلوا عن خيولهم فى المرج الذى عند سدّ حمص منتظرين قدوم رفقتهم، معتقدين ربح صفقتهم، ولم يعلموا أنهم قد انكسروا وولوا وأدبروا، فلما طال بهم الانتظار أرسلوا

стр. 731

من يكشف لهم الأخبار، فعاد الكشّافة إليهم وأخبروهم بما تمّ عليهم، فركبوا خيولهم وقد فقدوا عقولهم [وعادوا] (١) راجعين، وبأصحابهم لاحقين. وكان السلطان قائما بمكانه، لم يبرح، ثابتا فى موقفه لم يتزحزح، فى نفر قليل من المماليك الأصاغر، وما حوله من أثقال العساكر، لأن العسكر تفرق، فبعض ذهب خلف العدوّ فى الطلب، وبعضهم (٢) أدبر هزيما لما ظن أن لهم الغلب، فرأى السلطان من الحزم أن تطوى السناجق، وتخفى البيارق، وتبطل الكوسات، وتخفض الأصوات (٣)، ومرّت ميمنة التتار راجعة على الأعقاب، ناجية منجى الذباب، وعاينوا السلطان واقفا فى السواد الذى حوله، وقد تكاثف حواليه، فلم يقدموا عليه (٤)، وطلبوا طريق الرستن ليلحقوا بأصحابهم، وأسرعوا فى ذهابهم لا يهتدون إلى صوابهم: ولّوا طرائد للحتوف ترى لهم … بين الصفوف عجاجة وعجيجا وتخوفوا نار السيوف ويومهم … أمسى بنيران السموم وهيجا والوحش يقسم لا آكلنّ شواهم … إلا شواه بالهجير نضيجا

стр. 732

وكتبت (١) البطائق المخلّقة، (٢) وسرّحت بها أطيار البشائر محلّقة، فتراجع بعض الميسرة التى جرّت ذيول الهزائم، واستبشر الناس بما أتى الله سلطانهم المنصور من نصر العزائم، وخاب من ولّى الأدبار وخار، وحاز الصابرون أجزل الفخار. وعاد السلطان من يومه إلى المنزلة، وعاين القتلى بها مجدّلة (٣)، وقد نهبت الأثقال والوطاقات، منها ما نهبه التتار، ومنها ما نهبته الحرافيش والكسّابة، فلم يفكر فيما ذهب من قماش أو ذهب، وكان قد أحرز ما فى الخزائن من العين، [٦٧٦] قبل وقوع العين على العين، وفرقه على مماليكه أكياسا، فى كل كيس ألف دينار، ليحملوه إلى أن تنجلى الوقعة، وتتفق الرجعة، فلما نهبت الصناديق وجد الناس صناديق الخزانة فارغة من المال، فلم يعدم منه مثقال، وكانت جملته مائتى ألف دينار (٤). قال بيبرس: ولقد حملت منه كيسا وقت تفرقته، وأعدته سالما بجملته (٥). وبات السلطان تلك الليلة، والعساكر متفرقة، والجيوش متمزقة، والخيول مغرّبة ومشرّقة، وتراجع الناس، وغلب الرجاء اليأس.

стр. 733

ولما كان سحر الجمعة، صبيحة يوم الوقعة، قام فى الخيام صائح أيقظ النوام، وظن الناس أن التتار عادوا مكابسة، وعاد الحرب مخالسة، فركب السلطان وركب معه من كان بالدهليز من المماليك والسنجقيّة، فانكشف الخبر بعد ساعة، بأن جماعة من العسكر الذين تبعوا التتار المنهزمين عادوا إلى الوطاق. وأسفر صباح يوم الجمعة المبارك، الخامس عشر من شهر رجب، والعدوّ قد ولّى هاربا، ولم يبلغ أربا، وسارت الجيوش الإسلاميّة فى إثره طلبا، فنالت [منه] (١) قتلا وأسرا، ونهبا وسبيا، وضربت البشائر والتهانى، وتحققت الآمال والأمانى، وكتبت الكتب الشريفة بهذه الأخبار إلى الأقطار، وركضت سوابق الخيول بالانتصار إلى الأمصار، ولم يبق بلد ولا مدينة ولا ثغر من ثغور الإسلام، بمصر والشام، إلا وقد أعلنت فيه البشائر، وقرئت به كتب النصر على المنابر، فاكتسى الزمان رونقا وبهجة، وامتلأت بالسرور كل مهجة، وبطقت (٢) البطائق إلى الحصون القريبة من مسالك التتار التى سلكوها (٣) للفرار، مثل البيرة، وعينتاب، وبغراس، والدربساك، والراوندان، وأبى قبيس، وشيزر، بأن يأخذوا لهم المراصد، فصار العشرة منهم يقتلهم من المسلمين واحد، وحفظ أهل البيرة عليهم المعابر من الجهة الفراتيّة، والمخائض إلى الجهة الشرقية، فعبر أكثرهم من غير عبر، فهلك أكثرهم غرقا، وقتل منهم فى الهزيمة أكثر ممن قتل عند اللقاء.

стр. 734

وكانت فى هذه الكّرة عليهم الكسرة، ولم تغن عنهم الكثرة، فأنزل الله على المسلمين نصره، ورسم السلطان بأن تضرم النار فى الأزوار (١) [٦٧٧] التى على الفرات، فملت أكثر من اختفى فيها حرقا، وأما درب سلمية فإن فرقة منهم فيه سلكوا فهلكوا، وكان على الرحبة طائفة مع أبغا يحاصرها، فلما وصلتها البطائق، وضربت البشائر، أخذت التتار الصيحة، فولوا هاربين، وولى أبغا هاربا، وسار نحو بغداد طالبا، خوفا أن يأخذه أهل البلاد، يتحطفه أهل الحواضر والبواد. وجهّز السلطان العسكر الحلبى إلى حلب، والحموىّ إلى حماة، وجرّد الأمير بدر الدين الأيدمرىّ لتمهيد البلاد وترتيبها، وعاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون، وأما الأمير سيف الدين أيتمش السعدىّ، وعلم الدين الدوادارى، وكراى التترى وولده، وتماجى وجماعة من الأمراء الذين كانوا عنده، فإنهم رغبوا فى العود إلى الخدمة الشريفة فعادوا إليه. (٢). ذكر عود السّلطان إلى دمشق: ولما فرغ السلطان، وصفا باله، واستقام حاله، عاد إلى دمشق، والأسرى تساق قدامه فى الكبول، وقد حمل ما نهب لهم من القسىّ والسناجق والطبول، وكان دخوله دمشق يوم الجمعة الثانى والعشرين من رجب من هذه السنة، فدخلها

стр. 735

ونزل فى القلعة مؤيّدا منصورا، وكان أعظم الأيام قدرا، وأعطرها عند الأنام نشرا، وأظهرها فى وجه الزمان بشرا، بهذه النصرة العظيمة، والنظرة الوسمية، والكسرة التى لم ير مثلها فى الأزمان القديمة؛ فإن جيش التتار لم يجز هذه الديار بمثل هذا (١) الإكثار، ولا قصدها قبل هذه المدة فى بعض هذه العدّة (٢). ذكر ما قيل فى هذه الغزاة من الأشعار: قال القاضى فتح الدين محمد بن عبد الظاهر، كاتب السرّ [المنصور] (٣)، وناظر ديوان الإنشاء [المعمور] (٤) يذكر الواقعة بقصيدة جامعة لأحوالها (٥)، [وهى] (٦): الله أعطاك لا زيد ولا عمرو … هذا العطاء وهذا الفتح والنصر هذا المقام الذى لو لم تحلّ به … لم يبق والله لا شام ولا مصر من ذا الذى يلقى ذا العدوّ وكذا … أو يدّرع لامة ما لامها الصبر يا أيها الملك المنصور قد كسرت … جنودك المغل كسرا ما له جبر واستأصلوا شأفة الأعداء وان … تصروا لما ثبتّ وزال الحوف والذعر [٦٧٨] يا عزمة ما رأى الراؤون مشبهها … ووقفة سار فى الدنيا لها ذكر

стр. 736

لما بغى جيش أبغا فى تجاسره … ولن يمدّ له إلا القنا جسر واستجمع المغل والتكفور واتفقوا … مع الفرنج ومن أردى به الكفر جاءت ثمانون ألفا من بعوثهم … لأرض حمص فكان البعث والنشر وافى الخميسان فى يوم الخميس ضحى … وامتدّت الحرب حتى أذّن العصر والسيف يركع والأعلام رافعة … والروس تسجد لا عجب ولا كبر والخيل لا تغتدى إلا على جثث … والسهل من أرؤس القتلى به وعر والبيض تغمّد فى الأجفان من مهج … والسمر ناهيك ياما تفعل السمر فجاء فى رجب عيدان من عجب … للسيف والرمح وهذا الفطر والنحر فكان أسلمهم من أسلموه لأن … يقوده القيد أو يسرى به الأسر وراج فارسهم ترواح راجلهم … تنتابه الوحش أو ينبو به القفر فما وعى منهم واع رعيّته (١) … ولا ارعوى لهم من روعة فكر وكان يوم الخميس النصف من رجب … عام الثمانين هذا الفتح والنصر وعاد سلطاننا المنصور منتصرا … فالحمد لله تمّ الحمد والشكر (٢) وقال القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر، والده، من أبيات يصف فيها السلطان وحسن بلائه، [وجميل أثره، وجزيل غنائه (٣)]:

стр. 737

لله فى حمص مقام قامه … والنار من بين الأسنّة توهج والناس قد فرّوا فلا متريّث … والخلق قد هربوا فليس معرّج وهناك من نجد الملائك عصبة … جاءته للنصر المبين تروّج وهناك خالد قد أجار نزيله … ونزيل خالد ليس ممن يزعج فئنى العنان وما انثنى حتى بدا … للدين من أمر الأعادى مخرج ملك به ردّ العدى لو أنهم … مما سبى أولادهم لم ينتجوا البحر لولا أنه من كفّه … ما كان منه جوهر يستخرج والصبح لولا أنه من شهيه … ما فات ركض البرق منه يهملج [٦٧٩] والليل لولا أنه من دهمه … ما كان بالشهب الثواقب يسرج والنصر لولا أنه من سيفه … ما كان كرب فى الوجود يفرّج والروض لولا أنه فى كتبه … ما هبّ فى الآفاق منه تأرّج والسحب لولا أنها من جوده … ما كان منها كل صدر يثلج والنار لولا أنها من سخطه … ما أحرق الأعداء منه تأجّج فلمدحه ما حاكه ذو فكرة … ولرمحه من نثره ما ينسج يرضيك من فوق السوانح أروع … منه ومن تحت التريكة أبلج (١)

стр. 738

وقال ناصر الدين حسن بن النقيب أحمد الكنانية، وكان مفلقا (١) فى فنون الأدبية [والشعرية بذكر هذه النصرة المنصورية (٢)]: هى النعمة الكبرى هى النصرة العظمى (٣) … هى اللفظ والمعنى هى البشر والبشرى هى المطلب الأسنى هى المنحة التى … لقد شرفت قدرا وقد عظمت ذكرا هى الوقعة الصماء والحطمة التى … بها انكسر الفكر الذى لم يجد جبرا هى الفتك بالأعداء والظفر الذى … شفى القلب من أبغا وقد أثلج (٤) الصدرا وأمكن من صمغار حدّ سيوفنا … فخرّ إلى الأذقان لا ساجدا شكرا ونكّس أعلاما وفلّ كنانيا … لمنكوتمر كالأسد فى الحرب بل أضرا فلما رأوه قد تقطّر قاتلوا … عليه قتالا قطّع البيض والسمرا فلما نجا منها وركّب طرفه … تولّى وخلّى الابن والأب والصّهرا وراح ثخينا بالجراح مصبّرا … يئن ويشكو من مضاضاتها ضرّا فلله منا الحمد والشكر دائما … فقد أصّل الإسلام واستأصل الكفرا فقل لرؤس المغل إن قلاونا … هو السيف ضرّابا لأعناقكم قهرا هو الملك المنصور والله خاذل … لأعدائه خذلانا (٥) وناصره نصرا

стр. 739

هو المقدم الكرّار فى حومة الوغى … إذا أحجم الأبطال وامتلأ واذعرا هو الأسد العادى على أنفس العدى … هو القمر الهادى إذا أظلم المسرا هو القائد الجيش العرمرم خلفه … إلى القان فى موغان يطلبه جهرا [٦٨٠] عساكر ملء الأرض من كل وجهة … تجمّعن حتى فات العدّ والحصرا تخيّل رائيها (١) … القيامة مثّلت لعينيه فى دنياه والعرض والحشرا فلم ينج منها الوحش عند إثارة … ولا الطير فى جوّ السماء إذا مرّا فقل للتتار العادمين عقولهم … نسيتم سيوف الترك تضربكم هبرا وكم كسّر وكم مرة بعد مرة … فما حصروا القتلى ولا استوعبوا الأسرا وقد زاركم أبغاء من بعد قتلكم (٢) … فأجرى عليكم من مدامعه جمرا وأكبر مرأى هاله بسماعه … ففرّ إلى توريز يجعلها ظهرا ولو حلّ فى غمدان يبغى تحصّنا … لما استطاع أن يقيم فيه ولا فرّا وأنتم بسيف الدين أخبر فى الوغا … فذلك همام قد أحطتم به خبرا ولم يخفكم حملاته ولطالما … أذاقكم المرّان من طعنه المرّا أأنسيتم فى عين جالوت ما جرى … وفى العين قد أجرى دماءكم (٣) نهرا أما كان فى يوم (٤) … الفرات إليكم مقدّمة الجيش الذى عبر البحرا

стр. 740

أما كان فى يوم البلستين أولا … وأعينكم ترنو إلى نحوه شزرا فما أطرفت (١) … أجفانكم أو قضى الردى عليكم وأمضى حدّه فيكم الأمرا وفى الملتقى ما بين حمص وحمأة … تلقّاكم السيف الذى يقطع العمرا فداسكم من خيله بحوافر … حفرن لكم فى كل جلمودة قبرا وكم لكم فى الذئب والنسر مدفن … فنوحوا إذا أبصرتم الذئب والنسرا أغرّكم من صاحب السيس قوله … فكم غرّ بالقول المحال وكم أغرا وقد وعدته الترك أن ستزوره … ولو أن أرض السيس مفروشة جمرا وأنتم فأدرى الوعود بصدقهم … فما أخلفوا قولا ولا اختلقوا غدرا (٢)
следующие страницы →