أعز الله نصرة المقام العالى المولوى السلطانى الملكى المظفرى المنصورى (١)، ونزع عنه لباس البأس، وألبسه حلل السعد المجلوة على أعين الناس، وهو يقدم؟؟؟ خدمة بولاء، قد انبجست عيونه، وتأسّست مبانيه، وتناسبت ظنونه، وحلّت رهونه، وخلت ديونه، وأثمرت غصونه، وزهت أفنانه وفنونه.
ومنها: وقد سيّرنا المجلس السّامى جمال الدين أقوش الموصلى الحاجب، وأصحبناه [٦٩١] من الملبوس الشريف ما يغيّر به لباس الحزن، وينجلى فى مطلعه ضياء وجهه الحسن، وتنحيلى بذلك غيوم تلك الغموم، وأرسلنا أيضا صحبته ما يلبسه هو وذووه، كما يبدو البدر بين النجوم.
وآخر الكتاب - وكتب فى العاشر من شوال (٢) سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وكان قد وقع الإتفاق عند موت الملك المنصور على إرسال علم الدين سنجر أبو خرص الحموى لأجل هذا المهم، فلاقى سنجر المذكور جمال الدين الموصلىّ بالخلع فى أثناء الطريق، فأتمّ سنجر أبو خرص السير ووصل إلى الأبواب الشريفة السلطانية، فتلقاه السلطان بالقبول، وأعاده بكل ما يجب ويختار. وقال: نحن واصلون إلى الشام ونفعل مع الملك المظفر فوق ما فى نفسه، فعاد علم الدين سنجر أبو خرص إلى حماة ومعه الجواب بنحو ذلك.
стр. 772
السلطان توكدار (١) بن هلاون بن باطو بن جنكزخان الملقب فى الإسلام أحمد سلطان، قتل فى هذه السنة، قتله عمه أرغون كما ذكرناه مفصلا.
السلطان غياث الدّين كيخسرو (٢) بن ركن الدين قليج أرسلان صاحب الروم، قتل فى هذا السنة، وكان سبب قتله أن أرغون توهم [فيه] (٣) أنه أعان أحمد سلطان على قتل عمه قنغرطاى بن هلاون، فإن أحمد سلطان كان قد استدعاه إلى الأردو، عند ما جلس فى السلطنة، وكان قنغرطاى مقيما ببلاد (٤) الروم من أيام أبغا، هو والسلطان غياث الدين، الأمير عز الدين محمد بكلبركى (٥) بن سلمان أخى البرواناه بين يديه، والصاحب فخر الدين خواجا علىّ، وكان النواب عن أحمد سلطان صمغار وطغريل وبلرغى فى الروم ثلاثة تمانات، فلما تقاعد قنغرطاى عن المسير إلى أردو أحمد سلطان، أرسل يحثه ويستدعيه بسرعة، فلم يمكنه التأخير، فتوجه هو والسلطان غياث الدين، وكان قد تزوج بأخته بنت السلطان ركن الدين، فلما وصل أردو قتله أحمد سلطان لوقته، وعزل غياث الدين عن السلطنة،
стр. 773
ورسم له فى الإقامة فى أرزنكان، فعاد إليها معزولا، وأقام بها مهزولا، وفوض السلطنة ببلاد الروم (١) إلى السلطان مسعود بن السلطان عز الدين [٦٩٢] كيكاوس، فاستقرّ بها (٢)، وليس له منها إلا الاسم، والحكم كله فيها للتتار وشحانيهم، فلما جلس أرغون فى السلطنة دسّ إليه وهو فى أرزتكان من خنقه بوتر، فمات فى هذه السنة (٣).
الآشكرى صاحب القسطنطينية، واسمه ميخائيل (٤).
هلك فى هذه السنة (٥)، وملك بعده ولده اندورنيكوس (٦)، وتتوّج، ولقّب الدوقس الانجالوس الثاولوغس، وكانت (٧) رسل السلطان قد توجّهوا إلى والده ميخائيل بنسخة الأيمان، فحلف بها ولده المذكور، فجهّز السلطان إليه الأمير ناصر الدين محمد بن المجنى الجزرىّ رسولا بهديّة جليلة، وجهّز السيفى بلبان الحلبى الكبير، ومظفر الدين موسى بن نمرش رسلا إلى تدآن منكو ونوغاى وقيدو، ومعهما الأمير قطفان وشمس الدين بن أبى الشوارب.
стр. 774
وميخائيل هذا [المتوفى] (١) لم يكن له أولا مملكة بالقسطنطينية ولا لأبيه، بل كان الملك بها لغيره، وكان هو من كبار البطارقة، وله قلعة من القلاع، وهو مقيم بها، فاتفق مجئ الفرنج لحصار القسطنطينية، فاستولوا عليها، واجتمع ميخائيل المذكور مع جماعة من عسكر القسطنطينية وقال لهم: إن أنا تحيّلت وأزحت الفرنج منها أكون ملكا عليكم، فأجابوه إلى شرطه، فقصدها فى جماعة ممن اجتمع إليه من البطارقة وحصرها، وقاتل الفرنج الذين بها أياما، ثم استجلى مكانا من السور، فطلع منه هو وأصحابه، والفرنج لا يشعرون، فإن المدينة وسيعة جدّا، فما أقلقهم إلا وثوبه بهم، وبذل السيف فيهم، فقتل منهم جماعة، وهرب من نجا منهم إلى المراكب، واستقرّ بالمدينة، وجلس على كرسىّ المملكة الأشكريّة، وأخذ الذى كان متملكا قبله، وكان شابّا فسمله وعزله (٢).
والدة الملك السعيد (٣) بن الملك الظاهر بيبرس، ماتت فى هذه السنة، وهى بنت حسام الدين بركة خان مقدم الخوارزمية، الذين ذكرنا وصولهم إلى الديار المصرية وأخبارهم فى الأيام الصالحية النجمية الأيوبيّة، والله أعلم.
стр. 775
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثالثة والثّمانين بعد السّتمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ.
وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك المنصور قلاون الألفى.
ونائبه فى [٦٩٣] الشام: حسام الدين لاجين المنصورى، وفى حلب:
الأمير شمس الدين قراسنقر مملوكه.
وصاحب حماة: الملك المظفر بن الملك المنصور.
وصاحب بلاد الروم: السلطان مسعود بن السلطان عز الدين كيكاوس، ولكنه مقهور تحت أيدى التتار، وليس له إلا اسم السلطنة فقط.
والحاكم بالبلاد الشرقية بكمالها أرغون بن أبغا بن هلاون.
وصاحب البلاد الشمالية التى كرسيّها صراى: تدان منكو بن طغان بن باطوخان ابن دوشى خان بن جنكزخان.
ذكر ما جريّات السّلطان الملك المنصور ﵀:
منها: أنه توجه من الديار المصرية إلى الديار الشامية، ووصل دمشق يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخرة (١)، ثم خرج إلى الديار المصرية بعد ثلاثة أيام.
стр. 776
ومنها: أنه عزل علم الدين سنجر الدوادارىّ عن شدّ الدواوين، وولىّ عوضه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر (١).
ومنها: أنه عزل الصاحب برهان الدين السنجارى عن الوزارة، وولى عوضه فخر الدين لقمان.
ومنها: أنه أنعم على مملوكه بيبرس الدوادار صاحب التاريخ بإمرة طبلخاناة بخمسين فارسا، وأعطاه إقطاع الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم الصالحىّ أمير جاندار، ونقله إلى مائة فارس، وكتب له منشورا بالخبز المذكور تاريخه الخامس من شوال، ونسخة المنشور.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله مجزل العطاء، ومجددّ النعماء، وممطر ديم الجود المستهلّة بالأنواء، الذى شيّد للإسلام ركنا، وبلّغ كلاّ من أولياء الدولة ما كان يتمنّى، نحمده حمدا يستغرق أنواع المحامد لفظا ومعنى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تحلّ قائلها من الكرامة بالمقام الأعلى والمحلّ الأسنى، ونشهد أن محمدا ﷺ (٢) عبده ورسوله الذى كان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتوالى وتتكرر فرادى ومثنى وبعد:
стр. 777
فإنك أولى من خصّ من النعم بأحسنها، ومن قلّد من العقود النفيسة بأزينها وأثمنها من نشأ على طاعة الدولة الشريفة وغذّى بلبانها، وإذا عدّ الأبطال كان من أكبر فرسانها وشجعانها، وهو لسان المملكة المأمون على [٦٩٤] الأسرار، ووليّها الذى لا تتوارى شمس إخلاصه بحجاب، ولا بدره بسرار، ولما كان المجلس السامى الأمير الأجلّ الكبير الأوحد المؤيد النصير العضد الاسفسهلاّر الغازى ركن الدين، عز الإسلام مجد الأنام، نصرة المجاهدين، لسان المملكة، عضد الملوك والسلاطين، بيبرس الدوادار الملكى المنصورى، أدام الله تمكينه ورفعته، طراز هذه الحلة، ونتيجة هذه الأدلة، وفارس هذا (١) المضمار، ولركنه فى المهامّ يستند، وإليه فى مواقف الحروب يشار.
خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورى السيفى، أعلاه الله وشرفه، أن يجرى بإقطاعه ما رسم به الآن من الإقطاع والجهات الديوانيّة لخاصّه ولمن يستخدمه من الأجناد، وذلك لاستقبال مغل سنة اثنتين وثمانين وستمائة (٢).
وكان السلطان الملك المنصور أنعم على مملوكه بيبرس المذكور فى السنة [الماضية] (٣) بخمسة عشر طواشيا، واستقر فى زمرة الأمراء، وكتب له منشور بذلك، وألبس التشريف والشربوش.
ونسخة منشوره بإنشاء القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر وخطه:
стр. 778
بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد حمد الله الذى علم بالقلم، وجعله مؤاخى السيف فى مهمّات الأمم، وطاول به السمهرىّ، فنصب هذا لرفع العلم وهذا لجرّ العلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بأنواع الحكم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما تنسّمت ثغور الديم، وشابت بالأنوار لمم الظلم.
فإنه لما كان المجلس السامى الأميرى الأجلىّ الكبير المختار [المجاهد الأوحد الأعز المرتضى الأكمل ركن الدين، مجد الإسلام] (١) شرف الخواصّ، بهاء الأمّة، غرس الدولة، واسطة المملكة، اختيار الملوك والسلاطين؛ بيبرس الدوادار المنصورى، أدام الله رفعته وسموّه، ممن ربّته النعماء فى حجرها، وصرّفته الآلاء فى نهيها وأمرها، وأنشأنه المملكة تحت جناحها، ورتّبته السلطنة فى حمل ما هو أفخر وأفخم من حمل سلاحها، وحبته كلما (٢) يستدعى عطفها ويستديم شكرها له ووصفها، ويكون أحد معقباتها التى ما بين يديها من الأمر ولسواه من ذوى الأسلحة ما خلفها، وله نباهة تقدّمه [٦٩٥] ووجاهة تفخمه، وقدم خدمة يرشحه، وعظم حرمة توسّع له مجال الاصطفاء وتفسحه، اقتضى حسن الرأى الشريف أن ينمى هلاله، ويدرج إقباله، ويقرب مناله، فلذلك خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورى السيفى، لا برح يجود، وباستخلاصه يسود من الأولياء من يسود، أن يجرى فى إقطاعه ما رسم له الآن من الإقطاع لخاصّته ولمن
стр. 779
يستخدمه من الأجناد الجياد، المعروفين بالخدمة بالبرك التامّ والعدّة الكاملة، والعدّة الخاصّة، وخمسة عشر (١) طواشيا.
وكان تاريخ هذا المنشور المبارك رابع عشر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وستمائة (٢).
ذكر بقيّة الحوادث:
منها: أن فى هذه السنة، كملت عمارة المدرسة المنصورية والبيمارستان والقبة والتربة ومكتب السبيل بالقاهرة المحروسة ببين القصرين، وجميع مرافقها وما يتعلق بها، وأظهر الأمير علم الدين الشجاعى فى نجاز هذه العمائر العظيمة، التى لم يسمع بمثلها فى هذه المدة القريبة، ما تعجز الفراعنة عنه، وتقصر الهمم دونه، مع أفانين البنيان والأوضاع، وغرائب الترخيم والأدهان (٣) وسائر الأنواع (٤).
стр. 780
ووصف الشعراء فنون هذه العمائر وبدائع إعجازها الذى يذهل الأبصار والبصائر، فكان مما قيل فى ذلك قصيدة مطولة أنشأها شرف الدين البوصيرى الشاعر، فمن مختارها هذه الأبيات:
جوارك من جور الزمان يجير … وبشرك للرّاجى نداك بشير
ومنها بعد المديح:
بنى ما بنى كسرى وما قلت مؤمن … يباهى به فيما بناه كفور
ودكّ على تقوى الإله أساسه … كما دكّ بالواد المقدّس طور
حجارته السّحب الثقال تسوقها … على عجل سوقا صبا ودبور
ومنها نجوم فى بروج مجرّة … على الأرض تبدو تارة وتغور
يضيق بها السبل الفجاج فلا يرى … بها للرياح العاصفات مسير
فكم ضخرة عاديّة قذفت بها … إليه سهول همة (١) ووعور
ومن عمد فى همّة الدهر فترة … وفى باعه من أن تجرّ قصور
[٦٩٦]
أشار لها فانقاد سهلا عسيرها … إليه وما أمر عليه عسير
فمأذنة كالنجم تشرق فى الدّجى … عليها هدى للعالمين ونور
ومن حيث ما وجهت وجهك نحوها … تلقتك منها نضرة وسرور
يمدّ إليها الحاسد الطرف حسرة … فيرجع عنها الطرف وهو حسير
стр. 781
فكم حسدتها فى الكمال كواكب … وغارت عليها فى العلوّ بدور
إذا قام يدعو الله فيها مؤذّن … فما هو إلا للنجوم سمير
وقبّة مارستان ليس لعلّة … عليه وإن طال الزمان مرور
صحيح هواء للنفوس بنشره … معاد وللعظم الرميم نشور
تهبّ فتهدى كلّ روح لجسمه … كأنّ صباه حين ينفخ صور
بجنّته ورق يراسل ماؤه … يشوق هديل منها (١) وهدير
ومدرسة ودّ الخورنق أنه … لديها حظير والسّدير غدير
مدينة علم والمدارس حولها … قرى أو نجوم بدرهنّ منير
تبدّت فأخفى الظاهريّة نورها … وليس بظهر للنجوم ظهور
بناء كأنّ النحل هندس شكله … ولانت له كالشمع فيه صخور
يرى من يراها أنّ رافع سمكها … على فعل ما أعيى الملوك قدير
ثمانية فى الجوّ تحمل عرشها … وبعض لبعض قى البناء ظهير
ذكرناها لديها قبة النسر مرة … فما كاد نسر للحياء يطير
فإن نسبت للنسر فالطائر الذى … له بالبروج الثابتات وكور
بناها سعيد فى بقاع سعيدة … بها سعدت قبل المدارس دور
فصارت بيوت الله آخر عمرها … قصور خلت من سادة وخدور
بها عمد كاثرن أيّام عامها … ومن عامها لم تمض بعد شهور
стр. 782
سماوية أرجاؤها فكأنما … عليها من الوشى البديع ستور
ولله يوم ضمّ فيها أئمّة … تدفّق منهم للعلوم بحور
وما تلك للسلطان إلا سعادة … يدوم له ذكر بها وأجور
[٦٩٧]
فهل فى ملوك الأرض أو خلفائها … له فى الّذى شادت يداه نظير
وما جنّة الفردوس فى الأرض غيرها … ولا فلك فيه النجوم أثير
فلا زال مبيّنا به العلم والتقى … ومنهدما كفر علا وفجور
ولا زالت الأفلاك طوعا بكلما … يريد على رغم العدوّ يدور (١)
ومنها: أن الأمير حسام الدين طرنطاى نائب السلطنة اهتمّ بحفر بئر نخل (٢)، او نتفع الحاج بذلك (٣).
ومنها: أن يعقوب المرينى عاد إلى الأندلس ثالث مرة (٤)، واستطال على أعمالها، وأثر فيها آثارا عظيمة، فخافة محمد بن الأحمر على نفسه، وأرسل إلى الفونس (٥) يهادنه ويستنجده عليه، فأرسل الفونس كتبه إلى يعقوب وأعلمه أنه
стр. 783
لا يساعد ابن الأحمر عليه، ولا ينجده بإرسال أحد إليه من جهته، وتراسل المرينى [والفونس] (١) وتكاتبا، واتفقا، وحضر الفونس إليه بنفسه، واجتمعا، وأقام عنده أياما، وأهدى إليه هدايا كثيرة، وخيلا، ولطفا، وغيرها، وأهدى إليه المرينى هدية وخيلا، واتفقا على ابن الأحمر، وعاد الفونس إلى كرسية (٢).
ومنها: أن الشيخ الإمام العلاّمة تقى الدين أبا العباس أحمد بن تيميّة درس بدار الحديث السكرية (٣) التى بالقصاعين، وذلك فى يوم الاثنين ثامن المحرم من هذه السنة، وحضر عنده قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكىّ (٤) الشافعى، والشيخ تاج الدين (٥) الفزارى شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين (٦) بن المرحل، وزين الدين (٧) بن المنجى الحنبلى، وكان درسا هائلا، وجلس الشيخ تقى الدين أيضا يوم الجمعة عاشر صفر فى الجامع
стр. 784
الأموىّ بعد الصلاة على منبر هيّئ له لتفسير القرآن، فابتدأ من أوّله، فكان يجتمع عنده خلق كثير والجمّ الغفير، واستمرّ فى ذلك مدّة سنين متطاولة على هذا المنوال.
ومنها: أن … الدين (١) ابن الشيخ عدى الكردىّ هرب من الاعتقال، وكان معتقلا فى برج بالقلعة (٢)، فطلب أشدّ الطلب، وكتب إلى البلاد فى أمره، وجعل لمن أحضره مائة دينار وخلعة، فأمسك من بعض دور الحسينيّة وأحضر، واعتقل مدة، ثم أفرج عنه فيما بعد (٣).
وفيها: « ...... » (٤).
وفيها: حج بالناس الأمير علم الدين سنجر الباشقردىّ وجرى بينه وبين أمير مكة [٦٩٨] كلام أقتضى أن أغلقوا أبواب مكة ولم يمكنوا أحد من الدخول إليها، فلما كان يوم التروية زحف العسكر من باب الحجون وأحرقوا الباب، ونقبوا السور، وهجموا على البلد، فهرب جمع الشريف بن أبى نمى، ولم يبق معه إلا أولاده، فدخل الناس مكة، ووقع بينهم الصلح على يد برهان الدين السنجارى (٥)، وكان حج فى هذه السنة، وهو الذى كان وزيرا، فعزل وتولى عوضه فخر الدين بن لقمان كما ذكرنا (٦).
стр. 785
ذكر من توفى فيها من الأعيان
صاحب مجمع البحرين والبديع، الشيخ الإمام العالم العلاّمة، مظفر الدين أحمد (١) بن على بن تغلب بن أبى الضياء البغدادى، البعلبكى الأصل، المعروف بابن الساعاتى.
سكن بغداد ونشأ بها، وأبوه هو الذى عمل الساعات المشهورة على باب المستنصريّة ببغداد، وكان مظفر الدين إماما عظيما فاضلا، وله تصانيف منها:
مجمع البحرين فى الفقه، جمع فيه بين مختصر القدورىّ، والمنظومة (٢) مع زوائد، ورتبه فأحسن، وأبدع فى اختصاره، وأسّسه على قواعد لم يسبق إليها، وشرحه فى مجلّدين كبار، وسمعت بعض المشايخ أنّه سودّه ولم يبيّضه، وإنما بيّضته ابنته الستّ الجليلة فاطمة خاتون، وكانت قد تفقهت على والدها وبرعت.
وقال صاحب طبقات الحنفيّة: ورأيت مجمع البحرين بخطها.
قال العبد الضعيف مؤلّف هذا الكتاب: لقد اختصرت هذا الشرح وسميته:
كتاب المستجمع فى شرح المجمع، وزدت فيه مذهب الإمام أحمد بن حنبل
стр. 786
رضى الله عنه، وتعرّفت إلى عبارته وحلّ ألفاظه، فبحمد الله وعونه وقع موقع القبول، وكتبت منه نسخ وسارت بها إلى الآفاق: بلاد الروم والشام والعراق.
ومن تصانيف الشيخ مظفر الدين: كتاب البديع فى أصول الفقه، وهو كإسمه بديع غريب عجيب، جمع فيه بين أصول فخر الإسلام البزدوىّ (١) والأحكام للآمدىّ (٢) وأسّسه على قواعد المعقول. واعتنى بشرحه جماعة من الفضلاء المتأخرين منهم:
الشيخ الإمام شمس الدين الأصفهانى، وقاضى القضاة سراج الهندى وغيرهما، وكانت وفاته بعد سنة ثنتين وثمانين وستمائة، لأنه كان حيا فى سنة إثنتين وثمانين وستمائة. ويقال: إنه [٦٩٩] توفى وهو شاب، ومن جملة فضائله أنه كان يكتب خطّا حسنا جدا، ﵀.
قاضى القضاة الإمام عز الدين أبو المفاخر محمد (٣) بن شرف الدين عبد القادر ابن عفيف الدين عبد الخالق بن خليل الأنصارى الشافعىّ الدمشقىّ [الشهير بابن الصائغ] (٤).
стр. 787
ولى قضاء القضاة بدمشق مرتين، عزل به ابن خلكان، ثم ولى ابن خلكان، ثم عزل نائبه وسجن، وولى بعده بهاء الدين بن زكى، واستمرّ عز الدين المذكور معزولا إلى أن توفى ببستانه فى تاسع ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون، وكان مولده سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان مشكور السيرة، له عقل وتدبير، واعتقاد كثير فى الصالحين، وقد سمع الحديث وروى.
القاضى نجم الدين عمر (١) بن نصر بن منصور [البيانى] (٢) الشافعى.
توفى فى شوال، وكان فاضلا، ولى قضاء زرع، ثم قضاء حلب، ثم مات فى دمشق بالرواحية.
القاضى جمال الدين أبو يعقوب يوسف (٣) بن عبد الله بن عمر الزواوى قاضى القضاة المالكية ومدرسهم بعد القاضى زين الدين (٤) الزواوى الذى عزل نفسه.
وكانت وفاته فى الخامس من ذى القعدة من هذه السنة وهو فى طريق الحجاز، وكان عالما فاضلا قليل التكلف، وقد شغر المنصب بعده ثلاث سنين.
стр. 788
الملك السّعيد فتح الدين عبد الملك (١) بن الملك الصالح أبى الحسن إسماعيل ابن الملك العادل، وهو والد الملك الكامل ناصر الدين محمد.
توفى ليلة الاثنين ثالث رمضان، ودفن من الغد بتربة أم الصالح (٢)، وكان من خيار الأمراء، محترما، كبيرا، رئيسا، روى موطأ يحيى بن بكير عن مكرم (٣) ابن أبى الصقر، وسمع ابن الليثىّ وغيره.
الشيخ طالب (٤) الرفاعىّ، توفى فى هذه السنة بقصر حجاج، وله زاوية مشهورة به.
الإمام ناصر الدين أبو العباس أحمد (٥) بن محمد بن منصور بن أبى بكر بن قاسم ابن مختار الجذامى الجروى المالكى، المعروف بابن المنير، الحاكم بالإسكندرية.
стр. 789
توفى فيها فى مستهل ربيع الأول، ومولده فى ثالث ذى القعدة سنة عشرين وستمائة بالإسكندرية، وكان إماما عالما متبحّرا فى العلوم خصوصا فى الأدب.
الشيخ شرف الدين بن الميدومىّ (١) المحدّث بالمدرسة الكاملية.
توفى فى هذه السنة بالقاهرة.
[٧٠٠] الأمير شرف الدين عيسى (٢) بن مهنّى أمير آل فضل وأكبر أمراء عربان الشام.
توفى فى هذه السنة، وكان دينا صالحا، وله اليد الطولى فى وقعة حمص، وتولى مكانه ولده الأكبر حسام الدين مهنّى (٣).
стр. 790
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والثمانين بعد السّتمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ.
وحكام البلاد على حالهم غير صاحب الغرب، فإنه مات فى هذه السنة على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.
ذكر سفر السّلطان الملك المنصور إلى الشام:
وكان خروجه من القاهرة فى أول المحرم من هذه السنة، ووصوله إلى دمشق فى أواخر المحرم، ومعه الجيش المنصور، وجاء إلى خدمته الملك المظفر صاحب حماة، وعمّه الملك الأفضل، فأكرمهما السلطان إكراما كثيرا، وأرسل إلى الملك المظفر فى اليوم الثالث من وصوله التقليد بسلطنة حماة، والمعرّة، وبارين، والتشريف، وشعار السلطنة، وهو: سنجق، وفرس بسرج ذهب، ورقبة، وكنبوش، وأرسل الغاشية السلطانية، فركب الملك المظفر بشعار السلطنة، وحضرت أمراء السلطان وتقدموا عساكره، فساروا معه من الموضع الذى كان فيه وهو داره المعروفة بالحافظيّة داخل باب الفراديس بدمشق إلى قلعة دمشق، ومشت
стр. 791
الأمراء فى خدمته، ودخل الملك المظفر عند السلطان، فأكرمه، وأجلسه إلى جانبه على الطراحة، وطيّب خاطره، وقال له: أنت من بيت مبارك، ما حضرتم فى مكان إلا وكان النصر معكم، ثم عاد الملك المظفر وعمه الأفضل إلى حماة، وعملا أشغالهما، وكذلك باقى العسكر الحموىّ، وتأهّبوا للمسير إلى خدمة السلطان الملك المنصور ثانيا.
ذكر فتح المرقب:
خرج السلطان الملك المنصور من دمشق بالعساكر المصريّة والشامية، وأتى إلى مرقب (١)، ونازلها فى أوائل ربيع الأول من هذه السنة، وهو حصن الأسبتار فى غاية العلّو والحصانة، لم يطمع أحد من الملوك الماضين فى فتحه، ولما زحف العسكر عليه وأخذ (٢) الحجارون فى النقوب، ونصبت عليه عدة [٧٠١] مجانيق كبارا وصغارا، طلب أهلها الأمان، فأجابهم السلطان إلى ذلك رغبة فى بقاء عمارته، فإنه لو هدمه وأخذه بالسيف حصل التعب فى إعادة عمارته، فأعطى أهله الأمان على أن ينتقلوا ويأخذوا معهم ما يقدرون عليه غير السلاح.
قال ابن كثير: فصعدت السناجق السلطانية والألوية المنشورة على حصن
стр. 792
المرقب، وتسلمه فى الساعة الثامنة من يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول (١)، وكان يوما مشهودا (٢).
وقال الملك المؤيد فى تاريخه: إنى حضرت حصار الحصن المذكور وعمرى إذ ذاك نحو اثنتى عشرة سنة، وهو أول قتال رأيته، وكنت مع والدى (٣).
قلت: والده هو الملك الأفضل على بن (٤) الملك المظفر محمود.
وقال بيبرس فى تاريخه: وجهز السلطان أهله إلى طرابلس، وظن أن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إذا سمع بقربة يبادر إليه ويسعى لخدمته، كما يجب عليه، فتأخّر عن الحضور، فتغيّر له باطن الملك المنصور، ثم أنه أرسل واحدا من أولاده يسّمى سيف الدين صمغار إلى المخيّم متلافيا لما قدّم، فحنق السلطان عليه، ومنعه العود إلى والده، وأمر بتوجهه إلى الديار المصرية (٥).
ثم أن السلطان رحل عن المرقب بعد أن قرر أموره، فنزل بالوطأة بالساحل وأقام بمرج بالقرب من موضع يسمّى مرج القرفيص، ثم سار ونزل تحت حصن الأكراد، ثم سار ونزل على بحيرة حمص وهى بحيرة قدس، ثم توجه السلطان إلى الديار المصرية، وأعطى الملك المظفر صاحب حماة عند رحيله من حمص الدستور، فعاد إلى حماة، وكان توجه السلطان إلى القاهرة فى جمادى الآخرة من هذه السنة.
стр. 793
ذكر مولد السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاون الألفى الصالحى النجمى:
وفى خامس عشر المحرم (١) من هذه السنة ولد السلطان الملك الناصر محمد المذكور، من ابنة سكباى بن قراجين بن حنغان نوين، وسكباى المذكور، ورد إلى الديار المصرية هو وأخوه قرمشى سنة خمس وسبعين وستمائة صحبة بنجار الرومى فى الدولة الظاهرية، فتزوج السلطان الملك المنصور قلاون ابنة سكباى هذا فى سنة ثمانين وستمائة [٧٠٢] بعد موت أبيها المذكور بولاية عمها القرمشى، ووردت البشائر إلى السلطان وهو نازل على بحيرة قدس عند عوده من فتح المرقب (٢)، فتضاعف سروره به ودقت البشائر فرحا بمولده مقترنا بفتح المرقب، فتضاعف الهناء والسرور.
وحدّث الشيخ شعبان الهوىّ (٣) قال: حدثنى الشيخ شرف الدين السنجارىّ [التاجر السفار] (٤) قال: كنت بالموصل سنة أربع وثمانين ليلة النصف من
стр. 794
المحرم، فظهر كوكب عظيم له ثلاث ذوائب طوال إلى جهة المغرب، فتعجب الناس من ذلك، وكان فى الجماعة عماد الدين بن الدهان رئيس المنجمين، فسألوه عنه فقال: هذا الكوكب ظهر فى سنة عشرين وأربعمائة، وله ذؤابتان فى طول الذى ترونه وأخرى قصيرة جدّا، فولد فى ذلك التاريخ المستنصر خليفة مصر، فعاش سبعا وستين سنة، وأقام خليفة ستين سنة، ثم ظهر هذا الكوكب فى سنة تسعين وأربعمائة، فولد فى هذا التاريخ عبد المؤمن صاحب الغرب، فعاش سبعين سنة، وملك خمسين سنة، ثم ظهر هذا الكوكب فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، فولد فى هذا التاريخ الناصر لدين الله، [خليفة بغداد] (١) فعاش تسعا وستين سنة، وأقام خليفة سبعا وأربعين سنة، وهاهو قد ظهر فى هذا الوقت وذوائبه الثلاث كاملة متساوية، يدلّ على أنه يولد فى هذه الليلة مولود سعيد يملك مصر والشام والعراق، ويعيش ثلاثين وثلاثين وثلاثين، فنظروا فلم يولد فى تلك الليلة إلا الملك الناصر محمد بن قلاون المذكور (٢).
قلت: صادف كلامه ذلك ولكنه أخطأ فى المدة على ما لا يخفى.
ومن الحوادث فى هذه السنة: أن محيى الدين بن النحاس (٣) عزل عن نظر الجامع الأموىّ، ووليه بعده عز الدين بن محيى الدين بن الزكى، وباشر محيى الدين
стр. 795
ابن النحاس الوزارة عوضا عن التقىّ توبة التكريتى، وطلب التقى إلى الديار المصرية، واحتيط على أمواله وأملاكه، وعزل سيف الدين طوغان عن ولاية مدينة دمشق، وباشرها عز الدين بن أبى الهيجاء.
وفيها: « ...... » (١).
وفيها: حج بالناس الأمير علم الدين سنجر الباشقردى.
стр. 796
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ [٧٠٣] عز الدين محمد (١) بن علىّ بن إبراهيم بن شداد الأنصارى الحلبى.
توفى فى صفر، ودفن بسفح المقطم، وكان فاضلا مشهورا، وله تصنيف فى سيرة الملك الظاهر (٢)، وكان معتنيا بالتواريخ.
الشيخ الصالح العابد الزاهد شرف الدين أبو عبد الله محمد (٣) بن الحسن بن إسماعيل الإخميمى.
توفى فى هذه السنة، ودفن بجبل قاسيون، وكانت له جنازة حافلة.
الشيخ الصالح المقرئ شمس الدين أبو عبد الله محمد (٤) بن عامر بن أبى بكر الغسولى الحنبلى.
سمع الحديث من الشيخ موفق الدين بن قدامة، وغيره، وكان شيخ الميعاد ليلة الأحد، توفى يوم الأربعاء حادى عشر جمادى الآخرة، ودفن بالقرب من تربة الشيخ عبد الله الأرمنى.
стр. 797
القاضى عماد الدين داود (١) بن يحيى بن كامل القرشىّ البصروى الحنفى.
مدرّس المعزيّة بالكشك، وناب فى الحكم عن مجد الدين بن العديم، وسمع الحديث، وتوفى ليلة النصف من شعبان من هذه السنة، وهو والد الشيخ شمس الدين (٢) القحفازى شيخ الحنفية وخطيب جامع تنكز.
الشيخ حسن (٣) الرومى، شيخ سعيد السعداء، توفى فيها بالقاهرة، وولى مشيختها بعده شمس الدين الأيكى (٤).
الرشيد سعيد (٥) بن على بن سعيد، الشيخ رشيد الدين الحنفى.
مدرس الشبلّية (٦)، وله تصانيف مفيدة كثيرة ونظم حسن، وتوفى يوم السبت ثالث رمضان، وصلى عليه بعد العصر بالجامع المظفرى، ودفن بالسفح.
стр. 798
أبو القاسم على (١) بن بلبان بن عبد الله الناصرى، المحدّث، المفيد الماهر.
توفى يوم الخميس مستهل رمضان.
الشيخ العارف شرف الدين أبو عبد الله (٢) محمد بن الشيخ عثمان بن على الرومى.
توفى فيها، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون، ومن عندهم خرج الشيخ جمال الدين السّاوجى وخلق ودخل فى زىّ الجوالقيّة وصار شيخهم ومقدّمهم.
الأمير مجير الدين محمد (٣) بن يعقوب بن على [الأسعردى] (٤)، المعروف بابن تميم الحموىّ الشاعر صاحب الديوان فى الشعر.
فمن شعره قوله:
عاينت ورد الروض يلطم خدّه … ويقول وهو على البنفسج محنق (٥)
[٧٠٤]
لا تقربوه وإن تضوّع نشره … ما بينكم فهو العدوّ الأزرق
стр. 799
الأمير الكبير علاء الدين أيدكين (١) البندقدار الصالحىّ، أستاذ الملك الظاهر بيبرس.
كان من خيار الأمراء، وقد كان الملك الصالح نجم الدين أيوبّ غضب عليه وصادره، وأخذ منه مملوكه بيبرس، وأضافه إليه لشهامته ونهضته، فتقدّم عنده على خشداشيته، وتوفى أيدكين المذكور فى ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بتربته بالشارع الأعظم قبالة حمام الفارقانى بظاهر القاهرة.
السلطان يعقوب بن يوسف المرينى (٢).
مرض وهو نازل على حصن الجزيرة بأطراف الأندلس، فاتفقت وفاته فى شهر المحرم (٣) هناك؛ وكان فى صحبته ولده أجيلد، فحمله إلى سلا ودفنه بها، وكان له من الأولاد يوسف، وأبو سالم، وعلى، ومحمد أجيلد، ومنديل، وجلس ابنه يوسف (٤) مكان أبيه، وكان مقيما بفاس، فركب وسار إلى الأندلس فى البحر
стр. 800
لأجل جيش أبيه وخزائنه، فتلقاه أصحابه وأقاربه وبايعوه، وحضر إليه محمد ابن الأحمر معزّيا بأبيه، فتلّقاه بالإكرام، وأعاد إليه أكثر البلاد التى استولى أبوه عليها، وعاد أبو يعقوب إلى بلاده، وأغظ على إخوته وأفاربه، وكان شديد الوطأة عليهم، فقتل منهم جماعة من جملتهم أخوه محمد أجيلد، وأخوه منديل، وأظهر الشدة والغلظة والحزم والعزم.
стр. 801
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الخامسة والثّمانين بعد السّتمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العبّاسىّ.
والسلطان فى البلاد المصرية والشاميّة الملك المنصور قلاون الألفىّ، وجرّد عسكرا كثيفا صحبة الأمير حسام الدين طرنطاى إلى الكرك وأمره بمنازلتها، فتوجّه إليها (١)، ونزل عليها، وأحضر آلات الحصار من البلاد الشامية والحصون الإسلاميّة، وشرع فى مضايقتها، وقطع الميرة عنها من سائر الجهات، وأظهر الجدّ والإجتهاد، وجرّد صوارم العزم من الأغماد، وخلط الترهيب بنوع من الترغيب، [٧٠٥] فاستدعى بعض رجالها، وخاطبهم بلسان الإحسان، وطيّب قلوبهم، فتسلّل أكثر الرجال إليه، فلما رأى الملك المسعود جمال الدين خضر وأخوه بدر الدين سلامش أنه قد أسلمهما رهطهما، وبقيا وحدهما مع انقطاع الميرة منهما. بذلا الطاعة وجنحا إلى الإذعان، وسألا خاتم الأمان من عند السلطان، فضمن الأمير حسام الدين عنه الإحسان والأمان والإيمان، فقالا: لا غنى لنا عن حضور خاتمه لنسكن إليه (٢)، ونعتمد عليه، فبادر بمطالعة الأبواب الشريفة السلطانية
стр. 802
صحبة البريديّة بحصول المقصود، والإذعان إلى الوفود، فإنّ الأمر بقى متوقفا على على مجئ أحد من خاصّة السلطان بخاتم الأمان.
قال بيبرس فى تاريخه: فندبنى السلطان إليهم، ومعى أمانه الشريف، فسرت على البريد إلى الكرك، فاجتمعت بالأمير حسام الدين، فأعلمهما «بحضورى، فدخلت إليهما بالأمان، وأبلغتهما رسالة السلطان (١)» بمواعيد الإحسان، فطابت قلوبهما، (٢) وانشرحت صدورهما، واطمأنّت خواطرهما، ونزلا من الكرك إلى الأمير حسام الدين، فتلقّاهما بالإجلال والإعظام، وركب صبيحة ذلك اليوم إلى الصيد وركبا معه معا، وتصيّدنا يومنا ذلك، وعدنا إلى الوطاق، ورتّب الأمير حسام الدين الأمير عزّ الدين أيبك الموصلى المنصورى فى نيابة السلطنة بالكرك، فإنه كان نائبا فى الشوبك منذ تسلّمها السلطان، وحضر إلى الأمير حسام الدين عند نزوله على الكرك، ووقف بين يديه إلى أن سلمت إليه، فرتّبه فيها ورتّب فى ولاية القلعة الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وفى ولاية المدينة الأمير عزّ الدين أيبك النجمى، وكان السلطان قد عينّهما، وخلع المشار إليه عليهم، وعلى رجال القلعة، ومقدمى المدينة، وأمراء العربان، ورتّب أحوالها، ورحل عائدا إلى الديار المصريّة، وولدا الملك الظاهر صحبته.
قال بيبرس: فلما وصلا إلى قريب القلعة ركب السلطان والعساكر والأمراء فى موكب حفل وتلقاهما، وأقبل عليهما، وأطلعهما القلعة، ولم يعرض [٧٠٦]
стр. 803
إليهما بسوء؛ بل وفّى لهما بأمانة، وغمرهما بإحسانه، وأعطى كلاّ منهما إمرة بمائة فارس، واستمرّا يركبان معه فى الموكب، ويلعبا مع ولديه فى الميدان، ونزلهما منزله، وشرط عليهما أن يسلكا ما يجب من الأدب، ويتجنّبا مناهج الرّيب، فلبثا فى ذلك برهة فى أرغد عيشة وأهنى معيشة، ثم بلغه عنهما أمور أنكرها، فقبض عليهما واعتقلا، وبقيا فى الإعتقال إلى أيام ولده الملك الأشرف، فسيّرهما إلى القسطنطينيّة (١)، فكان منهما ما نذكره إن شاء الله.
ذكر سفر السلطان إلى الشّام:
خرج السلطان إلى الشام (٢)، فنزل غزة، ثم توجّه إلى الكرك جريدة متصيّدا، وترك العساكر مقيمة على غزّة، فوصل إليها فى شهر شعبان من هذه السنة، ونزل على ظاهرها، وطلع إلى قلعتها، ونظر فى أحوالها، وحفر البركة التى فى باب النصر، وكانت قد أهملت وارتدمت، ورتّب أحوال العربان ومن بها من الرجال، وجدّد لأمراء العرب مناشير إقطاعاتهم، وأجرى لهم عادات صلاتهم.
ثم رسم للأمير بيبرس الدوادار صاحب التاريخ بالإقامة فى الكرك نائبا، فأقام، وخرج الأمير عزّ الدين أيبك الموصلى، ونقله السلطان منها إلى نيابة السلطنة وتقدمة العسكر بغزّة، فأقام بها مدة يسيرة، ثم نقله منها إلى قلعة صفد
стр. 804
نائبا بالقلعة خاصّة، عوضا عن الأمير سيف الدين قجفار المنصورى، فإنه كان قد مرض وقصد التوجه إلى الديار المصريّة ليتداوى، فتوجّه، فكانت منيّته فى تلك المرضة، فتوفّى بالقاهرة.
ولما قرر السلطان أحوال الكرك (١) على ما يجب تقريره رحل عنها وتوجه إلى غابة أرسوف، بحكم أن الوخم أصاب العسكر بغزة، فأقام نازلا على الغابة إلى أن هجم الشتاء ووقع الثلج، وأمن حركة العدوّ من الرواح والغدوّ، وعاد إلى الديار المصرية (٢).
قال بيبرس فى تاريخه: وأخذ (٣) الشعراء يمتدحون، فمما قيل فى ذلك أبيات نظمها القاضى شمس الدين الأربلىّ منها:
يا ذا الذى السرحان فى أيامه … والشاء لا هذا على ذا يعتدى
وافيتنا والناس بين محيّر … فى نفسه ومخوّف ومهدّد
[٧٠٧]
ألقيت فينا هيبة حتى لقد … خاف التقىّ فكيف خوف المفسد
فأناب من ما زال منهم يعتدى … حتى ظننّاك الرفاعىّ أو عدى
стр. 805
من كان يدلج فى الحرام ويغتدى … أضحى بخوفك قيّما فى المسجد
وأقمت أمر الله بين عباده … ترجو ثواب الناسك المتعبّد
يا جامعا بين النوال وعدله … وصلاته وصلاته للمحتدى
ما زلت أخشى الحادثات وصرفها … حتى بحبل ولائه علقت يدى
ما ضلّ من بضياء عدلك يهتدى … فى أمره وبنور رأيك يقتدى (١)
قال بيبرس: وأنعم السلطان علىّ بثمانين فارسا وإقطاع الأمير علم الدين سنجر الدوادار الصالحىّ على عادته فى الدربستية، وأرسل إلىّ المنشور الشريف على البريد، وأنالنى من إحسانه فوق المزيد (٢).
ونسخة المنشور الشريف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ذى الفضل الجمّ، والامتنان الذى عمّ، والجميل الذى تمّ، مده حمد من قدّم من شكر منته الأهمّ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [شهادة] (٣) ينجلى بها عن قلب الموحّد الغمّ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى جمع الله بنبوّته شمل الإيمان ولمّ، ﷺ (٤)، وعلى آله عترته وصحابته صلاة نأتمر بها ونأتمّ.
стр. 806
وبعد: فإن خير من سمت به جدوده، واتسمت لشجاعته سعوده، وخفقت برياح النصر بنوده، وعمرت بالخير معاهده ورعيت عهوده، من زكت مغارسه، وصفت بالإحسان ملابسه، وكثرت عند الإعتداد ذخائره من الخدمة ونفائسه، وقصر عن طول ملوله مقايسه.
ولما كان المجلس السّامى الأمير الأجل الإسفهسلار الأوحد المجاهد العضد، ركن الدين فخر الإسلام، شرف الأنام، شرف الأمراء (١) المقدمين، عضد الملوك والسلاطين بيبرس الدوادار الملكى المنصورى، نائب السلطنة بالكرك المحروس، هو أسارير هذا الجبين، وفحوى هذا اليقين، اقتضى حسن الرأى الشريف أن خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورى [٧٠٨] السيفى، زاده الله علاء ونفاذا وإمضاء، أن يجرى فى إقطاعه ما رسم به الآن من الإقطاعات الأعمال الشاميّة لخاصّته ولمن يستخدمه من الأجناد الجياد المعروفين بالخدمة، بالبرك التامّ، والعدّة الكاملة، بعد ارتجاع ما بيده بالديار المصريّة، والعدّة خاصّة ثمانون طواشيا، خارجا عن الملك والوقف، عن الأمير علم الدين سنجر الدوادار الصالحىّ، على عادته فى الدربستية، وذلك لاستقبال مغل سنة خمس وثمانين وستمائة.
وكان استقرارى بها فى النيابة فى شهر شعبان سنة خمس وثمانين وستمائة، وأقمت حول خمس سنين (٢).
وفيها: عزم السلطان على تجريد العساكر مع الأمير حسام الدين نائبه إلى جهة صهيون، فخرجوا من القاهرة فى حادى عشر ذى الحجة من هذه السنة (٣).
стр. 807
وفيها: كتب الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وهو مجرد بحمص إلى نائب دمشق الأمير حسام الدين لاجين أنه انعقدت زوبعة فى يوم الخميس «رابع عشر (١)» صفر بأرض حمص (٢)، ثم ارتفعت فى السماء كهيئة العمود أو الحية العظيمة، وجعلت تختطف الحجارة الكبار، فتصعد بها فى الجوّ كأنها سهام النشاب، وحملت شيئا كثيرا من الجمال بأحمالها، والأثاث والخيام، ففقد الناس شيئا كثيرا من رحالهم وأمتعتهم.
وفيها: أعيد علم الدوادارىّ إلى شدّ الدواوين بدمشق، والصاحب تقى الدين إلى الوزارة بالشام.
وفيها: تولى القضاء فى مذهب المالكية بمصر زين الدين بن مخلوف (٣) التبريزى، عوضا عن القاضى تقى الدين بن شاس (٤)، فإنه توفى إلى رحمة الله تعالى.
وفيها: « ......... » (٥).
حج بالناس: « ......... » (٦).
стр. 808
ذكر من توفّى فيها من الأعيان
أحمد (١) بن شيبان بن ثعلب الشيبانى، أحد مشايخ الحديث المسندين المعمّرين.
توفى فى هذه السنة فى دمشق فى شهر صفر عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بقاسيون.
الشيخ الإمام العالم البارع جمال الدين أبو بكر محمد (٢) بن أحمد بن عبد الله البكرى الشريشى المالكى.
ولد بشريش (٣) فى سنة إحدى وستمائة، ورحل إلى العراق فسمع بها من المشايخ كالقطيعى وابن الليثى وغيرهما، واشتغل [٧٠٩] وحصّل وساد أهل زمانه وبنى أقرانه، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم أقام بالقدس شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق فولى مشيخة الحديث بتربة أم الصالح، ومشيخة الرباط الناصرى، ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل، وتوفى يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب بالرباط الناصرى، ودفن بسفح جبل قاسيون.
стр. 809
قاضى القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف (١) بن قاضى القضاة محيى الدين أبى الفضل يحيى بن محمد بن علىّ بن محمد بن يحيى بن على بن عبد العزيز بن علىّ بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان رضى الله عنه القرشى الدمشقى، المعروف بابن الزكى الشافعىّ.
وكان أحد الفضلاء البارعين؛ والعلماء المبرّزين، وهو آخر من تولى القضاء من بنى الزكى إلى يومنا هذا، وكان مولده فى سنة أربعين، وسمع الحديث، وتوفى ليلة الإثنين حادى عشر ذى الحجة، ودفن بقاسيون، وتوفى بعده ابن الجوزى.
شهاب الدين الشيخ مجد الدين يوسف (٢) بن محمد بن عبد الله المصرىّ، ثم الدمشقىّ الشافعىّ الكاتب المعروف بابن المهتار.
كان فاضلا فى الحديث والأدب، كان يكتب كتابة حسنة جدا، وتولى مشيخة دار الحديث النورية، وقد سمع الكثير، وانتفع الناس به، وبكتابته، وتوفى تاسع عشر ذى الحجة (٣)، ودفن بباب الفراديس.
الشاعر الأديب شهاب الدين أبو عبد الله محمد (٤) بن عبد المنعم بن محمد المعروف بابن الخيمى.
стр. 810
كانت له مشاركة فى علوم كثيرة، ويد طولى فى النظم الرائق الفائق، جاوز الثمانين سنة، وقد تنازع هو ونجم الدين بن إسرائيل (١) [فى] (٢) قصيدة بائية (٣)، فتحاكما إلى ابن الفارض، فأمرهما بنظم أبيات على رويهما، فنظم كل منهما فأحسن، ولكن حكم لابن الخيمى، وكذلك فعل القاضى شمس الدين بن خلكان، ﵀.
البيضاوى هو القاضى الإمام العلامة ناصر الدين عبد الله بن (٤) عمر الشيرازى، قاضيها، وعالم أذربيجان وتلك النواحى.
مات بتبريز فى هذه [٧١٠] السنة ومن مصنفاته: المنهاج فى أصول الفقه، وهو مشهور وقد شرحه غير واحد، وله منهاج آخر فى أصول الدين، ومنهاج آخر فى الفروع وشرحه هو، وله شرح التنبيه فى أربع مجلدات، وله الغاية القصوى فى دراية الفتوى، وشرح المنتخب والكافية فى المنطق، وله الطوالع، وشرح المحصول أيضا، وله غير ذلك من التصانيف المفيدة، وقد أوصى القطب الشيرازىّ أن يدفن إلى جانبه بتبريز، رحمهما الله.
الأمير ركن الدين إباجى (٥) الحاجب، توفى فى هذه السنة، ﵀.