← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وبعد: فإن خير من سمت به جدوده، واتسمت لشجاعته سعوده، وخفقت برياح النصر بنوده، وعمرت بالخير معاهده ورعيت عهوده، من زكت مغارسه، وصفت بالإحسان ملابسه، وكثرت عند الإعتداد ذخائره من الخدمة ونفائسه، وقصر عن طول ملوله مقايسه. ولما كان المجلس السّامى الأمير الأجل الإسفهسلار الأوحد المجاهد العضد، ركن الدين فخر الإسلام، شرف الأنام، شرف الأمراء (١) المقدمين، عضد الملوك والسلاطين بيبرس الدوادار الملكى المنصورى، نائب السلطنة بالكرك المحروس، هو أسارير هذا الجبين، وفحوى هذا اليقين، اقتضى حسن الرأى الشريف أن خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورى [٧٠٨] السيفى، زاده الله علاء ونفاذا وإمضاء، أن يجرى فى إقطاعه ما رسم به الآن من الإقطاعات الأعمال الشاميّة لخاصّته ولمن يستخدمه من الأجناد الجياد المعروفين بالخدمة، بالبرك التامّ، والعدّة الكاملة، بعد ارتجاع ما بيده بالديار المصريّة، والعدّة خاصّة ثمانون طواشيا، خارجا عن الملك والوقف، عن الأمير علم الدين سنجر الدوادار الصالحىّ، على عادته فى الدربستية، وذلك لاستقبال مغل سنة خمس وثمانين وستمائة. وكان استقرارى بها فى النيابة فى شهر شعبان سنة خمس وثمانين وستمائة، وأقمت حول خمس سنين (٢). وفيها: عزم السلطان على تجريد العساكر مع الأمير حسام الدين نائبه إلى جهة صهيون، فخرجوا من القاهرة فى حادى عشر ذى الحجة من هذه السنة (٣).

стр. 807

وفيها: كتب الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وهو مجرد بحمص إلى نائب دمشق الأمير حسام الدين لاجين أنه انعقدت زوبعة فى يوم الخميس «رابع عشر (١)» صفر بأرض حمص (٢)، ثم ارتفعت فى السماء كهيئة العمود أو الحية العظيمة، وجعلت تختطف الحجارة الكبار، فتصعد بها فى الجوّ كأنها سهام النشاب، وحملت شيئا كثيرا من الجمال بأحمالها، والأثاث والخيام، ففقد الناس شيئا كثيرا من رحالهم وأمتعتهم. وفيها: أعيد علم الدوادارىّ إلى شدّ الدواوين بدمشق، والصاحب تقى الدين إلى الوزارة بالشام. وفيها: تولى القضاء فى مذهب المالكية بمصر زين الدين بن مخلوف (٣) التبريزى، عوضا عن القاضى تقى الدين بن شاس (٤)، فإنه توفى إلى رحمة الله تعالى. وفيها: « ......... » (٥). حج بالناس: « ......... » (٦).

стр. 808

ذكر من توفّى فيها من الأعيان أحمد (١) بن شيبان بن ثعلب الشيبانى، أحد مشايخ الحديث المسندين المعمّرين. توفى فى هذه السنة فى دمشق فى شهر صفر عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بقاسيون. الشيخ الإمام العالم البارع جمال الدين أبو بكر محمد (٢) بن أحمد بن عبد الله البكرى الشريشى المالكى. ولد بشريش (٣) فى سنة إحدى وستمائة، ورحل إلى العراق فسمع بها من المشايخ كالقطيعى وابن الليثى وغيرهما، واشتغل [٧٠٩] وحصّل وساد أهل زمانه وبنى أقرانه، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم أقام بالقدس شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق فولى مشيخة الحديث بتربة أم الصالح، ومشيخة الرباط الناصرى، ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل، وتوفى يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب بالرباط الناصرى، ودفن بسفح جبل قاسيون.

стр. 809

قاضى القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف (١) بن قاضى القضاة محيى الدين أبى الفضل يحيى بن محمد بن علىّ بن محمد بن يحيى بن على بن عبد العزيز بن علىّ بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان رضى الله عنه القرشى الدمشقى، المعروف بابن الزكى الشافعىّ. وكان أحد الفضلاء البارعين؛ والعلماء المبرّزين، وهو آخر من تولى القضاء من بنى الزكى إلى يومنا هذا، وكان مولده فى سنة أربعين، وسمع الحديث، وتوفى ليلة الإثنين حادى عشر ذى الحجة، ودفن بقاسيون، وتوفى بعده ابن الجوزى. شهاب الدين الشيخ مجد الدين يوسف (٢) بن محمد بن عبد الله المصرىّ، ثم الدمشقىّ الشافعىّ الكاتب المعروف بابن المهتار. كان فاضلا فى الحديث والأدب، كان يكتب كتابة حسنة جدا، وتولى مشيخة دار الحديث النورية، وقد سمع الكثير، وانتفع الناس به، وبكتابته، وتوفى تاسع عشر ذى الحجة (٣)، ودفن بباب الفراديس. الشاعر الأديب شهاب الدين أبو عبد الله محمد (٤) بن عبد المنعم بن محمد المعروف بابن الخيمى.

стр. 810

كانت له مشاركة فى علوم كثيرة، ويد طولى فى النظم الرائق الفائق، جاوز الثمانين سنة، وقد تنازع هو ونجم الدين بن إسرائيل (١) [فى] (٢) قصيدة بائية (٣)، فتحاكما إلى ابن الفارض، فأمرهما بنظم أبيات على رويهما، فنظم كل منهما فأحسن، ولكن حكم لابن الخيمى، وكذلك فعل القاضى شمس الدين بن خلكان، ﵀. البيضاوى هو القاضى الإمام العلامة ناصر الدين عبد الله بن (٤) عمر الشيرازى، قاضيها، وعالم أذربيجان وتلك النواحى. مات بتبريز فى هذه [٧١٠] السنة ومن مصنفاته: المنهاج فى أصول الفقه، وهو مشهور وقد شرحه غير واحد، وله منهاج آخر فى أصول الدين، ومنهاج آخر فى الفروع وشرحه هو، وله شرح التنبيه فى أربع مجلدات، وله الغاية القصوى فى دراية الفتوى، وشرح المنتخب والكافية فى المنطق، وله الطوالع، وشرح المحصول أيضا، وله غير ذلك من التصانيف المفيدة، وقد أوصى القطب الشيرازىّ أن يدفن إلى جانبه بتبريز، رحمهما الله. الأمير ركن الدين إباجى (٥) الحاجب، توفى فى هذه السنة، ﵀.

стр. 811

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّادسة والثمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلّت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان الديار المصريّة والشاميّة: الملك المنصور قلاون الألفى الصالحىّ. وبقية أصحاب البلاد على حالهم. ذكر بعوث السلطان: منها: بعثة العسكر إلى صهيون وسنقر الأشقر فيها حاكم، فخرجوا أوائل المحرم. وقال النويرىّ: وكان خروجهم فى أواخر السنة الماضية (١). وقال بيبرس: وذلك للأسباب التى اتفقت من الأمير شمس الدين سنقر الأشقر. منها: كونه تقاعد عن الحضور إلى حصن المرقب، وتأخّر عن المساعدة فى الجهاد المفترض عليه. ومنها: أنه كان يشنّ الغارات بخيله ورجله على البلاد التى حوله، وخرج عما وقع عليه الاتفاق، وأبدى أنواعا من الشقاق، فسيّر السلطان إليه جيشا صحبة

стр. 812

المشار إليه (١)، فتوجّه فى جماعة من العسكر، فسار ومعه من الأمراء والأكابر، ونزل على صهيون، وأرسل إلى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر يعرض عليه تسليم الحصن، والتوجه إلى الديار المصرية، ويعرفه ما وعده السلطان من المواعيد، وما نواه له من المؤيد، [وما قصده من اجتماع الشمل بأنسه، والراحة من القيل والقال الذى يشوب الود بعكسه]، فما (٢) أجاب ولا أظهر [تماسكا بشئ من هذه الأسباب]، فعند (٣) ذلك جدّ فى محاصرته، وبالغ فى مضايقته، ونصب عليه المجانيق، ورماه بالأحجار (٤)، وشدّد عليه الحصار، فلما رأى ذلك عاين الهلك، وأيقن أنه متى فتح (٥) الحصن عنوة لم يأمن على نفسه، فأرسل يطلب الأمان (٦)، ويلتمس [٧١١] تأكيده بالإيمان، فأجابه الأمير حسام الدين إلى ذلك، وحلف له على

стр. 813

ما قصده هنالك، وضمن عن السلطان أنه سيعامله بالجميل، ويصله من إحسانه بكل جزيل، وأنه لا يعرض إليه بسوء فى نفسه وجسده وأهله وولده وحاشيته. فلما استوثق بتأكيد العهود واطمأنّ إلى هذه الوعود نزل من صهيون وتسلمها الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى، ورتّب فيها نائبا وواليا ورجّالة، وأنعم على رجالها، ونظر فى أحوالها، وسار عنها والأمير شمس الدين سنقر الأشقر صحبته، فرتّبت له الإقامات، وأجزلت له الكرامات، ولما وصلوا إلى قريب القلعة ركب السلطان وولداه الصالح والأشرف وولدا الملك الظاهر بين يديه فى موكب حفّت به العساكر، واجتمعت فيه الأمراء الأكابر، والصالحيّة، والنجمية، وسائر الخشداشية، وتلقى السلطان الأمير شمس [الدين (١)] سنقر المذكور بالبشر والإقبال، وتعانقا، وتكارشا، [وتعارضا، تحية المحبين إذا التقيا بعد البين (٢)]، ثم أطلعه القلعة معه، وأسكنه فيها، وحمل إليه من الخلع الفاخرة، والأقمشة الزاهرة، وحوائص الذهب الثمينة، وأنواع التحف النفيسة، وأعطاه إمرة مائة فارس، وساق إليه من الخيل المسوّمة، والسروج المحلاة، وغير ذلك، ماملأ عينيه، ويده، واتخذه فى الحضر جليسا، وفى السفر أنيسا، وفى المهمات مشيرا، وبقى على ذلك بقيّة أيام السلطان، فلما أفضى الملك إلى ولده الأشرف أوقع به على ما نذكره إن شاء الله (٣).

стр. 814

وقال النويرى: ولما نزل سنقر الأشقر من صهيون طائعا إلى خدمة الأمير حسام الدين، سار حسام الدين وهو معه إلى اللاذقية، وكان فيها برج للإفرنج تحيط به البحر من جميع جهاته، فتوصل حسام الدين طريقا إليه، وحاصره وتسلمه بالأمان وهدمه، ثم سار منه إلى غزّة، ثم إلى مصر. ومنها: أن السلطان بعث جيشا من الأمراء والأجناد وعربان البلاد وغيرهم صحبة الأمير علم الدين سنجر المسرورى متولى القاهرة المعروف بالخياط، والأمير عزّ الدين أيدمر السيفى أستاذ الدار، والأمير أيتمش السّعدىّ متولى الأعمال القوصيّة لغز والنوبة، فتوجهوا [٧١٢] ووصلوا دنقلة، وأغاروا عليها وعلى أعمالها، وسبوا ونهبوا وغنموا، وجلبوا شيئا كثيرا من الرقيق (١). ذكر بقيّة الحوادث: منها: أنه ولى القضاء بالقاهرة قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن بن قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، عوضا عن برهان الدين الحصرى الحسن السنجارى. ومنها: أنه وقع ببلاد الغربية من الديار المصرية فى زمن الحصاد برد، فضرب كثيرا من الزرع القائم. ومنها: أن تدان منكو بن طغان بن دوشى خان ابن جنكزخان صاحب البلاد الشمالية أظهر التوله والتخلى عن النظر فى أمور المملكة، والانقطاع إلى المشايخ

стр. 815

والفقراء، والإلمام بالصلحاء والعبّاد، وقيل له: إن الملك لا بدّ له من ملك يسوسه، فأشار بأنه قد نزل عنه لابن أخيه تلابغا بن طرنوا بن دوشى خان بن جنكزخان، فطابت نفسه بذلك ووافقه الخواتين والأخوة والأعمام والأقارب والإلزام، وكانت مدة مملكة تدان منكو حول خمس سنين (١)، وكان له من الأولاد أن منكى وصراى تمر وسكباى. ومنها: أن تلابغا المذكور ملك عوضا عن تدان منكو، وتجهز وسار بعساكره إلى بلاد الكرك للإغارة عليها، وغزو من فيها، وأرسل إلى نوغيه يأمره بالمسير فيمن عنده من العساكر ليجتمعا على الغارة على بلاد كرك، فسار نوغيه فى التمانات التى عنده، وتوافيا فى المقصد، وشنّوا الغارة، ونهبوا ما شاءوا وقتلوا من شاءوا وعادوا، وقد تمكن الشتاء، وتكاثرت الثلوج، واستصعبت الطرقات، ففصل نوغيه عنه بمن معه وسار إلى مشاتيه، فوصل سالما هو وكل من يليه، وسار تلابغا يتعسّف البيد الموعرة، والفيافى المقفرة، فتاه عن حدّ الطرق، وناله وعسكره غاية الضنك والضيق، وهلك أكثرهم من شدة البرد، وعدم القوت، ولم يسلم إلا القليل منهم، فعزّ ذلك على تلابغا وتوهم أن نوغيه إنما فعل ذلك مكرا بهم ومكيدة ليهلك عساكره، ويبيد عشائره، فأضمره الغدر، وأبطن له الشرّ، وذلك لما ناله ونال عسكره من الشدة الشديدة التى ألجأتهم إلى أكل لحوم دوابهم التى

стр. 816

يركبونها، ودوابهم التى استصحبوها، ولحوم من مات منهم جوعا، [٧١٣] فاتفق مع أصحابه على قصد نوغيه، على ما سنذكره فى مكانه إن شاء الله تعالى (١). وفيها: « ...... » (٢). وفيها: حج بالناس الأمير سيف الدين قطز السلحدار.

стр. 817

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العلاّمة القدوة قطب الدين أبو بكر محمد (١) بن الشيخ الإمام أبى العباس أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن الميمون القيسى التوزرى (٢)، ثم المصرى، ثم المكى الشافعى المعروف بابن القسطلانى. شيخ دار الحديث الكاملية (٣) بالقاهرة، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، ورحل إلى بغداد وغيرها، وسمع الكثير وحصّل علوما، وكان يفتى على مذهب الشافعى، وأقام بمكة مدة طويلة، ثم صار إلى مصر، ثم تولى مشيخة الحديث بها، وكان حسن الأخلاق، محببا إلى الناس، وكانت وفاته فى أواخر المحرم، ودفن بالقرافة الكبرى، وله شعر حسن.

стр. 818

الشيخ الإمام محمد (١) بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، بدر الدين ابن العلامة جمال الدين الطائى الجيانى، ثم الدمشقى. كان إماما فى النحو وغيره، أخذ عن والده، ومن تصانيفه: شرح ألفية والده، وله مقدمة فى المنطق، ومقدمة فى العروض، ومات قبل الكهولة من قولنج كان يعتريه كثيرا فى سنة ست وثمانين وستمائة بدمشق، ودفن بمقبرة باب الصغير. عماد الدين محمد (٢) بن عباس الدنيسرى الطبيب الماهر الحاذق الشاعر. خدم الأكابر والوزراء وعمّر ثمانين سنة، وتوفى فى صفر منها بدمشق. قاضى القضاة برهان الدين الخضر (٣) بن الحسن بن على السنجارى، ولى الحكم بديار مصر غير مرة وولى، الوزارة أيضا، وكان رئيسا وقورا مهيبا، وقد باشر بعده القضاء تقى الدين بن بنت الأعز.

стр. 819

شرف الدين سليمان (١) الشاعر المشهور، له ديوان شعر رائق، توفى فى صفر منها. الشيخ الصالح عز الدين عبد العزيز (٢) بن عبد المنعم بن صيقل الحرانى. وله سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير، ثم استوطن مصر حتى كانت وفاته بها فى رابع عشر رجب وقد جاوز السبعين، وقد سمع منه الحافظ علم الدين للبرزالى لما رحل إلى مصر فى سنة أربع وثمانين. وحكى عنه أنه شهد جنازة ببغداد، فتبعهم نبّاش، فلما كان الليل جاء إلى ذلك القبر، ففتح عن الميت، وكان شابا قد أصابته سكتة، فلما فتح القبر نهض الميّت جالسا، فسقط النباش ميتا فى القبر، وخرج الشابّ من قبره وحكى له: كنت مرة بقليوب وبين يدى صبرة قمح، فجاء زنبور فأخذ حبّة من القمح، ثم جاء فأخذ أخرى، [٧١٤] ثم جاء فأخذ أخرى أربع مرّات، فذهبت فاتبعته، فإذا هو يضع الحبّة فى فم عصفور أعمى فى تلك الأشجار التى هناك. قال: وحكى لى الشيخ الصالح عبد الكافى أنه شهد مرة جنازة، فإذا

стр. 820

عبد أسود معنا، فلما صلّى الناس لم يصل، فلما حضرنا الدفن نظر إلىّ وقال: أنا عمله، ثم ألقى نفسه فى القبر، فنظرت فلم أر شيئا. الحافظ أبو اليمن عبد الصمد (١) بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن عسكر الدمشقى. ترك الرئاسة والأملاك، وجاور بمكة ثلاثين سنة مقبلا على العبادة والزهادة، وقد حصل له قبول تامّ من الناس من الشاميين والمصريّين وغيرهم، ثم كانت وفاته بالمدينة النبويّة فى ثانى رجب، ﵀. الشيخ الإمام الورع الزاهد الحافظ المجوّد صاحب الرياضات والمجاهدات صدر الدين محمد (٢) بن الشيخ سديد الدين القزوينى. إمام صفة صلاح الدين بخانقاة سعيد السعداء بالقاهرة، توفى فيها فى هذه السنة. الأمير سيف الدين قجقار (٣) المنصورى. نائب السلطنة بصفد، توفى فى هذه السنة.

стр. 821

الأمير ركن الدين أباجى الحاجب (١)، توفى يوم الأحد عاشر رمضان من هذه السنة. الأمير سيف الدين كراى الظاهرى، توفى فى هذه السنة وكان أميرا كبيرا. الأمير حسام الدين لاجين (٢) الزينى السّعيدى، توفى فى هذه السنة. الأمير علم الدين سنجر (٣) الباشقردى الصالحى. توفى بالقاهرة ليلة الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان، وكان قد تولى نيابة حلب، ثم عزل عنها بالأمير قرا سنقر فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. الأمير بدر الدين بيليك (٤) الأيدمرىّ. توفى فى رابع المحرم منها ودفن بتربته قرب مشهد الإمام الشافعىّ رضى الله عنه، وحزن السلطان عليه حزنا عظيما.

стр. 822

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّابعة والثمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. والسلطان الملك المنصور قلاون صاحب الديار المصريّة [٧١٥] والشامية والحلبيّة، وقد عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعىّ المنصورىّ عن الوزارة، وصادره، وأخذ أمواله، وكان أكثر حنقه عليه أنه بلغه عنه أنه قد أفحش فى المظالم، واستجلب الدعاء على دولته من العالم، وأن فى سجنه جماعة كثيرة عدتهم مئون، وقد مرت عليهم شهور وسنون، وقد صار موجودهم كله جعلا للرسل وبرطيلا للمقدّمين، فرسم لبهاء الدين بغدى الدوادار بأن يخرج إلى أماكن هؤلاء المصادرين، ويكشف أمرهم عن يقين، فخرج فى الليل إلى دار الفلوس التى هى مجمع الدواوين، فوجد فيها خلقا، فقاموا إليه مستصرخين، فأعلم السلطان بأمرهم، فأمر الأمير حسام الدين طرنطاى نائبه يعرضهم، وأمر [بإطلاق] (١) من يجب إطلاقه منهم، فعرضهم (٢) وأفرج عن جميعهم، وباء بأجرهم كما باء الشجاعىّ بإثمهم، ووجد سوء عاقبة ظلمهم، وكانت هذه النقمة الحالّة به بأدعيهم، فلله درّ القائل:

стр. 823

أتهزأ بالدعاء وتزدريه … وما يدريك ما فعل الدعاء سهام الليل ما تخطئ ولكن … لها أجل وللأجل انقضاء (١) ثم ولّى السلطان الأمير بدر الدين بيدرا (٢) المنصورى الوزارة، وكان أولا أمير مجلس، ثم صار أستاذالدار، ثم نقله إلى الوزارة عوضا عن علم الدين سنجر الشجاعى المذكور، فأحسن فيها السيرة، وعامل الناس فى اللطف (٣)، وانكفّت فى أيامه المرافعات، وقلّت المصادرات، وانجلت ظلم الظلمات، وذاقت الدواوين حلاوة الأمن من بعد مرارة الخوف، ولم يزل مستمرا (٤) إلى أن انقضت الدولة المنصورية، وأقبلت الدولة الأشرفية، فنقل إلى نيابة السلطنة، فكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٥). قلت: بيدرا هذا هو ثانى الوزراء من الترك أرباب السيوف، وأولهم الشجاعى المذكور، وكانت ولاية بيدرا للوزارة فى السابع والعشرين من ربيع الأول [٧١٦] من هذه السنة. وفيها: بنى السلطان ببنت الأمير شمس الدين سنقر التكريتى الظاهرىّ، وأفرج عنه من الإعتقال، وأعطاه إمرة بالشام، ثم بانت (٦) عنه.

стр. 824

وفيها: فى شهر رمضان كبس نصرانىّ وعنده مسلمة وهم يشربون الخمر فى نهار رمضان، فأمر نائب السلطنة بدمشق حسام الدين لاجين بتحريق النصرانى، فبذل فى نفسه أموالا جزيلة، فلم تقبل منه، وحرّقه بسوق الخيل. وفيها: وقعت الحرب بين قبلاى خان صاحب التخت والتاج وبين قيدو وابن قجى وابن أوكديه بن جنكزخان أحد ملوك التتار، وكان سبب الواقعة أن أميرا من أمراء قبلاى يسمّى طردغا أحس [بأن] (١) قبلاى قد تغيّر عليه، وعزم على الإيقاع به، فهرب ولحق بقيدو، وحسّن له قصد قبلاى وحربه، وأطمعه فى أخذ مملكته، وقال له: إنه قد كبر سنّه وما بقى ينهض بتدبير ملكه، وإنما أولاده هم الذين يتولون الأمور وهم صبيان، فسار قيدو بجيوشه لقصده وسار طردغا صحبته، وبلغ ذلك قبلاى، فجهز جيوشه، وأرسلها صحبة ولده نمغان لحربه، فلما وصل قيدو قريبا من القوم، بلغه أنهم فى جمعية كثيرة، فأراد الرجوع من فوره، فقال له طردغا: يعطينى الملك تومان من نقاوة العسكر وأنا أدبر له الحيلة وأكسرهم. قال له قيدو: وكيف تصنع؟ قال: إن الطريق الذى قدامنا فيها واد بين جبلين، فأتوجّه بالتومان، فأكمن فى الوادى، ويتقدّم الملك إلى القوم حتى إذا وقعت العين على العين يرجع موليا، فهم لا بد لهم أن يتبعونه، فإذا تبعوه يستدرجهم إلى أن يصيروا بين الوادى وبينه، فأخرج إليهم ويلتفت العسكر عليهم، ففعل قيد وكذلك، وكمن الكمين مع طردغا نوين، وسار حتى تقابل

стр. 825

العسكران، ووقع العيان على العيان، فطمع عسكر قبلاى فيهم لقلتهم وحملوا عليهم، فما ثبتوا لحملتهم وانهزموا قدامهم راجعين، وتبعوهم طامعين حتى إذا تجاوزا مكان الكمين خرج عليهم طردغا نوين [ومن] (١) معه من نقاوة [٧١٧] التوامين، ثم كرّ عليهم قيدو بمن معه، فكسر عسكر قبلاى أشدّ كسرة، وأثخنوا فيهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم ساروا فى آثارهم حتى أشرفوا على ديارهم فنهبوها، ونهبوا من النساء والصبيان خلقا عظيما، وجلب من ذلك السبى عدّة من المماليك إلى الديار المصريّة، ونجا نمغان ابن قبلاى فى عدّة من أصحابه، فلما وصل إلى أبيه سخط عليه وأرسله إلى بلاد الخطا، فمات بها (٢). وفيها: « ...... » (٣). وفيها: حج بالناس سيف الدين بلبان الدكاجلى المعروف بالشحنة، فبارز عليه الأمير أبو نمى الحسنى صاحب مكة، وأمسكه باتفاق مع الحجاج، وسيّره إلى السلطان، فأرسله إلى الكرك، فاعتقل فيها مدة، ثم أطلق فيما بعد.

стр. 826

ذكر من توفى فيها من الأعيان الخطيب الإمام قطب الدين أبو الوفا عبد المنعم (١) بن يحيى بن إبراهيم بن على ابن جعفر بن عبد الله بن محمد بن سعيد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف رضى الله عنه، القرشىّ الزهرىّ. خطيب القدس الشريف أربعين سنة، وكان من الصلحاء الكبار، مجموعا عن الناس، حسن الهيئة، مهيبا، عزيز النفس، يفتى الناس، ويذكر التفسير من حفظه فى المحراب بعد الصبح، وقد سمع الكثير، وكان من الأخيار، ولد سنة ثلاث وستمائة، وتوفى ليلة السابع والعشرين من رمضان عن أربع وثمانين سنة، وتولى موضعه بدر الدين بن جماعة (٢). الشيخ الصالح العابد إبراهيم (٣) بن معضاد بن شداد بن ماجد الجعبرىّ، تقى الدين أبو إسحاق.

стр. 827

أصله من قلعة جعبر، ثم أقام بالقاهرة وكان يعظ الناس وكان الناس ينتفعون بكلامه كثيرا، توفى بالقاهرة يوم السبت الرابع والعشرين من المحرّم، ودفن فى تربته بالحسينية، وله نظم حسن، وكان من الصالحين المشهورين. ومن أشعاره قوله: أرى غراما وتعذيبا وفرط جوى … وحرقة فى الهوى تعلو على سقر ولست أدرى بمن وجدى ولا نظرت … عيناى حبّى فى بدو ولا حضر [٧١٨] فهل رأيتم جميع الناس أعجب من … حالى وقد سمعتم مثل ذا الخبر أذوب شوقا إلى من لست أعرفه … ولأى خيالا منه فى عمر (١) الحكيم الفاضل العلامة علاء الدين على (٢) بن أبى القرشى الدمشقى، المعروف بابن النفيس. نشأ بدمشق واشتغل بها على مهذب الدين الدخوارى، وإليه انتهت رئاسة الطبّ، وصنف التصانيف المفيدة منها: كتاب الشامل فى الطبّ، وكتاب المهذّب فى الكحل، وكتاب الموجز وهو من أحسن الكتب، وشرح القانون

стр. 828

فى مجلدات كثيرة، وشرح مسائل حنين، وفصول أبقراط، وغير ذلك (١)، توفى بالقاهرة فى الحادى والعشرين من ذى القعدة منها. الشيخ بدر الدين أبو عبد الله محمد (٢) بن الشيخ جمال الدين بن مالك النحوى. شارح الألفية التى لأبيه وهو من أحسن الشروح وأكثرها فوائد، وكان لطيفا ظريفا فاضلا، توفى يوم الأحد الثامن من المحرم، ودفن من الغد بباب الصغير بدمشق. الشيخ الصالح ياسين (٣) بن عبد الله المقرئ، الحجّام. شيخ الشيخ محيى الدين النووى، وقد حج عشرين حجة، وكانت له أحوال وكرامات، توفى يوم الأربعاء الثالث من ربيع الأول. الشيخ أبو العباس أحمد (٤) بن عمر المرسى، من أصحاب الشيخ الشاذلى (٥)، توفى فى هذه السنة (٦).

стр. 829

الشيخ الصالح عثمان (١) بن خضر بن سعد الكردى المراكشى العدوىّ صاحب الكرامات. توفى فى هذه السنة، وحكى عنه تلميذه قال: لما كان فى اليوم الذى التقى الملك الظاهر مع التتار بالأبلستين حصل للشيخ غفوة من الوسن، ثم أفاق من سنته فقال: كنت فى هذه الساعة فى بلاد الروم، ورأيت الملك الظاهر وقد انتصر على التتار ونصب دهليز على قيسارية، فورّخ الوقت والساعة، فكان الأمر كما أخبر الشيخ، ﵀ (٢). ناصر الدين حسن (٣) بن شاور النقيب الشاعر. وله أشعار ومقطعات رائقة، توفى فى هذه السنة، ومن أشعاره: عاش صبّا بكم ومات محبّا … فسقى الله منه مهدا وتربا ما قضى أو قضى حقوق هواكم … وأباح « ...... » (٤) جسما وقلبا [٧١٩] قام والله ما الذى أوجب العشق … على مثله وإن كان صعبا رضى الموت فى الغرام ولم … يرض ملاما عليه فيه وعتبا

стр. 830

هكذا هكذا وإلا فلا لا … كلّ من هام أو صبا أو أحبّا يا محبّين هذه صفة الحبّ … وذا وصف من يسمّى محبّا لو صدقتم محبّة ما نطقتم … لا تظنوا الغرام لهوا ولعبا ليس من يشهد القتال بعينيه … كمن يلتقى طعانا وضربا ريح صبّ لسوقه الحبّ للموت … فينقاد وهو لا يتأبّى وكان حس الدعابة، وجرّد فى وقت إلى بعض البياكر فقال: وجرّدت مع فقرى وشيخوختى إلى … غربتى فعينىّ مثل نومى مشرّدا فلا يدّعى غيرى مقامى فإنّنى … أنا ذلك الشيخ الفقير المجرّد محمد (١) بن محمد بن محمد العلامة أبو الفضائل، عرف بالبرهان النسفى الحنفى، صاحب التصانيف الكلامية والخلافيّة، مولده سنة ستمائة تقريبا، ولخّص تفسير الإمام فخر الدين، وله مقدّمة فى الخلاف مشهورة، وأجاز للإمام البرزالى فى سنة أربع وثمانين وستمائة، وكتب بخطه الملقب بالبرهان النسفى، توفى فى هذه السنة (٢)، ودفن تحت قبة مشهد أبى حنيفة رضى عنه. الملك الصّالح علاء الدين على (٣) بن الملك المنصور قلاون.

стр. 831

مرض بالدوسنطاريّة الكبديّة، وهى من الأمراض القاتلة الرديّة، فتوالى عليه رمى الدم، وأعيى الأطبّاء دواءه، فقدّر الله منيّته فى هذه السنة. وقال ابن كثير: توفى ليلة الجمعة رابع شعبان من هذه السنة، فوجد عليه السلطان وجدا عظيما (١)، وكان قد عهد إليه فى الأمر (٢) من بعده، وخطب له معه (٣) على المنابر من مدة سنين، ودفنه فى تربته، وجعل ولاية [العهد من] (٤) بعده إلى ابنه الملك الأشرف (٥) خليل، وكتب بذلك إلى الآفاق، وخطب له بعد أبيه فى البلاد. وقال بيبرس: وخلف الملك الصالح ولدا ذكرا وهو الأمير مظفر الدين أمير موسى، ولما أفضت الدولة إلى عمّه السلطان الملك الناصر صار فى زمرة الأكابر وأمّره بمائة فارس: [٧٣٠] ورث السعادة عن أبيه وجدّه … وحوى السيادة كابرا عن كابر فالله يحرسه ويرفع مجده … فى ظلّ مولانا المليك الناصر الخونده غازية (٦) خاتون بنت السلطان الملك المنصور قلاون وزوجة الملك السعيد بن الظاهر، توفيت بعد الصالح المذكور ببرهة يسيرة، وهى أخته لأبيه، والله أعلم.

стр. 832

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثّامنة والثمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. والسلطان الملك المنصور قلاون صاحب الديار المصرية والشّاميّة والحلبّية، ونائبه فى الديار المصرية الأمير حسام الدين طرنطاى، وفى دمشق الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، وفى حلب الأمير قراسنقر المنصورى. ذكر سفر السلطان إلى الشام: وفى هذه السنة رسم السلطان للعساكر بالتجهيز، وعزم على التبريز، وخرج من قلعته فى المحرم من هذه السنة، وسار إلى الشام على عزم غزو طرابلس وأخذها، وذلك أن أهلها نقضوا قواعد الصلح، وكدّروا موارد الهدنة، بما ارتكبوا من الفساد، وسوء الاعتماد، والتطرّق إلى الطرقات، والتعرض إلى المسلمين فى معظم الأوقات، فعزم على حصارها، وصمّم على دمارها (١)، وكتب إلى النواب بالممالك الشاميّة والحصون الساحليّة بتجهيز الجيوش إليها، وإنفاذ المجانيق وآلات الحصار والنزول عليها.

стр. 833

ذكر فتح طرابلس: توجّه السلطان إليها، ونزل عليها، وجاءت الأمداد من جميع البلاد، وجدّوا فى الحصار. وقال ابن كثير: نزل السلطان على طرابلس وصحبته خلق كثير من المتطوعة، منهم قاضى الحنابلة نجم الدين بن الشيخ، وخلق من المقادسة وغيرهم، فنازلها يوم الجمعة مستهل ربيع الأول وحاصرها بالمجانيق (١) حصارا شديدا، وضايقها مضايقة عظيمة ونصب عليها تسعة عشر منجنيقا، فلما كان يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة (٢) فتحت [٧٢١] طرابلس فى الساعة الرابعة من النهار عنوة، وشمل القتل والأسر جميع من فيها، وغرق كثير منهم فى الميناء (٣)، ونهبت الأموال، وسبيت النساء والأطفال، وأخذت (٤) الذخائر والحواصل، وقد كانت (٥) طرابلس فى أيدى الفرنج من سنة ثلاث وخمسمائة (٦) إلى هذا التاريخ، وقد كان الملك صنجيل حاصرها سبع سنين حتى ظفر بها كما ذكرنا، وكانت قبل ذلك بأيدى المسلمين من زمن

стр. 834

معاوية رضى الله عنه، فإنه فتحها فى زمن معاوية سفيان بن نجيب فأسكنها معاوية اليهود، ثم لما كان عبد الملك بن مروان جدّد عمارتها وحصّنها وسكنها المسلمون، حينئذ وصارت مطمئنّة، وبها ثمار الشام ومصر، فإنه يجتمع فيها الجوز والموز والبلح (١) والقصب، وقد كانت (٢) قبل ذلك كله ثلاث مدن متقاربة، ثم صارت بلدا واحدا، ثم حولت من موضعها، فإن السلطان أمر بهدم هذه البلدة بما فيها من العمائر والآدر والأسوار وأن تبنى على ميل منها بلدة غيرها أمكن منها وأحسن، ففعل ذلك، فهى هذه التى هى الآن، جعلها الله دار أمان (٣). وفى تاريخ النويرى: مدة لبث الفرنج عليها من يوم استولوا عليها نحو مائة سنة وخمس وثمانون سنة وشهورا، وكان فتحها عنوة يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر (٤)، وهرب أهلها إلى الميناء؛ فنجا أولهم فى المراكب، وقتل غالب رجالها، وسبيت ذراريهم، وغنم منها المسلمون غنيمة عظيمة، وكان فى البحر قريبا من طرابلس جزيرة، وفيها كنيسة تسمى كنيسة سنطماس بينها وبين طرابلس الميناء، فلما أخذت طرابلس هرب إلى الجزيرة المذكورة عالم عظيم من الإفرنج رجال ونساء، فاقتحم العسكر الإسلامىّ البحر وعبّروا خيولهم سباحة إلى الجزيرة المذكورة، وقتلوا جميع من بها من الرجال، وغنموا ما بها من النساء والصغار والأموال، وصار الناس لا يستطيعون الصعود إليها من نتن جيف القتلى.

стр. 835

ثم عاد السلطان إلى دمشق، وأعطى صاحب حماة الدستور، فعاد إلى بلده، ودخل السلطان دمشق يوم النصف من جمادى الآخرة. ثم سافر السلطان [٧٢٢] فى ثانى شعبان بجيشه إلى الديار المصريّة، فدخلها فى آخر شعبان من هذه السنة. وفى تاريخ بيبرس: وانهزمت طائفة من الفرنج من أهل طرابلس إلى جزيرة قريبة من الميناء لم يكن يتوصل إليها إلا بالقوارب وصغار المراكب، فالتجأوا إليها وظنوا أنهم يحتمون بها، ونقلوا معهم ما عزّ عليهم من قماشهم وأثاثهم، فاقتضعت سعادة السلطان وشقوتهم أن انطرد البحر عنهم، وظهرت للعساكر المخائض إليهم، فبادروا إليها ما بين راجل وفارس، وأوقعوا بمن كان فيها من شيخ وشابّ، وبكر وعانس، وركب أقوام منهم مركبا فى البحر لينجوا بأنفسهم، فطردتهم الريح إلى الساحل، وتعذر عليهم الخروج فى العاجل، وكانت (١) هناك الخيول الإسلاميّة مع الدشاريّة (٢)، فخرج إليهم الغلمان (٣) والشاكردية والوشاقية (٤)

стр. 836

وأمير آخوريّة (١) ووقعوا فيهم ونهبوهم وأسروا من وجدوا منهم، فكان الخذلان لهم فى البرّ والبحر، ولم يستشهد فى هذه الغزاة إلا الأمير عزّ الدين مغان أمير شكار، والأمير ركن الدين منكورس الفارقانى، ثم أمر السلطان بتخريب المدينة بكمالها، وبنيت بالقرب منها مدينة أخرى وسميت طرابلس المستجدة، وسكنها كثير من المسلمين، واستقرّ بها نائب السلطنة، وطائفة من العسكر، ولما فرغ السلطان من أمرها رحل عائدا إلى الديار المصريّة (٢). وقال بدر الدين المنبجى البزاز (٣) الشاعر فى ذلك قصيدة يذكر فيها الفتح، ويمدح السلطان، ﵀: أدركت بالجدّ أقصى غاية الطلب … ونلت بالجدّ أعلى منتهى الرتب أبا المظفّر لا زالت مظفّرة … منك الجيوش على الأعداء بالرعب فالله جارك أنّى سرت من ملك … وناصر لك من ناء ومقترب للهول مرتكب للحقّ منتصر … للغزو محتسب للأجر مكتسب بالسيد الملك المنصور شيد على … الإسلام وانهدّ دين الشرك والصلب يا مدرك الغاية القصوى التى عجزت … عنها الورى برضى فى الله أو غضب [٧٢٣]

стр. 837

أحرزت ما فات قدما من طرابلس … جمع الملوك ذوى الارعاب والرّهب أتعبت نفسك فى ذات الآله بها … فيالها راحة وافت من التعب فتح يتيه على كل الفتوح به … عصر غدا منتشى الأعطاف من طرب فكم لها فى حبال الكفر من حقب … مرّت ولم ترج تطليقا على حقب أعضت على الذلّ أحيانا وما برزت … بالوجه طالبة بعدا من الحجب حتى إذا ما رأت كفؤا لخطبتها … دعت فلبّيتها فى حجفل لجب أصدقتها كل ثبت القلب ترعب من … إقدامه أسد الآجام من رعب آساد معركة عقبان مقتلة … فرسان ملحمة للموت لم تهب من كل قطر أحاطوا محدقين بها … كما أحيط على الأحداق بالهدب لو كنت شاهدهم والشمس طلعتها … من شقّة النقع يوم الزحف فى نقب خلت الأسّنة شهبا لحن فى غسق … والمشرفيات برقا شيم فى سحب قل للملوك التى أعيتهم فقضوا … عمرا وكلّ إليها الدهر ذو أرب تهدى العرائس من شم الحصون إلى … من بات يخطبها بالسمر والقضب غادرتها بمناجيق نصبن لها … ورفع أبراجها خفض بمنتصب فأصبحت ذات أصحاب وكم جنيت … على مرادك من جار لها جنب أجريت فيها بحارا نجيعهم … فكل سابحة سبحا إلى اللبب لم تطلع الشمس فيها بعد ذاك على … غير الشلايا من القتلى ولم تغب لله درّ عواليك التى وصلت … لك المعالى نجبل غير منقضب

стр. 838

وافتهم فى جيوش منك أسد شرى … بالبيض والبيض واللامات والثلب خاضت إليهم عباب البحر مسرعة … كأنها فى طريق مهيع لجب أذقتهم بعد عزّ مرّ ذلّهم … وبعدا من كؤوس الخوف والوصب يا رافعا علم الدين الحنيف ومن … أصاب بالحفض دين الرجس والصلب [٧٢٤] أن نلت ما أعجزت صيد الملوك بما … أدركت من فتحها الميمون عن كتب فآية السيف كم من آية نسخت … وطلعة الشمس كم أخفت من الشهب جزاك ربّك عنه كل صالحة … وكفّ عنك أكفّ الخلف فى النّوب ودمت ترجى وتخشى ذا علا وسطا … على العدى وعلى الإسلام ذا حدب واهتّم السلطان بعد ذلك فى استجلاب المماليك الترك والتتار إلى هذه الديار قصدا فى الاستظهار والاستكثار، وبذل الأموال لمن يحضرهم من التجار فى المفاوز والبحار، ورغّبهم بالمسامحات تحقيق الإيراد والإصدار، فجلبوا إليه منهم العدد الكثير، والجمّ الغفير، حتى أنه اقتنى منهم عدّة لم يسبقه إلى مثلها أحد من اشكاله، فكانت زهاء ستّة آلاف اشتراهم بماله، ورباهم تربية الأولاد، برسم الجهاد، وغزو الأعداء والأضداد، ولم يزل مشفقا عليهم محسنا إليهم، ناقلا لهم على التدريج من الجامكيات إلى الإقطاعات، ومن المغاردة إلى إمرة العشرات، ثم إلى الطبلخانات، ومنهم من انتقل إلى تقدمد الألوف وإمرة المئين، وكانوا جميعا عنده كبنيه؛ بل أعزّ من البنين.

стр. 839

وفيها: فتحت قلاع كثيرة بناحية حلب وكركر وتلك النواحى، وكسرت طائفة من التتار. وفيها: سلطن السلطان ولده الملك الأشرف خليل، وركب من قلعة الجبل، وشقّ القاهرة من باب النصر إلى باب زويلة بشعار السلطنة، وطلع القلعة، وزينت له القلعة. وفيها: توجّه شمس الدين بن سلعوس (١) من دمشق إلى مصر لخدمة السلطان الملك الأشرف بن السلطان الملك المنصور قلاون، ودخلها فى أواخر المحرم من السنة الآتية. وقال ابن كثير: جاء كتاب يستحث الوزير شمس الدين بن السلعوس فى السير (٢) إلى الديار المصريّة وبين الأسطر بخط الملك الأشرف: يا شقير يا وجه الخيّر، احضر تسلّم (٣) الوزارة، فساق إلى القاهرة، فوصلها يوم الثلاثاء عاشر المحرم من السنة الآتية (٤)، فتسلّم الوزارة. وفيها: « ...... » (٥). وفيها: حج بالناس [٧٢٥] الأمير ركن الدين بيبرس الجالق الصالحى.

стр. 840

ذكر من توفى فيها من الأعيان الإصبهانى شارح المحصول، محمد (١) بن محمود بن محمد بن عباد الكافى، العلامة شمس الدين الأصبهانى. قدم دمشق بعد الخمسين وستمائة، وناظر الفقهاء، واشتهرت فضائله، وسمع الحديث، وشرح المحصول لفخر الدين الرازىّ (٢)، وصنف القواعد فى أربعة فنون: أصول الدين والفقه والمنطق والخلاف، وله معرفة جيدة بالمنطق والخلاف والنحو والآداب، وقد رحل إلى مصر فدرس بمشهد الحسين رضى الله عنه، وبالشافعىّ ﵀، وغيرهما، ورحل إليه الطلبة، وكانت وفاته فى العشرين من رجب بالقاهرة عن ثنتين وسبعين سنة. الشمس محمد (٣) بن العفيف سليمان بن علىّ بن عبد الله بن على التلمسانى الشاعر المطبق.

стр. 841

كانت وفاته فى حياة أبيه، فتألّم له، ووجد عليه وجدا شديدا، ورثاه بأشعار كثيرة، توفى يوم الأربعاء الرابع عشر من رجب، وصلى عليه بالجامع الأموىّ، ودفن بمقبرة الصوفية. ومن رائق شعره: لحاظك أسياف ذكور فما لها … كما نقلوا مثل الأرامل تغزل وما بال برهان العذار مسلّما … ويلزمه دور وفيه تسلسل وله: وإنّ ثناياه نجوم لبدره … وهنّ لعقد الحسن فيه فرائد وكم يتجافى خصره وهو ناحل … وكم يتحالى (١) ثغره وهو بارد وله يذمّ الحشيشة: ما للحشيشة فضل عند آكلها … لكنّه غير مصروف إلى رشده صفراء فى وجهه خضراء فى فمه … حمراء فى عينه سوداء فى جسده (٢) وله: بدا وجهه من فوق ذابل قدّه (٣) … وقد لاح من سود الذّوائب فى جنح فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجى … وقد طلعت شمس النهار على رمح

стр. 842

وله من جملة أبيات: من أنت عندى والقضيب … اللّدن فى حدّ سوا هذا حرّكه الهوى … وأنت حرّكت الهوى (١) الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن (٢) بن يوسف بن محمد البعلبكى الحنبلى. شيخ دار الحديث النورية، ومشهد بن عروة، وشيخ الصدريّة، وكان يفتى ويفيد [٧٢٦] الناس مع ديانة وصلاح وعبادة، ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وتوفى فى رجب من هذه السنة. العلم الصاحب أحمد (٣) بن يوسف بن عبد الله بن شكر. كان من بيت علم ورئاسة، وقد درس هو فى بعض المدارس، وكانت له وجاهة ورئاسة، ثم ترك ذلك كله وأقبل على صحبة الحرافشة والتشبّه بهم فى اللباس والطريقة، واستعمل ما كان عندهم من الفهم فى الخلاعة والمجون، وقد كان له أولاد فضلاء ينهونه عما هو فيه فلا يلتفت إليهم، ولم يزل كذلك حتى توفى ليلة الجمعة الحادى والعشرين من ربيع الآخر.

стр. 843

وقال بمدح الحشيشة: فى خمار الحشيش معنى مرامى … يا أهيل العقول والأفهام حرّموها من غير عقل ونقل … وحرام تحريم غير الحرام وله: يا نفس ميلى إلى التصبّى … فما للهو منه الفتى يعيش (١) ولا تملى من سكر يوم … إن أعوز الخمر والحشيش وله: جمعت بين الحشيش والخمر … فرحت لا أهتدى من السكر يا من يرمنى لباب مدرستى … يربح والله غاية الأجر الشيخ الحافظ ضياء الدين محمد بن الزرزارىّ، توفى فى ثامن جمادى الأولى من هذه السنة. الملك المنصور شهاب الدين محمود (٢) بن الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل. توفى يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان، وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن من يومه بتربة جدته، وكان ناظرها، وقد سمع الحديث الكثير، وكان يحبّ أهله، وكان فيه لطف وتواضع.

стр. 844

الأمير عزّ الدين مغان أمير شكار، والأمير ركن الدين منكوبرس الفارقانى استشهدا فى غزوة طرابلس كما ذكرناه. قبلاى خان بن طلو بن دوشى خان بن جنكزخان ملك التتار بالصين. وهو أكبر الخانات لأنه الجالس على التخت، والحاكم على كرسى جنكزخان، وكان قد طالت مدته، وامتدت مملكته، توفى فى هذه السنة، وجلس بعده ولده شرمون بن قبلاى خان، وكان له ثلاثة أولاد وهم: نمغان وشرمون [٧٢٧] وكملك، فأما يمغان فإنه أرسله إلى بلاد الخطا لما غضب عليه عند رجوعه من كسرة قيدو منهزما، فمات ببلاد الخطا كما ذكرنا (١). وأما شرمون فإنه أكبر من أخيه، فأجلسوه فى الملك والله أعلم. الشّيخة فاطمة (٢) بنت الشيخ إبراهيم الزعيبى زوجة النجم إسرائيل. كانت من بيت الفقر، لها إقدام وترجمة وكلام فى الحريرية وغيرهم، ماتت فى هذه السنة، وحضر جنازتها خلق كثير، ودفنت بخوزستان. ***

стр. 845

قد انتجز هذا الجزء المبارك على يد مؤلّفه ومسطره العبد الفقير إلى الله الغنى أبى محمد محمود بن أحمد بن موسى العينى الحنفى، عامله ربّه ووالديه بلطفه الجلىّ والخفى، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، بعد طلوع الفجر الصادق، وحلول صلاة الصبح، يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عام اثنتين وثلاثين وثمانمائة من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلوات، وأزكى التحيات، وعلى آله وصحبه وعترته وأزواجه إلى يوم الدين، وذلك فى منزله بحذاء مدرسته البدرية بحارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر، عمّره الله بالعبادات، مع تخلّلات الحوادث والأعراض، وتجرّع الغصص من أصحاب الشر والأعراض، فنسأل الله العظيم متوسّلين بنبيه الكريم أن يحرسنا من شرّ كل ذى شرّ وحسد، ومن عداوة كل ذى حقد ونكد، وأن يجعلهم مشغولين بأنفسهم حتى لا يشتغلون بالحط علينا، وببلوغ المنكّدات إلينا، إنه على ذلك قدير، وبدفعهم عنا هو القادر الجدير. ويتلوه الجزء الذى أوّله فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التاسعة والثمانين بعد الستمائة. انتهى كلام المصنف شيخنا. ***
следующие страницы →