٢٢ - نهاية الأرب فى فنون الأدب - لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرى المتوفى سنة ٧٣٢ هـ/ ١٣٣٢ م - دراسة ونشر وتحقيق للمجلد رقم ٢٨ - الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٨.
٢٣ - وثائق من عصر سلاطين المماليك - دراسة ونشر وتحقيق تسعة نماذج متنوعة - المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة ١٩٨١.
٢٤ - وثائق وقف السلطان قلاون على البيمارستان المنصورى (الوثيقة رقم ١٥/ ٢ بدار الوثائق القومية بالقاهرة، وصورتها رقم ١٠١٠ ق بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة) - الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٧ م.
٢٥ - وثائق وقف السلطان الناصر محمد بن قلاون (وهى الوثائق رقم ٢٥/ ٤ وصورتها ٣١/ ٥، ٢٧/ ٥، ٣٠/ ٥) المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة - والمتضمنة وقف خانقاة سرياقوس والوقف على مصالحها - الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٢ م.
٢٦ - وثيقة وقف ذمية (وثيقة وقف ماريا ابنة أبى الفرج بركات - من وثائق بطريركية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة رقم ٤١/ ١٩ - الدرب الأحمر) - انظر:
of Orient)G.E.S.H.O.(Vol.XVIII،p.l،٥٧٩١ enne-Journal of Economic and Social History Un Acte de Fondation du Waqf Par une Chreti -
стр. 877
٢٧ - وثيقة وقف السلطان قايتباى على المدرسة الأشرفية وقاعة السلاح بدمياط (الوثيقة ٨٨٩ ق أوقاف وصورتها رقم ٧٠٣ جديد بأرشيف وزارة الأوقاف بالقاهرة) - المجلة التاريخية المصرية مجلد ٢٢ سنة ١٩٧٥.
стр. 878
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد .. فهذا هو الجزء الثالث من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك من كتاب بدر الدين محمود العينى المسمى «عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان» وهو عبارة عن ١٩٢ ورقة من الجزء ١٩ من نسخة دار الكتب المصرية رقم ١٥٨٤ تاريخ، وهى النسخة الملفقة من هذا الكتاب (١)، وهو نفس الجزء الذى يحمل رقم ١٥ من نسخة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
وللجزء ١٩ من نسخة دار الكتب (١٥ فى معهد المخطوطات العربية بالقاهرة) أهمية خاصة إذ أنه بخط المؤلف، ويتناول أحداث وتراجم الفترة من ٦٨٩ - ٧٠٧ هـ، وقد اعتمد فيه العينى اعتمادا أساسيا على مصدرين معاصرين للأحداث، وشارك مؤلفاهما فى العديد من الأحداث.
فالمصدر الأساسى الأول الذى اعتمد عليه العينى فى هذا الجزء من كتابه هو كتاب «زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة» لمؤلفه بيبرس بن عبد الله المنصورى قلاوون الدوادار، كبير الدولة الناصرية محمد بن قلاوون، ونائب السلطنة بالقاهرة، والذى توفى سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٤ م، والذى شارك فى العديد من الأحداث التى أوردها العينى فى هذا الجزء من كتابه.
стр. 879
أما المصدر الأساسى الثانى الذى اعتمد عليه العينى فى هذا الجزء من كتابه فهو كتاب «نزهة الناظر فى دولتى المنصور والناصر» لمؤلفه موسى بن محمد بن يحيى اليوسفى، أحد أجناد الحلقة، والمتوفى سنة ٧٥٩ هـ/ ١٣٥٨ م.
ونلاحظ أن العينى كان حريصا على أن ينقل الروايات والأحداث التى شاهدها اليوسفى بنفسه أو استقى معلوماته عنها من المشاركين فى الأحداث، كما حرص العينى على إثبات ذلك توثيقا لما يورده من روايات وأحداث.
وأول نص ينقله العينى عن نزهة الناظر فى أوائل سلطنة الأشرف خليل ويتحدث فيه اليوسفى عن السبب فى مسك طرنطاى، وذلك فى حوادث سنة ٦٨٩ هـ، وبعد وفاة المنصور قلاوون، رغم أن عنوان الكتاب كما أورده العينى هو «نزهة الناظر فى دولتى المنصور والناصر»، ويبدو أن العينى وجد أن ما أورده اليوسفى عن دولة المنصور إنما نقله من مصادر أخرى، ولم يكن اليوسفى مشاركا فى الأحداث أو شاهد عيان، وبدأ يعتمد عليه فى الأجزاء التى تلت أخبار وفاة المنصور قلاوون.
ومن الأمثلة التى تدل على حرص العينى فى هذا المجال ما يذكره مثل:
«وقال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى جماعة منهم» أو «قال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى علم الدين الطيبرسى» أو «قال صاحب نزهة الناظر ذكرلى زردكاش بيدرا» … الخ.
وابتداء من حوادث سنة ٦٩٢ هـ نجد أن العينى ينقل عن اليوسفى باعتباره شاهد عيان، ويحرص العينى على إثبات ذلك فيقول: «قال صاحب التاريخ:
ورأيته فى ذلك اليوم» أو «وقال صاحب التاريخ: كنت فى ذلك اليوم مع والدى أشاهد ما وقع» أو «قال: وقد خرجت مع والدى صحبة العسكر
стр. 880
والسلطان لما خرجوا لقصد فتح قلعة الروم، وكان والدى مع جماعة المقدمين».
وإذا كان كتاب «زبدة الفكرة» وبخاصة الجزء التاسع منه متداول ومعروف عند الباحثين والدارسين لعصر سلاطين المماليك، فإن كتاب «نزهة الناظر فى دولتى المنصور والناصر» يعتبر فى عداد الكتب المفقودة، اللهم فيما عدا الجزء الذى نشر أخيرا فى بيروت بعنوان «نزهة الناظر فى سيرة الملك الناصر» (١) والذى يتضمن أحداث الفترة ٧٣٣ - ٧٣٨ هـ، وهى فترة محدودة بالقياس إلى عنوان الكتاب كما أورده العينى «دولتى المنصور والناصر»، والمفترض أنه يتناول أحداث الفترة من ٦٧٨ - ٧٤١ هـ، ويصبح لنص العينى فى هذا الجزء أهمية خاصة إذ حفظ لنا مصدرا أساسيا لفترة هامة من عصر سلاطين المماليك.
واعتماد العينى على هذين المصدرين - بصفة أساسية - فى هذا الجزء يزيد من أهمية الكتاب، ولا أبالغ إذا قلت أن العينى قد رفع هذا الجزء من كتابه إلى مستوى كتابات المعاصرين وشاهدى العيان والمشاركين فى الأحداث.
وتبعا لخطة النشر فإن الجزء ١٩ من نسخة دار الكتب سوف ينشر فى جزئين - إن شاء الله - هما الثالث والرابع من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك.
والجزء الثالث - الذى نقدمه اليوم - يتناول حوادث وتراجم الفترة من ٦٨٩ - ٦٩٨ هـ/ ١٢٩٠ - ١٢٩٨ م، وهى الفترة المحصورة بين وفاة السلطان الملك المنصور قلاوون، وبداية السلطنة الثانية للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتضمنت عهود ثلاثة من سلاطين المماليك هم: الأشرف خليل
стр. 881
ابن قلاوون، وزين الدين كتبغا، وحسام الدين لاجين، فضلا عن السلطنة الأولى للناصر محمد.
وفى ختام هذا التعريف الموجز لا يسعنى إلا أن أتقدم بالشكر إلى الأستاذ على عبد المحسن زكى مدير عام مركز تحقيق التراث، وإلى أعضاء لجنة التاريخ بالمركز الذين قاموا بمراجعة تجارب المطبعة، وشاركوا فى إعداد كشافات الكتاب وهم: السيدة/نجوى مصطفى كامل، والسيد/على صالح حافظ، والسيد/عوض عبد الحليم حسن، والسيدة/إلهام محمد خليل، كما أوجه الشكر إلى السيد/عبد المنعم عبد الفتاح الناسخ بمركز تحقيق التراث.
وبعد، فالكمال لله وحده، ولا يسعنى إلا أن أذكر قوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا»، وأدعوه أن يوفقنا لإتمام هذا العمل ولخدمة التراث الإسلامى.
والله ولى التوفيق،
دكتور محمد محمد أمين
(لوحة رقم ١
بداية الجزء ١٩
(لوحة رقم ٢
ورقة ٣ ويظهر بها مواضع الثقوب وطمس الكلمات
(لوحة رقم ٣)
ورقة ١٩١
(لوحة رقم ٤)
ورقة ١٩٢ وبها نهاية الجزء المنشور
стр. 882
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التاسعة والثمّانين بعد الستمائة (¬*)
استهّلت هذه السنة، والخليفة: الحاكم بأمر الله العباسى أبو العباس أحمد (١).
وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة: الملك المنصور قلاون (٢) الألفى الصالحى.
وصاحب الروم: مسعود (٣) بن السلطان عز الدين كيكاوس، وليس له إلا الاسم، والحكم فيها للتتار.
وصاحب البلاد الشمالية والتى كرسيّها صراى: تلابغا (٤) بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشى خان بن جنكز خان.
وصاحب الصين الذى هو أكبر الخانات، والحاكم على كرسىّ مملكة جنكز خان: شرمون بن قبلاى خان بن طلو خان بن دوشى خان بن جنكز خان.
стр. 883
وصاحب خراسان والعراقين وما والاها من البلاد: أرغون (١) بن أبغا بن هلاون الذى هو ملك التتار فى هذه البلاد.
وفى هذه السنة اتصل الخبر بالسلطان المنصور قلاون أن الفرنج الذين فى عكا، قد عاثوا وأفسدوا ونهبوا (٢) إلى أن وصل إلى البلاد تجار من المسلمين ومعهم مماليك قاصدين بهم الأبواب السلطانية، فاحتاطوا عليهم وقتلوهم (٣)، وأخذوا ما معهم من المماليك والبضاعة.
وذكر بيبرس فى كتابه المسمّى باللطائف (٤): أنهم قتلوا ثلاثين نفرا، فلما سمع السلطان بذلك غضب لله ولرسوله ﵇، وأرسل إليهم بالإنكار واسترجاعهم عن الغدر والإضرار، فأبوا إلا التمادى والإصرار (٥)، وإبداء الأعذار بما لا يقبل. فتأهب السلطان عند ذلك لقصدهم، وتجهز للسفر وأمر العساكر بالتجهيز، وخرج من القلعة وخيّم على مسجد التّبر (٦) فى العشر الأخير من شوال،
стр. 884
واستخلف بالقلعة: ولده الملك الأشرف خليل (١)، والأمير زين الدين كتبغا (٢) نائب السلطنة، وكان قد أعاد الأمير علم الشجاعى (٣) إلى الوزارة، وكان أمر أيضا لنائب الشام (٤) أن يعمل مناجيق وزردخاناه لأجل حصار عكا. وكان قد سفّر بسبب ذلك الأمير عز الدين الأفرم (٥) أمير جاندار (٦)، وكان قد أفرج أيضا عن الأمير علم الدين سنجر الحلبى (٧) فى شوال، وكانت مدّة اعتقاله ست سنين، ولما خرجت العساكر ولم يبق إلا الرحيل عاقه القدر عما يرومه، وأدركه أمر الله، فتوفى إلى رحمة الله تعالى.
стр. 885
ذكر وفاة السلطان الملك المنصور قلاون (١) ابن عبد الله التركى الصالحى النجمى الألفى
توفى فى المخيم بمسجد التبر ظاهر القاهرة يوم (٢) السبت السادس من ذى القعدة من هذه السنة، وسببه أنه لما نزل موكبه بالدهليز (٣) لحقه من نهاره جريان الجوف بالإسهال، واشتد به المرض وهو بالخيام، ولم يلبث إلا خمسة أيام وتوفى إلى رحمة الله، كذا ذكره بيبرس فى كتابه اللطائف.
وقال النويرى: ابتداء مرضه فى العشر الأواخر من شوال بعد نزوله فى الدهليز فى المكان المذكور، وتزايد به المرض حتى توفى فى التاريخ المذكور.
وقال غيره: وجد السلطان فى جسده توعكا ليلة نزوله من القلعة، ودخل الأمراء عليه، فدعوا له، وتزايد به الألم، وصار ولده الأشرف كل يوم ينزل من القلعة فيقيم عنده إلى ما بعد العصر، ثم يرجع ويبيت فى القلعة، فيقى على
стр. 886
ذلك من العشر الأخير من شوال إلى العشر الأول من ذى القعدة وألمه يتزايد، وكان الأمراء يدخلون عليه، ويقعدون عنده (١) فلما زاد ألمه منع الأمير طرنطاى (٢) - أتابك العساكر - الأمراء من الدخول عليه، فصار يدخل عليه بمفرده (٣) ويخرج بالسلام للأمراء، فلما قوى به المرض [٣] اجتمع كبار مماليكه الأمراء مثل كتبغا وأيبك الخازندار وغيرهما عند الأمير طرنطاى، وأفاضوا بينهم الأمر «والرأى وقالوا لطرنطاى: أنت تعلم (٤)» أمرك مع الأشرف، وبغضه فيك، والأمر صائر إليه، والسلطان «ما بقى فيه رجوة، وتعلم (٥)» أيضا ما بينك وبين الشجاعى من البغضاء، وهو قاتلك بلا محالة «وينجر الأمر إلينا، وما يخّلى منا (٦)» أحدا، فخذ لنفسك قبل استحكام الأمر، فسكت ساعة، وقال: والله «العظيم لا يسمع أنى خنت (٧)» أستاذى، ولا ولده من بعده، ولا عملت فتنة «بين المسلمين، وإذا صار (٨)» الأمر إليه، فإن رضينى كنت مملوكه، وإن قتلنى كنت مظلوما، وكل مقضى كائن (٩).
стр. 887
وكان طرنطاى قد عرّف الجمدارية الذين حول السلطان أنه إذا عرض عليه عارض يعرّفوه. فلما تزايد به المرض، وظهر منه ما يدل على الموت يدخل إليه، فأعلموه بذلك، فدخل عليه، فوجده فى النزع، فقعد عند رأسه حتى توفى إلى رحمة الله، وغمّضه، وقصد المماليك أن يصيحوا ويبكوا، فمنعهم من ذلك، وقال لهم: اكتموا أمره.
وقعد على عادته بباب الدهليز، وحضر الأمراء فأعطاهم دستورا، وأسرّ لسنقر الأشقر بالجلوس بمفرده، فلما ذهب الأمراء أخبره بموت السلطان، واستشاره فيما يفعله. فقال له: مهما اخترت تعمل فنحن بين يديك، فقال له: قم إلى خيمتك، والمقضى كائن.
فما تضاحى النهار حتى وقع الصوت بين الخيم بموت السلطان، وذلك يوم السبت السادس من ذى القعدة.
وعند ذلك ركب طرنطاى، وطلب الحجاب، وأمرهم أن يعرفوا الأمراء أن يركب كل أمير ويقف مكانه، ولا يتعدّاه حفظا لأحوالهم، ثم طلب الطواشى مرشد، مقدم المماليك السلطانية، ورسم له أن يركب وصحبته المماليك السلطانية، وأن يكونوا مع ولد السلطان بالقلعة.
فركب الطواشى، وركبت المماليك معه، وتوجهوا إلى القلعة، فوافوا الأشرف خليل وهو نازل من القلعة، وعرفه الطواشى بموت السلطان، فرجع إلى القلعة.
وأقام الأمير طرنطاى هناك إلى المغرب، حتى شالوا الخزانة، والأطلاب جميعها وأرسلهم إلى القلعة، ثم حمل السلطان فى تابوت إلى أن أدخل القلعة،
стр. 888
وظل بالقصر فى قاعته الكبرى حتى غسّل ودفن بتربته ببين القصرين (١).
ودفن بتربته يوم العاشر من ذى القعدة بمدرسته المذكورة (٢) التى ليس بمصر ولا الشام شبيها لها، فإنها تربة ودار حديث ومارستان وقبة ومدرسة للمذاهب الأربعة - كما ذكرنا (٣).
كان جلوسه على التخت يوم الأحد الحادى والعشرين من شهر رجب (٤) سنة ثمان وسبعين وستمائة، فيكون له فى ملكه إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر (٥) وأيام، وخلّف من الأولاد الذكور ثلاثة وهم: الملك الأشرف صلاح الدين خليل،
стр. 889
والملك الناصر محمد، وأحمد ولد بعد موته (١) ومات فى دولة أخيه الأشرف. ومن الإناث بنتين إسم إحديهما: التطمش [وتعرف بدار مختار، وأختها دار عنبر] (٢).
وكان وسيما جسيما، حسنا، قيّما، تاما، نبيلا، حليما، جميلا، من أحسن الناس صورة وأكثرهم هيبة، تعلوه جلالة وحشمة ووقار، وعليه مهابة وحرمة.
وأما جنسه فهو من خالصة القفجاق (٣) [٤] من القبيلة المعروفة ببرج أغلى (٤).
وكان قد اشترى مماليكا كثيرة حتى بلغت عدتهم إثنى عشرة (٥) ألفا، وقيل سبعة آلاف وهو الأصح (٦)، وكان قد أمرّ منهم ثلاثة آلاف وسبعمائة مملوك من الجراكسة (٧)، وأسكنهم فى أبراج القلعة وسمّاهم البرجية، وأقام نوابه فى البلدان من مماليكه الذين أمرهم، وهم الذين غيروا ملابس الأمراء الماضية (٨)، ولبسوا أحسن
стр. 890
الملابس، لأن فى الدوله الصلاحية (١) كانوا يلبسون كلوتات (٢) صفرا مضربة بكلبندات (٣) بغير شاشات (٤)؛ وشعورهم مضفورة دبابيق (٥) فى أكياس حرير ملون أصفر وأحمر، وكان فى خواصرهم بنود ملونة، أو بعلبكية عوض الحوائص (٦)، وأكمام أقبيتهم (٧) ضيقة على زى ملابس الفرنج، وأخفافهم (٨) برغالى أو سقامين (٩)، ومن فوق
стр. 891
قماشهم كمرات (١) بحلق وإبزيم (٢)، وصوالقهم (٣) كبار، يتسع كل صولق نصف ويبة (٤) أو أكثر، ومنديلهم كبار طوله ثلاثة أذرع، فأبطل المنصور ذلك كله بأحسن منه.
وكانت الخلع للأمراء المقدمين الأكابر الخاصة (٥)، فخصص السلطان الملك المنصور من الأمراء بلبس [٥] طرد وحش (٦)، وهم خشداشيته (٧) أربعة أنفس، وهم: سنقر الأشقر (٨)، وبيسرى (٩)، والأيدمرى (١٠)، والأفرم، وباقى الأمراء
стр. 892
الخاصكية (١)، والبرانيينّ (٢) بلبس المروزى، والطبلخانات بالملون، والعشرات بلبس العتابى (٣).
وكان يباشر أحوال مماليكه بنفسه حتى أنه كان فى غير يوم الخدمة (٤) يوضع له كرسى ويخرج أهل كل طبقة إلى الرحبة فيلعبون بالرمح، ولهم معلمون، ثم إذا فرغوا من ذلك يتصارعون إلى الظهر، فإذا صلوا الظهر نزلوا مع الخدام لرمى النشاب، وهذا كان دأبهم دائما، ورزق فيهم السعادة بحسن نيته وحسن تدبيره ورأيه، فلذلك لم تزل السلطنة إلى يومنا هذا فى بيته وحاشيته (٥).
وله من الفتوحات من القلاع التى بيد الإفرنج: المرقب، وجبلة، واللاذقية، وطرابلس، وأخذ من أولاد الظاهر: الكرك، والشوبك.
стр. 893
وأبطل مظالم كثيرة منها: زكاة الدولة (١)، كانت تؤخذ من كل من كان عرف عنده مال الزكاة، ولو هلك ماله، أو مات، تؤخذ من ورثته بالضرب والحبس. ومنها ما كان يؤخذ من أهل الذمة عن كل واحد دينار - غير الجالية (٢) - برسم نفقات الجند، فأبطله. ومنها ما كان يؤخذ من التجار عند سفر العسكر للغزاة عن كل تاجر دينار، فأبطله. ومنها ما كان يجبى من الناس على قدر معايشهم إذا حضر مبشر بأخذ حصن أو بنصرة المسلمين، فأبطله.
ورثاه جماعة من الشعراء، فقال بعضهم أبياتا يرثيه بصدورها ويهنّئ ولده الأشرف بأعجازها:
إن أوجع الدهر القلوب وأحزنا … فلقد تدارك بالمسرّة والهنا
خطب عظيم جاءنا من بعده … فرح أزال صباحه ظلم العنا (٣)
بمنية المنصور شاهدنا الرّدى … لكن شهدنا فى ابنه كلّ المنى
стр. 894
فلئن أساء الدّهر فيه فإنّه … بالأشرف الملك المؤيّد أحسنا
يا راحلا أبكى العيون تركت من … ملأ القلوب مسرة والأعينا
أحسنت ثم تركت فينا محسنا … فجزيت خيرا غاب شخصك أم دنا
يا سيف (١) … دين الله إن فّلتك عن
بعض المراد كؤوس حين تحننا (٢)
أبشر فقد خلّقت بعدك صارما … ما أنفلّ عن نيل المراد ولا انثنى
وانعم بمقعدك الكريم فملك من … خلفّته أبدا يزيد تمكّنا (٣)
ذكر الأمراء الذين كان إليهم الأمر بالديار المصريّة:
الأمير حسام الدين طرنطاى نائب السلطنة، وأتابك العساكر.
والأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة فى الغيبة، وهو أيضا نظير طرنطاى فى العظمة (٤).
والأمير علم الدين الشجاعى، متولى الوزارة (٥).
والأمير بدر الدين بيدرا، أستاد الدار العالية (٦).
والأمير عز الدين أيبك الخزندار، مرتّب فى منصبه أمير جاندار.
стр. 895
وأما الأمراء الذين يلون (١) الممالك الشامية (٢):
فالأمير (٣) حسام الدين لاجين السلحدار، نائب دمشق وأعمالها.
والأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار (٤) نائب حلب بأعمالها.
والأمير سيف الدين بلبان (٥) السلحدار، نائب السلطنة بالحصون الساحلية.
والأمير حسام الدين بلبان (٦) الجو كندار، [٦] نائب صفد بأعمالها.
والأمير بدر الدين كيكلدى المنصورى، نائب حمص بأعمالها.
والأمير علاء الدين كشتغدى المنصورى، نائب الشوبك بأعمالها.
والأمير بيبرس الدوادار (٧)، نائب الكرك بأعمالها.
والأمير شمس الدين آقسنقر كرتيه، نائب غزّة ورملة بأعمالها.
والأمير علم الدين سنجر أرجواش، نائب قلعة دمشق (٨).
стр. 896
ذكر سلطنة الأشرف خليل ابن المنصور قلاون
لما توفى المنصور بالوطاق كما ذكرنا، وقف الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى بنفسه، فنقله إلى القلعة والخزائن معه بسرعة، وأمر الولاة والنوّاب بحفظ الشوارع والأبواب، ونادى مناديه بأن من تفوّه بما لا يعنيه حلّ (١) به ما لا يرضيه، وأصبح الملك الأشرف متحكما مستقلا، لم يختلف فيه اثنان، ولا تحرّكت شفة ولا لسان، وكان والده ﵀ لمّا احتضر استدعاه إلى الوطاق، [واستدناه وهو فى السباق (٢)]، وأوصاه بأن يحفظ مماليكه ويحافظ عليهم، ويبالغ فى الإحسان إليهم، ويستمرّ بهم على اقطاعاتهم ووظائفهم بمصر والشام، ويهتم بمصالحهم كل الاهتمام (٣).
стр. 897
وكان مماليك والده لهم العمال والنواب بالأعمال، فأطاعوه جميعا، فكانوا دعائم بنيانه، وقواعد أركانه.
وكان جلوسه فى السلطنة فى سابع ذى القعدة من هذه السنة، وكان صبيحة وفاة والده يوم الأحد، ودخلت عليه الأمراء، وقبّلوا الأرض بين يديه، ثم استحلفهم جميعا، ووقف الأمير حسام الدين طرنطاى مع الأمراء (١)، فطلبه وقرّبة، وطيب خاطره، واستقرّبه على نيابته، وخلع عليه، وخلع على الشجاعى وولاّه الوزارة.
وقيل: إن الشجاعى تولى الوزارة فى سابع عشر ذى الحجة.
وأرسل البرد إلى البلاد والأقاليم بوفاة والده، واستقراره فى دست المملكة، وخلع على سائر الأمراء والمقدمين وأعيان الدولة، وركب بشعار السلطنة (٢) يوم الجمعة الثانى عشر من ذى القعدة، والعساكر فى خدمته، من القلعة إلى الميدان الأسود (٣)، ثم طلع إلى تخته (٤) مسرورا.
ثم أرسل وراء الخليفة الحاكم، وأرسل له مركوبا وخلعة، فلبس وركب المركوب من موضعه، وكان ساكنا فى البرج (٥)، ومشى الأمراء والقضاة فى خدمته
стр. 898
إلى باب الجامع، واجتمع بالسلطان، وكان الأمير بيدرا والشجاعى تلقياه من باب الجامع، ودخل فى محفل عظيم إلى المقصورة عند السلطان، فنهض إليه وعانقه، وأجلسه إلى جانبه، واشتغل به إلى أن استحقت الخطبة، فسأله أن يصعد المنبر ويخطب، فما أمكنه المخالفة (١)، وصعد المنبر، واستفتح الخطبة، فقال:
الحمد لله الذى أقام لآل عباس ملكا ظهيرا، وجعل لهم سلطانا نصيرا، واختصر فى الخطبة، ودعى للسلطان وللمسلمين، وعند نزوله امتنع أن يصلى إماما، فصلّى الخطيب، ولما فرغوا من الصلاة أخذ السلطان بيده وأكرمه، ورسم أن يخلى له مكان بالكبش (٢) يسكن فيه هو وعائلته، وأطلق له رواتب كثيرة، وكان يوما مشهودا.
ولما كانت الجمعة الثانية، ركب إلى القلعة، وجلس مع السلطان فى المقصورة إلى وقت الخطبة، فصعد المنبر وخطب، فقال: الحمد لله الذى جعل من لدنا سلطانا نصيرا، وكان فضل الله به على الإمامة فضلا كبيرا، سبّب أسباب النصر والظفر، وقرّب أمر الفتوحات بخير زمان كان ينظر؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير البشر، وعلى آله وصحبه [٧] صلاة متوالية فى العشيّات
стр. 899
والبكر، اعلموا وفقكم الله يا أنجاد الإسلام وحماته، ويا شجعانه وكماته، إن الله سهّل لكم نصرا عزيزا فانتهزوا فرصه، واجعلوا فى أيام هذا السلطان بشارة تقصّ على البلاد والعباد أحسن قصصه، واخلصوا النيات فى الجهاد، وتعاونوا على ميعاد الظفر بالوفاء، ﴿(إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ١)﴾، اللهم أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت بها علىّ وعلى والدىّ، وأجب اللهم دعائى فى المحسن للإسلام وإلىّ، وهو السلطان الملك الأشرف الذى سخّرت له تأثيرات الفلك، فاجعله اللهمّ مالكا حيث ما سلك، وامنحه بنصرك إياه تفتح عليه ممالك الأرض وأبوابها، واجعل دار الإسلام دار السّلام ومنابر الخلافة بها، وانصر اللهم جنده، وانجز له وعده، وارض عن والده السلطان الأجل الملك المنصور الذى جاهد فى الكفار جهده، وجعل الملائكة الكرام فى تأييده جنده، ثم دعى للسلطان وللمسلمين، ونزل وأمّ بالناس وصلّى.
ذكر القبض على الأمير حسام الدّين طرنطاى (٢):
لما استقر الملك الأشرف فى السلطنة، وقف الأمير حسام الدين بين يديه معتقدا أنه يعتمد عليه، ويفوض الأمور - كما كانت فى حياة والده - إليه، وكان فى خاطر السلطان منه أثرة عظيمة قديمة من زمن (٣) والده، وكان يتوهم فيه
стр. 900
أنه يمنعه أكثر مقاصده، مع ما يتفوّه به الوشاة (١)، وكان الشجاعى أيضا يكرهه لما جرى عليه بسفارته من العزل الذى ذكرناه (٢)، واتفق مع ذلك نفار الخاصكية منه (٣)، فرأوا السلطان نافرا من جهته (٤)، فحسّنوا له القبض عليه.
فلما كان يوم الجمعة الثانى عشر من ذى القعدة استدعاه السلطان إلى بين يديه، فدخل آمنا مطمئنا لا يخشى ريب الزمان ولا يتوقّى طارق الحدثان (٥)، قائلا فى نفسه: إنه نظام الملك وقوامه، وبيده تدبيره وزمامه، ولم يدر بما كنت له النائبات، ونصبت له من أشراكها الحادثات، فلما مثل بين يديه، وضعت الأيدى عليه. (٦) وحمل إلى الاعتقال على أسوء الأحوال، فكان كما قيل فى قول الشاعر:
حسّنت (٧) … ظنك بالأيام إذ حسنت
ولم تخف سوء ما يأتى به القدر
وسالمتك (٨) … الليالى فاغتررت بها
وعند صفو الليالى يحدث الكدر
وندب الشجاعى للحوطة على أمواله وذخائره.
стр. 901
وحكى الأمير نجم الدين أبو المعالى: أن الحوطة لما وقعت على دار طرنطاى عند مسكه أخرج من بيته ستمائة ألف دينار (١) عين، ومائة وسبعون قنطارا فضة (٢)، وأما الأوانى الفضّية، والكفت (٣)، والخيل، والبغال، والهجن، والجمال، والأبقار، والحواصل، فهى أكثر من أن تذكر، ومن الغلال مائتا ألف أردب، ومن القماش شئ كثير من جملته: أربعمائة وعشرون ثوبا أطلس، منها: أطلس أحمر متدلى مائة وثمانون ثوبا، ومنها: أطلس أصفر مائتان وستون ثوبا، قيمة كل ثوب ألف وخمسمائة، وألف وسبعمائة، ومن أصناف السلاح:
ثلاثمائة وتسعون قرقلا (٤)، ومائة وثمانون جوشنا (٥) مسقطا، وأربعمائة وستون بركستوانا (٦)، ومائتان وستون طارقة مسقطة، وثلاثمائة سيف، وألف وستمائة صندوق من النشاب، ومن المواشى: أربعة آلاف رأس من الغنم، وألف وثمانمائة رأس من البقر فى الدواليب (٧) والزروعات، ووجد [٨] له أربعمائة
стр. 902
وثمانون مملوكا، فأدخل الجميع فى بيت السلطان وتأمر منهم جماعة وكانوا يعرفون بالحساميّة.
ويقال: لما رسم السلطان للشجاعى بأن ينزل ويحتاط على بيت طرنطاى وموجوده، فنزل وهو فرحان بما ساعده الزمان، وناهيك من عدوّ أمكنه الظفر وحكّمه القضاء والقدر، فأظهر فى عدوه العبر، وأخذ صحبته شهود بيت المال، وأوقع الحوطة على سائر حواصله، وقبض على مماليكه، ورسم على مباشريه، وكتب الكتب لسائر البلاد بالحوطة على موجوده، وأخرج سائر خزائنه وخدامه وجواريه (١)، فأحضر لهم المعاصير (٢)، وجعل يقرّرهم على موجوده وأمواله، فصار الشجاعى ينزل كل يوم إلى بيت طرنطاى ويستعرض حاشيته ويعاقبهم، فأخرج ما ذكرنا من الأموال.
وذكر فى نزهة الناظر فى دولتى المنصور والناصر (٣):
كان السبب لمسك طرنطاى حقائد كانت فى النفوس كامنة، قدحتها زناد الاقتدار، وضغائن طويت أحشاؤها على غلل، فحين ملكت تملّكت لطلب الثأر، وقد تقدم ذكر ما كان طرنطاى عليه من الحرمة والتمكن من أستاذه ونفاذ أمره إلى وفاة المنصور، ولما تملك ابنه بعده أخذ فى التدبير عليه وعلى حاشيته، فطلب
стр. 903
الشجاعى وبيدرا والخاصكيّة، وبسط معهم من أمره، وكانوا يعلمون أن طرنطاى إذا استمر بالحكم ما كان يدع لأحد منهم كلمة، فاتفقوا على القبض عليه وعلى من يلوذ به.
وعلم كتبغا والأمراء المتعصبين لطرنطاى الأمر، فاختلوا به، وعرفّوه أن العمل عليه، واستنهضوه على أنه يفعل أمرا، وهم موافقون عليه، فكان جوابه لهم: والله أنا أعلم أنه يفعل معى كل سوء، وما أنا موثوق به أغبر، ولكن قيامى فى حق نفسى بفساد جماعة كثيرة، وسفك دماء، وقلة وفاء، ولا يرجع يشتمل الملك لأحد إلا بعد فساد كثير، والله لا أفعل شيئا مما يعيبه الناس علىّ، فأكسب خطية، فإن كان لى عمر فى التقدير فلا يقدر أحد ينقصه، وإن كان الأجل قد حضر والسعادة قد فرغت، فلّله الأمر، فعند ذلك علموا أنه لا يفعل شيئا (١).
وبقى الأشرف كلما دخل طرنطاى إليه يقربه ويكرمه ويتحدّث معه فى أمور النواب والعسكر، ويعد له مواعيد حسنة، وطرنطاى يفهم من ذلك المقصود ويجيبه بما فى نفسه، كما قيل:
يخفى العداوة وهى غير خفيّة … نظر العدوّ بما أسرّ يبوح
وبقى الحال إلى يوم السبت، فطلبه إليه، وقد رتّب للقبض عليه الأمراء، فعند ما حضر شرع السلطان يذكر إساءته إليه، ويعددها عليه، فنظر إليه وقال:
يا خوند، هذا جميعه قد علمته منك، وقدمت الموت بين يدىّ، ولكن والله
стр. 904
لتندمنّ بعدى (١)، وما فرغ الكلام حتى أخذه الّلكم من كل جانب، وأخذوا سيفه.
قال صاحب التاريخ (٢): وبلغنى أن بعض الخاصكية قلع عينه فى ساعته، وما أمسى المساء حتى توفى إلى رحمة الله تعالى مقتولا.
وقيل: بل عاقبه إلى أن مات فى ثامن عشر ذى القعدة وأقام ميتا ثلاثة أيام (٣)، ثم أخرجوه على جنوية (٤) إلى تربة الشيخ أبى السعود (٥)، فغسله وكفنه الشيخ عمر خادم [٩] الزاوية من عنده، ودفنه قبلى الزاوية إلى أن ملك كتبغا، فأمر بنقله إلى تربته (٦).
ولما قبض السلطان على طرنطاى قبض أيضا على زين الدين كتبغا بعده، وعلى سنقر الطويل والى باب القلعة، وطلب أبا خرص (٧)، فوجده قد سافر إلى الحجاز، وكان من المقرّبين لطرنطاى، وكان علم أن الأشرف ما يبقيه ولا يبقى
стр. 905
حاشيته، فطلب دستورا إلى الحجاز وسأل أن يجهز نفسه من الشام، فرسم له بذلك وسافر من يومه، وطلب أيضا أمير على بن قرمان فلم يوجد.
ثم سكن الأمير بيدرا فى دار النيابة على عادة النواب، لأن الأشرف فوّض إليه النيابة، وأخذ إقطاع طرنطاى وعدته، وما كان له من المشتروات والحمامات بنواحى الأعمال.
وفوض الوزارة إلى شخص يسمى محمد بن (١) السلعوس.
ولما سكن بيدرا دار النيابة قال الشاعر:
كأنها بعدهم ليل بلا قمر … ونعمة حكمت فيها أعاديها
قال صاحب التاريخ: أخبرنى بعض شهود الخزانة أنهم وجدوا فى بيت طرنطاى فسقية صغيرة فيها ذهب، وورقة مكتوب فيها أخذها الشجاعى ودخل بها إلى السلطان، فكانت مائة ألف وعشرين ألف دينار، وهذا خارج عما ذكرنا من الحواصل، ووجد له من الغلال بمصر والشام مائتا ألف أردب وستة آلاف أردب، وكانت عبرة إقطاعه فى ديوان الجيش أربعين ألف دينار، وكان أكبر متحصله من الدواليب والزراعات وأصناف المتجر.
ذكر وقعة ابن قرمان:
قد ذكرنا أن السلطان طلب أمير على بن قرمان بعد مسكه طرنطاى فلم يوجد، وكان لما علم بالقبض على طرنطاى شدّ تركاشه (٢) فى وسطه، وركب حصانا من
стр. 906
خيله، وكان يدخره لأمر يجرى عليه، وما زال يضمّره، فركب وأخذ معه مملوكا كان يعتمد عليه، فخرج من المدينة، وكان مشهورا بالفروسية ورمى النشاب ولا يكاد سهمه يخطئ.
ولما أعلموا السلطان بهر وبه أرسل وراءه الأمير سيف الدين منكلى، والأمير سيف الدين طقصو، ومعهما جماعة، فأوحى إليهم أن يروحوا وراءه حيث كان ولا يدعوه، فركبوا الهجن وساقوا وراءه، ولحقوه وقد طلعت الشمس، وصار فى أرض العايد (١)، فلما رآهم وقف ووقفوا له مقابلة، وسيّروا إليه وعرّفوه بما أمر السلطان، فقال: لا سبيل إلى تسليم نفسى إلاّ بالموت، فحمل عليه مملوك من مماليك الأمير منكلى، فقصد فرسه بالرمى فقتله، فحمل عليه الأمير طقصو من الجانب الآخر. فقال له: أيها الأمير أنتم مجاهدون، ولا تعرضوا أنفسكم للموت، فما منكم أحد إلا وهو يعرف نشابى، وها أنا قاتل فرسك فلا تطمع، ثم رماه فى صدر فرسه، فانقلب طقصو من الفرس، واشتغلوا بإركابه، فغاب عنهم فى البر، فقصروا بعد ذلك من طلبه، وقالوا: عرب الشرقية ما يمكنونه من الرواح لأن السلطان كاتب إليهم بسببه.
وأما ابن قرمان فإنه وصل إلى بيت الأمير غرارة امير العايد، وكان هو من أصحب الناس لابن قرمان، ولما رآه غرارة خرج إليه وتلقاه وأنزله فى بيت، وظن أنه أتى على عادته للصيد، وكان أكثر صيده فى أرضه، فقال له:
وأين صبيانك يا أمير؟ فقال: الآن يحضرون، فقم وعجل لهم بالطعام، فقام غرارة وذبح رأسى غنم، واتكأ ابن قرمان على فخذ مملوكه، وكان قد أضرّ به
стр. 907
[١٠] السهر وما نام إلا ساعة لطيفة، ثم استيقظ والرعب فى نفسه لما يعلم من الطلب خلفه، فصاح على غرارة أن عجّل بالأكل، فقال: كما ركبنا القدر فما العجلة بالركوب؟ فقال: لا سبيل إلى القعود، وصاح على العبد الذى كان يسير فرسه أن يحضر به وغرارة قام يستعجل الغذاء، فلما رأى العبد يأتى بالفرس أشار إليه بكمه أن ارجع حتى يتغدّى الأمير، فخيّل لابن قرمان أن أمر السلطنة وصل إليه، وأنه أمر بالقبض عليه، وإن منعه الفرس بسبب ذلك فمدّ يده إلى قوسه وأخذ فردة نشّاب وضرب بها غرارة وهو مولّى، فوقع السهم فى ظهره وخرج من صدره، فوقع على الأرض، ووقع الصياح فى البيوت، وصاح العبد، فأتت العرب من كل جانب.
ورأى ابن قرمان أنه مأخوذ، فقال لمملوكه: دعنا نموت ولا نسلم أنفسنا لهؤلاء، فيدخلون بنا إلى السلطان، فموتنا ههنا أحب من الشماتة بنا، ثم نهض إلى رابية هناك، فتكاثرت العرب عليه، فقاسوا منه مشقة عظيمة، وجرحت منهم جماعة، وقتل منهم نحو من أحد عشر نفسا، فرجعوا عنه، وضربوا عليه يزكا (١) إلى وقت الليل، فهجموا عليه من سائر الجوانب، وقد ضعف من التعب والجوع وفرغ نشابه، فتمكنوا منه فقتلوه (٢) ومملوكه معه، وقطعوا رأسه وأخذته أخوة غرارة، فأتوا به إلى السلطان وأخبروه جميع ما وقع من أمره، فأنكر السلطان عليهم قتله، وقال: لم ما أحضرتموه بالحياة؟ وعرفوه أنهم عجزوا عن ذلك.
стр. 908
واعتقد الناس بأجمعهم أن غرارة قصد الغدر بنزيله حيث التجأ إليه، وكان الأمر بخلاف ذلك، فهذه واقعة ظاهرة للناس خيانة، وباطنها صدق وأمانة، ولما بلغ خبر هذه الواقعة إلى عرب الشام من آل مهنى وغيرهم عيّبوا على عرب مصر بما وقع منهم إلى أن اتفق فى الشام أخت هذه الواقعة بعينها، وسيأتى ذكرها إن شاء الله تعالى.
ذكر بقيّة ما جرى من الحوادث فى هذه السنة:
منها أن الأشرف فوّض إلى الأمير بيدرا نيابة السلطنة، كما ذكرنا (١).
وفى نزهة الناظر: أن القاضى مجد الدين بن الخطاب دخل على بيدرا فى خلوته وهنأه بالوظيفة، فنظر إليه بيدرا طويلا وقال: يا مجد الدين تهنينى بأمر أنا أخشى عقباه، ثم أنشد:
ومن يحمد الدنيا بشئ يسرّه … فسوف لعمرى عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة … وإن أقبلت كانت كثير همومها
ثم دمعت عيناه ساعة.
ومنها: أن السلطان رسم للصاحب تقى الدين (٢) بوزارة الشام، فوصل دمشق فى الخامس والعشرين من المحرم من سنة تسعين، واحتاط على موجود الأمير
стр. 909
شمس الدين سنقر الأعسر (١) شادّ الشام، وكان السلطان قد أحضره إلى مصر فى ذى الحجة من هذه السنة، وضربه وصادره، وبقى تحت الترسيم إلى أن حضر ابن السلعوس من الحجاز.
وكان شمس الدين بن السلعوس قد حج فى هذه السنة، ولما تسلطن الأشرف أرسل إليه نجّابا وكتب معه كتابا بخط يده يقول فيه: يا شقير عجّل السّير، فقد جاء الخير (٢)، فاستحثه على حضوره ليوليه الوزارة، وكان خصيصا به من أيام والده المنصور.
ثم وّلى السلطان فى شدّ الدواوين بالشام الأمير سيف الدين طوغان المنصورى.
ومنها أن السلطان أمّر جماعة من الخاصكية يوم الأحد الحادى عشر من ذى القعدة، منهم: طقجى، وبلرغى، وعمر.
ومنها: أنه أفرج عن جماعة محبوسين من أيام والده، منهم: ابن الملك المغيث (٣)، وكان قد حبس فى سنة تسع وستين، وكان له فى الحبس نحو من عشرين
стр. 910
سنة، وكان لهم خادم يسمى بلال المغيثى فى خدمة السلطان، وهو الذى ذكّره به، فسأل السلطان عن الشجاعى ما سبب حبسه هذه المدة وما كان ذنبه؟ فقال:
ليس له ذنب، وإنما حبس لكونه ابن ملك، وله حاشية، فحشى من أمره بسبب ذلك، فتبسم الأشرف وأمر بإحضاره، فلما رآه وجده شكلا حسنا، وقال للطواشى: خذ ابن أستاذك وأنزل به إلى أهله ولا تخلّه يجتمع بأحد (١).
ثم سأل من بقى فى الحبس، فقيل الأمير علم الدين سنجر الحلبى والإمام الحاكم بأمر الله، فرسم بالإفراج عن الحلبى. ولما حضر بين يديه رآه شكلا غريبا فى الطول والعرض، ولوائح الشجاعة عليه، فسأل الشجاعىّ ما سبب حبسه؟ فقال: إن السلطان الشهيد كان يخشى أمره لما فيه من الشجاعة والإقدام فى الوقائع والحروب، فتوهم منه أن يجمع عليه أمراء وحاشية ويطمع فى الملك، فحبسه، وكان حبسه فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة، فأقبل إليه السلطان وطيّب خاطره، وخلع عليه، ورسم له بتقدمة ألف على عادته.
ثم فى يوم الجمعة طلب النائب والشجاعى، واستشارهما فى إخراج الإمام الحاكم من الكرب الذى هو فيه، فأشارا عليه بذلك، فأخرجه قبل الصلاة وسير له مركوبا، فركب فى القلعة والأمراء والقضاة بين يديه إلى أن اجتمع بالصلاة فى المقصورة، ثم أشار إليه السلطان بأن يصعد على المنبر، فكان من أمره ما ذكرناه فى هذا الفصل (٢).
стр. 911
ومن المحبوسين الأمير زين الدين كتبغا، وقد ذكرنا أن الأشرف كان حبسه، فشفع فيه بيدرا والشجاعى، فأطلق.
وكذلك رسم بالإفراج عن الأمير سيف الدين جرمك الناصرى.
ومنها: أن السلطان ولّى خطابة جامع دمشق للشيخ زين الدين عمر (١) بن المرحل وكيل بيت المال، عوضا عن جمال الدين عبد الكافى (٢)، وولّى نظر الجامع للشيخ وجيه الدين بن المنجى، عوضا عن ناصر الدين بن المقدسى (٣)، فباشره وأثمر وقفه، واشترى له ثلث قرية المنيحة بمائة وخمسين ألف درهم.
وفى ذى الحجة: أرسل تقليدا لنائب الشام (٤) باستمراره على ما كان عليه، وزاده قرية حرستا.
ومنها: أنه احترقت دار صاحب حماة (٥)، وذلك أنه وقعت فيها نار فى غيهته فلم يتجاسر أحد يدخلها، فعملت (٦) النار فيها يومين، فاحترق كل ما فيها، وكان صاحب حماة فى الصيد.
стр. 912
وذكر الشيخ شمس الدين الحريرى فى تاريخه: أن فى شعبان من هذه السنة اشتد الحر بحماة حتى شوى اللحم على بلاط الجامع.
ومنها: أن الإفرنج أخذت جزيرة جربة من صاحب تونس (١) من عمل ملوتة، وثارت الفرنج أيضا بعكا، وقتلوا جماعة من المسلمين كانوا قدموا للمتجر، وكان ذلك من أقوى الأسباب فى فتحها وقتل أهلها.
ومنها: أنه خالف على أبى يعقوب (٢) المرينى عامله على مراكش وكان يقال له أبى عطّو، وكاتب ولده أبا عامر عبد الله يستدعيه ليسلم إليه المدينة، فسار إليه أبو عامر، فانحاز إليه أهل مراكش، وأهل السوس الأقصى، وأهل الجبال [١٢] والعربان، وتسلّل إليه جماعة من بنى مرين، فقويت شوكته، وجاهر أباه بالمخالفة والمشاققة، فسار إليه أبوه بنفسه، وكان بينهما واد يسمى وادى أم الربيع، والوقت شتاء فعبر النهر المذكور بنفسه بمن معه، ولقيه ولده فيمن انضم إليه من مراكش، وكانت الكسرة على الولد أبى عامر، وقتل خلق كثير ممن كان معه، وانتهت به الهزيمة إلى جبال سكسيرة، فأقام بها أياما، ثم ضاق به الحال ورأى أن لا مناص له من يد والده، فاستشفع إليه بجماعة من الصالحين، وهبط إليه، فأمر ولده عبد الرحمن، وهو ولّى عهده - فقبض عليه وعلى من معه، فأما هو فأطلقه، وأما الذين كانوا معه فقتلهم جميعا.
стр. 913
وفيها عاد أبو عامر إلى العصيان على أبيه وانهزم من بين يديه طالبا بلاد المغرب، ونزل على موالى لبنى عبد الوادّ مقيمين بالقبلة.
وفيها: كان النيل خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا (١)، وتوقف بعده توقفا كثيرا، وخشى من نزوله، وشرقت بلاد كثيرة وتحسّن سعر الغلة، ثم لطف الله وعاد الرخص.
وفيها. حج بالناس من دمشق الأمير بدر الدين بكتاش الزومانتى، ومن الديار المصرية الأمير علم الدين سنجر الباشقردى.
стр. 914
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الإمام العلاّمة رشيد الدين أبو حفص عمر (١) بن إسماعيل بن مسعود الفارقى (٢) الشافعى، المدرس بالمدرسة الظاهرية (٣) بدمشق.
ذكر الدرس بها فى الرابع من محرم هذه السنة، ثم دخل إلى مسكنه، فدخل عليه شخصان ممن يلوذون به، فخنقاه لأجل ماله - وعرفا بعد ذلك - وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن بمقابر الصوفية. ومولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة (٤)، وقد جاوز التسعين، وكان من أفراد الزمان فى سائر العلوم من الفقه، والأصلين، والنحو، وعلمى المعانى والبيان، وحل الترجمة، والكتابة والإنشاء، ونظم الشعر، وعلم الفلك، وضرب الرمل، والحساب، وغير ذلك.
стр. 915
ومن شعره ما ذكره الشيخ علم الدين البرزالى (١) قال. أشدنى الشيخ رشيد الدين لنفسه.
مرّ النسيم على الروض الوسيم (٢) … فما
شككت أنّ سليمى حلّت السّلما
ولاح برق على أعلى الثنيّة لى … فقلت برق الثنايا لاح وابتسما
مثنى الحبيبة روّاك السحاب فكم … ظمئت فيك وكم رويت فيك ظما
به رأيت الهوى حلوا ومنزلنا … للّسهو خلوا وذاك الشمل ملتئما
والدار دانية والدهر فى شغل … عما نريد وفى طرف الرقيب عمى
والشمس تطلع من ثغر وتغرب فى … ثغر وتجلو سنا أنوارها الظلما
وظبية من ظباء الإنس ما اقتنصت … ولا استباح لها طرف الزمان (٣) حما
وجفنها فيه خمر وهو منكسر … والخمر فى القدح المكسور ما علما
وثغرها يجعل المنظوم منتثرا … من اللآلى والمنثور منتظما
تبسّمت فبكت عينى وساعدها … قلبى ولولا لما الثغر البسيم لما
ولفظها فيه ترخيم فلو نطقّت … يوما لا عصم وافاها وما اعتصما
[١٣]
ولح لاح عليها قلت لا تكن لى … .... (٤)
تعذيبها لى عذب والشفاه شفا … تجنى وأجنى ولا يبقى الّلما (٥) الما