ومن المحبوسين الأمير زين الدين كتبغا، وقد ذكرنا أن الأشرف كان حبسه، فشفع فيه بيدرا والشجاعى، فأطلق.
وكذلك رسم بالإفراج عن الأمير سيف الدين جرمك الناصرى.
ومنها: أن السلطان ولّى خطابة جامع دمشق للشيخ زين الدين عمر (١) بن المرحل وكيل بيت المال، عوضا عن جمال الدين عبد الكافى (٢)، وولّى نظر الجامع للشيخ وجيه الدين بن المنجى، عوضا عن ناصر الدين بن المقدسى (٣)، فباشره وأثمر وقفه، واشترى له ثلث قرية المنيحة بمائة وخمسين ألف درهم.
وفى ذى الحجة: أرسل تقليدا لنائب الشام (٤) باستمراره على ما كان عليه، وزاده قرية حرستا.
ومنها: أنه احترقت دار صاحب حماة (٥)، وذلك أنه وقعت فيها نار فى غيهته فلم يتجاسر أحد يدخلها، فعملت (٦) النار فيها يومين، فاحترق كل ما فيها، وكان صاحب حماة فى الصيد.
стр. 912
وذكر الشيخ شمس الدين الحريرى فى تاريخه: أن فى شعبان من هذه السنة اشتد الحر بحماة حتى شوى اللحم على بلاط الجامع.
ومنها: أن الإفرنج أخذت جزيرة جربة من صاحب تونس (١) من عمل ملوتة، وثارت الفرنج أيضا بعكا، وقتلوا جماعة من المسلمين كانوا قدموا للمتجر، وكان ذلك من أقوى الأسباب فى فتحها وقتل أهلها.
ومنها: أنه خالف على أبى يعقوب (٢) المرينى عامله على مراكش وكان يقال له أبى عطّو، وكاتب ولده أبا عامر عبد الله يستدعيه ليسلم إليه المدينة، فسار إليه أبو عامر، فانحاز إليه أهل مراكش، وأهل السوس الأقصى، وأهل الجبال [١٢] والعربان، وتسلّل إليه جماعة من بنى مرين، فقويت شوكته، وجاهر أباه بالمخالفة والمشاققة، فسار إليه أبوه بنفسه، وكان بينهما واد يسمى وادى أم الربيع، والوقت شتاء فعبر النهر المذكور بنفسه بمن معه، ولقيه ولده فيمن انضم إليه من مراكش، وكانت الكسرة على الولد أبى عامر، وقتل خلق كثير ممن كان معه، وانتهت به الهزيمة إلى جبال سكسيرة، فأقام بها أياما، ثم ضاق به الحال ورأى أن لا مناص له من يد والده، فاستشفع إليه بجماعة من الصالحين، وهبط إليه، فأمر ولده عبد الرحمن، وهو ولّى عهده - فقبض عليه وعلى من معه، فأما هو فأطلقه، وأما الذين كانوا معه فقتلهم جميعا.
стр. 913
وفيها عاد أبو عامر إلى العصيان على أبيه وانهزم من بين يديه طالبا بلاد المغرب، ونزل على موالى لبنى عبد الوادّ مقيمين بالقبلة.
وفيها: كان النيل خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا (١)، وتوقف بعده توقفا كثيرا، وخشى من نزوله، وشرقت بلاد كثيرة وتحسّن سعر الغلة، ثم لطف الله وعاد الرخص.
وفيها. حج بالناس من دمشق الأمير بدر الدين بكتاش الزومانتى، ومن الديار المصرية الأمير علم الدين سنجر الباشقردى.
стр. 914
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الإمام العلاّمة رشيد الدين أبو حفص عمر (١) بن إسماعيل بن مسعود الفارقى (٢) الشافعى، المدرس بالمدرسة الظاهرية (٣) بدمشق.
ذكر الدرس بها فى الرابع من محرم هذه السنة، ثم دخل إلى مسكنه، فدخل عليه شخصان ممن يلوذون به، فخنقاه لأجل ماله - وعرفا بعد ذلك - وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن بمقابر الصوفية. ومولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة (٤)، وقد جاوز التسعين، وكان من أفراد الزمان فى سائر العلوم من الفقه، والأصلين، والنحو، وعلمى المعانى والبيان، وحل الترجمة، والكتابة والإنشاء، ونظم الشعر، وعلم الفلك، وضرب الرمل، والحساب، وغير ذلك.
стр. 915
ومن شعره ما ذكره الشيخ علم الدين البرزالى (١) قال. أشدنى الشيخ رشيد الدين لنفسه.
مرّ النسيم على الروض الوسيم (٢) … فما
شككت أنّ سليمى حلّت السّلما
ولاح برق على أعلى الثنيّة لى … فقلت برق الثنايا لاح وابتسما
مثنى الحبيبة روّاك السحاب فكم … ظمئت فيك وكم رويت فيك ظما
به رأيت الهوى حلوا ومنزلنا … للّسهو خلوا وذاك الشمل ملتئما
والدار دانية والدهر فى شغل … عما نريد وفى طرف الرقيب عمى
والشمس تطلع من ثغر وتغرب فى … ثغر وتجلو سنا أنوارها الظلما
وظبية من ظباء الإنس ما اقتنصت … ولا استباح لها طرف الزمان (٣) حما
وجفنها فيه خمر وهو منكسر … والخمر فى القدح المكسور ما علما
وثغرها يجعل المنظوم منتثرا … من اللآلى والمنثور منتظما
تبسّمت فبكت عينى وساعدها … قلبى ولولا لما الثغر البسيم لما
ولفظها فيه ترخيم فلو نطقّت … يوما لا عصم وافاها وما اعتصما
[١٣]
ولح لاح عليها قلت لا تكن لى … .... (٤)
تعذيبها لى عذب والشفاه شفا … تجنى وأجنى ولا يبقى الّلما (٥) الما
стр. 916
خود تجمّع فيها كلّ مفترق … من المعانى التى تستغرق الكلما
عطت غز الاسطت ليثا خطت غصنا … لاحت هلالا هدت نجما بدت صنما (١)
لما سرت أسرت … ... .... (٢)
وصار مربعها قلبى ومربعها … .... (٣)
ولم أكن راضيا منها بطيف كرى … فاليوم من لى .... (٤)
الخطيب جمال الدين أبو محمد عبد الكافى (٥) بن عبد الملك بن عبد الكافى الربعى، خطيب جامع دمشق (٦).
توفى بدار الخطابة بعد أن صلّى الصبح، وصلى عليه الشيخ برهان الدين السكندرى، وحمل نعشه على رؤوس الأصابع، وامتد الناس إلى الصالحية، ودفن برباط الشيخ يوسف الفقاعى (٧)، وباتت عنده الجهات، وأقام الناس عنده أياما ولياليا، ومولده فى شعبان سنة اثنتى عشرة وستمائة، وكان موته سلخ جمادى الأولى من هذه السنة.
стр. 917
الشيخ الزاهد العابد العالم أبو طاهر فخر الدين إسماعيل (١) بن عز القضاة أبو الحسن على بن محمد بن عبد الواحد بن أبى اليمن.
توفى فى العشرين (٢) من رمضان، ودفن بقاسيون بتربة بنى الزكى. محبة فى محى الدين بن عربى (٣)، فإنه كان يكتب من كلامه كل يوم ورقتين، ومن الحديث ورقتين. وكان من الصالحين الكبار المعرضين عن متاع الدنيا (٤).
قال الشيخ علم الدين البرزالى: رأيت له المنامات الصالحة، فمن ذلك أنه رآه وهو يقول: أن الله تعالى لما فرغتم من غسلى غسّلنى بيده بالماء والثلج والبرد، ورآه أيضا وهو يقول: إن الله إذا توفى رجلا صالحا أمر بضرب نوبة له فى السماء، فقال له الرائى: يا سيدى أنت أيضا، فتبسم.
وله نظم كثير، فمن ذلك قوله:
والنهر (٥) … قد جنّ بالغصون هوى (٦)
فراح فى سرّه (٧) يمثلها
стр. 918
فغار منه النسيم عاشقها … فجاء عن وصله يميّلها
وله:
لم أنت فى حق الصديق مفرّط (١) … ترضى بلا سبب عليه وتسخط
يا من تلّون فى الوداد أما ترى … ورق الغصون إذا تلون (٢) يسقط
وله:
وملتثم بالشعر من فوق ثغره (٣) … غدا قائلا شبهه بى بحياتى (٤)
فقلت سترت الصبح بالليل (٥) … قال لا
ولكن سترت الدر (٦) بالظلمات
قاضى القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد (٧) بن شمس الدين أبى محمد عبد الرحمن ابن أبى عمر محمد بن قدامة المقدسى الحنبلى.
стр. 919
توفى فى الثانى عشر (١) من جمادى الأولى منها، وحضر جنازته الناس، ونائب السلطنة، ودفن بقاسيون، وله من العمر أربعون سنة سواء (٢). وكان فاضلا، بارعا، خطيبا، مدرس أكثر المدارس، شيخ الحنابلة، وابن شيخهم، وتولى بعده القضاء شرف الدين حسن (٣) بن عبد الله بن أبى عمر.
الشيخ نور الدين [١٤] أبو الحسن على (٤) بن ظهير بن شهاب المصرى، ابن الكفتى، شيخ الاقراء بديار مصر.
الشيخ الصالح العالم الفاضل شمس الدين محمد (٥) بن عبد الرزاق بن أبى بكر ابن رزق الله الرسعنى (٦) الحنبلى، المعروف بابن المحدث (٧).
стр. 920
وفد إلى دمشق فاستوطنها، «وسافر إلى مصر فى شهادة، وعاد إلى الشام، فعند وصوله إلى نهر الشريعة (١) وقف ليسقى فرسه، فجفل الفرس فوقع فى النهر فغرق (٢).
وله نظم حسن، فمن ذلك قوله:
ولو أنّ إنسانا يبلّغ لوعتى … ووجدى وأشجانى إلى ذلك الرشا (٣)
لأسكنته عينى ولم أرضها له … ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا (٤)
وله:
أأحبابنا إن جادت المزن أرضكم … فما هى إلاّ من دموعى تمطر
وإن لاح برق فهو برق أضالعى … وإن ناح ورق عن أنينى يخبر
وإن نسمت ريح الصبا وتأرّجت … فمن طيب أنفاسى بكم تتعطّر
وإن رنحت أغصان دجلة فانثنت … فعنّى بابلاغ النسيم تخبّر
ومن عجب أنى أكتم لوعة … وأودعها طىّ الصبا وهى تنشر
الشيخ الجليل نجم الدين عبد الجليل بن محمد. « … » (٥).
كان عنده فضيلة تامة، ومكارم خلق، وحسن عشرة، وكان « … » (٦) المزاح والهزل « … » (٧).
стр. 921
وله نظم حسن، منه (١):
« … (٢)»
قبيلة ببلاد الحبشة، وكان سافر إليها فى هذه السنة، فعند وصوله إليها جفل من أهلها « … (٣)»، وضربه بحربة فقتله.
وكان رجلا دينا، وعنده صيانة تامة، وكان يكتب خطا حسنا [١٥] وعمل مثمنات (٤). مليحة وأتى فيها بكل غريبة، وله نظم حسن، فمنه قوله فى عطار مليح:
وعطّار كبدر التمّ حسنا … مررت به لأمر قد عنانى
فقلت له أعندك ما ورد … فقال معرّضا بل ماء لسانى
الشيخ الصالح أبو الزهر بن سالم بن زهير الغسولى.
مات بقاسيون ودفن به، وكان شيخا مباركا خيرا مقصودا بالزيارة والتبرك.
الطواشى شرف الدين مختص (٥) الظاهرىّ، مقدم المماليك السلطانية فى الدولة الظاهريّة والسعيديّة والمنصوريّة.
مات فى هذه السنة (٦)، ودفن بالقرافة، وكان مهيبا، ذا حرمة وافرة، مبسوط اليد.
стр. 922
الأمير الكبير علاء الدين الحاج طيبرس (١) الوزيرى، صهر السلطان الملك الظاهر.
مات فى ذى الحجة (٢) من هذه السنة، ودفن بتربته التى أنشأها بسفح المقطم.
وكان من أكابر الأمراء وأعيان الدولة ذوى الحل والعقد، وكان دينا كثير الصدقات، له خان بدمشق بالعقيبة على الصدقة، وله فى فكاك الأسرى وغير ذلك، وأوصى عند موته بثلاثمائة ألف [درهم (٣)] تصرف إلى الجند [الضعفاء (٤)] بالشام ومصر، فجعل لكل واحد خمسون درهما.
стр. 923
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التسعين بعد السّتمائة (¬*)
استهلت، والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى.
وسلطان البلاد المصرية والشامية: صلاح الدين خليل بن الملك المنصور قلاون، ونائبه بمصر: بدر الدين بيدرا، ووزيره شمس الدين بن سلعوس، ونائبه بدمشق: حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى.
وصاحب تونس بالمغرب: عمر (١) بن يحيى بن محمد.
وصاحب اليمن: الملك المظفر شمس الدين يوسف (٢) بن المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول.
وصاحب مكة: نجم الدين أبو نمىّ محمد بن إدريس بن على بن قتادة الحسنى.
وصاحب المدينة: عزّ الدين جماز (٣) بن شيحة الحسينى.
стр. 924
وصاحب الروم: «مسعود بن السلطان عز الدين كيكاوس (١)».
وصاحب ماردين: الملك المظفر قرا أرسلان (٢) بن الملك السعيد إيل غازى الأرتقى.
وملك بلاد العراق وخراسان وتلك النواحى: أرغون بن أبغا بن هلاون بن باطو بن جنكزخان.
وملك التتار بالصين، الحاكم على كرسى مملكة جنكزخان: عرمون بن قبلاى خان بن طلوخان بن دوشى خان بن جنكزخان.
وملك التتار بالبلاد الشمالية، التى تختها مدينة صراى: تلابغا بن منكوتمر ابن طوغاى بن باطو بن دوشى خان بن جنكزخان.
وفيها فى أول السنة، وكان يوم الخميس، تصدق الأشرف عن والده المنصور بأموال كثيرة جدا من الذهب والفضة، وأنزل السلطان إلى تربته (٣) فى ليلة الجمعة، فدفن فيها تحت القبة، ونزل فى القبر بدر الدين بيدرا، وعلم الدين الشجاعى.
وفى ليلة الجمعة الثامن والعشرين من صفر، عمل الأشرف ختمة عظيمة
стр. 925
لوالده أنفق فيها أموالا كثيرة، فنزل بنفسه وفرق فى الفقهاء والقراء من جميع أهل المدارس والزوايا والربط خمسة وأربعين ألف درهم وألف قميص.
وفى أوائل العشر الأول (١) من المحرم ورد شمس الدين بن سلعوس من مكة، وقد ذكرنا أن الأشرف كان أرسل إليه نجابا يستدعيه، فحضر فى هذا [١٦] التاريخ، وولاه الوزارة (٢).
والسبب إلى وصول هذا للأشرف واتصاله بالأمور التى لم يصلها متعمم قبله من أبناء جنسه فى الوزارة أن أباه كان رجلا تاجرا فى متجر القماش، توفى وورث منه مالا جزيلا، وشرع يصحب للصاحب تقى الدين توبة ناظر الشام ويتردد إليه إلى أن حصل أخذ المرقب، ودخل التقى إلى مصر صحبة السلطان المنصور، فدخل معه ابن سلعوس هذا، فرأى مصر وجندها وأمراءها (٣)، فأعجبه ذلك، وقال للتقى: أشتهى أن أكون مباشرا عند أحد من الأمراء ممن له تعلق فى دمشق، واتفق أن فخر الدين ابن الخليلى كان فى ذلك الوقت ناظر ديوان الأشرف، فسأل التقى توبة أن يحصل له شخصا من أهل دمشق يباشر ديوان الأشرف فى دمشق، فقال له: إن ههنا شخصا من دمشق، وهو صاحب مال جزيل من بيت كبير، فأحضره إليه، ودخلوا به إلى الأشرف، وتحدث معه التقى فى أمره، فقبله وخلع عليه، وولاه أمر ديوانه، ثم إنه عند وصوله إلى دمشق جهز للأشرف تقدمة هائلة، ثم لم تزل هداياه متواردة متوالية، واتفق
стр. 926
بعد ذلك بمدة أن محتسب دمشق توفى، فجهز تقدمة لها صورة، فسأل مباشرة الحسبة، فسعى له الأشرف عند والده، وأخذ له توقيعا بالولاية، واستمر على ذلك إلى أن دخل مصر، وباشر ديوان الأشرف، ثم حصل له ما ذكرنا مع طرنطاى (١) نائب السلطنة من الأمور المنكرة حتى أنه خرج من مصر بعد شدّة رآها إلى أن جهز نفسه فى السنة الماضية إلى الحجاز الشريف، واتفق موت السلطان المنصور وتولية ابنه الأشرف، فكتب إليه كما ذكرنا فى السنة الماضية، ووصل فى أوائل هذه السنة، ولما وقف بين يدى الأشرف أكرمه إكراما عظيما، وقربه، وجعل يشكر فيه عند الأمراء، وخلع عليه خلعة الوزارة يوم الإثنين الثانى عشر من المحرم، ورسم لبيدرا والشجاعى وبقية الأمراء أن يخرجوا فى خدمته، فمشوا فى خدمته. وبغدى الدوادار حامل الدواة بين يديه.
وكان له نهار عظيم ما وقع لوزير مثله.
ثم رسم السلطان أن يركب الخدام يوم الإثنين والخميس فى موكبه، وولى بدر الدين مسعودى شد الدواوين فعظمت مهابته.
ولما استقر أمره طلبه السلطان وعرّفه أن والده الشهيد كان قد عزم على الغزاة، وفتح حصن عكا، فأدركته الوفاة، وأنه قد عزم على ذلك، وأمره أن يجهز الأموال للنفقات على الأمراء والأجناد، وأذن للأمراء أيضا أن يجهزوا
стр. 927
أحوالهم، وأمر الأمير عز الدين الأفرم أمير جندار أن يذهب إلى نائب الشام، ويقول له: رسم السلطان أن تجهز جميع ما يحتاج إليه المجانيق (١) وآلات الحصار، ويتقدم بها إلى حيث يصل ركابه، فمضى من يومه على البريد.
وأما ابن سلعوس فإنه قد بسط يده ولسانه، وأظهر من العظمة والكبرياء أمرا عظيما، ورسم لبعض مماليك السلطان أن يركبوا فى خدمته، فصار يركب فى موكب كبير، ووسع له السلطان فى الجامكية والرواتب، وألقى مقاليد (٢) [الدولة] إليه، فكان الزهو والكبرياء سببا لوباله، على ما تذكره إن شاء الله، فلله در القائل:
من ناط بالعجب عرى أخلاقه … نيطت عرى المقت إلى تلك العرى
[١٧]
من طال فوق منتهى بسطته … أعجزه نيل الدّنى بله القضا
من لم يقف عند انتهاء قدره … تقاصرت عنه فسيحات الخطا (٣)
ذكر فتح عكّا وجعلها دكّا:
وكان السلطان المنصور قد جرد جماعة من الأمراء ليقيموا بجينين (٤)، وقدم
стр. 928
عليهم أميرا يسمى سنقر يعرف بالمسّاح (١)، وأمره أن يركب كل يوم بالعسكر إلى مقابل حصن عكا، ويحفظوا الساحل والتجار خشية من أهل عكا، فإنهم كانوا قد نقضوا الهدنة بينهم وبين السلطان، وتعرضوا للسفارة من التجار وغيرهم، وكان يجرى بينه وبين أهل عكا كل وقت حروب ووقائع، وهو ينتصر عليهم، فوشى به الواشى إلى الأشرف بأنه كان منتميا إلى طرنطاى، وكان الأمير بدر الدين بكتوت العلائى مجردا على حمص، قد كان المنصور جرده مع جماعة من الأمراء، فأرسل إليه الأشرف أن يحضر ويجعل طريقه على جينين، ويحتال على قبض المسّاح، ويسيّره إلى سجن صفد، ثم يحضر إلى مصر وصحبته الأمراء، وكان العلائى هذا له خدمة سابقة مع الأشرف فى حياة والده، فلما وصل إليه الخبر ركب بمن معه إلى أن وصل دمشق، ثم خرج منها إلى أن وصل إلى جينين وسمع به المسّاح، فركب إلى لقائه مع الأمراء الذين معه وتلقوه، ولما نزلوا قدم طعام فأكلوا، وخرجت الأمراء وبقى المساح، فأخرج إليه العلائى مرسوم الأشرف وقرأه عليه، وتقدمت مماليكه وأخذوا سيفه، وأركبه من وقته على خيل البريد وصحبته أميران، فأوصلاه إلى سجن صفد، ثم رحل العلائى بمن معه إلى أن وصل إلى مصر، فحضر بين يدى الأشرف وأكرمه وغير اقطاعه، وكان ذلك فى أوائل صفر.
وفى سابع صفر قبض الأشرف على الأمير سنقر الأشقر، وسيف الدين برمك الناصرى، وأفرج عن الأمير زين الدين كتبغا، وكان قد مسك مع طرنطاى كما ذكرناه، وردّ عليه اقطاعه، ثم شرعوا فى الخروج إلى جهة عكا.
стр. 929
قال ابن كثير: جاء البريد إلى دمشق فى مستهل ربيع الأول «لتجهيز الآلات بسبب حصار عكا (١)»، ونودى بدمشق (٢) الغزاة فى سبيل الله إلى عكا، وبرزت المجانيق إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة والمطوعة يجرون العجل، حتى الفقهاء والمدرسون والصلحاء، فتولى سياقها علم الدين سنجر الدوادارى، وخرجت العساكر المنصورة بين يدى نائب الشام، وخرج فى إثرهم النائب حسام الدين لاجين السلحدار، ولحقه صاحب حماة الملك المظفر بن الملك المنصور، وصحبته مجانيق وزردخاناه (٣)، ووصل نائب طرابلس الطباخى، وصحبته عسكر طرابلس، وتوجه الجميع إلى حصن عكا (٤).
ذكر خروج الأشرف:
خرج الأشرف من مصر فى الرابع من ربيع الآخر بعساكره قاصدا عكا، فوافى الجيش هناك، فنازلوها يوم الخميس التاسع عشر من ربيع الآخر (٥).
وفى تاريخ ابن كثير: فنازلها يوم الخميس رابع ربيع الآخر (٦)، فهذا يدل على أن خروجه كان فى ربيع الأول، والله أعلم.
стр. 930
وذكر فى نزهة الناظر: أن السلطان الأشرف رسم قبل خروجه أن ينقل والده المنصور إلى تربته فى القبة التى أنشأها بين القصرين، فجرجت سائر الأمراء ونائب السلطنة والشجاعى والوزير بعد صلاة العشا [١٨] الآخرة ومشى الجميع قدام تابوته إلى جامع الأزهر، وحضر القضاة والمشايخ والفقراء، وتقدم قاضى القضاة تقى الدين وصلى عليه، ثم ذهبوا به إلى المدرسة، وكانت ليلة عظيمة.
وبعد أيام (١) خرج الدهليز والعسكر فى مستهل ربيع الأول، ولما استقر، رسم للوزير والنائب بأن يدخلا المدينة ويعملا ختمة لوالده فركبا ليلة الجمعة وعملا ختمة هائلة، وعملا أطعمة عظيمة، وتصدقا على الفقراء والمساكين بصدقات كثيرة.
ثم ركب السلطان إلى أن وصل إلى دمشق المحروسة، وخرج أهل دمشق لتلقيه ولم يبق فيها أحد، فأقام بها أياما، ثم خرج وأتى إلى عكا بالعسكر، وكان نزوله عليها فى العشر الأول من ربيع الآخر، فوجدها قد تحصنت بسائر العدد والآلات، وكانت الإفرنج استنجدوا بأهل قبرص وغيرها من الجزائر، وأرسلوا إلى ملوكهم الكبار، فاجتمع بها خلق كثير من الداوية والاسبتار، وكانوا قد كتبوا إلى ملوك الإفرنح مع الرهابين (٢) والقسوس، وذكروا فى كتبهم أنه لم يبق حصن من حصون الإفرنج يأوون إليه فى جميع السواحل غير هذا الحصن، وأنه متى أخذ لا يبقى لسائر الإفرنج مكان يذكرون فيه، فسيّروا إليهم خلقا كثيرا ورجالا مقاتلة، وجهزوهم فى المراكب، وحملوا لهم سائر ما يحتاجون إليه من العدد والآلات والإقامات وغيرها، فاجتمع فيها خلق كثير حتى لم يكترثوا
стр. 931
بالمسلمين، ولم يغلقوا للمدينة بابا، وصاروا يخرجون إلى العسكر ويطلب فرسانهم المبارزة، وكان يهرع إليهم الجند من الحلقة والمماليك السلطانية، فيجرى بينهم الكر والفر والمطاعنة، فبقوا على ذلك أياما ونال منهم المسلمون، فجرحوا منهم جماعة، وقتلوا جماعة، وكانوا كل يوم لا يرجعون إلا وهم خاسرون، فرأوا من المسلمين ما ليس فى بالهم، ثم امتنعوا عن القتال والمبارزة، فصاروا يقفون على الأبواب يحفظونها ولا يخرجون منها.
وكانت عدة ما نصب عليها من المجانيق اثنان وخمسون منجنيقا شيطانيا.
وقال بعضهم: اثنان وسبعون منجنيقا (١)، ثم صمم السلطان على الحصار، فرتب الكوسات ثلاثمائة جمل، وزحف سحر يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى، ودقت الكوسات جملة واحدة عند طلوع الشمس، وطلع المسلمون مع طلوع الشمس، فنصبت السناجق الإسلامية فوق الأسوار، فولت الفرنج عند ذلك الأدبار، وركبوا هاربين فى مراكب التجار، وقتل منهم خلق لا يعلم عددهم إلا الله، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئا كثيرا جدا، وكان فتحها نهار الجمعة، كما أخذتها الفرنج فى نهار الجمعة، جزاء وقصاصا، واستأصل منهم ما ينيف على عشرة آلاف نفس، ففرقهم السلطان على الأمراء ليقتلوهم (٢).
وفى نزهة الناظر: ولما كان الناس فى الحرب مع الإفرنج إذا سهم قد رمى من القلعة وفى نصله ورقة مشدود عليها بخيط، فوقع السهم فى وسط العسكر
стр. 932
فأخذوه وأحضروه إلى السلطان، ففتح الورقة فوجد فيها مكتوب بالعربى:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، إن الدين عند الله الإسلام، يا سلطان المسلمين احفظ عسكرك من الكبسة فى هذه الليلة، فإن أهل عكا قد اتفقوا على ذلك، وهم قاصدون الهجوم عليك، واحتفظ أيضا من [١٩] أمرائك فإنهم ذكروا أن فيهم تخابرا عليك.
وكانت هذه الورقة من رجل من أهل عكا رزقه الله الإسلام وكان يكتم إسلامه، فلما وقف عليها السلطان طلب الأمير بيدرا والشجاعى وقرأها عليهما، فاتفق رأيهم أن يدور الحجاب والنقباء على الأمراء ويعرفونهم بهذا الأمر سرا فيما بينهم، وأن يحتفظ كل أمير بمكانه، واتفق فى تلك الليلة أن هبت ريح عاصفة، فأظلم الجوّ لها ووافاها أهوية مختلفة، فكان ذلك مما فرح به الإفرنج، واجتمعت طائفة الداوية مع طائفة الاسبتار وتفرقوا، وخرجوا من أماكن يعرفونها، وركب بعضهم فى المركب إلى أن صاروا على الأرض، ثم هجموا على العسكر وتصايحوا صياحا منكرا.
وكان أول وصولهم إلى نحو الميسرة، وكان فيها مركز الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، وكان الخبر عنده، وكان راكبا بمن معه واقفين خارج الخيم، فلما وصلت الإفرنج وقربوا من الخيم أرادوا أن يرموا نفطا عظيما كان معهم، فما لحقوا أن يتوسطوا الطريق حتى أخذهم الصياح من كل جانب، ورشقتهم السهام فى الليل، فرجعوا على أعقابهم، وليس فيهم أحد يلتفت إلى من معه، ورموا منهم نحو العشرين فارسا، وخرجوا جماعة فأخذوهم أسرى.
стр. 933
وأما الإفرنج الذين قصدوا الميمنة فسلموا وأخذوا بعض الجنوبات والستائر التى كانت للمسلمين، وكان السبب فى ذلك أن الميمنة كان فيها المقدم هو الأمير الحلبى الكبير، ولما بلغه خبر الكبسة ركب بمن معه من الأمراء وأوصاهم أن لا يدعوا شيئا فى الخيم، وأراد بذلك أمرا، وأراد الله غيره، وحسب فى نفسه أن الإفرنج إذا هجمت على الخيام ورجعت يكون هو والعسكر الذى معه قد سبقوا إلى المبنى التى طلعوا منها، فيكون قد ملك الطريق عليهم ويأخذهم قبضا باليد، ولا يدع أحدا يتمكن من الدخول إلى عكا، فلما هجمت الإفرنج على الخيام ورأوها خالية من كل شئ أدركوا ما أضمره الحلبى فى نفسه، فعرجوا عن تلك الطريق إلى غيرها، فوجدوا فى طريقهم جنويات وطوارق للحلبى فأخذوها، وبقى الحلبى ومن معه واقفين ينتظرون عود الفرنج فما رأوا أحدا حتى أشرق الصبح ووقع الصياح من الإفرنج من عكا، وعلقوا تلك الطوارق والجنويات على الأسوار، ولما رأت المسلمون ذلك اغتموا، وبعد ساعة سير الأمير بكتاش إلى السلطان الأسرى الذين أسرهم من الإفرنج والخيل التى أخذوها منهم، فزال عن الناس الغم، ثم أصبح السلطان فطلب الأمراء وعنفهم على الإطالة بالحصار، فاعتمدوا بأجمعهم على المجانبق، وصارت الأمراء تركب إليها وتقف على أمرها إلى أن فعلت فعلا عظيما، وهدمت شراريف الأسوار، وتقلقلت الآجر لتقع والبدنات، فوهيت عند ذلك أهل الكفر وتحققوا أن أمرهم إلى التلاشى والزوال.
ونظم (١) أبو تميم فى المنجنيق:
للمنجنيق على الحصون وقائع … فيها عجائب للذى يتفهّم
стр. 934
يومى إليها بالركوع مخادعا … فتخرّ ساجدة إليه ونسلّم
[٢٠] قال الراوى: ثم اتفق رأى الافرنج على أن يسيروا إلى السلطان فيسألونه أن يرحل عنهم، وعليهم كل سنة مالا يحملونه إليه مع هدايا وتحف كما كانت فى الأول، فلما جاء رسلهم إلى السلطان جمع الأمراء فشاورهم فيه. فقال جميعهم عن لسان واحد: إن هذا حصن كبير عندهم، ولم يبق فى بلاد الساحل من أهل الكفر غير أهله، وكان عزم الشهيد والد الأشرف على فتحه، والسلطان قد عزم فى أول دولته على فتحه على ما كان عليه عزم الشهيد، وأنه قد أصيب من المسلمين جماعة، وقتلت جماعة، وما بقى للصلح فائدة، فإنما قد أشرفنا على فتحه. وهم فى ذلك، وإذا بصياح عظيم من السوقة والحرافيش والغلمان والجمالين: يا مولانا السلطان بتربة الشهيد لا نصطلح مع هؤلاء الملاعين، ثم قال السلطان للرسل: لا صلح عندنا إلا أن تسلموا الحصن بالأمان، فذهبت الرسل، وكان يوم الخميس.
ففى يوم الجمعة أمر السلطان بالزحف، فزحفوا وكشفوا الإفرنج عن الأسوار بسهام، ثم دخلوا فى المدينة فوجدوا من الأموال والذخائر والأوانى البلور المرصعة بالذهب واللؤلؤ ما لم يقدر عليه، وكذا من الأوانى الفضة والذهب والدراهم البندقية شيئا كثيرا لا يعدّ ولا يحصى، ووجدوا أيضا من أصناف المتجر الذى يحضر إليها ويسافر به إلى الشام ومصر شيئا كثيرا، ومن الذهب السبائك والفضة الحجر، فشرعت الكسابة من الغلمان والسوقة والحرافيش ينهبون، وقتلت من المسلمين جماعة على الكسب، وكانوا إذا وجدوا آنية من فضة أو ذهب أو بلور كسروها وأطفأوا صنعتها (١)، وأخذوا من النساء والأولاد شيئا كثيرا،
стр. 935
واستغنت جماعة السوقة مما كانوا يشترون من الكسابة من الغلمان والجمالين والحرافيش وغيرهم من الأجناد وأتباعهم.
قال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى جماعة منهم: أن منهم من كان كسبه بلغ إلى مقدار ألفى دينار وما دونها من الذى ينهبه ويبيعه للسوقة، وأن شخصا يعرف بسراج الدين ظبيان كان كسبه فى عكا نحو ألف وسبعمائة دينار واثنين وعشرين ألف درهم، وحضر إلى المدينة وصحبته ثلاثة أقطار من الجمال تحمل تجارة.
قال الراوى: ثم رسم السلطان للأمير علم الدين الدوادارى الصالحى والأمير الشجاعى أن يقيما على عكا لتخريب أسوارها وأبراجها، ثم رحل السلطان عنها إلى دمشق، فشرع الشجاعى فى تخريب عكا، ووجد بها كنائس داثرة قديمة، وفيها من البناء الغريب الذى لا يقدر على مثله، ووجدوا فى بعض تلك الكنائس ناوسا من الرخام الاحمر مثل العقيق، ووجدوا فى وسطه لوحا من رصاص كبيرا مكتوب عليه بالرومى، فاحتمله الشجاعى معه، وأخذوا من ذلك الناس قطع رخام، فلما وصلوا إلى دمشق أحضروا شخصا يعرف بالقراءة الرومية، فأخرج له ذلك اللوح مكتوب فيه:
كتب فى سنة اثنتين وعشرين ومائتين وذكر فيه أنه يدوس هذه الأرض رجال من أمة نبى العرب، وهو نبى يظهر له دين وشريعة، ويكون دينه أعظم الأديان، وشريعته أعظم الشرائع، ويطهر الأرض من الكفر، وتبقى شريعته إلى آخر الزمان [٢١]، وتملك أمته سائر الأقاليم من الفرس والإفرنج وغيرهما، وإذا
стр. 936
دخلت السبعمائة ملكت أمته سائر بلاد الإفرنج.
ووجدوا أيضا على باب كنيسة مكتوبا قديما بالكوفى (١):
جمع الكنائس (٢) … إن تكن عبثت بكم
أيدى الحوادث (٣) أو تغيّر حال
فلطالما سجدت على أبوابكم (٤) … شمّ الأنوف صحاح (٥) أبطال
صبرا على (٦) … هذا المصاب فإنه
يوم بيوم والحروب سجال
ونقلوا من كنائس عكا رخاما عظيما إلى الغاية، وأبوابا كانت على كنائس مستجدّة فى عكّا، وكان من جملة ما حمل منها إلى مصر باب كنيسة (٧) بقواعده وأعضاده وعوامده، وهو الآن مركب على باب المدرسة الناصرية (٨)، وحمل منه إلى دمشق شئ كثير، وإلى مصر أيضا.
стр. 937
قال الراوي: ولما علّقت أبراج عكا وأضرمت فيها النار وتساقطت، عمل القاضى شهاب الدين محمود (١) الحلبى كاتب الإنشاء هذين البيتين وهما:
مررت بعكا بعد تخريب سورها … وزند أوار النار فى وسطها وار
وعاينتها بعد الّتنصر قد غدت … مجوسيّة الأبراج تسجد للنار (٢)
واستشهد على عكا من الأمراء: علاء الدين كشتغدى الشمسى، وعز الدين أيبك المعزى، وجمال الدين أقوش الغتمى، وبدر الدين بيليك المسعودى، وشرف الدين قيوان السكرى، والعزى نقيب الجيوش (٣)، وست مقدمين من الحلقة (٤)، وثلاثة وخمسون جنديا من الحلقة، وثلاثون من أجناد الأمراء (٥).
وقال النويرى: ولم تزل النصارى يعظمون هذه المدينة لأجل الناصرة وهى القرية التى خرج منها المسيح ﵇، وبها أيضا عين تسمى عين البقرة يزورها المسلمون والنصارى واليهود يزعمون أن البقرة التى خرجت لآدم للحرث خرجت من هذه العين (٦).
стр. 938
وقال بيبرس فى تاريخه: استنقذ الله عكا من أيدى المشركين (١) على يد الملك الأشرف صلاح الدين، كما كان فتوحها أولا على يد صلاح الدين «يوسف ابن أيوب» (٢)، وأقامت بأيديهم مائة وثلاث سنين، لم ينهض أحد من الملوك الأيوبية ومن بعدهم من أرباب الدول التركية باسترجاعها، «وكان استيلاء الفرنج عليها (٣)» فى الأيام الناصرية سنة سبع وثمانين وخمسمائة (٤).
ذكر دخول الأشرف دمشق بعد فتح عكا وما تجدد فيها بعد دخوله:
دخل الأشرف دمشق ضحى يوم الإثنين الثانى عشر من جمادى الأخرى، وفى ميمنته وزيره ابن السلعوس، والجيوش المنصورة، وكان يوما مشهودا، ولم يبق أحد من أهل دمشق وما حوى من أهل البلاد إلا وقد خرج فى موكب اليوم، وكل واحد فى يده شمعة (٥)، وكذلك العلماء، والقضاة، والخطباء، والمشايخ، والنصارى، واليهود، وأقامت دمشق نحو شهر مزينة بالزينة المفتخرة، ووصل كرا كلّ بيت ودكان إلى قيمة كثيرة.
стр. 939
وأول ما دخل دمشق الأسرى الذين كانوا استأسروهم نحو مائتين وثمانين أسيرا.
وكان الصاحب ابن سلعوس قد كتب إلى أكابر دمشق أن يجهزوا كل شئ حسن من الثياب الأطلس وغيرها، فبسطوها للسلطان من آخر ميدان الحصا إلى دار السعادة.
[٢٢] ولما استقر ركابه دخل إليه الوزير وعرّفه أن دواوين الشام قد حصّلوا أموالا كثيرة، فاستأذن فى مصادرتهم، فأذن له أن يفعل ما شاء، فأول ما دق فى تقى الدين توبة التكريتى ناظر الشام، مع أنه كان هو الذى أوصله إلى الأشرف كما ذكرنا، وكان له عليه إحسان كثير، فلم يعرف ذلك، وأقامه من مجلسه وأهانه، وكذلك فعل بالأمير شمس الدين الأعسر شاد الدواوين بالشام، وبجماعة من المباشرين من أكابر دمشق، وأخذ خطوطهم بمبلغ سبعمائة ألف درهم، وأول من وضع خطه التقى توبة والأعسر الشاد، وخافت الدماشقة منه، وقالوا: إذا كان فعله مع مثل التقى توبة الذى هو أوصله إلى خدمة الأشرف وأنه نشره فكيف يكون مع غيره؟ فتعاظم فى هذه الأيام، واحتجب عن الناس، وصار يركب فى موكب عظيم وسائر القضاة وغيرهم يركبون فى خدمته.
قال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى شخص من الدماشقة أنه كتب له كتابا فيه أبيات، وكتب العنوان: المملوك الناصح، فقدمه إليه ورجع، وهو مختفى، فلما فتحها وجده ورقا أبيض ليس فيه غير أبيات ثلاثة، فعلم أنه مكيدة فى حقه وهذه هى الأبيات:
стр. 940
لا تغبطنّ وزيرا للملوك … وإن أناله الدهر منها فوق همته
واعلم بأن له يوما تميد به … الأرض الوقور كما كانت لهيبته
هودا وهو أخو موسى الشقيق … له لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته
فلما وقف عليه طواه ولم يطلع أحدا عليه، وبعد أيام قام الأمير بدر الدين بيدرا والشجاعى فى حق التقى توبة وعرفوا أن لهذا خدمة كبيرة على الأمراء المتقدمين فى خدمة الشهيد، وأنه قديم الهجرة، وما زالوا به إلى أن رسم بالإفراج عنه، وعن بقية المباشرين، وسكن ابن السلعوس عن الدماشقة بعد ذلك.
ذكر القبض على أرجواش (١) متولى قلعة دمشق:
وكان السبب لذلك أنه كان من المماليك المنصورية، معروفا، بينهم بالفروسية والشجاعة، وكان قد أصيب بسهم فى عينه، فبقى بفرد عين، وكان لا يعرف له مزح ولا لعب، ولم يكن أحد من خشداشيته يقدر على المزح معه، وكانوا عرّفوا الأشرف خلقه ووسوسة طبعه وتفرده عن الناس، وحكوا له عنه حكايات، وكان يوما واقفا بين يدى السلطان، فأراد السلطان أن يفتح معه باب المزح، فأشار إلى أحد من خاصكيته أن يقف خلف أرجواش ويدس يده فى مخرجه؛ ففعل ذلك، فالتفت إليه أرجواش ولكمه وأرمى كلوتته، وحط يده
стр. 941
فى قائم سيفه، فصاح السلطان عليه، وبدا عليه الضحك، فقال له: ويلك، تلكم مملوكى: ماذا فعل بك؟ فقال: نحن ما تعودنا بشئ من ذلك ولا رأيناه، ولكن صرنا فى آخر زماننا مسخرة، فغضب السلطان من ذلك غضبا شديدا (١)، ورسم بأخذ سيفه، وضربه ضربا مؤلما، ورسم بالحوطة على موجوده، واعتقل بالقلعة، وحملوا من خزانته نحو سبعين ألف درهم وثلاثة آلاف دينار، وباعوا سلاحه وقماشه إلى أن تكمل جميعه مائتين وستين ألف درهم (٢).
ثم لما عزم السلطان على السفر إلى مصر [٢٣].
. (٣)
стр. 942
[٢٥] خلائق لا يحصى عددهم، ولم يبق أحد فى المدينة إلا وقد أخذ جانبا للتفرج منه، فلما وصل السلطان إلى المدرسة المنصورية ترجل وطلع إلى قبر الشهيد، فوجد هناك القضاة وسائر أرباب الوظائف من الفقهاء والعلماء والقراء والمؤذنين، وتلقوه بالدعاء، وشرعوا فى القراءة بين يديه، ثم أخذوا فى الدعاء له ولوالده الشهيد، ولما فرغوا من القراءة والدعاء قام ابن العنبرى (١) الواعظ وصعد المنبر، وكان قد رتب قصيدة يذكر فيها أمر الغزاة والجهاد فى سبيل الله، فلم يرزق فيها سعادة، ولا فتح عليه منها فتوح، وأول ما تكلم بعد قراءته القراءة قال:
زر والديك وقف على قبريهما … فكأننى بك قد نقلت إليهما
وكان السلطان ذكيا، ففهم معنى شعره، فما وصل إلى آخر البيت حتى نهض السلطان قائما، وسائر الناس معه، والتفت إلى بيدرا كالمغضب بسببه، وقال: ما لقى هذا غير هذا القول!! فقال له بيدرا: يا خوند هذا الرجل ما فى الدنيا مثله فى الوعظ، ولكن ما رزقه الله سعادة فى هذا الوقت، ثم ركب السلطان من المدرسة إلى أن خرج من باب زويلة، وسائر الأمراء فى خدمته، ولم يكن أحد راكبا غير الأمير بدر الدين أمير سلاح، وعند خروجه من الباب مسك عنان الفرس، ورسم للأمراء بالركوب، ومشت الخاصكية إلى القلعة.
وعند استقراره خلع على الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، وعلى الصاحب شمس الدين ابن سلعوس وسيّر له ألف دينار.
стр. 943
ولما وصل السلطان القلعة نثر على السلطان الذهب والفضة، وعلى الأمراء الماورد من جانبى الناس.
ويقال: ما مرّ السلطان على قلعة من تلك القلاع إلا ونثر عليه الذهب والفضة، ولما بلغ بين القصرين عند دار البيسرى (١) - وكان البيسرى (٢) معتقلا - وقف مملوكه مغلطاى ومعه أولاد أستاذه، وعمل بأرقابهم (٣) مناديل، وعند ما عاينوا السلطان قبلوا الأرض جميعهم، وكانوا ست بنين، وكان مملوكهم مغلطاى قد تحدث مع الأمراء فى الشفاعة فى مخدومه، ولما رآهم السلطان قال: من هم هؤلاء؟ قالوا: ياخوند هؤلاء مماليكك أولاد البيسرى، وتحدثت الأمراء، فقال السلطان: طيبوا قلوبكم، الساعة أخرجه لكم، ثم لما طلع القلعة أمر بإخراجه (٤)، وأرسل إليه تشريفا إلى السجن صحبة الأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار والأمير بغدى الدوادار (٥)، ورسم له أن يلبس التشريف ويدخل إليه،
стр. 944
فامتنع من ذلك والتزم يمينا أن لا يدخل عند السلطان إلا فى قيده ولباسه الذى كان عليه فى السجن، فدخل على هذه الهيئة، ففك قيده بين يديه، ثم لبس التشريف وباس الأرض؛ فتلقاه السلطان أحسن ملتقى وأكرمه وطيب خاطره، وأمر له بإقطاعه التى كانت بيده تقدمة ألف وزاده عليها منية بنى خصيب، وكتب منشوره (١) وحمل إليه فى كيس أطلس، وهذه نسخته:
الحمد لله على نعمه الكاملة، ومراحمه الشاملة، وعواطفه التى أضحت بها بدور الإسلام بازغة غير آفلة، أحمده حمدا يعيد سالف النعم، والكرم الذى خصّ وعم. وبعد:
فإنّ أحق من عومل بالجميل، [وبلغ (٢)] من مكارم هذه الدولة القاهرة الرجاء (٣) والتأميل، ومن إذا ذكرت أبطال الإسلام كان أول مذكور، [٢٦] وإذا وصفت الشجعان كان إمام كل شجاع مشهور، وإذا تزيّنت سماء الملك بأنجم كان بدرها المنير، وإذا عدّ أولوا الأمر كان أول مشير (٤)، وكم تجملت فيه المواكب بأعلى قدر، وترتبت المراتب به لأنه بدر، وهو المقر الأشرف العالى البدرى بيسرى الشمسى الصالحى العجمى الملكى الأشرفى، فهو الموصوف بهذه
стр. 945
الأوصاف والمدح، والمعروف بهذه المكارم والمنح، فلذلك رسم أن يفرج عنه فى هذه الساعة من غير تأخير (١).
وكان له نهار عظيم بالمدينة لأنه نزل والمدينة مزينة، وفرحت الناس به، وكان فى الاعتقال عشر سنين وأشهرا، ولما نزل إلى بيته أرسل له السلطان أربعين فرسا منها عشرون أكديشيا (٢)، وأمر لسائر الأمراء أن يقدموا له، فقدموا له، وحظى عند السلطان حتى [كان (٣)] لا يفارقه السلطان ويخلو به، ويحدثه فى سائر أموره: هزله وجده، وصار يوالى عليه الإنعام فى كل وقت (٤).
ونظمت شعراء كثيرون فى فتح السلطان هذه القلاع، فمن ذلك ما نظمه شهاب الدين محمود:
الحمد لله ذلّت (٥) … دولة الصلب
وعزّ بالقول (٦) دين المصطفى العربى
стр. 946
هذا الذى كانت الآمال لو طلبت … رؤياه فى اليوم لاستحيت من الطلب
ما بعد عكا وقد هدّت قواعدها … فى البحر للشرك عند (١) الدين من أرب
كم رامها ورماها قبله ملك … جمّ الجيوش فلم يظفر ولم يصب (٢)
لم ترض همته إلا الذى قصدت … هجر عنها (٣) ملوك العجم والعرب
فأصبحت وهى فى بحرين مائلة … ما بين مضطرم النار (٤) ومضطرب
جيش من الترك ترك الحرب عندهم … عار وراحتهم ضرب من الوصب
وأطلع الله جيش النصر فانتشرت (٥) … طلائع النصر (٦) بين السمر والقضب
أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم … فراح كالراح إذ عرّفاه (٧) كالحبب (٨)
بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت … بك الممالك واستعلت على الرتب (٩)
لقيتها (١٠) … باصلاح الدين الدين معتقدا
فإنّ ظنّ صلاح الدين لم يخب
стр. 947
أدركت ثأر صلاح الدين إذ عصيت … عنه لسر (١) طواه الله فى الكتب (٢)
وفى هذين البيتين إشارة إلى أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لما نازل عكا وحاصرها طمع فى أخذها لأنه كان وقف على كتاب يذكر فيه أن السلطان صلاح الدين يفتح عكا ويخرّبها ولا تعمر بعده، فنزل عليها وحاصرها وتسلمها يوم الجمعة فى شهر جمادى الأولى (٣) من سنة « ...... » (٤) ورحل عنها بعد ما صارت فى ملكه وقصد أن يخربها، فحصل له عارض وأقامت أياما قليلة ورجعت الإفرنج إليها وأخذوها (٥)، فصارت فى أيديهم، ثم أخذها صلاح الدين الملك الأشرف وأخربها وجعلها دكا.
وأنشد أبى غانم (٦) بيتين عند فتح عكا فى هذا المعنى وهما:
مليكان قد لقّبا بالصّلاح … فهذا خليل وهذا (٧) يوسف
стр. 948
فيوسف لا شك فى فضله … ولكن خليل هو الأشرف (١)
[٢٧] ومن نظم شمس الدين ابن الصائغ (٢):
يا أشرف الدنيا تهنّ فإنه … فتح سواك بمثله لم يحلم
أشبهت معتصم الخلافة (٣) … همة
فالروم منك (٤) ديارها لم تعصم
قاتلت (٥) … بلق جيوشهم (٦) بسوابق
غرّ عليها الريح (٧) لم تتقدّم
كم رعتها بسواد ليل أليل … وصدمتها (٨) ببياض يوم أيوم
وأعدتها للمسلمين ولم يكن … منهم يرى التطهير (٩) إلا بالدّم
فالجمعة الغرّاء كان صباحها … وجه الزمان بمثله لم يرقم (١٠)
стр. 949
ذكر القبض على قراقوش الظاهرى:
كان هذا الرجل من الظاهرية، وكانت له نفس قوية، وأخلاق شرسة، وهو معروف بالفروسيّة، وكان قد ولى قوص فى الدولة المنصورية وبقى إلى أن أتت الدولة الأشرفية، وكان الصاحب ابن سلعوس يكتب إليه كتابا لأجل المهمات، ولم يكن يكترث بأمره ولا يحسن فى جوابه، فشاور السلطان على عزله، فأمر بعزله، فقالوا: هذا رجل قوى النفس، فإذا بلغه العزل ربما سد حال الوجه القبلى، وهو قد قويت نفسه بالعرب والسودان، ولا يعزل هذا إلا بالتحيّل عليه، فوقع اختيار السلطان والوزير على توليه أقوش الفارسى، وكان فى طبقة قراقوش فى الحمق والكبرياء، فولاه كشف الوجه القبلى، واعلمه بما قصده من القبض عليه عند ملاقاته، فإذا قبض عليه يرسله مقيدا.
فتجهز أقوش وخرج فى جند كثيرة، وبلغ قراقوش اتفاقه مع الوزير على القبض عليه، فكتم أمره فى نفسه إلى أن وصل أقوش إلى قريب قوص، ولما علم بنزوله طلب مماليكه مع الوافدية المركزين فى قوص وأخبرهم أن هذا الكاشف حضر للقبض عليه من غير مرسوم السلطان، وليس معه إلا مرسوم الوزير، وأنا أريد أن أقبض عليه وأخليه عندى وآخذ جميع ما معه فأنفقه فيكم، وأبعث إلى السلطان وأعرفه بذلك، فإن أنكر فعلى عصيت مع أبى الكنز وأفطعت قوص لكم بأمريات، وأطمعهم بأشياء كثيرة، واستمال عقولهم، فوافقوه على ما قال.
وفى ذلك الوقت وصل كتاب أقوش يذكر فيه العتب وبعض الإنكار لكونه وصل إلى محل ولايته ولم يركب إلى لقائه، فلما قرأ كتابه طلب قاصده وسبه
стр. 950
وقال: من هو أستاذك حتى أركب أنا إلى لقائه؟ فأتى إلى أستاذه وأخبره بما جرى له معه، وبلغه أيضا اتفاقه مع الوافدية والعرب، فعند ذلك طلب الحاكم وبعض الشهود وقال لهم: اذهبوا إليه واشهدوا عليه أنه قد ورد عليه الكاشف ومعه مرسوم السلطان، فأبى أن يحضر، فجاءوا إليه وتلطفوا فى أمره، ولم يزالوا حتى وافقهم على الركوب إليه، والاجتماع به، والوقوف على كتاب السلطان، وهو مع توافقه على ذلك قال لهم: متى أرى معه أمرا لا يليق أوقع العتبة، فحلفوا له أن مأثمه الأخير، ثم أتوا إلى الكاشف وعرفوه بما جرى وأنهم ضمنوا له أن لا تكون فتنة ولا تشويش.
ثم بعد ذلك أقبل قراقوش فى طلب عظيم، فقام إليه أقوش وتلقاه وأقعده فوقا منه، وشرح فى عتبه باللطف، فأخذ قراقوش يعتذر إليه، ثم أخرج أقوش كتاب السلطان بحضور القضاة والشهود [٢٨] وفيه القبض عليه، فعند ذلك قام ولم يلتفت إليه، وقال: هذا شغل ذلك النحس الوزير والسلطان ما رسم بهذا، ولم يقدر أحد يتعرض إليه.
ورجع أقوش فوجد السلطان قد خرج إلى عكا والوزير معه، فكتب بما وقع له، وأرسل مع الكتاب المحاضر التى كتبها الشهود بسبب الاتفاق الذى ذكرنا.
وأما قراقوش فإنه أيضا كتب إلى السلطان، وذكر فيه عن الوزير أمورا كثيرة، وأنه يحاققه على ألف ألف دينار أخذها من بلاد السلطان، وذكر فيه أشياء كثيرة من ذلك الجنس، وأرسل قاصده فى السر مع نجاب إلى أن وصل إلى السلطان وسلم الكتاب للدوادار، فأوصله إلى السلطان فقرأه بحضور الوزير وحصل له من ذلك قلق عظيم.