← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

هذا الذى كانت الآمال لو طلبت … رؤياه فى اليوم لاستحيت من الطلب ما بعد عكا وقد هدّت قواعدها … فى البحر للشرك عند (١) الدين من أرب كم رامها ورماها قبله ملك … جمّ الجيوش فلم يظفر ولم يصب (٢) لم ترض همته إلا الذى قصدت … هجر عنها (٣) ملوك العجم والعرب فأصبحت وهى فى بحرين مائلة … ما بين مضطرم النار (٤) ومضطرب جيش من الترك ترك الحرب عندهم … عار وراحتهم ضرب من الوصب وأطلع الله جيش النصر فانتشرت (٥) … طلائع النصر (٦) بين السمر والقضب أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم … فراح كالراح إذ عرّفاه (٧) كالحبب (٨) بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت … بك الممالك واستعلت على الرتب (٩) لقيتها (١٠) … باصلاح الدين الدين معتقدا فإنّ ظنّ صلاح الدين لم يخب

стр. 947

أدركت ثأر صلاح الدين إذ عصيت … عنه لسر (١) طواه الله فى الكتب (٢) وفى هذين البيتين إشارة إلى أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لما نازل عكا وحاصرها طمع فى أخذها لأنه كان وقف على كتاب يذكر فيه أن السلطان صلاح الدين يفتح عكا ويخرّبها ولا تعمر بعده، فنزل عليها وحاصرها وتسلمها يوم الجمعة فى شهر جمادى الأولى (٣) من سنة « ...... » (٤) ورحل عنها بعد ما صارت فى ملكه وقصد أن يخربها، فحصل له عارض وأقامت أياما قليلة ورجعت الإفرنج إليها وأخذوها (٥)، فصارت فى أيديهم، ثم أخذها صلاح الدين الملك الأشرف وأخربها وجعلها دكا. وأنشد أبى غانم (٦) بيتين عند فتح عكا فى هذا المعنى وهما: مليكان قد لقّبا بالصّلاح … فهذا خليل وهذا (٧) يوسف

стр. 948

فيوسف لا شك فى فضله … ولكن خليل هو الأشرف (١) [٢٧] ومن نظم شمس الدين ابن الصائغ (٢): يا أشرف الدنيا تهنّ فإنه … فتح سواك بمثله لم يحلم أشبهت معتصم الخلافة (٣) … همة فالروم منك (٤) ديارها لم تعصم قاتلت (٥) … بلق جيوشهم (٦) بسوابق غرّ عليها الريح (٧) لم تتقدّم كم رعتها بسواد ليل أليل … وصدمتها (٨) ببياض يوم أيوم وأعدتها للمسلمين ولم يكن … منهم يرى التطهير (٩) إلا بالدّم فالجمعة الغرّاء كان صباحها … وجه الزمان بمثله لم يرقم (١٠)

стр. 949

ذكر القبض على قراقوش الظاهرى: كان هذا الرجل من الظاهرية، وكانت له نفس قوية، وأخلاق شرسة، وهو معروف بالفروسيّة، وكان قد ولى قوص فى الدولة المنصورية وبقى إلى أن أتت الدولة الأشرفية، وكان الصاحب ابن سلعوس يكتب إليه كتابا لأجل المهمات، ولم يكن يكترث بأمره ولا يحسن فى جوابه، فشاور السلطان على عزله، فأمر بعزله، فقالوا: هذا رجل قوى النفس، فإذا بلغه العزل ربما سد حال الوجه القبلى، وهو قد قويت نفسه بالعرب والسودان، ولا يعزل هذا إلا بالتحيّل عليه، فوقع اختيار السلطان والوزير على توليه أقوش الفارسى، وكان فى طبقة قراقوش فى الحمق والكبرياء، فولاه كشف الوجه القبلى، واعلمه بما قصده من القبض عليه عند ملاقاته، فإذا قبض عليه يرسله مقيدا. فتجهز أقوش وخرج فى جند كثيرة، وبلغ قراقوش اتفاقه مع الوزير على القبض عليه، فكتم أمره فى نفسه إلى أن وصل أقوش إلى قريب قوص، ولما علم بنزوله طلب مماليكه مع الوافدية المركزين فى قوص وأخبرهم أن هذا الكاشف حضر للقبض عليه من غير مرسوم السلطان، وليس معه إلا مرسوم الوزير، وأنا أريد أن أقبض عليه وأخليه عندى وآخذ جميع ما معه فأنفقه فيكم، وأبعث إلى السلطان وأعرفه بذلك، فإن أنكر فعلى عصيت مع أبى الكنز وأفطعت قوص لكم بأمريات، وأطمعهم بأشياء كثيرة، واستمال عقولهم، فوافقوه على ما قال. وفى ذلك الوقت وصل كتاب أقوش يذكر فيه العتب وبعض الإنكار لكونه وصل إلى محل ولايته ولم يركب إلى لقائه، فلما قرأ كتابه طلب قاصده وسبه

стр. 950

وقال: من هو أستاذك حتى أركب أنا إلى لقائه؟ فأتى إلى أستاذه وأخبره بما جرى له معه، وبلغه أيضا اتفاقه مع الوافدية والعرب، فعند ذلك طلب الحاكم وبعض الشهود وقال لهم: اذهبوا إليه واشهدوا عليه أنه قد ورد عليه الكاشف ومعه مرسوم السلطان، فأبى أن يحضر، فجاءوا إليه وتلطفوا فى أمره، ولم يزالوا حتى وافقهم على الركوب إليه، والاجتماع به، والوقوف على كتاب السلطان، وهو مع توافقه على ذلك قال لهم: متى أرى معه أمرا لا يليق أوقع العتبة، فحلفوا له أن مأثمه الأخير، ثم أتوا إلى الكاشف وعرفوه بما جرى وأنهم ضمنوا له أن لا تكون فتنة ولا تشويش. ثم بعد ذلك أقبل قراقوش فى طلب عظيم، فقام إليه أقوش وتلقاه وأقعده فوقا منه، وشرح فى عتبه باللطف، فأخذ قراقوش يعتذر إليه، ثم أخرج أقوش كتاب السلطان بحضور القضاة والشهود [٢٨] وفيه القبض عليه، فعند ذلك قام ولم يلتفت إليه، وقال: هذا شغل ذلك النحس الوزير والسلطان ما رسم بهذا، ولم يقدر أحد يتعرض إليه. ورجع أقوش فوجد السلطان قد خرج إلى عكا والوزير معه، فكتب بما وقع له، وأرسل مع الكتاب المحاضر التى كتبها الشهود بسبب الاتفاق الذى ذكرنا. وأما قراقوش فإنه أيضا كتب إلى السلطان، وذكر فيه عن الوزير أمورا كثيرة، وأنه يحاققه على ألف ألف دينار أخذها من بلاد السلطان، وذكر فيه أشياء كثيرة من ذلك الجنس، وأرسل قاصده فى السر مع نجاب إلى أن وصل إلى السلطان وسلم الكتاب للدوادار، فأوصله إلى السلطان فقرأه بحضور الوزير وحصل له من ذلك قلق عظيم.

стр. 951

وبعد أيام وصل كتاب أقوش للكاشف وكتاب نائب السلطنة، وكتب كتابه بجميع ما وقع بينهم بمحاضر مثبوته على الحاكم، فكتب السلطان إلى نائبه بمصر أن يتحيل على قراقوش ويحضره إلى مصر، وكتب لقراقوش كتابا صحبة قاصده يتضمن شكرا وثناء، وأطمعه بأمور كثيرة توجب أطماعه فى الحضور. وعندما وصل الكتاب إليه ركب وطلب الحضور إلى مصر، فلما قرب إلى منية ابن خصيب أرسل النائب أيبك الخزندار، فأتى إليه وقبض عليه، وأوقع الحوطة على سائر موجوده، وبقى فى الجب إلى أن حضر السلطان وخلع على الوزير، ورسم للامير بكتمر السلحدار أمير جندار والأمير عز الدين أيبك الخزندار وغيرهما أن يخرجوا فى خدمة الوزير ويحضروا قراقوش قدامه، ويقابل الوزير بالذى قال عنه، فخرجوا بعد المغرب وجلسوا على باب القلة (١)، وأحضروا قراقوش من الجبّ (٢) وفى رجليه قيد ثقيل وهو يتململ من ثقله؛ والوزير جالس بين الأميرين والتشريف عليه، فلما وقف قامت له الأمراء وتحرك له الوزير قليلا. فقال بكتمر السلحدار: يا أمير بهاء الدين السلطان يقول: أنت سيرت كتابك إلى عكا وذكرت فيه كلاما كثيرا عن هذا - مولانا الصاحب -

стр. 952

وقد رسم أن تقول بين يديه الذى قلت عنه. فقال: نعم، وجميع ما قلته عن هذا هو بعض ما فيه وبعض ما فعله فى بلاد السلطان، فقال الوزير: يا قطعه يا نخس تقول فى وجهى هذا القول: فقال قراقوش: نعم يا قواد يا عامى يا كلب، وكم مثلك قد نلته بالمقارع، فكاد الوزير يتمزق من الغيظ فنهض قائما وصاح لمشد الدواوين والمقدمين: خذوا هذا النحس إلى خزانة شمائل (١)، فأخذوه أشدّ الأخذ، وقام الأميران وهما يسبانه على إهانته للوزير فى مجلسه. فلما أصبحوا دخلوا على السلطان وعرفوه بجميع ما وقع من قراقوش فى حق الوزير، فتبسم السلطان وقال: ما هذا إلا له نفس قوية، ورسم بإحضاره إلى بين يديه، وطلب مشد الدواوين، ورسم أن يحضر صحبته المقدمين بالمقارع، وقصد أن يقتله فى مجلسه، فمنعه من ذلك الأمير بدر الدين بيدرا وقال ياخوند: ما جرت عادة بضرب المقارع فى مجلس السلطان، وكان ذلك عناية به، فرسم أن يحضروه إلى باب القرافة ويضربونه خمسمائة مقارع، فأخرجوه بعد صلاة الجمعة إلى باب القرافة وعروه وضربوه فوق الأربعمائة مقرعة، ولم يتكلم بكلمة واحدة إلى أن رمى إلى جانب الحائط وهو عريان [٢٩] ولم يلتفت إلى كلام أحد، وبقى فى السجن، وأخذ جميع ما له. ذكر ما عمّره الأشرف، وما أمر بعمارته، وما أمر يوقفه: وفى هذه السنة أمر السلطان بعمارة الرفرف الظاهرىّ الذى بقلعة الجبل وتوسيعه ورفع سمكه وتزيينه، فوسّع وشيّد وبيّض وزخرف وصوّر فيه أمراء

стр. 953

الدولة وخواصّها، وعقدت له قبة على العمد، وبقى مجلسا للسلطان ولمن بعده من ملوك الزمان مشرفا على سوق الخيل والميدان الأسود وغيرهما (١). وفى أوائل هذه السنة تكملت عمارة قلعة حلب، وكان قرا سنقر شرع فى عمارتها فى أيام الملك المنصور فتمت فى أيام الأشرف، وكتب عليها اسمه، وكان قد خربها هلاون لما استولى على حلب سنة ثمان وخمسين وستمائة، فكان لبثها خرابا ثلاثا وثلاثين سنة تقريبا. وفى شوال منها شرع فى عمارة قلعة دمشق وبناء الأدر السلطانية، والطارمة (٢)، والقبة الزرقاء، حسب ما رسم الأشرف لنائبه سنجر الشجاعى. وفيها، زاد الشجاعى فى الميدان الصغير تقدير سدسه من جهة نهر بردى، وعمل فى عمارة حيطانه جميع الأمراء والجند وأكثر أهل دمشق، وعمل فيه الشجاعى بنفسه، ففرغ فى يومين. وفى رمضان (٣)، رسم الشجاعى أن يخرب جسر الزلابية والدكاكين التى عليه وخرب جميع ما هو مبنى على نهر بانياس ونهر المجدول، وذلك من باب السر إلى حد باب الميدان. ورسم أيضا أن لا يمشى أحد بعد العشاء بدمشق، وأن تغلق الدكاكين بسرعة، وكان الأعوان (٤) يدورون بعد العشاء ويمسكون من يجدونه بعد العشاء،

стр. 954

وحبس بسبب ذلك خلق كثير، فاجتمع الناس وشكوا من ذلك، فأطلقهم. ورسم أيضا أن شيخ كل حارة يطالعه بجميع ما يجرى فى حانوته من الأمور الجليلة والحقيرة. ورسم أن لا تلبس امرأة شاشا كبيرا. وفيها: بعد حضور الأشرف من غزاة عكا تقدم إلى المدرسة المنصورية وزار قبر والده، وسأل عن الوقف الذى أوقفه السلطان الشهيد، فوجده لا يفى لسائر وظائفه، ورغّبه الأمراء فى زيادة الخير على وقف والده ليكون له ذكر على مرور الأيام ويشارك والده الشهيد فى الخير، فعند ذلك قدح زناد فكره، فعين لذلك مما فتحه الله على يديه واستملكه بسيفه من الأعداء، لأن هذا خالص لوجه الله تعالى لا شوب فيه ولا كدر، فعين من بلاد عكا وبلاد صور أماكن (١)، وأضاف لها من أعمال مصر أماكن، وجعل منه للقبة المخصصة لمدفن والده الشهيد، وأضاف إليه أمورا كثيرة. نسخة ما كتب فى ذلك الوقف بعد الخطبة: وقف وحبس وسبل وأبد وتصدق جميع الضياع الأربع التى فتحت بسيفه القاهر من أعمال صفد، وجميع ما ذكره من الأراضى، وشروطها التى تذكر، على مصالح القبة والمدرسة التى أنشأها السلطان المنصور لمادته، وما تحتاج من إليه من الزيت والشمع والمصابيح والبسط وكلف الساقية والأبقار والعدة وغير ذلك، وعين فيها إماما من أهل الدين والصلاح من أى مذهب كان، وخمسين مقرئا،

стр. 955

وستة خدام، وعين للخدام [٣٠] ثلاثمائة درهم، ولكل واحد أربعة أرطال خبز، وللناظر فى كل شهر ثلاثمائة درهم، وذكر فيه أمورا كثيرة، منها ما فضل من ريع هذا الوقف وما يتبقى فيشترى به خبز ويفرق فى ليالى الجمع. ومن شروط هذا البر الولاية عليه للمقر الأشرف العالى وزير دولته ومدبر مملكته وممهد قواعد سلطنته المولوى السيدى الصاحبى، واسطة عقد المسلمين، كافل الدولة وهاديها ناصح الملة ومواليها، بركة الإسلام، حسنة الأيام، صدر المجلس القضائى الفخر بن فخر الدين بن أبى الرجاء التنوخى الشافعى، حرس الله مدته، وأنفذ فى الأقطار كلمته، يتولاه بنفسه مدة حياته، ولمن يشاء من نوابه. فلما قرئ عليه كتاب الوقف أعجبه، ورسم للصاحب أن ينزل إلى المدرسة ويجمع سائر القراء والوعاظ وأرباب الخير من سائر الفقراء والمشايخ والحكّام ويختم والده الشهيد، فنزل الوزير وعمل بجميع ذلك، وخلع على سائر أرباب الوظائف والوعاظ، وفرق صدقات كثيرة، ثم ألبسه السلطان تشريفا حسنا، ورسم أن يكتب مكاتيب بشروط الوقف، ويذكر فيها سائر ما شرطه الواقف، ويعين النظر فيه لنائب السلطنة وللقاضى الشافعى، وتثبت (١) وتجلد بمصر والشام. ذكر بقية أحكام الأشرف فى هذه السنة: وفى رابع رمضان: أفرج السلطان عن حسام الدين لاجين من قلعة صفد، ومعه جماعة أمراء، وردّ إقطاعاتهم عليهم، وأحسن إليهم وأكرمهم. وفى نزهة الناظر: كان السبب لذلك أن الأمير بدر الدين بيدرا النائب كان له مع لاجين نائب الشام صحبة أكسيدة، فلما رأى السلطان فى رمضان منشرح

стр. 956

الصدر مبسوط الأمل ذكر أن عادة السلطان فى غرة رمضان أن تكتب له أوراق بأسماء المحبوسين، ويكون فى ذلك فرج لمن يريد الله خلاصه، فرسم بأن تكتب الورقة، فأول ما وقف على اسم لاجين فقال: لو سلم من لسانه ما كان جرى عليه شئ، فأخذ بيدرا يعرفه أن الذى نقل عنه كذب عليه، فقال السلطان: أبو خرص قال عنه ما قال وأنت حاضر. فقال بيدرا: أبو خرص (١)، أراد بهذا القول تخليص نفسه من العقوبة، وحكى للسلطان ما قال أبو خرص، فضحك السلطان ورسم بالإفراج عن لاجين، وركن الدين طقصوا، وأبى خرص، والأمير شمس الدين سنقر الطويل، والأمير شمس الدين سنقر المساح البكتوتى. وأبو خرص اسمه سنجر ولقبه علم الدين. وقال بيبرس فى تاريخه: ولما توجه السلطان إلى القاهرة بعد فراغه من غزوته أمر لى بالمسير إلى الكرك، فسألته أن أكون فى خدمته وأعود فى ركابه، فاعتفيت من العود إلى الكرك، فأجاب لى بالإعفاء من العود إليها، ورتب الأمير جمال الدين أقوش نائبا عن السلطنة فيها، وهو رجل حسن السياسة، ظاهر الرئاسة، وكان الملك المنصور قد اشتراه لولده الأشرف، فتقدم عنده إلى أن صار استاذ داره قبل سلطنته، ولما استقر بالكرك أحسن السيرة وأظهر المعدلة (٢). وفيها: أنعم السلطان على بيدرا نائب السلطنة بالصبيبة، وكان الملك الظاهر لما أخذ هذا الحصن أنعم به على نائبه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار، فلما

стр. 957

ولى المنصور [٣١] قصد طرنطاى أن يستمر به كما كان الخازندار، فلم يوافقه المنصور، فلما تسلطن الأشرف رسم لنائبه أن يضيفه إلى إقطاعه، فأضافه وجعل نائب الصبيبة طيبرس الخازن دار الذى تولى نقابة الجيش فى دولة لاجين على ما يأتى إن شاء الله. ونسخة ما كتب من إنشاء القاضى شهاب الدين محمود: الحمد لله الذى أجمل الارتفاع، وأحسن فى التخصيص بالأجناس والأنواع، وبعد: فإن خير النعم نعمة تبقى للأعقاب والذرارى، وتدوم هدايتها دوام الأنجم الدّرارى، ومن تكون البحار الزاخرة من موارده، والنجوم الزاهرة من غدائره، فأهون ما عليه أن يجود بكوكب درىّ، وعقد درى، ولما كان الجناب العالى البدرى بدر الدين بيدرا نائب السلطنة المعظمة، أجله الله، له حقوق كثرت وخدمة عظمت، وفتكات ما قابلت وجه عدو إلاّ وسمت، فكم شكر له نهار حربا، وحمده فى الليل محراب، وكم انثنت على سيفه كتيبة، وعلى قلمه كتاب، وإن قد مضى بدر فإن لها من نعته بيدرا وزيادة، ليصح هذا التمليك، ويقول: استحقاق هذا الاسم لو كان بى درى ما قال إلا بيدرا ولم يقل بيليك: وأثبت ذلك بالدواوين المعمورة بمصر والشام، ثابت فى صحف مكرمة عن الكرام الكاتبين، وأسجله فى بياض النهار وسواد الليل أحكم الحاكمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 958

وفيها: صادر الوزير أبى سعلوس قاضى القضاة تقى الدين بن بنت الأعز (١) وناله منه إخراق وإهانة بالغة، ولم يترك له من مناصبه شيئا، وكان بيده سبعة عشر منصبا منها: القضاء، والخطابة، ونظر الأحباس، ومشيخة الشيوخ، ونظر الخزانة، ومدارس كبار، وأخذ منه نحوا من أربعين ألفا غير المراكب والأشياء الكثيرة، ولم تظهر منه استكانة ولا خضوع، ثم عاد فرضى عنه وولاّه تدريس الشافعى. وفى أوائل رمضان: طلب القاضى بدر الدين بن جماعة (٢) من القدس الشريف، وهو حاكم به وخطيب فيه، على البريد إلى ديار مصر، فدخلها فى رابع عشرة، فتولى قضاء القضاة عوضا عن تقى الدين بن بنت الأعز بحكم عزله، ومع القضاء خطابة جامع الأزهر، وتدريس الصالحية، ثم استمر خطيبا بالقلعة واستناب فى الأزهر بعض الفضلاء. وفى رجب: درّس الشيخ عز الدين الفاروثى (٣) بالمدرسة النجيبية، (٤) عوضا

стр. 959

عن ابن خلكان، ودرّس أيضا فى هذه السنة بدار الحديث الظاهرية (١)، عوضا عن فخر الدين ابن الكرجى (٢)، وكان الفاروثى قد قدم مع الحجاج من مكة إلى الشام. وفى رجب أيضا: درس نجم الدين بن مكى (٣) بالرواحية، (٤) عوضا عن ناصر الدين ابن المقدسى (٥). وفيه: درس الشيخ كمال الدين النجيبي (٦) بالمدرسة الدخوارية الطبية (٧).

стр. 960

وفيه: درس الشيخ جلال الدين الخبازى (١) بالخاتونية (٢) البرانية، وجمال الدين الباجربقى (٣) بالقليجية (٤)، وبرهان الدين الإسكندرى بالقوصية التى بالجامع. وفى ليلة الإثنين رابع ذى القعدة: عملت ختمة عند قبر الملك المنصور، وحضرها القضاة والأمراء والأعيان، ونزل السلطان ومعه الخليفة وقت السحر إليهم، وخطب الخليفة بعد الختمة خطبة بليغة حرّض فيها على غزو [٣٢] بلاد العراق واستنقاذها من أيدى التتار. وقد كان الخليفة قبل ذلك محجبا فرآه الناس جهرة، وركب فى الأسواق بعد ذلك. ولما كان يوم الجمعة رابع شوال: رسم السلطان للخليفة الحاكم بأمر الله أن يخطب هو بنفسه الناس يومئذ، وأن يذكر فى خطبته أنه ولّى السلطنة للأشرف خليل بن المنصور، فلبس خلعة سوداء وخطب الناس بالخطبة التى كان خطب بها فى الدولة الظاهرية، وكانت من إنشاء الشيخ شرف الدين المقدسى، وكان بين الخطبتين أزيد من ثلاثين سنة، وذلك بجامع القلعة.

стр. 961

ثم بعد ذلك استمر ابن جماعة يخطب بالقلعة عند السلطان بعد الجمعة التى خطب فيها الخليفة. وفيها: توهم السلطان من ولدى الملك الظاهر، وهما: الملك المسعود نجم الدين خضر، والملك العادل بدر الدين سلامش أوهاما أخطرت بباله إبعادهما عن البلاد الإسلامية وإخراجهما من الديار المصرية، فأخرجهما ومعهما والدتهما إلى الإسكندرية (١) صحبة الأمير عز الدين أيبك الموصلى أستاذ الدار السلطانية، فسفرهما فى البحر الملح إلى مدينة القسطنطينية، فلما وصلا إليها أحسن إليهما الأشكرى، وأمر بإنزالهما، وأجرى عليهما ما يقوم بهما. فأما بدر الدين سلامش فأدركته الوفاة فمات هناك، (٢) فصبرته والدته وصيرته فى تابوت إلى أن اتفقت عودتها، فأعادته إلى ديار مصر ودفنته بها على ما سنذكره إن شاء الله. (٣) وهذا سلامش قد تملك الديار المصرية مدة كما ذكرنا (٤). وفيها: أفرج السلطان عن الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل أبى بكر بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر ابن أيوب، كان والده صاحب الكرك، وكان الملك العزيز قد اعتقل فى الدولة الظاهرية فى الرابع عشر من ربيع الأول من سنة تسع وستين وستمائة، فكانت مدة اعتقاله عشرين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما، ولما أفرج عنه

стр. 962

رتب له راتبا جيدا، ولزم داره، واشتغل بالمطالعة والنسخ، وانقطع عن السعى والخروج إلاّ للجمعة والحمام. (١) وفيها: أظهر شخص يسمى ثابت بن منديل شيخ قبيلة مغراوة وكبيرها الشقاق على بنى يغمراس بن عبد الواد، وخرج عن طاعتهم، فقصدوه وحصروه، فتحصن بجبال تاججممت وبرشك (٢)، فضايقه ابن يغمراس سبع سنين متوالية، فلما ضاق عليه الأمر قصد أبا يعقوب يوسف بن يعقوب المرينى مستغيثا به ومستشفعا، فأجاب سؤاله على ما سنذكره فى موضعه (٣) إن شاء الله تعالى. وفيها: انتهت زيادة النيل إلى ستة عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا، وكان نيلا ثابتا روى سائر البلاد والأقاليم. وفيها: حج بالناس بالركب المصرى بدر الدين بكتوت (٤) العلائى، ومن الشام الطواشى بدر الدين بدر الصوابى (٥).

стр. 963

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المسند المعمر الرحلة فخر الدين بن البخارى، وهو أبو الحسن على (١) ابن أحمد بن عبد الواحد المقدسى الحنبلى، المعروف بابن البخارى. (٢) ولد فى سلخ سنة خمس أو مستهل سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتوفى ضحى نهار الأربعاء ثانى ربيع الآخر منها عن خمس وتسعين سنة، ودفن عند والده الشيخ شمس الدين [٣٣] أحمد (٣) بن عبد الواحد بسفح جبل قاسيون. كان (٤) رجلا صالحا، عابدا زاهدا، ورعا نسكا، تفرد بروايات كثيرة لطول عمره، وخرجت له مشيخات (٥)، وسمع منه الخلق الكثير، والجم الغفير، وكان متصديا لذلك حتى كبر، وأسن وضعف عن الحركة. وله شعر حسن، منه قوله: إليك اعتذارى من صلاتى قاعدا … وعجزى عن سعى إلى الجمعات

стр. 964

وتركى صلاة الفرض فى كل مسجد … تجمعّ فيه الناس للصلوات فيارب لا تمقت صلاتى ونجنى … من النار واصفح لى عن الهفوات وله: تكررت السنون على حتى … بليت وصرت من سقط المتاع وقلّ النفع عندى غير أنى … أعلل بالرواية والسّماع فإن يك خالصا فله جزاء … وإن يك مالقا فإلى ضياع الشيخ تاج الدين عبد الرحمن (١) بن [إبراهيم بن] (٢) سباع بن ضياء أبو محمد الفزارى، الإمام العالم، شيخ الاسلام، شيخ الشافعية فى زمانه. وهو والد الشيخ العلامة شيخ الأسلام برهان الدين، (٣) شيخ ابن (٤) كثير. وكان مولد الشيخ تاج الدين فى ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة، (٥) وتوفى

стр. 965

ضحى يوم الإثنين خامس جمادى الآخرة، بالمدرسة البادرائية (١) بدمشق، وكان مدرسا بها، ودفن عند والده بباب الصغير. وله مصنفات منها: إختصار الموضوعات لابن الجوزى. وقد ولى التدريس بعده بالبدرائية، والحلقة، والفتيا بالجامع ولده برهان الدين، فمشى على طريقة والده. وله نظم حسن، فمن ذلك قوله لما جفل الناس من التتار فى سنة ثمان وخمسين وستمائة: لله أيام جمع الشّمل ما برحت … بها الحوادث حتى أصبحت سمرا ومبتدا الحزن من تاريخ مسألتى … عنكم، فلم ألق لا عينا ولا أثرا يا راحلين قدرتم فالنجاة لكم … ونحن للعجز لا نستعجز القدرا (٢) وله: يا كريم الآباء والأجداد … وسعيد الإصدار والايراد كنت سعدا لنا بوعد كريم … لا تكن فى وفائه كسعاد (٣)

стр. 966

الطبيب الماهر عز الدين إبراهيم (١) بن محمد بن طرخان السويدى الأنصارى. (٢) فاق أهل زمانه فى الطب، وله فيه مصنفات منها: كتاب الباهر فى الجواهر، وكتاب التذكرة فى الطب (٣) فى ثلاث مجلدات وهى من أحسن كتب الطب، وفيه فوائد جمة. قال ابن كثير: فاق أهل زمانه فى صناعة الطب، وصنف كتبا فى ذلك، وكان يرمى بقلة الدين وترك الصلوات، وانحلال العقيدة، وإنكار أمور كثيرة مما يتعلق باليوم الآخر. وفى شعره ما يدل على قلة عقله ودينه وعدم إيمانه، واعتراضه على تحريم الخمر (٤). ومن شعره: لو أن تغيير لون شيبى … يعيد ما فات من شبابى لما وفى لى بما تلاقى … روحى من كلفة الخضاب

стр. 967

وله: وعدته الوصال يقظى وزارت … فأرته المعدوم بالموجود فهو لا يطعم الرقاد فيستي … تظ إلا على فراق جديد وقال مواليا: البدر والسعد … ذا شبهك وذا نجمك والقد واللحظ … ذا رمحك وذا سهمك والحب والبغض … ذا قسمى وذا قسمك والمسك والحسن … ذا خالك وذا عمك (١) علاء الدين أبو الحسن على (٢) ابن الشيخ الإمام العلامة كمال الدين [عبد الواحد بن] (٣) عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصارى الزملكانى، مدرس الأمينية (٤). وهو والد الشيخ الإمام العلامة كمال الدين أبى المعالى محمد (٥) بن على الزملكانى، شيخ ابن كثير، وقد درس بعد أبيه بالأمينية، وكانت وفاة والده هذا ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الآخر بالأمينية، ودفن بمقابر الصوفية.

стр. 968

الإمام فخر الدين أبو حفص عمر (١) بن يحيى بن عمر الكرخى، (٢) صهر الشيخ تقى الدين بن الصلاح، وأحد تلاميذه. ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ومات يوم الأربعاء ثانى ربيع الآخر منها، ودفن إلى جانب قبر الشيخ تقى الدين بن الصلاح بمقابر الصوفية. الشيخ نجم الدين محمد بن (٣) عثمان الكرباج، خادم الشيخ شهاب الدين السهروردى. (٤) توفى فى الحادى والعشرين من شعبان منها. العفيف التلمسانى أبو الربيع سليمان (٥) بن على بن عبد الله بن على بن يس العابدى الكوفى، ثم التلمسانى، الشاعر المتفنن فى علوم كثيرة (٦) منها: النحو، والأدب، والفقه، والأصول، والمعقول، والرياضيات، وله فى ذلك مصنفات.

стр. 969

ويذكر عنه أنه عمل أربعين خلوة، كل خلوة أربعين يوما، يخرج من واحدة ليدخل فى غيرها، «قال الشيخ شمس الدين: هذا الكلام فيه مجازفة ظاهرة فاذ مجموع ذلك ألف وستمائة يوم. قال: وله فى كل علم تصنيف، وقد شرح الأسماء الحسنى، وشرح مقامات النفرى، وحكى بعضهم: قال: طلعت إليه يوم قبض، فقلت له: كيف حالك؟ قال: بخير! من عرف الله كيف يخافه؟ والله منذ عرفته ما خفته وأنا فرحان بلقائه (١)!» وله نظم حسن [٣٥] منه قوله: هذا المصلّى وهذه الكتب … لمثل هذا يهزّك الطرب والحىّ قد شرعت مضاربه … وحسمه عنه زالت الحجب وكل صبّ صبتى لساكنه … يسجد من شوقه ويقترب أنخ مطاياك دون ربعهم … كيلا تطأك الرجال والنجب واسع على « ..... (٢) …» خاضعا فعسى يشفع فيك الخضوع والأدب وارج قراهم إذا نزلت بهم … فأنت ضيف وأنهم عرب عندى لكم يا أهيل كاظمة … أسرار وجد حديثها عجب أربى بكم خاطرى يلاحظنى … من أين هذا الإخاء والنسب وقال: ما دون رامه للمحبّ مرام … سيّما إذا لاحت له الأعلام

стр. 970

لا تملك العبرات مقلته … ولا يثنى أعنّة شوقه الأسوام وورا هاتيك الستور محجب … لتهتدى لجماله الأفهام لو لاح أدنى بارق من حسنه … ليكون ريحه جوّى وغرام يا عرب نجد ما مضى من عيشنا … أترى تعود لنا به الأيّام ردّوا الكرى إن طال عزّ وصا … لكم فعسى تمثله لى الأحلام لو لم يلذ الموت فى حبى لكم … لم أصب نحو الشرق وهو حسام ولما اعترضت بنار قلبى للهوى … ولكل نار بالنسيم ضرام صبّ يرى نار الصبابة أنها … فى حبكم برد له وسلام حفظ المودة زاده ولحبذا … فى الزاد حفظ مودّة وذمام وإذا أتتكم آية بإمامها … وافيتكم ولى الغرام إمام هذا دمى لكم ألا حلال وإنما … عنكم فسلوانى علىّ حرام وقال: على ربع سلمى بالعقيق سلام … وجاد عليها أدمع وغمام منازل لولاهن لم يعرف الهوى … ولا رغبتا لوعة وهيام وبين بيوت الحىّ هيفاء قامة … لها البدر وجه والسحاب لثام فنراها على كل القلوب فريضة … تؤدى ومثلى فى الغرام إمام أسير ولو أن الصباح صوارم … وأسرى ولو أن الظلام قتام وأغشى بيوت الحىّ لا مترقبا … وأطرق ليلى والوشاة نيام إذا لم يكن للصبّ إقدام صبوة … تحل تلاف النفس وهو حرام

стр. 971

فليس له بين المحبّين رحلة … ولا بين هاتيك الخيام مقام وقال: إن كان قتلى فى الهوى يتعيّن … يا قاتلى فبسيف طرفك (١) أهون حسبى وحسبك أن تكون مدامعى … غسلى وفى ثوب السّقام أكفّن عجبا بخدك (٢) … وردة فى بانة والورد فوق البان مالا (٣) يمكّن [٣٦] أدنته لى سنة الكرى فلثمته … حتى تبدل بالشقيق السوسن ووردت كوثر ثغره فحسبتنى … فى جنة من وجنتيه أسكن ما راعنى إلا بلال الخال من … خديه (٤) فى صبح الجبين يؤذّن نثرت من جوف (٥) … الصباح ذؤابة هى كالدجى وظللت فيها أكمن يا نظرة كم رمت أسرق أختها … من مقلة هى للنعاس معيدن يا فاتنا ما بال مفتون به حد … وفيه يلام من لا يفتن ألوم فيك الصبر إن هو خاننى … قلبى العزيز علىّ منه وأهون يا جيرة العلمين لا عاش امرؤ … أحشاؤه لسوى هواكم مسكن فدعوا مريضكم يفور بسقمه … طرس المحبّة بالسقام مغبون

стр. 972

وقال: لا تلم صبوتى فمن حبّ يصبو … إنما يرحم المحبّ المحبّ كيف لا يوقد النسيم غرامى … وله فى خيام ليلى مهبّ ما اقتدارى إذا خبت نار قلبى … وحبيبى أنواره ليس تخبو شاهدت حسنه القلوب فأمسى … وله (١) فى القلوب نهب وسلب نصبوا حان حبّه ثم زادوا … يا نيام القلوب للراح هبّوا وقال: كم فى جفونك من حانات خمّار … وكم بخديك من روضات أزهار وكم نسيم مرى أودعته نفسا … مالت به عذبات الشيح والغار هواك أفصح من أنى أكتمه … من بعد ما هتكت بالدمع أستارى لولاك ما رقصت بالدوح قضب … نقا ولا تغنت حمامات بأشجار ولولا حمت ترى تلك الرياض … ولا سقيت من ماء دمعى ساحة الدار وقال: مرح العيون بفترة الأجفان … فتمايل الصّاحى على النشوان وأراك من أنغامه وقوامه … سجع الحمام على غصون البان حدث بعيشك يا نسيم عن الحمى … وأغث بمائك غلة الظمآن واستبق منى يا سقام بقية … يدرى بها طيف الحبيب مكانى وقال دو بيت: يا برق حمى الأراك دون الشعب … ما علّملك الخفوق إلا قلبى

стр. 973

فاضحك طربا ودع جفونى تبكى … واشرب غدقا فمن دموعى شربى الشيخ الصالح علاء الدين على بن الشيخ أبى صادق الحسن بن يحيى بن صباح المخزومى. مات بدمشق وصلّى عليه بجامعها، ودفن بسفح قاسيون، روى عن والده (١)، وعن الزبيدى، وابن اللتى، وغيرهم. الشيخ الإمام القاضى شمس الدين أبو محمد عبد الواسع (٢) بن عبد الكافى بن عبد الواسع الأبهرى (٣) الشافعى. مات بمنزله بالخانقاة الأسدية (٤) بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، كان تفرد بإجازات وأسمع كثيرا، ومولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وكان موته فى شوال منها. الشيخ الإمام المسند الأصيل المعمر الفاضل نجم الدين أبو الفتح يوسف (٥) بن الصاحب شهاب الدين يعقوب [٣٧] بن محمد بن على بن المجاور الشيبانى. مات بدمشق، ودفن بتربة والده بسفح قاسيون، ومولده فى سنة إحدى وستمائة، وكان موته فى الثامن والعشرين من ذى القعدة منها، وهو آخر من

стр. 974

حدّث عن الخضر (١) بن كامل وزينب القيسية (٢)، وعبد الرحمن بن نسيم. الشيخ المسند، بقية الشيوخ، محمد (٣) بن عبد المؤمن بن أبى الفتح الصورى. مات بمنزله بقاسيون، وصلى عليه بالجامع المظفرى، ودفن بالسفح، وهو آخر من حدث عن الكندى (٤)، ومولده سنة إحدى وستمائة، وموته فى الخامس عشر من ذى الحجة منها. الشيخ الزاهد، مفتى المسلمين، بقية السلف، تقى الدين أبو الربيع سليمان (٥) ابن عثمان بن يوسف الحنفى، المعروف بالتركمانى. مات بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، ولى نيابة القضاء عن قاضى القضاة مجد الدين بن العديم بدمشق مدّة يسيرة، ثم ترك الحكم تورعا وتزهدا. الأمير بدر الدين يوسف بن درباس بن يوسف الحميدى، أحد مقدمى عساكر الشام. كان متقدما فى الدولة، ولى البقاع بعد أخيه الأمير جمال الدين، وكان يخدم أولا ببغداد وقدم إلى دمشق بعد استيلاء التتار عليها، ومات فى هذه السنة.

стр. 975

وله نظم جيد، منه قوله فى العذار الشايب: ولما بدا فى الخدّ ممن أحبّه … مشيب به قد زاد حسنا ومنظرا تزايد وجدى إذ تزايد حسنه … وأحسن شئ أن ترى الغصن مزهرا وحضر ليلة فى سماع وفيه شاب حسن الصورة لطيف الشمائل، فقام يقطّ الشمع ويصلحه بريقه، والناس يرقصون، فتواجد بعض الجماعة الحاضرين ورمى الشمعة، فوقع لهيبها فأحرق فم الشاب، فنظم بدر الدين المذكور بديها: وبدر دجى زارنا موهنا … فأمسى به الهمّ فى معزل فحنّت لتقبيله شمعة … ولم تحتشم ذلك فى المحفل فقلت لصحبى وقد مكنت … صوارم جفنيه فى مقتلى أتدرون شمعتنا لم هوت … لتقبيل ذا الرّشأ الأكحل درت أن ريقته شهدة … فحّنت إلى إلفها الأوّل الشيخ الفاضل شرف الدين عيسى (١) بن فخر الدين إياز، والى حماة. مات فى هذه السنة، ودفن بنقيرين، كان من الفضلاء الأدباء. ومن نظمه: تحنّ إلى لقائكم القلوب … فهل لى فى زيارتكم نصيب ويصبو نحوكم طرفى وقلبى … فذا فيكم يصاب وذا يصوب أجيران الغّضا عودوا مريضا … سلامته هى العجب العجيب لقد سئم العواذل طول سقمى … لفرقتكم وأيأسنى الطبيب أيا قمرى لأن غيّبت عنى … كذا الأقمار عادتها المغيب

стр. 976

يعزّ علىّ بعدك عن عيانى … بعدت وأنت من قلبى قريب وقال: زدنى عن الحىّ أو عن أهله خبرا … إن كنت حققت مسرى الركب أين سرى قل لى بعيشك يوم البين أين نأى قلبى … وصف لى حديث الدمع كيف جرى [٣٨] كرر علّى أحاديث الحمى لأرى … بالسمع سرحته إن فاتنى النظرا لقد تقادم عهدى بالديار ولى … قلب يطير اشتياقا كلّما ذكرا يا عاذلى أنت أولى فى المحبة … من أولى على الحب إنصافا ومن عذرا الأمير جك الناصرى. مات بالشام فى الثالث عشر من رجب منها، ودفن بقاسيون وكان من الأمراء المشهورين بالفروسية، وكان رأس ميسرة عسكر الشام، وله غارات وآثار جيدة فى العدوّ. الأمير سيف الدين قطز (١) المنصورى. توفى فى هذه السنة، وكان الملك المنصور ولاّه نيابة حمص. الأمير تنكز (٢) بن عبد الله الناصرى، ناظر الرباط بالصالحية (٣) عن أستاذه.

стр. 977

توفى فى هذه السنة ودفن بالتربة الكبيرة داخل الرباط. الملك العادل بدر الدين سلامش (١) بن الملك الظاهر الذى كان قد بويع بالملك بعد أخيه الملك السعيد، لما استنزل عن الملك وجعل المنصور قلاون أتابكه كما ذكرناه مفصلا (٢)، ثم استقل بالملك وأرسله إلى الكرك، ثم أعاده إلى القاهرة، ثم سفره الأشرف فى أول دولته إلى القسطنطينية، (٣) ومعه والدته وأخوه نجم الدين خضر، فمات سلامش هناك وصبرته أمه وجعلته فى تابوت إلى أن اتفقت عودتها فأعادته إلى ديار مصر، فدفنته بها. وكان سلامش من أحسن الشباب شكلا وأبهاهم منظرا، افتتن به خلق كثير من الناس، وشبب به الشعراء، وكان عاقلا رئيسا مهيبا وقورا، وكان له شعر طويل جدا يقال فيه وفيمن يشاكله فى وقته بالحسن بعض الظرفاء من أهل زمانه: وأربعة كل الأنام تحبهم … من الخلق سكران الفؤاد ومنتشى قوام ابن كيكلدى ووجه أبى بيسرى … وثغر أبى بيبرس وشعر سلامش الملك أرغون (٤) بن أبغا بن هلاون ملك التتار.

стр. 978

توفى فى هذه السنة حتف أنفه على شاطئ نهر الكر من بلاد آران (١)، فى شهر ربيع الأول، وكانت مدة مملكته سبع سنين. وقيل: إنه مات مغتالا بسمّ اغتاله به وزيره. وقيل: إنه كان يدين بدين النجيشيين وهم الطائفة المشهورة بعبادة الأصنام والسحر ويعظم طريقتهم خصوصا الطائفة المنتسبة منهم إلى براهمة الهند، وكان يجلس فى السنة أربعين يوما فى خلوة يتحنث بها ويجتنب أكل لحوم الحيوان، فوفد عليه من الهند شخص يزعم أنه يعلم [علم] (٢) الأديان ويطبب الأبدان، فأوحى إليه أن يتخذ له معجونا من داوم تداوله طالت حياته، فركبه له، فتناول منه، فأوجب له انحرافا وصرعا، وكانت فيه منيته، فقصر الله به عمره من حيث رام امتداده. وخلّف من الأولاد الذكور قازان وخربندا، وكانا بخراسان، فاتفق الخانات ومقدمو التمانات وكبراء الأمراء وأرباب الأمراء على إقامة كيخاتو (٣) أخيه، فأقاموه فى المملكة ورتبوه فى السلطنة، فلما استقر أمره ونفذ حكمه أساء السيرة، وخرج عن الياساق المقررة، وأفحش فى الفسق بنسوان المغل واللواط بأولادهم، فكان من أمره ما نذكره. (٤) وقال النويرى: ويقال إن أرغون بن أبغا قتله وزيره بالسم وهو سعد الدولة وذلك أنه وقع مع بعض الخواتين، فحشى أن يطلع عليه أرغون، فسقاه

стр. 979

[٣٩] سما فقتل، فلما تحقق ذلك قتلوا اليهود كلهم عن آخرهم. (١) وفى نزهة الناظر: فكان وزيره سعد الدولة يهوديا، وقد تولى أمره، وقام على المغول كلها، وصار فى نفوسهم منه أمر عظيم، ولما سقى سعد الدولة. ملكهم أرغون قتلوه، وسلبوا جميع أمواله، وقتلوا جماعة من أهله (٢). وقال ابن كثير: وكان أرغون شهما، شجاعا، سفاكا للدماء، قتل عمه السلطان أحمد بن هولاكو فعظم فى أعين المغول (٣)، وعظم شأنه. وجاء الخبر بوفاة أرغون إلى السلطان الأشرف، وهو محاصر عكا، ففرح بذلك. وكانت مدة ملك أرغون ثمان سنين (٤)، وقد وصفه بعض مؤرخى العراق بالعدل والسياسة الجيدة. تلابغا (٥) بن منكوتمر بن طغان بن طربو (٦) بن دوشى خان بن جنكزخان، ملك التتار بالبلاد الشمالية، الجالس على كرسى بركة (٧).

стр. 980

توفى فى هذه السنة، وذلك أنه لما سار إلى غزو بلاد الكرك - كما ذكرنا - وسار نوغيه إليه، وقضيا منها الوطر، وعاد كل منهما إلى مقامه ومشتاه، سلك نوغيه الطريق المستسهل، فوصل بعسكره سالما، وسلك تلابغا السبل المستصعبة، فهلك أكثر من معه جوعا وبردا وضياعا على ما شرحناه، فتمكنت العداوة (١) بينه وبينه، وساءت فيه ظنونه، وأزمع الإيقاع به، واتفق على ذلك مع من حوله من بطانته وأولاد منكوتمر المنحازين إلى فئته. وكان نوغيه شيخا مجربا، وبممارسة المكائد مدربا، فنمى إليه ما هم به تلابغا فيه، وأنه جمع له العساكر، ثم أرسل يستدعيه موهما أنه يحتاجه لمشورة يحضرها عنده (٢). فراسل نوغيه والدة تلابغا، وقال لها: إن ابنك هذا ملك شاب، وأنا أشتهى أنصحه وأعرفه مصالح تعود على ترتيب قواعده، [وتقرير مصادره وموارده (٣)]، ولا يسعنى أن أبديها له إلا فى خلوة، بحيث لا يطلع عليه سواه، وأشتهى أن (٤) القاه فى نفر يسير، [ولا يكون حوله أحد من العساكر التى جمعها إليه (٥)]، فمالت المرأة إلى مقالته (٦)، وانخدعت لرسالته، فأشارت على ولدها بموافقته، [وثنت عزمه عن مفاسدته (٧)]، ففرق تلابغا العسكر الذى كان قد جمعه، وأرسل إلى نوغيه ليحضر إليه.

стр. 981

فتجهز وجمع عسكره، وأرسل إلى أولاد منكوتمر الذين كانوا يميلون إليه، وهم: طقطا، وبرّلك، وصراى بغا، وتدان بان، فلحقوا به، ثم أسرع السير حتى قرب من مقام تلابغا الذى أعد للاجتماع فيه (١). وترك العسكر الذين معه، ومن حضر إليه من أولاد منكوتمر المذكورين كمينا فى مكان، واستصحب معه نفرا قليلا، وتوجه نحو تلابغا، فسار ليتلقاه، وحضر معه ألغى، وطغرلجا، وملغان، وقدان، وقتغان، أولاد منكوتمر. فاجتمع تلابغا ونوغيه، وأخذا فى الحديث والاستشارة، فلم يشعر تلابغا إلا والخيول قد أقبلت إليه، فتحير فى أمره، وحاق به ما أبرمه نوغيه من مكيدته ومكره، ووقف العسكر ينتظرون ما يأمرهم نوغيه بفعله ليفعلوه، فتقدم إليهم بإنزال تلابغا وأولاد منكوتمر الذين معه (٢) عن خيولهم، فأنزلوهم، وأشار بربطهم فربطوهم. وقال لطقطا (٣): إن هذا تغلب على ملك أبيك وملكك، وهؤلاء بنو أبيك وافقوه على أخذك [٤٠] وقتلك، وقد سلمتهم إليك فاقتلهم أنت كما تشاء، فكمرت رؤوسهم وكسرت، وهم: تلابغا، وألغى، وطغرلجا، وملغان، وقدان، وقتغان أولاد منكوتمر. وتسلطن طقطا بن منكوتمر بعد تلابغا ببلاد الشمال فى سنة تسعين وستمائة (٤)، ولما سلم له نوغيه الملك ورتبه فيه رتب عنده إخوته المنتفعين معه وهم: برلك،

стр. 982

وصراى بغا، وتدان، وقال: هؤلاء إخوتك يكونون فى خدمتك، فاستوص بهم خيرا. وعاد نوغيه إلى مقامه، وبقى فى نفسه من الأمراء الذين كانوا اجتمعوا مع تلابغا عليه عندما أرسل يستدعيه إليه، فدبر عليهم، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 983

فصل فيما وفع من الحوادث فى السنة الحادية والتسعين بعد الستمائة (¬*) فى الرابع والعشرين من محرم (١) من هذه السنة وقع حريق عظيم بقلعة الجبل، ببعض الخزائن، وقد أتلف شيئا كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب، ومن بينها كتب عظيمة من ذخائر الملوك التى تحتوى على العلوم الشريفة (٢). ذكر فتح قلعة الروم (٣): والسبب فى ذلك أن « .... » (٤) صاحب هذه القلعة « .... » (٥) السلطان الملك المنصور صالح « .... » (٦) وأكثروا الفساد، وأن التتار لما حصل بينهم حرب عند وفاة ملكهم جاء الكثير منهم إلى قلعة الروم، فاتفقوا مع أهلها على قطع الطريق على المسلمين، وأخذوا منهم أسرى كثيرة، وقطعوا الطرقات،

стр. 984

فأرسل نائب حلب بذلك إلى السلطان، وأنه لم يبق فى دار الإسلام من قلاع الكفر غير هذه القلعة يفتحها « .... » (١). ولما وقف السلطان الأشرف على كتابه طلب الأمراء، واستشار بعضهم فى ذلك، فأشاروا كلهم بالعزم إليها وفتحها، فكتب إلى نائب حلب ونائب دمشق بتجهيز سائر الآلات للحصار، وأقام أياما يجهز العساكر، ولما كمل ربيع الخيل فى مصر، خرج السلطان ثامن ربيع الآخر (٢)، وصحبته العساكر المصرية، ووزيره ابن سلعوس، ووصل إلى دمشق سادس جمادى الأولى، وكان يوما مشهودا. وحضر إليه فى دمشق صاحب حماة الملك المظفر، ثم استعرض الجيوش وأنفق فيهم أموالا عظيمة، وجمع عساكر مصر والشام، ثم خرج من دمشق يوم الإثنين السادس عشر من جمادى الأولى. وسأل صاحب حماة بيدرا والشجاعى وأكابر الأمراء أن يضيّف السلطان إذا نزل بجهة حماة، فتحدثوا مع السلطان فأجاب إليهم، فلما نزل حماة، وكان صاحب حماة قد سبقه، هيأ له ما يحتاج إليه، ومد له سماطا بالميدان، فدخل السلطان والأمراء والجند وغيرهم، وجلس السلطان على رأس السماط، وخدم الملك المظفر، وأراد أن يأخذ شيشنى (٣) فمنعه السلطان من ذلك، وبقى واقفا على

стр. 985

رأس السماط، وحلف أنه لا يجلس حتى يفرغ السلطان، وصنع أحواض سكر وليمون، وأحواض سكر وسويق، وأحواض أقسما، وأحواض [٤١] قمز، واحتفل احتفالا عظيما. وقال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى علم الدين الطيبرسى أنه سأل مباشرى صاحب حماة عن أمر هذا المهم، فأخبره صارم الدين أستاذ داره أنه ذبح فى ذلك اليوم ألف رأس ومائتى رأس من الغنم، ومائة فرس، وثمانين بقرة، وعمل ألف صحن من الحلواء. وقال ابن كثير (١): وصل السلطان إلى حماة وضرب دهليزه عند ساقية سلمية، ومدّ له الملك المظفر سماطا عظيما بالميدان، ونصب خيما يليق بنزول السلطان، فنزل السلطان بالميدان، وبسط بين يدى فرسه عدة كبيرة من الشقق الفاخرة، ثم دخل الأشرف دار الملك المظفر بمدينة حماة، فبسط له الملك بين يدى فرسه بسطا ثانيا، وقعد السلطان بالدار، ثم دخل الحمام وخرج، وجلس على جانب العاصى، ثم راح إلى الطيارة التى على سور باب الثقفى المعروفة بالطيارة الحمراء، فقعد فيها، ثم توجه من حماة وصاحب حماة وعمه فى خدمته إلى المشهد، ثم إلى الحمام والزرقاء بالبرية، فصاد شيئا كثيرا من الغزلان وحمر الوحش. وأما العساكر فسارت على السكة إلى حلب، ثم وصل السلطان إلى حلب فى اليوم الثانى والعشرين (٢) من جمادى الأولى، وأقام فيها أياما، ثم توجه منها إلى قلعة الروم، وخرج من حلب فى اليوم الرابع من جمادى الآخرة ووصل إلى قلعة
следующие страницы →