← Тафсир

Тафсир · id 10604

الدخيل في التفسير - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند الآية وهي قول الله -جل وعلا-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد: ٢٩)، أورد ابن جرير بسنده وغيره عن وهب، قال: إن في الجنة شجرة يقال لها: طُوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرتها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم؛ إذ أتتهم ملائكة من ربهم، يقودون نجبًا مزمومةً -النجب أي: الإبل الكرام- بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنًا، ووبرها كخز المرعزي من لينه -الخز الحرير- عليها رحال، ألواحها من ياقوت، دفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، فيفتحونها، يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه، وتسلموا عليه، قال: فيركبونها، فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نُجبًا من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه، وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى، ولا برك راحلة برك الأخرى -أي: الصدر- حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم؛ لئلا تفرق بين الرجل وأخيه. قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيُسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه، قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول الله تعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم السلام، حقت رحمتي ومحبتي، مرحبًا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نَصَب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنية، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس

стр. 107

أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، ربي فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا قصر يد. قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قُبة من ذهب مفرَّغة فيه، كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة، في كل منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن مَن يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبه كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه، ويقبِّلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له. هذا الكلام رواه ابن جرير عند تفسير هذه الآية، وكذا (الدر المنثور) للإمام السيوطي عند تفسيره لهذه الآية. أما العلامة ابن الكثير فقد وصف في تفسيره هذا الأثر بعدما أورده باختصار بأنه غريب، وعجيب، وساقه، وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب أيضًا، وزاد زيادات أخرى رغم أن ابن أبي حاتم قد اشترط ألا يُخرج إلا ما صح، لكن أورد هذا الأثر أيضًا، وكذا ذكره البغوي وغيرهم.

стр. 108

التفسير الصحيح لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾: المأثور عن السلف في تفسير طوبى غير الذي ذكر، فقد روي عن ابن عباس ﵄ في تفسيرها قال: "فرح لهم وقرة عين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ ". قال عكرمة: نِعم مالهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقال إبراهيم النخعي: خير لهم وكرامة، وروي أيضًا عن بعض الصحابة وغير واحد من السلف: أن: ﴿طُوبَى﴾ هي شجرة في الجنة، بل ورد ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا قال: ((طوبى شجرة في الجنة، ظلها مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة، تخرج من أكمامها)) هذا كلام ذكره العلامة ابن كثير. بل قيل أيضًا: إن الشجرة التي ذكرها النبي ﷺ في حديثة: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)) والحديث طبعًا في (مسند أحمد) ومتفق عليه في البخاري، ومسلم، قيل: إنها الشجرة أي: شجرة طوبى هي التي وصفها النبي ﷺ بأن الراكب يسير في ظلالها مائة عام، فلا يقطع ظلالَها. وفي بعض روايات الإمام أحمد والبخاري، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (الواقعة: ٣٠) إلى آخره. ونحن لا ننكر احتمال أن تكون هذه الشجرة المذكورة في الحديث الصحيح أن تكون هي هذه الشجرة، ولكن الذي ننكره، ونقول إنه من الإسرائيليات: هذه الزيادات التي زادها وهب، ومن أخذ عنه من هذه التخريفات والتهويلات، ونحن في غُنية عن هذا بما ثبت في الأحاديث الصحاح، ونحن نرى أن الأحاديث الصحاح جاءت خاليةً من هذه التخريفات والتهويلات التي ننزّه عنها الرواية الإسلامية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 109

الدرس: ٧ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٥) .

стр. 110

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٥)) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قصة ذي القرنين: ذلك الرجل الذي تحدثت عنه سورة "الكهف"، وبينت لنا أنه كان رجلًا ملِكًا، آتاه الله من كل شيء، والقرآن الكريم عندما يشير إلى أشياء هو يشير إلى أشياء باختصار على قدر ما يأخذ من العظة والعبرة، لكن الإسرائيليات فتحت الأبواب على مصاريعها، فما تمر قصة لنبي، أو قصة لشخصية، كذي القرنين، ولقمان، وأصحاب الأخدود، وعزير، وغير هؤلاء، إلا وترى أن الإسرائيليات سرت إلى كتب التفسير بأخبار كثيرة في هذا الشأن. فنقول: ومن الإسرائيليات التي طفحت بها بعضُ كتب التفسير ما يذكرونه في تفسيرهم عند الآيات التي ذُكرت في سورة الكهف. أما الآيات فهي قول الله -جل وعلا-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (الكهف: ٨٣ - ٨٥) والآيات تتوالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ (الكهف: ٨٦) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ (الكهف: ٩٠) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ (الكهف: ٩٣). وردت الآيات في هذا الشأن واضحة، أوجزت الإخبار عن هذا الملك الذي كان مطيعًا لله، وسخَّر الله له كثيرًا من الأشياء كما قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. الإمام ابن جرير عادةً ما يكون أسبقَ مَن تحدَّث ونقل هذه الأخبار كغيره من التفاسير القديمة، ذكر في تفسيره بسنده عن وهب بن منبه اليماني، وكان له عِلم بالأحاديث الأولى، كان له دراية وصلة بالأخبار القديمة والقصص القديم، وما كان قبل الإسلام، فيقول:

стр. 111

ذو القرنين رجل من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس له ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، وإنما سُمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتَا من النحاس، فلما بلغ: وكان عبدًا صالحًا، قال الله له: يا ذا القرنين، إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض، ومنهم أمتان بينهما طول الأرض كله، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. ثم استرسل في ذكر أوصافه، وما وهبه الله من العلم والحكمة، وأوصاف الأقوام الذي لقيهم، وما قال لهم، وما قالوا له، وفي أثناء ذلك يذكر ما لا يشهد له عقل ولا نقل، وقد سوَّد بهذه الأخبار أكثر من أربع صحائف من كتابه (جامع البيان) التي ليس لها مستند. إ نه قد ورد في قصة ذي القرنين أخبار وروايات كثيرة، ذكرها ابن جرير في ت فسيره وغيره، وكنا وصلنا إلى أنه ذكر أشياء لا يشهد لها عقل ولا نقل، وما ورد في وصف ذي القرنين والأمم التي شهدها. وردت كذلك روايات أخرى في سبب تسميته بـ"ذي القرنين" مما لا يخلو عن الخط أوالتخليط والتخبُّط، فقد ذكر ذلك عن غير ابن جرير، الإمام السيوطي في كتابه التفسير (الدر المنثور)، حيث قال: وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، والشيرازي في (الألقاب)، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه اليماني أيضًا، وهو صاحب الرواية التي نقلها ابن جرير، وكان له علم بالأحاديث الأولى أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلًا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه " الإسكندر "، وإنما سمي ذا القرنين؛ ل أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، هكذا كما وردت

стр. 112

رواية ابن جرير. ونحن لا نشك في أن ذلك مما تلقاه وهب بن منبه عن كتبهم، وفيها ما فيها من الأباطيل والأكاذيب. ثم حملها عنه بعض التابعين، وأخذها عنهم محمد بن إسحاق وغيره من أصحاب كتب التفسير والسير والأخبار. ويرحم الله الإمام الحافظ ابن كثير حيث قال في ت فسيره: وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا عجيبًا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونَكَارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم، إلى غير ذلك. كما روى ابن أبي حاتم عن أبيه أحاديث غريبة في ذلك لا تصح أسانيدها، والله أعلم. هذا كلام ابن كثير، وحتى لو صح الإسناد إليها فلا شك في أنها من الإسرائيليات؛ لأنه لا تنافي بين الأمرين؛ فهي صحيحة السند إلى من رويت عنه، لكنها في نفسها من قصص بني إسرائيل المكذوب الباطل وأخبارهم التي لا تصح، ولو أن هذه الإسرائيليات وقف بها عند منابعها أو من حملها عنهم من الصحابة والتابعين لكان الأمر محتملًا، ولكن الإثم والكذب والباطل أن تُنسب هذه الأخبار إلى النبي ﷺ ولو أنها كما أسلفنا، كانت صحيحة في معناها ومبناها لما حل نسبتها إلى رسول الله ﷺ أبدًا، فكيف وهي أكاذيب ملفقة وأخبار باطلة؟. روى أيضًا ابن جرير وغيره عند تفسير قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (الكهف: ٨٣)، أورد حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ يقول: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة قال: حدثني

стр. 113

عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من تجيب أنهما انطلقا إلى عقبة بن عامر فقالا له: جئنا لتحدثنا، فقال: " كنت يومًا أخدم رسول الله ﷺ فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله ﷺ فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه فأخبرته، فقال: ما لي ولهم، ما لي علم إلا ما علمني الله، ثم قال: اسكب لي ماءً، فتوض أثم صلى، قال: فلما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه، ثم قال: أدخلهم عليّ ومن رأيت من أصحابي، فدخلوا فقاموا بين يديه، فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبًا، وإن شئتم أخبرتكم، قالوا: بلى، أخبرنا، قال: جئتم تسألون عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم، كان شابًّا من الروم، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندري، فلما فرغ جاءه ملك، فعلى به في السماء، فقال له: ما ترى، فقال: أرى مدينتي ومدائن، ثم علا به فقال: ما ترى؟ قال: أرى مدينتي، ثم علا به، فقال: ما ترى؟ قال: أرى الأرض، قال: فهذا اليم محيط بالدنيا، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل، وتثبِّت العالم، فأتي به السد، وهو جبلان ليّنان ينزلق عنهما كل شيء، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب، يُقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم "، ثم عقَّب ذلك بسرد المرويات في سرد المرويات في سبب تسميته بذي القرنين .. إلخ. كل هذا ذكره (جامع البيان) ابن جرير. وذكر الإمام السيوطي في (الدر المنثور) مثل ذلك، وقال: إ نه أخرجه ابن عبد الحكم في (تاريخ مصر)، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في (الدلائل).

стр. 114

والحقيقة أن كل هذا من الإسرائيليات التي دُسَّت على النبي ﷺ ولو شئت أن أقسم بين الركن والمقام أن الرسول ﷺ ما قال هذا لأقسمت، وابن لهيعة ضعيف في الحديث، وقد كشف لنا الإمام الحافظ ابن كثير عن حقيقة هذه الرواية في ت فسيره، وأنحى باللائمة على من رواها، فقال ﵀: وقد أورد ابن جرير هـ اهنا والأموي في مغازيه، حديثًا أسنده وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر، أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به: أنه كان شابا من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجوه الكلاب، وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي، مع جلالة قدره، ساقه بتمامه في كتابه (دلائل النبوة)، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني وهو ابن فيليبس المقدوني، الذي تؤرخ به الروم، وكان وزيره أرسطا طاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم. هذا كلام العلامة ابن كثير. وهنا نسأل من هو ذو القرنين؟ والذي نقطع به أنه ليس الإسكندر المقدوني؛ لأن ما ذكره المؤرخون في تاريخه لا يتفق وما حكاه القرآن الكريم عن ذي القرنين، والذي نقطع به أيضًا أنه كان رجلًا مؤمنًا صالحًا، ملكه شرق الأرض وغربها، وكان من أمره ما قصه الله - تعالى - في كتابه، وهذا ما ينبغي أن نؤمن به وأن نصدقه، أما معرفة هويته، وما اسمه؟ ومن أين؟ وفي أي زمان كان؟ فليس في القرآن ولا في السنة الصحيحة ما

стр. 115

يدل عليه، على أن الاعتبار بقصته والانتفاع بها لا يتوقف على شيء من ذلك، وتلك سمة من سمات القصص القرآني، وخصيصة من خصائصه أنه لا يُعنى بالأشخاص والزمان والمكان مثلما يُعنى بانتزاع العبرة منها، والاستفادة منها، والدروس التي ينتفع بها البشر فيما سيقت لها. قصة يأجوج ومأجوج يتعلق أيضًا بقصة " ذي القرنين " ما يتصل بقصة "يأجوج ومأجوج"، وهي كذلك لم تسلم من إيراد الإسرائيليات، يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: ومن الإسرائيليات التي اتسمت بالغرابة، والخروج عن سنة الله في الفطرة وخلق بني آدم ما ذكره بعض المفسرين في تفسيرهم عند قوله: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: ٩٤)، ففي معناها ذكروا عن يأجوج ومأجوج الش يء الكثير من العجائب والغرائب. قال العلامة السيوطي في (الدر المنثور) الجزء الخامس، في تفسير هذه الآيات: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردوي هـ وابن عدي وابن عساكر وابن النجار، عن حذيفة قال: سألت رسول الله ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: "يأجوج ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صُلبه، كل حمل السلاح، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم ثلاثة أصناف؛ صنف منهم أمثال الأرز، قلت: وما الأرز؟ قال شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء، قال رسول الله ﷺ : هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية".

стр. 116

وقد ذكر ابن جرير في تفسيره هذه الرواية وغيرها من الروايات الموقوفة، وكذلك صنع القرطبي في تفسيره، وإذا كان بعض الزنادقة استباحوا لأنفسهم نسبة هذا إلى رسول الله ﷺ ، فكيف استباح هؤلاء الأئمة ذكر هذه المرويات المختلقة المكذوبة على رسول الله ﷺ في كتبهم، وهذا الحديث المرفوع، نص الإمام أبو الفرج بن الجوزي في موضوعاته وغيره على أنه موضوع، وأ ذكر أيضًا (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)، ووافقه السيوطي في كتابه (اللآلئ)، فكيف يذكره في تفسيره ولا يعقب عليه، وحُقَّ له أن يكون موضوعًا، فالمعصوم ﷺ أجل من أن يروى عنه مثل هذه الخرافات. وفي كتب التفسير من هذا الخلط وأحاديث الخرافة شيء كثير، ورَوَوْا في هذا عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعن كعب الأحبار، ولكي تتأكد أن ما رُفع إلى رسول الله ﷺ إنما هي إسرائيليات نُسبت إلى النبي ﷺ زورًا وكذبًا، نذكر لك ما روي عن كعب، قال: "خلق يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف؛ صنف كالأرز، وصنف أربعة أذرع طول وأربعة أذرع عرض، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى، يأكلون مشائم نسائهم". المشائم طبعًا جمع مشيمة، وهي ما ينزل مع الجنين حين يولد، ومنها يتغذى الجنين في بطن أمه، أشياء عجيبة، وعلى حين نراهم يذكرون م ن هول وعظم خلقهم ما ذكرت الآن وما سمعنا إذ اهم يرون عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج شبر وشبران، وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم"، كل هذا كلام متناقض، بل رَوَوا عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته، فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وإبليس"، والعجب أن الإمام

стр. 117

السيوطي قال عن هذا الحديث: إن سنده واهن، ولا أدري لما ذكره مع وهاء سنده، الإمام الشيخ أبو شهبة يتعجب من صنع الإمام السيوطي؛ إذا كان حكم على سنده بأنه واهن فيه ضعف فلما يذكره؟ قال صاحب (الدر) الإمام السيوطي: "وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي في (البعث) وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: " إن يأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم، تاويل وتاريس ومنسك ". قال: وأخرج أحمد والترم ذ ي وحسنه وابن ماج هـ وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في (البعث) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: " إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدًا ولا يستثني " يعني: لا يقول: إن شاء الله؛ لأنه إذا قال: إن شاء الله هي في معنى الاستثناء؛ يعني: إلا أن يشاء الله يقول: ستفتحونه غدًا ولا يستثني، " فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله خروجهم على الناس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه إن شاء الله ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فيستقون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا من في السماء، قسوا وعلوا، فيبعث الله عليه نغفًا في أعناقهم فيهلكون "، يبعث الله عليهم النغف، النغف: نوع من الحشرات هـ والدود، عادة يكون في أنوف الإبل والغنم، والنغف جمع مفرده نغفه، الله يرسل عليهم هذه الحشرات والديدان في أعناقهم فيهلكون.

стр. 118

قال رسول الله ﷺ " فوالذي نفس محمد بيده، إن دوابّ الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرًا من لحومهم "، هذا من أثر أنهم يأكلون منه م، هذا الحديث على كل حال، أورده صاحب (الدر المنثور) الإمام السيوطي، ومهما كان سند مثل هذا، فهو من الإسرائيليات عن كعب وأمثاله، وقد يكون رفعها إلى النبي ﷺ غلطًا وخطأً من بعض الرواة، أو كيدًا يكيد به الزنادقة اليهود للإسلام، وإظهار رسوله ﷺ بمظهر من يروي ما يخالف القرآن، فالقرآن قد نص بما لا يحتمل الشك على أنهم لم يستطيعوا أن يعلوا السد، الآيات واضحة: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (الكهف: ٩٧)، فهم لم يستطيعوا أن يعلوا السد، ولا أن ينقبوه كما جاء في الآية السابعة والتسعين. وإليك ما ذكره في هذا الإمام الحافظ ابن كثير وهو ناقد بصير، يقول ابن كثير في ت فسيره بعد أن ذكر من روى هذا الحديث، قال: وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة، ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه، ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدَّته، ولكن هذا قد رُوي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غدًا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك فيصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه، ويُلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه، وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويُحدّثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فر ف عوه، والله أعلم. هذا مذكور في (تفسير ابن كثير).

стр. 119

إن من الإسرائيليات المستنك ر ة في هذا ما روي أيضًا، أن يأجوج ومأجوج خُلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتراب، وزعموا أن آدم كان نائمًا فاحتلم، فمن ثمَّ اختلط منيه بالتراب، ومعروف أن الأنبياء لا يحتلمون؛ لأن الاحتلام من الشيطان، قال ابن كثير: وهذا قول غريب جدًّا لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ها هنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم. طبعًا هذا مذكور عند ابن كثير وعند غيره. والخلاصة: إن ذا القرنين، ويأجوج ومأجوج حقائق ثابتة، وأصحاب الكهف حقائق ثابتة، ذكرتها سورة " الكهف "، لا شك في ذلك، ولا سيما قد أخبرنا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ولكن الذي ننكره أشدّ الإنكار هذه الخرافات والأساطير التي حيكت حولهم، ودست إلى المرويات الإسرائيلية، والله بريء منها، ورسوله منها بريء، وإنما هي من أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم وتحريفاتهم. قصة الذبيح ابن إبراهيم ﵇ - ننتقل إلى موضوع واسع كثر الكلام فيه، وهو أيضًا عمر بالإسرائيليات الكثيرة، ألا وهو ما ورد في قصة الذبيح ابن إبراهيم ﵇ أهو سيدنا إسماعيل أو أنه سيدنا إسحاق؟. وردت في هذا إسرائيليات كثيرة وكثيرة؛ ومن الإسرائيليات ما يذكره كثير من المفسرين عند تفسير الآيات التي ذكرت هذا بتفصيل، في قوله -جل وعلا- في سورة " الصافات ": ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا

стр. 120

أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات: ٩٩ - ١١٣). هذه الآيات في تفسيرها في معظم كتب التفسير، روى المفسرون رو ايات كثيرة على رأسهم ابن جرير الطبري في تفسيره للآيات في (جامع البيان)، وكذا البغوي في (معالم التنزيل)، وصاحب (الدر المنثور) الإمام السيوطي، روايات كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وكعب الأحبار، ومعظمها يركز على أن الذبيح هو إسحاق، سبحان الله العظيم، المعروف أن الذبيح هو سيدنا إسماعيل وليس إسحاق، ومع ذلك أورد المفسرون روايات كثيرة في هذا الشأن، سنقف عليها إن شاء الله. والأمر لم يقف ولم يقتصر عند المذكور عن الصحابة والتابعين، بل بعضهم رفع ذلك زورًا إلى النبي ﷺ فقد روى ابن جرير، عن أبي كريب عن زيد بن حباب عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي النبي ﷺ قال: "الذبيح إسحاق"، وهذا حديث ضعيف ساقط، لا يصح الاحتجاج به، فالحسن بن دينار مطرود، وشيخه علي بن زيد بن جدعان منكر الأحاديث، فهذا يبين درجة هذا الحديث. وأخرج الديلمي في (مسند الفردوس) بسنده، عن أبي سعيد خضري ﵁ قال: قال رسول الله النبي ﷺ : "إن داود سأل ربه مسألة، فقال: اجعلني مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه؛ إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت اسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر"، هذا طبعًا كلام لا يصح.

стр. 121

وأيضًا أخرج الدارقطني والديلمي في (مسند الفردوس) بسندهما، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله النبي ﷺ : "الذبيح إسحاق"، وهي أحاديث لا تصح، هكذا قال علماؤنا؛ علماء الجرح والتعديل، وعلماء الحديث، وعلى رأسهم شيخنا "الشيخ أبو شهبة" قال: وهي أحاديث لم تثبت ولم تصح، وأحاديث الديلمي في (مسند الفردوس) شأنها معروف، والدارقطني ربما يُخرج في (سننه) ما هو موضوع. كما أخرج الطبراني في (الأوسط)، وابن أبي حاتم في ت فسيره، من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يس ار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي أو شفاعتي؛ فاخترت شفاعتي، ورجوته أن تكون أعم لأمتي، ولو الذي سبقني إليه العبد الصالح، لعجلت دعوتي، إن الله - تعالى - لما فرج عن إسحاق كرب الذبح، قيل له: يا إسحاق، سل تعطى، قال: أما والله لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بالله شيئًا قد أحسن فاغفر له". وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف، كما قال شيخنا "الشيخ أبو شهبة"، وابن زيد يروي المنكرات والغرائب، فلا يحتج بمروياته، وقد قال ابن كثير: الحديث غريب منكر وأخشى أن يكون فيه زيادة مدرجة، وهي قوله: إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح، وإن كان محفوظًا فالأشبه أنه إسماعيل وحرفوه بإسحاق. إلى غير ذلك من الأخبار وفيها من الموقوف والضعيف والموضوع كثير، ومتى صح حديث مرفوع في أن الذبيح إسحاق قبلناه، ووضعناه على العين والرأس، ولكنها كما ترى لم يصح منها شيء، هكذا قال العلامة ال ألوسي عندما عرض لذلك.

стр. 122

والحق أن المرويات في أن الذبيح إسحاق هي من إسرائيليات أهل الكتاب، وقد نقلها من أسلم منهم ككعب الأحبار، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين، تحسينًا للظن بهم، فذهبوا إليه، وجاء بعدهم العلماء فاغتروا بها، وذهبوا إلى أن الذبيح إسحاق، وما من كتاب من كتب التفسير والسير والتواريخ إلا ويذكر فيه الخلاف بين السلف في هذا، إلا أن منهم من يعقب ببيان وجه الحق في هذا، ومنهم من لا يعقب اقتناعًا بها وتسليمًا لها. يقول شيخنا العلامة فضيلة الشيخ دكتور "محمد أبو شهبة": وحقيقة هذه المرويات أنها من وضع أهل الكتاب؛ ل عداوتهم المتأصلة من قديم الزمان للنبي الأمي العربي محمد ﵊ وقومه العرب، فقد أرادوا ألا يكون لإسماعيل الجد الأعلى للنبي ﷺ والعرب فضل أنه الذبيح؛ حتى لا ينجر ذلك إلى النبي ﷺ وإلى الجنس العربي. نقول أيضًا: إنهم حرفوا التوراة؛ أهل الكتاب حرفوا التوراة، ولأجل هذا ولأجل أن يكون هذا الفضل لجدهم إسحاق لا لأخيه إسماعيل حرفوا التوراة في هذا، ولكن الله أبى إلا أن يغفل عما يدل على هذه الجريمة النكراء، والجاني غالبًا يترك من الآثار ما يدل على جريمته، والحق يبقى له شعاع ولو خافت يدل عليه مهما حاول المبطلون إخفاء نوره وطمس معالمه، فقد حذفوا من التوراة لفظ إسماعيل، ووضعوا بدله لفظ إسحاق، ولكنهم غفلوا عن كلمة كشفت عن هذا التزوير، وذلك الدث المشين، وإليك نص التوراة: ففي التوراة الإصحاح الثاني والعشرون، الفقرة الثانية هذا النص: "فقال الرب خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك" انظر إلى العبارة، فليس أدلّ على كذب

стр. 123

هذا من كلمة وحيدك، وإسحاق ﵇ لم يكن وحيدًا قط؛ لأنه ولد ولإسماعيل نحو أربع عشرة سنة، نعرف أن أول من بشر به سيدنا إبراهيم من الأولاد سيدنا إسماعيل، ثم كان إسحاق بعد ذلك، وهذا صريح في توراتهم هذا الكلام، وقد بقي إسماعيل ﵇ حتى مات أبوه الخليل إبراهيم وحضر وفاته ودفنه. وإليك ما ورد في هذا أيضًا في سفر التكوين، الإصحاح السادس عشر، الفقرة السادسة عشر هذا نص آخر: " وكان إبرام -كلمة إبرام يعني إبراهيم- ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لإبرام". وفي سفر التكوين الإصحاح الحادي والعشرون الفقرة الخامسة: "وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه". وأيضًا عبارة أخرى: "ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمرح، فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها؛ لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحق، فقبح الكلام جدَّا في عيني إبراهيم لسبب ابنه، فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك في كل ما تقول سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسح اق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضًا سأجعله أمة لأنه نسلك" .. إلى آخر القصة. فالكلام هنا، ما قول اليهود الذين يحرفون في هذا الكلام؟ وكيف يتأتى أن يكون إسحاق وحيدًا مع هذه النصوص التي هي من توراتهم التي يعتقدون صحتها ويزعمون أنها ليست محرفة؟ ثم ما رأيهم في الروايات التي تقول: إن الذبيح إسحاق بعدما تأكدوا تحريف التوراة في هذا؟.

стр. 124

دلَّ القرآن الكريم ودلت التوراة ورواية البخاري في ص حيحه على أن الخليل إبراهيم ﵇ أسكن هاجر وابنها عند مكان البيت المحرم، وقد بُني فيما بعد، وقامت مكة بجوار هذا البيت، وقد عبَّرت التوراة بأنهما كانا في برية فاران، وفاران هي مكة كما يعبر عنها العهد القديم، وهذا هو الحق في أن قصة الذبح كان مسرحها بمكة ومنى، وفيها يذبح الحُجاج ذبائحهم اليوم، وقد حرف اليهود النص الأول وجعلوه جبل المريا، وهو الذي تقع عليه مدينة أورشاليم القديمة؛ مدينة القدس الإسلامية اليوم؛ ليتمَّ لهم ما أرادوا فأبى الحق إلا أن يظهر تحريفهم. وقد ذكر العلامة شيخ الإسلام "ابن تيمية" وتلميذه "ابن كثير" أن في بعض نسخ التوراة لفظ "بكرك" بدل كلمة "وحيدك"، هما نقلوا عبارة وحيدك،"خذ ابنك وحيدك" في بعض الروايات "خذ ابنك بكرك" بدل وحيدك، وهذا أظهر في البطلان وأدل على تحريف كلام اليهود في توراتهم؛ إذ لم يكن إسحاق بكرًا للخليل بنص التوراة. هيا نؤكد أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، فالحق أن الذبيح هو إسماعيل ﵇ وهو الذي يدل عليه ظواهر الآيات القرآنية، والآثار عن الصحابة والتابعين، ومنها ما له حكم الرفع بتقرير النبي ﷺ له، فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأئمة العلم والحديث؛ منهم الصحابة النجباء والسادة العلماء، منهم علي وابن عمر وأبو هريرة، فقد ذكروا أن الفاروق عمر ﵁ كان يقول: إنه إسحاق، وأنا استبعد ذلك جدًّا، الإمام الشيخ أبو شهبة يقول: وأنا استبعد ذلك أن عمر يقول: إنه إسحاق، وهو أيقظ من أن يخدع برواية كعب، ولو صح ما نقل عنه؛ لتأثر الابن بأبيه، وكذلك اختلف في علي، فالبغوي على أنه يقول: إسحاق، وابن أبي حاتم على أنه يقول: إسماعيل، تفسير ابن كثير فيه كثير.

стр. 125

مشاهير الصحابة؛ علي، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القر ظ ي، وابن المسيب، وأبو جعفر محمد الباكر، وأبو صالح، والربيع بن أنس، وأبو عمرو بن العلاء، وابن حنبل الإمام، وغيرهم؛ كل ذلك في الروايات القوية الثابتة عنهم أنه هو إسماعيل ﵁، وكذلك ورد عن ابن عباس. في (زاد الميعاد) لابن القيم قال: إنه الصواب أن الذبيح إسماعيل عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة، نقلوه بالتواتر جيلًا عن جيل، وذكره أمية بن أبي السلط في شعر له. ينقل لنا أيضًا العلامة "الشيخ أبو شهبة" فيقول تحت عنوان: العلماء المحققون على أنه إسماعيل ﵇ فيقول: نقل العلامة ابن القيم عن شيخيه ابن تيمية كلام ً اهذا خلاصته: ولا خلاف بين النسابين أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇ وإسماعيل هو القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام "ابن تيمية" -قدس الله روحه- يقول: "هذا القول متلقى عن أهل الكتاب القول بأنه إسحاق مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم بذبح ابنه البكر، وفيه لفظ وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر هؤلاء أنه في التوراة التي بأيديهم اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم؛ لأنها تناقد قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويختاروه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله.

стр. 126

ثم إننا نقول: وكيف يسوغ أن يقال: إ ن الذبيح إسحاق؟ والله - تعالى - قد بشَّر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، قال - تعالى -: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: ٧١)، فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد، وللولد ولد، ثم يأمر بذبحه، هذا كلام عظيم من شيخنا الشيخ أبو شهبة، ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل في البشارة، ويدل عليه أيضًا أن الله ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة " الصافات "، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (فاطر: ١١٢)، وهذا ظاهر جدًّا في أن المُبَشَّر به غير الأول، بل هو كالنص في ذلك، وغير معقول في أفصح الكلام وأبلغه أن يبشر بإسحاق بعد قصة يكون فيها هو الذبيح؛ فتعيَّن أن يكون الذبيح غيره، وهذا لا يكون إلا إسماعيل ﵇. وأيضًا لا ريب أن الذبيح كان بمكة؛ ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار؛ تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامته لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه، ولو كان الذبح بالشام -كما يزعم أهل الكتاب- لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة، وأيضًا فإن الله -سبحانه- سمى الذبيح "حليمًا"؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه "عليمًا": ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الذاريات: ٢٨)، وهذا إسحاق بلا ريب؛ لأنه من امرأته وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية، وأيضًا فلأنهما بُشِّرا به على الكبر واليأس من الولد، فكان ابتلاؤهما بذبحه أمرًا بعيدًا، وأما إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك .. إلى آخر ما قال، وكلمة إسماعيل من السرية؛ السرية: أي الجارية.

стр. 127

أما الآثار التي تدل على أن الذبيح إسماعيل فكثيرة، فقد دلَّت بعض الأحاديث عن الصحابة والتابعين، أحاديث وآثار على أن الذبيح إسماعيل، روى الحاكم في (المستدرك) وابن جرير في تفسيره بسنده، وغيرهما، عن عبد الله بن سعيد الصنابحي قال: "حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، أيهما الذبيح؟ فقال بعضهم: إسماعيل، وقال البعض: إسحاق، فقال معاوية: على الخبير سقطم، كنا عند رسول الله ﷺ فآتاه أعرابي، فقالوا: يا رسول الله خلفت الكلأ يابسًا، والمال عابسًا -يراد أن الحياة كان فيها شدة وبأس، شدة جوع وعطش- هلك ال عيال وضاع المال، فعُد علي مما أفاء الله -تعالى- عليك يابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم يُنكر عليه، فقال القوم: من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه، فلما فرغ أسهم بينهم فكانوا عشرة، فخرج السهم على عبد الله، فأراد أن ينحره فمنعه أخواله بنو مخزون، وقالوا: ارضِ ربك وافد ابنك، ففداه بمائة ناقة، قال معاوية: هذا واحد والآخر إسماعيل. يقول الشيخ "أبو شهبة" في تخريجه على هذا الحديث هذا الحديث في حكم المرفوع لتقرير النبي ﷺ للأعرابي على مقالاته، واختلف فيه؛ فمنهم من صححه، ومنهم ضعفه، ولكنه أثر موجود. وشهد شاهد على أهلها فقد روى ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت انظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان يهوديًّا، فأسلم، وحسن إسلامه، وكان من علمائهم، فسأله: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهودًا لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، وهذا هو الحق الذي يجب أن يصار إليه.

стр. 128

قال العلامة ابن كثير في تفسيره: والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى، والله أعلم. انظر تفسير ابن كثير، وانظر أيضًا (معالم التنزيل) للبغوي، فقد أوردوا هذه الرواية وقالوا هذا الكلام. وبعد هذا التحقيق والبحث يتبيَّن لنا أن الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵇ وأن ما رُوي من أنه إسحاق والمرفوع منه إما موضوع وإما ضعيف لا يصح الاحتجاج به، والموقوف منه على الصحابة أو على التابعين إن صح سنده إليهم، نقول: هو صحيح الإسناد لكنه في المتن من الإسرائيليات التي رواها أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنها في أصلها من دسائس اليهود وكذبهم وتحريفهم للنصوص؛ حسدًا للعرب ولنبي العرب، فقاتلهم الله أنَّى يُؤفكون، يريدون أن يقولوا: إن النبي من العرب من نسل إسماعيل ﵇ نحن نقول: إنه رسولنا من نسل إسماعيل ﵇ لكنهم يريدون أن يقولوا: إنه نبي للعرب فقط، ونحن نقول: هو نبي الله إلى قومه وإلى الناس كافة، فهو رسول الله إلى الناس جميعًا. هذا الدسّ اليهودي جاز على بعض كبار العلماء كابن جرير والقاضي عياض والسهيل؛ فذهبوا إلى أنه إسحاق، وتحيَّر بعضهم في الروايات فتوقف؛ الإمام السيوطي العجب منه أن نراه يتوقف عند هذه الروايات، وحاول البعض الجمع بينها فزعم أن الذبح وقع مرتين، شيء عجيب، والحق هو ما سبق القول به وهو أنه إسماعيل ﵇ فهو القول الذي تؤيّده الشواهد والآثار والنصوص، والله أعلم. ثم نعقّب بأن الإسرائيليات في قصص الأنبياء والأمم السابقة كثيرة، ما أكثرها، وما أشدّ خطرها على كتب الثقافة الإسلامية؛ وخاصة كتب التفسير، كتب

стр. 129

التفسير على اختلاف مناهجها جاء فيها إسرائيليات كواذب، مرويات بواطل لا يحصيها العدّ، وهذا يتعلق بقصص الأنبياء والمرسلين والأمم والأقوام السابقين، والعجب أن بعض الصحابة والتابعين يروون هذا الهراء، وربما رفعوه إلى رسول الله ﷺ بينما هذه المرويات والحكايات لا تمّت إلى الحقيقة، ولا تمت إلى الإسلام، وإنما هي من خرافات بني إسرائيل وأكاذيبهم وافتراءاتهم على الله وعلى رسوله، رواها عن أهل الكتاب الذين أسلموا وأخذها منهم الصحابة أو بعض الصحابة والتابعين، وفيها ما هو محرف، وفيها ما هو منقول من الأباطيل، والحقيقة لا يمكن استقصاء كل ما ورد من الإسرائيليات وإلا احتجنا إلى مجلدات، وإنما سنكتفي بما ورد في المنهج ونبين بطلانه وخطأه، وخاصة ما يخل بالعقيدة الصحيحة إن شاء الله. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 130

الدرس: ٨ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٦) .

стр. 131

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٦)) قصة سليمان ﵇ - الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن قصة سليمان ﵇ ورد فيها من الإسرائيليات الكثير والكثير، وقد ذكر بعض المفسرين فيها كلامًا طويلًا، ولا سيما ابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي والبغوي وغيرهم، فذكروا في تفس يرهم روايات كثيرة، أوجزتُ بعضها فيما مضى وأفصله الآن، فكل ما روي في هذا يتلخص م ن بعض الروايات: ذكروا الإسرائيليات من غير تمييز بين الصحيح والضعيف، والغثِّ والثمين، والإمام السيوطي أيضًا في (الدر المنثور) ذكره، وليته -إذ فعل- نقد الروايات التي يسوقها، وبيَّن منزلتها من القبول والرد، وما هو من الإسرائيليات، وما ليس منها، يقول السيوطي في (الدر ": (أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، بسند قوي، عن ابن عباس ﵄ قال: أراد سليمان ﵇ أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت الجرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين. فلما خرج سليمان من الخلاء، قال لها: هاتي خاتمي، فقالت: لقد أعطيته سليمان، قال: أنا سليمان، قالت: كذبت لست سليمان، فجعل لا يأتي أحدًا يقول له: أنا سليمان إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك، عرف أنه من أمر الله وقام الشيطان يحكم بين الناس. فلما أراد الله - تعالى - أن يردّ على سليمان ﵇ سلطانه، ألقى الله في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسل وا إلى نساء سليمان ﵇ فقالوا لهن: أيكون من سليمان شيء؟ قلن: نعم -يعني: هل يحدث شيء غير طبيعي- قالت

стр. 132

النساء: نعم، إنه يأتينا ونحن حيّض، وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتبًا فيها سحر ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثروها؛ أي: أخرجوها وقرءوها على الناس قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر، فتلقته سمكة، فأخذته، فكان سليمان على شط البحر يعمل بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان ﵇ فقال له: تحمل لي هذا السمك؟ ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان ﵇ وشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان ﵇ في طلبه، وكان شيطانًا مريدًا يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يومًا نائمًا فجاءوا فبنوا عليه بنيانًا من رصاص، فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان ﵇ فأمر به، فنقب له في رخام، ثم أدخل في جوفه ثم سدّ بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله: ﴿وَل َقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) ﴿ص: ٣٤)، جسدًا؛ يعني الشيطان. والإمام السيوطي روى في (الدر) روايات أخرى، عن ابن عباس وعن قتادة، في أن هذا الشيطان كان يسمى "صخرًا "، وروى عن مجاهد أن اسمه "آصف " وأن سليمان سأله؛ كيف تفتنون الناس؟ فقال الشيطان: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه نبذه آصف في البحر، فَسَاحَ سليمان وذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه، حتى كان ما كان من أمر السمكة والعثور على الخاتم ورجوع ملك سليمان إليه.

стр. 133

غير أن في رواية قتادة ومجاهد؛ أن الشيطان لم يسلط على نساء سليمان ومنعهنّ الله منه، فلم يقربهنّ ولم يقربنه. على كل حال، روايات مختلفة في هذا الأمر، وكلها إسرائيليات. ويقول شيخنا الشيخ أبو شهبة ﵀: ونحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم، وأن ابن عباس وغيره تلقوها عن مُسلمَة أهل الكتاب؛ أي: الذين أسلموا من أهل الكتاب، وليس أدلّ على هذا مما ذكره السيوطي في (الدر) قال: وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن ابن عباس ﵄ قال: أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي، حتى سألت عنهن كعب الأحبار ﵁ وذكر منها، وسألته عن قوله - تعالى -: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴿، قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان ﵇ الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف؛ إذ تُصدّق عليه بتلك السمكة فاشتواها فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه. وكذا ذكرها مطولة جدًّا الإمام البغوي في ت فسيره كعادته، يروي القصص برواياته المطولة، رواه عن محمد بن إسحاق، عن وهب بن المنبه؛ قد يسأل سائل: إذا كانت هذه الرواية سندها قوي، فهل هذا يعني أنها مقبولة؟ الجواب: لا، فقوة السند لا تنافي كونها إسرائيليات، ويجب أن نعلم ونتأكد من أن قوة السند لا تنافي كون القصة مما أخذه ابن عباس وغيره عن كعب الأحبار وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب، فثبوتها في نفسها لا ينافي كونها من إسرائيليات بني إسرائيل وكذبهم وخرافاتهم وافتراءاتهم على الأنبياء. يقول الشيخ أبو شهبة: ولنا سلف من العلماء في رد هذا الغثاء، فقد سبق إلى التنبية إلى ذلك القاضي عياض في كناب (الشفا) فقال: ولا يصح ما نقله

стр. 134

الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه والظلم؛ لأن الشياطين لا يُسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثل هذا. هذا كلام القاضي عياض في كتابه (الشفا). وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في ت فسيره قال بعد أن ذكر ال كثير من هذه الرويات, قال: وهذه كلها من الإسرائيليات. ومن أنكرها أيضًا ما قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حسين، قال: حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله - تعال ى-: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾، قال: أراد سليمان ﵊ أن يدخل الخلاء وكذا وكذا؛ ذكر الرواية التي سبق ذكرها، ثم قال -أي قال العلامة ابن كثير -: إسناده إلى ابن عباس ﵄ قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس ﵄ إن صح عنه من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵊ فالظاهر أنه يكذبون عليه، ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف، أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان، بل عصمهنّ الله منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﵇ وقد رويت هذه القصة عن جماعة من السلف ﵃ بطولها؛ كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وآخرين، وكلها متلقاة عن أهل الكتاب، والله - سبحانه - أعلم بالصواب. قال علماؤنا: كلها أكاذيب وتلفيقات، ولكن بعض الكذبة من بني إسرائيل كان أحرص وأبعد غورًا من البعض الآخر؛ فلم يتورّط فيما تورط فيه البعض من ذكر تسلط الشيطان على نساء سليمان؛ وذلك حتى يكون لما لفقه وافتراه بعض

стр. 135

القبول عند الناس، أما البعض الآخر فكان ساذجًا في كذبه، مغفّلًا في تلفقيه، فترك آثار الجريمة بينة واضحة، وبذلك أشتمل ما لفقه على دليل كذبه. هذا كلام شيخنا الشيخ أبي شهبة، ويستطرد قائلًا: ومن العجيب أن الإمام السيوطي نبه في كتابه (تخريج أحاديث الشفاء) أنها إسرائيليات تلقاها تلقاها ابن عباس عن أهل الكتاب، وليته نبَّه إلى ذلك في التفسير ولكنه لم يفعل. والحق أن نسج القصة مهلهل عليه أثر الصنعة والاختلاق والكذب، كما أنها هذه القصة تصادم العقل السليم والنقل الصحيح في هذا. وإذا جاز للشيطان أن يتمثَّل برسول الله سليمان ﵇ فأيُّ ثقة بعد ذلك بالشرائع تبقى؟ وكيف يسلط الله الشيطان على نساء نبيه سليمان، وهو أكرم على الله من ذلك؟ وأيُّ ملك أو نبوة يتوقف أمرهما على خاتم يدومان بدوامه، ويزولان بزواله؟ وما عاهدنا في التاريخ البشري شيئًا من ذلك، وإذا كان خاتم سليمان ﵇ بهذه المثابة؛ فكيف يغفل الله شأنه في كتابه الشاهد على الكتب السماوية، ولم يذكره بكلمة؟ وهل غير الله سبحانه خلقة سليمان في لحظة حتى أنكرته أعرف الناس به، وهي زوجته جرادة؟ هذا كلام لا يُعقل. الحق أن نسج القصة مهلهل لا يصمد أمام النقد، وأن آثار الكذب والاختلاق ظاهرة عليها. نسبة بعض هذه الأكاذيب إلى رسول الله؛ مشكلة أخرى عندما نرى أنه قد تجرأ بعض الرواة أو غلط فرفع بعض هذه الإسرائيليات إلى رسول الله ﷺ ؛ قال الإمام السيوطي في (الدر المنثور): وأخرج الطبراني في (الأوسط)، وابن مردويه بسند ضعيف، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "و ُ ل ِ د َ لسل ي مان و َ لد، فقال للشياطين تواريه من الموت، قالوا: نذهب به إلى المشرق، فقال: يصل إليه

стр. 136

الموت، قالوا: فإلى المغرب، قال: يصل إليه الموت، قالوا: إلى البحار، قال: يصل إليه الموت، قالوا: نضعه بين السماء والأرض، قال: نعم. ونزل عليه ملك الموت فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار وطلبتها في تخوم الأرض، فلم أصبها، فبين أنا قاعد أصبتها فقبضتها، وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَْ﴾ ". هذا الحديث موضوع مكذوب مختلق على رسول الله ﷺ وقد يكون ذلك من عمل بعض الزنادقة، أو من غلط بعض الرواة، وقد نبه على وضعه الإمام الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، وقال: يحيى بن كثير يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، ولا ينسب إلى نبي الله سليمان ذلك، ووافقه السيوطي على وضعه، انظر كتاب (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) له، ولا يشك في وضع هذا إلا من يشك في عصمة الأنبياء عن مثله، وأحرى بمثل هذا أن يكون مختلقًا على نبينا محمد ﷺ وعلى نبي الله سليمان، وإنما هو من إسرائيليات بني إسرائيل وأكاذيبهم. نعود إلى ختام القول في هذه الفتنة، وقد سبقت الإشارة إلى شيء منها، وقد أردت تفصيلها؛ درءًا للمفاسد التي قد تفهم حول هذه القصة، فيقول شيخنا الشيخ أبو شهبة ﵀: والصحيح المتعين في تفسير الفتنة هو ما جاء في (الصحيحين)، واللفظ للإمام البخاري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسًا يُجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه -قرينه من الملائكة-: ق ل: إن شاء الله، فلم يقل، ولم تحمل واحدة منهم شيئًا، إلا واحدة جاءت بولد ساقط إحدى شقيه))، فقال البني ﷺ : ((لو قالها لجاهدوا في سبيل الله أجمعين)).

стр. 137

فهذا هو الراجح والمتعين في تفسير الآية، وخير ما يُفسر به كلام الله هو ما صحَّ عن رسول الله ﷺ وقد بينت بعض الروايات أن الترك كان نسيانًا، والمراد بصحابه؛ الم َ ل َ ك، كما جاء في بعضها. الإسرائيليات التي وردت في قصة أيوب ﵇ - قصة أخرى نعقب أيضًا على ما جاء في بعضها، ألا وهي: "قصة أيوب ﵇ " ذلك الرسول الذي كثرت أيضًا حوله الإسرائيليات، وسبق القول فيه بإجمال، وإلى تفصيل يوضح جوانب الدخيل والإسرائيليات أكثر وأكثر في قصة هذا الرسول الكريم الذي له قصة، وله أحوال تكررت في القرآن الكريم، فمن القصص التي تزيَّد فيها المتزيدون واستغلها القصاصون وأطلقوا فيها لخيالهم العنان هذه القصة، فقد رووا فيها ما عصم الله أنبياءه عنه، وصور وهـ بصورة لا يرضاها الله لرسول من رسله. ذكر بعض المفسرين عند الآيات في قوله - جل وعل ا -: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٤١ - ٤٤). هذه الآيات غير الآيات الأخرى التي ذكرت المرض والضر الذي أصاب سيدنا أيوب، وجاءت الآيات الأخرى كما ذكرت سابقًا في س ورة "الأنبياء": ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٣، ٨٤)، هنا في هذه الآيات ذكر السيوطي في (الدر المنثور)، وغير السيوطي، ذكروا عن قتادة في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ الآية، قال:

стр. 138

ذهاب الأهل والمال، وأ ما الضر الذي أصابه في جسده، فقد قالوا: ابتلي سبع سنين وأشهرًا، فألقي على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر وأحسن. قال: وأخرج الإمام أحمد في (الزهد)، وابن أبي حاتم وا بن عساكر، عن ابن عباس ﵄ قال: إن الشيطان عرج إلى السماء، فقال: يا ربي سلطني على أيوب ﵇، قال الله: قد سلطك على ماله وولده، ولم أسلطك على جسده، فنزل فجمع جنوده، فقال لهم: قد سلطت على أيوب ﵇ فأروني سلطانكم، فصاروا نيرانًا، ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره - أي: ماشيته - وطائفة إلى غنمه، فقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف، فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك عدوًّا فذهب به، وجاء صاحب الإبل فقال: ألم تر إلى ربك أرسل على إبلك عدوًّا فذهب بها، ثم جاء صاحب البقر فقال: ألم تر إلى ربك أرسل على بقرك عدوًّا فذهب بها؛ وتفرَّد هو ببنيه جمع هم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون ويشربون؛ إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت فألقته عليهم. فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام، فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم، فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنَّ إبليس رنَّة سمع بها أهل السماء

стр. 139

وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء فقال: أي ربي إنه قد اعتصم فسلطني عليه فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: قد سلطك على جسده، ولم أسلطك على قلبه. فنزل فنفخ تحت قدمه نفخة، قُرح ما بين قرنيه إلى قدمه، فصار قرحة واحدة، وأُلقيَ على الرماد حتى بدا حجاب قلبه فكانت امرأته تسعى إليه حتى قالت له: أما ترى يا أيوب قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف فأطعمك، فادعو الله أن يشفيك ويريحك، قال: ويحك كنا في النعيم سبعين عامًّا فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عامًا، فكان في البلاء سبع سنين ودعا، فجاء جبريل ﵇ يومًا، فأخذه بيده ثم قال: قم فقام، فنحاه عن مكانه وقال: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فركض برجليه فنبعت عين، فقال: اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضًا فقال: اركض برجلك، فنبعت عين أخرى، فقال له: اشرب منها وهو قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾، وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله أين المبتلى الذي كان هنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك أنا أيوب، قد ردّ الله عليّ جسدي، وردَّ الله عليه ماله وولده عيانًا ومثلهم معهم. والإمام أحمد أيضًا قد أخرج في (الزهد)، عن عبد الرحمن بن جبير ﵁ قال: ابتلي أيوب بماله وولده وجسده، وطرح في المزبلة، فجاءت امرأته تخرج فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك، فكان يأتي أصحاب الخير والغن ى، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي ت غ شاكم؛ فإنها تعالج صاحبها، وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها، فجعلوا لا يدنونها منهم - أي: لا يقربونها - ويقولون: تباعدي ونحن نطعمك ولا تقربينا.

стр. 140

وكذلك ابن جرير وابن أبي حاتم ذكرا الكثير من هذه الروايات في تفسيريهما؛ منها ما هو موقوف، ومنها ما هو مرفوع إلى النبي ﷺ كما ذكر ابن جرير والبغوي وغيرهما عند تفسير قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ الآيات التي ذكرت في سورة " الأنبياء "، ذكروا الكثير هناك من الإسرائيليات، رويا قصة أيوب وبلائه، عن وهب بن منبه في صحائف كثيرة، والتبس فيها الحق بالباطل والصدق بالكذب، كما قال شيخنا العلامة الشيخ أبو شهبة. أما الإمام ابن كثير فقد قال في تفسيره عند هذه الآية: وقد روي عن وهب بن منبه في خبره -يعني: أيوب- قصة طويلة ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها كثير من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول. ومن العجيب أن الحافظ الناقد ابن كثير وقع فيما وقع فيه غيره في قصة أيوب من ذكر الكثير من الإسرائيليات، ولم يعقّب عليه، وهذا ما ينبغي أن نذكر به أبناءنا طُلَّاب العلم، أن ابن كثير مع كونه حافظًا ناقدًا علامة ومحدثًا ومفسرًا؛ إلا أن له بعض الهفوات في بعض القصص التي ذكر فيها إسرائيليات في تفسيره ولم يعقب عليها، مع أن عهدنا به أن لا يذكر شيئًا إلا بينه ونبه على مصدره، ومن أين دخل في الرواية الإسلامية؟ ... إلى آخره. ولا نظن أنه يرى في هذا أنه مما تباح روايته، فقد ذكر أنه يقال: إنه أصيب بالج ذ ام في سائر بدنه -كلام ابن كثير- ولم يبقَ منه سليم سوى قل ب هـ ولسانه؛ يذكر بهما الله -جل وعلا- حتى عافه الجليس، وصار أيوب منبوذًا في ناحية من البلد، ولم يبقَ أحد من الناس يحنو عليه غير زوجته، وتحملت في بلائه ما تحملت، حتى صارت تخدم الناس، بل قد باعت شعرها بسبب ذلك، ثم قال: وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيّج له على هذا الدعاء.

стр. 141

قال الحسن البصري وقتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف ال دواب في جسده -كما سبق القول- ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. قال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي: تساقط لحم أيوب -انظر السدي، وإذا كان السدي الصغير فهو كذاب، وإذا كان السدي الكبير فمختلف في عدالته، على أي حال كلامه غير مقبول- قال: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام؛ ثم ذكر القصة بطولها، وذكر أيضًا ما رواه ابن أبي حاتم بسند هـ عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ". مرة يقولوا سبع سنين، ومرة ثلاثة سنين، ومرة ثماني عشر سنة، والاختلافات هذه تدل على اختلاق الكلام وأنه من الإسرائيليات، استمر في بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه له، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله- لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵇: ما أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما؛ كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحي الله إلى أيوب في مكانه؛ أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.

стр. 142

والعلامة ابن كثير قال: رفع هذا الحديث غريب جدًّا، وكذا قال الحافظ ابن حجر، وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير، وصححه ابن حبان والحاكم بسند عن أنس: أن أيوب؛ ثم ذكر مثل ذلك. يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم ﷺ إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة، وأن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء، والأصحية هنا نسبية، على أن صحة السند لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات. أنبّه أبناءنا وإخواننا الشباب طلاب العلم إلى هذه القضية مرة أخرى؛ أن صحة السند لا تنافي أن يكون المتن، الخبر نفسه، الرواية من الإسرائيليات، وقد لفَّق السند الصحيح على الرواية، وهذا كلام ينبغي ألا نغفل عنه، والإمام ابن حجر -على جلالة قدره- ربما يوافق على تصحيح بعض الروايات التي تخالف الأدلة العقلية النقلية. هذا كلام شيخنا أبو شهبة؛ يعني: الإمام ابن حجر ليس معصومًا، فربما أورد رواية يوافق على صحة سندها، ولكن لا يعطي رأيه واضحًا في قيمة الرواية نفسها بما يضحض مخالفتها العقلية والنقلية. ويذكر شيخنا أبو شهبة كما فعل في قصة الغرانيق وهاروت وماروت وكل ما روي موقوفًا أو مرفوعًا، كل هذا لا يخرج عما ذكره وهب بن منبه في قصة أيوب التي ذكرت آنفًا، وهذا يدل أعظم الدلالة على أن معظم ما روي في قصة أيوب إنما هو مما أُخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وجاء القصاصون المولعون بالغرائب فزادوا في قصة أيوب وأذاعوها، حتى اتخذ منها الشحاذون والمتسولون وسيلة لقصص يحكونها لاسترقاق قلوب الناس، واستدرار العطف عليهم.

стр. 143

ثم نختم بالحق في هذه القصة، يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: وقد دل كتاب الله الصادق على لسان نبيه محمد ﷺ الصادق، على أن الله ﵎ ابتلى نبيه أيوب ﵊ في جسده وأهله وماله، وأنه صبر حتى صار مضرب الأمثال في ذلك، وقد أثني الله عليه هذا الثناء المستطاب، فقال -جل شأنه-: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، فالبلاء مما لا يجوز أن يشك فيه أبدًا، والواجب على المسلم أن يقف عند كتاب الله، ولا يتزيّد في القصة كما تزيّد زنادقة أهل الكتاب، وألفقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم، وليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرءوا على أنبياء الله ورسله فحسب، بل تجرءوا على الله ﵎ ونالوا منه وفحشوا في القول، ونسبوا إليه ما قامت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على استحالته عليه ، فكلنا يعلم أن بني إسرائيل هم الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ (آل عمران: ١٨١)، وهذا القول جاء في سورة " آل عمران " على لسانهم، وهم الذين جاء على لسانهم أيضًا قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (المائدة: ٦٤)، عليهم لعائن الله. والذي يجب أن نعتقده أن أيوب قد ابتلي ولكن بلاءه لم يصل إلى حد هذه الأكاذيب؛ من أنه أصيب بالج ذ ام، ونعلم أن الج ذ ام مرض من أخبث الأمراض وأقذرها، وأيضًا أن جسمه أصبح قُرحة، هذا كلام لا يُقبل، وأنه ألقي على كناسة بني إسرائيل، هذا كلام لا يقبل، وأن الدود كان يرعى في جسده وتعبث به دواب بني إسرائيل، أو أصيب بمرض الجدري، كل هذا كلام ينافي سلامة الأنبياء والرسل الذين كلفهم الله بتبليغ الرسالة. وأيوب -عليه صلوات الله وسلامه- أكرم على الله من أن يُلقى على مزبلة، وأن يصاب بمرض ينفّر الناس من دعوته ويق ز زهم منه، وأيّ فائدة تحصل من الرسالة وهو على هذه الحالة المزرية التي لا يرضاها الله لأنبيائه ورسله.

стр. 144

والأنبياء إنما يبعثون من أوساط قومهم؛ أي: من خيارهم وأكرمهم وأفضلهم نسبًا وعشيرة ووجاهة، فأين كانت عشيرته فتواريه أو تطعمه؟ بدل ًا أن تخدم امرأته الناس وتبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه، بل أين كان اتباعه والمؤمنون منه؟ فهل تخلو عنه في بلائه؟ وكيف والإيمان ينافي ذلك؟. الحق أن هذه القصة من الأكاذيب وأن نسجها مهلهل، لا يثبت أمام النقد، ولا يؤيده عقل سليم، ولا نقل صحيح، وأن ما أصيب به أيوب من المرض إنما كان من النوع غير المنفر والمقزز، وأنه من الأمراض التي لا يظهر أثرها على البشرة؛؛ يعني: ممكن أمراض المفاصل أو الروماتيزم، الأشياء التي نعرفها، التي لا تنفّر ولا تجعل الإنسان يلقى على مزبلة .. إلى غير ذلك، أمراض العظام هذه الأمور تنال الكثير من الناس. ويؤيد ذلك أن الله لما أمره أن يضرب الأرض بقدمه فنبعت عين، فاغتسل منها وشرب، فبرأ بإذن الله، وقيل: إ نه ضرب الأرض برجله فنبعت عين حارة فاغتسل منها، وضربها مرة أخرى فنبعن عين باردة فشرب منها، والله أعلم بالصواب. وظاهر القرآن عدم التعدّد في الضرب ولا في نبع الماء؛ لأنه قيل: اضرب برجلك. بعد ذلك نعرج أيضًا على مقالة الإمام القاضي أب ي بكر بن العربي في هذا الشأن، ونختم بها قصة أيوب ﵇ يقول شيخنا الإمام أبو شهبة: يعجبني ما قاله الإمام القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ قال: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين الأولى في قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، والثانية في "ص": ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.

стр. 145

وأما النبي ﷺ فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد، إلا قوله: ((بينما أيوب يغتسل إذ خرَّ عليه رجل من جراد من ذهب)) الحديث الذي نحفظه، وقد رواه الإمام البخاري في ص حيحه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد -مجموعة من الجراد- من ال ذهب، فجعل يحفي في ثوبه لعله يجمع، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا ربي، ولكن لا غنى لي عن بركتك)). هذا هو الذي أثر لنا من صحاح الأحاديث من رسولنا ﷺ في شأن أيوب؛ أما مرضه، وأما ما أصابه، وأما ما فعله الشيطان معه من المرض، وما أصابه؛ هذا شيء لم يصح فيه عن رسولنا ﷺ أنه ذكر فيه شيئًا؛ وإذا لم يصح فيه قرآن ولا سنة إلا ما سبق ذكره، فلماذا تساق هذه الروايات المكذوبة؟! فأخا الإسلام أعرض عن سطورها بصرك، وأصمّ عن سم اعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالًا، ولا تزيد الفؤاد إلا خبال ًا، وفي الصحيح واللفظ للبخاري، عن ابن عباس قال: "يا معشر المسلمين لا تسألوا أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله - تعالى - تقرءونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتاب الله وغيَّروا، وكتبوا بأيديهم الكتب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ف لا والله ما رأينا رجل منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم" هذا الحديث في (صحيح الإمام البخاري). وقد أنكر النبي ﷺ في حديث الموطأ على عمر قراءته للتوراة. تعالوا بنا إلى الإمام ال ألوسي ﵀ فقد قال في ت فسيره بعد أن ذكر بعضًا من هذا القصص، وعظم بلائه ﵇ مما شاع وذاع، ولم يختلف فيه اثنان، لكن في بلوغ أمره إلى أن ألقي على كناسة ونحو ذلك، فيه خلاف، بل ربما لا يقبل.
следующие страницы →