← Тафсир

Тафсир · id 10604

الدخيل في التفسير - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال الحسن البصري وقتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف ال دواب في جسده -كما سبق القول- ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. قال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي: تساقط لحم أيوب -انظر السدي، وإذا كان السدي الصغير فهو كذاب، وإذا كان السدي الكبير فمختلف في عدالته، على أي حال كلامه غير مقبول- قال: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام؛ ثم ذكر القصة بطولها، وذكر أيضًا ما رواه ابن أبي حاتم بسند هـ عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ". مرة يقولوا سبع سنين، ومرة ثلاثة سنين، ومرة ثماني عشر سنة، والاختلافات هذه تدل على اختلاق الكلام وأنه من الإسرائيليات، استمر في بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه له، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله- لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵇: ما أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما؛ كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحي الله إلى أيوب في مكانه؛ أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.

стр. 142

والعلامة ابن كثير قال: رفع هذا الحديث غريب جدًّا، وكذا قال الحافظ ابن حجر، وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير، وصححه ابن حبان والحاكم بسند عن أنس: أن أيوب؛ ثم ذكر مثل ذلك. يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم ﷺ إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة، وأن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء، والأصحية هنا نسبية، على أن صحة السند لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات. أنبّه أبناءنا وإخواننا الشباب طلاب العلم إلى هذه القضية مرة أخرى؛ أن صحة السند لا تنافي أن يكون المتن، الخبر نفسه، الرواية من الإسرائيليات، وقد لفَّق السند الصحيح على الرواية، وهذا كلام ينبغي ألا نغفل عنه، والإمام ابن حجر -على جلالة قدره- ربما يوافق على تصحيح بعض الروايات التي تخالف الأدلة العقلية النقلية. هذا كلام شيخنا أبو شهبة؛ يعني: الإمام ابن حجر ليس معصومًا، فربما أورد رواية يوافق على صحة سندها، ولكن لا يعطي رأيه واضحًا في قيمة الرواية نفسها بما يضحض مخالفتها العقلية والنقلية. ويذكر شيخنا أبو شهبة كما فعل في قصة الغرانيق وهاروت وماروت وكل ما روي موقوفًا أو مرفوعًا، كل هذا لا يخرج عما ذكره وهب بن منبه في قصة أيوب التي ذكرت آنفًا، وهذا يدل أعظم الدلالة على أن معظم ما روي في قصة أيوب إنما هو مما أُخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وجاء القصاصون المولعون بالغرائب فزادوا في قصة أيوب وأذاعوها، حتى اتخذ منها الشحاذون والمتسولون وسيلة لقصص يحكونها لاسترقاق قلوب الناس، واستدرار العطف عليهم.

стр. 143

ثم نختم بالحق في هذه القصة، يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: وقد دل كتاب الله الصادق على لسان نبيه محمد ﷺ الصادق، على أن الله ﵎ ابتلى نبيه أيوب ﵊ في جسده وأهله وماله، وأنه صبر حتى صار مضرب الأمثال في ذلك، وقد أثني الله عليه هذا الثناء المستطاب، فقال -جل شأنه-: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، فالبلاء مما لا يجوز أن يشك فيه أبدًا، والواجب على المسلم أن يقف عند كتاب الله، ولا يتزيّد في القصة كما تزيّد زنادقة أهل الكتاب، وألفقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم، وليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرءوا على أنبياء الله ورسله فحسب، بل تجرءوا على الله ﵎ ونالوا منه وفحشوا في القول، ونسبوا إليه ما قامت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على استحالته عليه ، فكلنا يعلم أن بني إسرائيل هم الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ (آل عمران: ١٨١)، وهذا القول جاء في سورة " آل عمران " على لسانهم، وهم الذين جاء على لسانهم أيضًا قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (المائدة: ٦٤)، عليهم لعائن الله. والذي يجب أن نعتقده أن أيوب قد ابتلي ولكن بلاءه لم يصل إلى حد هذه الأكاذيب؛ من أنه أصيب بالج ذ ام، ونعلم أن الج ذ ام مرض من أخبث الأمراض وأقذرها، وأيضًا أن جسمه أصبح قُرحة، هذا كلام لا يُقبل، وأنه ألقي على كناسة بني إسرائيل، هذا كلام لا يقبل، وأن الدود كان يرعى في جسده وتعبث به دواب بني إسرائيل، أو أصيب بمرض الجدري، كل هذا كلام ينافي سلامة الأنبياء والرسل الذين كلفهم الله بتبليغ الرسالة. وأيوب -عليه صلوات الله وسلامه- أكرم على الله من أن يُلقى على مزبلة، وأن يصاب بمرض ينفّر الناس من دعوته ويق ز زهم منه، وأيّ فائدة تحصل من الرسالة وهو على هذه الحالة المزرية التي لا يرضاها الله لأنبيائه ورسله.

стр. 144

والأنبياء إنما يبعثون من أوساط قومهم؛ أي: من خيارهم وأكرمهم وأفضلهم نسبًا وعشيرة ووجاهة، فأين كانت عشيرته فتواريه أو تطعمه؟ بدل ًا أن تخدم امرأته الناس وتبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه، بل أين كان اتباعه والمؤمنون منه؟ فهل تخلو عنه في بلائه؟ وكيف والإيمان ينافي ذلك؟. الحق أن هذه القصة من الأكاذيب وأن نسجها مهلهل، لا يثبت أمام النقد، ولا يؤيده عقل سليم، ولا نقل صحيح، وأن ما أصيب به أيوب من المرض إنما كان من النوع غير المنفر والمقزز، وأنه من الأمراض التي لا يظهر أثرها على البشرة؛؛ يعني: ممكن أمراض المفاصل أو الروماتيزم، الأشياء التي نعرفها، التي لا تنفّر ولا تجعل الإنسان يلقى على مزبلة .. إلى غير ذلك، أمراض العظام هذه الأمور تنال الكثير من الناس. ويؤيد ذلك أن الله لما أمره أن يضرب الأرض بقدمه فنبعت عين، فاغتسل منها وشرب، فبرأ بإذن الله، وقيل: إ نه ضرب الأرض برجله فنبعت عين حارة فاغتسل منها، وضربها مرة أخرى فنبعن عين باردة فشرب منها، والله أعلم بالصواب. وظاهر القرآن عدم التعدّد في الضرب ولا في نبع الماء؛ لأنه قيل: اضرب برجلك. بعد ذلك نعرج أيضًا على مقالة الإمام القاضي أب ي بكر بن العربي في هذا الشأن، ونختم بها قصة أيوب ﵇ يقول شيخنا الإمام أبو شهبة: يعجبني ما قاله الإمام القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ قال: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين الأولى في قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، والثانية في "ص": ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.

стр. 145

وأما النبي ﷺ فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد، إلا قوله: ((بينما أيوب يغتسل إذ خرَّ عليه رجل من جراد من ذهب)) الحديث الذي نحفظه، وقد رواه الإمام البخاري في ص حيحه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد -مجموعة من الجراد- من ال ذهب، فجعل يحفي في ثوبه لعله يجمع، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا ربي، ولكن لا غنى لي عن بركتك)). هذا هو الذي أثر لنا من صحاح الأحاديث من رسولنا ﷺ في شأن أيوب؛ أما مرضه، وأما ما أصابه، وأما ما فعله الشيطان معه من المرض، وما أصابه؛ هذا شيء لم يصح فيه عن رسولنا ﷺ أنه ذكر فيه شيئًا؛ وإذا لم يصح فيه قرآن ولا سنة إلا ما سبق ذكره، فلماذا تساق هذه الروايات المكذوبة؟! فأخا الإسلام أعرض عن سطورها بصرك، وأصمّ عن سم اعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالًا، ولا تزيد الفؤاد إلا خبال ًا، وفي الصحيح واللفظ للبخاري، عن ابن عباس قال: "يا معشر المسلمين لا تسألوا أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله - تعالى - تقرءونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتاب الله وغيَّروا، وكتبوا بأيديهم الكتب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ف لا والله ما رأينا رجل منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم" هذا الحديث في (صحيح الإمام البخاري). وقد أنكر النبي ﷺ في حديث الموطأ على عمر قراءته للتوراة. تعالوا بنا إلى الإمام ال ألوسي ﵀ فقد قال في ت فسيره بعد أن ذكر بعضًا من هذا القصص، وعظم بلائه ﵇ مما شاع وذاع، ولم يختلف فيه اثنان، لكن في بلوغ أمره إلى أن ألقي على كناسة ونحو ذلك، فيه خلاف، بل ربما لا يقبل.

стр. 146

قال الطباسي: قال أهل التحقيق: إنه لا يجوز أن يكون النبي بصفة يستقذره الناس عليها؛ لأن في ذلك تنفيرًا، فأما الفقر والمرض وذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه الله - تعالى - بذلك. وأيضًا في (هداية المريد) للزرقاني أنه يجوز على الأنبياء كل عرض بشري ليس محرمًا ولا مكروهًا ولا مباحًا مذريًا ولا مزمنًا، ولا مما تعافه الأنفس، ولا مما يؤدي إلى النفرة. وأما الإغماء فقد قال النووي: لا يشك في جوازه عليهم؛ لأنه مرض بخلاف الجنون؛ فإنه نقص. أما أبو حامد الغزالي فقد قيَّد الإغماء بغير الطويل، وجزم به البلقيني، وقال السبكي: وليس كإغماء غ ي رهم؛ لأنه إنما يس ت ر حواسهم الظاهرة دون قلوبهم؛ ل أنها معصومة من النوم الأخف، ويمتنع عليهم الجنون وإن قلّ؛ لأنه نقص ويلحق به العمى، ولم يعمى نبي قط، وما ذ ُ كر عن شعيب من أنه كان ضريرًا، هذا كلام لم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت. هذا ما تعلق بهذه القصة، ويكفينا منها ما تبين من بطلانها وما ورد فيها من الأكاذيب. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.

стр. 147

الدرس: ٩ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٧) .

стр. 148

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٧)) تعقيب على قصة "إرم ذات العماد " الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: نعود فنعرج أيضًا على ما ذكرته عن "إرم ذات العماد"، فقد سبق القول فيما ذكر في هذه القصة من الإسرائيليات، إنما نعقب تعقيب يكمل ما مضى، فذكر الطبري والثعلبي والزمخشري وغيرهم في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَاد﴾ (الفجر: ٦ - ٨)، فقد زعموا أن " إرم " مدينة، وذكروا في بنائها وزخارفها ما هو من قبيل الخيال، ورَوَوْا في ذلك أنه كان لعاد ابنان؛ شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها؛ فبنى " إرم " في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة وسورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والي اقوت، ولما تم بناؤها س ار إليها بأ هـ ب -الأُ هـ ب هذه جمع أُ هـ بة، وهي العدة- مملكته، فلما كان منها مسيرة يوم وليلة بعث الله - تعالى - عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وروى وهب بن منبه، عن عبد الله بن قلابة، أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها، يعني: على مدينة " إرم "، فحمل منها ما قدر عليه، وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه، فبعث إلى كعب الأحبار يسأله، فقال: هي " إرم ذات العماد "، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانه، أحمر، أشقر، قصير، على حاجبه خال - أي: علامة - ثم التفت فأبصر ابن قلابه، فقال: هذا والله ذاك الرجل.

стр. 149

هذه القصة على كل حال موضوعة، كما نبه إلى ذلك الحفاظ، وآثاروا الوضع لائحة عليه، وكذا مما روي أن " إرم " مدينة دمشق، أو هي مدينة الإسكندرية. قال السيوطي في (الدر المنثور): أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: " إرم " هي دمشق. وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن عساكر، عن سعيد المقبري مثله. وأخرج آخرون كابن جرير وابن المنذر أنها مدينة الإسكندرية. وكل ذلك من خرافات بني إسرائيل، ومن وضع زنادقتهم، ثم رواها مُسلمَة أهل الكتاب فيما رَوَوا، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين، وألصقت بتفسير القرآن الكريم. قال ابن كثير: ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، هي مدينة إما دمشق أو الإسكندرية أو غيرها، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إن جُعل بدلًا أو عطف بيان؛ فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة "بعاد"، وما أحلّ الله بهم من بأسه الذي لا يُردّ؛ لأن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم، إنما نبهت على ذلك؛ لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عن هذه الآية. هذا من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة، وحصباؤها من اللآلئ والجواهر، وترابها بنادق المسك، فإن هذا كله من خرافات الإسرائ ي لي ات من وضع زنادقتهم؛ ليختبروا بذلك القو ل الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.

стр. 150

ونقل العلماء أن هذا كله من خرافات الإسرائيلي ات، ومما ينبغي أن يذكر أنه قد روي أيض ً اعن ابن كلابة كلام في هذا الشأن، وهذا لا يصح سنده، حتى ولو صح ذلك إلى الأعرابي، فقد يكون اختلق ذلك، أو أصابه نوع من الخيال الذي وصف هذه الصفات وذكرها. فالحقيقية كل ما ذكر ليس له دليل، ويقطع العقل بعدم صحته، ان ظ ر (تفسير ابن كثير) , والحقيقة هذا أيضًا قريب مما يخبر به من الجهلة والطامعين، والذين يقولون من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب والفضة فيحتالون على أموال الأغنياء والسفهاء والضعفة، فيأكلونها بالباطل ففي صرفها في هذه الأمور. والصحيح إذ ً افي تفسير الآية والآيات التي وردت ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ (الفجر: ٦، ٧)، الصحيح كما ذكر شيخنا الشيخ أبو شهبة أن المراد بقوله - تعالى -: ﴿عَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ هي قبيلة عاد المشهورة التي كانت تسكن الأحقاف في جنوب الجزيرة شمالي حضر موت، وهي عاد الأولى التي ذكرها الله في سورة " النجم " قال - سبحانه -: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ (النجم: ٥٠)، ويقال لمن بعدهم: عاد الآخرة، وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله بن إسحاق وغيره، وهم الذين بعث فيهم رسول الله هود ﵇ بعد ذلك، فكذَّبوه وخالفوه فأنجاه الله من بين أظهرهم، ومن آمن معه منهم, وأهلكهم كما نطق القرآن الكريم في آيات عديدة، أهلكهم الله بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية. وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع؛ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون, ففي قوله - سبحانه -: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ هذه الآية " إرم " بدل من " عاد "، أو عطف بيان زيادة تعريف بهم.

стр. 151

وقوله - تعالى -: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لأنهم كانوا في زمانهم أشد الناس خلقة، وأعظمهم أجسامًا، وأقواهم بطشًا؛ هذا رأي، وقيل: ذات العماد؛ أي: ذات الأبنية التي بنوها والدور والمصانع التي شيَّدوها، وقيل: لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعب التي تُرفع بالأعمدة الغلاظ الشداد؛ والرأي الأول أقرب إلى الصواب، وهو أصح وأوجب, فقد ذكرهم نبيهم هود بهذه النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة الله ﵎ الذي خلقهم ومنحهم هذه القوة فقال ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ٦٩)، وقال - جل وعلا -: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (فصلت: ١٥)، وقال - سبحانه - عنهم: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ (الفجر: ٨)؛ أي: القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق مثلها في بلادهم في زمانهم لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. ومهما يكن من تفسير " ذات العماد " فالمراد القبيلة، وليس المراد مدينة، فالحديث في السورة إنما هو عمن مضى من الأقوام، الذين مكن الله لهم في الأرض، ولما لم يشكروا نعم الله عليهم ويؤمنوا به وبرسله بطش بهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ففيه تخويف ل كفار مكة الذين هم دون هؤلاء في كل شيء، وتحذيرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء. بقي لنا كلمات قليلة تُعبّر أو تبين ما رُوي في عظم طولهم، وأنه شيء لا يصح؛ إذ ليس معنى قوة هؤلاء القوم، ولا قوة هذه القبيلة، وعظم، خلقهم وشدة، بطشهم، أنهم خارجون عن المألوف في الفطرة، فمن ثمَّ لا نكاد نصدق ما روي

стр. 152

في عظم أجسامهم، وخروج طولهم عن المألوف المعروف حتى في هذه الأزمنة، فقد رو ى ابن ج ر ير في ت فسيره وابن أبي حاتم وغيرهم عن قتادة فقال: كنا نحدث أن " إرم " قبيلة من عاد كان يقال: لهم ذات العماد كانوا أهل عمود، كما قال القرآن: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعًا؛ يعني: ستة أمتار طولًا في السماء، وهذا من جنس ما روي في العماليق، وأغلب الظن عندنا أن من ذكر لهم ذلك هم أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنه من الإسرائيليات المختلطة. وأيضًا لم نكد نصدق ما روي أو ما نسبوه إلى المعصوم ﷺ في هذا، فقد رو ى ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن من حدثه، عن المقدام بن معدي كرب عن النبي ﵌ أنه ذكر "إ رم ذات العماد " فقال: كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم، طبعًا هذه الرواية ذكرها ابن كثير، ولعل البلاء والاختلاق فيه من المجهول، وروى مثله ابن مردويه كما ذكر صاحب (الدر المنثور)، ولعن الله من نسب مثل هذا الباطل إلى نبينا محمد ﷺ ، ولا نشك أن هذا من عمل زنادقة اليهود والفرس وأمثالهم الذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام، فسلكوا في محاربته مسلك الدس والاختلاق بنسبة أمثال هذه الخرافات إلى المعصوم ﷺ . يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة معلقًا: وأنا أعجب لمسلم يقبل أمثال هذه المرويات التي تزري بالإسلام وتنفّر منه، ولا سيما في هذا العصر الذي تقدمت فيه العلوم والمعارف، وأصبح ذكر مثل هذا يثير السخرية والاستنكار والاستهزاء.

стр. 153

الإسرائيليات التي وردت في سؤال موسى ربه الرؤية إن موسى ﵇ قد ورد في القرآن الكريم أكثر من مائة وثلاثين مرة - كما سبق القول - وله مواقف كثيرة، ومشاهد عديدة، وأحوال فيها صراعات مع بني إسرائيل الذين ألفوا الكذب والتكذيب والتعنت، وسبق القول فيما يتعلق بموقف سيدنا موسى من زواج بنات شعيب، وسبق الحديث عن عصا موسى، وعن يده التي خرجت بيضاء للناظرين، وها نحن الآن ننتقل إلى الإسرائيليات التي وردت في سؤال موسى ربه الرؤية. فمن الإسرائيليات الواردة في هذا الشأن ما يذكره بعض المفسرين عند قوله - جل وعلا -: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٣)، ذكر الثعلبي والبغوي وغيرهما عن وهب بن منبه وا بن إسحاق قالا: لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب، والصواعق، والظلمة، والرعد، والبرق، وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله ملائكة السموات أن يعترضوا على موسى، فمرَّت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر -ك الثيران؛ هذا من سوء أدب بني إسرائيل في وصفهم للملائكة - كثيران البقر ينبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد. ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لهج بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن

стр. 154

عمران ممّا رأى وسمع، واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندمت على مسألتي؛ فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم - يعني: جبريل -: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت. ثم أمر ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف ولج م شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم، ألوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد فزعه، وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتقديس والتسبيح، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم، فاصطكت ركبتاه وارتعد قلبه واشتد بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت. ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فاعترضوا على موسى، فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم؛ فامتلأ جوفه خوفًا، واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة نارًا أشد ضوءً امن الشمس، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من

стр. 155

ملائكة السماء كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سُبّوح قُدّوس رب الملائكة والروح، رب العزة أبدًا لا يموت، وفي رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يُسبح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول: ربي اذكرني ولا تنسَ عبدك، لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا، إن خرجت احترقت، وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد أوشكت يا بن عمران أن يشتدَّ خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي رأيت، هذا كلام كما يعلق عليه صاحب كتاب الشيخ أبو شهبه كيف يتفق هذا، وما ذُكر قبل من شدة خوفه وفزعه في المرات الخمس؟ هذا من إمارات الوضع والتهافت. ثم أمر الله أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة، فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب ﷻ ، ورفعت ملائكة السماء أصواتهم جميعًا يقولون: سبحان الملك القدوس رب العزة أبدًا لا يموت بشدة أصواتهم، فارتجَّ الجبل واندكَّت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقًا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح فتغشَّاه، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقام موسى يسبح الله ويقول: آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد، فيحيى من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظم ملائكتك وما أعظمك، أنت رب الأرباب، وإله الآلهة، وملك الملوك، ولا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، ربي تبت إليك، الحمد لله لا شريك لك، ما أعظمك، وما أجلك رب العالمين، فذلك قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (الأعراف: ١٤٣). وبعد أن ذكر الأقوال الكثيرة فيما تبدَّى من نور الله قال: ووقع في بعض التفاسير أنه طارت لعظمته ستة أجبل، وقع ثلاثة بالمدينة؛ أحد وورقان ورضوى، وو قع ثلاثة بمكة، ثور وسبير وحراء.

стр. 156

كل هذا كلام كما نرى من أمارات الاختلاق والوضع الذي لا يقبل، وهذه المرويات وأمثالها مما لا نشك أنها من الإسرائيليات، من إسرائيليات بني إسرائيل وكذبهم على الله وعلى الأنبياء وعلى الملائكة، فلا تلقِ إليه بال ً اأخا الإسلام، وليس تفسير الآية في حاجة إلى هذه المرويات، والآية ظاهرة واضحة وليس فيها ما يدل على امتناع رؤية الله في الآخرة، كما دل على ذلك القرآن الكريم، فنحن نعلم أن تعليق الرؤية على شيء ممكن يدل على إمكانية الرؤية، فعندنا دلَّ القرآن الكريم والسنة الصحيحة المتوترة، وغاية ما تدل عليه امتناع الرؤية البصرية في الدنيا؛ لأن العين الفانية لا تقدر أن ترى الذات الباقية. ومن ذلك أيضًا ما ذكره الثعلبي والبغوي والزمخشري في ت فسيرهم) عند قوله - تعالى -: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾؛ أي: م غ شيًّا عليه وليس المراد ميتًا كما قال قتادة، فقد قال البغوي: وفي بعض الكتب أن ملائكة السماء أتوا موسى وهو مغشي عليه، فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون: يا بن النساء الحيَّض أطمعت في رؤية رب العزة، كلام، وانظر إليه، وذكر مثل هذا الزمخشري في ت فسيره وقد نقلها؛ لأنها تساعده على إثبات مذهبه الفاسد، يعني: الإمام الزمخشري أكثر من الروايات التي تعوق وتمنع الرؤية؛ لأن الإمام الزمخشري معتزلي، ومن مذهبه واعتقاده استحالة رؤية الله في الدنيا والآخرة. وهذا وأمثاله مما لا نشكّ أنه من الإسرائيليات، هكذا قال علماؤنا؛ وعلى رأسهم شيخنا الشيخ أبو شهبه، هذا من الإسرائيليات المكذوبة، وموقف بني إسرائيل من موسى ومن جميع أنبياء الله معروف، فهم يحاولون تنقيص الأنبياء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وقد تنبه إلى هذا الإمام أحمد بن المنير صاحب كتاب (الانتصاف من صاحب الكشاف) هو دائمًا يُطبع تعليقه على هامش (تفسير الكش اف)؛ ليبيّن ما فيه من عقائد المعتزلة.

стр. 157

قال هذا الإمام الشيخ أحمد بن المنير: وهذه حكاية إنما يوردها من يتعسَّف لامتناع الرؤية، فيتخذها عونًا وظهرًا على المعتقد الفاسد والوجه التوركي بالغلط على ناقلها؛ لفظ " التورك "، توريك الرجل ذنبه غيره، كأنه يُلزمه إيَّاه، وورك فلان ذنبه على غيره توريكًا إذا أضافه إليه وقرفه به، وإنه لمورك في هذا الأمر؛ أي: ليس له فيه ذنب؛ يعني: كأنه بهذه العبارة يريد أن يبين أن الإمام الزمخشري يحمل ما يعتقده من المذهب الفاسد على كلام غيره، ويستدل بكلام الآخرين على تقوية مذهبه في منع رؤية الله - جل وعلا. أما نحن أهل السنة فنحن نؤمن أن الله - جل وعلا - تجوز الرؤي ة في الدنيا، وإن لم تقع أوعلى خلاف هل وقعت لرسولنا محمد ﷺ ليلة الإسراء والمعراج أو لم تقع فيها خلاف، أما في الآخرة فنحن على يقين أن الله - سبحانه - يُرى في الآخرة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ (القيامة ٢١، ٢٢) والحديث الصحيح في رؤية الله في الآخرة معروف لنا جميعًا. نقول كلام الشيخ ابن المنير أن كلام الزمخشري يقول في هذا وما فيه من إهانة موسى الكريم، وفيه طمس في الخطاب وكلام كثير. ويرحم الله الإمام ال ألوسي حيث قال في ت فسيره معلقًا: ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذٍ فيلكزونه بأرجلهم؛ أي: أن الملائكة كانوا يلكزون موسى ويقولون: يا بن النساء الحيض أطمعت في رؤية ربك، وهو كلام ساقط لا يعوّل عليه بوجه، وسبق إيراد هذا الكلام. يقول الألوسي: فإن الملائكة ﵈ مما يجب تبرئتهم من إهانة الكريم ﵇ بالوكز بالرجل، والغمس في الخطاب، ونكتفي بهذا فيما يتعلق بقضية سيدنا موسى ﵇ وما يتعلق برؤية ربه.

стр. 158

موقف موسى من ألواح التوراة، وغضبه عند إلقائها موقف آخر من مواقف نبي الله موسى: إن الإسرائيليات في قصص الأنبياء لا تتوقف، وها نحن مع الموقف الثاني من مواقف الإسرائيليات، أو من أقوال الإسرائيليات عند موقف موسى من ألواح التوراة. فمن الإسرائيليات ما ذكره الإمام الثعلبي والإمام البغوي والزمخشري والإمام القرطبي والعلامة ال ألوسي عند تفسير قوله - جل وعلا -: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٥) هذه الآية ذُكر فيها عند تفسيرها كلام في الألواح مما هي؟ يعني: الألواح من أي شيء؟ وما عددها؟ ذُكر في هذا أقوال كثرة عند بعض الصحابة والتابعين وعن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه من أهل الكتاب الذين أسلموا مما يُشير إلى منبع هذه الروايات، وأنها من أكاذيب بني إسرائيل وإسرائيلياتهم؛ إذ فيها من المرويات ما يخالف المعقول والمنقول. وإليك ما ذكره الإمام البغوي في هذا؛ قال: قوله ﵎: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾ أي: لموسى في الألواح، قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة، وفي الحديث: ((كانت من سدر الجنة، طول اللوح اثن اعشر زراع ًا)) - يعني: ستة أمتار - وجاء في الحديث ((خلق الله آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)) والحديث ان لم يخرجهما البغوي ولم يبرز سندهما، إنما العلامة الألوسي ذكر أن الحديث الأول رواه ابن أبي الحاتم، واختار القول به إن صح السند إليه، وأما الحديث الثاني فقال: إنه مروي عن علي، وعن ابن عمر وعم غيرهما من التابعين، وانظر تفسير العلامة الألوسي في هذه الآية.

стр. 159

وقال الحسن: كانت الألواح من خشب، وقال الكلبي: كانت من زبرجدة خ ض راء، وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع: كانت الألواح من برد؛ أي: ثوب مختلط. هذا كلام نراه متناقض، ومع ذلك قال ابن جريج: كانت من زمرد أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد من نهر النور، وقال وهب: أمر الله بقطع الألواح من صخرة صماء لينها الله له فقطعها بيده، ثم شققها بيده، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أزرع على طول موسى. وقال مقاتل ووهب في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ قال: كنقش الخاتم، وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يُقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر؛ موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى؛ سبحان الله يُعلق على هذا الكلام صاحب كتاب شيخ أبو شهبه كيف يقبل عقل أنها حِمل سبعين بعير ًا، وإذا لم يقرأها إلا أربعة فلماذا أنزلها الله ؟ انظر حقيقة هذه الروايات التي لا يقبلها عقل, فن قول ن علق على هذا الكلام: وكل هذه الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم ﷺ ، وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل، حمل ها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفًا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى وفيها التوراة، أما هذه الألواح مما صنعت وما طولها وما عرضها، وكيف كتبت فهذا لا يجب علينا الإيمان به، والأولى عدم البحث فيه؛ لأن البحث فيه لا يؤدي إلى

стр. 160

فائدة، ولا يوصل إلى غاية، وطبعًا قيل: إن الألواح أعطيها موسى قبل التوراة، والصحيح أن الله أنزل الألواح على موسى وفيها التوراة. بعد ذلك نقول: مما ذكروه حول هذا المعنى في قوله - تعالى -: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء، فقد جعلوا التوراة مشتملة على كل ما كان، وكل ما يكون، وهذا لا يعقل ولا يصدق. فمن ذلك ما ذكره الإمام الألوسي في ت فسيره، قال: وما أخرجه الطبراني والبيهقي في (الدلائل) عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغ صفين، وقف كعب، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليغرقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يراق ببقعة من الأرض مثله، فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله - تعالى - به، فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزلها الله - تعالى - على موسى ما يكون منه، وما يخرج منه إلى يوم القيامة. وهذا من المبالغات التي روى أمثالها كثيرون عن كعب، ولا نصدق ذلك، ولعلها من الكذب الذي لاحظه عليه الصحابي الداهية معاوية بن أبي سفيان ﵁ على ما أسلفنا سابقًا، ولا يعقل قط أن يكون في التوراة كل أحداث الدنيا إلى قيام الساعة، أو إلى يوم القيامة. فالمحققون من المفسرين سلفًا وخلفًا على أن المراد أن في التوراة أو في الألواح تفصيلًا لكل شيء مما يحتاجون إليه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره، وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب وأخلاق لا توجد في التوراة قط، وقد ساق الإمام الألوسي هذا الخبر للاستدلال

стр. 161

به لمن يقول: إن لفظ من كل شيء هذا عام، وكأنه استشعر بعد هذا القول، فقال عقبه: ولعل ذك ر من باب الرمز كما ندعيه في القرآن الكريم. وإنني لأقول للعلامة ال ألوسي ومن لفّ لفه؛ الكلام لشيخنا الشيخ أبو شهبه: إنه أراد أن يبين أن هذا مردود وغير معقول أن يقال: إن التوراة فيها تفصيل لكل شيء لا هي فيها تفصيل لما يحتاجون إليه في شريعاتهم في الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح فقط، أما أن تشمل التوراة كل شيء قد كان وكل ما يكون، هذا كلام لا يُعقل، وهو مردود وغير مقبول، ونحن أيضًا لا نسلم بأن في القرآن رموز وإشارات لأحداث، وإن قاله البعض والحق أحق أن يتبع. ننتقل بعد ذلك إلى ما ورد في غضب موسى عندما ألقى الألواح؛ فمن الإسرائيليات التي وردت في غضب موسى، والآية صرحت بأن موسى ﵇ لما رجع إلى قومه غضبان أسفًا، ألقى الألواح، وحول هذا المعنى وردت إسرائيليات كثيرة، فقد روى ابن جرير في ت فسيره والبغوي في ت فسيره وغيرهما في سبب غضب سيدنا موسى ﵇ حين ألقى الألواح من يديه، وهذا في قوله - تعالى -: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٥٠). ألقى الألواح؛ معنى هذه الكلمة أي: طرحها وألقى بها، إنما الإسرائيليات غمرت هذا التفسير عند هذه الآية، فقد رُوي عن قتادة أنه قال: نظر موسى في التوراة فقال: ربي إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن أمتي اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: ربي إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون -أي: آخرون في الخلق- سابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: ربي إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرًا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا، ولم يعرفوه، وأن الله أعطاهم من الحفظ شيئًا لم يعطه أحد من الأمم، قال: ربي اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: ربي إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فصول الضلالة حتى لا يقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد.

стр. 162

قال: ربي إني أجد أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقُبلت منه بعث الله نارًا فأكلتها، وإن رُدت عليه تركت فتأكلها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم، قال: ربي فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: ربي إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ربي اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: ربي إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال قتادة: فذُكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح، فقال: اللهم اجعلني من أمة محمد. هذه هي الرواية؛ أقول -الكلام لشيخنا الشيخ أب ي شهبة -: إن آثار الوضع والاختلاق بادية عليه، والسند مطعون فيه، وهي أمور مأخوذة من القرآن والأحاديث، ثم صيغت هذه الصياغة الدقيقة، وجعلت على لسان موسى ﵇ -

стр. 163

والظاهر المتعين أن إلقاء سيدنا موسى بالألواح إنما كان غضبًا وحميَّة لدين الله، وغيرة لانتهاك حرمة توحيد الله ﵎، وأما ما ذكره قتادة فغير مُسلَّم. وإن كنا نرى أن المعاني التي وردت أن أمة الإسلام أمة محمد ﵊ هم سابقون إلى الجنة، نعم، وأن قرآنهم يُحفظ في الصدور أناجيلهم في صدورهم هذه ميزة لأمة الإسلام؛ إذ لا نجد أمة من الأمم تحفظ كتابها ووحيها كأمة الإسلام التي جعل الله لها القرآن الكريم ميسرًا ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرٍِ﴾ (القمر: ١٧)، والأوصاف التي وردت في الصدقات وفي الحسنات وفي الشفاعات كلها ما شاء الله من فضائل أمة الإسلام. وإليك ما قاله الإمام الحافظ الناقل ابن كثير في ت فسيره عند هذه الآية قال: ثم ظاهر السياق أنه -أي: سيدنا موسى- ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا. وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولًا غريبًا لا يصح إسناده إلى حكاية قتاد ة، وقد ردَّه ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرّدّ، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذَّابون وواضعون وأفاقون وزنادقة، وصدق ابن كثير فيما قال, وأرجح أن يكون من وضع زنادقتهم كي يظهروا الأنبياء بمظهر المتحاسدين، لا بمظهر الإخوان المتحابين. قال الإمام القرطبي عند تفسير قوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾؛ أي: مما اعتراه من الغضب والأسف حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إهمال أمرهم، قال سعيد بن جبير: ولذا قيل: ليس الخبر كالمعاينة، ولا التفات لما رُوي عن قتادة إن صح، ولا يصح؛ ولا يصح أن إلقاء الألواح إنما كان لما رأى من فضيلة أمة محمد ﷺ ولم يكن ذلك ل أمته، فهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى ﵇.

стр. 164

ومما يؤيِّد أنه من وضع بعض الإسرائيليين الدُّهَاة أن نحوًا من هذا المروي عن قتادة قد رواه الثعلبي وتلميذه البغوي عن كعب الأحبار، ولا خلاف إلا في تقديم بعض الفضائل وتأخير البعض إلا إنه لم يذكر إلقاء الألواح، وفي آخره فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدًا وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (الأعراف: ١٤٤) إلى قوله ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٥) , ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٩) قال فرضي موسى كل الرض اء. هذا ما ورد في إلقاء الألواح وغضب موسى ﵇. من الإسرائيليات والخرافات ما ذكره أيض ً ابعض المفسرين عند تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في سورة الأعراف، وسورة الأعراف من السور التي أكثرت من مواقف بني إسرائيل مع موسى، ومن الصراعات التي وقعت في حياتهم مع رسل الله وخاصة رسول الله موسى ﵇. ذكر ابن جرير في تفسير هذه الآية خبرًا عجيبًا، فقال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج في قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياء هم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطًا تبرأ سبطًا منهم مما صنعوا، واعتذروا وسألوا الله أن يفرّق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقًا في الأرض فصاروا حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا، قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: ١٠٤) ووعد الآخرة هو عيسى ابن مريم، قال ابن جريج:

стр. 165

قال ابن عباس: صاروا في السرب سنة ونصفًا، قال ابن عيينة: عن صدقة عن أبي الهزيل عن السدي ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شهد. وقد وصف العلامة ابن كثير ما رواه ابن جرير ب أنه خبر عجيب. وقال البغوي في ت فسيره: قال الكلبي والضحاك والربيع: هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر مجرى الرمل يُسمى نهر الأرداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يُمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون لا يصل إليهم منا أحد، وهم على دين الحق. وذكر أن جبريل ﵇ ذهب للنبي ﷺ ليلة أُسري به إليهم فكلمهم، فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، فقال: لهم هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به، فقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فردّ النبي ﷺ على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون -أي: يعظمون السبت كاليهود- فأمرهم أن يجمعوا -أي: يعظموا يوم الجمعة- ويتركوا السبت، وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي ﷺ والأول أصح. وهذا على كل حال من خرافات بني إسرائيل ولا محالة، والعجب من الإمام البغوي أن يجعل هذه الأكاذيب أصح من القول الآخر الذي هو أجدى بالقبول وأولى بالصحة، ونحن لا نشك في أن ابن جريج وغيره ممن رَوَوْا ذلك إنما أخذوه عن أهل الكتاب الذين أسلموا، ولا يمكن أبدًا أن يكون متلقى عن المعصوم ﷺ .

стр. 166

وقال الإمام ال ألوسي بعد ذكر ما ذكرناه: وضعف هذه الحكاية واضح، وقد ضعفها ابن الخازن، وأنا لا أراها شيئًا، وأظنك لا تجد لها سند ًا يعول عليه، ولو ابتغيت نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء. نختم هذه القصة بالتفسير الصحيح للآية، وما ورد فيها، والآية ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يروي لنا الشيخ أبو شهب ة نقلًا عن التفاسير يقول: والذي يترجح عندي أن المراد بهم أناس من قوم موسى ﵇ اهتدوا إلى الحق، ودعوا الناس إليه، وفي وبالحق يعدلون فيما يعرض لهم من الأحكام والقضايا، وأن هؤلاء الناس وُجدوا في عهد موسى وبعده، بل وفي عهد نبينا محمد ﷺ أمثال عبد الله بن سلام وأضرابه. وقد بيَّن الله ﵎ إن اليهود وإن كانت الكثرة الكاثرة فيهم تجحد الحق وتنكره، وتجور في الأحكام، وتعادي الأنبياء، وتقتل بعضهم، وتكذب البعض الآخر، وفيهم من شكاسة الأخلاق والطباع ما فيهم، فهنالك أمة كثيرة منهم يهدون بالحق وبه يعدلون، فهم لا يتأبون عن الحق، ففيه شهادة وتزكية لهؤلاء، وتعريض بالكثرة الغالبة منهم التي ليست كذلك، والتي جحدت نبوة نبينا محمد ﷺ فيمن جحدها من طوائف البشر، وناصبته العداوة والبغضاء، وهو ما يُشعر به قوله - سبحانه - قبلُ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨). وبذلك تظهر المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها مباشرة والآيات التي قبل ذلك.

стр. 167

أما ما ذكروه فليس هناك ما يشهد له من عقل ولا نقل صحيح، بل هو يُخالف الواقع الملموس والمشاهد المتيقن، وقد أصبحت الصين وما وراءها والبلاد في هذه المنطقة وغيرها معلومًا كل ما فيها، وكل شبر فيها معلوم، فأين هم؟ ثم ما هذا النهر من الشهد؟ وما هذا النهر من الرمل؟ وأين هما؟ ثم أي فائدة تعود على الإسلام والمسلمين من التمسك بهذه الروايات التي لا فائدة منها، ولا خطام، ولا زمام؟ وماذا يكون موقف الداعية إلى الإسلام في هذا العصر الذي نعيش فيه إذا انتصر لمثل هذه المرويات الخرافية الباطلة؟ إن هذه الروايات لو صحت أسانيدها لكان لها بسبب مخالفتها للمعقول، والمشاهد الملموس ما يجعلنا في حلٍّ من عدم قبولها، فكيف وأسانيدها ضعيفة واهية؟ وقد قلنا كثيرًا: إن كونها صحيحة السند فرضًا لا ينافي كونها من الإسرائيليات. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 168

الدرس: ١٠ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٨) .

стр. 169

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٨)) الإسرائيليات التي وردت في تفسير آية: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (الإسراء: ٤ - ٨). يقول الشيخ أبو شهبة في كتابه: وليس من قصدنا هنا تحقيق مرَّتَي إفسادهم، ومن سلط الله عليهم في كلتا المرتين، فلذلك موضع آخر إن شاء الله، وعلى كل حال فالذي يترجح أن العباد ذوي البأس الشديد الذين نكَّلوا بهم - ببني إسرائيل - وأذلوهم وسبوهم هم "بختنصر" وجنوده، وأن الآخرين الذين أساءوا وجوههم ودخلوا المسجد الأقصى؛ سواء كانوا من الرومان وجيوشهم، أو كانوا من المسلمين بعد ذلك، فقد أساموهم سوء العذاب، وتأمل عاقبة الآية في قوله - جل وعلا -: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾، فإنه يدل على أنهم سيعودون ثم يفسدون، فيرسل الله لهم من يسومهم العذاب ألوانًا. ونعود الآن إلى ما يتصل ببيان ما رُوي من الإسرائيليات في هاتين المرتين، والكلام عن الإفسادتين، واسم من سلط عليهم، وصفته، وكيف كان، وإلى ما صار أمره.

стр. 170

وقد كانت معظم الروايات في بيان العباد ذوي البأس الشديد الذين سُلِّطوا عليهم تدور حول هذا الرجل "بختنصر" هذا البابلي، ولكن أحاطوه بهالة من العجائب والغرائب والمبالغات التي لا تُصدَّق، ومن العجيب أن هذه الروايات قد أخرجها ابن جرير في ت فسيره، وأكثر منها جدًّا، وكذا ابن أبي حاتم والبغوي وغيرهم عن ابن عباس وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعن السدي، وعن وهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهم، وخرجها من ذكر أسانيدها مع عزوها إلى مخرجيها الإمام السيوطي في تفسيره (الدر المنثور). وفي هذه الروايات ولا شك الكثير من أكاذيب بني إسرائيل التي اختلقها أسلافهم، وتنوقلت عليهم، ورواه أخلافهم من مسلمتي أهل الكتاب الذين أسلموا، وأخذها عنهم بعض الصحابة والتابعين؛ تحسينًا للظن بهم، ورواها من غير تنبيه إلى ما جاء فيها من الكذب, وفي هذه الأخبار الإسرائيلية ما يحتمل الصدق والكذب، ولكن الأولى عدم الاشتغال به، وأن لا نفسر القرآن بها، وأن نقف عند ما قصه الله علينا من غير أن نفسد جمال القرآن وجلاله بمثل هذه الإسرائيليات. وقد أكثر ابن جرير هنا من النقل عن ابن إسحاق، وفي بعضها روى عن ابن إسحاق عن من لا يُتَّهم عن وهب بن منبه، وفي بعضها بسنده عن وهب بن منبه بدون ذكر ابن إسحاق، وبذلك وقفنا على من كان المصدر الحقيقي لهذه المرويات، وأنه وهب بن منبه وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب, وقد سود ابن جرير بضع صفحات من كتابه في النقل عن ابن إسحاق وعن وهب، ولا نحب أن ننقل كل ما ذكره بنصه، وإلا طال الكلام، فإن في ذلك تسويدًا للصفحات، ولكن سنذكر البعض ليكون القارئ وطالب العلم والباحث والذي يريد معرفة التفسير على حذر من مثل ذلك.

стр. 171

قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وفي إحداثهم ما هم فاعلون بعده، فقال: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين ولتعلن علوًّا كبيرًا، ولما نقول: مما أنزل الله موسى؛ يعني: أنزل المعنى لا هذا اللفظ؛ لأن التوراة طبعًا لم تكن باللغة العربية، ولا كان لسان موسى ﵊ عربيًّا؛ إنما أنزل عليه بلغته وبالمعنى، فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله -جل وعلا- في ذلك متجاوزًا عنهم متعطفًا عليهم محسنًا إليهم. فكان مما أنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدَّم إليهم في الخبر على لسان موسى مما أنزل بهم في ذنوبهم، فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع أن ملكًا منهم كان يُدعَى صديقه، وكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبيًّا يسدده ويرشده، ويكون فيما بينه وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم، لا يُنزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون ب اتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة. فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعياء بن أمصيا، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى، وشعياء الذي بشر بعيسى ومحمد ﷺ ، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانًا، فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث وشيعاء معه؛ بعث الله عليهم رجل يُسمى " سن ج اريب " ملك بابل ومعه ستمائة ألف راية، فأقبل سائرًا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء فقال له: يا ملك بني إسرائيل إن " سن ج اريب " ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس، وفركوا منهم، فكَبُر

стр. 172

ذلك على الملك، فقال: يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به، كيف يفعل الله بنا، وب ـ" سن ج اريب " وجنوده؟ فقال له النبي ﵇: لم يأتنِ ي وحي أحدث إليَّ في شأنك. فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته؛ فإنك ميت، ثم استرسل ابن جرير في الرواية حتى استغرق أربع صفحات كبار من كتابه، لا يشك الناظر فيها أنها من أخبار بني إسرائيل، وفيما ذكره ابن جرير عن ابن إسحاق الصدق والكذب، والحق والباطل، ولسنا في حاجة إليه في تفسير الآيات. أما الإفساد الثاني ففيه: ومن سلط الله عليهم، روى ابن جرير أيضًا قال: حدثني محمد بن سهل بن عسكر ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، قال ا: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: قال عن وهب بن منبه إلى أن قال عن ابن إسحاق، عن مَنْ لا يُتَّهم، عن وهب بن منبه اليماني، واللفظ لحديث ابن حميد أنه كان يقول -يعني: وهب-: قال الله ﵎ ل ـ" أرمي ا " حين بعثه نبيًّا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن أخلقك اخترتك، ولأمر عظيم اختبأتك، فبعث الله "أرم يا" إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدّده ويرشده، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله. قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله صنع بهم وما نجاهم من عدوهم " سنجاريب " وجنوده، فأوحى الله إلى "أرميا" أن ائت قومك من بني إسرائيل، واقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم. واسترسل وهب بن منبه فيما يذكره من أخبار بني إسرائيل حتى استغرق ذلك من تفسير ابن جرير عدة صفحات؛ ثلاث صفحات كبار إلى غير ذلك.

стр. 173

ومما ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم من قصص عجيب غريب في "بختنصر" هذا، وما خرب من البلاد وما قتل من العباد كلام كثير. وتأمَّل الكذب على رسول الله ﷺ بنسبة هذه الإسرائيليات إليه، ولو أن هذه الإسرائيليات والأباطيل وقف بها عند رواتها من أهل الكتاب الذين أسلموا، أو عند من رواها عنهم من الصحابة والتابعين؛ لهان الأمر، ولكن عظم الإثم في أن تُنسب هذه الإسرائيليات إلى المعصوم ﷺ صراحة، ولا نشكّ أن هذا الدسّ من عمل زنادقة اليهود أو الفرس. وإليك ما رواه ابن جرير في ت فسيره قال: حدثنا عصام بن راود بن الجراح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليماني يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعلو وقتلوا الأنبياء؛ بعث الله عليهم ملك فارس "بختنصر"، وكان الله ملَّكه سبعمائة سنة فصار إليهم حتى دخل بيت المقدس فحاصرها، وفتح، وقتل على دم زكريا سبعين ألفًا، ثم سبى أهلها، وبني الأنبياء، وسلب حُلي بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفًا ومائة ألف من حلي حتى أوردها بابل". انظر إلى هذه المبالغات والأكاذيب التي ينسبونها إلى رسول الله ﵊. قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عظيمًا عند الله؟ قال: " أجل بناه سليمان بن داود من ذهب، ودر، وياقوت، وزبرجد، وكان بلاطة من ذهب، وبلاطة من فضة، وكانت عُمُده ذهب، أعطاه الله ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فصار "بختنصر" بهذه الأشياء حتى دخل بها بابل فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة تعذبهم المجوس وأبناء المجوس،

стр. 174

فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إن الله رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له: " قورش " وكان مؤمنًا أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم، فصار " قورش " ببني إسرائيل وحُلي بيت المقدس حتى ردَّه إليه. فقام بنو إسرائيل مطيعين الله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط الله عليهم " بطي ان م وس "، فغز ابأبناء من غز امع "بختنصر"، فغز ابني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس فسبى أهلها، وأحرق بيت المقدس، وقال لهم: يا بني إسرائيل إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء، فعادوا في المعاصي فسيَّر الله عليهم السباء الثالث، ملك روميه يقال له " فاقس بن إسبايوس "، هذا الكلام موجود في كتب التفسير حتى في (تفسير البغوي) " قاقس بن إستيانوس "، فغزاهم في البر والبحر، فسباهم وسبى حلي بيت المقدس، وأحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول الله ﷺ : " هذا من صنعة حلي بيت المقدس، ويردّه المهدي إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين". وعفا الله عن ابن جرير -هذا كلام شيخنا الشيخ أب ي شهبه- كيف استجاز ابن جرير أن يذكر هذا الهراء، وهذه التخريفات عن المعصوم ﷺ وكان عليه أن يصون كتابه عن أن يسوّده بأمثال هذه المرويات الباطلة. ويرحم الله أيضًا الإمام الحافظ الناقد ابن كثير حيث قال في ت فسيره: وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولًا، وهو حديث موضوع لا محالة لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته، وقد صرح شيخنا أبو الحجاج البزي ﵀ بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب؛ كتاب (تفسير ابن جرير).

стр. 175

وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يُحتمل أن يكون صحيحًا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبلها، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم، وقهرهم؛ جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمرّدوا، وقتلوا خلقًا كثيرًا من الأنبياء والعلماء. راجع في ذلك (تفسير ابن كثير)، و (تفسير البغوي) أيضًا. أما التفسير الصحيح للآية وبه نختم؛ فنقول: وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يُصار إليه في الآية، والقصص القرآني لا يُعنى بذكر الأشخاص ولا الأماكن؛ لأن الغرض منه العبرة والتذكرة والتعليم والتأويل، والذي دلَّت عليه الآية أنهم أفسدوا مرتين في الزمن الأول، وظلموا وبغوا؛ فسلط الله عليهم في الأولى من أذلَّهم وسباهم، ولا يعنينا أن يكون هذا الذي أذلهم هـ و " سنجاريب " أو "بختنصر" وجيشه، أو غيره؛ إذ لا يترتب على العلم به فائدة تُذكر، وسلط الله عليهم في الثانية من أذلهم وساء وجوههم، ودخل المسجد الأقصى فأفسد فيه ودمَّر، ولا يعنينا أن يكون هذا الذي نكَّل بهم هو " طيطوس " الروماني أو غيره؛ لأن المراد من سياق قصته ما قضاه الله على بني إسرائيل أنهم أهل فساد وبطر وظلم وبغي، وأنهم لما أفسدوا وطغوا وتجبروا سلط الله عليهم من عباده من نكَّل بهم وأذلَّهم وسباهم وشرَّدهم. ثم إن الآيات دلَّت أيضًا على أن بني إسرائيل لا يقف طغيانهم ولا بغيهم وإفسادهم عند المرتين الأوليين، بل الآية توحي بأن ذلك مستمر إلى ما شاء الله، وأن الله سيسلّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، ويبطش بهم ويردّ ظلمهم

стр. 176

وعدوانهم، قال : ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أليس في قوله هذا إنذار ووعيد لهم إلى يوم القيامة؟ بلى. ومما يُؤكّد هذا الإنذار والوعيد قوله - تعالى -: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأعراف: ١٦٧) فهل يُسلط الله عليهم اليوم من يردّ ظلمهم وبغيهم وطردهم أهل فلسطين من ديارهم واغتصاب الديار واستغلال العباد واستهانتهم بالقيم الخلقية والحقوق الإنسانية، ندعو الله ونرجوه أن يُحقّق ذلك في من يعاقبهم ويسلطه عليهم, وما ذلك على الله بعزيز، وبإمكان أمة الإسلام لو اتَّحدت كلمتها، وجمعت صفها، ورفعوا راية الإسلام والجهاد، وأخذوا الحذر والأهبة، وأعدوا العدة؛ فإن الله يمكّنهم إن شاء الله. الإسرائيليات التي وردت في قصة أصحاب الكهف إن قصة أصحاب الكهف التي سُمّيت السورة بهذا الاسم، ورد فيها من الإسرائيليات ما ورد، فمن قصص الماضيين التي أكثر المفسرين فيها من الإسرائيليات قصة أصحاب الكهف ذكرها ابن جرير وابن مردويه وغيرهما، وطبع ً االكثير من أخبار هؤلاء لا يدل له أو عليه كتاب الله، ولا يتوقف فهم القرآن وتدبره على ما أورده المفسرون من هذه الإسرائيليات. فمن ذلك ما ذكره ابن جرير في ت فسيره عن ابن إسحاق صاحب (السيرة) في قصتهم، فقد ذكر نحو ثلاث صفحات أو ورقات، ونقل عن وهب بن منبه، وابن عباس، ومجاهد أخبارًا كثيرة أخرى، وكذلك ذكر السيوطي في (الدر المنثور) الكثير مما ذكره المفسرون عن أصحاب الكهف؛ عن هويتهم، ومن

стр. 177

كانوا، وفي أي زمان، وفي أي مكان وجدوا، وتحدث عن أسمائهم، واسم كلبهم، وهو قطمير أم غيره، وعن لونه أهو أصفر أم أحمر. بل روى ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال: رجل بالكوفة يقال له: عبيد، وكان لا يُتَّهم بالكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء أنبجاني، نسبة إلى بلد اسمها أنبج تُعرف بصنع الأكسية، ولا ندري كيف كان لا يُتهم بالكذب، وما زعم كذب لا شك فيه، فهل بقي كلب أصحاب الكهف حتى يومنا هذا، أو حتى الإسلام حتى رآه هؤلاء كلام لا يُعقل. وذكروا أخبار ًا غرائب في الرقيم؛ فمن قائل: إنه قرية، وروى ذلك كعب الأحبار، ومن قائل: إنه وادٍ بفلسطين بقرية أيلة، وقيل: اسم جبل أصحاب الكهف إلى غير ذلك، مع أن الظاهر أنه كما قال كثير من السلف: إنه الكتاب أو الحجر الذي دُوِّن فيه قصتهم وأخبارهم أو غير ذلك مما لا نجزم به فالله أعلم به. وكلمة الرقيم فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مرقوم، وفي الكتاب الكريم جاء قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (المطففين: ١٩ - ٢١)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المطففين: ٨، ٩) يعني: رقيم بمعنى مفعول. وفي هذه الأخبار التي نُقلت عن الرقيم وعن أصحاب الكهف وعن صفاتهم وعددهم وأسمائهم الحق والباطل، والصدق والكذب، وفيها ما هو محتمل للصدق والكذب، ولكن فيما عندنا غُنية عنه، ولا فائدة من الاشتغال بمعرفة هذا، وتفسير القرآن الكريم به، فإن الآيات لا تحتاج إلى هذا التفسير، والأولى والأحسن أن نضرب عنه صفحنا، وقد أدبنا الله بذلك حيث قال لنبيه بعد ذكر اختلاف أهل الكتاب في عدد أصحاب الكهف قال - سبحانه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٢).

стр. 178

وغالب ذلك ما أشرنا إليه وغيره متلقى عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين لغرابته والعجب منهم. قال العلامة ابن كثير في ت فسيره: وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظرٌ في صحته، والله أعلم؛ فإن غالب ذلك تُلُقي من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: سهلًا هينًا لينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة، ولا تستفت ي فيهم منهم أحدًا؛ أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولون من تلقاء أنفسهم رجمًا بالغيب من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شكّ فيه، ولا مرية فيه، فهو المقدم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال. راجع في ذلك (تفسير ابن كثير). الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف ﵇ - أمامنا قصة عظيمة الأثر؛ وهي القصة الفريدة التي ذُكرت في صورة واحدة، فإن ما نعهده في القرآن الكريم أن أكثر قصص الأنبياء والرسل إنما ذُكر في أماكن عِدَّة، ومواقف عديدة، كل موقف يتناسب فيه ما ذُكر لأخذ العظة والعبرة، إلا قصة نبي الله ورسوله يوسف ﵇ فإن قصة يوسف إنما ذُكرت في سورة " يوسف " في موقف واحد، وجُمعت أطرافها كلها في هذه السورة المباركة. سورة يوسف ﵇ وقصته ذُكرت مجموعة في هذه السورة وحدها، ورغم ذلك فقد وردت في قصة يوسف ﵇ إسرائيليات ومرويات مختلقة مكذوبة، وأحاديث كثيرة ذُكرت في هذا الشأن مما تقدح في عصمة الأنبياء والرسل، لا سيما ما يتعلق بقوله - جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤) على الرغم من أن

стр. 179

الآيات في هذا الشأن ناطقة ببراءة يوسف وعصمته، وأنه من عباد الله المخلصين، وأن المرأة هي التي راودته كما سنتبيّن من خلال الآيات في هذا الشأن. وردت في قصة يوسف ﵇ إسرائيليات ومرويات؛ فمن ذلك ما أخرجه ابن جرير في ت فسيره والسيوطي في (الدر المنثور) وغيرهما في قوله - تعالى - في أول السورة: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤) قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في (الضعفاء)، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه؛ طبع ً اعندما يقول السيوطي: إ ن الحاكم صححه؛ يجب أن نتذكر أن تصحيح الحاكم لا يعتد به إلا إذا وافقه الشيخ الذهبي أو غيره من علماء الحديث. وروى أيضًا ابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معًا في (الدلائل) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء بستاني اليهودي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ﵇ ساجدة له؛ ما أسمائها؟ فسكت النبي ﷺ فلم يجبه بشيء، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، فبعث رسول ال ل هـ ﷺ إلى البستاني اليهودي، فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ " قال: نعم، قال: " حرفان، والطارق، والزيال، وذو الكفتا ن، وقابس، ودنان، وهدان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور". هذه الأسماء في (تفسير ابن جرير) فيها بدل حرفان جربان،، بدل دنان في وثاب، وبدل هودان في عمودان، وفي هـ بدل الف ي لق الفليق؛ يعني: أسماء مختلفة في الروايات الأخرى, بقية الحديث "رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب، قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد "، فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

стр. 180

والذي يظهر لي -والكلام لشيخنا الشيخ أب ي شهبة- أن هذا من الإسرائيليات، وأُلصقت بالنبي ﷺ زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأى كواكب بصورها لا بأسمائها، نعم رآها بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤية، ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمه وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: هذا ساقط وهو صاحب حديث حُسن يوسف وكله من الأكاذيب. وقال الإمام الذهبي في (ميزان الاعتدال): قال ابن معين: ليس بثقة؛ أي: راوي هذه الرواية التي هي مروية عنه، وهو الحكم بن ظهير، قال ابن معين عنه: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال مر ة: تركوه، وهو راوي حديث " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ". فهل مثل هذا تُعتبر روايته في مثل هذا، وبحسبه سقوطًا مقالة البخاري فيه منكر الحديث وتركوه، طبعًا لا تعتبر روايته. الإسرائيليات في الآية التي حيَّرت بعض المفسرين، وكثر الكلام فيها من الإسرائيليات, الآية هي قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلًا ولا نقلًا ما ذكره ابن جرير في ت فسيره وصاحب (الدر المنثور) وغيرهما من المفسرين في هذه الآية؛ فقد ذكروا في همّ يوسف ﵇ ما ينافي عصمة الأنبياء، وما يخجل القلم فمن تسطيره لولا أن المقام مقام بيان، وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم. فقد روى هؤلاء عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِل عن همِّ يوسف ﵇ ما بلغ؟ قال: حلَّ الهميان -يعني: السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به: يا
следующие страницы →