Полный текст (408 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وعدوانهم، قال : ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أليس في قوله هذا إنذار ووعيد لهم إلى يوم القيامة؟ بلى.
ومما يُؤكّد هذا الإنذار والوعيد قوله - تعالى -: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأعراف: ١٦٧) فهل يُسلط الله عليهم اليوم من يردّ ظلمهم وبغيهم وطردهم أهل فلسطين من ديارهم واغتصاب الديار واستغلال العباد واستهانتهم بالقيم الخلقية والحقوق الإنسانية، ندعو الله ونرجوه أن يُحقّق ذلك في من يعاقبهم ويسلطه عليهم, وما ذلك على الله بعزيز، وبإمكان أمة الإسلام لو اتَّحدت كلمتها، وجمعت صفها، ورفعوا راية الإسلام والجهاد، وأخذوا الحذر والأهبة، وأعدوا العدة؛ فإن الله يمكّنهم إن شاء الله.
الإسرائيليات التي وردت في قصة أصحاب الكهف
إن قصة أصحاب الكهف التي سُمّيت السورة بهذا الاسم، ورد فيها من الإسرائيليات ما ورد، فمن قصص الماضيين التي أكثر المفسرين فيها من الإسرائيليات قصة أصحاب الكهف ذكرها ابن جرير وابن مردويه وغيرهما، وطبع ً االكثير من أخبار هؤلاء لا يدل له أو عليه كتاب الله، ولا يتوقف فهم القرآن وتدبره على ما أورده المفسرون من هذه الإسرائيليات.
فمن ذلك ما ذكره ابن جرير في ت فسيره عن ابن إسحاق صاحب (السيرة) في قصتهم، فقد ذكر نحو ثلاث صفحات أو ورقات، ونقل عن وهب بن منبه، وابن عباس، ومجاهد أخبارًا كثيرة أخرى، وكذلك ذكر السيوطي في (الدر المنثور) الكثير مما ذكره المفسرون عن أصحاب الكهف؛ عن هويتهم، ومن
стр. 177
كانوا، وفي أي زمان، وفي أي مكان وجدوا، وتحدث عن أسمائهم، واسم كلبهم، وهو قطمير أم غيره، وعن لونه أهو أصفر أم أحمر.
بل روى ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال: رجل بالكوفة يقال له: عبيد، وكان لا يُتَّهم بالكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء أنبجاني، نسبة إلى بلد اسمها أنبج تُعرف بصنع الأكسية، ولا ندري كيف كان لا يُتهم بالكذب، وما زعم كذب لا شك فيه، فهل بقي كلب أصحاب الكهف حتى يومنا هذا، أو حتى الإسلام حتى رآه هؤلاء كلام لا يُعقل.
وذكروا أخبار ًا غرائب في الرقيم؛ فمن قائل: إنه قرية، وروى ذلك كعب الأحبار، ومن قائل: إنه وادٍ بفلسطين بقرية أيلة، وقيل: اسم جبل أصحاب الكهف إلى غير ذلك، مع أن الظاهر أنه كما قال كثير من السلف: إنه الكتاب أو الحجر الذي دُوِّن فيه قصتهم وأخبارهم أو غير ذلك مما لا نجزم به فالله أعلم به.
وكلمة الرقيم فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مرقوم، وفي الكتاب الكريم جاء قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (المطففين: ١٩ - ٢١)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المطففين: ٨، ٩) يعني: رقيم بمعنى مفعول.
وفي هذه الأخبار التي نُقلت عن الرقيم وعن أصحاب الكهف وعن صفاتهم وعددهم وأسمائهم الحق والباطل، والصدق والكذب، وفيها ما هو محتمل للصدق والكذب، ولكن فيما عندنا غُنية عنه، ولا فائدة من الاشتغال بمعرفة هذا، وتفسير القرآن الكريم به، فإن الآيات لا تحتاج إلى هذا التفسير، والأولى والأحسن أن نضرب عنه صفحنا، وقد أدبنا الله بذلك حيث قال لنبيه بعد ذكر اختلاف أهل الكتاب في عدد أصحاب الكهف قال - سبحانه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٢).
стр. 178
وغالب ذلك ما أشرنا إليه وغيره متلقى عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين لغرابته والعجب منهم.
قال العلامة ابن كثير في ت فسيره: وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظرٌ في صحته، والله أعلم؛ فإن غالب ذلك تُلُقي من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: سهلًا هينًا لينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة، ولا تستفت ي فيهم منهم أحدًا؛ أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولون من تلقاء أنفسهم رجمًا بالغيب من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شكّ فيه، ولا مرية فيه، فهو المقدم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال. راجع في ذلك (تفسير ابن كثير).
الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف ﵇ -
أمامنا قصة عظيمة الأثر؛ وهي القصة الفريدة التي ذُكرت في صورة واحدة، فإن ما نعهده في القرآن الكريم أن أكثر قصص الأنبياء والرسل إنما ذُكر في أماكن عِدَّة، ومواقف عديدة، كل موقف يتناسب فيه ما ذُكر لأخذ العظة والعبرة، إلا قصة نبي الله ورسوله يوسف ﵇ فإن قصة يوسف إنما ذُكرت في سورة " يوسف " في موقف واحد، وجُمعت أطرافها كلها في هذه السورة المباركة.
سورة يوسف ﵇ وقصته ذُكرت مجموعة في هذه السورة وحدها، ورغم ذلك فقد وردت في قصة يوسف ﵇ إسرائيليات ومرويات مختلقة مكذوبة، وأحاديث كثيرة ذُكرت في هذا الشأن مما تقدح في عصمة الأنبياء والرسل، لا سيما ما يتعلق بقوله - جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤) على الرغم من أن
стр. 179
الآيات في هذا الشأن ناطقة ببراءة يوسف وعصمته، وأنه من عباد الله المخلصين، وأن المرأة هي التي راودته كما سنتبيّن من خلال الآيات في هذا الشأن.
وردت في قصة يوسف ﵇ إسرائيليات ومرويات؛ فمن ذلك ما أخرجه ابن جرير في ت فسيره والسيوطي في (الدر المنثور) وغيرهما في قوله - تعالى - في أول السورة: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤) قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في (الضعفاء)، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه؛ طبع ً اعندما يقول السيوطي: إ ن الحاكم صححه؛ يجب أن نتذكر أن تصحيح الحاكم لا يعتد به إلا إذا وافقه الشيخ الذهبي أو غيره من علماء الحديث.
وروى أيضًا ابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معًا في (الدلائل) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء بستاني اليهودي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ﵇ ساجدة له؛ ما أسمائها؟ فسكت النبي ﷺ فلم يجبه بشيء، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، فبعث رسول ال ل هـ ﷺ إلى البستاني اليهودي، فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ " قال: نعم، قال: " حرفان، والطارق، والزيال، وذو الكفتا ن، وقابس، ودنان، وهدان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور".
هذه الأسماء في (تفسير ابن جرير) فيها بدل حرفان جربان،، بدل دنان في وثاب، وبدل هودان في عمودان، وفي هـ بدل الف ي لق الفليق؛ يعني: أسماء مختلفة في الروايات الأخرى, بقية الحديث "رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب، قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد "، فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.
стр. 180
والذي يظهر لي -والكلام لشيخنا الشيخ أب ي شهبة- أن هذا من الإسرائيليات، وأُلصقت بالنبي ﷺ زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأى كواكب بصورها لا بأسمائها، نعم رآها بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤية، ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمه وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: هذا ساقط وهو صاحب حديث حُسن يوسف وكله من الأكاذيب.
وقال الإمام الذهبي في (ميزان الاعتدال): قال ابن معين: ليس بثقة؛ أي: راوي هذه الرواية التي هي مروية عنه، وهو الحكم بن ظهير، قال ابن معين عنه: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال مر ة: تركوه، وهو راوي حديث " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ".
فهل مثل هذا تُعتبر روايته في مثل هذا، وبحسبه سقوطًا مقالة البخاري فيه منكر الحديث وتركوه، طبعًا لا تعتبر روايته.
الإسرائيليات في الآية التي حيَّرت بعض المفسرين، وكثر الكلام فيها من الإسرائيليات, الآية هي قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلًا ولا نقلًا ما ذكره ابن جرير في ت فسيره وصاحب (الدر المنثور) وغيرهما من المفسرين في هذه الآية؛ فقد ذكروا في همّ يوسف ﵇ ما ينافي عصمة الأنبياء، وما يخجل القلم فمن تسطيره لولا أن المقام مقام بيان، وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم.
فقد روى هؤلاء عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِل عن همِّ يوسف ﵇ ما بلغ؟ قال: حلَّ الهميان -يعني: السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به: يا
стр. 181
يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنا قعد ليس له ريش. ورووا مثل هذا عن علي ﵁ وعن مجاهد وعن سعيد بن جبير، معاذ الله.
ورَوَوْا أيضًا في البرهان الذي رآه، ولولاه لوقع في الفاحشة بأنه نُودي أنت مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء، وقيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط، وقيل: في سقف الحجرة، وأنه رآه عاض ًّا على إبهامه، وأنه لم يتعظ بالنداء حتى رأى أباه على هذه الحال.
بل أسرف واضع وهذه الإسرائيليات الباطلة؛ فزعموا أنه لمَّا لم يرعوِ من رؤية صورة أبيه عاضًّا على أصابعه ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله، ولأجل أن يؤيِّد هؤلاء الذين افتروا على الله ونبيه يوسف هذا الافتراء يزعمون أيضًا أن كل أبناء يعقوب قد وُلد له اثنا عشر ولدًا ما عدا يوسف، فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدًا فلم يولد له غير أحد عشر ولدًا.
بل زعموا أيضًا في تفسير البرهان فيما روي عن ابن عباس أنه رأى ثلاث آيات من كتاب الله؛ وهي قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ (الانفطار: ١٠، ١١)، وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ (يونس: ٦١)، وقوله - تعالى -: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الرعد: ٣٣).
وقيل: رأى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢).
ومن البديهي أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد ﷺ ، وإن كان الذين افتروا هذا ل ايعدمون جوابًا بأن يقولوا: رأى ما يدل على معاني هذه الآيات بلغتهم التي يعرفونها.
بل قيل في البرهان: إنه أُرِي تمثال الملك وهو العزيز، وقيل: خياله.
стр. 182
وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم التي افتجروها على الله وعلى رسله، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما، وليس أدلّ على هذا مما رُوي عن وهب بن منبه قال: لما خلا يوسف وامرأة العزيز خرجت كفٌّ بلا جسد بينهما مكتوب عليها بالعبرانية: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكفّ بينهما مكتوب عليها بالعبرانية: وإنا عليكم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون، ثم انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوب عليها: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا، وانصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة مكتوب عليها بالعبرانية: واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؛ فولى يوسف ﵇ هاربًا.
هذا الكلام في (الدر المنثور) رواه الإمام السيوطي وغيره.
وقد كان وهب أو من نقل عنه وهب ذكيًّا بارعًا حينما زعم أن ذلك كان مكتوبًا بالعبرانية، وبذلك أجاب عمَّا استشكله، ولكن مع هذا لن يجوز هذا الكذب إلا على الأغرار والسُّذَّج من أهل العلم، ولا أدري أيّ معنى يبقى للعصمة بعد أن جلس بين فخذها وخلع سرواله، وما امتناعه عن الزن ى على مروياتهم المفتراة إلا وهو مقهور مغلوب، ولو أن عربيدًا رأى سورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية؛ لكفَّ عنها وانزجر، فأي فضل ليوسف إذًا وهو نبي من سلالة أنبياء.
ويتابع شيخنا الشيخ أبو شهبه فيقول: بل أي فضل له في عدم مقارفته الفاحشة بعدما خرجت شهوته من أنامل قدميه، وما امتناعه حينئذٍ إلا قصريٌّ جبريّ، ثم ما هذا الاضطراب الفاحش في الروايات، أليس الاضطراب الذي لا يمكن
стр. 183
التوفيق بينه كهذا من العلل التي ردَّ المحدثون بسببها ال كثير من المرويات؛ لأنه أمارة من أمارات الكذب والاختلاق، والباطل لجلج، وأما الحق فهو أبلج.
ثم كيف يتفق ما حيك حول نبي الله يوسف ﵊ وقول الحق ﵎ عقب ذكر الهمّ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤)، فهل يستحق هذا الثناء من حلّ التكة وخلع السروال، وأن جلس بين رجليها إلى آخر ما ذكروه من الكذب، ولا أدري أنصدق القرآن أم نصدق كَذَبة بني إسرائيل ومخرفيهم؟! بل كيف يتفق ما روى هو وما حكاه الله عن زليخة بطلة المراودة؛ حيث قالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف: ٥١) وهو اعتراف صريح من البطلة التي أعيتها ال حي ل عن طريق التزين حينًا، والتودد إليه بمعسول القول حينًا آخر، والإرهاب والتخويف حينًا ثالثًا فلم تفلح، وقالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: ٣٢).
ثم انظر ماذا كان جواب السيد العفيف الكريم ابن الكريم ابن الكريم اين الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم صلوات الله وسلامه- قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (يوسف: ٣٣).
وقصده ﵊ بقوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنََّ﴾ تبر ؤ من الحول والطول، وأن الحول والقوة إنما هما من الله - جل وعلا - وهو سؤال منه لربه واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهنَّ، وهكذا شأن الأنبياء.
والحقيقة عندما نتأمل الآيات نجد فيها أكثر من عشرة أدلة كلها واضحة، فبعد ما مضى من قولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف: ٥١)، وقول
стр. 184
الله ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ (يوسف: ٢٤)، وقوله ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤) نرى أن الشيطان نفسه قد شهد ليوسف ﵇ في ضمن قوله كما ذكر القرآن وحكاه الله عنه بقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: ٨٢، ٨٣)، ويوسف بشهادة الحق السالفة من المخلصين.
وكذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها، هذا الشاهد كما نطقت الآية عندما قال - جل وعلا -: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف ٢٦: ٢٨)، وهذا الشاهد قيل: كان رجلًا عاقلًا حكيمًا مجربًا من خاصة الملك، وكان من أهلها، وقيل: كان صبيًّا في المهد، وكان ذلك إرهاصًا بين يدي نبي الله يوسف إكرامًا له.
على أيَّة حال نطق هذا الشاهد بالقول الفصل عندما قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾؛ أي: شُقَّ وقطع من الأمام ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ كأنه هو الذي يقدم عليها ويقبل، فدفعته ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأن قدّ القميص وشقه من الخلف معناه أنه كان يجري ويهرب منها ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ الآيات.
وقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة زليخة امرأة العزيز، فكيف تتفق كل هذه الشهادات الناصعة الصادقة، وتلك الروايات المزوّرة عن الإسرائيليات لا تتفق، وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبري، والثعلبي، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي.
стр. 185
وتعرَّف أخا الإسلام ويا طالب العالم أن هذه الكتب مع جلالة قدرها لم تسلم من سوق هذه الروايات الكثيرة الإسرائيلي ات، وقد مر بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيًا من غير أن ينبّه إلى زيفها، وهذا من المواضع التي تعدّ زلَّات لابن كثير؛ إذ ينقل هذه الإسرائيليات وهذه الروايات ولا يعقّب عليها، ولا ينص على تزييفها، مع أن ابن كثير تأخّر؛ يعني: لو كان لابن جرير الطبري المتوفى في أول القرن الرابع أو الثعلبي أو البغوي، أو هؤلاء الذين تقدمت بهم الحياة في القرون الأربعة أو الخمسة الأولى، فابن كثير الذي تُوفي في عام سبعمائة وأربع وسبعين في أواخر القرن الثامن كان حريًّا به أن يدفع هذه الأباطيل وأن ينقدها، وأن يبين زيفها.
ومن العجيب حقًّا إن الإمام ابن جرير على جلالة قدره يحاول أن يضعف في ت فسيره مذهب الخلف الذين ينفون هذا الزور والبهتان، ويفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة وقواعد الشرع، وما جاء في القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، ويعتبر هذه المرويات التي سقناها الآن هي قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم. راجع (تفسير ابن جرير).
وكذلك تابعه على مقالته هذه الثعلبي والبغوي في تفسيريهما؛ تفسير البغوي (معالم التنزيل)، والثعلبي في أيضًا (الكشف والبيان) تفسيره، وهذه المرويات الغثة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم، ويج ز م القلم والنقل باستحالتها على الأنبياء ﵈ هي التي اعتبرها الطبري ومن تبعه أقوال السلف, بل يسير في خط اعتبار هذه المرويات، فيورد على نفسه سؤالًا فيقول: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا، وهو
стр. 186
لله نبي؟ ثم أجاب بما لا طائل تحته، ولا يليق بمقام الأنبياء والمرسلين. فانتبه أخا الإسلام.
ثم نذكر أيضًا ما وقع فيه الإمام الواحدي وهو صاحب تفسير (البسيط)، و (الوسيط)، و (الوجيز)، وله قدمه الراسخة في علم التفسير إلا أنه أيضًا ذهب إلى ما ذهب إليه هؤلاء؛ فذهب الواحدي في تفسيره (البسيط) قال: قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم الآخذون للتأويل عمَّن شاهد التنزيل: هم يوسف ﵇ بهذه المرأة همًّا صحيحًا، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه؛ زالت كل شهوة منه، وهي غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة من الواحدي وغيره لا نرضاها ولا يرضاها الله ورسوله.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 187
الدرس: ١١ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٩) .
стр. 188
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (٩))
تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة يوسف ﵇ -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
لا زلنا مع نبي الله يوسف ﵇ تلك القصة التي ذُكرت مكتملة في سورة "يوسف" وفيها ما فيها من الإسرائيليات التي أوردها المفسرون في تفسيرهم، وسبق أن تكلمنا عن يوسف ﵇ وعن الآيات التي بينت أن امرأة العزيز راودته عن نفسه، وأنه كان صادقً؛ إذ لم يقترب من جانب الخط، والآيات في هذا في هذه السورة وغيرها كثيرة، فالله ﷻ يقول: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤).
وقلت: من الآيات ما يوضح براءة هذا الرسول المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه- وماذا بعد قول الله -جل وعل-: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: ٢٣).
وتتوالى الآيات ونرى الآية ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤).
ولقد شهد الشيطان نفسه من الآيات ليوسف ﵇ عندما قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: ٨٢) فيوسف من عباد الله المخلصين.
والآيات على لسان هذه المرأة بطلة المراودة عندما تقول: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ولما استبقا الباب وصل يوسف إلى الباب يهرب منها؛ فعند ذلك وجده الملك وعندها جاء شاهد ليشهد في القضية ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ﴾ ٢٩).
стр. 189
والآيات كثيرة فهي أيضًا تقول: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف: ٥١).
ثم ننتقل بعد ذلك إلى قوله -جل وعل-: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (يوسف: ٥٢) وفيها إسرائيليات كثيرة وردت، وقبلها نذكر ما ذكره المفسرون أيضًا إذ يقولون: إن يوسف هم بهذه المرأة هما صحيحًا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه.
هذا كلام لا يقبله العقل ويقدح في عصمه الأنبياء، ومن هنا نستكمل ما بدأناه، يقول علماؤن؛ يقول الدكتور محمد أبو شهبة، والعلماء ذوي البصيرة يقولون: إن هذا الكلام فيه غفلة شديدة من الأئمة الذين ذكروا هذا الكلام، وهذا كلام لا نرضاه، ولولا أننا ننزه ألسنتنا وأقلامنا عن الهُجر من القول، وأنهم خلطوا في مؤلفاتهم عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ لقسونا عليهم في الحكم على نقلهم لهذا الكلام، فنسأل الله لنا ولهم العفو والمغفرة.
يقول شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة: وهذه الأقوال التي أسرف في ذكرها هؤلاء المفسرون؛ إما إسرائيليات وخرافات وضعها زنادقة أهل الكتاب القدماء الذين أرادوا بها النيل من الأنبياء والمرسلين، ثم حملها معهم أهل الكتاب الذين أسلموا وتلاقها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية أو اعتمادًا على ظهور كذبها وزيفه، وإما أن تكون مدسوسة على هؤلاء الأئمة دسّها عليهم أعداء الأديان كي تروج تحت هذا الستار، وبذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد وتعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصيلة الصحيحة؛ وهذا ما نميل إليه.
ننتقل إلى الفرية الأخرى على سيدنا يوسف؛ وهي ما ذكروه في قوله -جل وعل-: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فلكي يؤيدوا باطلهم الذي ذكر فيما
стр. 190
مضي رواه عن الصحابة والتابعين ما لا يليق بمقام الأنبياء، واختلقوا على النبي -صلي الله عليه وسلم- زورًا، وقوّلوه ما لم يقله؛ قال صاحب (الدُّر) وأخرجه الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في (شُعب الإيمان) عن ابن عباس ﵄ قال: لما جمع الملك النِّسوة قال لهن: انتن ﴿رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (يوسف: ٥١)، قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فغمزه جبريل ﵇ فقال: ولا حين هممت به، قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: ٥٣) هذا كلام لا يقبل لا عقلًا ولا شرعًا؛ وانظر إلى كلام النسوة: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (يوسف: ٥١)، وانظر اعتراف المرأة صاحبة القصة ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ -أي: ظهر- ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
أما نسبه هذا القول: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ نسبته إلى يوسف وما زادوه من أنّ جبريل جاءه وكلمه، وقال: ولا حين هممت به، هذا كلام مدسوسٌ يَقينًا. أخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد، والسُدي مثل هذا الكلام.
وأخرج الحاكم في (تاريخه) وابن مردويه والديلمي عن أنس ﵁ أنّ رَسول الله -صلي الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال: "لما قال يوسف ذلك قال له جبريل ﵇: ولا يوم هممت بما هممت به؛ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ".
قال: وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر في نفس الآية قال جبريل: "ولا حين حللت السراويل" إلى
стр. 191
غير ذلك من المرويات المكذوبة يقينًا والإسرائيليات الباطلة التي خرجها بعض المفسرين الذين كان منهجهم ذكر المرويات، وجمع أكبر قدر منها سواء منها ما صح وما لا يصح، والإخباريون الذين لا تحقيق عندهم للمرويات، وليس أدل على ذلك من أنها لم يخرجها أحدٌ من أهل الكتب الصحيحة، ولا أصحاب الكتب المعتمدة الذين يرجع إليهم في مثل هذا.
يقول شيخنا دكتور محمد أبو شهبة: وقد فات هؤلاء الدساسين الكذابين أن قوله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ليس من مقالة سيدنا يوسف ﵇ وإنما هو من مقالة امرأة العزيز وهو ما يتفق وسياق الآية؛ ذلك أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ﴿قَالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (يوسف: ٥٠) فأحضر النّسوة وسألهن، وشهدن ببراءة يوسف فلم تجد امرأة العزيز بدًّا من الاعتراف فقالت: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: ٥١ - ٥٣).
فكل ذلك من قولها، ولم يكن يوسف حاضرًا ثَمّ -أي: هناك- بل كان في السجن؛ فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك في مجلس التحقيق الذي عقده العزيز.
وقد انتصر لهذا الرأي الذي يتلاءم مع السياق والسباق شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، وألف في ذلك تصنيفًا مستقلا على حده.
قال الإمام الحافظ المفسر ابن كثير في تفسيره: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ تقول إنما اعترفت بهذا على نفسها، أو إنما اعترفت بهذا علي نفسي؛ ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحظور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع؛ فلهذا اعترفت ليعلم أني برئيه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي؛ فإن النفس
стр. 192
تتحدث وتتمنى ولهذا راودته ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي: إلا من عصمه الله ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀ فأفرضه بتصنيف على حدة، هذا كلام العلامة ابن كثير.
وبعد أن ذكر بعض ما ذكره ابن جرير الذي ذكرناه آنفًا عن ابن عباس وتلاميذه وغيره، قال: والقول الأول أقوى وأظهر وهو قول ابن عباس الذي يؤيد ما انتصر له الإمام ابن تيمة؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.
ننتقل بعد ذلك إلى التفسير الصحيح لهذه الآية التي ذل فيها كثيرون؛ وهى قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ (يوسف: ٢٤).
يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة والعلماء ذوي البصيرة: والصحيح في تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبّه﴾ أنّ الكلام تم عند قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ وليس من شك في أن همها كان بقصد الفاحشة ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبّه﴾ الكلام من قبيل التقديم والتأخير، والتقدير: "ولولا أن رَأَى برْهان ربه لهم بها" وقوله -تعالى-: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ هذا جواب لولا مقدم عليه، ومعروف في اللغة العربية أنّ "لول" حرف امتناع لوجود؛ أي: امتناع الجواب لوجود الشرط؛ فامتنع الهم لوجود البرهان؛ أي: فيكون الهم ممتنعا لوجود البرهان الذي ركزه الله في فطرته، والمقدم إما الجواب أو دليله؛ على الخلاف في هذا بين النحويين.
стр. 193
لكن هنا نسأل: ما المراد بالبرهان الذي رآه؟ المراد هو حجة الله الباهرة الدالة على قبح الزنى، وهو شيء مركوز في فطر الأنبياء، ومعرفه ذلك عندهم وصل إلى عين اليقين، وهو ما نعبر عنه بالعصمة؛ فهذا البرهان هو الفطرة النقية والقلب السليم والإخلاص الذي ركزه رب العالمين في قلوب الأنبياء، والعصمة هي التي تحولُ بين الأنبياء والمرسلين وبين وقوعهم في المعصية.
ويرحم الله الإمام جعفر بن محمد الصادق ﵄ حيث قال: البرهان النبوة التي أودعها الله في صدره حالت بينه وبين ما يُسخط الله وهذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء، ويدعو إليه السابق واللاحق.
وأما كون جواب "لول" لا يجوز أن يتقدم عليها؛ فهذا أمر ليس ذا خطر حتى نعدل عن هذا الرأي الصواب إلى التفسيرات الأخرى الباطلة لهمّ يوسف ﵇ والقرآن هو أصل اللغة؛ فورود أي أسلوب في القرآن يكفي في كونه أسلوبًا عربيًّا فصيحًا، وفي تأصيل أي قاعدة من القواعد النحوية؛ أي: إن كلمات القرآن ولغة القرآن يُقعّد منها، ولا يُقعد عليها؛ فلا يجوزُ لأجل الأخذ بقاعدة نحوية أن نقع في محظورٍ لا يليق بالأنبياء كهذا، وخاصة أن قواعد النحو قواعد أغلبية وليست مجمع عليها من جميع العرب.
وقد قال الإمام الألوسي في تفسيره في الرد على المُبرد في تشنيعه على قراءة حمزة -هذا في موضع آخر- وحمزة أحد القراء السبعة فله قراءة في قوله: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" (النساء: ١) بجر لفظ "الأرحام" عطفًا على الضمير المجرور من غير إعادة حرف الجر، وحمزة أحد القراء السبعة الذين قالوا أساطين الدين: إنّ قراءتهم متواترة عن رسول الله ﷺ ومع هذا لم يقرأ به وحده، بل قرأ به جماعه من غير السبعة؛ كابن مسعود وابن عباس والنخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد وغيرهم كما نقله ابن يعيش.
стр. 194
فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة والبشاعة، وربما يُخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين، ولسنا متعبدين باتباعهم، وقد أطال أبو حيان في (البحر) الكلام في الرد عليهم، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصحيح ما ذهب إليه الكوفيين من الجواز.
وورد ذلك في (لسان العرب) نثرًا ونظمًا وإلى ذلك ذهب العلامة ابن مالك.
وقيل: إن ما حصل من هَمّ يوسف كان خَطرةً وحديث نفس بمقتضى الفطرة البشرية، ولم يستقر ولم يظهر له أثر؛ قال البغوي في تفسيره: قال بعض أهل الحقائق: الهمُ همان؛ همُ ثابتً: وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضى، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به. وهمُ عارضً: وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل هم يوسف ﵇ والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم به ويعمل، هكذا قال البغوي.
وقيل: همت به هم شهوة وقصد للفاحشة، وهم هو بضربه، يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: ولا أدري كيف يتفق هذا القول وقوله -تعالي-: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾.
مما أذكر أيضًا أن القول بأن هَمّ يوسف كان بضربها ودفعها قال به كثيرٌ من المفسرين، وسواء كان يتوافق ولا يتوافق؛ ففيه تنزيه لساحته، لكن الحق ما سبق إليه القول؛ وهو أن جواب "لول" فيه تقديم وتأخير فلولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فيكون الهمُّ ممتنعًا ولم يقع منه لوجود البرهان، وهو الذي ركزه الله في فطرة الأنبياء والمرسلين من نقاء القلب والعصمة الواجبة لهم.
стр. 195
فنقول: القول الجزل هو هذا الرأي الذي نستريح إليه، والسر في إظهاره في هذا الأسلوب والله أعلم تصوير المشهد المثير المغري العرم الذي هيئته امرأة العزيز لنبي الله يوسف، وأنه لولا عصمة الله له، وفطرته النبوية الذكية لكانت الاستجابة له، والهَمُّ بِهَا أمرًا مُحققًا، وفى هذا تكريمُ ليوسف وشهادة له بالعفة البالغة والطهارة الفائقة.
ننتقل بعد ذلك إلى ما ورد في لُبث يوسف ﵇ في السجن ولعلها المشهد الأخير الذي نروي فيه ما ساقه المفسرون.
فمن الإسرائيليات ما يذكره بعضُ المُفَسّرين في مدة سجن يوسف -علية السلام- وفي سبب لُبثه ومُكثه في السجن بضع سنين، وذلك عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (يوسف: ٤٢) فقد ذكر ابن جرير والثعلبي والبغوي وغيرهم أقوالًا كثيرة في هذا، فقد قال وهب بن مُنبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب "بختنصر" فحول في السباع سبع سنين.
والحقيقة يعلق الشيخ أبو شهبة لا أدري ما المناسبة بين نبي الله وبين "بختنصر" الذي أذل اليهود وسباهم.
على كل حال؛ وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلًا لأطيلنّ حبسك؛ فبكى يوسف، وقال: يا ربّ، أنسى قلبي كثرة البلوى؛ فقلت كلمة ولن أعود.
وقال الحسن البصري: دخل جبريل ﵇ على يوسف في السجن، فلما رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخ المنذرين، أني أراك بين الخاطئين، فقال له جبريل:
стр. 196
يا طاهر، يا بن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استشفعت بالآدميين فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين، فقال يوسف: وهو في ذلك عني راضٍ؟ قال: نعم، قال: إذًا لا أبالي.
وقال كعب الأحبار: قال جبريل ليوسف: إن الله -تعالى- يقول: من خلقك؟ قال: الله ، قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر، قال: الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤي؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ فلما انقضت سبع سنين قال الكلبي: وهذه السبع سوى الخمسة التي قبل ذلك.
يعلق شيخنا الشيخ أبو شهبة فيقول: بعض المفسرين لا يكتفي بالسبع، بل يضم إليها خمسًا قبل ذلك، ولا أدري ما مستنده في هذا، وظاهر القرآن لا يشهد له؛ فلو كان كذلك لصرح به القرآن أو لأشار إليه؛ فلما انقضت السنين جاءه الفرج من الله؛ فرأى الملك ما رأى من الرؤيا العجيبة، وعجز الملأ عن تفسيره؛ تذكر الساقي يوسف وصِدْق تعبيره للرؤى فذهب إلى يوسف، فعبرها له خير تعبير فكان ذلك سبب نجاته من السجن، وقول امرأة العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وأغلب الظن عندي أنّ هذا من الإسرائيليات، هذا كلام علمائن؛ يقول الدكتور محمد أبو شهبة: وهذا من الإسرائيليات؛ فقد صورت سجن يوسف على أنه عقوبة من الله؛ لأجل الكلمة التي قالها، مع أنه ﵇ لم يقل هجرًا ولا منكرًا؛ فالأخذ في أسباب النجاة العادية، وفي أسباب إظهار البراءة والحق لا ينافي قط التوكل على الله -تعالى- والبلاء للأنبياء ليس عقوبة، وإنما هو لرفع درجاتهم؛ وليكونوا أسوة وقدوة لغيرهم في باب الابتلاء.
стр. 197
وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل فالأمثل))، وقد روى أبن جرير هاهنا حديثًا مرفوعًا؛ فقال: حَدّثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم ابن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، قال: قال النبي -صلي الله عليه وسلم-: "لو لم يقل -يعني: يوسف- الكلمة التي قالها ما لبث في السجن طول ما لبث؛ حيث يبتغي الفرج من عند غير الله" ولو أن هذا الحديث كان صحيحًا أو حسنًا؛ لكان للمتمسكين بمثل هذه الإسرائيليات التي أظهرت سيدنا يوسف بمظهر الرجل المذنب المدان وجهة؛ ولكن الحديث شديد الضعف، كما قال علماؤنا: لا يجوز الاحتجاج به أبدًا، وهذا قول شيخنا الدكتور محمد أبي شهبة.
قال الإمام الحافظ الناقد ابن كثير: وهذا الحديث ضعيف جدًّ؛ أي لا يحتج به، لا في الأحكام ولا في الفضائل؛ فما بالك في مثل هذا؛ لأن سيفان بن وكيع الراوي عنه ابن جرير ضعيف، وإبراهيم بن يزيد أضعف منه أيضًا، وقد روى عن الحسن وقتادة مرسلً؛ روي الحديث مرسلًا عن كل منهما، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل، لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم، طبعًا لا يحتج به.
وقد تكلف بعض المفسرين بالإجابة عما يدل عليه هذا الحديث وحاله كما سمعت، بل تكلف بعضهم؛ فجعل الضمير فيه ﴿فَأَنْسَاهُ﴾، جعل الضمير ليوسف وهو غير صحيح، والذي يجب أن نعتقده أن يوسف ﵇ مكث في السجن كما قال الله -تعالى- بضع سنين، وكلمه البضع من الثلاث إلى التسع أو إلى العشرة بغير تحديد بالمدة؛ فجائز أن تكون سبعة، وجائز أن تكون تسعًا، وجائز أن تكون خمسًا، ما دام ليس هناك نقل صحيح عن المعصوم ﷺ وكذلك
стр. 198
نعتقد أنه لم يكن السجن عقوبة على كلمة، وإنما هو بلاء ورفعة درجة، ثم كيف يتفق هذا الحديث الضعيف، وما روي عن النبي ﷺ في (الصحيحين)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)) وفى لفظ للأمام أحمد: ((لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر)).
الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
ومن الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون عند الآيات عند قوله -تعالى-: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: ١١٢ - ١١٥).
اختلف العلماء في المائدة أنزلت أم لا؟ وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على نزولها، وهذا هو ظاهر القرآن؛ فقد وعد الله -سبحانه- ووعده محقق لا محالة في قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.
وذهب الحسن ومجاهد إلى أنها لم تنزل؛ وذلك لأن الله -سبحانه- لما توعدهم على كفرهم بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحد؛ خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا: لا نرُيدها فلم تنزل، ولا ندري ما الحامل لهم على هذا، وقد أحيطت المائدة كما قال شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة: أحيطت المائدة بأخبار
стр. 199
كثيرة، أغلب الظن أنها من الإسرائيليات، ورويت عن وهب ابن منبه وكعب الأحبار وسَلمان وابن عباس ومقاتل والكلبي وعطاء وغيرهم، بل رووا في ذلك حديثًا عن عمار بن ياسر، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: "إنها نزلت خبزًا ولحمً، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد" وفي رواية بزيادة "ولا يخبئوا" فخانوا وادخروا ورفعوا لغد؛ فمسخوا قردة وخنازير.
ورفع مثل هذا إلى النبي ﷺ غلط ووهم من أحد الرواة على ما أرجح؛ فقد روى هذا ابن جرير في تفسيره مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح، وقد نص على أن المرفوع لا أصل له الإمام أبو عيسى الترمذي، فقال بعد أن روى الروايات المرفوعة: هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، وبعد أن ذكر رواية موقوفة عن أبي هريرة، قال: "وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلًا". انظر (سنن الترمذي) في كتاب التفسير باب سورة "المائدة".
وقد اختلفت المرويات في هذ؛ فروى العوفي عن ابن عباس أنها -أي: المائدة- خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا، إذا شاءو، وقال عكرمة، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأريغفة، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أُنزلت على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، وقال كعب الأحبار: نزلت المائدة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام إلا اللحم، وقال وهب ابن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل؛ فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة فأكلوا ما شاءوا من دروب شتى؛ فكان يقعد عليها أربعة آلاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء الله -
стр. 200
وقال وهب أيضًا: نزل عليهم أقرصة من شعير، وأحوات -جمع حوت أي سمك- وحشى الله بين أضعافهن البركة؛ فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون حتى أكل جميعهم وأفضلوا، وهكذا لم يتفق الرواة على شيء مما يدل على أنها إسرائيليات مبتدعة، وليس مرجعها إلى المعصوم ﷺ والحق أبلج والباطل لجلج لا يتفق عليه غالبًا.
وسنكتفي بذكر الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده)، عن وهب ابن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي ﵁ وخلاصته: أن الحوارين لما سألوا عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك؛ خشية أن تنزل عليهم؛ فلا يؤمنوا بها؛ فيكون فيها هلاكهم، فلما أبوا إلا أن يدعو لهم الله لكي تنزل دعا الله؛ فاستجاب له؛ فأنزل الله -تعالى- سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منضدة من السماء، تهوي إليهم وعيسى ﵇ يبكي خوفًا من الشرط التي اتخذ عليهم فيها، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يديه، والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا رائحة مثلها قط، وخرّ عيسى ﵊ والحواريون سجدًا شكرًا لله تعالى.
وأقبل اليهود ينظرون إليهم فرأوا ما يغمهم ثم انصرفو، فأقبل عيسى ﵇ ومن معه ينظرونها؛ فإذا هي مغطاة بمنديل، قال ﵇ من أجرؤنا على كشفه وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاءً عند ربه حتى نراها ونحمد ربنا ونأكل من رزقه الذي رزقنا؛ فقالوا: يا روح الله وكلمته، أنت أولى بذلك فقام واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه وصلى ركعات ثم بكى طويلًا ودعا الله -تعالى- أن يأذن له في الكشف عنه، ويجعل لها وقومه فيها بركة ورزقًا ثم انصرف وجلس حول السفرة وتناول المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عنها؛ فإذا
стр. 201
عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير -أي: قشر- وليس في جوفها شوك يسيل السمن منها -أي: الدهن- قد نُضض حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعلى رأسها خل وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، وفي رواية: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد -قديد: يعني لحم مجفف.
فقال شمعون -رأس الحواريين- لعيسى: يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية؛ فقال له شمعون: لا، وإله إسرائيل ما أردت بهذا سؤالًا يا بن الصديقة، فقال عيسى ﵇: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهر، فقالوا: يا روح الله وكلمته إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية، فقال ﵇: سبحان الله -تعالى- أما اكتفيتم؟ ثم قال: يا سمكة، عودي بإذن الله -تعالى- حية كما كنت؛ فأحياها الله وعادت حية طرية، يا سمكة، عودي بإذن الله -تعالى- كما كنت مشوية فعادت، ثم دعاهم إلى الأكل فامتنعوا حتى يكون هو البادئ فأبى، ثم دعا لها الفقراء والزمنى -أي: كبار السن- وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم واحمدوا الله -تعالى- الذي أنزلها لكم؛ فيكون مهنئوها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم بسم الله -تعالى- واختتموه بحمد الله ففعلو، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ.
стр. 202
ونظر عيسى والحواريون؛ فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منه، وبرئ كل زمن أكل منه، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات.
يعلق على هذه القصة فيقول: هذا مما يضعف القصة ويدل على الاختلاق، وإلا فكيف يطلبونها ثم يمتنعون عن الأكل؛ لأن عيسى لم يبدأ به تعليق على كلام هذه القصة، وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبل إليها بنو إسرائيل يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضًا؛ فلما رأى ذلك جعلها نوبًا تنزل يومًا ولا تنزل يومً، ومكثوا على ذلك أربعين يومًا تنزل عليهم غبًّا عند ارتفاع النهار، فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا -أي: جلسوا في وقت القيلولة وسط النهار- ارتفعت عنهم إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم.
هناك تعليق على هذ؛ فالقرآن الكريم يدل دلالة واضحة على أن المائدة لم تنزل إلا مرة واحدة، وهذا الكلام يدل على تكرار نزولها، وهذا أيضًا يدل على اختلاف تفاصيل القصة، وهذا واضح أنها من تزايدات بني إسرائيل.
بقية الكلام: فأوحى الله -تعالى- إلى عيسى ﵊ أن اجعل رزق لليتامى والمساكين والزمنى دون الأغنياء من الناس؛ فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وساوسه في قلوب المرتابين؛ فلما علم عيسى ذلك منهم قال: هلكتم وإله المسيح، سألتم نبيكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم؛ فلما فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا وأراكم فيها
стр. 203
الآيات والعبر؛ كذبتم بها وشككتم فيها؛ فأبشروا بالعذاب؛ فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله -تعالى.
وأوحى الله -تعالى- إلى عيسى ﵇: إني آخذ المكذبين بشرطي؛ فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين؛ فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين؛ فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير؛ فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات.
قال العلامة ابن كثير في تفسيره بعد ذكره: هذا أثر غريب جدًّ؛ ما معني غريب؟ الغريب ما تفرد به رواته في كل السند أو بعضه، ومنه الصحيح، ومنه غير الصحيح وهو الغالب والكثير. هذا أثر غريب جدًّا قطعه ابن أبي حاتم من مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم وأكمل والله أعلم. هذا كلام العلامة ابن كثير.
أقول -شيخنا الشيخ أبو شهبة-: ومن هذه الروايات الغريبة دخل البلاء على الإسلام والمسلمين؛ لأن غالبها لا يصح؛ ولذلك قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء.
وقال الإمام مالك ﵁: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.
وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من هاهنا وهاهنا -يعني المشهور الذي رواه الكثيرون- رواها البيهقي في (المدخل).
وروي عن الزهري أنه قال: ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرِف وتواطأت عليه الألسن. انظر في هذا (تدريب الراوي) للإمام السيوطي.
стр. 204
ويقول شيخنا: وأحب أن أنبه إلى أن أصل القصة ثابت بالقرآن الذي لا شك فيه، وإنما موضع الشك في كل هذه التزايدات التي هي من الإسرائيليات.
وقد ذكر المفسرون جميعًا كل ما يدور حول قصة المائدة، وإن اختلفوا في ذلك قلة وكثرة؛ انظر (تفسير ابن جرير) عند هذه الآيات و (الدر المنثور)، والزمخشري والفخر الرازي، و (تفسير أبي السعود) وحتى ابن كثير والبغوي والألوسي والقرطبي، ذكروا كل هذه القصة، إلا أنّ الإمام القرطبي قال: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده.
ولا زلنا نتابع قبل أن نتبين التفسير الصحيح للآيات؛ فنتابع يقول شيخنا: وأحب أن أنبه إلى أن أصل القصة ثابت، والمفسرون جميعًا قد ذكروا كل ما يدور حول قصة المائدة، وإن اختلفوا في ذلك قلة وكثرة، والعجب أن أحد لم ينبه على أصل هذه المرويات -هذا كلام شيخنا الدكتور محمد أبي شهبة- أن أحد لم ينبه على أصل هذه المرويات، والمنبع الذي نبعت منه حتى الإمامين الجليلين ابن كثير والألوسي وهما من العلماء الأثبات النقاد، وإن كان ابن كثير قد أشار من طرف خفي إلى عدم صحة معظم ما روي، ولعلهم اعتبروا ذلك مما يباح روايته، ويحتمل الصدق والكذب؛ فذكروه من غير إنكار له، وكان عليهم أن ينزهوا التفسير عن هذا وأمثاله. هذا كلام شيخنا.
وقد شكك في القصة الطويلة التي اختصرناها الإمام القرطبي شكك فيها؛ فقال: قلت: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده. ثم عرض بعد لما روي مرفوعًا وموقوفًا، وذكر ما قاله الإمام الترمذي من أن الموقوف أصح، وأن المرفوع لا أصل له.
وصلي الله على سيدنا محمد، وعلي اّله وصحبه وسلم
стр. 205
الدرس: ١٢ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٠) .
стр. 206
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٠))
تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة المائدة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
التفسير الصحيح للآيات:
الآيات في هذا هي قول الله -جل وعلا -: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ (المائدة: ١١٢).
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، وهو مفعول لفعل محذوف والتقدير: اذكر يا محمد -صلى الله عليك وسلم- ما حدث في هذا الزمان البعيد؛ لكي يكون دليلًا على صدق نبوتك؛ فما كنت معهم، ولا صاحبت أهل الكتاب، ولم تكن قارئًا ولا كاتبًا؛ فمعرفتك بهذه القصة دليل على أنك تلقيتها من الوحي من ربك.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ الحواريون جمع حواري: وهم المخلصون الأصفياء من أتباع عيسى ﵇ ويطلق أيضًا على الأصحاب المخلصين من أتباع الأنبياء، وفي الحديث الصحيح: ((لكل نبي حواري، وحواريي الزبير)) أي: ابن العوام.
و" المائدة ": هي الخوان الذي عليه الطعام؛ فإن لم يكن عليها طعام؛ فهو خوان.
و"السماء" ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنْ السَّمَاءِ﴾ هي السماء المعروفة، أو المراد بها جهة العلو فإنها قد تطلق ويراد بها كل ما علا.
والاستفهام في هذه الآية: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ليس المراد هو أصل الاستطاعة وأنهم ما كانوا يعلمون هذا؛ لأن السائلين كانوا مؤمنين عارفين عالمين بالله وصفاته؛ بل في أعلى درجات هذه الصفات؛ وإنما المراد بالسؤال: الإنزال بالفعل؛ يعني: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة، المعنى: هل ينزل علينا
стр. 207
ربك مائدة؟ فالسؤال لا يراد منه السؤال عن أصل الاستطاعة؛ إنما المراد إنزال الشيء بالفعل، من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى: هل يجيبنا ربك يا نبينا عيسى إلى ذلك أم لا؟.
وقال بعض العلماء: ليس ذلك بشك في الاستطاعة؛ وإنما هو تلطف في السؤال وأدب مع الله تعالى بهذه الصيغة المهذبة؛ كقول الرجل لآخر: هل تستطيع أن تعينني على كذا وكذا؟ -وهو يعلم أنه يستطيع.
وأما قول من قال: إنه من قول من كان مع الحواريين، فبعيد؛ لخروجه عن ظاهر الآية؛ ولا سيما أن تفسير الآية مستقيم غاية الاستقامة على ما ذكرنا وما يعرف في قواعد اللغة.
وهذا السؤال إما لفقرهم وحاجتهم، وإما لتعرف فضل نبيهم عيسى ﵇ وفضلهم وكرامتهم عند ربهم.
وأما ما روي أن عيسى أمرهم بصيام ثلاثين يومًا ثم ليسألوا ربهم ما يشاءون؛ فصاموا وسألوا؛ فهذا كلام لسنا منه على يقين.
بقية الآية: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ١١٢) ليس هذا شكًّا في إيمانهم؛ وإنما هو أسلوب معهود حملًا على التقوى؛ كما قال تعالى في حق المؤمنين الصادقين من هذه الأمة المحمدية: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ (الأنفال: ١) والمعنى: اتقوا الله ولا تسألوه؛ فعسى أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق، أو اتقوا الله ودعوا كثرة السؤال؛ فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عند اقتراح الآيات؛ لأن الله إنما يفعل الأصلح لعباده.
﴿إِنْ كُنتُمْ مُّؤْمِنِين﴾ أي: من أهل الإيمان بالله ورسله؛ ولا سيما أنه سبحانه آتاكم من الآيات ما فيه غنية عن غيره.
стр. 208
﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾ (المائدة: ١١٣) بدءوا بالغذاء المادي، ثم ثنوا بالغذاء الروحي، فقالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ (المائدة: ١١٣) وهو مثل قول الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: ٢٦٠).
بقية الآية: ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (المائدة: ١١٣)؛ أي نزداد علمًا ويقينًا بصدقك وحقيقة رسالتك ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِين﴾ (المائدة: ١١٣)؛ أي: المقرين المعترفين لله بالوحدانية ولك بالنبوة والرسالة، أو نكون عليها من الشاهدين عليها لمن لم يرها ويعاينها.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا﴾ (المائدة: ١١٤) العيد: يوم الفرح والسرور، ﴿لِأَوَّلِنَا﴾: لأول أمتنا، ﴿وَآَخِرِنَا﴾: آخر أمتنا أو لنا ولمن بعدنا، ﴿وَآيَةً مِّنكَ﴾؛ أي: دليلًا وحجة على قدرتك على كل شيء، وعلى إجابتك لدعوتي؛ فيصدقوني فيما أبلغه عنك. ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: من عندك رزقًا هنيئًا لا كلفة فيه ولا تعب، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وأنت خير من أعطى ورزق؛ لأنك الغني الحميد.
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: ١٥)؛ أي: يُكذِّب بها من أمتك يا عيسى وعاندها؛ فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من عالم زمانكم، وهذا على سبيل الوعيد لهم والتهديد، وليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا، ولا على أن غيرهم قد كفر بها، ولا على أنهم استعفوا من نزول المائدة؛ وإنما الذي دعا بعض المفسرين إلى هذه الأقوال ما سمعتَ من الروايات الإسرائيلية وما ذكرناه، وها نحن -والحمد لله- فسرنا الآيات تفسيرًا صحيحًا من غير حاجة إلى ما روي ونقل من الإسرائيليات؛
стр. 209
مما يدل دلالة قاطعة على أن مفسر القرآن في غنية عن الإسرائيليات التي شوهت جمال القرآن الكريم.
الإسرائيليات التي وردت في قصة "بلقيس"، وما حدث لنبي الله سليمان ﵇ -
ننتقل بعد ذلك إلى ما نقل في قصة ملكة سبأ وما حدث لنبي الله سليمان ﵇ استكمالًا لما قد مضى في شأن سليمان والهدهد وما جرى، والآيات لسليمان ذكرت في أكثر من موضع، وفي كل موضع ذكر المفسرون بعض الإسرائيليات، وها نحن الآن أمام قول الله -جل وعلا- في قصة بلقيس ملكة سبأ في الآيات؛ وهي قوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (النمل: ٤٤).
ذكر ابن جرير والثعلبي والبغوي والخازن وغيرهم أن سليمان أراد أن يتزوجها، فقيل له: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين، فأمرهم فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة؛ فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لتخوضه؛ فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدمًا وساقًا إلا أنها كانت شعراء الساقين؛ فكره ذلك؛ فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى - أي: الآلة الصغيرة التي تزيل الشعر، فقالت بلقيس: لم تمسني حديدة قط، وكره سليمان ذلك خشية أن تقطع ساقيها، فسأل الجن؛ فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين؛ فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء؛ فاتخذوا لها النورة - مادة يزال بها الشعر - والحمام؛ فكانت النورة والحمام من يومئذٍ.
стр. 210
وقد روي هذا عن ابن عباس ﵁ ا - ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والسدي وابن جريج وغيرهم، وروى أيضًا أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين، قالت له: أريد ماء ليس من أرض ولا من سماء؛ فسأل سليمان الإنس ثم الجن ثم الشياطين؛ فقالت الشياطين: هذا هين أجري الخيل ثم خذ عرقها ثم املأ منه الآنية؛ فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ العرق، فملأ منه الآنية، فسألته عن لون الله فوثب سليمان عن سريره وفزع من السؤال، وقال: لقد سألتني يا رب عن أمرٍ إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، ولكن الله أنساه وأنساهم ما سألته عنه، وأن الشياطين خافوا لو تزوجها سليمان وجاءت بولد أن يبقوا في عبوديته؛ فصنعوا له هذا الصرح الممرد فظنته ماءً؛ فكشفت عن ساقيها لتعبره؛ فإذا هي شعراء؛ فاستشارهم سليمان: ما يذهبه؟ فجعلت له الشياطين النورة.
هذا كلام طبعًا فيه كذب ظاهر؛ كأن النورة والحمام لم يكونا إلا لها، وكأن سليمان ﵇ لم يكن له هم إلا إزالة شعر ساقيها، وهو تجنٍّ وكذب صارخ على الأنبياء، وإظهار الأنبياء بمظهر المتهالك على النساء ومحاسنهم، قبح الله اليهود هم وراء ذلك.
كلمة "الصرح": صنعوا له هذا الصرح: هو القصر المشيد المحكم البناء، المرتفع في السماء.
و"الممرد"، أي: الناعم الأملس، والقوارير هنا: هي الزجاج الصافي النقي.
يقول لنا شيخنا الشيخ أبو شهبة -معلقًا على هذا الكلام وناقلًا عن العلامة ابن كثير في (تفسيره) -: قال ابن كثير -بعد أن ذكر بعض المرويات-: والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم؛ كرواية كعب ووهب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من
стр. 211
الأوابد؛ أي: الأمور المشكلة البعيدة المعاني مأخوذة من كلمة: "آبدة" وهي النافرة من الوحش التي يستعصى أخذها.
هي من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله عن ذلك بما هو أصح من هـ وأنفع وأوضح وأبلغ -ولله الحمد والمنة.
أما التفسير الصحيح لبناء الصرح؛ فالحق أن سليمان ﵊ أراد ببناء الصرح أن يريَهَا عظمةَ ملكه وسلطانه، وأن الله أعطاه من الملك ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطِها؛ فضلًا عن النبوة التي هي فوق الملك، والتي دونها أية نعمة من النعم، وحاشا لسليمان ﵇ وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكمًا يوافق حكم الله فأوتيه، حاشاه أن يتحايل هذا التحايل حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه: وهما ساقاها، وهو أجل من ذلك وأسمى.
ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين والخلق الرفيع لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس وأسلمت مع سلمان لله رب العالمين، هذا ما يتعلق بالصرح.
أما ما يروى في الهدية: التي وردت في قوله -جل وعلا- على لسانها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: ٣٥) فقد ورد فيها أيضًا إسرائيليات ولا نطيل فيها القول.
فمن الإسرائيليات ما ذكره كثير من المفسرين كابن جرير والثعلبي والبغوي وصاحب "الدر" في الهدية التي أرسلتها بلقيس إلى سيدنا سليمان -عليه الصلاة السلام- وإليك ما ذكره البغوي في (تفسيره) عند هذه الآية: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾:
стр. 212
قال البغوي: فأهدت إليه وصفاء ووصائف - أي: خدم من الرجال ومن النساء - قال ابن عباس: ألبستهم لباسًا واحدًا كي لا يعرف الذكر من الأنثى، وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري، وألبست الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم؛ فقال ابن عباس: مائة وصيف -أي: خادم- ومائة وصيفة، وقال مجاهد ومقاتل: مائتا غلام ومائتا جارية، وقال قتادة وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير وديباج - اللبنة: قطعة من الحجارة، أي: بوزنها وثقلها ذهب.
وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية؛ فألبست الغلمان لباس الجواري وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقًا من ذهب، وفي آذانهم أقراطًا وشنوفًا مرصعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية، والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة -أي: الفرسان والبغال- وحملت الغلمان على خمسمائة برذون -وهي البغال أيضًا- على كل فرس لجام مرصع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجًا مكللًا بالدر والياقوت، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود، وعمدت إلى ح ط ة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، وأرسلت مع الهدية رجالًا من عقلاء قومها وكتبت معهم كتابًا إلى سليمان بالهدية، وقالت: إن كنت نبيًّا فميز لي بين الوصائف والوصفاء -أي: بين الإناث والذكور- وأخبرني بما في الح ط ة قبل أن تفتحها، واثقب الدر ثقبًا مستويًا، وأدخل خيطًا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جن.
ورووا أيضًا أن سليمان ﵇ أمر الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة، ثم أمرهم أن يفرشوا الطريق من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا
стр. 213
واحدًا بلبنات الذهب والفضة ... كلام عجيب ... وأن يعدوا في الميدان أعجب دواب البر والبحر؛ فأعدوها، ثم قعد على سريره وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفًا فراسخًا، وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ، وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره؛ فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم ترَ أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة؛ تقاصرت أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا، ثم كان أن استعان سليمان بجبريل والشياطين والأرضة في الإجابة عما سألته عنه. انظر (تفسير البغوي) وغيره.
يقول الشيخ أبو شهبة: ومعظم ذلك مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة وأي ملك في الدنيا يتسع لفرش تِسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة؟! وفي رواية وهب ما يدل على الأصل الذي جاءت منه هذه المرويات؛ وأن من روى ذلك من السلف فإنما أخذه عن مسلمة أهل الكتاب، وما كان أجدر كتب التفسير أن تنزه عن مثل هذا اللغو والخرافات التي تدسست إلى الرواية الإسلامية فأساءت إليها.
الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم ﵇ -
أما آدم ﵇ فله في القرآن مواقف لم تخلُ أيضًا من الدخيل ومن الإسرائيليات، وهي من القصص؛ قصص الأنبياء:
قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (البقرة: ٣٦):
ورد في هذه الآية إسرائيليات أيضًا؛ فمن تلك الإسرائيليات ما رواه ابن جرير في (تفسيره) بسنده عن وهب بن منبه قال: لما أسكن الله آدم وذريته أو زوجته -الشك من أبي جعفر، وهو في أصل كتابه: وذريته- ونهاه عن الشجرة، وكانت
стр. 214
شجرة غصونها متشعبة بعضها في بعض، وكان له ثمر تأكله الملائكة لخلدهم. هذا كلام انظر إليه؛ الملائكة لا تأكل ولا تشرب، تأمل هذه الإسرائيليات؛ وكان له ثمر تأكله الملائكة لخلدهم وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته؛ فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربعة قوائم كأنها بختية -البختية ناقة من الجمال والنوق الخراسانية- من أحسن دابة خلقها الله.
فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس؛ فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته؛ فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها؛ فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت إلى آدم؛ فقالت له مثل ذلك حتى أكل منها؛ فبدت لهما سوءاتهما؛ فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خلِقْتَ منها لعنة يتحول شجرها شوكًا، ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدي؛ فإنك لا تحملين حملًا إلا حملتيه كرهًا؛ فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا، وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي؟ َ ملعونة أنتِ لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب ... أنتِ عدوة بني آدم وهم أعداؤك. قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء.
انظر لما سأل عمر أحد الرواة: هل الملائكة تأكل؟ فقال: يفعل الله ما يشاء ... هذا تهرب من الجواب وعجز عن تصحيح هذا الكذب الظاهر.
قال ابن جرير: وروى ابن عباس نحو هذه القصة، ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام، وفي السند:
стр. 215
"أسباط عن السدي" وعليهما تدور الروايات، وقد قدمنا حال هذه الروايات وحال أسباط والسدي.
وكذلك ذكر السيوطي في (الدر المنثور) ما رواه ابن جرير وغيره في هذا مما روي عن ابن عباس وابن مسعود؛ ولكنه لم يذكر الرواية عن وهب بن منبه، وأغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضًا، وكل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيدوا فيه وخلطوا الحق بالباطل، ثم حمله عنهم ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين وفسروا به القرآن الكريم.
ويرحم الله الإمام ابن جرير؛ فقد أشار بذكر الرواية عن وهب إلى أن ما يرويه عن ابن عباس وابن مسعود إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مسلمة أهل الكتاب، ويا ليته لم ينقل شيئًا من هذا، ويا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا، وفي رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكون فيما يروونه لهم؛ فقد جاء في آخرها: قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء.
فهُم قد استشكلوا عليه: كيف أن الملائكة تأكل؟ وهو لم يأتِ بجوابٍ يعتد به.
ووسوسة إبليس لآدم ﵇ لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها الله -يوم خلقها- على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي ولا شيء من هذا.
هذا كلام فيه تعليق عليه. انظر التوراة سفر التكوين الإصحاح الثالث فإن فيه هذا الكلام ليزداد المسلم يقينًا أن هذا من الإسرائيليات التي نقلت إلينا من كتبهم وليس لنا شيء عن المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه.
следующие страницы →