← Тафсир

Тафсир · id 10604

الدخيل في التفسير - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الأوابد؛ أي: الأمور المشكلة البعيدة المعاني مأخوذة من كلمة: "آبدة" وهي النافرة من الوحش التي يستعصى أخذها. هي من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله عن ذلك بما هو أصح من هـ وأنفع وأوضح وأبلغ -ولله الحمد والمنة. أما التفسير الصحيح لبناء الصرح؛ فالحق أن سليمان ﵊ أراد ببناء الصرح أن يريَهَا عظمةَ ملكه وسلطانه، وأن الله أعطاه من الملك ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطِها؛ فضلًا عن النبوة التي هي فوق الملك، والتي دونها أية نعمة من النعم، وحاشا لسليمان ﵇ وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكمًا يوافق حكم الله فأوتيه، حاشاه أن يتحايل هذا التحايل حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه: وهما ساقاها، وهو أجل من ذلك وأسمى. ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين والخلق الرفيع لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس وأسلمت مع سلمان لله رب العالمين، هذا ما يتعلق بالصرح. أما ما يروى في الهدية: التي وردت في قوله -جل وعلا- على لسانها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: ٣٥) فقد ورد فيها أيضًا إسرائيليات ولا نطيل فيها القول. فمن الإسرائيليات ما ذكره كثير من المفسرين كابن جرير والثعلبي والبغوي وصاحب "الدر" في الهدية التي أرسلتها بلقيس إلى سيدنا سليمان -عليه الصلاة السلام- وإليك ما ذكره البغوي في (تفسيره) عند هذه الآية: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾:

стр. 212

قال البغوي: فأهدت إليه وصفاء ووصائف - أي: خدم من الرجال ومن النساء - قال ابن عباس: ألبستهم لباسًا واحدًا كي لا يعرف الذكر من الأنثى، وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري، وألبست الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم؛ فقال ابن عباس: مائة وصيف -أي: خادم- ومائة وصيفة، وقال مجاهد ومقاتل: مائتا غلام ومائتا جارية، وقال قتادة وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير وديباج - اللبنة: قطعة من الحجارة، أي: بوزنها وثقلها ذهب. وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية؛ فألبست الغلمان لباس الجواري وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقًا من ذهب، وفي آذانهم أقراطًا وشنوفًا مرصعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية، والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة -أي: الفرسان والبغال- وحملت الغلمان على خمسمائة برذون -وهي البغال أيضًا- على كل فرس لجام مرصع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجًا مكللًا بالدر والياقوت، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود، وعمدت إلى ح ط ة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، وأرسلت مع الهدية رجالًا من عقلاء قومها وكتبت معهم كتابًا إلى سليمان بالهدية، وقالت: إن كنت نبيًّا فميز لي بين الوصائف والوصفاء -أي: بين الإناث والذكور- وأخبرني بما في الح ط ة قبل أن تفتحها، واثقب الدر ثقبًا مستويًا، وأدخل خيطًا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جن. ورووا أيضًا أن سليمان ﵇ أمر الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة، ثم أمرهم أن يفرشوا الطريق من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا

стр. 213

واحدًا بلبنات الذهب والفضة ... كلام عجيب ... وأن يعدوا في الميدان أعجب دواب البر والبحر؛ فأعدوها، ثم قعد على سريره وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفًا فراسخًا، وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ، وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره؛ فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم ترَ أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة؛ تقاصرت أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا، ثم كان أن استعان سليمان بجبريل والشياطين والأرضة في الإجابة عما سألته عنه. انظر (تفسير البغوي) وغيره. يقول الشيخ أبو شهبة: ومعظم ذلك مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة وأي ملك في الدنيا يتسع لفرش تِسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة؟! وفي رواية وهب ما يدل على الأصل الذي جاءت منه هذه المرويات؛ وأن من روى ذلك من السلف فإنما أخذه عن مسلمة أهل الكتاب، وما كان أجدر كتب التفسير أن تنزه عن مثل هذا اللغو والخرافات التي تدسست إلى الرواية الإسلامية فأساءت إليها. الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم ﵇ - أما آدم ﵇ فله في القرآن مواقف لم تخلُ أيضًا من الدخيل ومن الإسرائيليات، وهي من القصص؛ قصص الأنبياء: قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (البقرة: ٣٦): ورد في هذه الآية إسرائيليات أيضًا؛ فمن تلك الإسرائيليات ما رواه ابن جرير في (تفسيره) بسنده عن وهب بن منبه قال: لما أسكن الله آدم وذريته أو زوجته -الشك من أبي جعفر، وهو في أصل كتابه: وذريته- ونهاه عن الشجرة، وكانت

стр. 214

شجرة غصونها متشعبة بعضها في بعض، وكان له ثمر تأكله الملائكة لخلدهم. هذا كلام انظر إليه؛ الملائكة لا تأكل ولا تشرب، تأمل هذه الإسرائيليات؛ وكان له ثمر تأكله الملائكة لخلدهم وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته؛ فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربعة قوائم كأنها بختية -البختية ناقة من الجمال والنوق الخراسانية- من أحسن دابة خلقها الله. فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس؛ فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته؛ فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها؛ فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت إلى آدم؛ فقالت له مثل ذلك حتى أكل منها؛ فبدت لهما سوءاتهما؛ فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خلِقْتَ منها لعنة يتحول شجرها شوكًا، ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدي؛ فإنك لا تحملين حملًا إلا حملتيه كرهًا؛ فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا، وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي؟ َ ملعونة أنتِ لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب ... أنتِ عدوة بني آدم وهم أعداؤك. قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء. انظر لما سأل عمر أحد الرواة: هل الملائكة تأكل؟ فقال: يفعل الله ما يشاء ... هذا تهرب من الجواب وعجز عن تصحيح هذا الكذب الظاهر. قال ابن جرير: وروى ابن عباس نحو هذه القصة، ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام، وفي السند:

стр. 215

"أسباط عن السدي" وعليهما تدور الروايات، وقد قدمنا حال هذه الروايات وحال أسباط والسدي. وكذلك ذكر السيوطي في (الدر المنثور) ما رواه ابن جرير وغيره في هذا مما روي عن ابن عباس وابن مسعود؛ ولكنه لم يذكر الرواية عن وهب بن منبه، وأغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضًا، وكل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيدوا فيه وخلطوا الحق بالباطل، ثم حمله عنهم ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين وفسروا به القرآن الكريم. ويرحم الله الإمام ابن جرير؛ فقد أشار بذكر الرواية عن وهب إلى أن ما يرويه عن ابن عباس وابن مسعود إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مسلمة أهل الكتاب، ويا ليته لم ينقل شيئًا من هذا، ويا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا، وفي رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكون فيما يروونه لهم؛ فقد جاء في آخرها: قال عمر: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء. فهُم قد استشكلوا عليه: كيف أن الملائكة تأكل؟ وهو لم يأتِ بجوابٍ يعتد به. ووسوسة إبليس لآدم ﵇ لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها الله -يوم خلقها- على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي ولا شيء من هذا. هذا كلام فيه تعليق عليه. انظر التوراة سفر التكوين الإصحاح الثالث فإن فيه هذا الكلام ليزداد المسلم يقينًا أن هذا من الإسرائيليات التي نقلت إلينا من كتبهم وليس لنا شيء عن المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 216

بعد هذا ننتقل إلى موقف آخر ألا وهو ما ذكر في قوله -جل وعلا-: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: ٣٧) فمن الروايات التي لا تثبت: ما ذكره السيوطي في (الدر) قال: أخرج الطبراني في (المعجم الصغير) والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في (الدلائل) وابن عساكر: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي؛ فأوحى الله إليه: ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك؛ لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك؛ فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرًا ممن جعلت اسمه مع اسمك؛ فأوحى الله إليه: يا آدم؛ إنه آخر النبيين من ذريتك، ولولا هو ما خلقتك ". ثم قال: وأخرج الديلمي في (مسند الفردوس) بسند واهٍ -السند الواهي، أي: الشديد الضعف الذي ربما يصل إلى حد السقوط والوضع- عن علي قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فقال: " إن الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس ببيسان، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكيًا على خطيئته حتى بعث الله إليه جبريل، وقال: يا آدم؛ ألم أخلقك بيدي؟ أم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال: بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن؟ قال: فعليك بهذه الكلمات؛ فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك، قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت عملتُ سوءًا وظلمت نفسي فاغفر لي؛ إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك

стр. 217

لا إله إلا أنت عملت سوءًا وظلمت نفسي، فتب علي؛ إنك أنت التواب الرحيم ". فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم. يقول الشيخ أبو شهبة: ولا أدري ما دام سنده واهيًا -أي: شديد الضعف- لم ذكره؟! ومثل هذا عليه أمارات الوضع والاختلاق والكذب. ويسترسل السيوطي في (الدر) فيذكر عن ابن عباس أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، قال: " سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبتَ عليَّ؛ فتاب عليه "، ومثل هذا لا يشك طالب حديث في اختلاقه، وأنه من وضع الشيعة واختلاقهم وكذبهم. ثم يسترسل في الرواية فيذكر: أن آدم لما هبط كان مسودًا جسمه، ثم بيض الله جسده بصيامه ثلاثة أيام؛ ولذلك سميت بالأيام البيض، وأنه -عليه والسلام- كان يشرب من السحاب، بل يروى عن كعب: أنه أول من ضرب الدينار والدرهم ... إلى غير ذلك مما لا يخرج عن كونه من الإسرائيليات. التفسير الصحيح: بعد ما عرفنا هذا الكذب وهذه الإسرائيليات يجدر بنا أن نقف على التفسير الصحيح للكلمات التي وردت في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فالصحيح في الكلمات: هو ما روي من طرقٍ عدة: أنها قوله ﵎ في القرآن: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٢٣) تفسير ال قرآن ب ال قرآن، وقد رواه السيوطي في (الدر) من طرق عدة؛ ولكنه خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وقد أفاض ابن جرير في (تفسيره) في ترجيح هذا القول وإن ذكر غيره من الأقوال التي هي بعيدة عن الحق والصواب.

стр. 218

موقف آخر لآدم ﵇: فهناك حادثة ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر؛ لم تخلُ أيضًا من الإسرائيليات؛ فما نسب إلى ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر كثير من الإسرائيليات، من ذلك ما ذكره ابن جرير الطبري في (تفسيره) والسيوطي في (الدر المنثور) في هذه القصة؛ قصة ابني آدم قابيل وهابيل وقتل أولهما الآخر؛ فقد روي عن كعب: أن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم، وعن وهب: أن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول؛ فلعن ابن آدم الأرض؛ فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دمًا بعد دم هابيل إلى يوم القيامة، وأن قابيل حمل هابيل سنة في جراب على عنقه حتى أنتن وتغير؛ فبعث الله الغرابين اللذيْن قتل أحدهما الآخر؛ فحفر له ودفنه برجليه ومنقاره؛ فعلم كيف يصنع قابيل بأخيه. مع أن القرآن عبر بالفاء التي تدل على الترتيب والتعقيب من غير تراخٍ؛ قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ﴾ (المائدة: ٣١)، وروى أيضًا أنه لما قتله اسودَّ جسده -وكان أبيض- فسأله آدم عن أخيه؛ فقال: ما كنت عليه وكيلًا، قال: بل قتلته؛ فلذلك اسودَّ جسدك ... إلى نحو ذلك. فكل هذا وأمثاله -عدا ما جاء في القرآن- من إسرائيليات بني إسرائيل، وقد جاءت بعض الروايات صريحة عن كعب ووهب؛ وما جاء عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما فمرجعه إلى أهل الكتاب الذين أسلموا، والآيات هي قول الله -جل وعلا-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِين * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين، إِنِّي

стр. 219

أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِين * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين * فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين﴾ (المائدة: ٢٧ - ٣١) إلى آخر الآيات. ننتقل بعد ذلك إلى ما نسب إلى آدم ﵇ ونختصر القول في ذلك؛ نُسب إلى آدم من قول الشعر أيضًا كلام. من الإسرائيليات؛ ما رواه ابن كثير في (تفسيره) وما ذكره السيوطي في (الدر) من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر مكث مائة عام لا يضحك حزنًا عليه؛ فأتى على رأس المائة فقيل له: حياك الله وبياك، وبُشر بغلام؛ فعند ذلك ضحك. وكذلك ما ذكره من أن آدم ﵇ رثى ابنه بشعر؛ روى ابن جرير عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما قتل ابن آدم آخاه بكى آدم فقال: تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لونٍ وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح قال السيوطي: وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما قتل ابن آدم آخاه قال آدم ﵇ ... وذكر البيتين السابقين باختلاف قليل ... فأجابه إبليس -عليه اللعنة-: تنحَّ عن البلاد وساكنيها ... فبي في الخلد ضاق بك الفسيح وكنتَ بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح فما انفك مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح

стр. 220

سبحان الله! كلام مذكور في الكتب، وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه (ميزان الاعتدال) وقال: إن الآفة فيه من المخرمي أو شيخه. انظر كتاب (ميزان الاعتدال). وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق؛ فالأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر -وهو كذب بحت- وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر. (انظر تفسير الكشاف). وقد قال الله ﵎: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِين﴾ (يس: ٦٩). وقال الإمام الألوسي في (تفسيره): وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابن عباس ﵄ أنه قال: من قال إ ن آدم ﵇ قد قال شعرًا فقد كذب؛ إن محمدًا ﷺ والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء؛ ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية؛ فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية؛ فقدم فيه وأخر وجعله شعرًا عربيًّا، وذكر بعض علماء العربية أن في ذلك لحنًا وإقواءً وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب لما فيه من الركاكة الظاهرة. انظر تفسير (روح المعاني) للعلامة الألوسي. يقول شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة: والحق أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر من اختلاق إسرائيلي ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء. انتهينا مما نسب إلى آدم من قول الشعر بقي لنا في حق آدم جزئية أخرى في غاية الأهمية؛ ألا وهي:

стр. 221

ما نسب إليه ﵊ من الشرك له ولحواء في قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (الأعراف: ١٩٠): هنا موقف آخر لآدم ﵇ ففيه إسرائيليات وردت، وهذه الآية كثُر فيها القو ل مما ينسب إلى آدم وهو رسول معصوم كسائر الرسل. فمن الروايات التي لا تصح ومرجعها إلى الإسرائيليات: ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِين * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (الأعراف: ١٨٩، ١٩٠). وهذه الآية تعتبر من أشكل الآيات في القرآن من حيث إ ن ظاهرها يدل على نسبة الشرك لآدم وحواء؛ وذلك على ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المراد بالنفس الواحدة: نفس آدم ﵇ وبقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: حواء ﵂ وقد أوَّل العلماء المحققون الآية تأويلًا صحيحًا يتفق وعصمة الأنبياء في عدم جواز إسناد الشرك إليهم -عليهم الصلاة والسلام- كما سنبين ذلك -إن شاء الله. الحديث المرفوع والآثار الواردة في هذا: وقد زاد الطين بلة ما ورد في الحديث المرفوع وبعض الآثار عن بعض الصحابة والتابعين في تفسير قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ وقد اغتر بهذه الروايات كثير من المفسرين؛ كالإمام ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، وإن كان الأخير قد ضعَّف الروايات ولم تركن نفسه إليها واعتبرها من الإسرائيليات، وصاحب (الدر المنثور) أيضًا. والعجيب أن إمامًا كبيرًا له في رد الموضوعات والإسرائيليات فضل غير منكور ومفسرًا متأخرًا وهو عالم عظيم هو الإمام الألوسي قد انخدع بهذه المرويات،

стр. 222

والكلام في هذا لشيخنا الدكتور محمد أبو شهبة، يقول: إن الإمام الألوسي قد انخدع بهذه المرويات فقال: وهذه الآية عندي من المشكلات، وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض، وما ذكرناه هو الذي يشير إليه الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات. ثم قال: وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر أن الآية نزلت في تسمية آدم وحواء ولديهما بعبد الحارث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبيل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيرًا للآية، وأنت قد علمت أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأراه قد صح، ولذلك أحجم كُميت قلمي عن الجري في ميدان التأويل؛ كلمة كميت قالوا: إنها من الخيل والإبل وهي أنواع جيدة، يحجم قلمه عن الجري في ميدان التأويل كما جرى غيره، والله تعالى الموفق للصواب. وبعض المفسرين أعرض عن ذكر هذه المرويات، وذلك كما فعل صاحب (الكشاف) وتابعه النسفي، وبعض المفسرين عرض لها ثم بين عدم ارتضائه لها؛ وذلك كما صنع الإمام القرطبي في (تفسيره) فقال: ونحو هذا مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات كثير ليس لها إثبات؛ فلا يعول عليها، ولا يعول عليها من له قلب؛ فإن آدم وحواء وإن غرهما بالله الغرور؛ فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه قد سطر وكتب قال: قال رسول الله ﷺ : " خدعهما مرتين: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض". فارس هذه الحلبة هو الإمام ابن كثير؛ فقد نقد المرويات نقدًا علميًّا أصيلًا على مناهج المحدثين وطريقتهم في نقد الرواة، وبيَّن أصل هذه المرويات وأن مرجعها إلى الإسرائيليات؛ وإنا لنعجب كيف أن الإمام ال ألوسي وهو المتأخر لم يشِر إلى كلامه؟ لعله لم يطلع عليه. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.

стр. 223

الدرس: ١٣ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١١) .

стр. 224

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١١)) تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة آدم ﵇ - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: كلام الإمام ابن كثير سنذكره وبنصه لنفاسته وجودته كما قال شيخنا فضيلة الدكتور محمد أبو شهبة، ولشدة الحاجة إلى كلام ابن كثير في هذا المقام قال ﵀: يذكر المفسرون هاهنا آثارًا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها، ثم نُتبِعُ ذلك ببيان الصحيح في ذلك -إن شاء الله- وبه الثقة. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم، قال: حدثنا قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "ولما وَلدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد؛ فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره". وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، كما رواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب -يعني: انفرد به راويه- لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم. ورواه بعضهم عن بعض الصمد ولم يرفعه -يعني: لم ينسبه إلى النبي ﷺ ورواه الحاكم في مستدركه في حديث عبد الصمد مرفوعًا؛ ثم قال: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، وكلمة صحيح الإسناد من المعروف عند المحققين أنّ الحاكم متساهل في التصحيح؛ فلا يؤخذ بقوله، ولا سيما في مثل هذا، قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به - أي: ببقية السند مرفوعًا.

стр. 225

وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعًا، قلت -أي: قال ابن كثير- وشاذٌّ هذا هو بلال، وكلمة شاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلولٌ من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: لا يُحتجُّ به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا، فالله أعلم. الثاني - أي: من وجوه الإعلال -: أنه قد روي من قول سمرة نفسه؛ ليس مرفوعًا كما قال ابن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر عن أبيه، قال: حدثنا بكر بن عبد الله، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب، قال: "سَمّى آدم ابنه عبد الحارث". والثالث من وجوه العلل: أنّ الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا؛ فلو كان هذا عنده عن سَمُرة مرفوعًا لما عدل عنه، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن ب آدم. وحدثنا -الكلام لابن جرير- محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده؛ يعني قوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ يستطرد ابن جرير فيقول: وحدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا؛ فهودوا ونصروا، فيه إشارة إلى حديث رسولنا ﷺ : ((ما من مولد إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) الحديث متفق عليه. وقال ابن كثير: وهذه

стр. 226

أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فَسّر الآية بذلك؛ أي: بأنّ الشِّركَ هذا إنما هو من ما ينسب لليهود والنصارى، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ﷺ لما عَدَل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم؛ مثل: كعب أو وهب بن منبه وغيرهما كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع والله أعلم. هذا ما ذكره العلامة ابن كثير. فأما الآثار: فقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: "كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادًا فيعبدهم با لله، ويُسَمّيهم عبد الله وعبيد الله، ونحو ذلك؛ فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس؛ فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش؛ قال: فولدت له رجلًا فسماه عبد الحارث؛ ففيه أنزل الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ﴾ إلى آخر الآيات. وقال العوفي عن ابن عباس: قوله في آدم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ شكت أحملت أم لا؛ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ الآية؛ فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولدُ لكما أم هل تدريان ما يكون أبهيمةٌ أم لا؟ وزين لهما الباطل إنه غوي مبين؛ وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأول؛ فسميا ولدهما عبد الحارث فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية.

стр. 227

وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: قال الله تعال ى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ آدم حملت، أتاهما إبليس - عليه لعنة الله - فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما لتطيعاني أو لأجعلنّ له قرني "أيل" و"أيل" - يعني: ذكر الأوعال أو ذكر أنواع من الحيوانات - فيخرج من بطنك؛ فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت - يعني الثانية - فأتاهما، فقال لهما مثل الأول؛ فأبيا أن يطيعاه؛ فخرج ميتًا، ثم حملت الثالثة، فأتاهما أيضًا فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾. رواه ابن أبي حاتم. وهذا الأثر تلقاه عبد الله بن عباس، وتلقاه عنه جماعة من أصحابه؛ كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية؛ قتادة والسدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة؛ وكأنه -والله أعلم- مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب، وعلى هذا؛ فلا يكون له حكم الرفع؛ لأنه سمعه من صحابي مثله، كما رواه ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو الجماهر، قال: حدثنا سعيد -يعني: ابن بشير- عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب -وطبعًا يقول: أبي قد تلقاه وسمعه من مسلمة أهل الكتاب- عن أبي بن كعبٍ قال: "لما حملتْ حواءُ أتاها الشيطان، فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك، سميه عبد الحارث؛ فلم تفعل فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبها فأطاعا".

стр. 228

قال: وهذه الآثار يظهر عليها -والله أعلم- أنها من آثار أهل الكتاب، وبعد أن بين أن أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أقسام؛ فمنها ما علمنا صحته مما بأيدينا من كتاب أو سنة، ومنها ما علمنا كذبه لما دل على خلافه من الكتاب والسنة، ومنها ما هو مسكوتٌ عنه فهو المأذون في روايته؛ بقوله ﵊: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) وهو الذي لا يصدق ولا يكذب. قال: وهذا الأثر من الثاني - أي: مما علمنا كذبه - أو الثالث فيه نظر؛ والحقيقة كونه من القسم الثالث والذي نقطع به -والله أعلم- أنه من القسم الثاني؛ أي: من الذي سمعناه من بني إسرائيل وعلمنا كذبه؛ لأنه يخالف ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة فهذا من القسم الثاني؛ لقيام الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء من مثل ذلك. قال: فأما من حدث به من صحابي أو تابعي؛ فإنه يراه من القسم الثالث؛ أي مما يحتمل الصدق والكذب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، رحم الله شيخنا الدكتور أب اشهبة فهذا قول هـ؛ أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا؛ أي: في تفسير الآية، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنّما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ فذكر آدم وحواء كالتوطئة لما بعدهما من الوا ر دين وهو كالاستطراد من الشخص إلى الجنس؛ هذا تفسير ابن كثير والبغوي في هذا المعنى. وهذا الذي ذهب إليه هذا الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تخريج الحديث والآثار هو الذي يجب أن يصار إليه، وهو الذي ندين الله عليه، ولا سيما أنّ التفسير الحق للآيتين لا يتوقف على شيء مما روي. بقي لنا أن نقف على التفسير الصحيح والمرتضى بعد عرض أقوال ابن كثير وشيوخنا ممن جاءوا بعده، والمحققون من المفسرين منهم من نحا منحا العلامة ابن

стр. 229

كثير؛ فجعل الآية الأولى في آدم وحواء، وجعل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ الآية في المشركين من ذريتهما؛ أي: جعلا أولادهما شركاء لله فيما آتاهما، والمراد بهما الجنس أي: جنس الذكر والأنثى، فمن ثم حسن قوله: ﴿فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ بالجمع، ويكون هذا الكلام من الموصول لفظًا المفصول معنًا، ومنهم من جعل الآيتين في ذرية آدم وحواء؛ أي: خلقكم من نفس واحدة، وهي نفس الذكر، وجعل منها؛ أي: من جنسها زوجها، وهي الأنثى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أي: بشرًا سويًّا كاملًا؛ ﴿جَعَلاَ﴾ أي: الزوجان الكافران لله شركاء فيما آتاهما وبذلك أبدلا شكر الله كفرانًا به وجحودًا؛ وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر ما في الآيتين، وهنالك تفاسير أخرى لا نستريح لها، يقول شيخنا: لست منها على ثلج ولا طمأنينة. كما روي في تفاسير الكشاف والقرطبي وأبي السعود وال ألوسي وغيرها. الإسرائيليات التي وردت في قصة نوح ﵇ - قصة نوح ﵇ من القصص الذي ذكر في القرآن الكريم، ومنهجه في الدعوة، وصبره على قومه، وأنّ الله نصره على من كذبه، وأمره بصنع سفينة يحمل فيها من آمن معه؛ هذه القصة التي ذُكرت في أكثر من سورة لم يسلم التفسير الذي رواه المفسرون وذكره حول هذه القصة من بعض الإسرائيليات، ودائمًا نقول: إن ابن جرير والبغوي وأبو السعود، والقرطبي و (الدر المنثور) هذه التفاسير حوت قدرًا من الإسرائيليات. فمن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير؛ كابن جرير و (الدر المنثور) ما روي في سفينة نوح ﵇؛ فقد أحاطوها بهالة من العجائب

стр. 230

والغرائب؛ من أي خشب صنعت؟، وما طولها؟، وما عرضها؟، وما ارتفاعها؟، وكيف كانت طبقاتها؟ وذكروا خرافات في خلقة بعض الحيوانات من الأخرى، وقد بلغ ببعض الرواة أنهم نسبوا بعض هذا إلى النبي ﷺ قال صاحب (الدر المنثور) وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "كانت سفينة نوح ﵇ لها أجنحة، وتحت الأجنحة إيوان" أقول: قبّح الله من نسب هذا إلى النبي ﷺ كلام شيخنا الشيخ أبو شهبة. وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم؛ أولاد سيدنا نوح، وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وبابها في عرضها. ثم ذكر عن ابن عباس مثل ذلك في طولها وارتفاعها، وهذا أمارة على أن ذلك من رواية ابن عباس عن أهل الكتاب، وأن من رفعها إلى النبي ﷺ فقد غلط، ثم قال -أي: ابن مردويه-: وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر، عن ابن عباس: أن نوحًا لما أمر أن يصنع الفلك، قال: يا رب، وأين الخشب، قال: اغرس الشجر؛ فغرس الساج عشرين سنة، إلى أن قال: فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها وستين ذراعًا في الأرض -يعني: عمقها- وعرضها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون. كلام يتناقض، لا ندري بأي رواية نصدق، أبرواية ابن عباس هذه أم بروايته السابقة؟ وهذا الاضطراب أمارة الاختلاق والكذب ممن وضعوها أولًا، وحملها عنهم ابن عباس وغيره. وأمر -أي: نوح- أن يطليها بالقار؛ القار والقير وهو الدهان الأسود يُطلى به الخشب والإبل وهو ما يعرف بالزفت أو شيء من هذا المعنى، أُمر أن يطليها

стр. 231

بالقار، ولم يكن في الأرض قار؛ ففجر الله له عين القار حيث تنحت السفينة تغلي غليانًا حتى طلاها؛ فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب، وأطبقها وحمل فيها السباع والدواب؛ فألقى الله على الأسد الحمى وشغله بنفسه عن الدواب، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، ثم أطبق عليهما. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ﵇ ألف ذراع، ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. وإليك ما ذكره بعد ذلك من العجب العجاب، قال: وأخرج ابن جرير عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم -عليه م االسلام-: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة، فحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب؛ قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح؛ فضرب الكثيب بعصاه قال: قم بإذن الله؛ فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، قال له عيسى ﵇: هكذا هلكت؟ قال: لا، مت وأنا شاب؛ ولكنني ظننت أنها الساعة قامت، فمن ثَمّ شبتُ، قال: حَدّثنا عن سفينة نوح، قال: طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات؛ فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير؛ فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه؛ فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر يخرب السفينة بقرضه أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد؛ فخرج من فمه سنور وسنورة؛ فأقبلا على الفأر فأكلاه -السنور: القط- وفي رواية أخرى: أن الأسد عطس فخرج من منخره سنوران -قطان ذكر وأنثى- فأكلا الفأر، وأن الفيل عطس فخرج من منخره خنزيران ذكر وأنثى؛ فأكلا أذى السفينة.

стр. 232

وأنه لما أراد الحمار أن يدخل السفينة أخذ نوح بأذني الحمار، وأخذ إبليس بذنبه فجعل نوح ﵇ يجذبه وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل شيطان يريد به الحمار؛ فدخل الحمار ودخل معه إبليس؛ فلما سارت السفينة جلس إبليس في أذنابها يتغنى؛ فقال له نوح ﵇: ويلك! من أذن لك؟ قال: أنت، قال: متى؟ قال: أن قلت للحمار ادخل يا شيطان، فدخلت بإذنك. وزعموا أيضًا أن الماعز لما استصعبت على نوح أن تدخل السفينة؛ فدفعها في ذنبها، فمن ثم انكسر وبدا حياها، ومضت النعجة فدخت من غير معاكسة ف مسح على ذنبها، فستر الله حياها - يعني فرجها. وزعموا أيضًا أن السفينة نوح ﵇ طافت بالبيت أسبوعًا - أي: بالكعبة، يعني سبع مرات - بل رووا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : "إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصلّت عند المقام ركعتين" سُبحان الله! كلام عجيب. يقول شيخنا الدكتور أبو شهبة: وهذا من تفاهات عبد الرحمن هذا، وقد ثبت عنه من طريق أخرى نقلها صاحب (التهذيب) عن الساجي، عن الربيع، عن الشافعي، قال: قيل لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن جدك أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلّت خلف المقام ركعتين" قال: نعم، وقد عُرف عبد الرحمن بمثل هذه العجائب المخالفة للعقل، وتندر ب هـ العلماء. قال الشافعي فيما نقل في (التهذيب) أيضًا: ذكر رجل ٌ لمالك حديثًا منقطعًا؛ فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يُحدثك عن أبيه، عن نوح. وأنه لما رست السفينة على الجودي، وكان يوم عاشوراء صام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرًا لله، إلى غير ذلك من التخريفات

стр. 233

والأباطيل التي جاءت في (تفسير ابن جرير) وفي تفسير (الدر المنثور) وغيرهما من التفاسير، وهذه التخاريف والأباطيل التي لا نزال نسمعها ونسمع أمثالها من العوام والعجائز هذا لا يمكن أن يمت إلى الإسلام بصلة. وإنا لننزه المعصوم رسول الله ﷺ من أن يصدر عنه ما نسبوه إليه، وإنما هي أحاديث خرافة اختلقها اليهود وأضرابهم على توالي العصور، وكانت شائعة مشهورة في ال جاهلية؛ فلما جاء الإسلام نشرها أهل الكتاب الذين أسلموا بين المسلمين، وهؤلاء رووها بحسن نية، ولم يزيفوها اعتمادًا على أنها ظاهرة البطلان؛ لكن زنادقة اليهود أوغلوا هم وأمثالهم في الكيد للإسلام ونبيه فزوروا بعضها، ونسبوه إلى النبي ﷺ وما كُنّا نُحِبُّ لابن جرير ولا للسيوطي ولا لغيرهما من المفسرين أن يسودوا صحائف كتبهم بهذه الخرافات والأباطيل، فحذاري أيها القارئ في أي كتاب من كتب التفسير تجد مثل هذا أن تجعله كلامًا مصدقًا، وألق بهذا دبر أذنيك -أي: ألقه وراء ظهرك- وكن عن الحق منافحًا وللباطل مزيفًا. الإسرائيليات التي وردت في قصة داود ﵇ - لننتقل بعد ذلك إلى قصة أخرى؛ ألا وهي قصة داود ﵇ ذلك الرسول الذي ذكر القرآن له بعض المواقف؛ فهناك موقف مع خصومه الذين جاءوا إليه خصمان بغى بعضهما على الآخر ولهما قصة ذكرت في س ورة " ص "، كذلك قصة داود ﵇ مع جالوت وطالوت وقد تكلم المفسرون في ذلك وأفاضوا ونقل في تف اسيرهم إسرائيليات كثيرة تخل بمقام الأنبياء وتنافي عصمتهم. وإليك ما ذكر باختصار حول قصة داود ﵇.

стр. 234

فمن الإسرائيليات التي تناقلها المفسرون ما ذكره بعضهم في قصته عند قوله - جل وعلا -: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾ (ص: ٢١ - ٢٥) ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم والبغوي والسيوطي في (الدر المنثور) من الأخبار ما تقشعر منه الأبدان، ولا يوافق عقلًا ولا نقلًا؛ عن ابن عباس ومجاهد، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار، والسدي وغيرهم، روايات محصلها: أن داود ﵇ حدث نفسه إن ابتُلي أن يعتصم؛ فقيل له: إنك ستُبتَلى وستعلم اليومَ الذي تُبتلى فيه؛ فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تُبتلى فيه؛ فأخذ الزبور ودخل المحراب وأغلق بابه وأقعد خادمه على الباب، وقال: لا تأذن لأحدٍ اليوم؛ فبينما هو يقرأ الزبور إذا جاء طائر مذهب يدرج بين يديه؛ فدنا منه فأمكن أن يأخذه فطار فوقع على كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه؛ فطار فأشرف عليه لينظر أين يقع؛ فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض؛ فلما رأت ظله نفضت شعرها، فغطت جسدها به، وكان زوجها غازيًا في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس الغزاة أن اجعله في حملة التابوت -أي: صندوق فيه بعض مخلفات أنبياء بني إسرائيل. وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا؛ فقدمه في حملة التابوت فقتل، وفي بعض هذه الروايات الباطلة أنه فعل ذلك ثلاث مرات، حتى قتل في

стр. 235

الثالثة؛ فلما انقضت عدتها خطبها داود ﵇ فتسور عليه الملكان، وكان ما كان مما حكاه الله تعالى في الآيات، أو مما ذُكر في الآيات؛ رفع ذلك إلى النبي. ولم يقف الأمر عند هذه الروايات الموقوفة عن بعض الصحابة والتابعين، ومسلمة أهل الكتاب أيضًا نقلوها لنا، بل جاء بعضها مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال صاحب (الدر) وأخرج الحكيم الترمذي في (نوادر الأصول) وابن جرير، وابن حاتم بسند ضعيف عن أنس ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل؛ هكذا في (الدر المنثور) وفي (تفسير البغوي)، ولعل العبارة: فظع -يعني فوجئ بهذا- إن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل وأوصى صاحب الجيش؛ فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانًا بين يدي التابوت -وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قُدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم معه الجيش- فقُتل وتزوج المرأة، ونزل الملكان على داود ﵇ فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدًا؛ حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، فأكلت الأرض جبينه وهو يقول في سجوده: رب ذلّ داود ذلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، ربّ إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنوبه جعلت ذنوبه حديثًا في المخلوق من بعده. فجاء جبريل ﵇ من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إن الله قد غفر لك، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل؛ فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة؛ فقال: يا رب، دمي الذي عند داود، قال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك؛ فإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، فعرج جبريل وسجد داود ﵇ فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة؛ فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود؛ فيقول: هو لك يا رب،

стр. 236

فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت، عوضًا. وقد رواها البغوي أيضًا عن طريق الثعلبي في تفسيره. يقول شيخنا الدكتور أبو شهبة: والرواية منكرة مختلقة على الرسول ﷺ وفي سند هذه الرواية المختلقة على رسول الله ﷺ ابن لهيعة وهو مضعف في الحديث، وفي سندها أيضًا يزيد بن أبان الرقاشي كان ضعيفًا في الحديث، وقال فيه النسائي والحاكم أبو أحمد: إنه متروك، وقال فيه ابن حبان: كان من خيار عباد الله من البكائين بالليل، غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة؛ حتى كان يقلبُ كلام الحسن؛ يجعله عن أنس عن النبي ﷺ فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب. وقال العلامة ابن كثير في ت فسيره: وقد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثًا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس ﵁ ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة؛ ومن ثَمّ يتبين لنا كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول الله ﷺ ولا نكاد نصدق ورود هذا عن المعصوم ﵊ وإنما هي اختلاقات وأكاذيب من إسرائيليات أهل الكتاب. وهل يشكّ مُؤمن عاقل يقر بعصمة الأنبياء في استحالة صدور هذا عن داود ﵇ ثُمّ يكون على لسان من؟! على لسان من كان حريصًا على تنزيه إخوانه الأنبياء عما لا يليق بعصمتهم، وهو نبينا محمد ﷺ ومثل هذا التدبير السيئ والاسترسال فيه على ما رووا لو صدر من رجل من سوقة الناس وعامتهم؛ لاعتبر هذا أمرًا مستهجنًا مستقبحًا، فكيف يصدر من رسول جاء لهداية الناس، زكت نفسه وطهرت سريرته وعصمه الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو الأسوة الحسنة لمن أرسل إليه؟!.

стр. 237

ولو أنّ القصة كانت صحيحة؛ لذهبت بعصمة داود، ولنفرت منه الناس، ولكان لهم العذر في عدم الإيمان به فلا يحصل المقصد الذي من أجله أرسل الله الرسل، وكيف يكون على هذه الحال من قال الله في شأنه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾ قال ابن كثير في تفسيرها: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية في الجنة؛ لنبوته وعدله التام في ملكه، ك ما جاء في الصحيح ((المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في حكمهم وما وُل ُّ وا)) وقال رسول الله ﷺ : ((إن أحب الناس إلي يوم القيامة وأقربهم مني مجلسًا؛ إمام عادل، وإن أبغض الناس إلي يوم القيامة هو أشدهم عذابًا؛ إمام جائر)) رواه أحمد والترمذي. ولكي يستقيم هذا الباطل، قالوا: إن المراد بالنعجة في الآية: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (ص: ٢٣) حول هذا المعنى قالوا: إن المراد بها المرأة، وإ ن القصة خرجت مخرج الرمز والإشارة، ورووا أن الملكين لما سمعا حكم داود وقضاءه بظلم صاحب التسع والتسعين نعجة لصاحب النعجة، قالا له: وما جزاء من فعل ذلك، قال: يقطع هذا - وأشار إلى عنقه - وفي رواية: يضرب من هاهنا وهاهنا - وأشار إلى جبهته وأنفه وما تحته - فضحكا وقالا: أنت أحق بذلك منه ثم صعدا. ولننتقل إلى ما ذكره البغوي في ت فسيره؛ فقد ذكر في ت فسيره وذكر غيره عن وهب بن منبه: أن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لا يرقأ دمعه ليلًا ولا نهارًا، وكان أصاب الخطيئة، وهو ابن سبعٍ وسبعين سنة؛ فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب؛

стр. 238

فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه فيساعدونه على ذلك؛ فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه الشجر والرمال والطير والوحش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي وتبكي معه الجبال والحجارة والدواب والطير حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء والسباع ... إلى آخره. والحق أن الآيات ليس فيها شيء مما ذكروا، وليس هذا في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وهي التي عليها المعول، وليس هناك ما يصرف لفظ النعجة من حقيقته إلى مجازه، ولا ما يصرف القصة عن ظاهرها إلى الرمز والإشارة. وما أحسن ما قال الإمام القاضي عياض: لا تلتفت إلى ما سطره الإخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص عليه في قصة داود هو قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت. هذا الكلام نقله القاضي في كتابه (الشفا ب التعريف بحقوق المصطفى) ﷺ . والمحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي؛ قال الداودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم، وقد روي عن سيدنا علي ﵁ أنه قال: من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة. وذلك حد الفرية على الأنبياء لماذا؟ لأن حد القذف لغير الأنبياء ثمانون؛ فرأى ﵁ تضعيف هذا الحد بالنسبة للأنبياء، وفي الكذب عليهم رمي لهم بما هم براء منه؛ فف ي هـ معنى القذف لداود بالتعدي على حرمات الأعراض والتحايل في سبيل ذلك، وهو كلام مقبول من حيث المعنى إلا أنه لم يصح

стр. 239

عن الإمام ذلك كما قال العراقي؛ سواء ثبت أو لم يثبت فمن يتهم الأنبياء يستحق أكثر من ذلك. بقيت لنا خاتمة: وهي التفسير الصحيح للآيات؛ وإذا كان ما روي من الإسرائيليات الباطلة التي لا يجوز أن تفسر بها الآيات؛ فما التفسير الصحيح لها إذًا؟ والجواب: أن داود ﵇ كان قد وزع مهام أعماله ومسئولياته نحو نفسه ونحو الرعية على الأيام، وخص كل يوم بعمل؛ فجعل يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء وفصل الخصومات، ويومًا للاشتغال بشئون نفسه وأهله، ويومًا لوعظ بني إسرائيل. والختام: بأن نبي الله داود ﵇ كان بريئًا مما نسبه الكذابون وأصحاب القصص الإسرائيلي ودسوه في كتب التفسير. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 240

الدرس: ١٤ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٢) .

стр. 241

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٢)) تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة داود ﵇ - الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ففي يوم العبادة بينما كان مشتغلًا بعبادة ربه في محرابه دخل عليه خصمان، ت س ورا عليه من ال س ور، ولم يدخلا من المدخل المعتاد - أي: من الباب - فارتاع منهما، فوجئ وحصل له شيء من المفاجأة وفزع فزعًا لا يليق بمثله من المؤمنين، فضلًا عن الأنبياء المتوكلين على الله غاية التوكل الواثقين بحفظه ورعايته، وظن بهما سوءًا، وأنهما جاءا ليقتلاه، أو ليبغيا به شرًّا، ولكن تبين له أن الأمر على خلاف ما ظن، وأنهما خصمان جاءا يحتكمان إليه فلما قضى بينهما وتبين له أنهما بريئان مما ظنه بهما، استغفر ربه، وخر ساجدًا لله تعالى تحقيقًا لصدق توبته والإخلاص له، وأناب إلى الله غاية الإنابة. ومثل الأنبياء في علو شأنهم وقوة ثقتهم بالله والتوكل عليه، ألا تعلق نفوسهم بمثل هذه الظنون بالأبرياء، ومثل هذا الظن وإن لم يكن ذنبًا بالعادة إلا أنه بالنسبة للأنبياء يعتبر خلاف الأولى، والأليق بهم، وقديمًا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فالرجلان خصمان حقيقة وليسا ملكين كما زعموا، والنعاج على حقيقتها، وليس ثمة رموز ولا إشارات وهذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن، ويتفق مع عصمة الأنبياء، فالواجب الأخذ به ونبذ الخرافات والأباطيل التي هي من صنع بني إسرائيل، وتلقفها القصاص، وأمثالهم ممن لا علم عندهم ولا تمييز بين الغث والسمين.

стр. 242

وقيل: إنَّ الذي صنعه داود أنه خطب على خطبة "أوريا" فآثره أهلها عليه، وقد كانت الخطبة على الخطبة حرامًا في شريعتهم، كما هي حرام في شريعتنا، وقيل: إنه طلب من زوجها "أوريا" أن ينزل له عنها، وقد كان هذا في شريعتهم ومستساغًا عندهم، وقيل: إنه أوخذ بأنه حكم بمجرد سماعه لكلام أحد الخصمين كما نرى، جاء له الأول وقال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ (ص: ٢٣)، وقال: إنه له نعجة واحدة، فحكم له داود ﵇ دون أن يسمع حجة الآخر، وهذا الرأي موجود، وقد قيل: إنه أوخذ؛ لأنه حكم بمجرد سماعه لكلام أحد الخصمين، وكان عليه أن يسمع كلام الخصم الآخر. وقد قيل: إذا جاءك أحد الخصمين وقد فقئت عينه، فلا تحكم له؛ لجواز أن يكون خصمه قد فقئت عيناه معًا، وهذه الأقوال الثلاثة ونحوها، لا يطمأن إليها بعض المفسرين، يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة: لست منها على ثلج - يعني لا تبرد القلب ولا يطمئن إليها - فإنَّها وإن كانت لا تخل بالعصمة، لكنها تخدشها، ثم هي لا تليق بالصفوة المختارة من الخلق وهم الأنبياء. فالوجه الجدير بالقبول في تفسير الآيات هو الرأي الأول، ومفاده أنَّ الخصمين جاءا فجأة، ت س ورا عليه المحراب، فارتاع منهما وفزع، وظن بهما سوءًا، ظن أنهما جاءا ليقتلاه أو يبغيا شرًّا، ولكن تبين أنَّ الأمر على خلاف ما ظنَّ وأنهما خصمان جاءا يحتكمان إليه في أمر خاص، فلما قضى بينهما وتبين له براءتهما مما ظنه بهما استغفر ربه، وخر ساجدًا لله . فهذا الرأي الذي ارتضاه كثير من المفسرين، ف إن شاء الله يبقى هو الرأي الراجح، وفي هذا المقام اتضحت الأمور في قضية الخصمين مع نبي الله داود ﵇. ولننتقل الآن إلى القصة التي ذكرت في سورة " البقرة " في قصة قتل داود لجالوت؛ وورد فيها أيضًا من الإسرائيليات الكثير والكثير وتناقل المفسرون كابن جرير

стр. 243

الطبري والبغوي والثعلبي والخازن وصاحب (الدر المنثور) وغيرهم أشياء كثيرة تزيد عن اثنتي عشرة صفحة ولسوف أختصرها وأوجزها إيجازًا. فمن الإسرائيليات ما يذكره المفسرون في قصة قتل داود وهو جندي صغير في جيش طالوت، قتل داود جالوت الملك الجبار، وذلك في تفسير الآيات في قوله ﵎: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين﴾ (البقرة: ٢٥١)، ومعلوم أن هذه الآية تسبقها آيات: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ﴾ (البقرة: ٢٤٦)، الآيات، وتتوالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم * وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾ (البقرة: ٢٤٧ - ٢٤٩). وتتوالى الآيات في بيان ما جرى بين طالوت الملك، وما حدث لجالوت، وما جرى من نبي الله داود ﵇ فالآيات تصل بنا إلى قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾ إلى آخر الآية.

стр. 244

ذكر "الثعلبي" و"البغوي" و"الخازن" وصاحب (الدر) وغيرهم ما خلاصته: أنَّه عبر النهر فيمن عبر مع طالوت داود وهو جندي صغير، عبر النهر مع طالوت ملك بني إسرائيل، وفي ثلاثة عشر ابنًا له؛ يعني الذي عبر مع طالوت إيشا أبو داود، وكان له أولاد كثيرون، ثلاثة عشر ابنًا، وكان داود أصغرهم، وكان يرمي بالقذافة - شيء يقذف به كالمقلاع - فلا يخطئ هدفه، وأنه ذكر لأبيه أمرَ قذافته تلك، وأنه دخل بين الجبال فوجد أسدًا، فأخذ بأذنيه فلم يهبه، وأنه مشى بين الجبال، فسبّح فما بقي جبل حتى سبح معه، فقال له أبوه: أبشر، فإن هذا خير أعطاك الله تعالى إياه. تتوالى الأخبار والقصص في هذا، فأرسل جالوت إلى طالوت، أن أبرز إليَّ من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فشق ذلك على طالوت، فنادى في عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي، وناصفته ملكي، فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد. فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى، فدعا الله في ذلك، فأتى بقرن في هـ دهن القدس، وتنور من حديد، فقيل: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه، فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه، ولا يسيل على وجهه، بل يكون على رأسه كالإكليل -الإكليل التاج الذي يلبسه الملوك على رء وسهم- ويدخل هذا التنور فيمل ؤ هـ، ولا يتقلقل فيه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم أحد، فأوحى الله إلى نبيهم: إن في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت. فدعا طالوت إيشا فقال: اعرض هذا على بنيك، فأخرج له اثن اعشر رجلًا أمثال السواري -السواري يعني الطوال كالأعمدة كانوا طوالًا- فجعل يعرضهم على

стр. 245

القرن فلا يرى شيئًا، فقال لإيشا: هل بقي لك ولد غيرهم؟ قال: لا، فقال نبي هذا الزمان: يا رب إ نَّه زعم أنه لا ولد له غيرهم، فقال الله: كذب، فقال هذا النبي لإيشا: إن الله كذبك، فقال إيشا: صدق الله يا نبي الله، إن لي ابنًا صغيرًا، يقال له: داود، استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فخلفته في الغنم يرعاها، وهو في شعب كذا وكذا. وكان داود رجلًا قصيرًا مسقامًا مصفارًا أزرق أمعر -يعني: ضعيف البنية، وأمعر قليل الشعر، ونحيف الجسم- ورغم كل هذا كل هذا أخا الإسلام من أكاذيب بني إسرائيل، ومن رميهم الأنبياء بأبشع الصفات فقاتلهم الله أنى يؤفكون. وما كان لأبيه وقد أخبره داود بما ذكره أول القصة أن ينتقصه، ويصفه بهذه الأوصاف، ومع هذا سنسرد القصة الإسرائيلية. فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج إليه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزبيبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل، ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم، فدعاه ووضع القرن على رأسه، ففاض -يعني من غير أن يسيل على وجهه- فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت، وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي؟ قال: نعم، قال: وهل آنست من نفسك شيئًا تتقوى به على قتله؟ قال: نعم، وذكر بعض ذلك. فأخذ طالوت داود، ورده إلى عسكره، وفي الطريق مرَّ داود بحجر، فناداه: يا دود احملني؛ فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا، فحمله في مخلاته، ثم مضى بآخر، فناداه قائلًا: إنه حجر موسى الذي قتل به ملك كذا، فأخذه في مخلاته، ثم مر بحجر ثالث فناداه قائل ً اله: احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت، فوضعه في مخلاته، فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت، وسأل

стр. 246

المبارزة، انتدب له داود، فأعطاه طالوت فرسًا ودرعًا وسلاحًا، فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبًا، ثم لم يلبس أن نزع ذلك، وقال لطالوت: إن لم ينصرني الله لم يغنِ عني هذا السلاح شيئًا، فدعني أقاتل جالوت كما أريد، قال: فافعل ما شئت، قال: نعم، أخذ داود مخلاته، فتقلدها - يعني لبسها على كتفه - وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم، وكان يهزم الجيش وحده، وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد -البيضة هي ما يلبسه المحارب على رأسه - ولكن هذا الثقل، ثلاثمائة رطل حديد، هذا من أكاذيب بني إسرائيل وتخريفاتهم، فيعني أي عاقل يدري كيف يمكن لجالوت أن يحارب وعلى رأسه هذا الثقل، وهذا القدر من الحديد، ثلاثمائة رطل يعني ١٥٠ كيلو جرامًا من الحديد، طبعًا هذا كلام لا يعقل، وأيضًا يكون حمل على رأسه ما يزيد على ثلاثة قناطير من الحديد، وذكروا في وصفه أنَّ ظله كان ميلًا، وهذا لا شك من خرافات بني إسرائيل. المهم تقدم جالوت كما ذكروا على رأسه هذا الثقل، فلما نظر إلى داود، ألقى الله في قلبه الرعب، وبعد مقاولة بينهما، وتوعد كل منهما الآخر، أخرج داود حجرًا من مخلاته، ووضعه في مقلاعه، وقال: ب اسم إله إبراهيم، ثم أخرج الآخر وقال: ب اسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب، ووضعه في مقلاعه، فصارت كلها حجرًا واحدًا، ودور داود المقلاع، ورمى به فسخر الله له الريح، حتى أصاب الحجر أنف البيضة، فخلص إلى دماغه، وخرج من قفاه -أي: جالوت - وقتل من ورائه ثلاثون رجلًا، وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلًا صريعًا، وأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح جيش طالوت فرحًا شديدًا؛ لأنَّ الله نصر داود على جالوت.

стр. 247

وانصرفوا إلى مدينتهم سالمين والناس يذكرون بالخير داود، فجاء داود طالوت، وقال له أنجز لي ما وعدتني، فقال: وأين الصداق؟ فقال له داود: ما شرطت علي صداقًا غير قتل جالوت، ثم اقترح عليه طالوت أن يقتل مائتي رجل من أعدائه م، ويأتيه بغلفهم -الغلف هي ما يقطع عند الختان- ففعل داود فزوجه طالوت ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه، وأكثروا ذكره فحسده طالوت، وعزم على قتله، فأخبر ابنة طالوت رجلًا من أتباعه، فحذرت داود وأخبرته بما عزم أبوها عليه، وبعد مغامرة من طالوت لقتل داود ومكيدة وحيلة من داود، أنجى الله داود ﵇ فلما أصبح الصباح وتيقن طالوت أن داود لم يقتل، خاف منه فتوجس خيفة واحتاط لنفسه، ولكن الله أمكن داود منه ثلاث مرات ولكن لم يقتله، ثم كان أنَّ فر داود من طالوت في البرية، انظر إلى هذا الكذب، فرآه طالوت ذات يوم فيها فأراد قتله، ولكن داود دخل غارًا وأمر الله العنكبوت فنسجت عليه من خيوطها، وبذلك نجى من طالوت، ولجأ إلى الجبل، وتعبد مع المتعبدين. فطعن الناس في طالوت بسبب داود واختفائه، فأسرف طالوت في قتل العلماء والعباد، ثم كان أن وقعت التوبة في قلبه، وندم على ما فعل وحزن حزنًا طويلًا، وصار يطلب من يفتيه أن له توبة، فلم يجد؛ حتى دُل على امرأة عندها اسم الله الأعظم، فذهب إليها وأمن روعها، فانطلقت به إلى قبر "إشماويل" فخرج من قبره، وأرشده إلى طريق التوبة، وهو أن يقدم ولده ونفسه في سبيل الله حتى يقتلوا، ففعل وجاء قاتل طالوت إلى داود؛ ليخبره بقتله، فكانت مكافأته على ذلك أن قتله، وأ تى بنو إسرائيل إلى داود، وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم.

стр. 248

هذه الإسرائيليات، يعلق شيخنا، يقول: استغرق ذلك من (تفسير البغوي) بضع صحائف؛ يعني هذه القصة فيها تفاسير وكلام فيه الحق والباطل والصدق والكذب، وليس عندنا ما يدل على وجه اليقين على ثبوت شيء من ذلك. يقول شيخنا: وفي هذا الذي ذكروه الحق والباطل والصدق والكذب، ونحن في غنية عنه لما في أيدينا من القرآن والسنة، وليس في كتاب الله ما يدل على ما ذكرو هـ، ولسنا في حاجة إلى شيء من هذا في فهم القرآن وتدبره؛ أي أنَّ تفسير الآيات لا يحتاج إلى هذا الكلام، وتلك الإسرائيليات التي أكثرها باطل لا يصدق ولا يعقل، فلا تلقي إلى ذلك بالًا، وارمِ به دبر أذنيك، كما قال شيخنا الشيخ أبو شهبة؛ فإن فيه تجنيًا على من اصطفاه الله ملكًا عليهم؛ يعني الصفات التي ذكروها عن طالوت، وهو الملك الذي اصطفاه عليهم، صفات تنقيص لا تليق بمن اصطفاه الله واجتباه ملكًا عليهم. كما أنَّ في هذه الإسرائيليات كذبًا على نبي الله داود ﵇، ويرحم الله الإمام العلامة ابن كثير، فقد أعرض عن ذكر هذه الترهات، وهذه الأباطيل، ونبه إلى أنها من الإسرائيليات، فقال في قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ (البقرة: ٢٥١)، ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، حتى كلمة ابن كثير وهو يقول: ذكروا في الإسرائيليات؛ هذا يؤكد أنه من الإسرائيليات، وأن هذا أكثره مأخوذ من كتبهم التي حرفت واتهمت الأنبياء والرسل بما لا يليق بعصمتهم، " انظر (التوراة) صفر صمويل الأول، الإصحاحات ١٦، ١٧، ١٨ " ترى فيها من الأكاذيب ما نقل نصًّا في كتب التفاسير، ونحن في غنًى عن كل ذلك. كلام ابن كثير، يقول: ذكروا في الإسرائيليات أن داود قتل جالوت بمقلاعٍ كان في يديه أصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته،

стр. 249

ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾، الملك الذي كان بيد طالوت، والحكمة؛ أي النبوة بعد "شمويل"، ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾؛ أي: من العلم الذي اختصه به ﵊. الإسرائيليات التي وردت في قصة موسى ﵇ - في قصة موسى ﵇ الكثير والكثير، وكنا تكلمنا عن نبي الله موسى وعن زواجه من بنات شعيب، وتكلمنا عن إفساد بني إسرائيل، وتكلمنا عن مواقف عدة، وها نحن ننتقل إلى عنوانٍ جديد، وهو: الإسرائيليات في عظم خلق الجبارين؛ القوم الجبارون الذين قال بنو إسرائيل لموسى: إن فيها قومًا جبارين، وخاف وا منهم، وما ورد في شأن عوج بن عنق من الخرافات. الإسرائيليات التي وردت في هذا أيضًا كثيرة، أما الآيات فهي قول الله : ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون﴾ (المائدة: ٢٢)، الحقيقة إنّ بني إسرائيل مواقفهم كثيرة، فيها التعنت، فيها الجبن والخور، فيها الخوف، فيها الكبرياء، فيها الإفساد الذي لم يحدث له نظير بين البشر، إلى ما ذكر في هذا الشأن. ذكر الجلال السيوطي في (الدر) عندما نتكلم عن السيوطي نحدد كتابه، لماذا؟ لأن الإمام السيوطي دون غيره من علماء التفسير والمفسرين عبر القرون له أكثر من تفسير؛ يعني إذا عرف ابن جرير بتفسيره في تفسير القرآن الكريم، هو تفسير واحد، (تفسير ابن جرير الطبري)، ابن كثير تفسير واحد، إنما الإمام السيوطي له (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) وله (تفسير الجلالين) وله (مطلع البدرين ومجمع

стр. 250

البحرين) وله (ترجمان القرآن) وله أيضًا تفسير (نواهد الأبكار وشواهد الأفكار) فعندما نقول السيوطي نحدد تفسيره. الكتاب الذي حوى كثيرًا من الإسرائيليات هو الكتاب الذي عني فيه بالتفسير بالمأثور، وهو (الدر المنثور)، ولعله أوسع التفاسير عنده، ذكر كثيرًا من الروايات في صفة هؤلاء القوم وعظم أجسادهم، مما لا يتفق هو وسنة الله في خلقه، ومما يخالف ما ثبت في الأحاديث الصحيحة؛ من ذلك ما أخرجه ابن عبد الحكم عن أبي ضمرة قال: "استظل سبعون رجلًا من قوم موسى في خفِّ رجلٍ من العماليق"، خفِّ رجلٍ وسع سبعين رجلًا -يعني: كأنه خيمة كبيرة وسعت قبيلة من القبائل، ومثل ما أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) عن زيد بن أسلم قال: "بلغني أنه ر ئ يت ضبع وأولادها رابضة في حجاج عين رجل من العماليق"، في حجاج؛ يعني: حاجب عظيم، الحاجب فقط، كان داخله هذه الضبعة وأولادها، جالسة بأولادها في هذه المقلة الكبيرة. ومثل ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "أُمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة -وهي أريحاء- فبعث إليهم اثني عشر نقيبًا من كل سبطٍ منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيبتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا -أي بستانًا لبعضهم- فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه، فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم، فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أخاه وصديقه، ويقول: اكتم عني، فأشيع في عسكرهم،
следующие страницы →