Полный текст (408 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
المبارزة، انتدب له داود، فأعطاه طالوت فرسًا ودرعًا وسلاحًا، فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبًا، ثم لم يلبس أن نزع ذلك، وقال لطالوت: إن لم ينصرني الله لم يغنِ عني هذا السلاح شيئًا، فدعني أقاتل جالوت كما أريد، قال: فافعل ما شئت، قال: نعم، أخذ داود مخلاته، فتقلدها - يعني لبسها على كتفه - وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم، وكان يهزم الجيش وحده، وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد -البيضة هي ما يلبسه المحارب على رأسه - ولكن هذا الثقل، ثلاثمائة رطل حديد، هذا من أكاذيب بني إسرائيل وتخريفاتهم، فيعني أي عاقل يدري كيف يمكن لجالوت أن يحارب وعلى رأسه هذا الثقل، وهذا القدر من الحديد، ثلاثمائة رطل يعني ١٥٠ كيلو جرامًا من الحديد، طبعًا هذا كلام لا يعقل، وأيضًا يكون حمل على رأسه ما يزيد على ثلاثة قناطير من الحديد، وذكروا في وصفه أنَّ ظله كان ميلًا، وهذا لا شك من خرافات بني إسرائيل.
المهم تقدم جالوت كما ذكروا على رأسه هذا الثقل، فلما نظر إلى داود، ألقى الله في قلبه الرعب، وبعد مقاولة بينهما، وتوعد كل منهما الآخر، أخرج داود حجرًا من مخلاته، ووضعه في مقلاعه، وقال: ب اسم إله إبراهيم، ثم أخرج الآخر وقال: ب اسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب، ووضعه في مقلاعه، فصارت كلها حجرًا واحدًا، ودور داود المقلاع، ورمى به فسخر الله له الريح، حتى أصاب الحجر أنف البيضة، فخلص إلى دماغه، وخرج من قفاه -أي: جالوت - وقتل من ورائه ثلاثون رجلًا، وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلًا صريعًا، وأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح جيش طالوت فرحًا شديدًا؛ لأنَّ الله نصر داود على جالوت.
стр. 247
وانصرفوا إلى مدينتهم سالمين والناس يذكرون بالخير داود، فجاء داود طالوت، وقال له أنجز لي ما وعدتني، فقال: وأين الصداق؟ فقال له داود: ما شرطت علي صداقًا غير قتل جالوت، ثم اقترح عليه طالوت أن يقتل مائتي رجل من أعدائه م، ويأتيه بغلفهم -الغلف هي ما يقطع عند الختان- ففعل داود فزوجه طالوت ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه، وأكثروا ذكره فحسده طالوت، وعزم على قتله، فأخبر ابنة طالوت رجلًا من أتباعه، فحذرت داود وأخبرته بما عزم أبوها عليه، وبعد مغامرة من طالوت لقتل داود ومكيدة وحيلة من داود، أنجى الله داود ﵇ فلما أصبح الصباح وتيقن طالوت أن داود لم يقتل، خاف منه فتوجس خيفة واحتاط لنفسه، ولكن الله أمكن داود منه ثلاث مرات ولكن لم يقتله، ثم كان أنَّ فر داود من طالوت في البرية، انظر إلى هذا الكذب، فرآه طالوت ذات يوم فيها فأراد قتله، ولكن داود دخل غارًا وأمر الله العنكبوت فنسجت عليه من خيوطها، وبذلك نجى من طالوت، ولجأ إلى الجبل، وتعبد مع المتعبدين.
فطعن الناس في طالوت بسبب داود واختفائه، فأسرف طالوت في قتل العلماء والعباد، ثم كان أن وقعت التوبة في قلبه، وندم على ما فعل وحزن حزنًا طويلًا، وصار يطلب من يفتيه أن له توبة، فلم يجد؛ حتى دُل على امرأة عندها اسم الله الأعظم، فذهب إليها وأمن روعها، فانطلقت به إلى قبر "إشماويل" فخرج من قبره، وأرشده إلى طريق التوبة، وهو أن يقدم ولده ونفسه في سبيل الله حتى يقتلوا، ففعل وجاء قاتل طالوت إلى داود؛ ليخبره بقتله، فكانت مكافأته على ذلك أن قتله، وأ تى بنو إسرائيل إلى داود، وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم.
стр. 248
هذه الإسرائيليات، يعلق شيخنا، يقول: استغرق ذلك من (تفسير البغوي) بضع صحائف؛ يعني هذه القصة فيها تفاسير وكلام فيه الحق والباطل والصدق والكذب، وليس عندنا ما يدل على وجه اليقين على ثبوت شيء من ذلك.
يقول شيخنا: وفي هذا الذي ذكروه الحق والباطل والصدق والكذب، ونحن في غنية عنه لما في أيدينا من القرآن والسنة، وليس في كتاب الله ما يدل على ما ذكرو هـ، ولسنا في حاجة إلى شيء من هذا في فهم القرآن وتدبره؛ أي أنَّ تفسير الآيات لا يحتاج إلى هذا الكلام، وتلك الإسرائيليات التي أكثرها باطل لا يصدق ولا يعقل، فلا تلقي إلى ذلك بالًا، وارمِ به دبر أذنيك، كما قال شيخنا الشيخ أبو شهبة؛ فإن فيه تجنيًا على من اصطفاه الله ملكًا عليهم؛ يعني الصفات التي ذكروها عن طالوت، وهو الملك الذي اصطفاه عليهم، صفات تنقيص لا تليق بمن اصطفاه الله واجتباه ملكًا عليهم.
كما أنَّ في هذه الإسرائيليات كذبًا على نبي الله داود ﵇، ويرحم الله الإمام العلامة ابن كثير، فقد أعرض عن ذكر هذه الترهات، وهذه الأباطيل، ونبه إلى أنها من الإسرائيليات، فقال في قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ (البقرة: ٢٥١)، ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، حتى كلمة ابن كثير وهو يقول: ذكروا في الإسرائيليات؛ هذا يؤكد أنه من الإسرائيليات، وأن هذا أكثره مأخوذ من كتبهم التي حرفت واتهمت الأنبياء والرسل بما لا يليق بعصمتهم، " انظر (التوراة) صفر صمويل الأول، الإصحاحات ١٦، ١٧، ١٨ " ترى فيها من الأكاذيب ما نقل نصًّا في كتب التفاسير، ونحن في غنًى عن كل ذلك.
كلام ابن كثير، يقول: ذكروا في الإسرائيليات أن داود قتل جالوت بمقلاعٍ كان في يديه أصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته،
стр. 249
ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾، الملك الذي كان بيد طالوت، والحكمة؛ أي النبوة بعد "شمويل"، ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾؛ أي: من العلم الذي اختصه به ﵊.
الإسرائيليات التي وردت في قصة موسى ﵇ -
في قصة موسى ﵇ الكثير والكثير، وكنا تكلمنا عن نبي الله موسى وعن زواجه من بنات شعيب، وتكلمنا عن إفساد بني إسرائيل، وتكلمنا عن مواقف عدة، وها نحن ننتقل إلى عنوانٍ جديد، وهو: الإسرائيليات في عظم خلق الجبارين؛ القوم الجبارون الذين قال بنو إسرائيل لموسى: إن فيها قومًا جبارين، وخاف وا منهم، وما ورد في شأن عوج بن عنق من الخرافات.
الإسرائيليات التي وردت في هذا أيضًا كثيرة، أما الآيات فهي قول الله : ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون﴾ (المائدة: ٢٢)، الحقيقة إنّ بني إسرائيل مواقفهم كثيرة، فيها التعنت، فيها الجبن والخور، فيها الخوف، فيها الكبرياء، فيها الإفساد الذي لم يحدث له نظير بين البشر، إلى ما ذكر في هذا الشأن.
ذكر الجلال السيوطي في (الدر) عندما نتكلم عن السيوطي نحدد كتابه، لماذا؟ لأن الإمام السيوطي دون غيره من علماء التفسير والمفسرين عبر القرون له أكثر من تفسير؛ يعني إذا عرف ابن جرير بتفسيره في تفسير القرآن الكريم، هو تفسير واحد، (تفسير ابن جرير الطبري)، ابن كثير تفسير واحد، إنما الإمام السيوطي له (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) وله (تفسير الجلالين) وله (مطلع البدرين ومجمع
стр. 250
البحرين) وله (ترجمان القرآن) وله أيضًا تفسير (نواهد الأبكار وشواهد الأفكار) فعندما نقول السيوطي نحدد تفسيره.
الكتاب الذي حوى كثيرًا من الإسرائيليات هو الكتاب الذي عني فيه بالتفسير بالمأثور، وهو (الدر المنثور)، ولعله أوسع التفاسير عنده، ذكر كثيرًا من الروايات في صفة هؤلاء القوم وعظم أجسادهم، مما لا يتفق هو وسنة الله في خلقه، ومما يخالف ما ثبت في الأحاديث الصحيحة؛ من ذلك ما أخرجه ابن عبد الحكم عن أبي ضمرة قال: "استظل سبعون رجلًا من قوم موسى في خفِّ رجلٍ من العماليق"، خفِّ رجلٍ وسع سبعين رجلًا -يعني: كأنه خيمة كبيرة وسعت قبيلة من القبائل، ومثل ما أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) عن زيد بن أسلم قال: "بلغني أنه ر ئ يت ضبع وأولادها رابضة في حجاج عين رجل من العماليق"، في حجاج؛ يعني: حاجب عظيم، الحاجب فقط، كان داخله هذه الضبعة وأولادها، جالسة بأولادها في هذه المقلة الكبيرة.
ومثل ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "أُمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة -وهي أريحاء- فبعث إليهم اثني عشر نقيبًا من كل سبطٍ منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيبتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا -أي بستانًا لبعضهم- فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه، فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم، فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أخاه وصديقه، ويقول: اكتم عني، فأشيع في عسكرهم،
стр. 251
ولم يكتم منهم إلا رجلان؛ يوشع بن نون وكا رم بن يوحنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ (المائدة: ٢٣).
ويروي ابن جرير بسنده عن مجاهد نحوًا مما قدمنا الآن، ثم يذكر: "أن عنقود عنبهم، لا يحمله إلا خمسة أنفس، بينهم فيه خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة" إلى غير ذلك من الإسرائيليات الباطلة.
هيا ننتقل إلى خرافة عوج بن ع ن ق:
فمن الإسرائيليات الظاهرة البطلان أيضًا التي ولع بذكرها بعض المفسرين والإخباريين عند ذكر الجبارين؛ قصة عوج بن عنق، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنه كان يمسك الحوت فيشويه في عين الشمس، وأن طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه، وأنه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، وأن موسى كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع، ووثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج بن عنق فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة، إلى نحو ذلك من الخرافات والأباطيل التي تصادم العقل والنقل، وتخالف سنن الله في الخليقة.
يقول شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة: ولا أدري كيف يتفق هذا الباطل، وقول الله ﵎: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِين * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِين﴾ (هود: ٤٢، ٤٣) اللهم إلا إذا كان عوج أطول من جبال الأرض.
فمن تلك الروايات الباطلة المخترعة ما رواه ابن جرير بسنده عن أسباط عن السدي في قصة ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل، وبعث موسى النقباء الاثني
стр. 252
عشر، وفيها: فلقيهم رجل من الجبارين، يقال له: عوج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته -الحجزة: موضع الرباط على السروال- يعني أخذ الاثني عشر رجلًا فجعلهم في داخلة جزءٍ من الإزار، وعلى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي، فقالت امرأته: بل خلي عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، كلام لا يصدقه العقل.
وكذلك ذكر مثل هذا وأشنع منه غير ابن جرير والسيوطي بعض المفسرين والقصاصين، وهي كما قال ابن قتيبة: أحاديث خرافة، كانت مشهورة في الجاهلية، ألصقت بالحديث، بقصد الإفساد.
وينقل شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة، يقول: وإليك ما ذكره الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في ت فسيره، قال: وقد ذكر كثير من المفسرين ها هنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنَّ منهم عوج بن عنق، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلثا ذراع " تحرير الحساب " وهذا شيء يُستحيا من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في (الصحيحين)؛ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)).
أنا أقف مع هذا الحديث وقفة يسيرة، ستون ذراعًا؛ أي ثلاثون مترًا، والخلق من آدم يتناقصون، فإذا ذكروا أن عوج بن عنق هذا كان طوله ثلاثة آلاف ذراع؛ يعني آدم ﵇ ستون ذراعًا، وهذا الذي جاء من بعده بأجيال، طوله ثلاثة آلاف ذراع، وكان يمسك الحوت فيشويه في عين الشمس، وأن طوفان نوح لم يصل
стр. 253
إلى ركبتيه، وأن موسى كان بطوله هذا وعشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع ووثب في الهواء، ثم ما بلغ كعب عوج هذا، هذا كلام لا يعقل، وما أجمل سوق هذا الحديث من ابن كثير: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)).
ثم ذكروا أنّ هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زانية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه، وهذا كذب وافتراء؛ صدق ابن كثير، العلامة الناقد الحافظ، يستدرج أو يواصل الكلام فيقول: وهذا كذب وافتراء، فإنّ الله تعالى ذكر أن نوحًا ﵇ دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (نوح: ٢٦)، وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِين﴾ (الشعراء: ١١٩، ١٢٠)، وقال تعالى: ﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾، وإذا كان ابن نوح الكافر قد غرق فكيف يبقى عوج بن ع ن ق وهو كافر وولد زانية أو ولد امرأة زنية، هذا لا يسوغ في العقل، ولا في الشرع، ثم في وجود رجل يقال: له عوج بن ع ن ق نظر؛ يعني: في وجود رجل بهذا الاسم نظر والله أعلم. هذا كلام العلامة ابن كثير في ت فسيره.
وينقل الدكتور أبو شهبة، فيقول: وقال العلامة ابن قيم الجوزية، بعد أن ذكر حديث عوج بن عنق: وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث، وكذب على الله، وإنّما العجب ممن يدخل هذا في كتب العلم من التفسير وغيره، فكل ذلك من وضع زنادقة أهل الكتاب، الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل وأتباعهم، أقول -الكلام لابن القيم-: وسواء أكان عوج بن عنق شخصية وجدت حقيقة، أو شخصية خيالية فالذي أنكره هو ما أضفوه عليه من صفات، وما حاكوه حوله من أثواب الزور والكذب والتجرؤ على أن يفسر كتاب الله بهذا
стр. 254
الهراء، وليس في نص القرآن ما يشير إلى ما حكوه وذكروه، ولو من بعد أو على وجه الاحتمال، ثم أين زمن نوح من زمن موسى ﵉ وما يدل عليه آية: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ (المائدة: ٢٢)، كان في زمن موسى قطعًا، ولا مرية في هذا، فهل طالت الحياة بعوق حتى وصل إلى زمن موسى؟ بل قالوا: إن موسى هو الذي قتله، ألا لعن الله اليهود، فكم من علمٍ أفسدوا، وكم من خرافات وأباطيل وضعوا وزينوا.
بهذا ننتهي من الحديث عن هذا الشخص الذي يدعى عوج بن عنق والخرافات التي انتشرت وفشت في إسرائيليات بني إسرائيل.
ننتقل بعد ذلك إلى قصة أخرى وهي تتعلق بموسى ﵇ وما أكثر مواقف موسى في القرآن.
كان هناك قصة تسمى قصة التيه التي وردت فيها الآية، وهي قول الله - جل وعلا - بعد أن قال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾ (المائدة: ٢٥، ٢٦).
حول هذه الآية في تفسيره أخبار عجيبة، رواها المفسرون، وتناقلوها في قصة التيه، من ذلك ما رواه ابن جرير بسنده عن الربيع، قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾، وهم يومئذٍ ستمائة ألف مقاتل، فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ
стр. 255
ستة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادين؛ لكي يخرجوا منها حتى يمسوا وينزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، وأنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل عليهم المن والسلوى.
المن والسلوى من نعم الله على بني إسرائيل، المن شيء كالعسل كان ينزل على الشجر من السماء فيأخذون ويأكلون، والسلوى طير لذيذ الطعم جدًّا يشبه طائر السماني، كما قال العلماء.
أنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته، وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما أنزل القوم، ضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عين ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ (الأعراف: ١٦٠).
وكذلك روي أن ثيابهم ما كانت تبلى ولا تتسخ، وكذلك نقل بعض المفسرين؛ كالزمخشري وغيره: أنهم كانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثن اعشر ميلًا، وكذلك ذكروا أن الحجر كان من الجنة، ولم يكن حجرًا أرضي ًّ ا، ومنهم من قال: كان على هيئة رأس إنسان، ومنهم من قال: كان على هيئة رأس شاة، وقيل: كان طوله عشرة أذرع وله شعبتان تتقدان في الظلام إلى غير ذلك من تزيدات بني إسرائيل.
وليس في القرآن ما يدل على هذا الذي ذكروه في وصف الحجر، مع أنّه لو أريد بالحجر الجنس وأن يضرب أيَّ حجر ما، لكان أدل على القدرة وأظهر في الإعجاز.
لاحظ ابن خلدون من قبل المغالط التي تدخل في مثل هذه المرويات، فقال في مقدمته: اعلم أنّ فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية، إذ هو
стр. 256
يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يروم في أحول الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت.
ويستطرد قائلًا: ولو قيس الغائب منها على الشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غث ًّ اأو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها ولا ثبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات.
ويستطرد ويقول: إن هذه الحكايات هي مظنة الكذب، ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد، وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل وأن موسى أحصاهم في التيه، بعد أن أجاز من كان يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون، ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد، ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير، يشهد لذلك ما كان من غلب " بختنصر " لهم والتهامه بلادهم واعتدائه على أمرهم وتخريب بيت المقدس، إلى آخره، وكانت ممالكهم بالعراق وخرسان وما وراء النهر، أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير، ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبًا منه، وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرين ألفًا كلهم متبوع إلى آخره.
ويستطرد ابن خلدون، يقول: فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لاتسع نطاق ملكهم، وانفسح مدى دولتهم، إلى آخره، وأيضًا فالذي بين موسى وإسرائيل
стр. 257
إن هو إلا أربعة آباء على ما ذكره المحققون، فإنه موسى بن عمران بن يصفر بن قاهف بن لاوي بن يعقوب، وهو إسرائيل؛ إسرائيل الله، هكذا نسبه في التوراة، والمدة بينهما على ما نقله المسعودي، قال: دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط، وأولادهم حين أتوا إلى يوسف، إلى آخر ما ذكره.
ثم قال في آخر قوله: إنَّ هذا الذي ذكروه من الأعداد، والذي تجاوز ما يعقل، وكل هذا نجد زعمًا باطلًا ونقلًا كاذبًا، فالذي ثبت في الإسرائيليات أنَّ جنود سليمان كانت اثني عشر ألفًا خاصة، وأن مركوباته كانت ألفًا وأربعمائة فرس.
هذا هو الصحيح من أخبارهم، ولا يلتفت إلى خرافات العامة، منهم، وفي أيام سليمان ﵇ وملكه كان عنفوان دولتهم.
وهذا الفصل من النفاسة بمكان؛ فلذلك حرصت على ذكره؛ لأنه يفيدنا في رد الكثير من الإسرائيليات التي وقعت فيها المغالط والأخبار الباطلة والخرافات التي كانت سائدة في العصور الأولى.
هذا ما ختم به شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة، نقل عن ابن خلدون من مقدمته ما يؤكد كذب أخبارهم وخرافاتهم التي تناقلها المفسرون في معاني الآيات.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.
стр. 258
الدرس: ١٥ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٣) .
стр. 259
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٣))
الإسرائيليات التي وردت في قصة إدريس ﵇ -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
سيدنا إدريس ﵇ هو أحد الرسل الذين ذكروا في القرآن الكريم، والقرآن الكريم تناول بعض الرسل بكثير من المواقف، ومناهج الدعوة، ومواقف أقوامهم؛ كموسى، ونوح، وإبراهيم، وعيسى ﵇ وهناك من الرسل من تناولتهم آيات قليلة، فلم يكن لهم ذكر إلا في مواضع معدودة في القرآن الكريم؛ من هؤلاء سيدنا إدريس ﵇ ولنبدأ بموجز عنه:
هو إدريس بن ي ارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇ وسواء هذا النسب هو صحيح يقينًا أو من كلام كتاب التاريخ، وكتاب السير، هو على كل حال قريب من أبينا آدم ﵇ وواضح أنه إذا كان بينه وبين أبيه آدم خمسة آباء، فهو يقينًا قبل سيدنا نوح ﵇ ذكر أن اسمه في التوراة سيدنا "أخنوخ" وفي الترجمة العربية بنفس المعنى كتب هذا أصحاب قصص الأنبياء، كالشيخ عبد الوهاب النجار، وغيره.
الآيات التي تحدثت عن سيدنا إدريس كما قلت قليلة قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (مريم: ٥٦، ٥٧).
قال الإمام أبو السعود عند قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى، وقيل: علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى، عن رسولنا ﵊: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ (الشرح: ٤)، وقيل: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، قيل: في الجنة، وقيل: السماء السادسة، أو الرابعة.
روي عن كعب وغيره في بسبب رفع إدريس ﵇: أنه سئل ذات يوم في حاجة، فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب، إني قد مشيت فيها يومًا، وقد أصابني
стр. 260
منها ما أصابني، فكيف من يحملها مسيرة خمسمائة عام، في يوم واحد؟! اللهم خفف عن هـ من ثقلها وحرها، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يُعرف، فقال: يا رب ما الذي قضيت فيه، فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فأجبته، قال: يا رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن الله تعالى له فرفعه إلى السماء.
الدخيل في هذا كما قال زميلنا الدكتور على حسن رضوان: أقول ما ذكره أبو السعود من أقوال في معنى الآية محتملة المعنى المراد منها؛ إذ إن الذي أنبأت عنه الآية يحتمل عدة احتمالات: يحتمل أن يكون العلو معنويًّا، وهو علو الرتبة بشرف النبوة، أو بالذكر الجميل في الدنيا -كما قال أبو السعود- ويحتمل أن يكون العلو حسيًّا ب رفعه إلى السماء، وإن كنت أميل إلى الرأي الثاني لما في ذلك من خبر صحيح عن المعصوم ﷺ يؤيده، وهو ما ثبت في (الصحيحين) عن أنس ﵁ في حديث المعراج أنّه ﷺ رأى إدريس في السماء الرابعة، الحديث في (البخاري) " كتاب: مناقب الأنصار، باب " المعراج ".
وإليه ذهب الفخر الرازي في تفسيره حيث قال: إن المراد به الرفعة في المكان إلى موضع عالٍ وهذا أولى؛ لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان لا في الدرجة.
أما القول بأن إدريس ﵇ في الجنة أدخلها بعد أن أذيق الموت وأحيي، فهو خبر موضوع والمتهم به إبراهيم بن عبد الله المصيصي؛ إذ إن الهيثمي أورده في (مجمع الزوائد) من حديث أم سلمة، وعزاه للطبراني في (الأوسط)، وقال: في إسناده إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، وهو متروك؛ انظر (مجمع الزوائد) " كتاب: ذكر الأنبياء " للهيثمي.
стр. 261
قلت - كلام للدكتور علي رضوان -: قال عنه الذهبي في (الميزان): هذا رجل كذاب، وقال الحاكم: أحاديثه موضوعه، وأما ما ذكره أبو السعود في سبب رفع إدريس ﵇ من أنه مشى يومًا في الشمس فأصابه وهجها، فسأل ربه أن يخفف ثقلها عما يحمله فاستجاب له، ولما أصبح الملك وجد من خفتها وحرها ما لا يعرف، فسأل ربه عن ذلك فقال له ربه: إن عبدي إدريس سألني تخفيف حملها عنك، فأجبته، فقال: يا رب اجعل بيننا خلة، فأذن له فرفعه إلى السماء، فلا يشك عاقل في أنه من أخبار كعب الإسرائيلية التي نقلها عن أهل الكتاب والتي لا تصح سندًا ولا مخبرًا ومن ثم فلا يسوغ نقلها ولا روايتها.
وهذا الذي ذكره أبو السعود سبقه إليه من سبقه من المفسرين؛ ابن جرير الطبري، فقد روى عن كعب الأحبار أيضًا خبرًا يتعلق بنفس السبب، ولكن بسياق آخر، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يسار قال: سأل ابن عباس كعب، وأنا حاضر، قال: ما قول الله تعالى لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني رافع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن تزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إنَّ الله أوحى إليَّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملًا، فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كانت السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت، منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، فقال ملك الموت: العجب، بعثت، وقيل: اقبض لي روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، ف ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. . قال ابن كثير: هذا من أخبار كعب الأحبار.
стр. 262
وفي رواية لكعب أنّ إدريس قال للملك: هل لك أن تسأل ملك الموت، كم بقي من أجلي كي أزداد من العمل؟ وفيه أنه لما سأله قال: لا أدري، حتى أنظر، فنظر ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلى طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه، فإذا هو قد قبض ﵇ وهو لا يشعر به، هذه من الإسرائيليات.
ورواه ابن أبي حاتم عن السدي بنحو هذا السياق، وفي القرطبي، قال السدي: إنه نام ذات يوم -أي سيدنا إدريس- واشتد عليه حر الشمس، فقال: وهو منها في كرب، فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس حرها، وأعنه على ثقلها، ثم ذكر نحو حديث كعب، قال ابن كثير: وهذا من أخبار كعب الأخبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.
وفي ذلك دلالة واضحة على أن ما ذكر من الإسرائيليات التي يذكرها الرواة عن أهل الكتاب، فهي من الإسرائيليات، على أن رواية السدي يكفي في إبطالها نسبتها إليه، فهو من عرف عنه الكذب، وعدم الثقة بمروياته؛ ولذلك قال عنه الإمام البخاري: سكتوا عنه لا يكتب حديثه، وقال ابن معين عنه: ليس بثقة، وقال النسائي: متروك، وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتابة أحاديثه.
أما حديث كعب، فقد ساقه الحافظ ابن كثير في (التفسير)، نقلًا عن ابن جرير، ووصفه بأنه أثر غريب عجيب، ثم حكم عليه كما أسلفت الآن، بأنه من الإسرائيليات، وقال: إن فيه نكارة شديدة، وتبعه في ذلك الحافظ ابن حجر، حيث قال تعقيبًا على هذا الخبر: وهذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحة ذلك.
стр. 263
نتساءل الآن ما الرأي الصحيح في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، نقول: الأسلم تفويض علم ذلك إلى الله تعالى، وقد قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس، أن إلياس هو إدريس واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري، عن أنس في الإسراء، أنه لما مر به ﵇ قال: ((مرحبًا بالأخ الصالح))، ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، فلو كان في عمود نسبه، لقال له كما قالاه له، وقال الحافظ ابن كثير بعد أن نقل ذلك: وهذا لا يدل، ولا بد؛ لأنه قد لا يكون الراوي حفظ جيدًا، أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتسب له في مقام الأبوة كما انتسب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
مما تقدم يبدو واضحًا أن ما ذكره أبو السعود، والمفسرون الآخرون في سبب رفع إدريس ﵇ أن هذا من الإسرائيليات التي لا حاجة لنا بها ومن التزايدات التي لا أصل لها، وفي الكتاب الكريم والسنة الصحيحة غنية عن الغرائب، والآراء الاجتهادية، ويكفينا في هذا المقام، أن نعتقد أن الله كرم إدريس، ورفعه مكانًا عليًّا؛ سواء كانت الرفعة في الدرجة أم في المكان؛ يعني معنويًا أو حسيًّا، الآية صرحت بهذه الدرجة، ولم تفصح لنا عن كنهها وكيفيتها إلى آخر الكلام، فيجب الإيمان بها كما يجب الوقوف عند القدر الذي أخبر الله به دون تفصيل ما لم يرد به نص قرآني صريح، أو خبر متواتر عن المعصوم ﷺ ولا يجوز لنا الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه، وحينئذٍ نأخذ بما قام عليه الدليل القاطع، لا بما يحكيه القصاصون والإسرائيليون.
هذا باختصار ما تناقله أكثر المفسرين في شأن إدريس ﵇.
стр. 264
الإسرائيليات التي وردت في قصة إلياس ﵇ -
فمن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير ما ذكروه في قصة إلياس ﵇ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُون * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِين * وَاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِين * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِين * سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِين * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِين﴾ (الصافات: ١٢٣ - ١٣٢).
روى البغوي، والخازن، وصاحب (الدر المنثور) الإمام السيوطي، وغيرهم؛ عن ابن عباس، والحسن وكعب الأحبار ووهب بن منبه مرويات تتعلق بإلياس ﵇ قال صاحب (الدر المنثور): أخرج ابن عساكر عن الحسن ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين﴾، قال: إن الله تعالى بعث إلياس إلى بعلبك، وكانوا قومًا يعبدون الأصنام، وكانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة، كل ملك على ناحية يأكلها، وكان الملك الذي كان إلياس معه يقوّم له أمره، ويقتدي برأيه، وهو على هدى من بين أصحابه، حتى وقع إليه م قوم من عبدة الأصنام، فقالوا له: ما يدعوك إلا إلى الضلالة والباطل، وجعلوا يقولون له: اعبد هذه الأصنام، هذه الأوثان التي تعبد الملوك، وهم على ما نحن عليه يأكلون ويشربون، وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم من ربهم الذي تزعم أنه باطل، وما لنا عليهم من فضل، فاسترجع إلياس، فقام شعر رأسه وجلده، فخرج عليه إلياس.
стр. 265
قال الحسن: وإن الذي زين لذلك الملك امرأته، وكانت قبله تحت ملك جبار، وكان من الكنعانين في طول وجسم وحسن، فمات زوجها، فاتخذت تمثالًا على صورة بعلها من الذهب، وجعلت له حدقتين من ياقوتتين وتوجته بتاج مكلل بالدر والجوهر، ثم أقعدته على سرير تدخل عليه فتدخنه وتطيبه وتسجد له، ثم تخرج عنه، فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه، وكانت امرأة فاجرة، قد قهرت زوجها، ووضعت البعل في ذلك البيت، وجعلت سبعين ساجنًا فعبدوا البعل - السجنة: الساجن هو الخادم الذي يقوم على خدمة الأصنام، جعلت سبعين ساجنًا فعبدوا البعل - فدعاهم إلياس إلى الله فلم يزدهم ذلك إلا بعدًا.
فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك، فغير ما بهم من نعمتك، فأوحى الله إليه: إني قد جعلت أرزاقهم بيدك، فقال: اللهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إلى الملك فتاه "اليسع" -اليسع هذا قد نشأ على يديه- فقال له: قل له: إن إلياس يقول لك: إنك اخترت عبادة البعل، على عبادة الله، واتبعت هوى امرأتك، فاستعد للعذاب والبلاء، فانطلق اليسع، فبلغ رسالته للملك، فعصمه الله تعالى من شر الملك، وأمسك الله عنهم القطر حتى هلكت الماشية والدواب، وجهد الناس جهدًا شديدًا، وخرج إلياس إلى ذروة جبل، ف كان الله يأتيه برزق، وفجر له عينًا معينًا لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجهد، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلوا البعل أن يفرج ما بنا، فأخرجوا أصنامهم فقربوا لها الذبائح وعطفوا عليها وجعلوا يدعون حتى طال ذلك بهم، فقال لهم الملك: إن إله إلياس كان أسرع إجابة من هؤلاء، فبعثوا في طلب إلياس، فأتى، فقال: أتحبون أن يفرج عنكم؟ قالوا: نعم، قال: فأخرجوا أوثانكم، فدعا إلياس ﵇ ربه أن
стр. 266
يفرج عنهم، فارتفعت سحابة مثل الترس -الترس يعني ثياب يلبسه المحارب، يعني جاءت سحابة تغطي المكان - وهم ينظرون ثم أرسل الله عليهم المطر، فتابوا ورجعوا.
قال: وأخرج ابن عساكر عن كعب ﵁ قال: أربعة أنبياء اليوم أحياء؛ اثنان في الدنيا: إلياس والخضر، واثنان في السماء عيسى وإدريس، قال: وأخرج ابن عساكر عن وهب ﵁ قال: دعا إلياس ﵇ ربه أن يريحه من قومه، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار، فاركبها فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس، لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به، فكان آخر العهد به، فكساه الله الريش، وكساه النور، وق ط ع عنه لذة المطعم والمشرب فصار في الملائكة ﵇.
قال: وأخرج ابن عساكر عن الحسن ﵁ قال: إلياس ﵇ موكل بالفيافي، والخضر ﵇ موكل بالجبال، وقد أ ُ عطي الخلد في الدنيا، إلى الصيحة الأولى -أي: إلى النفخة الأولى- وأنهم يجتمعان كل عام بالموسم. كلام لا دليل عليه، يدعي أنَّ إلياس يلتقي مع الخضر ﵉ وكل عام يجتمعان هذا كلام رواه هؤلاء عن ابن عساكر.
وأخرج الحاكم عن كعب ﵁ قال: كان إلياس صاحب جبال وبرية، يخلو فيها يعبد ربه وكان ضخم الرأس، خميص البطن، دقيق الساقين، في صدره شامة حمراء، وإنّما رفعه الله إلى أرض الشام، لم يصعد به إلى السماء، وهو الذي سماه الله ذا النون. كل هذا من روايات السيوطي في (الدر).
التعقيب على هذا لشيخنا الدكتور محمد أبو شهبة يقول: وكل هذا من أخبار بني إسرائيل وتزايداتهم، واختلاقاتهم، وما روي منها عن بعض الصحابة
стр. 267
والتابعين، فمرجعه إلى مسلمة أهل الكتاب؛ ككعب ووهب وغيرهما، وقد رأيت كيف تضارب وتناقض كعب ووهب؛ فكعب يقول: لم يصعد به إلى السماء، ويزعم أنه ذو النون، ووهب يقول: إنه رفعه إلى السماء، وصار في عداد الملائكة ﵈، وأ ن بعض الروايات تقول: إنه الخضر، والبعض الآخر يقول: إنه غير الخضر، إلى غير ذلك من الاضطرابات والأباطيل، كزعم مختلق الروايات الأولى؛ أن الله أوحى إلى إلياس إني قد جعلت أرزاقهم بيدك، بينما في بعض الروايات الأخرى أن الله أبى عليه ذلك مرتين وأجابه في الثالثة، وهكذا الباطل يكون مضطربًا لجلجًا، وأما الحق فهو ثابت أبلج، وواضح.
ولم يقف الأمر عند نقل هذه الإسرائيليات عمن ذكرنا، بل بلغ الافتراء ببعض الزنادقة والكذابين إلى نسبة ذلك إلى النبي ﷺ كي يؤيد به أكاذيب بني إسرائيل وخرافاتهم، وكي يعود ذلك بالطعن على صاحب الرسالة العامة الخالدة - صلوات الله وسلامه عليه - قال السيوطي (الدر): وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "الخضر هو إلياس".
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في (الدلائل) وضعفه عن أنس ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلًا، فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفورة المثاب لها، فأشرفت على الوادي، فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع وأكثر فقال: من أنت؟ قلت: أنس خادم رسول الله ﷺ فقال: أين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامك، قال: فأته وأقرئه مني السلام، وقل له: أخوك إلياس يقرئك السلام، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فجاء حتى عانقه وقعدا يتحدثان، فقال له: يا رسول الله إني إنما آكل في كل سنة يومًا، وهذا يوم
стр. 268
فطري فكل أنت وأنا فنزلت عليهما مائدة من السماء وخبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني وصليا العصر، ثم ودعني وودعته، ثم رأيته مر على السحاب، نحو السماء.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الإمام الذهبي: بل هذا حديث موضوع، قبح الله من وضعه، ثم قال -أي الذهبي-: وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح مثل هذا. وأخلق بهذا أن يكون موضوعًا، كما قاله الإمام الحافظ الناقد البصير الإمام الذهبي، هذه القصة أيضًا لها أطراف أُخر تناولها كثير من المفسرين يمكن جمع أطرافٍ منها فيما يلي:
قال الطبري عن تسمية إلياس: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص، ينتهي نسبه إلى هارون، أخي موسى، فهو إسرائيلي من سبط هارون، وفي (العجائب) للكرماني: أنه ذو الكفل، وعن وهبٍ أنه عمّر كما عمّر الخضر، ويبقى إلى فناء الدنيا، وسبق القول عن ابن عساكر عن الحسن أن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار -هذا اختلاف في الروايات الفيافي؛ أي: الصحاري والخضر موكل بالبحار- والجزائر وأنهما يجتمعان كل عام.
وحديث اجتماعه مع النبي ﷺ في الأسفار وأكله معه من مائدة نزلت عليهما ﵉ من السماء خبز وكذا وكذا، والصلاة صليا العصر معًا، هذا مما رواه الحاكم وصححه، ولكن سبق القول بأنه موضوع كما عقب شيخنا الإمام الذهبي.
قال العلامة ال ألوسي: وكل ذلك من التعمير أنه معمر، وأنه يلتقي مع الرسول وكذا، وأكل كل هذا، وما بعده لا يعول عليه. وحديث الحاكم ضعفه البيهقي، وسبق القول أن الذهبي قال: إنه موضوع قبح الله تعالى من وضعه.
стр. 269
وأخرج كثيرون: عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن ابن مسعود: أن إلياس هو إدريس. ونُقل عنه أنه قرأ -يعني عبد الله بن مسعود-: "وإن إدريس لمن المرسلين"، كأن الآية: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين﴾، هناك قراءة لابن مسعود: "وإن إدريس لمن المرسلين"، والحكم بأنه إدريس هذا قول الضحاك أيضًا، قال ال ألوسي: والمستفيض في القراءة عن ابن مسعود أنه قرأ كالجمهور: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِين﴾، نعم قرأ ابن وثاب والأعمش والمنهال بن عمرو، والحكم بن عتيبة الكوفي كذلك، ثم أخذ العلامة الألوسي يرد القول بزعم أنّ إلياس هو إدريس، الذي قال الله عنه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ لأنَّ إدريس كان بعد آدم بقليل كما سبق في ذكر نسبه أول القصة، هو قريب من آدم بينه وبين أبيه آدم أربعة أجداد له أو خمسة، وكان قبل نوح بيقين وبزمان، كما ذكر المؤرخون.
فهو على ما قيل -والكلام للعلامة ال ألوسي: اسمه أخنوخ بن يزد بن مهلا ئ يل بن أنوش بن قنان بن شيث بن آدم؛ لا بأس هذا السند يعني إن اتفق مع ما سبق أو اختلف قليلًا، فهو من ولد آدم، قبل نوح.
وفي (المستدرك) عن ابن عباس: أن بينه وبين نوح ألف سنة. وعن وهب: أنه جد نوح. كل هذا يؤكد أن إدريس كان قبل نوح ﵇.
يقول العلامة ال ألوسي: وهذا يمثل إشكالًا؛ لأن الآية تبين أنَّ إلياس من ذرية نوح، أو إبراهيم، فهو غير إدريس الذي عرف بأنه قبل نوح بزمان يقينًا، أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِين﴾ (الأنعام: ٨٣ - ٨٥).
стр. 270
فقوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾، الضمير فيها إما أن يكون لإبراهيم؛ لأن الكلام فيه، وإما أن يكون لنوح؛ لأنه أقرب، ولأن يونس ولوطًا ليسا من ذرية إبراهيم، وعلى التقديرين تقدير أن يكون الضمير ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إما لإبراهيم أو لنوح لا يتسنى نظم إلياس، المراد به إدريس، الذي هو قبل نوح؛ يعني هذا يدل على أنّ إلياس من بعد نوح، ومن بعد إبراهيم، ومن ذريتهما بزمانٍ وزمان، أو من ذرية أحدهما، أما إدريس المذكور أولًا، فكان قبل نوح.
فيقول العلامة ال ألوسي: فنظم إلياس المراد به إدريس الذي هو قبل نوح هذا طبعًا يتناقض، فالله ﵎ قال عنه: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُون﴾ الكلام استكمالًا لما ورد: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُون﴾ (الصافات: ١٢٤)، الكلام عن إلياس: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِين﴾ (الصافات: ٢٥) استنكار من نبي الله إلياس لقومه، أتدعون بعلًا -أي: أتعبدون بعلًا، وهو اسم صنمٍ لهم قيل: كان من ذهب طوله عشرون ذراعًَا وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة ساد ن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوفه، ويتكلم بشريعة الضلال، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، هذا كلام موجود.
وقيل: بعلًا، هو اسم امرأة، أتتهم بضلالة فاتبعوها، قال ال ألوسي: واستأنس له بقراءة بعضهم: "أتدعون بعلاء" بالمد فالكلمة فيها ألف التأنيث الممدودة على وزن حمراء.
وذكر ابن كثير: أن إلياس هو ابن نسيّ بن فنحاص ينتهي نسبه إلى هارون، ولعل هذا نقل عما ذكره الطبري، ثم قال: بعثه الله في بني إسرائيل وكانوا قد عبدوا صنمًا، وكفروا بالله ورسله، ثم قد نشأ على يديه اليسع، فأمر إلياس أن يذهب
стр. 271
إلى مكان كذا وكذا، ثم جاءته الفرس من النار فركب وألبسه الله النور، وكساه الريش، وطار مع الملائكة ملكًا إنسيًّا سماويًّا أرضيًّا، هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب، وعلق عليه الإمام ابن كثير ب قوله: والله أعلم بصحة هذا.
الإسرائيليات التي وردت في قصة إبراهيم ﵇ -
ورد في القرآن الكريم ذكر لأبي الأنبياء إبراهيم ﵇ وهو من هو، هو أبو الأنبياء، وله مواقف عظيمة في القرآن الكريم، فنعرف ما ذكره الله في شأنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (النحل: ١٢٠)، وإبراهيم ﵇ هو صاحب الملة العظيمة التي كان عليها الأنبياء من بعد، وهو أنه كان مسلمًا، صلوات الله وسلامه عليه.
ولإبراهيم في القرآن مواقف متعددة، فله مواقف مع قومه، وله مواقف مع النمرود، وله مواقف مع أبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (مريم: ٤٥)، الآيات .. ، له مواقف كثيرة، وهل أبوه هو آزر الذي ذكر نص ًّ افي الآيات؟ أم أن آزر هذا ليس أباه بل هو عمه؟ كلام حول هذا في كتب التفسير، إسرائيليات وردت في هذه الآيات الكريمات، ولنعد إلى إبراهيم الخليل ﵇.
ذكروا أن اسمه هو إبراهيم بن تارح بن ناحور بن ساروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن أرف ج شاز بن سام بن نوح ﵇ طبيعي أنّ هذا النسب لم يذكر لا في القرآن ولا في صحيح السنة، إنما هذا كتب في تفسير الآيات من المفسرين، ولعله منقول من التوراة، أو كتب التاريخ القديمة، نعم؛ ولذلك هذا يذكر ولا يصدق قولًا واحدًا، ولا ينكر أيضًا قولًا واحدًا، هذا نسب موجود في التوراة،
стр. 272
وقد جاء في الكتاب الكريم قرآن ربي: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين﴾ (الأنعام: ٧٤).
وقد اختلف المفسرون في اسم أبي إبراهيم، فقال بعضهم: إنّ لفظ " آزر " في الآية، بدل من لفظ لأبيه، ويكون مقول القول: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ يكون هذا الكلام موجه لأبيه " آزر "، وقال آخرون: إن اسمه "تارح" وأن لفظ "آزر" كلمة ذم في نعته ومعناه أعرج، كما قال السهيلي في (التكملة)، وقال آخرون: إن معناه الخاطئ، وفي (التكملة) يا مخطئ يا خرف، كما قال: إن كلمة "آزر" تعني وصفا ليس جيدا فمعناه الخاطئ والخرف، وقيل: معناه: يا شيخ، أو هي كلمة زجر عن الباطل.
على كل حال إن كانت هذه المعاني في معنى آزر لغة، فليس عندنا ما يجزم، أو يقطع بتحديد واحدٍ منها، بل نقول: إنه بعيد جدًّا أن يكون إبراهيم ﵇ قد واجه أباه بكلمات فيها هذا التحقير أو العيب، أو الزجر كأعرج أو خرف أو مخطئ؛ لأنَّ إبراهيم ﵇ كان لطيفًا في خطابه، وكان بار ًّ ابه حتى في دعوته، وإذا ما وصلنا إلى الآيات التي يخاطب فيها إبراهيم أباه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ حتى وصل بالآيات: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾، (مريم: ٤٦) فانظر كيف كان رد إبراهيم عليه ﵇ قال: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، (مريم: ٤٧)، فلا يقبل أن يكون كلمة " آزر " كلمة تعييب أو زجر أو ردع من إبراهيم لأبيه ﵇ والآيات في هذا الأمر واضحة.
نرى بعد ذلك أنَّ إبراهيم لما قال لأبيه: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ﴾ هذا واضح في حسن الرد والبر الحسن بالوالد، قال آخرون: إن "تارح" هذا الذي جعلوه اسمًا لأبي إبراهيم واسمه العلم، وأن " آزر " وصف له كأنه هذا وصفه وتلك تسميته.
стр. 273
نقول: إذا صح أن والد إبراهيم كان له اسم علمي واسم وصفي يكون معناه القوي أو الناصر أو المعين؛ لأن لفظ " آزر " من الأزر؛ أي: القوة والنصر والعون، ومنه نقول: الوزير؛ أي: المعين، وهذا في اللفظ واللغة معروف، وقد جاء في (دائرة المعارف الإٍسلامية) ما نصه، والكلام ذكره شيخنا وأخونا الدكتور علي حسن رضوان يقول: جاء هذا النص في (دائرة المعارف): آزر اسم أبي إبراهيم في القرآن، في سورة الأنعام " الآية ٧٤ "، ويظهر أن في هذا بعض الخلط؛ لأنّ اسم " آزر " لم يرد مطلقًا على أنه أبو إبراهيم في غير هذا الموضع، كما أن "تارح" أو "تارخ" قد ورد في روايات بعض المؤرخين والمفسرين من المسلمين على أنه أبو إبراهيم أيضًا؛ ولذلك لجئوا إلى التحايل للتوفيق بين هاتين الروايتين.
ونعقب على هذا؛ لأن هذا التحايل لا قيمة له، ونصل إلى الرأي الصحيح:
الرأي الصحيح هو أن " آزر " اسم صنم كان يعبده "تارخ" والد إبراهيم وكان سادنًا له، هذا الرأي موجود.
وروي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾، قال: لم يكن بأبيه ولكن " آزر " اسم صنم، فموضعه نصب على إضمار الفعل، والتلاوة كأنه قال: وإذ قال إبراهيم: أتتخذ آزر إلهًا؛ أي: أتتخذ أصنامًا آلهة، وقال الصنعاني: أتتخذ آزر إلهًا، ولم ينصب باتخاذ الذي بعده؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيما قبله، ولأنه استوفى مفعوله.
وقد نقل المرحوم أحمد زكي عبارة (تاج العروس) في أول كتابه وقال: وهذا القول الذي قاله مجاهد أو ل ى الأقوال عندي بالقبول، وعلى هذا يكون والد إبراهيم لم يذكر باسمه العلمي في القرآن، ومما يستأنس له بأن " آزر " اسم إلهٍ أننا نجد في الآلهة القديمة عند المصريين الإله "إزوريس" و"إيزيس" ومعناه الإله القوي المعين، وقد كانت الأمم السابقة يقلد بعضهم بعضًا في أسماء الآلهة.
стр. 274
على كل حال هذا كلام اختلف فيه المفسرون على أنه لا مانع أن يكون هذا الاسم وهو " آزر " اسم أبي إبراهيم ﵇ والكلمات تطلق في إطلاقات كثيرة وروايات ومعان ٍ كثيرة.
ننتقل بعد ذلك إلى الموضع الثاني الذي ثار حوله كلام وإسرائيليات كثيرة الآيات في سورة " الأنبياء ": ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِين﴾ (الأنبياء: ٥١) إلى أن وصلنا إلى قوله - جل وعلا -: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِين * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾ (الأنبياء: ٦٩).
فعند تفسير الآية الأولى؛ وهي قول الله - جل وعلا -: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِين﴾ ذكر المفسرون، ومنهم أبو السعود فقال: قيل: القائل هو نمرود بن كنعان بن السنجاريد بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح، وقيل: رجل من أكراد فارس، اسمه هايون، وقيل: هدير، خسفت بهم الأرض.
روي أنهم لما أجمعوا على إحراق إبراهيم ﵇ بنوا له حظيرة "بكوشي" قرية من قرى الأنباط عملوا له حقلًا كبيرًا أو حظيرة كبيرة مكانًا واسعًا في هذه القرية؛ وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيم﴾ (الصافات: ٩٧).
فجمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يومًا فأوقدوا نارًا عظيمة لا يكاد يحوم حولها أحد، حتى إن كانت الطير لتمر بها وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها، ولم يكد أحد يحوم حولها فلم يعلموا كيف يلقون إبراهيم ﵇ فيها، فأتى إبليس وعلمهم عمل المنجنيق، فعملوه -المنجنيق هو عبارة عن حبل يوضع فيه لفافة يوضع فيها الضحية أو الغرض ويقذف به من بعيد- فعملوا له هذا، وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد، فخسف
стр. 275
الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم عمدوا إلى إبراهيم ﵇ فوضعوه فيه مغلولًا مقيدًا فرموا به فيها، فجاءه جبريل، فقال له: هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فجعل الله ببركة قوله الحظيرة الموقع المحترق هذا النار شديدة اللهب، جعلها الله روضة رائعة له.
وعند تفسيره للآية الثانية، وهي قول الله تعالى في هذا الشأن: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾، قال المفسرون: روي أنّ الملائكة أخذوا بقميص إبراهيم ﵇ وأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب، وورود حمر؛ ورد ونرجس، ولم تحرق النار إلا وثاقه -الحبل الذي كان يربط فيه.
وروي أنه ﵇ مكث في النار أربعين يومًا أو خمسين يومًا، وقال: ما كنت أطيب عيشًا مني إذ كنت فيها.
وصلى الله عليه وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.
стр. 276
الدرس: ١٦ نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٤) .
стр. 277
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(نماذج من الإسرائيليات في القصص القرآني (١٤))
تابع الإسرائيليات التي وردت في قصة إبراهيم ﵇ -
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
الحديث موصول في قصة إبراهيم ﵇ ذلك الرسول الكريم المجتبى الذي له في القرآن مواقف كثيرة وكنا وصلنا إلى الآيات؛ وهي قول الله - جل وعلا -: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِين * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾ (الأنبياء: ٦٨، ٦٩) وكنا وصلنا إلى ما روي من أنه ﵊ وهذا كلام من الإسرائيليات لا دليل عليه أنه مكث في النار أربعين يومًا، وقيل: خمسين يومًا، وأنه قال: ما كنت أطيب عيشًا مني إذ كنت فيها.
قال ابن يسار: وبعث الله ملك الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه؛ فنظر نمرود من صرحه فأشرف عليه فرآه جالسًا في روضة مورقة، ومعه جليس على أحسن ما يكون من الهيئة؛ النار محيطة به، فناداه: يا إبراهيم، هل تستطيع أن تخرج منها؟، قال: نعم، قال: فقم فاخرج، فقام يمشي فخرج منها، فاستقبله نمرود وعظمه، وقال: من الرجل الذي رأيته معك؟، فقال: ذلك ملك الظل أرسله ربي؛ ليؤنسني، فقال: إني مقربٌ إلى إلهك قربانًا؛ لما رأيتُ من قدرته وعِزّته فيما صنع بك؛ فقال ﵇: لا يقبل الله منك، ما دمت على دينك هذا، قال: لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبح أربعة آلاف بقرة، فذبحها وكف إبراهيم عليه، وكان إذ ذاك ابن ستة عشر سنة.
وهكذا كما نرى من أبدع المعجزات.
ونتناول بشيء من التفصيل جوانب الدخيل فيما ذكره المفسرون حول هذا:
стр. 278
أولًا: الدخيل يتناول عدة نقاط:
أولها: ما ذكره أبو السعود عن النمرود من أنه اسمه نمرود بن كنعان بن السنحاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح؛ فهذا يخالف ما ذكره العلامة ابن كثير حيث قال في كتابه (البداية والنهاية) عن مجاهد أن اسمه: النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح.
وقال ابن الأثير: إ ن هذا النسب هو قول المفسرين، وغيرهم من علماء النسب والأخبار، وقد اختار هذا القول من المفسرين الإمام الرازي، ومن المؤرخين ابن الأثير، وهو الظاهر؛ هذا تناقض واضح.
ثانيًا: ما ذكره من اختلاف الروايات فيمن قال لهم: حرقوه؛ هل قائل هذه المقالة هو النمرود أو هو من أكراد فارس اسمه ميون أو اسمه هيرز كما قال في القرطبي وجاء فيه أو هو هدير أو هو غير ذلك؟ روايات متباينة في تعيين القائل، وفي ذكر اسمه في كتب التفسير ما نرى من ذكرها من سبب إلا تضييع الوقت فيما لا يفيد.
قال العلامة ال ألوسي: وفي (البحر) -أي: (البحر المحيط) لابن حيان- أنهم ذكروا له اسم ًا مختلفًا فيه لا يوقف منه على حقيقة، قلت: وماذا يُفيدنا تعيين قائل هذه المقالة، وبأي الأسماء كان يُسمى؟ هذا كلام لا جدوى له، وماذا علينا لو توقفنا عند النص القرآني؟ فالقرآن يقول: ﴿قَالُوا حَرِّقُوه﴾ أي: قال بعض قوم إبراهيم لبعض: حرقوا إبراهيم بالنار، ﴿وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. وعلى ذلك جرى جمهور المفسرين.
فالقول الصحيح والذي يتعين أن نقوله: إن القول بتعيين القائل أو بذكر اسمه من الدخيل الذي يجب أن نغض الطرف عنه ونغمض النظر عنه، بل نلتزم بما أجمله القرآن دون تزيدات ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 279
ثالثًا: من الدخيل: ما أورده المفسرون ومنهم: أبو السعود وكثيرون من أنهم -أي: قوم إبراهيم- حين قرروا حَرقه بنوا له حظيرة لإلقائه فيها، ولذلك جمعوا أصلاب الحطب لمدة أربعين يومًا - أي: الحطب الغليظ وجذوع الأشجار وغير ذلك - وجعلوا الخليل في كفة المنجنيق بإشارة إبليس اللعين، أو صنعه لهم رجلٌ من الأكراد؛ فخسف الله تعالى به الأرض؛ فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. هذه أخبار لا نملك دليلًا ينهض بصحتها، ومثل ذلك لا يعرف إلا عن طريق ثقة، أو خبر معصوم، وحيثُ لا يُوجد لا هذا ولا ذاك؛ فهذه الأخبار إنما هي من قبيل ما لا يُصدق ولا يُكذب.
على أن الأخبار التي ذكرها أبو السعود دون أن يعزوها لقائل؛ إنما هي من رواية محمد بن مروان السُّدي ومقاتل بن سليمان البلخي، وسبق أن أشرنا إلى أن ما يُروى عن طريق محمد بن مروان السُّدي والكلبي إنما هي رواياتٌ لا تُقبل؛ لأن محمد بن السائب الكلبي ومقاتل بن سليمان ومحمد بن مروان السُّدي الصغير كلهم كانوا متهمين؛ الكلبي كان متهمًا بكونه سبئيًّا متسترًا بحب آل البيت؛ كما سبق القول ويتستر بالإخلاص لآل البيت، قال عنه ابن حبان: كان الكلبي سبئيًّا من الذين يقولون: إن عليًّا لم يمت، وأنه راجع إلى الدنيا ويملؤها عدلًا كما مُلئت جورًا، قال الإمام أحمد: لا يَحِلُّ النظر في تفسير الكلبي.
أما مقاتل بن سُليمان؛ فهو متهم بالقول بالتجسيم، قال ابن حبان: كان مقاتل يشبه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث كما كان متهمًا في علمه.
وأما محمد بن مروان السدي الصغير؛ فروايته مع رواية الكلبي إن جاءت فهي سلسلة الكذب؛ كما قال الإمام السيوطي وغيره.
فعلى كل حال ما ذكره الإمام ابن جرير وابن كثير والإمام الرازي في تفاسيرهم: أن هذه الروايات منقولة عن هذا الثالوث: الكلبي ومقاتل بن سليمان ومحمد بن
стр. 280
مروان السُّدي، وما ذكر ابن كثير وابن جرير والرازي في تفاسيرهم؛ إنما نقوله عن هؤلاء؛ وهؤلاء مُتّهمونَ بالكذب من قبل عُلماء الجرح والتعديل.
ولنتأمل؛ الأول: أنهم هؤلاء كذابون كما قال ابن نمير، وكانوا يصنعون الأحاديث، وقال البخاري: إنهم هؤلاء رواياتهم مسكوتٌ عنها، وإنهم كانوا يصنعون الأحاديث كما سبق في التوضيح.
رابعًا: من مجالات الدخيل في هذه القصة عن سيدنا إبراهيم؛ نقول الخبر الذي أورده أبو السعود وغيره، وهو أنّ إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار عَرَض له جبريل ﵇ فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل ﵇: فاسأل ربك، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. هذا الكلام رواه ابن جرير عن معتمر بن سليمان عن أصحابه، وفي سنده جهالة، والحافظ ابن كثير أيضًا قال: إن هذا كلام غير مقبول، وذكره الشيخ العجلوني في (كشف الخفا ومزيل الإلباس) من رواية البغوي عن كعب الأحبار، وذكره كثيرٌ من المفسرين عن أبي بن كعب موقوفًا عليه.
ومن ثم يبدو لنا أنه من الإسرائيليات، ولا أصل له في المرفوع، وقد أورد ابن عراق في (تنزيه الشريعة) ثم عقب عليه بقوله: قال ابن تيمية: إنه حديث موضوع. مع أن الكلام جميل أن جبريل يأتيه؛ فيقول: ألك حاجة؟ أما إليك فلا، قال: سل ربك، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، كلام جميل طيب لكن لم يثبت هذا، القول الصحيح هو أنّ الخبر لا يصح؛ لأنه يشير إلى ترك الدعاء مع أن الدعاء مخُّ العِبادَة كما صح الحديث، وقد جاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية بالأمر بالدعاء، والحث عليه، ليس ببعيد عنا، قول ربنا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ (غافر: ٦٠).
стр. 281
خامسًا: ما أوردوه من أن الملائكة أخذوا بضبعي إبراهيم؛ يعني: الملائكة أمسكت إبراهيم من عضديه؛ فأجلسوه على الأرض، فإذا عين ماءٍ عذب، وورود ونرجس وأشياء عطرة، وأنّ النار لم تحرق إلا الوثاق - أي: الرباط الذي كان يُربط به - وأن مُكثه بقاءه في النار كان أربعين يومًا، أو خمسين.
يُجاب عن هذا: بأنه لا مانع من ذلك في قدرة الله -جل وعلا- غير أنه يتوقف على نقلٍ صحيح؛ فليس كل كلامٍ يُقبل يكون ثابتًا؛ وحيث لا يوجد نقل صحيح؛ فنحن أمام هذه الروايات في حل، وإذا علمنا أنها من رواية محمد بن مروان السدي، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، كما جاء في كتاب (زاد المسير) وغيره من التفاسير علمنا قيمة هذه الروايات؛ إذ لا قيمة لها.
بهذا استبان مما لا يدع مجالًا للشك أنها من الإسرائيليات التي يذكرها الرواة عن أهل الكتاب، وموقفنا منها أنها من قبيل ما لا يُصدق ولا يكذب؛ فإلقاء إبراهيم في النار هذا حقيقة، والوقوف أمام ذلك هذه آية؛ لكن أن نتجاوز ما دلت عليه الآية من التفاصيل والكيفيات التي لم يرد بها نصٌّ؛ فهذا شيء لا يلزمنا؛ إبراهيم ﵇ نطقت الآية بأنه ألقي في النار، وأن الله -جل وعلا- بقدرته أمر فقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾.
سادسًا: من الدخيل في قصة إبراهيم ونختم به ولا نطيل؛ ما ذكر عن ملك الظل الذي أرسله الله إلى إبراهيم؛ ليؤنسه في محنته، وأن النمرود أشرف عليه من سرحه، ورآه جالسًا؛ فناداه يا إبراهيم، هل تستطيع الخروج من النار، قال: نعم، قال: فاخرج؛ فخرج فاستقبله النمرود، وقال: ملك الظل كان معه، قال: لأقربن لإلهك قربانًا لما رأيت -الكلام الذي سبق ذكره- وأنه قال ﵊ للنمرود: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك؛ فقال: لا أستطيع تركه، وأنه
стр. 282
ذبح أربعة آلاف بقرة، وكف عن إبراهيم؛ إلى غير ذلك من الروايات، هذا كله لا يصح، وفيه نظر، ولا يؤيده أثر صحيحٌ.
على أن أسطورة ملك الظل التي اختلقها القصاصون؛ مصدرها الحقيقي محمد بن السائب الكلبي، وقد سبقت الإشارة إلى أنه أحد الموردين للإسرائيليات والأكاذيب، وأنه محمد بن السائب الذي كان سبئيًّا ومتخفيًا ليسوق لنا الأباطيل والخرافات، وقد نص على أن هذا من كلام محمد بن سائب الكلبي الإمام القرطبي في ت فسيره عند تفسير الآية، والكلبي كذابٌ متروك لا يعتمد عليه، وكان يكفي في إبطال هذه الرواية نسبتها إليه، ولكنّ القصاصين ومن تبعهم من المفسرين جاءوا من ذلك بغير ما قصه الله علينا؛ فكل هذا من خرافات بني إسرائيل وزنادقتهم أرادوا أن يشوهوا صورة القرآن والإسلام والمسلمين، وبثوا في عقيدتنا ما يُفسد عقائدنا.
بعضُ المُفسرين فطنوا لذلك؛ فلم يُقيموا لها وزنًا، بل نبهوا على بطلانها؛ من ذلك هذا الإمام الشيخ الشنقيطي -عليه رحمة الله- هو من الأئمة الأعلام، صاحب كتاب (أضواء البيان) إذ قال: وذكروا في القصة أن نمرود أشرف على النار من الصرح؛ فرأى إبراهيم جالسًا على السرير يؤنسه ملك الظل؛ فقال: نعم الرب ربك يا إبراهيم؛ لأقربن له أربعة آلاف بقرة، وكف عنه. وكل هذه من الإسرائيليات والمفسرون يذكرون كثيرًا منها في هذه القصة، وغيرها من قصص الأنبياء. انظر (أضواء البيان) للشنقيطي الجزء الرابع في تفسير هذه الآيات.
تعليقنا النهائي:
والصواب ما ذكره الإمام الشنقيطي وغيره أنّ هذه إسرائيليات لا تُقبل إذ لم يثبت بها نص، وهذا هو الصواب، وهو الأولى والأفضل، وألا نتجاوز ما نطق به
стр. 283
القرآن الكريم؛ فما أجمله نقف عند إجماله، ولا نخوض أو نتطفل في التفاصيل؛ فالدخول في التفاصيل لم يرد بها قرآن، ولا نقل صحيح عن رسول ﷺ .
الإسرائيليات التي وردت في قصة لوط ﵇ -
ننتقل إلى سيدنا لوط ﵇ وبداية نبدأ بذكر نسبه ﵊ فهو: لوط بن هاران - أخي إبراهيم - بن تارخ. آمن بإبراهيم واهتدى بهديه كما قال سبحانه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (العنكبوت: ٢٦) وتبع لوط ﵇ عمه إبراهيم في رحلاته فكان معه بمصر وأغدق عليه ملك مصر، كما أغدق على إبراهيم؛ فكثر ماله ومواشيه، ثم افترق من إبراهيم عن تراضٍ؛ لأن الأرض لم تتسع لمواشيهما -كلام موجود- ونزل إلى سدوم بلد في دائرة الأردن.
كان أهل هذا البلد -أهل سدوم- ذوي أخلاق سيئة رديئة، لا يستحيون من منكر يفعلونه، ولا يتعففون عن معصية يأتونها على رءوس الأشهاد، كما قال على لسان لوط ﵇ وهو يعظهم وينهاهم ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ (العنكبوت: ٢٩)؛ أي: كانوا يجاهرون بالمعاصي والأخطاء التي لا يُستحي امنها.
كان أهل هذه البلد يتربصون لكل داخل لمدينتهم من التجار، يجتمعون عليه من كل صوب، ويمدون أيديهم إلى بضاعتهم يأخذ كل واحد منها شيئًا قليلًا؛ حتى لا يبقى في يده؛ فإذا جلس، جلس حزينًا وجأر بالشكوى يأتي الواحد منهم ويقول: كل هذا لأني أخذت منك الشيء اليسير دونكه - يعني خذه - فيقول: ما عسى أن ينفعني ما جئت به بعد أن ذهبت بضاعتي، اذهب عني بهذا الذي جئت به؛ فإذا انصرف جاء آخر بشيء تافه يريد رده عليه، فيتركه الرجل لزهادة ما أتى
стр. 284
به وينصرف، وهكذا يخسر الرجل بضاعته؛ لتفرقها في الأيدي الكثيرة -يعني كانوا سرقة- وكانوا أصحاب منكرات وفواحش، فهم كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ (العنكبوت: ٢٩) إلى آخر الآيات.
أهل هذا البلد كانوا ظلمة؛ ومن دلائل ظلمهم واستغراقهم فيه أن سارة زوجة إبراهيم أرسلت لعازر كبير عبيد إبراهيم؛ ليأتيها بسلامة لوط؛ فلما دخل مدينة سدوم لقيه رجل من أهلها؛ فعمد لعازر بحجر ضربه به في رأسه؛ فأسال منه دمًا كثيرًا، ثم تعلق به قائلًا: إن هذا الدم لو بقي لأضر بك، فأعطني أجري ثم آل الأمر بينهم إلى الترافع إلى قاضي سدوم، فلما سمع الخصمين حكم لعازر بأن ي ُ عطي للسدومي أجر ما ضربه بالحجر وأسال دمه؛ فلما رأى لعازر الجور من القاضي والخصم في أمره؛ عمد إلى حجر ضرب به رأس القاضي؛ فأسال دمه وقال: له الأجر الذي وجب لي عليك بإسالة دمه، عليك أن تعطيه لضاربي السدومي جزاء ضربه إياي وإسالة دمي. هذه الحكاية مع احتمال وضعها تفيدنا معرفة الفكر العام في أحوال هؤلاء الناس، وأنهم من الشرّ بحيثُ يصلحون أن تسند إليهم أمثالها؛ فهم يحرفون الكلام، ويغيرون ... إلى آخره.
هيا بنا ننتقل إلى إبراهيم ﵇ مع لوط ﵉؛ إن الملائكة أخبرت إبراهيم أنهم ذاهبون للانتقام من قوم لوط الذين هم أهل هذا البلد؛ أهل سدوم وعامورة؛ فخاف إبراهيم أن يُمسّ لوط بأذى؛ فأخبروه بأنه ناج هو ومن آمن معه، ثم أخبروه -أي: الملائكة- بأن وقوع العذاب بالقوم أمر حتمي لا تقبل فيه شفاعة، ولا يغني جدال؛ الآيات: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود﴾ (هود: ٧٦).
стр. 285
ولنبدأ قصة لوط كما ذكرت في القرآن؛ ذ ُ ك ِ ر َ ت قصة لوط في القرآن بتمامها في عدة سور يكمل بعضها بعضًا، وتتلخص في أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون الطريق على السابلة؛ أي: على الناس الذين يمرون، وقد ذهب الحياء من وجوههم؛ فلا يستقبحون قبيحًا، ولا يرغبون في حسن كما قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَر﴾.
وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله؛ وذلك أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، ويستعلنون بذلك ولا يستترون -معاذ الله- ولا يرون في ذلك سوءًا أو قبيحًا، وأنّ لوطًا قد وعظهم ونصحهم ونهاهم وخوفهم بأس الله تعالى؛ فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات والأنذار هددوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم، إلى أن جاء إلى لوط الملائكة؛ وقد جاءوا إليه بهيئة غلمانٍ مُرد حسان الوجوه؛ فجاء أهل القرية إلى لوط طالبين ضيوفه؛ ليفعلوا فيهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردّهم وبالغ في ذلك؛ حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته فلم يصغوا إليه حينئذٍ؛ يعني: طلب منهم أن يتزوجوا بناته فلم يصغوا إليه، حينئذٍ التفت لوط إلى الملائكة وقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد؛ لجاهدتهم بكم وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذٍ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاءوا للتنكيل بأولئك القوم، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك الغلمان المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط؛ طمس الله أعينهم فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه عليه وعلى من معه.
ثم أخرج الملائكة لوطًا وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون؛ فصدعوا بالأمر إلا امرأته؛ فالتفت إلى القرية لترى ما يحل بها، وكان هواها في أهل القرية دون لوط؛ فحل بها من السخط
следующие страницы →