← Тафсир

Тафсир · id 10604

الدخيل في التفسير - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

خامسًا: ما أوردوه من أن الملائكة أخذوا بضبعي إبراهيم؛ يعني: الملائكة أمسكت إبراهيم من عضديه؛ فأجلسوه على الأرض، فإذا عين ماءٍ عذب، وورود ونرجس وأشياء عطرة، وأنّ النار لم تحرق إلا الوثاق - أي: الرباط الذي كان يُربط به - وأن مُكثه بقاءه في النار كان أربعين يومًا، أو خمسين. يُجاب عن هذا: بأنه لا مانع من ذلك في قدرة الله -جل وعلا- غير أنه يتوقف على نقلٍ صحيح؛ فليس كل كلامٍ يُقبل يكون ثابتًا؛ وحيث لا يوجد نقل صحيح؛ فنحن أمام هذه الروايات في حل، وإذا علمنا أنها من رواية محمد بن مروان السدي، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، كما جاء في كتاب (زاد المسير) وغيره من التفاسير علمنا قيمة هذه الروايات؛ إذ لا قيمة لها. بهذا استبان مما لا يدع مجالًا للشك أنها من الإسرائيليات التي يذكرها الرواة عن أهل الكتاب، وموقفنا منها أنها من قبيل ما لا يُصدق ولا يكذب؛ فإلقاء إبراهيم في النار هذا حقيقة، والوقوف أمام ذلك هذه آية؛ لكن أن نتجاوز ما دلت عليه الآية من التفاصيل والكيفيات التي لم يرد بها نصٌّ؛ فهذا شيء لا يلزمنا؛ إبراهيم ﵇ نطقت الآية بأنه ألقي في النار، وأن الله -جل وعلا- بقدرته أمر فقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾. سادسًا: من الدخيل في قصة إبراهيم ونختم به ولا نطيل؛ ما ذكر عن ملك الظل الذي أرسله الله إلى إبراهيم؛ ليؤنسه في محنته، وأن النمرود أشرف عليه من سرحه، ورآه جالسًا؛ فناداه يا إبراهيم، هل تستطيع الخروج من النار، قال: نعم، قال: فاخرج؛ فخرج فاستقبله النمرود، وقال: ملك الظل كان معه، قال: لأقربن لإلهك قربانًا لما رأيت -الكلام الذي سبق ذكره- وأنه قال ﵊ للنمرود: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك؛ فقال: لا أستطيع تركه، وأنه

стр. 282

ذبح أربعة آلاف بقرة، وكف عن إبراهيم؛ إلى غير ذلك من الروايات، هذا كله لا يصح، وفيه نظر، ولا يؤيده أثر صحيحٌ. على أن أسطورة ملك الظل التي اختلقها القصاصون؛ مصدرها الحقيقي محمد بن السائب الكلبي، وقد سبقت الإشارة إلى أنه أحد الموردين للإسرائيليات والأكاذيب، وأنه محمد بن السائب الذي كان سبئيًّا ومتخفيًا ليسوق لنا الأباطيل والخرافات، وقد نص على أن هذا من كلام محمد بن سائب الكلبي الإمام القرطبي في ت فسيره عند تفسير الآية، والكلبي كذابٌ متروك لا يعتمد عليه، وكان يكفي في إبطال هذه الرواية نسبتها إليه، ولكنّ القصاصين ومن تبعهم من المفسرين جاءوا من ذلك بغير ما قصه الله علينا؛ فكل هذا من خرافات بني إسرائيل وزنادقتهم أرادوا أن يشوهوا صورة القرآن والإسلام والمسلمين، وبثوا في عقيدتنا ما يُفسد عقائدنا. بعضُ المُفسرين فطنوا لذلك؛ فلم يُقيموا لها وزنًا، بل نبهوا على بطلانها؛ من ذلك هذا الإمام الشيخ الشنقيطي -عليه رحمة الله- هو من الأئمة الأعلام، صاحب كتاب (أضواء البيان) إذ قال: وذكروا في القصة أن نمرود أشرف على النار من الصرح؛ فرأى إبراهيم جالسًا على السرير يؤنسه ملك الظل؛ فقال: نعم الرب ربك يا إبراهيم؛ لأقربن له أربعة آلاف بقرة، وكف عنه. وكل هذه من الإسرائيليات والمفسرون يذكرون كثيرًا منها في هذه القصة، وغيرها من قصص الأنبياء. انظر (أضواء البيان) للشنقيطي الجزء الرابع في تفسير هذه الآيات. تعليقنا النهائي: والصواب ما ذكره الإمام الشنقيطي وغيره أنّ هذه إسرائيليات لا تُقبل إذ لم يثبت بها نص، وهذا هو الصواب، وهو الأولى والأفضل، وألا نتجاوز ما نطق به

стр. 283

القرآن الكريم؛ فما أجمله نقف عند إجماله، ولا نخوض أو نتطفل في التفاصيل؛ فالدخول في التفاصيل لم يرد بها قرآن، ولا نقل صحيح عن رسول ﷺ . الإسرائيليات التي وردت في قصة لوط ﵇ - ننتقل إلى سيدنا لوط ﵇ وبداية نبدأ بذكر نسبه ﵊ فهو: لوط بن هاران - أخي إبراهيم - بن تارخ. آمن بإبراهيم واهتدى بهديه كما قال سبحانه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (العنكبوت: ٢٦) وتبع لوط ﵇ عمه إبراهيم في رحلاته فكان معه بمصر وأغدق عليه ملك مصر، كما أغدق على إبراهيم؛ فكثر ماله ومواشيه، ثم افترق من إبراهيم عن تراضٍ؛ لأن الأرض لم تتسع لمواشيهما -كلام موجود- ونزل إلى سدوم بلد في دائرة الأردن. كان أهل هذا البلد -أهل سدوم- ذوي أخلاق سيئة رديئة، لا يستحيون من منكر يفعلونه، ولا يتعففون عن معصية يأتونها على رءوس الأشهاد، كما قال على لسان لوط ﵇ وهو يعظهم وينهاهم ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ (العنكبوت: ٢٩)؛ أي: كانوا يجاهرون بالمعاصي والأخطاء التي لا يُستحي امنها. كان أهل هذه البلد يتربصون لكل داخل لمدينتهم من التجار، يجتمعون عليه من كل صوب، ويمدون أيديهم إلى بضاعتهم يأخذ كل واحد منها شيئًا قليلًا؛ حتى لا يبقى في يده؛ فإذا جلس، جلس حزينًا وجأر بالشكوى يأتي الواحد منهم ويقول: كل هذا لأني أخذت منك الشيء اليسير دونكه - يعني خذه - فيقول: ما عسى أن ينفعني ما جئت به بعد أن ذهبت بضاعتي، اذهب عني بهذا الذي جئت به؛ فإذا انصرف جاء آخر بشيء تافه يريد رده عليه، فيتركه الرجل لزهادة ما أتى

стр. 284

به وينصرف، وهكذا يخسر الرجل بضاعته؛ لتفرقها في الأيدي الكثيرة -يعني كانوا سرقة- وكانوا أصحاب منكرات وفواحش، فهم كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ (العنكبوت: ٢٩) إلى آخر الآيات. أهل هذا البلد كانوا ظلمة؛ ومن دلائل ظلمهم واستغراقهم فيه أن سارة زوجة إبراهيم أرسلت لعازر كبير عبيد إبراهيم؛ ليأتيها بسلامة لوط؛ فلما دخل مدينة سدوم لقيه رجل من أهلها؛ فعمد لعازر بحجر ضربه به في رأسه؛ فأسال منه دمًا كثيرًا، ثم تعلق به قائلًا: إن هذا الدم لو بقي لأضر بك، فأعطني أجري ثم آل الأمر بينهم إلى الترافع إلى قاضي سدوم، فلما سمع الخصمين حكم لعازر بأن ي ُ عطي للسدومي أجر ما ضربه بالحجر وأسال دمه؛ فلما رأى لعازر الجور من القاضي والخصم في أمره؛ عمد إلى حجر ضرب به رأس القاضي؛ فأسال دمه وقال: له الأجر الذي وجب لي عليك بإسالة دمه، عليك أن تعطيه لضاربي السدومي جزاء ضربه إياي وإسالة دمي. هذه الحكاية مع احتمال وضعها تفيدنا معرفة الفكر العام في أحوال هؤلاء الناس، وأنهم من الشرّ بحيثُ يصلحون أن تسند إليهم أمثالها؛ فهم يحرفون الكلام، ويغيرون ... إلى آخره. هيا بنا ننتقل إلى إبراهيم ﵇ مع لوط ﵉؛ إن الملائكة أخبرت إبراهيم أنهم ذاهبون للانتقام من قوم لوط الذين هم أهل هذا البلد؛ أهل سدوم وعامورة؛ فخاف إبراهيم أن يُمسّ لوط بأذى؛ فأخبروه بأنه ناج هو ومن آمن معه، ثم أخبروه -أي: الملائكة- بأن وقوع العذاب بالقوم أمر حتمي لا تقبل فيه شفاعة، ولا يغني جدال؛ الآيات: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود﴾ (هود: ٧٦).

стр. 285

ولنبدأ قصة لوط كما ذكرت في القرآن؛ ذ ُ ك ِ ر َ ت قصة لوط في القرآن بتمامها في عدة سور يكمل بعضها بعضًا، وتتلخص في أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون الطريق على السابلة؛ أي: على الناس الذين يمرون، وقد ذهب الحياء من وجوههم؛ فلا يستقبحون قبيحًا، ولا يرغبون في حسن كما قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَر﴾. وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله؛ وذلك أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، ويستعلنون بذلك ولا يستترون -معاذ الله- ولا يرون في ذلك سوءًا أو قبيحًا، وأنّ لوطًا قد وعظهم ونصحهم ونهاهم وخوفهم بأس الله تعالى؛ فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات والأنذار هددوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم، إلى أن جاء إلى لوط الملائكة؛ وقد جاءوا إليه بهيئة غلمانٍ مُرد حسان الوجوه؛ فجاء أهل القرية إلى لوط طالبين ضيوفه؛ ليفعلوا فيهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردّهم وبالغ في ذلك؛ حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته فلم يصغوا إليه حينئذٍ؛ يعني: طلب منهم أن يتزوجوا بناته فلم يصغوا إليه، حينئذٍ التفت لوط إلى الملائكة وقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد؛ لجاهدتهم بكم وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذٍ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاءوا للتنكيل بأولئك القوم، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك الغلمان المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط؛ طمس الله أعينهم فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه عليه وعلى من معه. ثم أخرج الملائكة لوطًا وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون؛ فصدعوا بالأمر إلا امرأته؛ فالتفت إلى القرية لترى ما يحل بها، وكان هواها في أهل القرية دون لوط؛ فحل بها من السخط

стр. 286

والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة؛ فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، وجعل عاليها سافلها. ونعتقد أن البحر الميت المعروف الآن ببحر لوط وبحيرة لوط لم يكن موجودًا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من س طح هذا المكان بنحو أربعة مائة متر، وقد اكتشفوا آثار قوم لوط على حافة البحر الميت، كما ذكر أصحاب قصص الأنبياء. القول الصحيح في عرض لوط ﵇ بناته على هؤلاء الفسقة: قال تعالى في هذه القصة: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي﴾ (الحجر: ٦٨) الكلام على لسان سيدنا لوط: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُون * وَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُون * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِين * قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِين﴾ (الحجر: ٦٨ - ٧١). القول الصحيح: إن لوطًا عرض على هؤلاء الفسقة بناته عرضًا سابريًّا؛ أي: عرضًا غير مؤكد، السابري هو نوع من أنواع الب ز النسج فيه متلاحم، وبائعه لا يلح في عرضه، ولا يزينه، كأنه عرض عرضًا غير مؤكد، ويعني كان عرض بناته على ما يوافق الشرع، إذا تريدوا الشهوة تزوجوا البنات، وإن كان البعض ذكر أنه عرضهم عليهم من باب ذر الرماد في العيون؛ ولكنه عرض بناته عليهم على أمل أنهم يستحيون منه، ويبتعدون ويخجلون؛ لينكفوا عن خزايته في ضيفه، بعض المفسرين يقول: كما تقول لرجل يضرب آخر وأنت تحجزه عنه، تقول له: دعه واضربني أنا؛ لأنك تقول هذا القول وأنت واثق أنه لن يضربك، هذا كلام على كل حال موجود في كتب التفاسير.

стр. 287

ولكننا نربأ بسيدنا لوط أن يعرض بناته على قومه الفسقة الفجرة عرض شهوة، كما كانوا يقعون في الفواحش، لعله قال: هؤلاء بناتي تزوجوهم، وتقضى الشهوات في الحلال، ولكنهم قوم ألفوا الفسق والفجور؛ إلى آخر الكلام، وهذا القول أورده كثير من المفسرين. هناك أقوال باطلة حول هذه الآيات ﴿قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِين﴾ منها أن لوطًا لم يعرض عليهم بناته الصلبيات؛ وإنما عرض عليهم بنات القرية، وهـ ن أزواجهم؛ لأن كل نبي أرسل إلى قوم فأولادهم أبنا ؤ هـ ونساؤهم بناته مجازًا؛ إذ كيف يكون لوط أبًا لهؤلاء الكافرات غير المؤمنات، وكيف يعبر عنهن ببناتي وهنّ يأبون أبوته، ويكفُرنه ويجحدون نبوته ورسالته؟! هذا قول من الأباطيل والدخيل. ثانيًا: نقول: إن الملائكة الذين طمع فيهم هؤلاء الفجرة، كانوا ثلاثة؛ ولا يُعقل أن يكون كل واحد من أهل القرية الذين جاءوا إليه يزفون، يأمل أن ينال حاجته منهم، وأهل القرية آلاف أو يزيدون، ولكن المعقول أنه كان هناك رئيسان مطاعان أو ثلاثة في القوم، وهم الذين يطلبون الملائكة، وإنما عبر بأهل القرية لمظاهرتهم لهم حتى يتم مرادهم؛ فعرض لوط على القوم لبناته أو لبنتيه الصلبيتين؛ ليأخذوهما بطريق التزوج لا على سبيل الفاحشة أو المنكرات. ثالثًا: نقول: ما مرجع كاف الخطاب: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد﴾ (هود: ٨٠) إنّ مرجع الكاف إلى قومه؛ الذين جاءوا يهرعون إليه، والمعنى لو أجد قوة تمكنني من صدكم، وإحلال النكال بكم؛ لفعلت. ٢ - لو أن مرجع الخطاب هم الملائكة؛ وعلى ذلك فإن لوطًا تمنى لو كان عدد ضيوفه كثير؛ ليجد بهم قوة على مجاهدة قومه، وكفهم والإيقاع بهم، هذا كلام موجود على كل حال.

стр. 288

نعود فنبين كرم أصل سيدنا لوط ور عايته للجار، ومجادلة إبراهيم عن قوم لوط: دلت الآيات في قصة لوط ﵇ على أنه كريم، وأنه يرعى حق الجار؛ لمّا أراد قومه سوءًا بضيوفه قام يدفع عنهم، ويدافع أهل بلده دونهم؛ فقال أبو سعود في هذه الآيات: إنه إذا أخذ ضيف الرجل أو جاره؛ فقد خزي الرجل، ولذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة وظلم الجار إذلال المجير. تدل أيضًا القصة على أن لوطًا كان عظيم الإيمان، مطمئن القلب؛ حتى إنه لم يحتج من عمه إلى ال معالجة، وأنه في سبيل الإيمان بالله رضي بأن يهاجر من وطنه، وينتقل عنهم. نعود إلى المجادلة لإبراهيم عن قوم لوط: كان إبراهيم ﵇ رجلًا رقيق القلب؛ فلما علم أن قوم لوط هالكون، وأنّ العذاب نازلٌ بهم، وأن الملائكة قادمون لإنفاذ الأمر فيهم، أخذته شفقة عليهم؛ فأخذ يجادل في شأن قوم لوط، ويطلب الرحمة ويرجو أن ينظر الله إليهم نظر رحمة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوط * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيب﴾ (هود: ٧٤، ٧٥) هذه المجادلة عنهم لم تفصل في القرآن الكريم، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيب﴾ (هود: ٧٧) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُود * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد﴾ (هود: ٨٢، ٨٣). عند تفسير الآية الأولى؛ ذكر أبو السعود وغيره عن مجادلة إبراهيم للملائكة؛ فقال: ومجادلته إياهم هو أنه قال لهم حين قالوا له: إنا مهلكو أهل هذه القرية،

стр. 289

قال: أرأيتم لو كان فيها خمسين رجلًا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون قالوا: لا، قال: فثلاثون، قالوا: لا حتى بلغ العشرة، ف قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجلًا مُسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: إن فيها لوطًا؛ قالوا: نحن أعلم بمن فيها؛ لننجينه وأهله. وعند تفسيره للآية الثانية؛ تحدث عن ذهاب الملائكة إلى لوط ﵇ الآية الثانية أنهم أتوه؛ فقال: قال ابن عباس ﵄: انطلقوا من عند إبراهيم ﵇ وبين القريتين أربعة فراسخ، ودخلوا عليه في صورة غلمان، أو في صور غلمان مُرد حسانٍ؛ فلذلك سيء بهم، أي: ساءه مجيئهم؛ لظنه أنهم أناس فخاف أن يقصدهم قومه، ويعجز عن مدافعته عنهم، وروي أن الله تعالى قال للملائكة: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات؛ فلما مشى معهم منطلقًا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرها؟ قال: أشهد بالله أنها لشر قرية في الأرض عملًا، يقول ذلك أربع مرات فدخلوا معه منزله، ولم يعلم بذلك أحد. وعند تفسيره للآية الثالثة؛ ذكر أن عدد قرى لوط كانت خمسًا؛ فقال: قرى قوم لوط وهي التي عبر عنها بالمؤتفكات خمس مدائن، فيها أربعمائة ألف ألف، ثم تحدث عن كيفية هلاك قوم لوط، فقال: روي أنه جعل جبريل ﵇ جناحه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم. هذا الكلام موجود في (تفسير أبي السعود) الجزء الرابع في تفسير هذه الآيات، وذكره غيرهم. وإلى بيان ما في ذلك من دخيل: ما ذكره أبو السعود بشأن العدد الذي جادل عنه إبراهيم الملائكة لا يُعول عليه؛ لما فيه من التناقض بين مروياته؛ إذ إن رواية أبي سعود التي تذكر أن إبراهيم

стр. 290

جادلهم بعدد أقصاه خمسين، ثم أخذ ينقص منه؛ حتى بلغ عشرة فإنها تختلف مع العدد الذي ذكره ابن جرير الطبري في ت فسيره من رواية السدي؛ حيث ذكر أن إبراهيم جادلهم في مائة من المسلمين، ولم يزل يحطّ حتى بلغ عشرة، وكذا من رواية ابن جرير أنه جادلهم في مائة أيضًا؛ حتى هبط إلى خمسة، بينما نجد الحافظ ابن كثير يذكر في رواية ابن إسحاق وآخرين أن مجادلة أبينا إبراهيم لهم كانت في ثلاثمائة، وما زال يُنقص حتى بلغ معهم إلى مؤمن واحد، ويذكر ابن عباس وغيره أن إبراهيم ﵇ جادلهم في أربعمائة، وأخذ ينقص منهم حتى بلغ أربعة عشر. انظر (قصص الأنبياء). وهكذا ن جد تعارضًا وتضاربًا واضحًا في تعيين العدد الذي جادل عنه إبراهيم الملائكةَ مما يدل دلالة واضحة على أن تلك الروايات إنما هي من اجتهاد الرواة، ولذلك قال العلامة الإمام ال ألوسي في التعقيب على ما ذُكر: وروي نحو ذلك عدة روايات الله أعلم بصحتها. على أن تلك المجادلة التي ذكرها المفسرون؛ لم تفصل في القرآن الكريم، ولا في سنة النبي العظيم محمد -عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم- وإنما فصلت في الكتب المحرفة عند اليهود، جاءت هذه التفاصيل في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين؛ فمن العبارات هذا نصها: فتقدم إبراهيم وقال: أفتهلك البار مع الأثيم على أن يكون خمسون في المدينة، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين الذين فيه؟ حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر، أن تميت البار مع الأثيم؛ فيكون البار كالأثيم، حاشا لك، فقال الرب: إن وجدتُ خمسين بارًّا في المدينة؛ فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم؛ فأجاب إبراهيم وقال: إني شرعت أكلم المولى، وأنا تراب ورماد ربما نقص الخمسون بارًّا خمسة أتهلك كل

стр. 291

المدينة بالخمسة، فقال: لا أهلك إن وجدت هناك خمسة وأربعين. الكلام الذي نقله المفسرون نقلًا عن التوراة، وهو كلام متناقض؛ خمسين أربعين ثلاثين عشرين؛ إلى أن قال: لا أهلك من أجل العشرين، فقال: لا يسخط المولى؛ فأتكلم هذه المرة، فقال: عسى أن يوجد هناك عشرة؛ فقال: لا أهلك من أجل العشرة. من هذا يتضح أن هذه المجادلات منقولة نص ًّا عن التوراة، وما أكثر التحريف والتناقض والأباطيل التي فيها. وحاصل المسألة: أن القرآن الكريم لم يبين ما جادل به إبراهيم والملائكة في قوم لوط، ولكن القرآن أشار إليه في سورة " العنكبوت " بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِين * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين﴾ (العنكبوت: ٣١، ٣٢). فحاصل جداله لهم: أنه يقول: إن أهلكتم القرية وفيها أحد من المؤمنين أهلكتم ذلك المؤمن بغير ذنب، فأجابوه عن هذا بقولهم: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ الآية. ومنه يفهم أن المجادلة كانت تعني شخص نبي الله لوط ﵊ والله تعالى أعلى وأعلم. أما ما ذكره أبو السعود: من أن العذاب لم ينزل بهؤلاء القوم حتى شهد عليهم لوطٌ ﵇ أربع شهادات بأنهم شرُّ قومٍ عملًا؛ فذلك أمر يثير الدهشة والتساؤل، من كان هناك فشاهد هذه الأحداث؛ ليشهد عليها الآن، وهب أن لوطًا ﵇ لم يدل ِ بشهادته -كما هو الزعم أنه شهد- فهل كان الرسل الذين أرسلهم الله لإهلاك الغابرين يعودون إلى حيث أتوا دون أن يقوموا بما كُلفوا به، وهم الذين قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِين﴾

стр. 292

فهل احتاج نزول العذاب بهؤلاء إلى شهادة رُسلهم أمام الملائكة؛ نقول: إن هذا الكلام الذي ذكره أبو السعود والمفسرون؛ وسبقه إليه ابن كثير حيث أورده من رواية قتادة والسدي؛ هذا الظن أنه منقول عن أهل الكتاب. وكذلك بالنسبة لعدد قرى قوم لوط؛ سواء كانت خمس مدائن، أو أقل أو أكثر؛ هذا كلام يحتاج إلى دليل؛ إذ إ ن ظاهر التنزيل والآيات يدل على أنها كانت قرية واحدة، قال - جلت قدرته -: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ وقال - جلت حكمته -: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون﴾ (العنكبوت: ٣٤) وخير ما يفسر به القرآن هو القرآن. وما ذكره المفسرون عن كيفية هلاك قوم لوط من أن جبريل جعل جناحه في أسفل القرية ثم رفعها إلى السماء حتى سمع نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم دون أن ينسب هذا القول لقائل هو من رواية السدي؛ كما ذكر ابن كثير وذكر ابن الجوزي أيضًا في تفسيريهما، وهذا يدل على أنه من الإسرائيليات المنقولة عن أهل الكتاب. وه ذ اهو صاحب (فتح القدير) الإمام الشوكاني يُبَيّن لنا أن ما ذكره المفسرون من ال روايات ليس في ذكره فائدة؛ وغالبه مأخوذ عن أهل الكتاب، وقد ذكر المفسرون -هذا قوله- روايات وقصصًا في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة، وليس في ذكرها فائدة؛ لا سيما وبين من قال بشيء من ذلك وبين هلاك قوم لوط دهرٌ طويل لا يتيسر له في مثله إسنادٌ صحيح، وأكثره مأخوذ عن أهل الكتاب، وقد أُمرنا بألا نصدقهم، ولا نكذبهم؛ فاعرف هذا أخا الإسلام؛ فهي روايات من قصص الأنبياء؛ ليس لها مصدر ولا توثيق.

стр. 293

يقول صاحب (تفسير المنار) الشيخ محمد رشيد رضا: وفي خرافات المفسرين المروية عن الإسرائيليات: أن جبريل ﵇ قلعها من تخوم الأرض بجناحه، وصعد بها إلى عنان السماء حتى سمع أهل السماء أصوات الكلاب والدجاج فيها، ثم قلبها قلبًا مستويًا؛ فجعل عاليها سافلها، وهذا تصورٌ مبني على اعتقاد متصوره: أن الأجرام السماوية المأهولة بالسكان مما يمكن أن يقرب سكان الأرض وما فيها من الحيوان، ويبقون أحياء. وقد ثبت بالمشاهدة والاختبار الفعلي أن الطيارات والمناضيد التي تحلق في الجو؛ تصل إلى حيث يخف ضغط الهواء ويستحيل حياة الناس فيها، وهم يصنعون أنواعًا منها يضعون فيها من الأكسجين وكذا وكذا، وقد أشير في الكتاب العزيز إلى ما يكون للتصعيد في جو السماء من التأثير في ضيق الصدر بقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (الأنعام: ١٢٥). فإن قيل: إن هذا الفعل المروي عن جبريل ﵇ من الممكنات العقلية، وكان وقوعه من خوارق العادات؛ فلا يصح أن يجعل تصديقه موقوفًا على ما عرف من سنن الكائنات. قال، أي صاحب (المنار): نعم؛ ولكن الشرط الأول لقبول الرواية في أمرٍ جاء على غير السنن والنواميس التي أقام الله بها نظام العالم من عمران وخراب أن تكون الرواية عن وحي إلهي نقل بالتواتر عن المعصوم ﷺ أو بسند صحيح متصل الإسناد لا شذوذ فيه ولا علة على الأقل، ولم يذكر في كتاب الله تعالى شيء من هذا، ولم يرد فيه حديث مرفوع إلى نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- ولا تظهر حكمة الله فيه، وإنما روي عن بعض التابعين دون الصحابة، ولا شك أنه من الإسرائيليات.

стр. 294

ومما قالوه فيها: إن عدد أهلها كان أربعة ملايين، وبلاد فلسطين كلها لا تتسع لهذا العدد؛ فأين كان هؤلاء الملايين يسكنون من تلك القرى الأربع. والله تعالى أعلم بهذا الكلام. انتهى كلام الشيخ محمد رشيد رضا (تفسير المنار) الجزء الثاني عشر. ونخلص إلى أن ما ذكره القرآن الكريم موجز، وإشارات ليس فيها توسع ولا تفصيل لما نقل من الإسرائيليات، وتأمل أخا الإسلام؛ جبريل أتى ليزيل القرية معه قرار الإزالة والدمار، ورغم ذلك تجرأ أهل القرية وتمادوا في باطلهم وفي منكراتهم وفي فواحشهم؛ ألا يستحقون هذا العقاب الأليم، أن الله جعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وهكذا من ينكر شرائع الله ومن يكذبها ومن يتمرد على طاعة الله يستحق هذا العقاب الأليم. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.

стр. 295

الدرس: ١٧ الدخيل في المنقول عن طريق الأحاديث الموضوعة (١) .

стр. 296

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (الدخيل في المنقول عن طريق الأحاديث الموضوعة (١)) تعريف الحديث الموضوع الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ننتقل إلى النوع الثاني؛ وهو: الدخيل في المنقول عن طريق الأحاديث الموضوعة. ومما ينبغي أن يعرف أن الأحاديث الموضوعة هي شر أنواع الأحاديث الضعيفة؛ لأنه ينسب كذبًا وزورًا إلى رسول الله ﷺ وفي ذلك أسوأ العواقب، وأشنع الآثار، كما أن الأحاديث الموضوعة أخطر شيء على الإطلاق في مجال التفسير بالمأثور؛ لأنه ينسب إلى رسول الله ﷺ فيعتقد العامة صدقه فيؤمنون به؛ ويعملون بمقتضاه. ولهذا جاءت تحذيرات النبي ﵊ من أن يقال عليه ما لم يقل، وتوعده لمن يسلك هذا المسلك بنار جهنم يوم القيامة، يقول ﵊: ((من تعمد عليَّ كَذِبًا؛ فليتبوأ مقعده من النار)) وإن أشنع الكذب هو ما كان على رسول الله؛ إذ إن الكذب عليه ليس ككذبٍ على غيره من البشر، والكذب على رسول الله كذبٌ على الله سبحانه، وفي هذا يقول ﵊: ((إن كذبًا علي َّ ليس ككذبٍ على أحد، فَمَن كذبْ علي متعمدًا؛ فليتبوأ مقعدَهُ من النار)) وعند ذلك نبدأ بتعريف الحديث الموضوع في اللغة والاصطلاح، ونتعرف متى نشأ الوضع في التفسير بالمأثور. الحديث الموضوع تعريفه لغة؛ مأخوذٌ من وضع الشيء يضعه وضعًا إذا حطه وأسقطه، أو من وضعت المرأة ولدها إذا ولدتْهُ؛ فالحديث الموضوع ساقط، ومنحط عن الاعتبار، ومتولد؛ لأنه شيء جَدَّ وَوُجِدَ ما كان موجودًا من قبل؛ هذا تعريفه في اللغة. أما في الاصطلاح؛ فأئمة الحديث، وعلى رأسهم الإمام النووي قد عَرَّفُوا هذا الحديث فقال: الحديث الموضوع هو المختلق المصنوع المكذوب على رسول الله ﷺ أو على من بعده من الصحابة والتابعين، وهو شر أنواع الضعيف، وهذا الحديث

стр. 297

الموضوع آثاره السيئة كثيرة وشديدة الخطر، وعرفه صاحب (الباعث الحثيث)، بقوله: الخبر الموضوع هو المختلق المصنوع، وهو الذي نسبه الكذابون المفترون إلى رسول الله ﷺ وهو شر أنواع الرواية. ونعود إلى هذا الحديث الموضوع سواء اختلقه الوضاعون من عند أنفسهم ونسبوه كذبًا إلى رسول الله ﷺ أو أخذوه من كلام غيرهم من الإسرائيليات، أو حتى من كلام الصحابة، ونسبوه كذبًا إلى رسول الله، أو من كلام التابعين أو الصوفية أو الأطباء أو الحكماء، ثم ينسبونه كذبًا للرسول ﷺ ليلقى رواجًا وقبولًا. فمن كلام الإسرائيليات الحديث الذي يروى كثيرًا ونصه: "ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن". قال الإمام ابن تيمية: ليس له أصل معروف عن النبي ﷺ ومثل الحديث المروي من الإسرائيليات أيضًا ومنسوب إلى ابن عباس؛ يعني: ممكن الحديث ينسب إلى رسول الله، وهو من اختلاق قائِلِهِ، أو ينقله عن آخرين، وينسبه إلى الرسول، ويمكن أن ينسبه إلى أحد أصحابه أيضًا، وهو نوع من الكذب؛ فقد روي أيضًا عن ابن عباس: "أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة" وهو أيضًا كلام غير صحيح. ومن كلام الصوفية ما نسبوه أيضًا إلى الحديث حتى جعلوه حديثًا قدسيًّا نصه: "كنت كنزًا مخفيًّا، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق، فعَرَّفْتُهُم بي فعرفوني" هذه الأحاديث، وأنواع أخر سوف نذكرها، ونذكر منها نماذج عديدة؛ لنتعرف على ما ذكر تحت هذا العنوان في الأحاديث الموضوعة مما أفسد، وكان له آثار سيئة في كتب تراثنا، وبخاصة كتب التفسير. حكم الكذب على رسول الله باختصار: جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله ﷺ من أكبر الكبائر، ومن أقبح الذنوب، بل عده أحد العلماء كفرًا،

стр. 298

فقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين جزم بتكفير واضع الحديث؛ الجويني هذا من بلد اسمها جوين ناحية من نواحي نيسابور، حكم بتكفير واضع الحديث، وهذا كلام ينسب إليه، ووافقه الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير المالكي صاحب التعليق وكشف الاعتزاليات في كتاب (الكشاف) للزمخشري، وتابعه أيضًا بعض الحنابلة، والإمام الذهبي وافقهم على هذا الرأي في تعمد الكذب في الحلال والحرام؛ قال: إن الكذب في الحلال والحرام يكفر به صاحبه، هذا باختصارٍ شديدٍ، ومعنا الحديث الذي بلغ مبلغ التواتر: ((إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) الحديث متفق عليه، وروي من طرقٍ كثيرة حتى قال العلماء: إنه متواتر. والمسألة التالية هذا الوضع في التفسير بالمأثور -وضع الأحاديث- وامتلاء كتب التفسير بها متى نشأ؟ نشأ الوضع في التفسير مع نشأة الوضع في الحديث؛ لأن التفسير والحديث كانا مزيجًا لا يستقل أحدهما عن الآخر؛ فكما نجد الحديث الصحيح، والحسن، والضعيف، وفي رواية من هو موثوق به، ومن هو مشكوك فيه، ومن عرف بالوضع نجد مثل ذلك فيما روي من التفسير، ومن روى من المفسرين. وكان مبدأ ظهور الوضع في الحديث، كما قال كثيرٌ من العلماء: سنة أربعين، أو إحدى وأربعين من الهجرة، كما ذكر شيخنا الشيخ الذهبي في (التفسير والمفسرون) أو في أواخر عصر الخلفاء الراشدين وأوائل عصر بني أمية حين وقعت الفتنة بين المسلمين، وتم أن قتل سيدنا عثمان ﵁ واختلف المسلمون سياسيًّا، وتفرقوا إلى شيعة وخوارج وجمهور أهل السنة، والخوارج يعادون الشيعة، وهناك فرق أخرى.

стр. 299

ووجد من أهل البدع من روجوا بدعهم وتعصبوا لأهوائهم، ودخل في الإسلام ناس من أهل البدع، ومن أبطن الكفر والتحق بالإسلام، ومنهم من أخفى إسلامه بغرض الكيد للإسلام، وتضليل أهله، فوضعوا الروايات الباطلة؛ ليصلوا بها إلى أغراضهِم السيئة ولينتصروا لفرقِهم ويؤيدوا مذاهبهم، واستمرت حركة الوضع تتضخم، وفشا الكذب وانتشر حتى امتلأت كتب التفسير وغيرها بالأباطيل. توالت حركة الوضع، فما أسبابها؟ نقول: لو نظرنا إلى أسباب الوضع في التفسير بالمأثور، وكتب التفسير بالمأثور هي أكثر كتب التفسير فيها قدر كبير من الأحاديث الموضوعة؛ أول الأسباب في وضع الأحاديث: الزندقة: تطلق الزندقة على أتباع دين المجوس مع التظاهر بالإسلام فهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وقد اتسع إطلاق الزندقة؛ فصارت تطلق على الملحدين الذين لا دين لهم، كما أطلقت أيضًا على الإباحيين الذين يتحججون بالقول فيما يمس الدين، وكان الطريق الذي سلكه الزنادقة لانتشار الزندقة هو الكذب على رسول الله ﷺ لإثارة الشبه، وسوق المطاعن؛ رغبة منهم في تنفير الناس من الإسلام والتحلل من أحكامه حتى تضعف قوة المسلمين. انظر (فتح المغيث) للإمام السخاوي، وانظر أيضًا كتاب (السنة النبوية في مواجهة التحدي) للأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم شيخنا؛ فقد نقل مثل هذا وبين أن أسباب الزندقة أو أسباب الوضع منها الزندقة والكراهية، والحقد الراسخ في أذهان أهله للإسلام، والمسلمين؛ فلما وجد هؤلاء الزنادقة أقدس مقدسات

стр. 300

المسلمين هو القرآن الكريم، ولما عجزوا من النيل من القرآن؛ لأن الله قد وعد بأنه حافظ كتابه، فهذا الوعد في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ (الحجر: ٩) لما لم ينل هؤلاء مآربهم من النص القرآني مباشرةً؛ تصوروا أنهم سيجدون في التقول على نبي الإسلام والكذب عليه مآربهم، ومن هنا راحوا يدسون سمومهم، ويروجون أباطيلهم، يحللون بها الحرام، ويحرمون بها الحلال، ويدعون إلى مذاهب الكفر والإلحاد. انظر ما قاله الإمام السيوطي في (تدريب الراوي) قال: وضعت الزنادقة جملًا من الأحاديث يفسدون بها الدين، ولكن جهابذة الحديث؛ أي: رجاله ونقاده بينوا أنها موضوعة، وكشفوا زيفها، ولله الحمد. روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال: وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعةَ عشر ألف حديث، منهم: عبد الكريم بن أبي العرجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي، قال ابن عدي: لما أخذ يضرب عنقه، قال: وضعت فيكم أربعةَ آلاف حديث؛ أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام، هذا اعتراف لواحد من هؤلاء الزنادقة. ومن هؤلاء بيان بن سمعان النهدي الذي ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى ألوهية علي، وزعم مزاعم فاسدة فقتله خالد بن عبد الله القسري على ذلك، وأحرقه بالنار. ويقول الحاكم: كمحمد بن سعيد الشامي المصلوب بالزندقة، فقد روى عن حميد عن أنس مرفوعًا: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله" وضع هذا الاستثناء؛ لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة، والدعوة إلى التنبؤ. انظر أيضًا: (تدريب الراوي) الجزء الأول، وانظر: (الملل والنحل) للشهرستاني، و (الباعث الحثيث) كلهم نقلوا لنا هذه النماذج من أسماء الزنادقة.

стр. 301

إذًا إن الزنادقة وضعوا قدرًا كبيرًا من الأحاديث في العقائد والأخلاق، والحلال والحرام؛ يفسدون بها الدين، ولكن اللهَ قيض للأمة الإسلامية من يحفظ لها دينها من إفساد هؤلاء الزنادقة وعبثهم؛ فقام جهابذة الحديث ونقاده ببيان هذه الأحاديث الموضوعة، وكشفوا عن بطلانها. ثانيًا نقول: من أسباب الوضع في الحديث غير الزندقة؛ مناصرة البدع والآراء والأهواء ومتابعة الضلالات واتباع الهوى دون دليل من القرآن أو السنة؛ ظل المسلمون فكرًا واحدًا وجماعة قوية متحدة لا يتحكم فيها هوى، ولا يتسلط عليها شيطان مدةً من الزمن إلى أن نجح أعداء الإسلام في زرع الفتنة، وهذه الفتنة التي تمثلت في قتل الخليفةِ الثالث عثمان بن عفان ﵁ فَإِثْرَ ذلك انقسم المسلمون بعد ذلك، انقسموا إلى شيعة وخوارج وجمهور أهل السنة، الشيعة هم الذين شايعوا عليًّا وقبلوا التحكيم، الخوارج هم الذين خرجوا على علي بعد قبول التحكيم وانصرفوا عنه وعادوا الشيعة، وكانت حجتهم أنهم: يعدون قبولَ التحكيم كفرًا، وظهر طبعًا جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة، وهم الذين وقفوا على الحياد، لم ينغمسوا في التشيع، ولم يخرجوا مع الخوارج؛ فلم يغمسوا أيديهم في تلك الفتنة، ولم يلوثوها ببدعة الخروج، ولا التشيع. كما ظهرت فرق كلامية كثيرة؛ كالمعتزلة بعد ذلك، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والكرامية؛ فرق كثيرة، وكان بالطبع لكل طائفة من هذه الطوائف آراء ومذاهب، وكل طائفة تدَّعِي أنها وحدها على الحق اليقين، وأن غيرها يهيم في ضلال مبين، بل نظرت كل فرقة إلى ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وحاولت من غير كللٍ أو ملل لَيَّ عنق النص -يعني: يؤولون الآيات والأحاديث بما يتفق مع أهوائهم، وينتصر لمذاهبهم ويا ليت الأمر وقف عند

стр. 302

هذا، بل ذهب بعضهم إلى وضع قدر كبير من الأحاديث، ونسبوها إلى النبي ﷺ وهو منها بَرَاء. يروي لنا الإمام ابن الجوزي بسنده عن شيخ من الخوارج قد تاب ورجع يقول هذا الشيخ: "إن هذه الأحاديث دين؛ فانظر وا عمن تأخذوا دينكم؛ فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا". كما يروي أيضًا ابن الجوزي بسنده إلى حماد بن سلمة، قال: حدثني شيخ لهم؛ الشيعة الرافضة، وهي فرق من شيعة الكوفة سموا بذلك؛ لأنهم رفضوا أي: تركوا زيد بن علي بن الحسين ﵁ حين نهاهم عن الطعن في الصحابة، فلما عرفوا مقالته، وأنه لا يبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر رفضوه، ومن ثم استعمل هذا اللقب في كل من غلى في هذا المذهب، وأجاز الطعن في صحابة رسول الله ﷺ قال: حدثني شيخ لهم عن الرافضة قال: كنا إذا اجتمعنا واستحسنا شيئًا جعلناه حديثًا. وقال الحاكم أيضًا: كان محمد بن القاسم الطيكاني من رءوس المرجئة، وكان يضع الحديث على مذهبهم، ثم روى بسنده عن المحاملي قال: سمعت أبا العيناء يقول: أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد قبلوه، إلا ابن أبي شيبة العلوي؛ فإنه قال: لا يشبه آخر هذا الحديث أوله، وأبى أن يقبله. وإذا كانت هذه الفرق المبتدعة قد وضعت كل هذه الأحاديث لخدمة أغراضها؛ فإن علماء المسلمين أصحاب العقيدة السليمة قد تنبهوا لها منذ مولدها، وكانوا لها بالمرصاد.

стр. 303

روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. مقدمة الإمام مسلم في صحيحه. السبب الثالث من أسباب الوضع في الحديث؛ التعصب العنصري؛ وفي هذا الصدد نجد الشعوبية وضعت أحاديث كثيرة، الشعوبية فرقة تحقر أمر العرب، وتفضل العجم على العرب، وقد نشأت هذه الفرقة في أواخر العهد الأموي، وقويت في عهد الخلفاء العباسيين، الشعوبية وضعوا بعض الأحاديث في تفضيل الفرس على العرب، وفي تفضيل بلدانهم، وعلمائهم وكذلك اللغة الفارسية مع غيرها مثل حديث: "إن كلام الله حول العرش بالفارسية، وإن الله إذا أوحى بأمر فيه شدة أوحاه بالعربية" سبحان الله حديث واضح يحقرون فيه لغة العرب. والعبارة الأخرى: "إذا أوحى بأمر فيه شدة أوحاه بالعربية" يريدون أن يبغضوا إلى الناس اللغة العربية. قال الإمام الشوكاني: هذا الحديث رواه ابن عدي عن أبي أمامة مرفوعًا، وهو موضوع وباطل، لا أصل له، وكل ما ورد في هذا المعنى فهو موضوع، ومن زعم غير ذلك فقد تعسف. ومن ذلك أيضًا ما وضعوه في منقبة أبي حنيفة النعمان: بأنه من أصل فارسي، ومن ذمٍّ للشافعي؛ لأنه عربي، كحديث: "يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة، وهو سراج أمتي هو سر أمتي". انظر: (تدريب الراوي) للسيوطي سبحان الله انظر كيف ينتصرون لأبي حنيفة وهو الإمام، ويذمون الشافعي وهو إمام؛ تعصبًا للعجمية والفارسية وضد العروبة.

стр. 304

ومن أمثلة ما وضعوه في هذا المجال حديث: "يكون في أمتي رجل يقال له النعمان بن ثابت يكنى أبو حنيفة، يحيي الله على يديه ديني، وسنتي" (تدريب الراوي). رابعًا: التعصب المذهبي الفقهي الممقوت؛ فالتعصب ينتج عن الجهل حيث لم يأخذ أصحاب التعصب المذهبي الفقهي بالمبدأ المتفق عليه بين أئمة الفقه، ونادى به كل صاحب مذهب، وهو إذا صح الحديث فهو مذهبي؛ لم يأخذوا بهذا الكلام. فالتعصب الممقوت قد يدفع بعض أصحاب التعصب المذهبي إلي وضع أحاديث تؤيد وتشهد لهم بصحة ما يرون. ومن ذلك ما روي: أنه قيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قومًا يرفعون أيديهم في الركوع، وفي الرفع فيه؛ فقال: حدثنا المسيب بن واضح عن أنس مرفوعًا: "من رفع يديه في الركوع؛ فلا صلاة له" حديث أخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات) قال الشوكاني: رواه الجوزقاني عن أنس مرفوعًا، وهو موضوع، والمتهم به محمد بن عكاشة الكرماني. وهكذا كان للتعصب المذهبي أثره السيئ على الثقافة الإسلامية؛ حيث كان كل صاحب مذهب يكذب، وينسب أحاديث مكذوبة، ويرفعها كذبًا انتصارًا لمذهبه. خامسًا: من الأسباب استرضاء الخلفاء والحكام، والتقرب إليهم بما يوافق هواهم؛ لقد بلغ من بعض النفوس الضعيفة التي أحبت الدنيا، ورغبت في متاعها الزائل أن وضعت الأحاديث، ورأت أن ذلك خير وسيلة للتزلف والتقرب إلى الأمراء، والتقرب إلى الخلفاء؛ لما يوافق هواهم، ويساير رغباتهم؛ بسبب ذلك ما روي عن غياث بن إبراهيم حيث وضع للمهدي في حديث: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح" فزاد فيه كلمة أو جناح، والحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام؛ فتركها بعد

стр. 305

ذلك، وأمر بذبحها، وقال: أنا حملته على ذلك؛ يعني أدرك هذا الأمير أن الحديث زيد فيه، وكذب فيه بزيادة لفظ "أو جناح"، وذكر: أنه لما قام قال هذا الخليفة: أشهد أن قفاك قفا كذاب. وقد يحمل هذا النوع بعدًا سياسيًّا، كما حكى أبو عبد الله ولي المهدي، قال: قال لي المهدي: ألا ترى ما يقول لي مقاتل، قال: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: لا حاجة لي فيها سبحان الله. سادسًا: من الأسباب أيضًا التي روجت للأحاديث الموضوعة الترغيب والترهيب مع الرغبة في الخير والجهل بالدين؛ وذلك أن قومًا من العباد والزهاد رأوا الناس قد انصرفوا عن القرآن، فأرادوا أن يصرفوهم إلى القرآن ويعيدوهم إليه، وإن كانت الوسيلة في ذلك غير مشروعة، وتتمثل في الكذب على رسول الله ﷺ فقد فعلوا ذلك. ومن أمثلة ما وضع حسبة ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قال لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق؛ فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لأبي عصمة هذا: نوح الجامع، قال ابن حبان: نوح هذا جمع كل شيء إلا الصدق. وروى ابن حبان في (الضعفاء) عن ابن مهدي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث؟ من قرأ كذا فله كذا، ومن قرأ سورة كذا فله كذا؟، قال: وضعتها أرغب الناس، وهذا العمل مع ما فيه من حسن النية إلا أنه مردود غير مقبول؛ لأن النصوص الشرعية فيها من الترغيب والترهيب ما يجعلنا في غنًى عن هذا الكذب على رسول الله ﷺ وهذا العمل كأنه استدراك على الله وهو

стр. 306

يتنافى مع قول الله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣). على كل حال أيًّا كان الكذب الكذب للقرآن أو لرسول الله هو كذب على رسول الله ﷺ يتناوله عموم الحديث الذي مضى، وقلنا: إنه متواتر: ((من كذب علي متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار)). سابعًا: من الأسباب التي أدت إلى نشر وفشو الأحاديث الموضوعة؛ حب الظهور؛ حب الظهور حمل أصحابه على الوضع في الحديث فجعلوا لذي الإسناد الضعيف إسنادًا صحيحًا، وجعل بعضهم الحديث إٍسناده غير إسناده المشهور ليستغرب ويطلب، قال الحاكم أبو عبد الله: ومن هؤلاء إبراهيم بن اليسع، وهو ابن أبي حية كان يحدث عن جعفر الصادق وهشام بن عروة فيركب حديث هذا على حديث ذلك؛ لتستغرب بتلك الأحاديث بتلك الأسانيد، قال: ومنهم حماد بن عمرو النصيحي، وبهلول بن عبيد، وأصغم بن حوشب. قال الحافظ ابن حجر: وهذا داخلٌ في قسم المقلوب، نوع من الأحاديث الضعيفة الأحاديث المقلوبة يأخذ سند هذا على الحديث الآخر وسند الحديث الآخر على الحديث الأول، ويقلب هذا وذاك. ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) فيقول: روى مسلم بن الحجاج: أن يحيى بن أكثم دخل مع أمير المؤمنين حمص فرأى كل من بها شبيه الثيران، فدخل شيخ على رأسه ديبة، وله جبة، فأدناه، وقال: يا شيخ من أنت؟ قال: استغنيت عن جميع الناس بشيخي، قال: ومن لقي شيخك، قال الأوزاعي: عن من؟ قال: عن مكحول، قال: ومكحول عن من؟ قال: عن سفيان بن عيينه، قال: وسفيان عن من؟ قال: عن عائشة، قال له: يحيى قال: يا شيخ أراك تعلو إلى أسفل" نقل هذا الحديث ابن الجوزي في (الموضوعات).

стр. 307

تاسعًا: من الأسباب في الوضع؛ طلب الدنيا بذكر غرائب القصص وأعاجيب الروايات يستميلون بها الناس؛ لقد استغل بعض القصاص ميول الفطرة إلى استماع ما كان غريبًا عن الطبائع؛ فكذبوا على رسول الله ﷺ ورووا الأعاجيب والغرائب والأشياء التي لا تصدق؛ يستميلون بها الناس. روى ابن الجوزي في (الموضوعات) بسنده إلى جعفر بن محمد الطيالسي قال: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهِم رجل قاص -يعني: يذكر قصصًا- فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله؛ خلق الله من كل كلمة منها طيرًا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قص نحو عشرين ورقة؛ فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين الذي قال الراوي هذا: إن الرواية عنهما، وأخذ يحيى ينظر إلى أحمد فقال له: أنت حدثته بهذا؟ قال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه وأخذ القطيعات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده تعالى؛ فجاء متوهمًا النوال، ظنه سيعطيه من الأموال والعطايا الكثير، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ فإن كان لا بد والكذب فعَلَى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققته إلا هذه الساعة، قال له يحيى: كيف علمت أنني أحمق؟ قال: كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، قد كتبت عن سبعة عشرة أحمد بن حنبل ويحيي بن معين، فوضع أحمد كُمَّهُ على وجهه يغطي وجهه، وقال: دعه يقوم فقام كالمستهزئ بهما.

стр. 308

والروايات في هذا كثيرة؛ بعض الذين يكذبون إذا استنكر من يقومه ويصحح كذبه أو يكشف كذبه كان يضرب العالم الذي يصحح له كذبه. عاشرًا: إقامة دليل على ما أفتى؛ قال الإمام السيوطي ﵀: وهناك درب يلجئون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم فيضعون؛ أي: يكذبون، وقيل: إن الحافظ أبا الخطاب بن دحية كان يفعل ذلك؛ وكأنه الذي وضع الحديث في قصر المغرب، ومن ذلك ما رواه ابن الجوزي عن سعيد بن طريف: أنه رأى ابنه يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، فقال: أما والله لأخزينهم، حدثني عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "معلمو صبيانِكُم شرارُكُم". انظر: (الموضوعات) لابن الجوزي هكذا كانوا يكذبون؛ ليقيموا دليلًا على ما أفتوا به من القول. الحادي عشر: وهو ما ذكره الإمام السيوطي بقوله: وهناك درب امتحنوا بأولادهم أو ربائب أو وراقين فوضعوا لهم أحاديث ودسوها عليهم، فحدثوا بها من غير أن يشعروا كعبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، وكحماد بن سلمة ابتلي بربيبه ابن أبي العرجاء؛ فكان يدس في كتبه، وكعمر كان له ابن أخ رافضي فدس في كتبه حديثًا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس قال: نظر النبي ﷺ إلى علي، فقال: "أنت سيد في الدنيا، وسيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي". فحدث به عبد الرزاق عن معمر وهو باطل موضوع. كما قال ابن معين. هذه هي الأسباب حول الوضع وأسباب انتشاره في التفسير وفي كتب التفسير في بالمأثور على وجه الخصوص.

стр. 309

علامات الحديث الموضوع علامات الحديث الموضوع: إنها علامات متنوعة؛ فمنها ما هو خاص بالراوي، ومنها ما هو خاص بالمروي؛ المتن الكلام نفسه، ومنها ما يشمل الأمرين معًا. فمن العلامات الموجودة في الراوي: أن يُقِرَّ الراوي بأنه هو الذي وضع الحديث، كما أقر ميسرة بن عبد ربه الفارسي، أنه هو الذي وضع أحاديث في فضل القرآن، سورةً سورة، وكما اعترف عمر بن صبح بوضع خطبة على النبي ﷺ . وقد اعترض ابن دقيق العيد على الحكم بالوضع بإقرار من ادعى وضعه، كيف يعمل بقوله مع اعترافه بالوضع؟ يعني: إذا كان هو كذابًا، فكيف يعمل بقوله؟ ثم أجاب عن هذا الاعتراض بقوله: وهذا كاف في ردِّهِ كونه يكذب ويضع، فما يرويه وينقله بعد ذلك مردود، لكن ليس بقاطع في كونه موضوعًا؛ لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه، هكذا ذكر الإمام السيوطي، قال ابن عراق: وإنما هو مؤاخذة له بموجب إقراره، كما يؤخذ الشخص باعترافه بجريمة الزنا، أو جريمة القتل، ونحو ذلك. ثانيًا: من العلامات الموجودة في الراوي؛ ما يُنَزَّل منزلة إقراره بالوضع بأن يكون هناك قرينة مانعة من صحة الحديث، كأن يروي الحديث عن شخص ثم لم يثبت لقاؤه به، أو أنه ولد بعد وفاته، أو أنه لم يدخل المكان الذي ولد فيه. قال الإمام السيوطي: سأل إسماعيل بن عياش رجلًا اختبارًا، أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاثة عشرة ومائة، فقال: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين؛ فإنه مات سنة ستٍّ ومائة.

стр. 310

وسأل الحاكم محمد بن حاتم الكيني عن مولده لما حدث عن عبد بن حميد، فقال: سنة ستين ومائتين، فقال: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة، هذا كلام (تدريب الراوي) على ما في هذه العبارات من أخطاء. ولهذا فقد اهتم المحدثون بمعرفة وفيات الرواة ومواليدهم، ومقدار أعمارهم، وهو فن عظيم يعرف به اتصال السند وانقطاعه، ويعرف به كذلك الكذابون والمدلسون، قال سفيان الثوري: لما استعمَلَ الرواةُ الكذبَ؛ استعملنا لهم التاريخ. ننتقل إلى علامات الوضع المتعلقة بمتن الحديث؛ أي: إلى الكلام نفسه؛ فمن علامات الوضع التي ترجع إلى الكلام نفسه: أن يكون الحديث مخالفًا للقرآن الكريم؛ مثال ذلك حديث: "إذا روي عني حديث فعرضوه على كتاب الله، فإذا وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه". قال عنه الإمام الشوكاني: قال الخطابي: وضعته الزنادقة، ويدفعه حديث ((أوتيت الكتاب ومثله مع)) كذا قال الصنعاني: قلت: وقد سبقهما إلى نسبة وضعِهِ إلى الزنادقة الإمام يحيى بن معين، كما حكاه عنه الذهبي على أن في هذا الحديث الموضوع نفسه ما يدل على رده؛ لأنا إذا عرضناه على كتاب الله خالفه؛ ففي كتاب الله قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧). فإن قول رسول الله ﷺ يقبل بنص القرآن: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (آل عمران: ٣١) وهذه الآية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ فكل ما يأتي من رسول الله ﷺ ويصح نقله عنه يقبل، ولن نجد فيه مخالفةً لما في كتاب الله؛ لأن مصدرَ الوحي واحدٌ، والله ﷻ يقول: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٢ - ٤).

стр. 311

ثانيًا: من علامات الوضع الراجعة إلى متن الحديث: أن يكون الحديث مخالفًا للسنة مثاله الحديث: "إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق؛ فخذوا به حدثت به أو لم أحدث" فهذا مناقض لقول النبي ﷺ في الحديث المتواتر السابق ذكره: ((من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)). وثالثًا: أن يكون الحديث مخالفًا للإجماع، وذلك مثل حديث: "من قضى صلاة من الفرائض في آخر جمعة من شهر رمضان؛ كان ذلك جابرًا لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة" قال القاضي عن هذا الحديث: باطل؛ لأنه مناقض لإجماع الأمة، على أن شيئًا من العبادات لا تقوم مقام صلاة فاتته سنوات، ثم لا عبرة بنقل النهاية ولا تبعية. (شرح الهداية) فإنهم ليسوا من المحدثين، ولا أسندوا الحديث إلى أحد من المخرجين. رابعًا: من علامات الوضع التي تعود إلى متن الحديث: أن يكذبه الحس والمشاهدة وترده، كحديث ما ورد في بعض الخضر، والمطعومات "إنما الباذنجان شفاء من كل داء، ولا دواء فيه" قال عنه ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ فلا سقى الغيث قبر من وضعه؛ لأنه قصد شين الشريعة؛ بنسبة رسول الله إلى غير مقتضى الحكمة والطب، ثم نسبه إلى ترك الأدب في أكل باذنجانة في لقمة إلى أن يقول: والمتهم في هذا الحديث أحمد بن محمد بن حرب، قال ابن عدي: كان يتعمد الكذب، ويلقن فيتلقن، وهو مشهور بالكذب، ووضع الأحاديث. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 312

الدرس: ١٨ الدخيل في المنقول عن طريق الأحاديث الموضوعة (٢) - نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (١) .

стр. 313

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (الدخيل في المنقو ل عن طريق الأحاديث الموضوعة (٢) - نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (١)) تابع علامات الحديث الموضوع الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: العلامة الخامسة من علامات الحديث الموضوع - العلامة التي تعود إلى النص-: أن يكون الحديث مخالفًا للعقل، ومثل هذا ما ذكر له السيوطي أمثلة، بقوله: ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصَلَّتْ عند المقام ركعتين" وسبق هذا الحديث، فيما تكلمنا عن الدخيل في سفينة نوح ﵇. وقد أسند من طريقه محمد بن شجاع البلخي، عن الحسان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفَرَسَ فأجراها فعرقت، فخلق نفْسَهُ منه" هذا الحديث سنورده بتفصيل أكثر ونعرف أنه لا يضعه مسلم ولا عاقل، فهذا الحديث كما نقلته كتب النقد البينة الواضحة؛ قد نقل عن ابن قتيبة. الحديث يدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة من الزنادقة واجتيالهم للإسلام، وكالأحاديث التي ذكروها من عرق الخيل، وعيادة الملائكة، وقصص الذهب على جملٍ أورق، وزغب الصدر، ونور الذراعين، مع أشياء لا تعقل، وليست تخفى على أهل الحديث. قال شيخنا أبو شهبة، وهو يروي لنا هذا الحديث بتفصيل، يقول: حديث عرق الخيل هو ما روي كذبًا " أن الله لما أراد أن يخلق نفسه، خلق الخيل وأجراها فعرقت، فخلق نفسه منها"، قال ابن عساكر: هذا حديث موضوع، وضعه الزنادقة؛ ليشنعوا على أهل الحديث في روايتهم المستحيلَ، وهو مما يقطع ببطلانِهِ عقلًا وشرعًا.

стр. 314

أما حديث عيادة الملائكة: فهو ما روي كذبًا أيضًا "أن الله اشتكت عيناه، فعادته الملائكة" وأما حديث قصص الذهب فلعل المراد به ما روي كذبًا "ينزل ربنا عشية عرفه على جمل أورق، يصافح الركبان ويعانق المشاة" قال العلامة ابن تيمية: هو من أعظم الكذب، أما حديث زغب الصدر؛ فهو أيضًا ما روي زورًا "خلق الله تعالى الملائكة من شعر ذراعيه وصدره، أو نورهما". أحاديث كلها كذب لا تقبل لا عقلًا ولا شرعًا ولا منطقًا، وربما يكون لنا عودة إلى أنواع من الأحاديث، التي ذكرتها الفرق الضالة والزنادقة، كما فعلت الخوارج والقدرية والمرجئة والكرامية والباطنية. ونظرة سريعة: الخوارج: هم الذين خرجوا على علي ومعاوية وأتباعهما، بعد ارتضاءِ عليٍّ ومعاوية بالتحكيم، وقالوا -أي الخوارج-: لا حكم إلا لله. القدرية هم الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، فقد سلبوها عن الله سبحانه ونسبوها لأنفسهم. المرجئة: هم الذين يؤخرون الأعمال عن الإيمان، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفرِ طاعة. أما الكرَّامية: فهم أتباع محمد بن كرَّام السجستاني. الباطنية: هم الذين يقولون: إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، والمراد الباطن، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، ولهؤلاء أحاديث وضعوها تؤيد مذاهبهم، وينتصرون بها لأهوائهم، لنا عودة إلى نماذج من كلام هؤلاء فيما يأتي -إن شاء الله.

стр. 315

نعود إلى استكمال هذا الحديث، الذي ذكره لنا الإمام السيوطي ﵀ في (تدريب الراوي)، يقول: هذا الحديث: "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت، فخلق نفسه منه" لا يضعه مسلم ولا عاقل، والمتهم به محمد بن شجاع كان زائغًا في دينه، وفيه أبو المهزم؛ قال شعبة: رأيته ولو أعطي درهمًا وضع خمسين حديثًا. سادسًا: من علامات وضع الحديث الراجع إلى متنه: أن يكون الحديث مخالفًا لما ثبت من حقائق تاريخية. وذلك كالحديث الذي رواه ابن الجوزي في (الموضوعات) في فضائل السيدة فاطمة الزهراء ﵂ بنت رسول الله ﷺ حيث وَرَدَ من طريقين عن عمر ﵁ ومن أربعة طرق عن عائشة ﵂ وينص هذا الحديث على أن النبي ﷺ كان كثيرًا ما يقبل فاطمة، فقالت له أم المؤمنين عائشة: يا رسول الله، أراك تفعل شيئًا لم تفعله، قال: "أو ما علمتي يا حميراء، أن الله لما أسري بي إلى السماء أمر جبريل فأدخلني الجنة، ووقفني على شجرة، ما رأيت أطيبَ منها رائحةً، ولا أطيبَ ثمرًا، فأقبل جبريل يفرك، ويطعمني، فخلق الله في صلبي منها نطفة، فكما صرت إلى الدنيا، وو اقعت خديجة فحملت بفاطمة، كلما اشتقت إلى رائحة تلك الشجرة شممت نحو فاطمة، فوجدت رائحة تلك الشجرة فيها، وأنها ليست من نساء أهل الدنيا، ولا تفعل، كما يفعل أهل الدنيا". هناك روايات فيها أكثر من ذلك، قال عن هذا الحديث ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، لا يشك المبتدئُ في العلم في وضعه، فكيف بالمتبحر؟ ولقد كان الذي وضعه أجهل الجهال بالنقل والتاريخ، فإن فاطمة ولدت قبل النبوة بخمسِ سنين، وقد تلقفه منه جماعة أجهل منه؛ فتعددت طرقه، وذكره الإسراء كان أشد لفضيحته، فإن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة بعد موت خديجة ﵂ فلما

стр. 316

هاجر أقام بالمدينة عشر سنين، فعلى قول من وضع هذا الحديث يكون لفاطمة يوم مات النبي ﷺ عشر سنين وأشهر. وقال عنه الحافظ ابن حجر: فاطمة ولدت قبل ليلة الإسراء بالإجماع، وقال الذهبي: فاطمة ولدت قبل النبوة فضلًا عن الإسراء، كل هذا يدل على أن راوي هذا الحديث واضح كذبه، فقد ذكر ولادتها بعد التوقيت الصحيح بسنين طويلة. سابعًا: من علامات الوضع في الحديث: أن يكون الخبر مخالفًا لسنة الله في الكون والإنسان، وذلك مثل حديث: "ابنتي فاطمة حوراءُ آدميةٌ، لم تحض ولم تطمث، وإنما سماها الله فاطمة؛ لأن الله تعالى فطمَهَا وحجبَهَا عن النار"، قال ابن عراق تعقيبًا على هذا الحديث: أخرجه الخطيب من حديث ابن عباس، وقال: ليس بثابت، وفيه غير واحد من المجهولين. ثامنًا: أن يكون الخبر ركيكًا؛ هذه علامة من علامات الوضع الراجعة إلى متن الحديث: أن يكون الخبر ركيكًا في معناه؛ سواء اجتمعت مع ركاكة المعنى ركاكة في اللفظ أو لا، قال الحافظ ابن حجر: المدار في الركة ركة المعنى، فحينما وجدت دلت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركةُ اللفظ؛ لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، أما ركاكةُ اللفظِ؛ فلا تدل على ذلك؛ لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى؛ فغيَّرَ ألفاظه بغير فصيح. تاسعًا: من علامات الوضع: أن يشتمل الحديث على إفراط ومبالغة في الثواب العظيم على العمل اليسير، أو اشتماله على المبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير. وأكثر ما يكون ذلك في أخبار القصاص وحكايات المتصوفين، مثال ذلك حديث "من سمع سورة " يس " عدلت له عشرين دينارًا في سبيل الله، ومن قرأها عدلت له عشرين حجة، ومن كتبها وشربها أدخلت جوفه ألف يقين، وألف نور، وألف رحمة، وألف رزق، وألفَ هداية، ونزعت منه كل غل".

стр. 317

قال عنه الإمام الشوكاني: رواه الخطيب عن علي ﵁ مرفوعًا، وهو ضعيف. ومثال الثاني؛ أن يكون فيه وعيد شديد على العمل اليسير، حديث "من لم يداوم على أربع قبل الظهر، لم تنله شفاعتي" قال ابن عراق الدمشقي: سئل عنه الحافظ ابن حجر، فقال: لا أصل له. ومن ذلك خبر "من أعان تارك الصلاة بلقمة، فكأنما أعان على قتل الأنبياء كلهم" قال الشوكاني: قال السيوطي في (الذيل): موضوع. عاشرًا: من علامات الوضع: أن يكون الراوي رافضيًّا والحديث في فضائل آل البيت؛ لأن الروافض متعصبون لآل البيت، وذلك مثل حديث "خلقت أنا وعلي من نور، وكنا على يمين العرش، قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ثم خلق الله آدم، فانقلبنا في أصلاب الرجال، ثم جعلنا في صلب عبد المطلب، ثم شق أسماء نا من اسمه، فالله محمود، وأنا محمد، والله الأعلى، وهذا علي" قال الشوكاني: هو موضوع، وضعه جعفر بن أحمد بن علي، وكان رافضيًّا وضاعًا. وقد يعرف الوضع أيضًا، وهذا رقم حادي عشر والأخير: يعرف الوضع بقرائن في الراوي؛ وهذه الأشياء ترجع إلى الراوي أو المروي أو فيهما معًا، ومثال ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التيمي، أنه قال: كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكُتَّابِ يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينه اليوم، الحديث الذي سبقه، فقال الحديث، حدثني عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "معلمو صبيانكم شراركم؛ أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين" هذا كلام واضح أنه موضوع من كلام الراوي، وسع ي د بن طريف هذا المذكور في السند، قال فيه يحي بن معين: لا يحل لأحدٍ أن يرويَ عنه، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، وراوي القصة عنه سيفُ بن عمر، قال فيه الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط.

стр. 318

حكم رواية الحديث الموضوع إذا كانت هذه الأحاديث الموضوعة بهذه الكثرة، على اختلاف أسبابها، وعلى اختلاف علامات الوضع، فهل يجوز روايةُ الحديث الموضوع؟ الحقيقة: لا تجوز رواية الحديث الموضوع، إلا إذا جاء مقترنًا ببيان وضعه، والنص على كذبه، حتى لا يعتقد الناس في صحته، ويعملون بمقتضاه، ويأخذ ابن الجوزي ﵀ على بعض العلماء، روايةَ الموضوع من غير تبيينٍ لدرجتِه، أو كشف وضعه، ويعتبرُهُ من تلبيس إبليس عليهم، يقول ابن الجوزي: ومن تلبيس إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع، وهذه جناية منهم على الشرع، ومقصودهم ترويج أحاديثهم وكثرة رواياتهم. وقد قال ﷺ : ((من روى عني حديثًا، يُرَى أنه كذب -أو يرى- أنه كذب، فهو أحد الكاذِبَين، أو الكاذِبِين)) يقرئ الحديث بالتشكيلتين. ((ي ُ رى)) أي: يظن أنه كذب، حتى مجرد أن تظن أن هذا كذب على رسول الله، فمن ينقله يعتبر مشاركًا في الكذب على رسول الله، ((أو يَرَى)) ويعلم أنه كذب تكون المصيبة والإثم أعظم، ((فهو أحد الكاذ ِ ب َ ين)) كأن الذي يكذب، الذي ينقل الحديث عن الكذابين وقائله الذي كذب أولًا، أو ((هو أحد الكاذ ِ ب ِ ين)) كأن الكاذبين هم جملة، وهو واحد منهم. هكذا قال العلماء سلفًا وخلفًا، لا يحل رواية الحديثِ الموضوع في أيِّ بابٍ من الأبواب، سواء كان في الحلال والحرام، أو في الترغيب أو في الترهيب، أو في

стр. 319

القصص أو نحو ذلك، إلا مقترنًا ببيان أنه موضوع ومكذوب؛ سواء كان في الحلال والحرام، أو في التواريخ، أو في أيِّ نوعٍ من أنواعِ الموضوعاتِ. وفي حكم الموضوعات الإسرائيليات، التي أُلْصِقَت كذبًا وزورًا على النبي ﷺ وأن فاعل ذلك يستوجب التأديب والعقاب، بل يستوجب الضرب الشديد والحبس الطويل كما نقل عن الإمام البخاري، بل بالغ بعض العلماء؛ فأحل دمَ من يكذب على رسول الله ﷺ فقد نقل شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة هذا الرأي عن يحيى بن معين -رحم الله الجميع. هذه خلاصة حكم رواية الحديث الموضوع. الأحاديث الموضوعة في فضائل سور القرآن ولشيخنا الشيخ أبو شهبة في هذا المجال نقل عن عمر بن الخطاب وعن علمائنا ورجالنا، يحذرونا أشد التحذير من رواية هذه الأحاديث الموضوعة؛ لأنها تفسد عقائد الأمة وتؤثر في من يقرؤها؛ إذ إنه يرى في هذه الأحاديث طعنا في ديننا وثقافتنا الإسلامية. ولا مانع أن نمر سريعًا على ما نقل عن بعض هؤلاء الفرق، التي نقلت أحاديث ودسوها في كتب التفسير، هناك الخوارج والقدرية والفرق الأخرى وضعوا أحاديث تؤيد مذاهبهم، قال شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من هذا، وتفاقم الأمر في الفلاسفة؛ فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه. فالرافضة مثلًا يقولون في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١)، يقولون هما أبي بكر وعمر، ويقولون في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزمر: ٦٥)، يقولون: أي بين أبي بكر وعمر، وعلي في الخلافة: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾

стр. 320

كأن الخطاب إن أشركت أب ابكر وعمر في الخلافة، وقالوا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (البقرة: ٦٧) قالوا: المراد عائشة، وقالوا في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة: ١٢) قالوا: هم طلحة والزبير، وقالوا في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (الرحمن: ١٩) والآية: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (الرحمن: ٢٢) ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ علي وفاطمة، ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ الحسن والحسين، وقالوا: إنما وليكم في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥) قالوا: هو علي. ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، في أن عليًّا تصدق بخاتمه، وهو في الصلاة، وسنذكر ذلك فيما يستقبل -إن شاء الله. في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (البقرة: ١٥٧) قالوا: نزلت في علي لما أصيب بحمزة، ومما يقارب هذا ما ذكروه أيضًا في قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: ١٧)، إن ﴿الصَّابِرِينَ﴾ رسول ﷺ ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ أبو بكر ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ عمر، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ عثمان ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ علي، مع أن الصفات طيبة، لكن هذا لم يرد فيه تحديد، هناك كلام كثير نغض الطرف عنه الآن، ولنعد إلى نماذج من الأحاديث الموضوعة الأخرى. ونبدأ بأشهر ما ورد في هذا النوع من الأحاديث الموضوعة. نقول: لا نقصدُ في ذكر الأحاديث الموضوعة في مجال التفسير، أن نستقْصِيَ كل ما ذُكِر، إنما نشير إلى نماذج منها، وعلى سبيل الإجمال ودون تفصيل، فإن الحقيقة التي لا تخفى، ولا تغيب، أننا لو أردنا استقصاء، واستقراء كل ما ورد من الأحاديث الموضوعة أو الإسرائيليات مما يسمى الدخيل والموضوعات في
следующие страницы →